Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
ذكر غزوة بدر العظمى
بطنه ، ثم جاء من الليل فعلّقه (١) بأستار الكعبة ، فخافوهم بسبب ذلك الذي وقع بينهم .
قال ابن إسحاق(٢) : فحدّثني يزيد بن رومان ، عن عروة بن الزّبير، قال: لمّا أجمعت قريشٌ
المسير ، ذكرت الذي كان بينها وبين بني بكرٍ ، فكاد ذلك أن يثنيهم ، فتبدّى لهم إبليس في صورة
سراقة [ بن مالك ] بن جعشم المدلجيّ ، وكان من أشراف بني كنانة ، فقال : أنا لكم جارٌ من أن تأتيكم
كنانة من خلفكم بشيءٍ تكرهونه . فخرجوا سراعاً .
قلت: وهذا معنى قوله تعالى (٣): ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١) وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ اَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنَى
◌َارٌ لَكُمْ فَلَمَا تَرَآءَتِ اُلْفِتَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنَّىِ بَرِىٌّ مِنكُمْ إِنَّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ
أَلْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ٤٧ - ٤٨]. غرّهم - لعنه الله - حتى ساروا، وسار معهم منزلةً منزلةً، ومعه جنوده
وراياته ، كما قاله غير واحدٍ منهم ، فأسلمهم لمصارعهم ، فلمّا رأى الجدّ والملائكة تنزل للنصر ،
وعاين جبريل ، نكص على عقبيه ، وقال : إنّ بريءٌ منكم، إنّي أرى ما لا ترون، إنّي أخاف الله. وهذا
كقوله [تعالى]٤): ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٌّ مِنكَ إِنَّّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ
اَلْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦].
وقد قال [الله ] تعالى(٥): ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُّ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [ الإسراء: ٨١]. فإبليس
- لعنه الله - لمّا عاين الملائكة يومئذٍ تنزل للنصر، فرّ ذاهباً، فكان أوّل من هرب يومئذٍ ، بعد أن كان هو
المشجّع لهم ، المجير لهم ، كما غرّهم ووعدهم ومنّاهم ، وما يعدهم الشّيطان إلّ غروراً .
وقال يونس(٦) عن ابن إسحاق : خرجت قريشٌ على الصّعب والذّلول، في تسعمئةٍ وخمسين
مقاتلاً ، معهم مئتا فرسٍ يقودونها ، ومعهم القيان يضربن بالدّفوف ، ويغنّين بهجاء المسلمين ، وذكر
المطعمين لقريشٍ يوماً يوماً .
وذكر الأموي (٧) أنّ أوّل من نحر لهم ، حين خرجوا من مكّة ، أبو جهلٍ ؛ نحر لهم عشراً ، ثم نحر
لهم أميّة بن خلفٍ بعسفان تسعاً ، ونحر لهم سهيل بن عمروٍ بقديدٍ عشراً ، ومالوا من قديدٍ إلى مياهٍ نحو
(١) أي سيف عامر .
٢٠) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦١٢).
٣) انظر ((تفسير ابن كثير)) (١٦/٤ - ١٩).
: انظر ((تفسير ابن كثير)) ( ٨/ ١٠١ - ١٠٢ ).
(٥) انظر ((تفسير ابن كثير)) ( ١٠٩/٥).
٦٠) وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٢/٣).
(١) وأخرجه الواقدي في ((المغازي)) (١٤٤/١) عن موسى بن عقبة، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٠٩/٣ -
١١٠ ).

٤٢
ذكر غزوة بدر العظمى
البحر ، فظلّوا فيها وأقاموا بها يوماً ، فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعاً ، ثم أصبحوا بالجحفة ، فنحر لهم
يومئذٍ عتبة بن ربيعة عشراً، ثم أصبحوا بالأبواء ، فَنَحَر لهم نبيهٌ ومنّةٌ ابنا الحجّاج عشراً، ونحر لهم
العباس بن عبد المطّلب عشراً ، ونحر لهم على ماء بدرٍ أبو البختريّ عشراً ، ثم أكلوا من أزوادهم .
قال الأمويّ : [ حدّثنا أبي ] حدّثنا أبو بكرٍ الهذليّ قال: كان مع المشركين ستّون فرساً وستّمئة درعٍ ،
وكان مع رسول الله وَّل فرسان وستّون درعاً.
هذا ما كان من أمر هؤلاء في نفيرهم من مكّة، ومسيرهم إلى بدرٍ. وأمّا رسول الله ◌َّ فقال ابن
إسحاق(١): وخرج رسول الله وَ ﴿ في ليالٍ مضت من شهر رمضان، في أصحابه ، واستعمل ابن أمّ مكتومٍ
على الصلاة بالناس ، وردّ أبا لبابة من الرّوحاء ، واستعمله على المدينة ، ودفع اللّواء إلى مصعب بن
عميرٍ، وكان أبيض، وبين يدي رسول الله وَّلي رايتان سوداوان؛ إحداهما مع عليّ بن أبي طالبٍ ، يقال
لها : العقاب . والأخرى مع بعض الأنصار .
قال ابن هشام(٢) : كانت راية الأنصار مع سعد بن معاذٍ .
وقال الأمويّ : وكان معهم فرسان كانت مع الحباب بن المنذر .
قال ابن إسحاق(٣): وجعل رسول الله بَّل على السّاقة قيس بن أبي صعصعة أخا بني مازن بن النّجّار.
وقال الأمويّ(٤) : وكان معهم فرسان ، على إحداهما مصعب بن عميرٍ ، وعلى الأخرى الزّبير بن
العوّام ، ومرّةً سعد بن خيثمة ، ومرةً المقداد بن الأسود .
وقد روى الإمام أحمد(٥) ، من حديث أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرّبٍ ، عن عليٍّ قال : ما كان
فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المقداد .
وروى البيهقيّ(٦) ، من طريق ابن وهبٍ ، عن أبي صخرٍ ، عن أبي معاوية البجليّ(٧) ، عن سعيد بن
جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ أنّ عليّاً قال له : ما كان معنا إلّا فرسان ؛ فرسٌ للزّبير، وفرسٌ للمقداد بن الأسود.
يعني يوم بدرٍ .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٢/١ - ٦١٣).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦١٣).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦١٣).
(٤) وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣/ ١١٠).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (١٢٥/١، ١٣٨) وهو حديث صحيح.
(٦) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٩/٣).
(٧) في (أ) و(ط): ((البلخي)). والتصحيح من ((دلائل النبوة)). وانظر ((تهذيب الكمال)) (٣٠٣/٣٤).

٤٣
ذكر غزوة بدر العظمى
قال الأمويّ(١): حدّثنا أبي، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالدٍ عن البهيّ(٢) قال: كان مع رسول الله وَل
يوم بدرٍ فارسان ؛ الزّبير بن العوّام على الميمنة ، والمقداد بن الأسود على الميسرة .
قال ابن إسحاق (٣): وكان معهم سبعون بعيراً يعتقبونها٤)، فكان رسول الله مَ لٍ وعليٍّ ومرثد بن أبي
مرئدٍ يعتقبون بعيراً ، وكان حمزة وزيد بن حارثة وأبو كبشة وأنسة(٥) يعتقبون بعيراً . كذا قال ابن
إسحاق ، رحمه الله تعالى .
وقد قال الإمام أحمد(٦) : حدّثنا عفان، عن حمّاد بن سلمة ، حدّثنا عاصم بن بهدلة ، عن زرّ بن
حبيشٍ ، عن عبد الله بن مسعودٍ قال : كنّا يوم بدرٍ كلّ ثلاثةٍ على بعيرٍ ؛ كان أبو لبابة وعليٍّ زميلَي رسول الله
مٍَّ، قال: فكانت عقبةُ(٧) رسول الله وَ له، فقالا: نحن نمشي عنك. فقال: ((ما أنتما بأقوى منّي، ولا
أنا بأغنى عن الأجر منكما )) .
وقد رواه النّسائيّ(٨) عن الفلاّس ، عن ابن مهديٍّ، عن حمّاد بن سلمة به .
قلت : ولعلّ هذا كان قبل أن يردّ أبا لبابة من الرّوحاء ، ثم كان زميلاه عليٍّ ومرثدٌ بدل أبي لبابة ، والله
أعلم .
وقال الإمام أحمد (٩): حدّثنا محمد بن جعفرٍ، حدّثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى(١٠) ،
عن سعد بن هشام، عن عائشة: أنّ رسول الله وَ لتر أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدرٍ . وهذا
على شرط ((الصحيحين)). وإنّما رواه النّسائيّ(١١)، عن أبي الأشعث، عن خالد بن الحارث ، عن
سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة به .
قال شيخنا الحافظ المزّيّ في ((الأطراف)(١٢): وتابعه سعيد بن بشيرٍ(١٣) ، عن قتادة ، وقد رواه
(١) انظر ((تاريخ الإسلام))، ((المغازي)) ص (٧٩).
(٢) في (أ) و(ط): ((التيمي)). والتصحيح من ((تهذيب الكمال)) ( ٣/ ٧٠).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦١٣).
(٤) أي يتعاقبونها في الركوب واحداً بعد واحد. انظر (( لسان العرب)) (عقب).
(٥) وهو من موالي رسول الله وَلهانظر ترجمته في ((أسد الغابة)) (١٥٦/١) و((الإصابة)) (١٣٥/١).
(٦) رواه أحمد في (( المسند)) (١/ ٤١١) وهو حديث حسن من أجل عاصم بن بهدلة .
(٧) أي جاءت نَّوْبَتُه ووقت ركوبه. انظر ((لسان العرب)) (عقب ).
(٨) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨٨٠٧).
(٩) في ((المسند)) (٦/ ١٥٠) وهو حديث صحيح.
(١٠) فى (أ) و(ط): ((زرارة بن أبي أوفى)) وهو خطأ. والتصحيح من ((تهذيب الكمال)) (٣٣٩/٩).
(١١) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)) (٨٨٠٩).
(١٢) يعني ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) والنقل منه (١١/ ٤١٠).
(١٣) في (أ) و(ط): ((سعيد بن بشر)) والتصحيح من ((تحفة الأشراف)) وانظر ((تهذيب الكمال)) (٣٤٩/١٠).

٤٤
ذكر غزوة بدر العظمى
هشامٌ ، عن قتادة ، عن زرارة ، عن أبي هريرةُ(١) ، فالله أعلم.
وقال البخاريّ(٢): حدّثنا يحيى بن بكيرٍ، ثنا اللّيث، عن عقيلٍ، عن ابن شهابٍ، عن عبد
الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالكِ ، أنّ عبد الله بن كعبٍ قال : سمعت كعب بن مالكِ يقول : لم
أتخلّف عن رسول الله وَ لَ في غزوةٍ غزاها، إلّ في غزوة تبوك، غير أنّي تخلّفت عن غزوة بدرٍ ، ولم
يعاتب الله أحداً تخلّف عنها، إنّما خرج رسول الله وَّه يريد عير قريشٍ ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم
على غير ميعادٍ ، تفرّد به .
قال ابن إسحاق(٣): فسلك رسول الله ول طريقه من المدينة إلى مكّة على نقب المدينة، ثم على
العقيق ، ثم على ذي الحليفة ، ثم على أولات الجيش ، ثم مرّ على تُربان ، ثم على ملَلٍ، ثم على غَميس
الحَمام ، ثم على صخيرات اليمامة ، ثم على السّيالة ، ثم على فجّ الرّوحاء ، ثم على شنوكة ، وهي
الطريق المعتدلة ، حتى إذا كان بعرق الظّبية ، لقي رجلاً من الأعراب ، فسألوه عن الناس ، فلم يجدوا
عنده خبراً، فقال له الناس: سلّم على رسول الله بَّهُ. قال: أوَفيكم رسول الله وَّرَ؟ قالوا: نعم. فسلّم
عليه ثم قال : لئن كنت رسول الله، فأخبرني عمّا في بطن ناقتي هذه . قال له سلمة بن سلامة بن وقشٍ :
لا تسأل رسول الله ◌َّه وأقبل عليّ، فأنا أخبرك عن ذلك ؛ نزوت عليها، ففي بطنها منك سخلةٌ . فقال
رسول الله وَلي: ((مه، أفحشت على الرجل)). ثم أعرض عن سلمة، ونزل رسول الله وَّل سجسج،
وهي بئر الرّوحاء ، ثم ارتحل منها حتى إذا كان منها بالمنصرف ، ترك طريق مكّة بيسارٍ وسلك ذات اليمين
على النّازية ، يريد بدراً، فسلك في ناحيةٍ منها، حتى إذا جزع وادي٤ً) يقال له: رُحْقَالُ(٥) بين النّزية
وبين مضيق الصّفراء ، ثم على المضيق ، ثم انصبّ منه ، حتى إذا كان قريباً من الصّفراء ، بعث بسبس بن
عمروٍ الجهني ، حليف بني ساعدة ، وعديّ بن أبي الزّغباء ، حليف بني النّجار إلى بدرٍ ، يتجسّسان له
الأخبار عن أبى سفيان صخر بن حربٍ وعِيره .
وقال موسى بن عقبة (٦) : بَعَثَهما قبل أن يخرج من المدينة ، فلمّا رجعا فأخبراه بخبر العير ؛ استنفر
الناس إليها ، فإن كان ما ذكره موسى بن عقبة وابن إسحاق محفوظاً ، فقد بعثهما مرّتين ، والله أعلم .
(١) انظر ((السنن الكبرى)) للنسائي (٨٨١٠).
(٢) رواه البخاري (٣٩٥١).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٣/١ -٦١٤).
(٤)
جزع الوادي: أي قطعه ولا يكون إلا عَرْضاً. ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٢٦٩/١).
(٥) في (أ) و(ط): ((وحقان)) وهو خطأ، والتصحيح من ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٤/١) و((المغانم
المطابة في معالم طابة )) للفيروزابادي ص (١٥٤).
(٦) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٠٢/٣).

٤٥
ذكر غزوة بدر العظمى
قال ابن إسحاق، رحمه الله(١): ثم ارتحل رسول الله مَّله وقد قدّمهما، فلمّا استقبل الصّفراء ، وهي
قريةٌ بين جبلين، سأل عن جبليها : ما أسماؤهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما : مُسلحٌ . وللآخر :
مُخرىءٌ، وسأل عن أهلهما، فقيل: بنو النار، وبنو حراقٍ، بطنان من غفارٍ. فكرههما رسول الله وَّل
والمرور بينهما ، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما ، فتركهما والصّفراء بيسارٍ ، وسلك ذات اليمين ،
على وادٍ يقال له : ذفران ، فجزع فيه ثم نزل ، وأتاه الخبر عن قريشٍ ومسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار
الناس وأخبرهم عن قريشٍ ، فقام أبو بكرٍ الصدّيق فقال وأحسن ، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن ،
ثم قام المقداد بن عمروٍ فقال : يا رسول الله ، امض لما أراك الله فنحن معك ، والله لا نقول لك كما قال
بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما
مقاتلون ، فوالذي بعثك بالحقّ لو سرت بنا إلى بِرك الغُماد٢) ، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . فقال
له رسول الله وَّ خيراً ودعا له [ به]. ثم قال رسول الله وَ لقوله: ((أشيروا عليّ أيّها الناس)). وإنّما يريد
الأنصار ، وذلك أنّهم كانوا عدد الناس ، وأنّهم حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله ، إنّا برآء من
ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا ، فأنت في ذمّتنا ، نمنعك ممّا نمنع منه أبناءنا ونساءنا .
فكان رسول الله وَّله يتخوّف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره، إلّ ممّن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن
ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ من بلادهم. فلمّا قال ذلك رسول الله وَ ◌ّرَ قال له سعد بن معاذٍ: والله
لكأنّك تريدنا يارسول الله. قال: ((أجل)). قال: فقد آمنّا بك، وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو
الحقّ ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطّاعة لك ، فامض يا رسول الله لما أردت
فنحن معك ، فوالذي بعثك بالحقّ ، لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلّف منا رجلٌ
واحدٌ ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً، إنّا لصبُرٌّ في الحرب، صدُقٌ عند اللقاء ، لعلّ الله يريك منا ما
تقرّ به عينك، فسر على بركة الله. قال: فسرّ رسول الله وَل بقول سعدٍ ونشّطه، ثم قال: ((سيروا
وأبشروا ، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم)) . هكذا ذكره ابن
إسحاق ، رحمه الله(٣) .
وله شواهد من وجوهٍ كثيرةٍ، فمن ذلك ما رواه البخاريّ في ((صحيحه)(٤) : حدّثنا أبو نعيمٍ ، حدّثنا
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٤/١) ولفظ ( (به ) ) الذي بين الحاصرتين مستدرك منها.
(٢) برك الغماد : موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر ، وقيل : بلد بأقصى اليمن ، وقيل : هو في أقاصي
هجر، انظر ((معجم البلدان)) (٥٨٩/١) و((الروض المعطار في خبر الأقطار)) للحميري ص (٨٦) بتحقيق
الأستاذ الدكتور إحسان عباس. وقال السهيلي في ((الروض الأنف)) (٦٥/٢): ((وجدت في بعض كتب التفسير
أنها مدينة بالحبشة)).
(٣) ولتمام الفائدة راجع ((زاد المعاد)) لابن القيم ( ١٥٤/٣ - ١٥٥) بتحقيق الشيخين الفاضلين شعيب الأرناؤوط
وعبد القادر الأرناؤوط ، طبع مؤسسة الرسالة ببيروت .
(٤) رواه البخاري ( ٣٩٥٢) .

٤٦
ذكر غزوة بدر العظمى
إسرائيل ، عن مخارقٍ ، عن طارق بن شهابٍ قال : سمعت ابن مسعودٍ يقول : شهدت من المقداد بن
الأسود مشهداً لأن أكون صاحبه ، أحبّ إليّ ممّا عدل به؛ أتى النبيّ بِّه وهو يدعو على المشركين،
فقال : لا نقول كما قال قوم موسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون ، ولكن نقاتل عن يمينك
وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبيّ ◌َّ أشرق وجهه وسرّه ، انفرد به البخاريّ دون مسلم،
فرواه في مواضع من ((صحيحه))، من حديث مخارقٍ به(١). ورواه النّسائيّ(٢) من حديثه ، وعنده : جاء
المقداد يوم بدرٍ على فرسٍ ... فذكره .
وقال الإمام أحمد(٣) : حدّثنا عبيدة ، هو ابن حميدٍ، عن حميد الطويل ، عن أنسٍ قال: استشار
النبيّ ◌ََّ مخرجه إلى بدرٍ ، فأشار عليه أبو بكرٍ ، ثم استشارهم فأشار عليه عمر ، ثم استشارهم،
فقال بعض الأنصار : إيّاكم يريد رسول الله يا معشر الأنصار. فقال بعض الأنصار: يا رسول الله(٤)،
إذاً لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّ هاهنا قاعدون ، ولكن والذي
بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغُماد لاتبعناك ، وهذا الإسناد ثلاثيٌّ صحيح على شرط
الصحيح .
وقال أحمد أيضا٥ً): حدّثنا عفّان، ثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنس بن مالكِ أنّ رسول الله ◌َلاي شاور
حيث بلغه إقبال أبي سفيان . قال : فتكلّم أبو بكرٍ فأعرض عنه ، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه ، فقال
سعد بن عبادة: إيّانا يريد رسول الله وَله، والّذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحار لأخضناها، ولو
أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. فندب رسول الله وَّه الناس. قال: فانطلقوا حتى نزلوا
بدراً، ووردت عليهم روايا٦ً) قريشٍ ، وفيهم غلامٌ أسود لبني الحجّاج فأخذوه ، وكان أصحاب
رسول الله وَل# يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه ، فيقول : ما لي علمٌ بأبي سفيان ، ولكن هذا أبو جهل بن
هشام، وعتبة بن ربيعة، [ وشيبة ] ، وأميّة بن خلفٍ . فإذا قال ذلك ضربوه ، فإذا ضربوه ، قال : نعم ،
أنا أخبركم ، هذا أبو سفيان ، فإذا تركوه فسألوه قال : ما لي بأبي سفيان علمٌ ، ولكن هذا أبو جهلٍ وعتبة
وشيبة وأُميّة [ في الناس ]٧) فإذا قال هذا أيضاً ضربوه، ورسول الله وَ له قائمٌ يصلي، فلمّا رأى ذلك
انصرف فقال: (( والذي نفسي بيده إنّكم لتضربونه إذا صدقكم، وتتركونه إذا كذبكم . قال : وقال
(١) رواه البخاري ( ٤٦٠٩).
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١١٤٠).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٨٨/٣).
(٤) كذا في (أ) و(ط) وفي ((المسند)): ((فقال قائل الأنصار: تستشيرنا يا نبي الله؟)).
(٥) رواه أحمد في المسند (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨) .
(٦) الروايا: جمع راوٍيَة، والراوية: البعير أو البغل أو الحمار الذي يستقى عليه الماء. انظر (( لسان العرب ))
( روي ) .
(٧) ما بين الحاصرتين مستدرك من ((مسند الإمام أحمد)).

٤٧
ذكر غزوة بدر العظمى
رسول الله مثل: ((هذا مصرع فلان غداً)). يضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا. فما أماط أحدهم عن
موضع يد رسول الله مَله .
ورواه مسلمٌ(١) ، عن أبي بكرٍ ، عن عفّان به نحوه .
وقد روى ابن أبي حاتم في (( تفسيره ))، وابن مردويه (٢) ، واللفظ له ، من طريق عبد الله بن لهيعة ،
عن يزيد بن أبي حبيبٍ ، عنّ أسلم ، عن أبي عمران ، أنّه سمع أبا أيوب الأنصاريّ يقول : قال رسول الله
وَيّ ونحن بالمدينة: ((إنّي أخبرت عن عير أبي سفيان أنّها مقبلةٌ، فهل لكم أن نخرج قِبَل هذه العير، لعلّ
الله يغنمناها؟)). فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا، فلمّا سرنا يوماً أو يومين، قال لنا: (( ما ترون في القوم،
فإنّهم قد أخبروا بمخرجكم؟)). فقلنا: لا والله، ما لنا طاقةٌ بقتال القوم ، ولكنّا أردنا العير. ثم قال :
(( ما ترون في قتال القوم؟ )). فقلنا مثل ذلك. فقال المقداد بن عمروٍ : إذاً لا نقول لك يا رسول الله كما
قال قوم موسى لموسى : اذهب أنت وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون . قال : فتمنّينا معشر الأنصار لو أنّا
قلنا مثل ما قال المقداد، أحبّ إلينا من أن يكون لنا مالٌ عظيمٌ . قال : فأنزل الله ، عزّ وجلّ، على رسوله:
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِآلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ [ الأنفال: ٥]. وذكر تمام الحديث.
وروى ابن مردويه أيض٣ً) ، من طريق محمد بن عمروٍ بن علقمة بن وقّاصِ اللّيثيّ ، عن أبيه ، عن
جدّه، قال: خرج رسول الله وّل إلى بدرٍ، حتى إذا كان بالزّوحاء، خطب الناس فقال: ((كيف
ترون؟)). فقال أبو بكرٍ: يا رسول الله، بلغنا أنّهم بكذا وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: ((كيف
ترون؟)). فقال عمر مثل قول أبي بكرٍ، ثم خطب الناس فقال: ((كيف ترون؟)) . فقال سعد بن معاذٍ:
يا رسول الله، إيّانا تريد، فوالّذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قطّ، ولا لي بها علمٌ ، ولئن
سرت حتى تأتي بِرك الغماد من ذي يمنٍ ، لنسيرنّ معك ، ولا نكون كالذين قالوا لموسى : اذهب أنت
وربّك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم متّبعون ، ولعلّك أن تكون
خرجت لأمرٍ وأحدث الله إليك غيره ، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له ، فصل حبال من شئت ،
واقطع حبال من شئت ، وعاد من شئت ، وسالم من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت . فنزل القرآن على
قول سعدٍ: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ﴾ الآيات.
(١) رواه مسلم ( ١٧٧٩) .
(٢) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (١٦٣/٣)، وعزاه لابن أبي حاتم، وابن مردويه. وانظر ((تفسير ابن كثير))
( ٥٥٥/٣) وفي سنده ابن لهيعة ، وفيه كلام .
(٣) وأخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٨٥٠٧)، من طريق محمد بن عمرو بن علقمة به ، وذكره المصنف في
((التفسير)) (٥٥٥/٣) بسند ابن مردويه. والسيوطي في ((الدر المنثور)) (١٦٣/٣)، وعزاه إلى ابن أبي شيبة
وابن مردويه ، وفي سنده محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي ، وهو صدوق له حسن الحديث ، على أن
والده عمرو بن علقمة مجهول، كما هو مبين في ((تحرير التقريب)).

٤٨
ذكر غزوة بدر العظمى
وذكره الأمويّ في (( مغازيه)(١)، وزاد بعد قوله : وخذ من أموالنا ما شئت : وأعطنا ما شئت ، وما
أخذت منّا كان أحبّ إلينا ممّا تركت ، وما أمرت به من أمرٍ ، فأمرنا تبعٌ لأمرك ، فوالله لئن سرت حتى تبلغ
البرك من غُمدال٢ُ) ، لنسيرنّ معك .
قال ابن إسحاق(٣): ثم ارتحل رسول الله وَ ل من ذَفران، فسلك على ثنايا يقال لها : الأصافرُ، ثم
انحطّ منها إلى بلدٍ يقال له: الدّبة٤). وترك الحنّان بيمينٍ ، وهو كثيبٌ عظيمٌ كالجبل العظيم ، ثم نزل
قريباً من بدرٍ ، فركب هو ورجلٌ من أصحابه .
قال ابنُ هشامٍ : هو أبو بكرٍ .
قال ابن إسحاق(٥) : - كما حدّثني محمد بن يحيى بن حَبّان - : حتى وقف على شيخٍ من العرب،
فسأله عن قريشٍ وعن محمدٍ وأصحابه ، وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممّن
أنتما؟ فقال له رسول الله اليه: ((إذا أخبرتنا أخبرناك)). فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: ((نعم)). قال
الشيخ : فإنّه بلغني أنّ محمداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني ، فهم اليوم
بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به رسول الله وَ ل ه ـ وبلغني أنّ قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان الذي
أخبرني صدقني ، فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به قريشٌ - فلمّا فرغ من خبره قال : ممّن
أنتما؟ فقال له رسول الله وَ لقول: ((نحن من ماءٍ)). ثم انصرف عنه. قال: يقول الشيخ: ما من ماءٍ؟ أمن
ماء العراق؟ قال ابن هشام : يقال لهذا الشيخ : سفيان الضّمريّ .
قال ابن إسحاق(٦): ثم رجع رسول الله وَّ إلى أصحابه، فلمّا أمسى بعث عليّ بن أبي طالبٍ،
والزّبير بن العوّام ، وسعد بن أبي وقّاصٍ ، في نفرٍ من أصحابه إلى ماء بدرٍ ، يلتمسون الخبر له ، كما
حدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير (٧)، فأصابوا راويةً لقريشٍ ، فيها أسلم غلام بني الحجّاج ،
وعريضٌ أبو يسارٍ غلام بني العاص بن سعيدٍ، فأتوا بهما، فسألوهما، ورسول الله وَ ◌ّهِ قائمٌ يصلّي،
فقالوا : نحن سقاة قريشٍ ، بعثونا نسقيهم من الماء . فكره القوم خبرهما ، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان ،
(١) انظر ((سبل الهدى والرشاد)) (٤٢/٤، ٤٣).
(٢) غمدان : قصبة صنعاء باليمن ، كان الضحاك بناه على اسم الزهرة ، وخرّبه عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، فصار تلا
عظيماً. انظر ((الروض المعطار )) ص (٤٢٩).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٥/١ -٦١٦)، و((تاريخ الطبري)) (٤٣٥/٢).
(٤) في (أ) و(ط): ((الدِّية))، والتصحيح من هامش (ط) و((السيرة النبوية)) و((تاريخ الطبري)). والدبة: بلد
بين الأصافر وبدر. انظر ((معجم البلدان)) (٢/ ٥٤٧ ).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٦/١) و((تاريخ الطبري)) (٤٣٥/٢ -٤٣٦) وهو مرسل.
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٦/١ - ٦١٧).
(٧) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٣٦/٢)، و((دلائل البيهقي)) (٤٢/٣ - ٤٣).

٤٩
ذكر غزوة بدر العظمى
فضربوهما، فلمّا أذلقوهما١) قالا: نحن لأبي سفيان. فتركوهما، وركع رسول الله مَثل ، وسجد
سجدتيه وسلّم ، وقال: (( إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله ، إنّهما
لقريشٍ ، أخبراني عن قريشٍ)). قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى . والكثيب :
العقنقلُ(٢). فقال لهما رسول الله وَّل: ((كم القوم؟)) قالا: كثيرٌ. قال: (( ما عدّتهم؟)). قالا: لا
ندري. قال : (( كم ينحرون كلّ يوم؟)). قالا: يوماً تسعاً، ويوماً عشراً. فقال رسول الله صليقول: ((القوم
ما بين التّسعمئة إلى الألف)). ثم قال لهما: ((فمن فيهم من أشراف قريشٍ؟)). قالا: عتبة بن ربيعة،
وشيبة بن ربيعة ، وأبو البختريّ بن هشامٍ ، وحكيم بن حزامٍ ، ونوفل بن خويلدٍ ، والحارث بن عامرٍ بن
نوفلٍ ، وطعيمة بن عديّ بن نوفلٍ ، والّضر بن الحارث ،َ وزمعة بن الأسود ، وأبو جهل بن هشام ،
وأمّيّة بن خلفٍ، ونبيهٌ ومنبَّةٌ ابنا الحجّاج ، وسهيل بن عمروٍ ، وعمرو بن عبد ودٍّ . قال : فأقبل
رسول الله يَّة على الناس فقال: ((هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها)).
قال ابن إسحاق(٣) : وكان بسبس بن عمروٍ ، وعديّ بن أبي الزّغباء(٤) قد مضيا حتى نزلا بدراً،
فأناخا إلى تلِّ قريبٍ من الماء ، ثم أخذا شنّاً) لهما يستقيان فيه ، ومجديّ بن عمروٍ الجهنيّ على الماء ،
فسمع عديٌّ وبسبسٌ جاريتين من جواري الحاضر وهما تتلازمان على الماء ، والملزومة تقول لصاحبتها :
إنّما تأتي العير غداً أو بعد غدٍ ، فأعمل لهم ثم أقضيك الذي لك . قال مجديٌّ : صدقت . ثم خلّص
بينهما. وسمع ذلك عديٌّ وبسبسٌ، فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله وَّر، وأخبراه
بما سمعا ، وأقبل أبو سفيان حتى تقدّم العير حذراً ، حتى ورد الماء ، فقال لمجديّ بن عمروٍ : هل
أحسست أحداً؟ قال : ما رأيت أحداً أنكره ، إلّا أنّي قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التّلّ ، ثم استقيا في
شنَّ لهما ، ثم انطلقا . فأتى أبو سفيان مناخهما ، فأخذ من أبعار بعيريهما ففتّه ، فإذا فيه النّوى ، فقال :
هذه والله علائف يثرب . فرجع إلى أصحابه سريعاً ، فضرب وجه عيره عن الطريق ، فساحل بها٦) وترك
بدراً بيسارٍ ، وانطلق حتى أسرع ، وأقبلت قريشٌ ، فلمّا نزلوا الجحفة ، رأى جهيم بنُ الصّلت بن مخرمة
ابن المطّلب بِن عبد منافٍ رؤيا، فقال: إنّي رأيت(٧) فيما يرى النائم، وإنّي لبين النائم واليقظان، إذ
نظرت إلى رجلٍ قد أقبل على فرسٍ ، حتى وقف ومعه بعيرٌ له ، ثم قال : قتل عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن
ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأمّة بن خلفٍ ، وفلانٌ ، وفلانٌ . فعدّ رجالاً ممّن قتل يوم بدرٍ من
(١) أذلقوهما: بالغوا في ضربهما وآذوهما. انظر ((شرح غريب السيرة)) لأبي ذر الخشني (٣٤/٢).
(٢) العقنقل: الرمل المتراكم. انظر ((شرح غريب السيرة)) للخشني (٣٥/٢).
(٤) تصحفت في (أ) إلى ((الرغباء)) وأثبت لفظ (ط) وهو موافق لما في ((السيرة النبوية)).
(٣)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (٦١٧/١ - ٦١٨).
(٥) الشن: القربة. انظر ((مختار الصحاح)) ( شنن ).
(٦) فساحل بها : أي أخذها إلى طريق الساحل .
(٧) لفظ ((رأيت)) سقط من (آ) وأثبته من (ط) و(( السيرة النبوية)) لابن هشام.

٥٠
ذكر غزوة بدر العظمى
أشراف قريشٍ ، ثم رأيته ضرب في لبّة بعيره ، ثم أرسله في العسكر ، فما بقي خباءٌ من أخبية العسكر إلّ
أصابه نضحٌ من دمه . فبلغت أبا جهلٍ ، لعنه الله ، فقال : هذا أيضاً نبيٌّ آخر من بني المطّلب ، سيعلم غداً
من المقتول إن نحن التقينا .
قال ابن إسحاق(١): ولمّا رأى أبو سفيان أنّه قد أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم
لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم ، فقد نجّاها الله ، فارجعوا . فقال أبو جهل بن هشام : والله لا نرجع
حتى نرد بدراً - وكان بدرٌ موسماً من مواسم العرب ، يجتمع لهم به سوقُ كلّ عامٍ - فنقيم عليه ثلاثاً ،
فننحر الجزور ، ونطعم الطعام ، ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان ، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا
وجمعنا ، فلا يزالون يهابوننا أبداً ، فامضوا . وقال الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهبِ الثّقفيّ ، وكان
حليفاً لبني زهرة ، وهم بالجحفة : يا بني زهرة ، قد نجّى الله لكم أموالكم ، وخلّص لكم صاحبكم
مخرمة بن نوفلٍ ، وإنّما نفرتم لتمنعوه وماله ، فاجعلوا بي جُبنها وارجعوا ، فإنّه لا حاجة لكم بأن تخرجوا
في غير ضيعةٍ ، لا ما يقول هذا . قال : فرجعوا ، فلم يشهدها زهريٌّ واحدٌ ؛ أطاعوه وكان فيهم مطاعاً ،
ولم يكن بقي بطنٌ من قريشٍ إلّ وقد نفر منهم ناسٌ ، إلّ بني عديٍّ، لم يخرج منهم رجلٌ واحدٌ ، فرجعت
بنو زهرة مع الأخنس ، فلم يشهد بدراً من هاتين القبيلتين أحدٌ . قال : ومضى القوم ، وكان بين طالب بن
أبي طالبٍ - وكان في القوم - وبين بعض قريشٍ محاورةٌ ، فقالوا : والله لقد عرفنا يا بني هاشمٍ ، وإن
خرجتم معنا ، أنّ هواكم مع محمدٍ . فرجع طالبٌ إلى مكة مع من رجع ، وقال في ذلك : [ من الرجز ]
لاهُمّ إمّا يغزونّ طالبْ في عصبةٍ محالفٌ(٢) محاربْ
فليكن المسلوب غير السّالبْ
من هذه المقانب
في مِقنب ٢)
وليكن المغلوب غير الغالب
قال ابن إسحاق(٤) : ومضت قريشٌ حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادي ، خلف العقنقل وبطن
الوادي ، وهو يليل ، بين بدرٍ وبين العقنقل ، الكثيب الذي خلفه قريشٌ ، والقليب ببدرٍ ، في العدوة الدّنيا
من بطن يليل إلى المدينة .
قلت: وفي هذا قال الله تعالى(٥): ﴿ إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ
مِنكُمْ﴾ أي؛ من ناحية الساحل. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدُّنُّمْ لَآَخْتَلَفْتُمْ فِى الْمِيعَدِ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْنَا كَانَ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦١٨ - ٦١٩).
(٢) في (ط): ((مخالف)).
المقنب : جماعة الخيل مقدار ثلاثمئة أو نحوها. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٣٥/٢).
(٣)
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦١٩/١ - ٦٢٠).
(٥) انظر ((تفسير ابن كثير)) (١٠/٤ - ١٢).

٥١
ذكر غزوة بدر العظمى
مَفْعُولًا ﴾ الآيات [الأنفال: ٤٢]. وبعث الله السماء، وكان الوادي دهسا١ً)، فأصاب رسول الله وَل
وأصحابه منها ماءٌ، لبّد لهم الأرض (٢)، ولم يمنعهم من السير، وأصاب قريشاً منها ماءٌ لم يقدروا على
أن يرتحلوا معه .
قلت : وفي هذا قوله تعالى (٣): ﴿وَيُغِلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْرِجْزَ الشَّيْطَنِ
وَلَيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [ الأنفال: ١١]. فذكر أنّ طهّرهم ظاهراً وباطناً، وأنّه ثبّت
أقدامهم ، وشجّع قلوبهم ، وأذهب عنهم تخذيل الشيطان ، وتخويفه للنفوس ووسوسته للخواطر ، وهذا
تثبيت الباطن والظاهر، وأنزل النصر عليهم من فوقهم، في قوله(٤): ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ
فَثَنُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْفِى فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ . أي: على الرءوس
وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. أي: لئلاّ يستمسك منهم السلاح. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَةٍ وَمَنْ
◌َ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَ لِلْكَفِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾ [
يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ!
١٤ ] .
قال ابن جرير(٥) : حدّثني هارون بن إسحاق ، ثنا مصعب بن المقدام ، ثنا إسرائيل ، ثنا أبو
إسحاق ، عن حارثة ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال : أصابنا من الليل طشٌّ من المطر(٦) ، يعني الليلة التي
كانت في صبيحتها وقعة بدرٍ ، فانطلقنا تحت الشجر والحجَف ، نستظلّ تحتها من المطر ، وبات
رسول الله وَّل، يعني قائماً يصلّي(٧)، وحرّض على القتال.
وقال الإمام أحمد(٨) : حدّثنا عبد الرحمن بن مهديٍّ ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن
مضرّبٍ ، عن عليٍّ قال : ما كان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلّ نائمٌ ، إلّا
رسول الله وَلل تحت شجرةٍ يصلّي ويبكي حتى أصبح، وسيأتي هذا الحديث مطوّلاً. ورواه النّسائيّ(٩)،
عن بندارٍ ، عن غندرٍ ، عن شعبة به .
(١) الدهس: قيل: هو كل لين سهل لا يبلغ أن يكون رملاً، وليس بتراب ولا طين. انظر ((لسان العرب)) ( دهس).
(٢) لبَّد الأرض: جعلها قوية لا تسوخ فيها الأرجل. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٢٢٤/٤).
(٣) انظر ((تفسير ابن كثير)): ( ٥٦٢/٣ _ ٥٦٥).
(٤) انظر ((تفسير ابن كثير)) ( ٥٦٥/٣ - ٥٦٧ ).
(٥) انظر تفسير الطبري (١٩٤/٩ - ١٩٥) و((تاريخه)) (٤٢٤/٢ - ٤٢٦).
(٦)
طش المطر: الضعيف القليل منه (( النهاية)).
(٧) أي يدعو الله تعالى .
(٨) رواه أحمد في ((المسند)) (١٢٥/١) وهو حديث صحيح .
(٩) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٢٣). عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة به. وكذا في ((جامع
المسانيد)) للمصنف (١٠٥/١٩) و((تحفة الأشراف)) (٣٥٧/٧ و٣٥٨) وليس عن بندار (وهو محمد بن بشار )
عن غندر كما في (أ) و( ط ) هنا .

٥٢
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال مجاهد١ً) : أنزل عليهم المطر ، فأطفأ به الغبار ، وتلبّدت به الأرض ، وطابت به أنفسهم ،
وثبتت به أقدامهم .
قلت : وكانت ليلة بدرٍ ، ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة ، وقد بات
رسول الله هو تلك الليلة يصلّي إلى جذم شجرةٍ هناك، ويكثر في سجوده أن يقول: ((يا حيّ يا قيّوم)».
يكرر ذلك ويلظّ به، عليه السلامُ(٢)
قال ابن إسحاق(٣): فخرج رسول الله وَ لّه يبادرهم إلى الماء حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدرٍ ، نزل به .
قال ابن إسحاق(٤) : فحُدّثت عن رجالٍ من بني سلِمة ، أنّهم ذكروا أنّ الحباب بن المنذر بن الجموح
قال : يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، - ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه ، أم هو
الرّأي والحرب والمكيدة؟ قال: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة)). قال: يا رسول الله، فإنّ هذا
ليس بمنزلٍ ، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغوّر(٥) ما وراءه من القلب(٦) ، ثم
نبني عليه حوضاً فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله وَ ل ((لقد أشرت
بالرّأي )).
قال الأمويّ(٧) : حدّثنا أبي ، قال : وزعم الكلبيّ ، عن أبي صالحٍ ، عن ابن عباسٍ قال : بينا
رسول الله ◌ُّو يجمع الأقباص، وجبريل عن يمينه، إذ أتاه ملكٌ من الملائكة، فقال: يا محمد، إنّ الله
يقرأ عليك السلام. فقال رسول الله بصّر: ((هو السّلام، ومنه السلام، وإليه السلام)). فقال الملك: إنّ
الله يقول لك: إنّ الأمر هو الذي أمرك به الحباب بن المنذر. فقال رسول الله وَ ليقول: ((ياجبريل ، هل
تعرف هذا؟)). فقال: ما كلُّ أهل السماء أعرف، وإنّه لصادقٌ، وما هو بشيطانٍ .
(١) وأخرجه عنه الطبري في ((تفسيره)) (١٩٦/٩).
(٢) رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٤٤٧) والحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٢/١) من حديث علي، رضي الله
عنه وإسناده ضعيف .
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢٠).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٠/١). و((تاريخ الطبري)) (٢/ ٤٤٠) وإسناده ضعيف لجهالة الواسطة بين
ابن إسحاق والرجال من بني سلمة ، وقد وصله الحاكم في (( المستدرك)) ( ٤٢٦/٣ - ٤٢٧) من حديث الحباب ،
وفي سنده مجاهيل . قال الذهبي في تلخيصه : قلت : حديث منكر ، وسنده - سكت عنه ، ولعله يريد وسنده ( واهٍ)
أو نحوه، ورواه الأموي من حديث ابن عباس كما في ((البداية)) (٨٢/٥) وفيه الكلبي، وهو كذاب .
(٥) قال أبو ذر الخشني : من رواه بالغين المعجمة فمعناه نذهبه وندفنه ، ومن رواه بالعين المهملة - وهو لفظ رواية
الطبري - فمعناه نفسده. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٣٥/٢).
القُلُب: جمع قَلِيب، وهو البئر قبل أن تُطوى - أي تبنى بالحجارة - فإذا طُويت فهي الطَّوِيّ. انظر (( لسان العرب »
(٦)
( قلب ) .
(٧) أورده المؤلف مختصراً في ((تفسيره)) (٥٦٤/٣).

٥٣
ذكر غزوة بدر العظمى
فنهض رسول الله وَّ﴾ ومن معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم، نزل عليه ، ثم أمر
بالقلب فغوّرت ، وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه ، فملىء ماءً ثم قذفوا فيه الآنية .
وذكر بعضهم أنّ الحباب بن المنذر لمّا أشار بما أشار به على رسول الله وَّةِ ، نزل ملكٌ من السماء ،
وجبريل عند النبيّ مَّ، فقال الملك: يا محمد، ربّك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنّ الرأي ما أشار
به الحباب. فنظر رسول الله وَّة إلى جبريل، فقال: ليس كلّ الملائكة أعرفهم، وإنّه مَلكٌ وليس
بشيطانٍ . وذكر الأمويّ ، أنّهم نزلوا على القليب الذي يلي المشركين نصف الليل ، وأنّهم نزلوا فيه ،
واستقوا منه ، وملؤوا الحياض حتى أصبحت ملاءً، وليس للمشركين ماءٌ.
قال ابن إسحاق(١) : فحدّثني عبد الله بن أبي بكرٍ ، أنّه حدّث أنّ سعد بن معاذٍ قال : يا نبيّ الله ، ألا
نبني لك عريشاً تكون فيه ، ونعدّ عندك ركائبك، ثم نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا، كان
ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى ؛ جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا٢) ، فقد تخلّف
عنك أقوامٌ ما نحن بأشدّ حبّاً لك منهم ، ولو ظنّوا أنّك تلقى حرباً ، ما تخلّفوا عنك ، يمنعك الله بهم ،
يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله وَ له خيراً ودعا له بخيرٍ، ثم بني لرسول الله وَّل عريشٌ
كان فيه .
قال ابن إسحاق(٣): وقد ارتحلت قريشٌ حين أصبحت، فأقبلت، فلمّا رآها رسول الله وليه
تَصوّب(٤) من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال: (( اللهمّ هذه قريشٌ قد أقبلت
بخيلائها وفخرها ، تحادّك وتكذّب رسولك ، اللهمّ فنصرك الذي وعدتني ، اللهمّ أحنهمُ(٥) الغداة)).
وقد قال رسول الله وسلّر وقد رأى عتبة بن ربيعة في القوم، وهو على جملٍ له أحمر: ((إن يكن في أحدٍ من
القوم خيرٌ ، فعند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه يرشدوا )).
قال(٦) : وقد كان خفاف بن إيماء بن رحضة ، أو أبوه إيماء بن رحضة الغفاريّ ، بعث إلى قريشٍ ابناً
له بجزائر(٧) أهداها لهم، وقال : إن أحببتم أن نمدّكم بسلاحِ ورجال ، فعلنا . قال : فأرسلوا إليه مع
ابنه ، أن وصلتك رحم ، وقد قضيت الذي عليك ، فلعمري إن كنّا إنّما نقاتل الناس ، ما بنا ضعفٌ
عنهم ، وإن كنا إنّما نقاتل الله ، كما يزعم محمدٌ ، فما لأحدٍ بالله من طاقةٍ .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٠/١ - ٦٢١). و((تاريخ الطبري)) (٤٤٠/٢).
(٢) عبارة: ((من قومنا)) ليست في (( السيرة النبوية)) لابن هشام.
(٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢١).
(٤) أي : تَتَصوَّبُ .
أحنهم: أهلكهم . والحَيْن: الهلاك. انظر ((لسان العرب)) ( حين ) .
(٥)
(٦) أي ابن إسحاق. انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢١).
(٧) جمع جزور ، وهو ما يصلح لأن يُذبح من الإبل. انظر ((لسان العرب)) ( جزر ) .

٥٤
ذكر غزوة بدر العظمى
قال(١): فلمّا نزل الناس، أقبل نفرٌ من قريشٍ حتى وردوا حوض رسول الله وَّل، فيهم حكيمُ بنُ
حِزَامٍ، فقال رسول الله بِّل: ((دعوهم)). فما شرب منه رجلٌ يومئذٍ إلّ قتل ، إلا ما كان من حكيم بن
حزامٍ ، فإنّه لم يقتل ، ثم أسلم بعد ذلك ، فحسن إسلامه ، فكان إذا اجتهد في يمينه قال : لا والذي
نجاني يوم بدرٍ .
قلت : وقد كان أصحاب رسول الله پژ يومئذٍ ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلاً ، كما سيأتي بيان ذلك في
فصل نعقده بعد الوقعة ، ونذكر أسماءهم على حروف المعجم ، إن شاء الله .
ففي (( صحيح البخاريّ)(٢) ، عن البراء قال : كنّا نتحدّث أنّ أصحاب بدرٍ ثلاثمئةٍ وبضعة عشر ،
على عدّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النّهر ، وما جاوزه معه إلّ مؤمنٌ .
وللبخاريّ أيضا٣ً) عنه قال: استُصغرت أنا وابن عمر يوم بدرٍ ، وكان المهاجرون يوم بدرٍ نيّفاً على
ستين ، والأنصار نيّفاً وأربعين ومئتين .
وروى الإمام أحمد(٤) ، عن نصر بن بابٍ(٥) ، عن حجّاجٍ ، عن الحكم ، عن مقسمٍ ، عن ابن عباسٍ
أنّه قال : كان أهل بدرٍ ثلاثمئةٍ وثلاثة عشر رجلاً ، وكان المهاجرون ستةً وسبعين ، وكان هزيمة أهل بدرٍ
لسبع عشرة مضين ، يوم الجمعة ، في شهر رمضان .
وقال الله تعالى (٦): ﴿ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَتَزَعْتُمْ فِي
اُلْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللََّ سَلَّمَّ﴾ الآية [الأنفال: ٤٣]. وكان ذلك في منامه تلك الليلة . وقيل: إنه نام في
العريش ، وأمر الناس أن لا يقاتلوا حتى يأذن لهم ، فدنا القوم منهم ، فجعل الصدّيق يوقظه ، ويقول : يا
رسول الله، دنوا منّا، فاستيقظ. وقد أراه الله إياهم في منامه قليلاً. ذكره الأمويّ(٧) . وهو غريبٌ
جدّاً. وقال تعالى (٨): ﴿ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا
كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]. فعندما تقابل الفريقان، قلّل الله كلاً منهما في أعين الآخرين ، ليجترىء
هؤلاء على هؤلاء ، وهؤلاء على هؤلاء ؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة ، وليس هذا معارضاً لقوله
(١) أي: ابن إسحاق. انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (٦٢٢/١).
(٢) رواه البخاري ( ٣٩٥٩).
(٣) رواه البخاري (٣٩٥٦).
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٨/١) وإسناده ضعيف لضعف نصر بن باب الخراساني، والحجاج مدلس، وهو ابن
أرطاة ، لكنه حديث حسن بشواهده .
فى (أ): ((رئاب)) وانظر ((الجرح والتعديل)) ( ٤٦٩/٨).
(٥)
(٦) انظر ((التفسير)) للمؤلف (١٣/٤).
(٧) انظر ((المغازي)) الواقدي (١/ ٦٧).
(٨) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ١٣ - ١٤).

٥٥
ذكر غزوة بدر العظمى
تعالى في سورة (آل عمران (١): ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَّ فِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى
كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأَىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ﴾. فإنّ المعنى في ذلك، على أصحّ
القولين ، أنّ الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثلي عدد الكافرة ، على الصحيح أيضاً ، وذلك عند التحام
الحرب والمسايفة(٢) أوقع الله الوهن والرعب في قلوب الذين كفروا ، فاستدرجهم أولاً بأن أراهم إيّاهم
عند المواجهة قليلاً ، ثم أيّد المؤمنين بنصره ، فجعلهم في أعين الكافرين على الضَّعف منهم ، حتى وهنوا
وضعفوا وغلبوا، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَاءُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةُ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾.
قال إسرائيل(٣)، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيده(٤) ، عن عبد الله : لقد قُلّلوا في أعيننا يوم بدرٍ ،
حتى إنّي لأقول لرجلٍ إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مئةً .
قال ابن إسحاق(٥) : وحدّثني أبي إسحاق بن يسارٍ ، وغيره من أهل العلم ، عن أشياخٍ من الأنصار
قالوا : لمّا اطمأنّ القوم بعثوا عميربن وهبِ الجمحيّ ، فقالوا : احزر(٦) لنا القوم أصحاب محمدٍ . قال :
فاستجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمئة رجلٍ ، يزيدون قليلاً أو ينقصون ، ولكن
أمهلوني حتى أنظر ؛ أللقوم كمين أو مددٌ . قال : فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئاً ، فرجع
إليهم ، فقال: ما رأيت شيئاً ، ولكن قد رأيت، يا معشر قريشٍ، البلايا٧) تحمل المنايا ، نواضح يثرب
تحمل الموت النّاقع ، قومٌ ليس لهم منعةٌ ولا ملجأُ إلّا سيوفهم، والله ما ما أرى أن يقتل رجلٌ منهم حتى
يقتل رجلاً منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم . فلمّا سمع
حكيم بن حزام ذلك ، مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة ، فقال : يا أبا الوليد ، إنّك كبير قريشٍ
وسيّدها ، والمطاع فيها ، هل لك إلى أن لا تزال تذكر فيها بخيرٍ إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا
حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرميّ . قال : قد فعلت ، أنت عليّ
بذلك ، إنّما هو حليفي ، فعليّ عقله وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظليّةُ(٨) - يعني أبا جهل - فإنّي لا
أخشى أن يشجُر أمر الناس غيره . ثم قام عتبة خطيباً ، فقال : يا معشر قريشٍ ، إنّكم والله ما تصنعون بأن
تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً ، والله لئن أصبتموه ؛ لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجلٍ يكره النظر إليه ؛ قتل
(١) الآية (١٣) منها. انظر ((تفسير ابن كثير)) (١٢/٢ - ١٤).
(٢) في (ط): ((المسابقة)).
(٣) رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٠/ ١٣).
(٤)
في ( ط): (( عن أبي عبيد وعبد الله)) وهو خطأ.
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام)) (٦٢٢/١ - ٦٢٤) و((تاريخ الطبري)) (٤١١ - ٤٤٢).
(٦) حزر الشيء حزراً: قدَّره بالتخمين. انظر ((المعجم الوسيط)) ( حزر).
(٥)
(٧) البلايا : جمع بلية ، وهي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت - صاحب الناقة - فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت.
انظر ((شرح غريب السيرة)) للخشني (٣٥/٢).
(٨) قال ابن هشام في ((السيرة النبوية)) (١/ ٦٢٣): والحنظلية أُمُّ أبي جهل ، وهي أسماء بنت مخزِّبة .

٥٦
ذكر غزوة بدر العظمى
ابن عمّه ، أو ابن خاله ، أو رجلاً من عشيرته ، فارجعوا ، وخلّوا بين محمدٍ وبين سائر العرب ، فإن
أصابوه ، فذلك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ، ألفاكم ولم تعرّضوا منه ما تريدون . قال حكيمٌ :
فانطلقت حتى جئت أبا جهلٍ ، فوجدته قد نثل درعاً له ، فهو يهنئها ، فقلت له : يا أبا الحكم ، إنّ عتبة
أرسلني إليك بكذا وكذا . فقال : انتفخ والله سحره (١) حين رأى محمداً وأصحابه ، فلا والله لا نرجع حتى
يحكم الله بيننا وبين محمدٍ ، وما بعتبة ما قال ، ولكنّه رأى محمداً وأصحابه أكلة جزورٍ ، وفيهم ابنه ، فقد
تخوّفكم عليه . ثم بعث إلى عامر بن الحضرميّ ، فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت
ثأرك بعينك ، فقم فانشد خفرتك (٢) ومقتل أخيك . فقام عامر بن الحضرميّ فاكتشف ثم صرخ : واعمراه
واعمراه . قال : فحميت الحرب، وحقب (٣) أمر الناس ، واستوسقوا على ماهم عليه من الشرّ ، وأفسد
على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة . فلمّا بلغ عتبة قول أبي جهلٍ : انتفخ والله سحره . قال : سيعلم
مصفّر استه(٤) من انتفخ سحره ، أنا أم هو .
ثم التمس عتبة بيضةً ؛ ليدخلها في رأسه ، فما وجد في الجيش بيضةً تسعه ؛ من عظم رأسه ، فلمّا
رأى ذلك اعتجر(٥) على رأسه ببردٍ له .
وقد روى ابن جريرٍ(٦) ، من طريق مسوّر بن عبد الملك اليربوعيّ ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيّب
قال : بينا نحن عند مروان بن الحكم ، إذ دخل حاجبه فقال : حكيم بن حزام يستأذن . قال : ائذن له .
فلمّا دخل قال : مرحباً يا أبا خالدٍ ، ادن . فحال له عن صدر المجلس حتى جلس بينه وبين الوسادة ، ثم
استقبله فقال : حدّثنا حديث بدرٍ . فقال : خرجنا حتى إذا كنّا بالجحفة رجعت قبيلةٌ من قبائل قريشٍ
بأسرها ، فلم يشهد أحدٌ من مشركيهم بدراً ، ثم خرجنا حتى نزلنا العدوة التي قال الله تعالى ، فجئت
عتبة بن ربيعة فقلت : يا أبا الوليد ، هل لك في أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت ؟ قال : أفعل ماذا ؟
قلت : إنّكم لا تطلبون من محمدٍ إلّ دم ابن الحضرميّ ، وهو حليفك ، فتحمّل بديته ، ويرجع الناس .
فقال : أنت عليّ بذلك ، واذهب إلى ابن الحنظليّة ، يعني أبا جهلٍ ، فقل له : هل لك أن ترجع اليوم بمن
معك عن ابن عمّك ؟ فجئته فإذا هو في جماعةٍ من بين يديه ومن خلفه ، وإذا ابن الحضرميّ واقفٌ على
رأسه وهو يقول : فسخت عقدي من عبد شمسٍ ، وعقدي اليوم إلى بني مخزوم . فقلت له : يقول لك
أي: رثَتُه، يقال ذلك للجبان. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٣٤٦/٢).
(١)
(٢) قال السهيلي: أي اطلب من قريش الوفاء بخُفرتهم لك. انظر ((الروض الأنف)) (١٢٥/٥).
(٣)
يقال: حقب الأمر. إذا اشتدَّ. انظر ((لسان العرب)) ( حقب ).
قال الزبيدي في ((تاج العروس)) ( صفر ) : يقال في الشتم : هو مصفر استه . أي ضرّاط .
(٤)
(٥) اعتجر، معناه تعمم بغير تلحِّ، أي لم يجعل تحت لحيته منها شيئاً. انظر (( شرح غريب السيرة)) للخشني
(٣٦/٢) .
(٦) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٤٣/٢).

٥٧
ذكر غزوة بدر العظمى
عتبة بن ربيعة : هل لك أن ترجع اليوم [ عن ابن عمّك }١) بمن معك؟ قال : أما وجد رسولًا غيرك ؟
قلت : لا ، ولم أكن لأكون رسولاً لغيره . قال حكيمٌ: فخرجت مبادراً إلى عتبة لئلاّ يفوتني من الخبر
شيءٌ، وعتبة متكىءٌ على إيماء بن رحضة الغفاريّ ، وقد أهدى إلى المشركين عشر جزائر ، فطلع أبو
جهلٍ والشّرّ في وجهه ، فقال لعتبة : انتفخ سحرك ؟ فقال له عتبة : ستعلم . فسلّ أبو جهلٍ سيفه ،
فضرب به متن فرسه . فقال إيماء بن رحضة : بئس الفأل هذا . فعند ذلك قامت الحرب .
وقد صفّ رسول الله وَّ أصحابه وعبّأهم أحسن تعبئةٍ، فروى التّرمذيّ(٢)، عن عبد الرحمن بن
عوفٍ قال : صفّنا رسول الله ێ يوم بدرٍ ليلاً .
وروى الإمام أحمد (٣) ، من حديث ابن لهيعة : حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ ، أنّ أسلم أبا عمران
حدّثْه، أنّه سمع أبا أيوب يقول: صَفَفنا يوم بدرٍ ، فبدرت منّا بادرةٌ أمام الصفّ، فنظر إليهم النبيّ وَّل
فقال : ((معي معي)). تفرّد به أحمد . وهذا إسنادٌ حسنٌ .
وقال ابن إسحاق(٤): وحدّثني حَبّان بن واسع بن حبّان، عن أشياخ من قومه، أنّ رسول الله ◌َِل
عدّل صفوف أصحابه يوم بدرٍ ، وفي يده قدٌ(٥) يعدّل به القوم ، فمرّ بسواد بن غزيّة حليف بني عديٍّ بن
النّجّار، وهو مستنتلٌ(٦) من الصفّ، فطعن في بطنه بالقدح وقال: ((استوٍ يا سواد)). فقال :
يا رسول الله، أوجعتني، وقد بعثك الله بالحقّ والعدل، فأقدني. فكشف رسول الله وَّر عن بطنه،
فقال: ((استقد)). قال: فاعتنقه فقبّل بطنه، فقال: ((ما حملك على هذا يا سواد؟)). قال:
يا رسول الله ، حضر ما ترى ، فأردت أن يكون آخر العهد بك ، أن يمسّ جلدي جلدك . فدعا له
رسول الله وَّه بخيرٍ وقاله (٧) .
قال ابن إسحاق(٨) : وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، أنّ عوف بن الحارث ، وهو ابن عفراء ،
قال: يا رسول الله، ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: ((غمسه يده في العدوّ حاسراً)). فنزع درعاً كانت
عليه فقذفها ، ثم أخذ سيفه ، فقاتل حتى قتل ، رضي الله عنه .
(١) زيادة من (( تاريخ الطبري)).
(٢) رواه الترمذي (١٦٧٧) وإسناده ضعيف .
(٣) رواه أحمد فى ((المسند)) (٥/ ٤٢٠) والراوي عن ابن لهيعة هو عبد الله بن المبارك، ولذلك حسَّنه المصنف.
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٦/١) و((تاريخ الطبري)) (٢/ ٤٤٦) وفي سنده جهالة .
(٥)
القِدْح : السهم .
(٦) أي : متقدَّم .
(٧) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((وقاله له)).
(٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٧/١ - ٦٢٨).

٥٨
ذكر غزوة بدر العظمى
قال ابن إسحاق (١): ثم عدّل رسول الله مَّل الصّفوف، ورجع إلى العريش فدخله ، ومعه فيه
أبو بكرٍ ، ليس معه فيه غيره .
وقال ابن إسحاق وغيره(٢) : وكان سعد بن معاذٍ، رضي الله عنه، واقفاً على باب العَرِيِش متقلّداً
بالسيف ، ومعه رجالٌ من الأنصار يحرسون رسول الله وَ ر خوفاً عليه من أن يدهمه العدوّ من المشركين .
والجنائب النّجائب مهيّأةٌ لرسول الله بَّر، إن احتاج إليها ركبها ورجع إلى المدينة ، كما أشار به سعد بن
معاذٍ .
وقد روى البزّار في (( مسنده (٣) من حديث محمد بن عقيلٍ ، عن عليَّ أنّه خطبهم فقال : يا أيّها
الناس ، من أشجع الناس ؟ فقالوا : أنت يا أمير المؤمنين . فقال : أما إنّي ما بارزني أحدٌ إلّ انتصفت
منه، ولكن هو أبو بكرٍ؛ إنّا جعلنا لرسول الله مَّ عريشاً، فقلنا: من يكون مع رسول الله وَل؛ لئلاً
يهوي إليه أحدٌ من المشركين؟ فوالله ما دنا منّا أحدٌ إلّا أبو بكرٍ، شاهراً بالسيف على رأس رسول الله اَلَّ لا
يهوي إليه أحدٌ ، إلّا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله وَليل وأخذته قريشٌ ؛
فهذا يجؤه ، وهذا يتلتله ، ويقولون : أنت جعلت الآلهة إلهاً واحداً ، فوالله ما دنا منّ أحدٌ إلّ أبو بكرٍ ؛
يضرب هذا ويجأ هذا ، ويتلتل هذا ، وهو يقول : ويلكم ، أتقتلون رجلاً أن يقول : ربّي الله . ثم رفع
عليٌّ بردةً كانت عليه ، فبكى حتى اخضّت لحيته ثم قال : أنشدكم الله ، أَمؤمن آل فرعون خيرٌ أم هو ؟
فسكت القوم فقال عليٍّ : فوالله، لساعةٌ من أبي بكرٍ ، خيرٌ من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون ؛ ذاك
رجلٌ يكتم إيمانه ، وهذا رجلٌ أعلن إيمانه ، ثم قال البزّار : لا نعلمه يروى إلّ من هذا الوجه .
فهذه خصوصيّةٌ للصدّيق حيث هو مع الرسول بَّة في العريش ، كما كان معه في الغار ، رضي الله عنه
وأرضاه، ورسول الله وَّهَ يكثر الابتهال والتضرّع والدّعاء، ويقول فيما يدعو به: ((اللهمّ إنّك إن تَهلك
هذه العصابةُ، لا تعبد بعدها في الأرض)). وجعل يهتف بربّه، عزّ وجلّ، ويقول: (( اللهمّ أنجز لي ما
وعدتني ، اللهمّ نصرك)). ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرّداء عن منكبيه، وجعل أبو بكرٍ ، رضي
الله عنه ، يلتزمه من ورائه ، ويسوّي عليه رداءه ، ويقول مشفقاً عليه من كثرة الابتهال : يا رسول الله ،
بعض مناشدتك ربّك، فإنّه سينجز لك ما وعدك(٤) . هكذا حكى السّهيليّ عن قاسم بن ثابتٍ أنّ الصدّيق
إنّما قال : بعض مناشدتك ربّك . من باب الإشفاق ؛ لما رأى من نصبه في الدّعاء والتضرّع ، حتى سقط
الزّداء عن منكبيه فقال : بعض هذا يا رسول الله ، أي ؛ لم تتعب نفسك هذا التعب ، والله قد وعدك
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٢٦ - ٦٢٧).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٨/١). و((تاريخ الطبري)) (٤٤٩/٢).
(٣) ((البحر الزخار)) رقم (٧٦١)، وهو في ((كشف الأستار)) برقم (٢٤٨١)، وقال الهيثمي في (( مجمع الزوائد »
(٤٧/٣) : رواه البزار وفيه من لم أعرفه .
(٤) رواه بنحوه مسلم رقم ( ١٧٦٣) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
,

٥٩
ذكر غزوة بدر العظمى
بالنصر، وكان، رضي الله عنه، رقيق القلب، شديد الإشفاق على رسول الله (وَ ا(١)
وحكى السّهيليّ عن شيخه أبي بكر بن العربيّ(٢) أنّه قال: كان رسول الله وَّ في مقام الخوف،
والصدّيق في مقام الرجاء ، وكان مقام الخوف في هذا الوقت يعني أكمل . قال : لأنّ لله أن يفعل ما
يشاء ، فخاف أن لا يعبد في الأرض بعدها ، فخوفه ذلك عبادةٌ .
قلت : وأمّا قول بعض الصّوفّة : إنّ هذا المقام ، في مقابلة ما كان يوم الغار . فهو قولٌ مردودٌ على
قائله ؛ إذ لم يتدبّر هذا القائل عور(٣) ما قال، ولا لازمه، ولا ما يترتّب عليه، والله أعلمُ(٤)
هذا وقد تواجه الفئتان ، وتقابل الفريقان ، وحضر الخصمان ، بين يدي الرحمن ، واستغاث بربّه
سيّد الأنبياء ، وضجّ الصّحابة بصنوف الدّعاء ، إلى ربّ الأرض والسماء ، سامع الدعاء وكاشف البلاء ،
فكان أوّل من قتل من المشركين ، الأسود بن عبد الأسد المخزوميّ . قال ابن إسحاق(٥): وكان رجلاً
شرساً سيّىء الخلق فقال : أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم ، أو لأهدمنّه ، أو لأموتنّ دونه ، فلمّا خرج ،
خرج إليه حمزة بن عبد المطّلب ، فلمّا التقيا ضربه حمزة ، فأطن(٦) قدمه بنصف ساقه وهو دون
الحوض ، فوقع على ظهره ، تشخب رجله دماً نحو أصحابه ، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه ، یرید
- زعم - أن يبرّ يمينه ، واتّبعه حمزة ، فضربه حتى قتله في الحوض .
قال الأمويّ(٧) : فحمي عند ذلك عتبة بن ربيعة ، وأراد أن يظهر شجاعته ، فبرز بين أخيه شيبة وابنه
الوليد ، فلمّا توسّطوا بين الصّفّين ، دعوا إلى البراز ، فخرج إليهم فتيةٌ من الأنصار ثلاثةٌ ، وهم : عوفٌ
ومعوّذٌ ابنا الحارث ، وأمّهما عفراء ، والثالث عبد الله بن رواحة ، فيما قيل ، فقالوا : من أنتم ؟ قالوا :
رهطٌ من الأنصار . فقالوا: ما لنا بكم من حاجةٍ . وفي روايةٍ(٨): فقالوا : أكفاءٌ كرامٌ ، ولكن أخرجوا
(١) انظر ((الروض الأنف)) (١٣٠/٥).
(٢) وهو الحافظ المحدِّث الكبير ، عالم أهل الأندلس في عصره ، المتوفى سنة ( ٥٤٦هـ ) . انظر ترجمته ومصادرها
في ((شذرات الذهب)) (٦/ ٢٣٢) .
(٣) العور: الشَّين والقُبح. انظر ((لسان العرب)) ( عور).
(٤) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري)) (٢٨٩/٧): قال الخطابي : لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر
كان أوثق بربّه من النبي ◌َّ في تلك الحال؛ بل الحامل للنبي ◌َّ على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم؛ لأنه
كان أول مشهد شهده ، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال ؛ لتسكن نفوسهم عند ذلك ؛ لأنهم كانوا يعلمون أن
وسيلته مستجابة ، فلما قال له أبو بكر ما قال ، كفّ عند ذلك وعلم أنه استجيب له ؛ لما وجد أبو بكر في نفسه من
القوة والطمأنينة .
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٤/١ - ٦٢٥) و((تاريخ الطبري)) (٤٤٥/٢).
(٦) أطنَّ قدمه: قطعها. انظر ((القاموس المحيط)) ( طنن ).
(٧) انظر الخبر بنحوه في ((المغازي)) الواقدي (٦٨/١).
(٨) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤٤٥/٢) و((دلائل النبوة)) للبيهقي (٧٢/٣).

٦٠
ذكر غزوة بدر العظمى
إلينا من بني عمّنا. ونادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا. فقال النبيّ وَلّ: (( قم
يا عبيدة بن الحارث ، وقم يا حمزة، وقم يا عليّ )(١)
وعند الأمويّ، أنّ النّفر من الأنصار لمّا خرجوا، كره ذلك رسول الله وَّر ؛ لأنّه أول موقفٍ واجه فيه
رسول الله مَ﴿ أعداءه، فأحبّ أن يكون أولئك من عشيرته، فأمرهم بالرّجوع، وأمر أولئك الثلاثة
بالخروج .
قال ابن إسحاق(٢) : فلمّا دنوا منهم قالوا : من أنتم ؟ وفي هذا دليلٌ أنّهم كانوا ملبّسين ، لا يُعرفون
من السلاح ، فقال عبيدة : عبيدة . وقال حمزة : حمزة . وقال عليٍّ: عليٌّ. قالوا: نعم ، أكفاءٌ
كرامٌ . فبارز عبيدة ، وكان أسنّ القوم ، عتبة ، وبارز حمزة شيبة ، وبارز عليٍّ الوليد بن عتبة ، فأمّا
حمزة ، فلم يمهل شيبة أن قتله ، وأمّا عليٍّ ، فلم يمهل الوليد أن قتله ، واختلف عبيدة وعتبة بينهما
ضربتين ، كلاهما أثبت صاحبه ، وكرّ حمزة وعليٍّ بأسيافهما على عتبة ، فذفّفا عليه ، واحتملا صاحبهما
فحازاه إلى أصحابه ، رضي الله عنه .
وقد ثبت في الصحيحين(٣) ، من حديث أبي مجلزٍ ، عن قيس بن عبادٍ ، عن أبي ذرِّ أنّه كان يقسم
قسماً أنّ هذه الآية: ﴿﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [الحج: ١٩ ] نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة
وصاحبيه ، يوم برزوا في بدرٍ . هذا لفظ البخاريّ في تفسيرها .
وقال البخاريّ(٤) : حدّثنا حجّاج بن منهالٍ، حدّثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي ، ثنا
أبو مجلزٍ ، عن قيس بن عبادٍ ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ ، أنّه قال : أنا أوّل من يجثو بين يدي الرحمن ،
عزّ وجلّ ، في الخصومة يوم القيامة .
قال قيسٌ: وفيهم نزلت: ﴿ ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَهِمْ ﴾ قال : هم الذين بارزوا يوم بدرٍ ؛
عليٌّ وحمزة وعبيدة ، وشيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . تفرّد به البخاريّ .
وقد أوسعنا الكلام عليها في (( التفسير)(٥) بما فيه كفايةٌ ، ولله الحمد والمنّة .
وقال الأمويّ : حدّثنا معاوية بن عمروٍ ، عن أبي إسحاق ، عن ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي
خالدٍ، عن عبد الله البهيّ قال : برز عتبة وشيبة والوليد ، وبرز إليهم حمزة وعبيدة وعليٍّ ، فقالوا : تكلّموا
نعرفكم. فقال حمزة، أنا أسد الله، وأسد رسول الله وَ ل، أنا حمزة بن عبد المطّلب. فقال: كفءٌ كريمٌ.
(١) رواه أبو داود مختصراً رقم (٢٦٦٥) وهو حديث صحيح .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٢٥/١).
(٣) رواه البخاري (٤٧٤٣) ومسلم (٣٠٣٣).
رواه البخاري ( ٤٧٤٤ ) .
(٤)
(٥) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٤٠١/٥).