Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
ذكر ما وقع في السنة الأولى من الهجرة
وقال الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه
استشهد بقول صِرْمة :
يذكِّر لو يلقى صديقاً مواتيا
ثَوَى في قريشِ بضعَ عشرةَ حِجَّةً
وهكذا رواهُ ابنُ جرير (١) ، عن الحارث ، عن محمد بن سعد ، عن الواقدي خمسَ عشرةَ حجَّة ،
وهو قولٌ غريبٌ جداً ؛ وأغرب منه ما قال ابنُ جرير(٢) :
حُدِّثت عن روح بن عبادة ، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: نزل القرآنُ على رسولِ الله وَّه ثماني سنين
بمكة ، وعشراً بالمدينة . وكان الحسن يقول : عشراً بمكة ، وعشراً بالمدينة .
وهذا القول الآخر الذي ذهب إليه الحسنُ البصري من أنه أقام بمكة عشرَ سنين ؛ ذهب إليه أنس بن
مالك وعائشة وسعيدُ بن المُسَيِّب وعمرو بن دينار فيما رواه ابن جرير عنهم ، وهو روايةٌ عن ابن عباس
رواها أحمدُ بن حنبل(٣) عن يحيى بن سعيد، عن هشام ، عن عكرمة عن ابن عباس ، قال : أُنزل على
النبيِّ ◌ٌَّ وهو ابنُ ثلاثٍ وأربعين ، فمكث بمكة عشراً.
وقد قدمنا عن الشعبي أنه قال(٤): قُرن إسرافيل برسولِ الله وَ لّ ثلاث سنين يُلقي إليه الكلمة والشيء
- وفي رواية يسمع حسَّه ولا يرى شخصَه ، ثم كان بعد ذلك جبريل . وقد حكى الواقدي عن بعض
مشايخه أنه أنكر قول الشعبي هذا ، وحاول ابن جرير أن يجمع بين قول من قال إنه عليه السلام أقام بمكة
عشراً ، وقول من قال ثلاث عشرة بهذا الذي ذكره الشعبي . والله أعلم .
فصل
ولما حلَّ الرِّكابُ النبويُّ بالمدينة ، وكان أولَ نزوله بها في دار بني عمرو بن عوف ، وهي قُبَاء كما
تقدم فأقام بها - أكثر ما قيل - ثنتين وعشرين ليلة ، وقيل ثماني عشرة ليلة . وقيل بضع عشرة ليلة . وقال
موسى بن عقبة : ثلاث ليال .
والأشهر ما ذكره ابنُ إسحاق (*) وغيرُه ، أنه عليه السلام أقام فيهم بقُباء من يوم الإثنين إلى يوم
الجمعة ، وقد أسَّس في هذه المُدَّة المختلف في مقدارها - على ما ذكرناه - مسجد قباء . [ وقد ادَّعى
السُّهَيلي أنَّ رسولَ الله وَّرَ أسَّسه في أولِ يومٍ قدم إلى قُباء، وحمل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ
(١) في تاريخه (٣٨٦/٢).
( ) في تاريخه (٣٨٧/٢).
(٣) في مسنده (٢٢٨/١) رقم (٢٠١٧) وهو حديث صحيح .
(٤) مضى الخبر .
(٥) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٤).

٤٨٢
ذكر ما وقع في السنة الأولى من الهجرة
أُسِّسَ عَلَى الشَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [ التوبة: ١٠٨] وردَّ قول من أعربها من تأسيس أولِ يوم ١َ)، وهو مسجدٌ
شريفٌ فاضل نزل فيه قوله تعالى: ﴿لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيْءٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ
أَنْ يَنَطَهَرُواْ وَ اَللَّهُ يُحِبُّ الْمُلَّهِرِينَ﴾ [ التوبة: ١٠٨] كما تكلمنا على تقرير ذلك في التفسير وذكرنا الحديث
الذي [ في صحيح مسلم(٢) أنه مسجد المدينة والجواب عنه. وذكرنا الحديث الذي ](١) رواه الإمامُ
أحمد(٣): حدّثنا حُسين(٤) بن محمد، حدثنا أبو أُوَيْس(٥)، حدثنا شُرَحْبِيل عن عُويم بن ساعدة ، أنه
حدثه أنَّ رسولَ الله وَهل أتاهم في مسجد قُباء فقال: ((إنَّ اللهَ قد أحْسَنَ عليكم الثَّاء في الطَّهور في قصة
مسجدكم ، فما هذا الطَّهُورُ الذي تطَّهرون به؟)) قالوا: والله يا رسول الله! ما نعلم شيئاً إلا أنه كان لنا
جيرانٌ من اليهود ، فكانوا يغسِلُونَ أدبارهم من الغائط فغسَلْنا كما غسلوا .
وأخرجه ابنُ خُزيمةَ في صحيحه(٦) وله شواهد أُخر .
ورُوي عن خُزيمة بن ثابت ، ومحمد بن عبد الله بن سلام ، وابنِ عباس .
وقد روى أبو داود والترمذي ، وابن ماجه (١) ، من حديث يونس بن الحارث ، عن إبراهيم بن
أبي ميمونة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((نزلت هذه الآيةُ في أهْلِ قُبَاء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنَ
يَنَظَهَرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَهِرِينَ﴾ [ التوبة: ١٠٨ ] قال: كانوا يَسْتَنْجُونَ بالماءِ فنزلَتْ فيهم هذه الآية)). ثم
قال الترمذي : غريبٌ من هذا الوجه .
قلت : ويونس بن الحارث هذا ضعيفٌ والله أعلم .
وممن قال بأنه المسجدُ الذي أُسِّسَ على التقوى ما رواهُ عبدُ الرزّاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن
(١) ما بين المعقوفين ليس في ح وقد سبق أن أشير إلى ذلك ص (٤٧٩) موضع الحاشية (٧) وقول السهيلي هذا في
الروض (٢٤٦/٢) فأظن هذه الزيادة من عمل النساخ والله أعلم .
(٢) صحيح مسلم (١٣٩٨) (٥١٤) الحج باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي وَّر. وأيضاً
تفسير ابن كثير (٤٥٦/٣) في تفسير الآية .
(٣) مسند أحمد (٤٢٢/٣) رقم (١٥٤٢٤).
(٤) في ح، ط : حسن بن محمد. تصحيف ، والمثبت من مسند أحمد وترجمته في تهذيب الكمال (٦/ ٤٧١) وهو
الحسين بن محمد بن بهرام التميمي المؤدب المروزي توفي سنة ٢١٤هـ .
(٥) في ح، ط : أبو إدريس . تصحيف ، والمثبت من مسند أحمد وترجمته في تهذيب الكمال (١٦٦/١٥) وهو
عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك الأصبحي، توفي سنة ١٦٧ هـ ، وهو ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد.
(-) صحيح ابن خزيمة (٨٣) الوضوء أبواب الاستنجاء بالماء باب ذكر ثناء الله عز وجل على المتطهرين بالماء . قال
بشار : وإسناده ضعيف ، لضعف أبي أويس، وشرحبيل بن سعد ، وفي سماع شرحبيل من عويم نظر كما قال
الحافظ ابن حجر (٣٢٢/٤).
١ ) سنن أبي داود (٤٤) الطهارة باب في الاستنجاء بالماء، وجامع الترمذي (٣١٠٠) التفسير باب من سورة التوبة،
وسنن ابن ماجه (٣٥٧) الطهارة باب الاستنجاء بالماء .

٤٨٣
فصل في إسلام عبد الله بن سلام
عروة بن الزُّبير . ورواه علي بنُ أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وحُكي عن الشعبي ، والحسنِ البصري ،
وقتادة ، وسعيد بن جُبير ، وعطية العَوْفي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم .
وقد كان النبيُّ ◌َّله يزورُه فيما بعدُ ويصلِّي فيه، وكان يأتي قُباء كلَّ سبت، تارةً راكباً وتارةً ماشياً .
وفي الحديث : ((صلاةٌ في مسجد قُباء كَعُمْرَة)(١) .
وقد ورد في حديث أن جبرائيل عليه السلام هو الذي أشار للنبي وَّهِ إلى موضع قبلةِ مسجد قباء ،
فكان هذا المسجد أولَ مسجد بني في الإسلام بالمدينة ، بل أول مسجدٍ جُعل لعموم الناس في هذه المِلَّة .
واحترَزْنا بهذا عن المسجد الذي بناه الصدِّيق بمكة ، عند باب دارِهِ يتعبَّدُ فيه ويصلِّي، لأنَّ ذاك كان لخاصَّةِ
نفسه ، لم يكن للناس عامةً . والله أعلم .
وقد تقدَّم إسلامُ سلمانَ في البشارات ، أنَّ سلمانَ الفارسيّ لما سمع بقدوم رسولِ الله وَّةٍ إلى المدينة
ذهب إليه وأخذ معه شيئاً، فوضعه بين يديه، وهو بقُباء، قال: هذا صدقة. فكفَّ رسولُ اللهِ وَ لاَ فلم
يأكُلُه، وأمر أصحابَهُ فأكلُوا منه ، ثم جاء مرةً أخرى ومعه شيءٌ فوضعه وقال : هذه هديّة . فأكل منه وأمر
أصحابَهُ فأكلوا . تقدَّم الحديث بطوله(٢) .
فصل
في إسلام عبد الله بن سَلَام رضي الله عنه
قال الإمامُ أحمد(٣): حدَّثنا محمد بن جعفر ، حدثنا عوف ، عن زرارة ، عن عبد الله بن سلام ،
قال : لما قدم رسولُ اللهِ وَّ المدينة انجفل الناس إليه(٤) ، فكنتُ فيمن انجفل ، فلما تبيَّنتُ وجهه عرفتُ
أنه ليس بوجه كذَّاب، فكان أولُ شيءٍ سمعتُه يقول: (( أفشوا السلام، وأطعموا الطعام ، وصلُّوا باللَّيل
والناسُ نيام ، تدخلوا الجنة بسلام)) .
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٤) الصلاة باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣٧٣)
الصلاة باب في الصلاة في مسجد قباء و(١٢٥٧٠) الفضائل باب في مسجد قباء ، كلاهما عن أسيد بن ظهير
الأنصاري وقال الترمذي : حسن صحيح (كما في تحقيق الدكتور بشار ، وانظر تعليقه عليه ) ، وأخرجه ابن ماجه
في السنن عن أُسيد أيضاً (١٤١١) إقامة الصلاة باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء وكذا البيهقي في السنن
(٢٤٨/٥) الحج باب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه ؛ وأخرجه ابن ماجه برقم (١٤١٢) في الباب نفسه والنسائي في
السنن (٦٩٩) المساجد باب فضل مسجد قباء كلاهما عن سهل بن حنيف بلفظ (( من خرج حتى يأتي هذا المسجد
مسجد قُباء فيصلي فيه كان له كعدل عمرة ، وكذا أخرجه الحاكم في مستدركه (١٢/٣) في كتاب الهجرة .
(٢) مضى الحديث (ص ١١٣ - ١١٧)؛ وقد أشار ناشر ط في الحاشية هنا إلى الأسطر الثلاثة الأخيرة أنها لم تذكر في
النسخة الحلبية يعني ح ، وهذه النسخة بين يدي لا نقص فيها فلعله أراد أن يقول : المصرية ؛ فوَهَم .
(٣) في مسنده (١/ ٤٥١).
٠) في المسند: عليه، وفي النهاية: قِبَلَه، ومعناه: ذهبوا مسرعينَ نحوه. النهاية لابن الأثير (٢٧٩/١).

٤٨٤
فصل في إسلام عبد الله بن سلام
ورواه الترمذي وابن ماجه (١) من طرق، عن عوف الأعرابي ، عن زُرارة بن أوفى به عنه . وقال
الترمذي : صحيح .
ومقتضى هذا السياق يقتضي أنه سمع بالنبيِّ وَّ ورآه أولَ قدومه حين أناخ بقُباء في بني عمرو بن
عوف .
وتقدَّم في رواية عبد العزيز بن صُهيب عن أنس أنه اجتمع به حين أناخ عند دار أبي أيوب بعد(٢)
ارتحاله من قُباء إلى دار بني النجار كما تقدم ؛ فلعله رآه أولَ ما رآه بقُباء ، واجتمع به بعد ما صار إلى دار
بني النجَّار . والله أعلم .
وفي سياق البخاري من طريق عبد العزيز عن أنس. قال: فلما جاء النبيُّ بَّه جاء عبدُ الله بن سَلام
فقال أشهدُ أنَّك رسولُ الله وأنك جئت بحقّ ، وقد علمت يهودُ أنِّي سيِّدُهم وابنُ سيِّدِهم ، وأعلمُهم وابنُ
أعْلَمِهم ، فادْعُهم فسلْهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت ، فإنهم إنْ يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيَّ
ما ليس فيّ. فأرسل نبيُّ الله وَلَّه إلى اليهود فدخلوا عليه. فقال لهم: (( يا معشرَ اليهود ، ويلكم اتقوا
الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمونَ أَنِّي رسولُ الله حقّاً وأني جئتُكم بحقّ فأسلموا)» قالوا :
ما نعلمه - قالوا للنبي رَ ﴿ قالها ثلاثَ مرار - قال: ((فأيُّ رجلٍ فيكم عبدُ الله بنُ سَلام)»؟ قالوا: ذاكَ
سيدُنا وابنُ سيدِنا، وأعلمُنا وابن أعلِمنا. قال: ((أفرأيتُم إنْ أسلم)) قالوا : حاش لله ما كان ليُسلم .
قال: (( يا ابن سَلام اخْرُج عليهم)) فخرج فقال: يا معشر يهود اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو ، إنكم
لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق. فقالوا: كذبتَ. فأخرجهم رسولُ اللهِ وَله .
هذا لفظ، (٣)
.
وفي رواية١٤ُ: فلما خرج عليهم شهد شهادة الحق قالوا : شُّنا وابنُ شرِّنا، وتنقَّصُوه . فقال :
يا رسول الله هذا الذي كنتُ أخاف .
وقال البيهقي(٥): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا الأصم، حدّثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني(٦)،
حدثنا عبد الله بن بكر(١)، حدثنا حُميد عن أنس، قال: سمع عبد الله بن سَلام بقدوم النبيِّ ◌َّهِ - وهو في
أرض له - فأتى النبيَّ وَِّ فقال: إني سائلك عن ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلا نبيّ ؛ ما أولُ أشراطِ الساعة؟
(١) جامع الترمذي (٢٤٨٥) صفة القيامة باب (٤٢) وسنن ابن ماجه (٣٢٥١) الأطعمة باب إطعام الطعام .
(٢) في ط : عند .
(٣)
يعني البخاري في (٢٤٩/٧، ٢٥٠).
(٤)
للبخاري في الفتح (٣٩٣٨) مناقب الأنصار باب ٥٠.
(٦) في ح، ط: الصنعاني. تصحيف ، والمثبت من الدلائل وسير أعلام النبلاء في ترجمته (١٢ / ٥٩٢) ومصادرها فيه.
(٥)
في دلائل النبوة (٥٢٨/٢) .
(٧) في ط : عبد الله بن أبي بكر. تصحيف ، والمثبت من ط ودلائل البيهقي وترجمته في تهذيب الكمال (١٤/ ٣٤٠).

٤٨٥
فصل في إسلام عبد الله بن سلام
وما أولُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنة؟ وما ينزعُ الولد(١) إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: ((أخبرني بهنَّ جبريلُ آنفاً))
قال: جبريل؟! قال: ((نعم)) قال: عدوُ اليهود من الملائكة. ثم قرأ ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ
عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧]، ((أما أول أشراطِ الساعة: فنارٌ تخرجُ على الناس من المشرقِ تسوقهم
إلى المغرب ؛ وأمَّا أولُ طعام يأكلُه أهلُ الجنة فزيادةُ كبد حُوت، وإذا٢) سبق ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ نزَع
الولدُ، وإذا سبق ماءُ المرأةِ نَزَّعَتْ)) فقال: أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسولُ الله ◌َل؛ يا رسول الله !
إنَّ اليهودَ قومٌ بُهْتٌ(٣) وإنهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهَتُوني ، فجاءت اليهود ، فقال :
((أيُّ رجلٍ عبدُ الله فيكم؟)) قالوا: خيرُنا وابنُ خيرِنا، وسيدُنا وابنُ سيدِنا. قال: (( أرأيتم إنْ أسلمَ؟ »
قالوا : أعاذهُ الله من ذلك . فخرج عبد الله فقال : أشهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أن محمداً رسولُ الله .
قالوا : شُّنا وابنُ شرِّنا . وانتقصوه . قال : هذا الذي كنتُ أخافُ يا رسولَ الله .
ورواه البخاري(٤) عن عبد الله بن مُنير، عن عبد الله بن بكر به ، ورواه٥) عن حامد بن عمر ، عن
بشر بن المفضل ، عن حميد ، به .
قال محمد بن إسحاق(٦) : حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، عن يحيى بن عبد الله ، عن رجلٍ من آل عبد الله
ابن سَلام . قال : كان من حديث عبد الله بن سَلام حين أسلم - وكان حَبْراً عالماً - قال : لما سمعتُ
برسولِ اللهِوَ لّ وعرفتُ صفته واسمه وهيئته والذي كنّا نتوَّف له(٧) ، فكنتُ مُسِرَّاً لذلك ، صامتاً عليه حتى
قدِم رسولُ اللهِ وَ ◌ّ المدينة ، فلما قدم نزل بقُباء في بني عمرو بن عَوف ، فأقبل رجلٌ حتى أخبر بقدومه،
وأنا في رأسِ نخلةٍ لي أعمل فيها ، وعمتي خالدةُ بنت الحارث تحتي جالسة ، فلما سمعتُ الخبر بقدوم
رسولِ اللهِوَ ﴿ كَبَّرْتُ ، فقالت عمتي حين سمعتْ تكبيري : لو كنت سمعتَ بموسى بن عمران ما زدتَ !
قال : قلتُ لها : أي عَمَّة ، والله هو أخو موسى بنِ عمران ، وعلى دينِه بُعثَ بما بُعث به . قال فقالت له :
يا ابنَ أخي أهو الذي كنَّا نُخبرُ به أنه يُبعث مع نفسِ الساعة ؟ قال قلتُ لها : نعم . قال : فذاك إذاً .
قال : فخرجتُ إلى رسولِ اللهَ بَّه فأسلمتُ ثم رجعتُ إلى أهل بيتي، فأمرتُهم فأسلموا ، وكتمتُ
(١) في ط : وما بال الولد ... والمثبت من ح والدلائل.
(٢) في ط : وأما الولد إذا سبق ، والمثبت من ح والدلائل والبخاري .
(٣) ((بُهْت)) : جمع بَهُوت وهو من بناء المبالغة في البُهْت: وهو الكذب والافتراء. مثل صَبُور وصُبُر. ثم سُكّن
تخفيفاً . النهاية لابن الأثير (١/ ١٦٥) .
(٤) فتح الباري (٤٤٨٠) التفسير باب قوله من كان عدوّاً لجبريل من سورة البقرة .
( ٥)
فتح الباري (٣٩٣٨) مناقب الأنصار باب كيف آخى النبي ◌َلّ بين أصحابه.
(٦) في سيرة ابن هشام (١/ ٥١٦) إلا أنه لم يذكر إسناده، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٣٠) عن علي بن أحمد بن
عبدان الأهوازي عن أحمد بن عُبيد الصفار عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن الضحاك بن الحارث عن عبد الله بن
الأجلح عن محمد بن إسحاق به .
(٧) ((توكف الخبر)) : انتظر وَكْفَه ، أي وقوعه . النهاية لابن الأثير .

٤٨٦
فصل في إسلام عبد الله بن سلام
إسلامي من اليهود وقلت : يا رسول الله! إنَّ اليهودَ قومٌّ بُهْت، وإني أحبُّ أنْ تُدخلَني في بعضِ بيوتِك
فتغْيِّبَني عنهم ، ثم تسألُهم عني فيخبروك كيف أنا فيهم ، قبلَ أن يعلموا بإسلامي ، فإنهم إنْ يعلموا بذلك
بهَتُوني وعابوني . وذكر نحو ما تقدَّم .
قال : فأظهرتُ إسلامي وإسلامَ أهلِ بيتي ، وأسلمتْ عمتي خالدة بنت الحارث .
وقال يونس بن بُكير(١) : عن محمد بن إسحاق ، حدثني عبد الله بن أبي بكر ، حدثنا محدِّثٌ عن
صفيةَ بنتِ حُيَّيّ قالت : لم يكن أحد من ولد أبي وعمي أحب إليهما مني ، لم ألقهما في ولد لهما قط (٣)
أهش إليهما إلا أخذاني دونه ، فلما قدم رسولُ اللهِوَّ قُباء - قرية بني عمرو بن عوف - غدا إليه أبي وعمي
أبو ياسر بن أخطب مغلِّسين(٣)، فوالله ما جاآنا إلا مع مغيب الشمس ، فجاآنا فاترَيْن كسلانَيْن ساقطَيْن
يمشيانِ الهُوَينى ، فهششتُ إليهما كما كنتُ أصنع ، فوالله ما نظر إليّ واحدٌ منهما ، فسمعتُ عمي أبا ياسر
يقول لأبي : أهو هو ؟ قال : نعم والله. قال: تعرفه بنعته٤ُ) وصفته ؟ قال: نعم والله. قال : فماذا في
نفسك منه ؟ قال : عداوتُه والله ما بَقِيت .
وذكر موسى بن عقبةُ(٥) عن الزهري أنَّ أبا ياسر بن أخطب حين قدم رسولُ الله ◌َّ المدينة ذهب إليه
وسمع منه وحادثه ، ثم رجع إلى قومه فقال: يا قوم ، أطيعوني ، فإنَّ الله قد جاءكم بالذي كنتم
تنتظرون ، فاتبعوه ولا تخالفوه . فانطلق أخوه حيي بن أخطب - وهو يومئذ سيدُ اليهود ، وهما من بني
النَّضِير - فجلس إلى رسولِ الله وَّه وسمع منه، ثم رجع إلى قومه - وكان فيهم مُطاعاً - فقال: أتيتُ من
عندِ رجلٍ والله لا أزال له عدواً أبداً . فقال له أخوه أبو ياسر : يا ابن أمّ ، أطعني في هذا الأمر واعصني
فيما شئت بعدَه لا تَهْلِك . قال: لا والله لا أطيعك أبداً، واستحوذ عليه الشيطان ، واتبعه قومُه على
رأيه .
قلت : أما أبو ياسر واسمه جُدَيُّ بن أخطب(٦) ، فلا أدري ما آل إليه أمرُه ، وأما أخوه حُيَيُّ بن
أخطب والد صفية بنت حيي فشرب عداوةَ النبيِّ وَّهِ وأصحابه، ولم يزل ذلك دأبُه لعنه الله حتى قُتل صبراً
بين يدي رسولِ الله ◌ِ ﴿ يوم قَتَل مقاتلة بني قُرَيظة كما سيأتي إن شاء الله .
(١) قول يونس هذا في دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٣٣) أخرجه بإسناده عنه به.
(٢)
في الدلائل : لم ألقهما قط مع ولد لهما أهش ...
(٣)
في ح : بغلس .
(٤)
في الدلائل : بعينه .
خبر موسى بن عقبة هذا في دلائل البيهقي (٢/ ٥٣٢) ذكره بإسناده إلى ابن شهاب الزهري .
(٥)
(٦) في ط: واسمه حيي بن أخطب. تصحيف والمثبت من ح والمؤتلف والمختلف للدار قطني (٥٢٦/١) والإكمال
(٦٢/٢) ولم يذكرا كنيته ، وفي سيرة ابن هشام (٥١٤/١) ثلاثة : حيي بن أخطب ، وأخواه أبو ياسر بن أخطب
وجُدي بن أخطب .

٤٨٧
ذكر خطبة رسول الله
فصل
ولما ارتحل عليه السلام من قُباء وهو راكبٌ ناقته القَصْواء ، وذلك يوم الجمعة أدركه وقت الزوال
وهو في دار بني سالم بن عوف ، فصلَّى بالمسلمين الجُمعةَ هنالك، في وادٍ يقالُ له وادي رانُوناءُ(١) ،
فكانت أولَ جمعةٍ صلاها رسولُ اللهِ وَلّ بالمسلمين بالمدينة ، أو مطلقاً لأنه والله أعلم لم يكن يتمكَّن هو
وأصحابه بمكّة من الاجتماع حتى يُقيموا بها جمعةً ذات خطبةٍ وإعلان بموعظة ، وما ذاك إلا لشدَّة مخالفةِ
المشركين له ، وأذيَّتهم إياه .
ذکر خطبة رسول الله پڼ يومئذ
قال ابن جرير(٢) : حدَّثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابنُ وهب، حدثنا٣) سعيدُ بن عبد الرحمن
الجُمَحي أنه بلغه عن خطبة النبيِّ ◌ََّ في أولِ جمعةٍ صلاها بالمدينة في بني سالم بن عوف رضي الله عنهم :
(( الحمد لله أحمده وأستعينُه، وأستغفره وأستهديه ، وأومن به ولا أكفُره ، وأعادي مَنْ يكفره ، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه ، أرسله بالهدى ودين الحقِّ والنورِ
والموعظة على فترةٍ من الرُسل ، وقلَّةٍ من العلم ، وضلالةٍ من الناس ، وانقطاعٍ من الزمان ، ودنوٍّ من
الساعة ، وقُرْبٍ من الأجل ؛ مَنْ يطعِ اللهَ ورسولَه فقد رَشَد ؛ ومن يعصِهما فقد غَوَى وفرَّط ، وضلَّ ضلالًا
بعيداً ، وأوصيكم بتقوى الله، فإنه خيرُ ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحُضَّه على الآخرة . وأن يأمرَهُ
بتقوى الله . فاحذروا ما حذَّركم اللهُ من نفسِه . ولا أفضل من ذلك نصيحة ، ولا أفضل من ذلك ذكرى .
وإنه تقوى لمن عَمِل به على وَجَلٍ ومَخَافة ، وعون صدق على ما تَبْغُونَ من أمرِ الآخرة ، ومَنْ يُصلح الذي
بينَهُ وبين الله من أمر السرِّ والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وَجْهَ الله يكن له ذِكراً في عاجلٍ أمره وذُخْراً فيما بعد
الموت ، حين يفتقر المرءُ إلى ما قدَّم ، وما كان من سوى ذلك يوذُّ لو أنَّ بينه وبينه أمداً بعيداً ، ويحذِّركُم
الله نفسَه والله رؤوفٌ بالعباد. والذي صدَّق قوله، وأنجز(٤) وعده، لا خُلْفَ لذلك، فإنَّهُ يقولُ تعالى :
﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنَاْ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [٥: ٢٩] واتقوا الله في عاجل أمرِكم وآجله، في السِّرِّ والعلانية، فإنَّه
﴿وَمَنْ يَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَبِئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ [ الطلاق: ٥]، ومن يتَّقِ اللهَ فقد فازَ فَوْزاً عَظيماً؛ وإنَّ تقوى
الله تُوَقِّي مَقْتَه ، وتوقِّي عُقوبتَه، وتوقِّي سُخْطَه ؛ وإنَّ تقوى الله تُبَيِّضُ الوجه (٥) ، وتُرْضي الربّ، وترفع
(١) في ط : رانواناء. تصحيف، والمثبت من هامش ح ومعجم البلدان (١٩/٣) وقال فيه : بوزن عاشوراء
وخابوراء .
(٢) في تاريخه (٣٩٤/٢).
(٣) في ط : عن وفي الطبري : حدثني .
(٤) في ح : ونجز ، وكذا في بعض نسخ الطبري .
(٥) في الطبري : الوجوه .

٤٨٨
ذکر خطبة رسول الله نائچ.
الدرجة، خُذُوا بحظّكم ولا تفرِّطوا في جَنْب الله ، قد علَّمكم الله كتابَه ، ونَهَج لكم سبيله ليعلمَ الذينَ
صدَقوا وليعلمَ الكاذبين ، فأحسنوا كما أحسنَ الله إليكم وعادُوا أعداءه وجاهِدُوا في اللهِ حقَّ جهادِه هو
اجتباكم وسمَّاكم المسلمين ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَى عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [ الأنفال: ٤٢] ولا قوَّة إلا
بالله، فأكثرُوا ذكْرَ الله واعملوا لما بعد الموت(١) فإنه مَنْ أصلح ما بينهُ وبين الله يَكْفِهِ ما بينه وبين الناس ،
ذلك بأنَّ الله يقضي على الناس ولا يقضُون عليه ، ويملكُ من الناس ولا يملكون منه ، الله أكبر ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم)).
هكذا أورده ابنُ جرير ، وفي السند إرسال .
وقال البيهقي(٢): باب - أول خطبة خطبها رسول الله وَ ل حين قدم المدينة -.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، حدَّثنا أحمد بن عبد الجبّار ، حدثنا يونس بن
بُكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني المغيرة (٣) بن عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شَرِيق ، عن
أبي سَلَمة بنِ عبد الرحمنِ بنِ عوف قال: كانتْ أول خطبةٍ خطبها رسولُ اللهِ وَّه بالمدينة أنْ قام فيهم
فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: (( أما بعدُ أيها الناس، فقدِّموا لأنفسكم، تعلَمنَّ والله ليُضْعقَنَّ
أحدكم ثم ليدعَنَّ غنمه ليس لها راع ، ثم ليقولَنَّ له ربُّه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجُبه دونه - : ألم
يأتك رسولي فبلَّغك، وآتيتُك مالاً وأفضلت عليك، فما قدَّمتَ لنفسك ؟ فينظر يميناً وشمالا فلا يرى
شيئاً ، ثم ينظر قُذَامه فلا يرى غير جهنّم ، فمن استطاع أن يَقيَ وجهه من النار ولو بشقِّ تمرة فليفعل ، ومن
لم يجد فبكلمة طيبة، فإنَّ بها تُجْزى الحسنةُ عشرَ أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسلامُ على رسول الله( ٤)
ورحمة الله وبركاته .
ثم خطب رسولُ الله ◌ِ ◌ِّ مرَّةً أخرى فقال: ((إنَّ الحمد لله أحمدُه وأستعينه، نعوذُ بالله من شرور أنفسِنا
وسيئاتِ أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله [ وحده
لا شريك له ]°)، إنَّ أحسن الحديثِ كتابُ الله، قد أفلح مَنْ زَيَّنَهُ الله في قلبه وأدخله في الإسلام بعد
الكُفْرِ ، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس ، إنه أحْسَنُ الحديث وأبلغُه، أحبُوا مَن أحبَّ الله ،
أحبوا الله من كلِّ قلوبكم [ولا تملُّوا كلامَ الله وذِكْرَه، ولا تَفْسُ عنه قلوبُكم ](٥) فإنه من كلٍّ يختار الله
(١) في الطبري : اليوم .
(٢) في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٤) وأخرجه ابن هشام في السيرة (١/ ٥٠٠).
(٣) المغيرة هذا لم أقف له على ترجمة في كتب العلم، لكن من أقربائه ، إن وجد : أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن
الأخنس بن شريق الثقفي المدني، ابن أخت أم حبيبة زوج النبي بَير، وهو مترجم في التهذيب (٣٦١/٣٣)
( بشار ) .
(٤) في سيرة ابن هشام (١ / ٥٠١) : والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
(٥) ما بين معقوفين من الدلائل وسيرة ابن هشام .

٤٨٩
فصل في بناء مسجده الشريف
ويصطفى، فقد سمَّاه خِيرتَهُ من الأعمال وخيرتهُ(١) من العباد، والصالح من الحديث ومن كلِّ ما أُوتي الناسُ
من الحلال والحرام ، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، واتقوه حقَّ تقاته، واصْدُقوا الله صالحَ ما تقولون
بأفواهِكم وتحابُوا بروحِ الله بينكم إنَّ الله يغضَبُ أن يُنكَثَ عهدُه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته )) .
وهذه الطريق أيضاً مرسلة إلا أنها مقوِّيةٌ لما قبلها وإن اختلفتِ الألفاظ .
فصل
في بناء مسجده الشريف في مدة مقامه عليه [ الصلاة ] والسلام
بدار أبي أيوب رضي الله عنه
وقد اختلف في مدة مقامه بها ، فقال الواقدي : سبعة أشهر ، وقال غيره : أقلّ من شهر. والله أعلم.
قال البخاري(٢): حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبدُ الصمد قال: سمعتُ أبي يحدِّث فقال :
حدثنا أبو التََّّح يزيد بن حُميد الصُّبَعي(٣)، حدثنا أنس بن مالك، قال: لما قدم رسولُ الله ◌ِّر المدينة
نزلَ في عُلْوِ المدينة ، في حِيٍّ يقال لهم : بنو عمرو بن عوف، فأقام فيهم أربعَ عشرةَ ليلةً ، ثم أرسلَ إلى
ملأ بني النجَّار فجاؤوا متقلِّدي سيوفهم ، قال: وكأنِّي أنظرُ إلى رسولِ الله وَّل على راحلته وأبو بكر
رِدْفَه ، ومَلأ بني النجَّارِ حولَه، حتى ألْقَى(٤) بفناءٍ أبي أيوب ، قال : فكان يصلِّي حيثُ أدركَتْه الصلاة ،
ويصلِّي في مرابضِ الغنم . قال : ثم إنه أمر ببناء المسجد ، فأرسل إلى مَلأ بني النجّار ، فجاؤوا فقال :
((يا بني النجَّار ثامنوني بحائطِكم هذا)» فقالوا: لا والله لا نطلبُ ثمنَهُ إلا إلى الله . قال : فكان فيه
ما أقولُ لكم ، كانت فيه قبورُ المشركين، وكانت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نخل، فأمر رسولُ الله ◌ِوَلَه بقبور
المشركين فنُبشتْ ، وبالخِرَبِ فسُوِّيتْ ، وبالنخل فقُطِع . قال : فصقُوا النخلَ قبلةَ المسجد ، وجعلوا
◌ِضَادَتَيْهِ حجارة. قال: فجعلوا ينقلُون ذلك الصخر وهم يرتجزون، ورسولُ الله وَّر معهم يقول٦ :
اللهمَّ إنه لا خيرَ إلا خَيْرُ الآخرة ، فانصر الأنصارَ والمهاجرة .
(١) في الدلائل والسيرة : ومصطفاه من العباد .
(٢) فتح الباري (٣٩٣٢) مناقب الأنصار باب هجرة النبي وير وأصحابه إلى المدينة .
(٣) فى ط : الضبي . تصحيف ، والمثبت من ح والبخاري في الفتح .
(٤) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٦٦) : ألقى : أي نزل ، أو المراد ألقى رحله.
(٥) ((ثامنوني)): أي قرروا معي ثمنه، أو ساوموني بثمنه، تقول: ثامنت الرجل في كذا ، إذا ساومته . فتح الباري
(٢٦٦/٧) .
(٦) في الفتح: ورسول الله بَّر معهم يقولون: وكتب قولهم في البخاري كما يكتب الشعر في شطرين . وفي رواية
أخرى وهي الآتي ذكرها :
فاغفر للأنصار والمهاجره
اللهمَّ لا خير إلا خير الآخرة
وانظر قول ابن هشام ص (٤٩٢ ح ٢).

٤٩٠
فصل في بناء مسجده الشريف
وقد رواه البخاري في مواضعَ أخر ومسلمُ(١) من حديث أبي عبد الصمد وعبد الوارث بن سعيد .
وقد تقدَّم في صحيح البخاري(٢)، عن الزهري ، عن عروة، أنَّ المسجد الذي كان مِرْبَداً - وهو بَيْدَرُ
التمر - ليتيمَيْن كانا في حَجْر أسعد بن زرارة وهما سَهْل وسُهيل، فساومهما فيه رسول الله وَ لَه فقالا: بل
نَهَبُه لك يا رسول الله! فأبَى حتى ابتاعه منهما وبناه مسجداً. قال: وجعل رسولُ الله ◌ِّه يقول وهو ينقل
معهم التراب : 1 من الرجـ ا
هذا أبَرُ رَبَّنا وأطْهَرْ
هذا الحِمالُ لا حمالَ خَيْبَرْ
ويقول : ...
لا هُمَّ إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْ فارْحَم الأنْصَارَ وَالمُهاجِرَهْ
وذكر موسى بن عُقْبَة أنَّ أسعد بن زُرَارة عوَّضَهما منه نخلاً له في بني بَيَاضة ، قال : وقيل ابتاعه منهما
رسولُ الله ◌َل﴾ .
قلت : وذكر محمد بن إسحاق(٣) أن المِرْبَدَ كان لغلامين يتيمين في حجر معاذ بن عَفْراء وهما سهل
وسُهيل ابنا عمرو ، فالله أعلم .
وروى البيهقي(٤) من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا ، حدّثنا الحسن بن حماد الضبي ، حدثنا
عبد الرحيم بن سليمان ، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن ، قال: لما بنى رسولُ اللهِ وَّ المسجد
أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن ، حتى اغبزَّ صَدْرُه، فقال: ((ابنوهُ عَرِيشاً كعريشٍ موسى »
فقلت للحسن : ما عريشُ موسى ؟ قال : إذا رفع يديه بلغ العريش - يعني السقف - .
وهذا مرسل .
ورَوَىٌ" من حديث حمَّاد بن سلمة ، عن أبي سنان، عن يعلى بن شداد بن أوس ، عن عُبادة ، أنَّ
الأنصار جمعوا مالاً فأتَوْا به النبيَّ وََّ فقالوا: يا رسول الله، ابنِ هذا المسجدَ وزَيِّنْه، إلى متى نصلِّي
تحت هذا الجريد ؟ فقال: (( ما بي رغبةٌ عن أخي موسى، عريشٌ كعريشٍ موسى)).
(١) فتح الباري (٤٢٨) الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويُتخذ مكانها مساجد وفي الحج (١٨٨٦) والبيوع
(٩٠٦)، وفي موضعين من الوصايا (٢٧٧١) و(٢٧٧٤) و(٢٧٧٩)؛ وصحيح مسلم (٥٢٤) (٩) المساجد باب
ابتناء مسجد النبي ◌َّ.
(٢)
تقدم الخبر ص (٤٥١، ٤٥٢) .
تقدم حدیث ابن إسحاق في أول ص (٤٦٨).
(٣)
دلائل البيهقي (٢/ ٥٤٢) .
(٤)
(٥) يعني البيهقي في الدلائل (٢/ ٥٤٢).

٤٩١
فصل في بناء مسجده الشريف
وهذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه .
وقال أبو داود١): حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا عبيد٢ً) الله بن موسى، عن شَيْبَانُ(٣) ، عن
فراس، عن عطيَّةٍ، عن ابن عمر، أنَّ مسجد النبيِّ وَّل كانت سَوَاريه على عهد رسول الله وَّر من جُذوع
النَّخْلِ، أعلاهُ مُظَلَّلٌ بجريدِ النخل ، ثم إنها نَخِرَتُ(٤) في خلافة أبي بكر ، فبناها بجذوع وبجريدِ النخل ،
ثم أنها نَخِرَتْ(٤) في خلافة عثمان فبناها بالآجُرّ ، فلم تزَلُ(٥) ثابتةً حتى الآن .
وهذا غريب .
وقد قال أبو داودَ أيضً): حدَّثنا مجاهد بن موسى ، حدَّثني يعقوب بن إبراهيم ، حدَّثني أبي ، عن
صالحُ(١)، حدثنا نافع عن ابن عمر أخبره، أنَّ المسجد كان على عهد رسولِ الله ◌َِّ مبنيّاً باللَّبِن، وسقفُه
الجَريد، وعمدُهُ خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكرٍ شيئاً وزاد فيه عمر وبناه على بنائه في عهد النبي وصل
باللَّبن والجَرِيد ، وأعاد عمده خشباً ؛ وغيَّرَهُ عثمان رضي الله عنه ، وزاد فيه زيادةً كثيرة ، وبنى جداره
بالحجارة المنقوشة والقَصَّةُ) وجعل عمدَهُ من حجارةٍ منقوشة وسَقَفَهُ بالسَّاجُ(٩) .
وهكذا رواه البخاريٌ ١) عن علي بن المَدِيني ، عن يعقوب بن إبراهيم به .
قلت: زاده عثمان بن عفان رضي الله عنه متأوّلاً قوله ◌َِّ ((مَنْ بَنَى اللهِ مسجداً ولو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بنى
الله له بيتاً في الجنة (١١) ووافقه الصحابةُ الموجودون على ذلك ولم يُغَيِّرُوه بعده ، فيُستدل بذلك على
(١) في السنن (٤٥٢) الصلاة باب في بناء المسجد ، وإسناده ضعيف ، كما قال المصنف .
(٢) في ط : عبد الله ، تصحيف ، والمثبت من ح وسنن أبي داود وترجمته في تهذيب الكمال (٨٨٩/٢) وهو أبو محمد
الكوفي .
(٣) في ح ، ط : سنان، تصحيف ، والمثبت من سنن أبي داود وترجمته في تهذيب الكمال (٥٩٢/١٢). وهو
شيبان بن عبد الرحمن التميمي مولاهم توفي سنة ١٦٤ هـ .
(٤) في ط : تخربت. تصحيف ، والمثبت من ح وسنن أبي داود . ومعنى نخرت : بليت وتفتت . القاموس ( نخر ).
(٥)
في ط : فما زالت . والمثبت من ح والسنن .
(٦)
في السنن (٤٥١) الصلاة باب في بناء المسجد .
(٧) في ح ، ط : عن أبي صالح . وهو تحريف ، والمثبت من سنن أبي داود وترجمته في تهذيب الكمال (٧٩/١٣)
وهو صالح بن كيسان المدني يروي عن نافع مولى ابن عمرو عنه إبراهيم بن سعد عن إبراهيم .
(٨) قال الخطابي في معالم السنن (٢٥٦/١): القصة: شيء يشبه الجصّ وليس به . وقال أبو داود في آخر الحديث :
القصة : الجصّ .
(٩) ((الساج)): نوع من الخشب يؤتى به من الهند. فتح الباري (١/ ٥٤٠).
(١٠) فتح الباري (٤٤٦) الصلاة باب بنيان المسجد.
(١١) أخرجه بهذا اللفظ ابن حبان بسنده إلى أبي ذر، الإحسان (١٦١٠) وقال الأستاذ شعيب في حاشيته: إسناده =

٤٩٢
فصل في بناء مسجد الشريف
الراجح من قول العلماء أنَّ حكم الزيادة حكم المزيد ، فتدخل الزيادة في حكم سائر المسجد من تضعيف
الصلاة فيه وشدَّ الرحال إليه ؛ وقد زيد في زمان الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق ، زاده له بأمره
عمر بن عبد العزيز حين كان نائبَهُ على المدينة ، وأدخل الحجرة النبوية فيه كما سيأتي بيانه في وقته ، ثم
زيد زيادة كثيرة فيما بعد ، وزيد من جهة القبلة حتى صارتِ الرَّوضة والمنبر بعد الصفوف المقدمة كما هو
المشاهد اليوم .
قال ابن إسحاقُ(١): ونزل رسولُ الله ◌ُمَّل على أبي أيوب حتى بنى مسجده ومساكنه، وعمل فيه
رسولُ الله ◌َّه ليرغّب المسلمين في العمل فيه ؛ فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه . فقال قائل من
المسلمين : [ من الرجز ]
لئنْ قَعدْنا والنبيُّ يعمَلُ لذاك منَّا العملِ المَضلِّلُ
وارتجز المسلمون وهم يبنونه يقولون : [ من الرجز ]
لا عيش إلا عيشُ الآخرَهْ
اللهم ارحم الأنصارَ والمُهاجرة(٢)
فيقول رسولُ الله ◌َِّ: ((لا عيش إلا عيشُ الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والأنصار)).
قال : فدخل عمار بن ياسر وقد أثقلوه باللَّبِن فقال: يا رسول الله! قتلوني، يحملون عليّ
ما لا يحملون. قالت أم سلمة: فرأيتُ رسولَ الله وَّهِ ينفُضُ وَفْرَتَهُ بيده - وكان رجلاً جَعْداً - وهو يقول :
(( وَيْحَ ابنِ سُميَّة ، ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئةُ الباغية )).
وهذا منقطعٌ من هذا الوجه ، بل هو مُعْضَلٌ بين محمد بن إسحاق وبين أمّ سلمة ، وقد وصله مسلم
في صحيحه (٣) من حديث شعبة عن خالد الحذَّاء عن سعيد والحسن - يعني ابني أبي الحسن البصري - عن
أمِّهما خيرة مولاة أمِّ سلمة، عن أمّ سلمة قالت: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((تقتلُ عماراً الفئةُ الباغية)).
ورواه٤) من حديث ابنِ عُلَيَّةٍ عن ابن عَوْن، عن الحسن، عن أمِّه، عن أمّ سلمة أنَّ رسولَ الله ◌ٍَّ قال
لعمار وهو ينقلُ الحجارة: ((ويحٌ لك يا ابنَ سُمَيَّة ، تقتُلكَ الفئةُ الباغية )).
صحيح ، وهو في مصنف ابن أبي شيبة (١/ ٣١٠) وأخرجه الطبراني في الصغير (١٣٨/٢) والبيهقي في السن
=
(٢/ ٤٣٧) بإسنادهم عن أبي ذر، والطيالسي في مسنده (٤٦١)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٤٨٥) والقضاعي
في مسند الشهاب (٤٧٩) والطبراني في الصغير (٢/ ١٢٠) والبزار (٤٠١) والبيهقي (٤٣٧/٢) من طرق عن الأعمش
به . وتقدم من حديث عمر ... ومن حديث عثمان . اهـ .
(١) سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٦).
(٢) قال ابن هشام : هذا كلام وليس برجز.
(٣) صحيح مسلم (٢٩١٦) (٧٢) الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون
مكان الميت .
(٤) يعني مسلماً في صحيحه برقم (٢٩١٦) (٧٣) وابن عُليّة هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم.

٤٩٣
فصل في بناء مسجده الشريف
وقال عبد الرزاقُ (١): أخبرنا معمر عن (٢) الحسن يحدِّث عن أمه ، عن أمّ سلمة قالت : لما كان
رسولُ الله ◌ِّ وأصحابُه يبنون المسجد، جعل أصحابُ النبيِّ وَّه يحمل كلُّ واحدٍ لَبِنَةً لَبِنة ، وعمار يحمل
لَبِنَتَيْن، لبنةً عنه ولبنةً عن النبيِّ بَّرَ فمسح ظهرهُ(٣). وقال (( ابنَ سُميَّة، للناسِ أجْر، ولك أجْرَان ،
وآخر زادِكَ شربةً من لبن ، وتقتُلك الفئةُ الباغية )) .
وهذا إسنادٌ على شرط الصحيحَيْنُ(٤)
وقد أورد البيهقي(*) وغيرُه من طريق جماعةٍ عن خالد الحذَّاء ، عن عكرمة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ
قال: كنا نحملُ في بناءِ المسجد لبنةً لبنة، وعمار يحمل لبنتَيْن لبنتَيْن، فرآه النبيُّ ◌َّه، فجعل ينفُض
الترابَ عنه ويقول: (( وَيْحَ عمار تقتلُه الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنَّة ويدعونه إلى النار)) قال: يقول
عمار : أعوذُ بالله من الفِتَن .
لكن روى هذا الحديث الإمامُ البخاري(٦) عن مُسَدَّد ، عن عبد العزيز بن المختار ، عن خالد
الحذَّاء ؛ وعن إبراهيم بن موسى ، عن عبد الوهّاب الثقفي ، عن خالد الحذَّاء به ؛ إلا أنه لم يذكر قوله
(( تقتلك الفئة الباغية)) (١) .
(١) في المصنف (٢٠٤٢٦) باب أصحاب النبي وَلّر.
(٢) في المصنف : معمر عمن سمع الحسن يحدث ، قال بشار : الصحيح ، فإن معمراً لم يحدث عن الحسن .
(٣)
في المصنف : فقام النبي ◌َّ فمسح ظهره .
(٤) كيف يكون على شرط الشيخين ؟ فإن كان ما أورده المصنف صحيحاً، فإن معمراً لم يحدث عن الحسن ، بل رأى
جنازته وهو صغير ، وذكر أنه طلب العلم سنة مات الحسن ، كما رواه عبد الرزاق عنه ( تاريخ البخاري الصغير
١١٥/٢، والجرح والتعديل ٨/ الترجمة ١١٦٥)، ولم تذكر كتب العلم رواية له عن الحسن، ولا ذكر ذلك المزي
في التهذيب . وإن كان ما جاء في مصنف عبد الرزاق هو الصواب ، أعني بينهما رجل مجهول - وهو الأرجح - فلا
يصح هذا الإسناد لجهالة من روى عنه معمر . ( بشار ) .
(٥) في دلائل النبوة (٥٤٦/٢).
(٦) فتح الباري (٤٤٧) الصلاة باب التعاون في بناء المسجد، و(٢٨١٢) الجهاد باب مسح الغبار عن الرأس في سبيل الله.
(٧) هذا هو الصواب، وكذلك ذكر المزي هذا الحديث ولم يذكر فيه عبارة ((تقتله الفئة الباغية)) (تحفة الأشراف ٤١٥/٣
حديث ٤٢٤٨ بتحقيقي ) وكذا ذكر البيهقي في الدلائل أن البخاري تركها . أما وجود العبارة في المطبوع من الفتح في
الموضعين (٤٤٧) و(٢٨١٢) فهو من تصرف الناشرين، ولم يحسنوا صنعاً. ويلاحظ أن إشارة قد وضعت في
النسخة اليونينية من صحيح البخاري على هذه العبارة فكتب في أولها (( لا)) وفي آخرها ((إلى)) أي: احذف هذه
العبارة ، فالأصح أن هذه العبارة مقحمة من بعض الروايات ، وأن الروايات المتقنة الأصيلة قد خلت منها ، قال
الحافظ ابن حجر في الفتح (٥٤٢/١) ((واعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع وقال : إن البخاري لم
يذكرها أصلاً، وكذا قال أبو مسعود ( الدمشقي). قال الحميدي: ولعلها لم تقع للبخاري أو وقعت فحذفها عمداً ،
قال : وقد أخرجها الإسماعيلي والبرقاني في هذا الحديث . قلت (ابن حجر ) : ويظهر لي أن البخاري حذفها عمداً
وذلك لنكتة خفية وهي أن أبا سعيد الخدري اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي ◌ُّ فدل على أنها في هذه =

٤٩٤
فصل فى بناء مسجده الشريف
قال البيهقي(١): وكأنه إنما تركها لما رواه مسلم (٢) من طريق عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد قال :
أخبرَني مَنْ هو خيرٌ مني أنَّ رسولَ اللهَ ◌ّه قال لعمار حين جعل يحفرُ الخندق ، جعل يمسح رأسه ويقول :
((بُؤْسَ ابنِ سُمَيَّة تقتُلُكَ فئةٌ باغية )).
وقد رواه مسلمٌ أيضا٣ً) من حديث شعبة عن أبي مَسْلَمة ١١ ، عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد ، قال :
حدَّثني مَنْ هو خيرٌ منِّي - أبو قتادة - أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ قال لعمارٍ بن ياسر: «بؤساً لك يا ابنَ سُمَيَّة تقتلك
الفئة الباغية )) .
وقال أبو داود الطَّيالسي(٥): حذَّثنا وهيب عن داود بن أبي هند ، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، أنَّ
رسولَ اللهِ بَّه لما حفر الخندق كان الناسُ يحملون لَبِنَةٌ لَبنة، وعمار - ناقِهٌ من وَجَعٍ كانَ به - فجعل يحملُ
لبنتَيْن لبنتَيْن. قال أبو سعيد: فحدَّثني أصحابي أنَّ رسولَ الله وَّلِ كان ينفضُ الترابَ عن رأسه ويقول :
(( وَيْحَكُ ابنَ سُميَّة تقتلك الفئةُ الباغية )).
قال البيهقي(٦) : فقد فرَّق بين ما سمعه بنفسه وما سمعه من أصحابه . قال ويُشبه أن يكون قولُه
الخندق وَهْماً ، أو أنه قال له ذلك في بناء المسجد وفي حفر الخندق . والله أعلم .
قلت : حَمْلُ اللبن في حفر الخندق لا معنى له ، والظاهر أنه اشتبه على الناقل والله أعلم . وهذا
الحديث من دلائل النبوة حيث أخبر صلواتُ الله وسلامه عليه عن عمَّار أنه تقتله الفئةُ الباغية، وقد قتله أهلُ
الرواية مدرجة ، والرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري . وقد أخرجها البزار من طريق داود بن أبي هند
=
عن أبي نضرة عن أبي سعيد فذكر الحديث في بناء المسجد ، وحملهم لبنة لبنة وفيه : فقال أبو سعيد : فحدثني
أصحابي ولم أسمعه من رسول الله وَلقر أنه قال: ياابن سمية تقتلك الفئة الباغية ... وهذا الإسناد على شرط مسلم
وقد عين أبو سعيد من حدثه بذلك ، ففي مسلم والنسائي من طريق أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال :
حدثني من هو خير مني أبو قتادة ، فذكره، فاقتصر البخاري على القدر الذي سمعه أبو سعيد من النبي ◌َّ دون
غيره، وهذا دال على دقة فهمه وتبحره في الاطلاع على علل الحديث. )) انتهى كلام الحافظ.
قلت : فهذا من أقوى دليل على أن الحافظ ابن حجر يؤيد أن هذه العبارة ليست في الصحيح ، فكيف يكتبها في
((الفتح))؟ لكن الناشرين كتبوا المتن من مكان وكتبوا الحواشي من النسخ الخطية ، وخلاصة القول أن ما ذكره
المصنف ابن كثير هو الصواب ، وأن العبارة ينبغي أن تحذف من المطبوع من صحيح البخاري ( بشار) .
(١) في الدلائل (٥٤٨/٢).
(٢) صحيح مسلم (٧١ - ٢٩١٥) الفتن وأشراط الساعة باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون
مكان الميت .
(٣) وهي الرواية التي تلي الرواية السابقة برقم (٧٢) .
(٤) في ح ، ط : عن أبي مسلم . وهو تصحيف ، والمثبت من صحيح مسلم وترجمته في تهذيب الكمال (١١/ ١١٤)
وهو سعيد بن يزيد بن مسلمة الأزدي الطاحي البصري .
(٥) مسند الطيالسي (٢١٦٨).
(٦) في دلائل النبوة (٥٤٩/٢).

٤٩٥
فصل في بناء مسجده الشريف
الشام في وقعة صِفِّين وعمَّار مع علي وأهلِ العراق كما سيأتي بيانه وتفصيلُه في موضعه . وقد كان عليّ
أحقَّ بالأمر من معاوية . ولا يلزم من تسمية أصحاب معاوية بُغاةً تكفيرُهم كما يحاولُه جهلَةُ الفرقة الضالّة
من الشّيعة وغيرهم ، لأنهم وإنْ كانوا بغاةً في نفس الأمر فإنهم كانوا مجتهدين فيما تعاطَوْه من القتال وليس
كلُّ مجتهدٍ مصيباً ، بل المصيبُ له أجران والمخطىء له أجر ، ومن زاد في هذا الحديث بعد تقتلك الفئة
الباغية - ( لا أنالها الله شفاعتي يوم القيامة) - فقد افترى في هذه الزيادة على رسولِ الله وَّ، فإنه لم يقلْها
إذا لم تُنقل من طريقٍ تُقبل . والله أعلم .
وأما قولُه : يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ، فإنَّ عماراً وأصحابه يدعون أهل الشام إلى الأُلفة
واجتماع الكلمة . وأهلُ الشام يريدون أن يستأثروا بالأمر دون مَنْ هو أحقُّ به ، وأن يكون الناسُ أوزاعاً
على كلِّ قُطْرٍ إمامٌ برأسه ، وهذا يؤدِّي إلى افتراق الكلمة واختلاف الأمة ، فهو لازمُ مذهبهم وناشىءٌ عن
مسلكهم ، وإنْ كانوا لا يقصدونه . والله أعلم . وسيأتي تقريرُ هذه المباحث إذا انتهينا إلى وقعة صفين من
كتابنا هذا بحول الله وقوته وحُسْنٍ تأييده وتوفيقه ، والمقصود هاهنا إنما هو قصة بناء المسجدِ النبوي على
بانيه أفضل الصلاة والتسليم .
وقد قال الحافظ البيهقي في ((الدلائل))١١: حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً، حدثنا أبو بكر بن
إسحاق ، أخبرنا عبيد بن شريك ، حدثنا نعيم بن حماد ، حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا حَشْرَج بن
نُبَاتة، عن سعيد بن جُمْهَان، عن سَفينة مولى رسولِ الله وَّله، قال: [ لما بنى رسول اللهِ وَلَ المسجد ]
جاء أبو بكر بحجرٍ فوضعه ، ثم جاء عثمان بحجرٍ فوضعه ، ثم جاء عمر بحجرٍ فوضعه ، فقال
رسول الله وَ لَهُ: ((هؤلاء ولاةُ الأمْرِ بعدي)).
ثم رواه ( ) من حديث يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني، عن حَشْرَج ، عن سعيد ، عن سَفينة . قال :
لما بنى رسولُ الله ﴿ المسجد وضع حجراً . ثم قال: « ليضغ أبو بكر حجراً إلى جنب حجري ، ثم ليضعْ
عمر حجره إلى جنب حجر أبي بكر، ثم ليضع عثمانُ حجره إلى جنب حجر عمر)) فقال رسولُ الله ◌ِيرٍ:
(( هؤلاء الخلفاء من بعدي)).
وهذا الحديث بهذا السياق غريبٌ جداً .
والمعروف ما رواه الإمامُ أحمد٢ُ) عن أبي النَّضْر، عن حَشْرَج بن نُباتة العبسي؛ وعن بَهْز وزيد بن
الحُبَاب ؛ وعبد الصمد وحماد بن سلمة كلاهما عن سعيد بن جُمْهان عن سفينة قال سمعت رسولَ الله
يقول: (( الخلافة ثلاثون عاماً، ثم يكون من بعد ذلك المُلك)) ثم قال سفينة: أمسك ؛ خلافة أبي بكر
سنتين ، وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتا عشر سنة ، وخلافة علي ست سنين .
(١) (٢/ ٥٥٣) وما يأتي بين معقوفين منه.
(٢) فى المسند: (٢٢٠/٥، ٢٢١) رقم (٢١٨١٦).

٤٩٦
تنبيه على فما هذا المسجد
هذا لفظ أحمد، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي(١) من طرق عن سعيد بن جُمْهَان ، وقال
الترمذي : حسن لا نعرفه إلا من حديثه ولفظه (( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً عَضُوضاً)» وذكر
بقيته .
قلت: ولم يكن في مسجد النبي ◌َّ أول ما بني مِنْبَرٌ يخطب الناس عليه، بل كان النبيُّ مَّ يخطب
الناس وهو مستند إلى جِذْع عند مصلاهُ في الحائط القبلي ، فلما انُّخذ له عليه السلام المنبر كما سيأتي بيانه
في موضعه وعدل إليه ليخطّب عليه ، فلما جاوز ذلك الجِذْع خار ذلك الجذعُ وحَنَّ حنين النُّوق العِشَار لما
كان يسمع من خُطَب الرسولِ عليه السلام عنده، فرجع إليه النبي ◌ِّ فاحتضَنَهُ حتى سكن كما يسكنُ
المولودُ الذي يسكت ، كما سيأتي تفصيل ذلك من طرقٍ ٢" عن سهل بن سعدِ الساعدي ، وجابر بن
عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وأنس بن مالك ، وأمِّ سلمة رضي الله عنهم . وما أحسن ما قال
الحسنُ البصري : بعدَ ما روَى هذا الحديث عن أنس بن مالك : يا معشر المسلمين ، الخشبة تحنُّ إلى
رسول الله ◌ِ ﴾ شوقاً إليه، أو ليس الرجالُ الذين يرجونَ لقاءه أحقُّ أن يشتاقوا إليه ؟!
تنبيه على فضل هذا مسجا الشريف والمحل المنيف
قال الإمام أحمد ٣": حدّثنا يحيى، عن" أنيس بن أبي يحيى، حدَّثني أبي قال : سمعتُ أبا سعيدٍ
الخُدْرِيَّ قال : اختلف رجلانِ : رجلٌ من بني خُدْرَة ، ورجلٌ من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي
أُسِّسَ على التقوى، فقال الخدري: هو مسجدُ رسولِ اللهِ وَّ﴿ وقال العَمْرِي هو مسجدُ قُبَاء، فأتيًا
رسولَ الله ◌َّهِ فسألاه عن ذلك فقال: ((هو هذا المسجد)) لمسجدِ رسول الله وَّه وقال: ((في ذلك خيرٌ
كثير )) يعني مسجدَ قُباء .
ورواه الترمذي ") عن قتيبة ، عن حاتم بن إسماعيل ، عن أنيس بن أبي يحيى الأسلمي به ، وقال :
حسنٌ صحيح .
وروى الإمام أحمد) عن إسحاق بن عيسى ، عن الليث بن سعد، والترمذي والنسائي(٧) جميعاً عن
(١) سنن أبي داود (٤٦٤٦) السنة باب في الخلفاء، وجامع الترمذي (٢٢٢٦) الفتن باب ما جاء في الخلافة ، والنسائي
في المناقب من سننه الکبری (٨١٥٥) .
(٢) سيرد في الجزء التالي .
(٣) في المسند (٢٣/٣) رقم (١١١٢١).
(٤) في ط : يحيى بن أنيس بن أبي يحيى . وهو تحريف ، والمثبت من ح والمسند .
(٥) في الجامع (٣٢٣) الصلاة باب ما جاء في المسجد الذي أسّس على التقوى، وهو حديث صحيح كما قال.
( :. في المسند (٨/٣) رقم (١٠٩٨٧).
(١) جامع الترمذي (٣٠٩٩) تفسير القرآن باب ومن سورة التوبة ؛ وسنن النسائي (٦٩٧) مساجد باب ذكر المسجد الذي :

٤٩٧
تنبيه على فضل هذا المسجد
قتيبة عن الليث عن عمرانَ بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه ، قال : تمارى رجلانٍ في
المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى ؛ وذكر نحو ما تقدَّم .
وفي صحيح مسلم(١) من حديث حُميد الخرَّاط عن أبي سلمة بنِ عبد الرحمن ، أنه سأل عبد الرحمن
ابن أبي سعيد : كيف سمعتَ أباك يقول في المسجد الذي أُسّس على التقوى ؟ فقال : قال أبي : أتيتُ
رسولَ الله ◌ِّ فسألته عن المسجد الذي أسِّسَ على التقوى؟ فأخذ كفّاً من حَصْبَاء ، فضربَ بهِ الأرض ، ثم
قال : ((هو مَسْجِدُكم هذا)) .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثناوكيع ، حدثنا ربيعة بن عثمان التَّيْمي(٣) عن عمران بن أبي أنس ، عن
سهل بن سعد قال: اختلف رجلانِ على عهدِ رسولِ الله ◌ِ لَهَ في المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى ، فقال
أحدهما: هو مسجدُ رسولِ اللهِوَ ل﴿ وقال الآخر: هو مسجد قُباء، فأتَيا رسولَ الله ◌َلَه فسألاه فقال: ((هو
مسجدي هذا )) .
وقال الإمام أحمد(٤): حدّثنا أبو نعيم ، حدَّثنا عبد الله بن عامر الأسلمي ، عن عمران بن أبي أنس ،
عن سهل بن سعد، عن أَبَيِّ بن كعب، أنَّ النبيَّ وَلَّ قال: ((المسجد الذي أُسِّس على التقوى مسجدي
هذا )) .
فهذه طرقٌ متعدِّدة لعلها تقرّب من إفادة القَطْع بأنه مسجدُ الرسولِ وَ، وإلى هذا ذهب عمر وابنُه
عبد الله ، وزيد بن ثابت ، وسعيد بن المُسَيِّب ، واختاره ابنُ جرير . وقال آخرون : لا منافاة بين نزولِ
الآية في مسجدٍ قُباء كما تقدَّم بيانُه ، وبين هذه الأحاديث ، لأن هذا المسجد أولى بهذه الصفة من ذلك ،
لأنَّ هذا أحد المساجد الثلاثة التي تُشَدُّ الرِّحالُ إليها كما ثبت في الصحيحَيْنُ(٥) من حديث أبي هريرة قال
قال رسول الله وَله: ((لا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثةِ مساجد؛ مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد
بيت المقدس )) .
وفي صحيح مسلم (٦) عن أبي سعيد عن النبيِّ نَّهَ قال: ((لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلا إلى ثلاثة مساجد))
وذكرها .
= أسس على التقوى ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح من حديث عمران .
(١) صحيح مسلم (١٣٩٨) (٥١٤) الحج باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي وتَطاهر.
(٢) في المسند (٣٣١/٥) رقم (٢٢٧٠٤) .
(٣) في ط: التميمي. تصحيف ، والمثبت من ح ومسند أحمد وترجمته في تهذيب الكمال (١٣٢/٩).
(٤) في المسند (١١٦/٥) رقم (٢١٠٠٥) .
(٥) فتح الباري (١١٨٩) مسجد مكة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، وصحيح مسلم (١٣٩٧) (٥١١) الحج
باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد .
(٦) صحيح مسلم (٨٢٧) (٤١٥) الحج باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره .

٤٩٨
تنبيه على فضل هذا المسجد
وثبت في الصحيحَيْنُ(١) أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ قال: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه
إلا المسجدَ الحَرَام)).
وفي مسند الإمام أحمد(٢) بإسناد حسن زيادةٌ حسنة وهي قوله ((فإن ذلك أفضل )).
وفي الصحيحَيْنَ(٣) من حديث يحيى القَطَّان، عن خُبَيْب، عن حفص بن عاصم، عن أبي هُريرة
قال: قال رسولُ الله ◌َّ: ((ما بينَ بيتي ومنبري رَوْضَةٌ من رياضِ الجنَّةُ، ومنبري على حَوْضي)).
والأحاديثُ في فضائل هذا المسجدِ الشريف كثيرةٌ جداً ، وسنوردُها في كتاب المناسك من كتاب
الأحكام الكبير إنْ شاء الله، وبه الثقةُ وعليه التُّكْلان ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم .
وقد ذهب الإمامُ مالكٌ وأصحابُه إلى أنَّ مسجدَ المدينة أفضلُ من المسجد الحرام ، لأنَّ ذاك بناهُ
إبراهيم، وهذا بناه محمدٌ بَّرَ، ومعلومٌ أنَّ محمداً أفضلُ من إبراهيمَ عليه السلام . وقد ذهب الجمهورُ
إلى خلاف ذلك، وقرَّروا أنَّ المسجد الحرام أفضلُ لأنه في بلدٍ حرَّمَهُ الله يوم خلق السمواتِ والأرض ،
وحرَّمه إبراهيمُ الخليل عليه السلام ، ومحمد خاتم المرسلين فاجتمع فيه من الصفات ما ليس في غيره ،
ولبَسْط هذه المسألة موضعٌ آخر وبالله المستعان .
فصل
وبُني لرسولِ اللهَ وَّل حول مسجده الشريف حُجَرٌ لتكون مساكنَ له ولأهله، وكانتْ مساكنَ قصيرةَ
البناء قريبةَ الفِناء قال الحسن بن أبي الحسن البصري - وكان غلاماً مع أمه خيرة مولاة أمِّ سَلَمة - لقد كنتُ
أنالُ أطولَ سقفٍ في حُجَرِ النبيِّ مَّ بيدي.
قلت : إلا أنه قد كان الحسن البصري شكلاً ضَخْما طُوَالا رحمه الله .
وقال السُّهيلي في (( الرَّوض)(٤) : كانت مساكنُه عليه السلام مبنيَّةً من جَريد عليه طين ، وبعضها من
حجارةٍ مرضومة (٥) وسقوفها كلُّها من جَريد. ثم(٦) حكَى عن الحسن البصري ما تقدَّم .
(١) فتح الباري (١١٩٠) مسجد مكة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، وصحيح مسلم (١٣٩٤) (٥٠٦) الحج
باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة .
(٢) لعل الرواية المذكورة في المسند (٣٤٣/٣) عن جابر والزيادة فيه هكذا (( وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة
ألف صلاة)). ولم أجد هذه الزيادة فيما روي من طريق الإمام أحمد في مسنده .
(٣) فتح الباري (١١٩٦) فضل الصلاة في مسجد مكة باب فضل ما بين القبر والمنبر، وصحيح مسلم (١٣٩١) (٥٠٢)
الحج باب ما بين القبر والمنبر .
(٤) (٢٤٨/٢) بنحوه وبألفاظ مقاربة.
(٥) زاد السهيلي في الروض : بعضها فوق بعض . وهو تفسير المرضومة .
(٦) في ط: وقد حكى ، والمثبت من ح ويعني بالذي حكى السهيليّ. وما يأتي ين معقوفين من الروض.

٤٩٩
فصل فيما أصاب المهاجرين من حمَّى المدينة
قال : وكانتْ حُجَرُه [أكسيةً ] من شعرٍ مربوطةٍ بخشب من عَرْعَر(١)
قال (٢) : وفي تاريخ البخاري أنَّ بابه عليه السلام كان يُقْرَع بالأظافير ، فدلَّ على أنه لم يكن لأبوابه
حَلَق. قال: وقد أُضيفت الحُجَر كلُّها بعد موت أزواج رسولِ اللهِوَّه إلى المسجد.
قال الواقدي وابنُ جَرير وغيرهما٣) : ولما رجع عبد الله بن أُريقط الدَُّلي إلى مكة بعث معه
رسولُ اللهِوَ لَه وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسولِ الله وَ لل ليأتوا بأهاليهم من مكة، وبعثا معهم
بحِمْلَيْن وخمسمئة درهم ليشتروا بها إيلاً من قُدَيد ؛ فذهبوا فجاؤوا ببنتي النبيِّ وََّ فاطمة وأم كلثوم
وزوجتَيْه سودةً وعائشةَ ، وأمِّها أمِّ رُومان وأهلِ النبيِّ نَّهِ وَآلِ أبي بكر صحبةَ عبد الله بن أبي بكر ، وقد
شَرَّدَ بعائشة وأمِّها أمِّ رُومان الجمَلُ في أثناء الطريق ، فجعلتْ أمُّ رُومان تقول : واعروساه ! وابنتاه !
قالت عائشة : فسمعتُ قائلاً يقول : أرسلي خِطامَه ، فأرسلتْ خطامه فوقف بإذن الله وسلَّمَنا الله
عزَّ وجلَّ، فقَدِموا فنزلوا بالسُّنْحُ(٤). ثم دخل رسولُ اللهِ وَّ بعائشةَ في شوال بعد ثمانية أشهر كما
سيأتي ، وقدمتْ معهم أسماءُ بنتُ أبي بكر امرأةُ الزبيرِ بن العوَّام وهي حاملٌ مُتَمٌّ بعبد الله بن الزُّبير كما
سيأتي بيانُه في موضعه من آخر هذه السنة .
فصل
فيما أصابَ المهاجرين من حُمَّى المدينة رضي الله عنهم أجمعين
وقد سلم الرسول منها بحول الله وقوته ودعا الله فأزاحها عن مدينته .
قال البخاري(٥): حذَّثنا عبد الله بن يوسف(٦)، ثنا مالك عن (٧) هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن
عائشة أنها قالت: لما قدم رسولُ اللهِ وَّر المدينة وُعِكَ(٨) أبو بكرٍ وبلال، قالت : فدخلتُ عليهما فقلت :
يا أبةٍ كيف تَجِدُك ؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت : وكان أبو بكر إذا أخذَتْهُ الحُمَّى يقول: [من الرجز ]
والموتُ أدْنَى من شِرَاكِ نَعْلِهِ
كُلُّ امرىءٍ مُصَبَّحٌ في أهلِهِ(٩)
(١) ((العَرْعَر)): شجر السَّرْو. القاموس (عرعر).
(٢) يعني السهيلي في الروض .
(٣) طبقات ابن سعد (٦٢/٨، ٦٣) وتاريخ الطبري (٤٠٠/٢).
(٤)
تقدم تعريف السُّنح (ص ٣٧٧ ح ٤).
فتح الباري (٣٩٢٦) مناقب الأنصار باب مقدم النبي ◌َّقة وأصحابه المدينة.
(٥)
(٦) في ط : عبد الله بن وهب بن يوسف . تحريف ، والمثبت من ح وصحيح البخاري في الفتح .
(٧) في ح ، ط : مالك بن هشام . تحريف ، والمثبت من صحيح البخاري .
(٨) ((وُعِك)): أصابه الوعك وهي الحُمَّى . فتح الباري.
(٩) ((مصبَّحٌ)): أي مصاب بالموت صباحاً، أو يقال له وهو مقيم بأهله: صبَّحَكَ اللهُ بالخير وقد يفجؤه الموت في بقية=

٥٠٠
فصل فيما أصاب المهاجرين من حمَّى المدينة
وكان بلال إذا أقلع عنه الحُمَّى يرفع عَقِيرَتَهُ ويقول : ( من الطويل ]
بوادٍ وحولي إذخِرٌ وجليلٌ
'(١)
ألا ليتَ شِعْرِي هل أبيتَنَّ ليلةً
وهل يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفيلٌ(٢)
وهل أرِدَنْ يوماً مياهَ مَجنّةٍ
قالت عائشة: فجئتُ رسولَ الله وَّهِ فأخبرتُه فقال: (( اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كحُبِّنا مكة أو أشدّ ،
وصحّحْهَا ، وباركْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانْقُلْ حُمَّاها فاجْعَلْها بالجُحْفة )) .
ورواه مسلم(٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن هشام مختصراً.
وفي رواية البخاري(٤) له عن أبي سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، فذكره ، وزاد
بعد شعرِ بلال : ثم يقول بلال : اللهمَّ الْعَنْ عُتَبةَ بن ربيعة، وشيبةَ بن ربيعة، وأُميَّة بن خَلَف كما
أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوَبَاء. فقال رسولُ اللهِ ◌ّهِ: ((اللهمَّ حَبِّبْ إلينا المدينة كحُبِّنا مكةَ أو أشدّ،
اللهمَّ بارِكْ لنا في صاعِها وفي مُدِّهاً) وصحّحها لنا، وانقُلْ حُمَّاها إلى الجُحْفَة)) قالت: وقدمنا المدينة
وهي أوبأ أرضِ الله، وكان بُطْحانُ يجري نَجْلا٦ً) - تعني ماءً آجناً - .
وقال زياد عن محمد بن إسحاق (٧): حدثني هشام بن عروة وعمر(٨) بن عبد الله بن عروة [ عن
عروة ] بن الزبير عن عائشة قالت: لما قدم رسولُ الله ◌َّ المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحُمَّى
فأصاب أصحابه منها بلاءٌ وسُقْم ، وصرف الله ذلك عن نبيِّه . قالت : فكان أبو بكر وعامر بن فُهَيرة وبلال
موليا أبي بكر في بيتٍ واحد ، فأصابَتْهُمُ الحُمَّى ، فدخلتُ عليهم أعودهم وذلك قبل أن يُضرب علينا
الحِجَاب ، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدَّةِ الوَعْك ، فدنَوْتُ من أبي بكرٍ فقلت : كيف تَجِدُك يا أبة ؟
فقال : [ من الرجز ]
والموتُ أَدْنَى من شِرَاكِ نَعْلِهِ
امرىءٍ مصبِّحٌ في أهلِهِ
کُّ
النهار. الفتح (٧/ ٢٦٢) .
(١) ((الإذْخِر)): حشيش طيب الريح أطول من الثيل، واحدته إذْخِرَة. اللسان (ذخر). وجليل: نبت ضعيف يُحشى
به خَصَاص البيوت وغيرها ( فتح الباري ) .
(٢) مجنة موضعٌ على أميال من مكة ، ( قد تكسر ميمه ) . وشامَةٌ وطفيلُ : جبلان ، قال الخطابي : كنت أحسب أنهما
جبلان حتى ثبت عندي أنهما عينان . فتح الباري (٧/ ٢٦٣).
(٣) صحيح مسلم (١٣٧٦) (٤٨٠) الحج باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها .
فتح الباري (١٨٨٩) فضائل المدينة باب ١٢ بعد باب كراهية النبي وَلقر أن تعرى المدينة. وما يأي بين معقوفين منه.
(٤)
(٥) في الفتح : في صاعِنا وفي مدِّنا .
(٦) ((بُطحان)): وادي المدينة.
(٧) سيرة ابن هشام (٥٨٨/١) والروض (١٠/٣) وما يأتي بين معقوفين منهما.
(٨) وقع في الروض : وعمرو بن عبد الله بن فروة . تحريف .