Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
قصة بيعة العقبة الثانية
عن أبيه ، عن كعب بن مالك ، في حديثه حين تخلَّف عن غزوة تبوك . قال : ولقد شهدتُ مع رسولِ الله
وَّ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أُحبُّ أنَّ لي بها مَشْهَدَ بدْر ، وإنْ كانتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في الناسِ
منها"
وقال البيهقي(٢): أخبرنا أبو الحسين بن بُشران، أخبرنا أبو عمرو بن السمّاك، حدَّثنا حنبل بن
إسحاق، حدَّثنا أبو نُعيمُ (٣)، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: انطلق رسولُ اللهِ وَليه
معه العباس عمُّه إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة، فقال: (( ليتكلَّمْ متكلِّمُكم ولا يطل(٤)
الخُّطْبَة ، فإنَّ عليكم من المشركين عيناً ، وإنْ يعلموا بكم يفضحوكم )) فقال قائلهم - وهو أبو أمامة - :
سلْ يا محمد لربّكَ ما شئت ، ثم سلْ لنفسك بعد ذلك ما شئت . ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله
وعليكم إذا فعلنا ذلك؟ قال: « أسألكم لربِّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأسألكم لنفسي وأصحابي
أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم)) قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: ((لكم
الجنة)) . قالوا : فلك ذلك .
ثم رواه حنبل عن الإمام أحمد(٥) ، عن يحيى بن زكريا ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن أبي مسعود
الأنصاري فذكره ، قال : وكان أبو مسعود أصغرَهم .
وقال أحمد٦) : عن يحيى ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: فما سمع الشِّيبُ والشُّبَّنُ
خطبةً مثلها .
وقال البيهقي(٧) : أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمد بن محمش ، أخبرنا محمد بن
إبراهيم بن الفضل الفحام ، أخبرنا محمد بن يحيى الذُّهْلي ، أخبرنا عمرو بن عثمان الرَّقِّي ، حدّثنا
زهير ، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم ، عن إسماعيل بن عبيد(٨) بن رفاعة عن أبيه قال : قدمتْ روايا
خَمْر، فأتاها عبادةُ بن الصامت فخرقها وقال: إنَّا بايعنا رسولَ الله وََّ على السمع والطاعة في النشاط
باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه .
(١) في ط : وإن كانت بدراً كثير في الناس منها . تصحيف وتحريف ، والمثبت من ح وصحيحي البخاري ومسلم .
(٢) في الدلائل (٢/ ٤٥٠).
(٣)
زاد البيهقي : الفضل بن دُكين .
كذا في ح ، ط وفي الدلائل ومسند أحمد : ولا يطيل : وله وجه .
(٤)
(٥) يعني عند البيهقي، وهي من رواية عبد الله عن أبيه في المسند (٤/ ١٢٠)، وهي رواية ضعيفة لضعف مجالد ،
والأصح أنها مرسلة عن الشعبي ، كما تقدم ، وكما في المسند أيضاً (٤/ ١٢٠). (بشار).
(٦) المسند (١٢٠/٤) وهو مرسل صحيح .
(٧) في الدلائل (٢/ ٤٥١).
(٨) في ط : إسماعيل بن عبيد الله . وكلاهما صحيح إذ يقال له عُبيد وعبيد الله ، والمثبت من ح والدلائل وترجمته في
تهذيب الكمال للمزي (١٥١/٣).

٤٢٢
قصة بيعة العقبة الثانية
والكسل، والنفقة في العُسْر واليُسْر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أنْ نقولَ في الله
لا تأخذنا فيه لومةُ لائم، وعلى أن ننصرَ رسولَ اللهِ وَ﴿ إذا قدم علينا يثرب ممّا نمنع منه أنفسنا وأزواجنا
وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعةُ رسولِ اللهَ وَّلِ التي بايعناهُ عليها .
وهذا إسنادٌ جيِّدٌ قويّ ولم يخرِّجوه .
وقد روى يونس(١) عن ابن إسحاق: حدَّثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، عن أبيه ، عن
جدِّه عبادة بن الصامت. قال: بايَعْنا رسولَ الله ◌ِّه بيعةَ الحَرْب على السمع والطاعة في عُسْرنا ويُسْرنا ،
ومَنْشَطِنا ومكرهِنا، وأثرة علينا ، وأنْ لا ننازعَ الأمْرَ أهله ، وأن نقول بالحق أينما كنَّا لا نخافُ في الله لومةً
لائم .
قال ابن إسحاق(٢) في حديثه عن معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك، قال: فلمَّا بايعنا
رسول الله بَّ صرخ الشيطانُ من رأس العَقَبة بأنفذ صوتٍ سمعتُهُ قطّ: يا أهلَ الجَبَاجِب، - والجباجب
المنازل - هل لكم في مُذَمَّم والصُّبَّاء معه قد اجتمعوا على حربكم. قال: فقال رسولُ اللهِوَّ: «هذا أزَبُّ
العَقَبة، هذا ابنُ أزْيَب)) - قال ابنُ هشام: ويقال ابن أَزَيْب ـ: (( أتسمع أي عدوَّ الله ؟ أما والله لأتفرَّ غَنَّ
لك)) ثم قال رسولُ اللهِ بَّ: ((ارْفَضُوا إلى رحالكم)). قال فقال العباس بن عُبادة بن نَضْلَة:
يا رسول الله، والذي بعثك بالحق إنْ شئتَ لنميلَنَّ على أهلِ منىّ غداً بأسيافنا. قال: فقال رسولُ الله ◌ِّ:
((لم نُؤْمَرْ بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم )) . قال : فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا فيها حتى أصبحنا.
فلما أصبحنا غدَتْ علينا جِلَّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنه قد بلغنا
أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا ، وتبايعونه على حَرْبنا . وإنه والله ما مِنْ حيٍّ من
العرب أبغض إلينا من أن تنشبَ الحربُ بيننا وبينهم منكم . قال : فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا
يحلفون ما كان من هذا شيءٌ وما علمناه . قال: وصدقوا لم يعلموا . قال : وبعضنا ينظرُ إلى بعض.
قال : ثم قام القومُ وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المَخْزُومي وعليه نعلانٍ له جَديدان . قال : فقلت
له كلمة - كأني أريدُ أن أشركَ القومَ بها فيما قالوا - : يا أبا جابر، أما تستطيعُ أَنْ تَتَّخذ وأنت سيدٌ من سادتنا
مثل نعلَيْ هذا الفتى من قريش ؟ قال : فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إليّ . قال : والله
لتنتعلنَهما، قال: يقول أبو جابر : مَهْ أحفظتَ والله الفتى، فاردُدْ إليه نعلَيْه . قال: قلت والله
لا أردُّهما . فألٌّ والله صالح ، لئن صدق الفألُ لأَسْلُبَنَّه .
قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني عبد الله بن أبي بكر أنهم أتَوْا عبدَ الله بن أُبَيّ بن سَلُول فقالوا مثل
(١) هذه الرواية أيضاً عن البيهقي في الدلائل (٤٥٢/٢).
(٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٧) والروض (١٩٢/٢).
(٣) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٤٨) والروض (٢/ ١٩٢).

٤٢٣
قصة بيعة العقبة الثانية
ما ذكر كعب من القول فقال لهم: إنَّ هذا الأمر جَسيم ما كان قومي ليتفرقوا(١) على مثل هذا وما علمتُه
كان . قال : فانصرفوا عنه . قال : ونفر الناسُ من مِنى فتنطَّسَ القومُ الخبر (٢)، فوجدوه قد كان ،
فخرجوا في طلب القوم ، فأدركوا سعد بن عبادة بأذَاخِرُ(٣) ، والمنذرَ بن عمرو أخا بني ساعدة بن
كعب بن الخَزْرَج ، وكلاهما كان نقيباً . فأمَّا المنذر فأعجزَ القومَ ، وأما سعد بن عبادة فأخذوه فربَطُوا
يديه إلى عُنقه بنِسْعِ رَحْلهُ(٤) ، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكَّة يضربونه ويجذبونه بجُمَّتِه ـ وكان ذا شعرٍ كثير -
قال سعد : فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع عليَّ نفرٌ من قريش فيهم رجلٌ وضِيءٌ أبيض، شَعْشَاعُ(٥) ، حلْوٌ
من الرِّجال ، فقلت في نفسي : إن يكُ عند أحدٍ من القوم خيرٌ فعند هذا . فلما دنا مني رفع يدَه فلكمني
لكمةٌ شديدة ، فقلتُ في نفسي : لا والله ما عندهم بعد هذا من خير ، قال : فوالله إني لفي أيديهم
يسحبونني إذْ أَوَى لي(٦) رجلٌ ممن معهم، قال : ويحك ، أما بينك وبين أحدٍ من قريش جِوَارٌ ولا عَهْد ؟
قال : قلتُ بلى والله، لقد كنتُ أُجِيرُ لجبيرِ بن مُطْعِم تجَّاره ، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي .
وللحارث بن حَرْب بن أمية بن عبد شمس . فقال : ويحك ، فاهتِفْ باسم الرجلَيْن ، واذكر ما بينك
وبينهما ، قال : ففعلت ، وخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما : إنَّ
رجلاً من الخزرج الآن يضربُ بالأبطَح ليهتف بكما . قالا : ومن هو ؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق
والله إنْ كان ليجير لنا تجَّارنا ويمنعهم أن يُظلموا ببلده ؛ قال فجاءا فخلَّصا سعداً من أيديهم، فانطلق.
وكان الذي لَكَم سعداً سُهيل بن عمرو . قال ابن هشام : وكان الذي أوى له أبو البَخْتَري بن هشام .
وروى البيهقي (٧) بسنده عن عبد المجيد بن أبي عَبْس بن جَبْر(٨) عن أبيه قال : سمعتْ قريشٌ قائلاً
(١) كذا في ح ، ط ، وفي سيرة ابن هشام والروض: ليتفوَّتوا عليَّ بمثل هذا، وهو من قولهم : تفوَّت فلانٌ على فلان
في كذا ، وافتات عليه : إذا انفرد برأيه دونه في التصرف فيه . النهاية لابن الأثير (٤٧٧/٣/ فوت).
(٢) أي أكثروا البحث عنه؛ والتنطُّس: تدقيق النظر. الروض (٢٠٤/٢).
(٣) جاء في معجم البلدان (١/ ١٢٧): قال ابن إسحاق: لما وصل رسول الله وَير مكة عام الفتح دخل من أذاخر حتى
نزل بأعلى مكة وضربت هناك قبته اهـ .
(٤) ((النِّسْعِ)): سَيْرٌ يُنسج عريضاً على هيئة أعِنَّه النِّعال تُشَدُّ به الرحال، والقطعة منه نِسْعة، وسمِّ نسعاً لطوله.
القاموس ( نسع ) .
(٥) ((الشعشاع)): الطويل الحسن. القاموس (شعشع).
(٦) ((أوى له)): رقَّ له. القاموس (أوي).
(٧) في الدلائل (٤٢٨/٢).
(٨) في ح ، ط : عن عيسى بن أبي عيسى بن جبير . وهو تحريف ، وفي دلائل البيهقي : حدثنا هشام بن محمد بن
السائب الكلبي قال : حدثنا عبد الحميد بن أبي عيسى بن خير - كذا قال - وهو عبد الحميد بن أبي عبس بن
محمد بن خير عن أبيه قال ... وفيه تحريف كثير أيضاً . والصواب إن شاء الله هو ما أثبتُّه من تاريخ البخاري
(١١١/٦) والجرح والتعديل (٦٤/٦) والإكمال (٨٩/٦) رسم ((عَبْس)) ومِيزان الاعتدال (٢/ ٦٥١) ولسان الميزان
(٥٥/٤) ويبدو أن التحريف ابتدأ من الكلبي أو ممن رووا عنه ، فلذلك علّق البيهقي بقوله : كذا قال . ثم صحح=

٤٢٤
قصة بيعة العقبة الثانية
يقول في الليل على أبي قُبَيس: ( من الطويل ]
فإن يُسْلِمِ السَّعدانِ يصبح محمدٌ بمكّةَ لا يخشى خِلافَ المُخَالف
فلما أصبحوا قال أبو سفيان : من السَّعْدانِ ؟ أسعد بن بكر أم سعد بن هُذيم ؟ فلما كانت الليلة الثانية
سمعوا قائلاً يقول : ( من الطويل ]
ويا سعدُ سعدَ الخزرجين الغطارِفِ
أيا سعدُ سعدَ الأوسِ كُن أنت ناصراً
على اللهِ في الفردوسِ مُنْيَةَ عارفٍ
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنَّيا
جِنانٌ من الفردوس ذاتُ رفارفٍ
فإنَّ ثوابَ اللهِ للطالبِ الهدى
فلما أصبحوا قال أبو سفيان : هو والله سعد بن معاذ ، وسعد بن عُبَادة .
فصل
قال ابن إسحاق (١): فلما رجع الأنصار الذين بايعوا رسولَ الله وَيليه ليلة العقبة الثانية إلى المدينة
أظهروا الإسلام بها . وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم : عمرو بن الجَمُوح بن
زيد بن حَرَام بن كعب بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة ، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة ، وكان
عمرو بن الجموح من سادات بني سَلِمة وأشرافِهم ، وكان قد اتخذ صنماً من خشب في داره يقال له مناة ،
كما كانتِ الأشراف يصنعون، يتخذُّه٢ُ) إلّهاً، يعظّمه ويُطَهِّرُه، فلما أسلم فتيانُ بني سَلِمة ؛ ابنه معاذ ،
ومعاذ بن جبل كانوا يُدلجون بالليل على صنم عمرٍو ذلك ، فيحملونه فيطرحونه في بعض حُفَر بني
سَلِمة ، وفيها ◌ِذَرُ الناس منكَّساً على رأسه ، فَإذا أصبح عمرو قال : ويلكم! مَنْ عدا على إلّهنا هذه
الليلة ؟ ثم يغدو يلتمسُه، حتى إذا وجده غسله وطَهَّرَهُ وطيّيه ثم قال: أما والله لو أعلم مَنْ فعل بك هذا
لأخْزِيَنَّه فإذا أمسى ونام عمرو عَدَوْا عليه ففعلوا مثل ذلك . فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى ،
فيغسله ويطهِّره ويطيبه ، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك ، فلما أكثروا عليه استخرجه من
حيث القَوْه يوماً فغسله وطهّره ، ثم جاء بسيفه فعلَّقه عليه ثم قال له : إني والله ما٣) أعلم مَنْ يصنعُ بك
ما أرى ، فإنْ كان فيك خيرٌ فامتنعْ ، فهذا السيف معك . فلما أمسى ونام عمرو عدَوْا عليه فأخذوا السيف
من عنقه ثم أخذوا كلْباً ميتاً فقرنوه به بحبل ثم ألْقَوْه في بئرٍ من آبار بني سَلِمة فيها عِذَرٌ من عِذَر الناس ،
وغدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به ، فخرج يتبعه حتى إذا وجده في تلك البئر منكَّساً
الاسم ، غير أن محقق الدلائل لم يعر هذا التصحيح اهتمامه فبقيت بعض الأسماء محرفة كما كتبها النساخ أو
أخرجتها لنا المطبعة . وذكر أبو عبس في الإصابة في الكنى محرفاً أيضاً إلى : أبو عبيس .
(١) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٥٢) والروض (٢٠٥/٢) .
(٢) في ح : يصنعون شجرة، وفي السيرة تتخذه إلهاً تعظمه وتطهِّره.
(٣) في ح : لا .

٤٢٥
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية
مقروناً بكلب ميت ، فلما رآه أبصر شأنه ، وكلَّمه مَنْ أسلم من قومه فأسلم برحمةِ الله ، وحسن إسلامه ،
فقال حين أسلم ، وعرَفَ من الله ما عرف ، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره ، ويشكر الله الذي
أنقذَهُ مما كان فيه من العمى والضلالة ويقول : [ من الرجز ]
واللهِ لو كنتَ إلَّهاً لم تكُنْ
أنتَ وكلبٌ وسْطَ بئرٍ في قَرَنْ
أُفّ لملقاكَ إلّهاً مُسْتَدَنْ
الآنَ فتَّشناك عن سوء الغَبَنُ(١)
الحمدُ لله العليِّ ذي المِنَنْ
الواهبِ الرَزَّاقِ دِيَّان الدِّينُ(٢)
هو الذي أنقذني من قبل أنْ
أكونَ في ظلمة قبرٍ مُرْتَهَنُ(٣)
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية
وجملتهم على ما ذكره ابن إسحاق رحمه الله
ثلاثة وسبعون رجلًا وامر أتان
فمن الأوس أحدَ عشرَ رجلاً ؛ أُسيد بن حُضير أحدُ النقباء ، وأبو الهيثم بن التَّيِّهان بدرٌّ أيضاً ،
وسلمة بن سلامة بن وَقْش بدري، وظُهير بن رافع، وأبو بُرْدَة بن نيارُ(٤ ) بدري ، ونُهير بن الهيثم بن
نابي بن مَجْدَعة بن حارثة ، وسعدُ بن خَيْئمة أحدُ النقباء بدريّ وقتل بها شهيداً ، ورفاعة بن عبد المنذر بن
زَنْبَر(٥) نقيبٌ بَدْريّ ، وعبد الله بن جُبير بن النعمان بن أمية بن البُرَك بدري ، وقُتل يوم أحد شهيداً أميراً
على الزُّماة ، ومَعْنُ بن عدي بن الجَدّ بن عَجْلان بن الحارث بن ضُبيعة البَلَوِيّ ، حليفٌ للأوس ، شهد
بدراً وما بعدها وقتل باليمامة شهيداً ، وعُويم بن ساعدة شهد بدراً وما بعدها .
(١) ((مستدن)): قال أبو ذر في شرح السيرة: ذليل مستعبد. وقال السهيلي في الروض (٢١٤/٢): من السدانة وهي
خدمة البيت وتعظيمه . والغَبَن في الرأي اهـ . وفي القاموس : الضعف .
(٢) ((الدِّيَن)): جمع دينة، وهي العادة. ويجوز أن يكون أراد بالدين: الأديان، أي هو ديَّان أهل الأديان. الروض
(٢١٤/٢) .
(٣) زادت سيرة ابن هشام هذا البيت :
بأحمد المهدي النبيِّ المُرْتَهنْ
(٤) في ط : دينار تحريف، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والقاموس ( نير).
(٥) في ح : زبير . وفي ط : زنير . وكلاهما تصحيف ، والمثبت من السيرة وتبصير المنتبه.

٤٢٦
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية
ومن الخَزْرَج اثنانٍ وستونَ رجلاً ؛ أبو أيوب خالد بن زيد وشهد بدراً وما بعدها ، ومات بأرض الروم
زمن معاوية شهيداً. ومعاذ بن الحارث ، وأخواه عَوف ومُعَوِّذ وهم بنو عَفْراء بدريُّون ، وعُمارة بن حَزْم
شهد بدراً وما بعدها وقتل باليمامة ؛ وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحدُ النقباء مات قبل بَدْر ، وسهل بن عَتيك
بدري ، وأوس بن ثابت بن المنذر بدري ، وأبو طلحة زيد بن سهل بدري ، وقيسُ بن أبي صعصعة
عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غَنْم بن مازن كان أميراً على الساقة يوم بدر ، وعمرو بن
غَزِيَّة ، وسعد بن الرَّبيع أحدُ النقباء شهد بدراً وقُتل يوم أحد ، وخارجة بن زيد شهد بدراً وقتل يوم أحد ،
وعبدُ الله بن رواحة أحد النقباء شهد بدراً وأُحُداً والخندق ، وقتل يوم مُؤْتة أميراً ، وبَشِير بن سَعْد بدري ،
وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه (١) الذي أُرِيَ النداء [ للصلاة }٢) وهو بدري ، وخلاد بن سُويد
بدريٌّ أَحُدِيٌّ خَنْدَقِيٌّ، وقتل يوم بني قُريَظة شهيداً، طُرحت عليه رَحِى فشدخَتْه، فيقال إنَّ رسولَ الله ◌ِّ
قال: ((إنَّ له لأجْرَ شهيدَيْن (٣) وأبو مسعود عُقْبَة بن عمرو البدري - قال ابن إسحاق: وهو أحدَثُ مَنْ
شهد العقبة سِنّاً ولم يشهد بدراً ، وزياد بن لَبِيد بدري ، وفروة بن عمرو بن وَدْفة٤ُ) بدريّ ، وخالد بن
قيس بن مالك بدري ، ورافع بن مالك أحد النقباء ، وذَكْوان بن عبد قيس بن خَلْدَة بن مُخَلَّد بن عامر بن
زُرَيق، وهو الذي يقال له مهاجري أنصاري لأنه أقام عند رسولِ الله وَلَه بمكة حتى هاجر منها وهو بدريّ
قُتل يوم أحد ، وعباد بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق بدري ، وأخوه الحارث بن قيس بن
عامر بدريٌّ أيضاً ، والبراء بن مَعْرِور أحَدُ النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سَلِمة ، وقد مات قبل مَقْدَم
النبيِّ ◌َّه المدينة، وأوصى له بثلُث ماله، فردَّه رسول الله وَّل على وَرَثَتِهِ، وابنهُ بشْر بن البَرَاء وقد شهد
بدراً وأحداً والخندق وماتَ بخَيْبَر شهيداً من أكْلِه مع رسولِ الله وَّ من تلك الشاة المَسْمومة رضي الله عنه ،
وسِنَان بن صَيْفِيٍّ بن صَخْر بدري ، والطُّفيل بن النعمان بن خَنْساء بدري ، قتل يوم الخندق ، ومعقل بن
المنذر بن سَرْح بدري ، وأخوه يزيد بن المنذر بدري ، ومسعود بن زيد(٥) بن سُبيع ، والضحاك بن
(١) كذا في ح ، ط وأصول سيرة ابن هشام وفي الاستيعاب في الإصابة : عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد الله.
(٢) من سيرة ابن هشام (١/ ٤٥٩).
(٣) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥٣١/٣) عن أحمد بن إبراهيم قال: أخبرنا أبو فضالة الفرج بن فضالة عن
عبد الخبير بن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده فذكره . أقول : وإسناده ضعيف .
(٤) في سيرة ابن هشام: وذفة . ويقال : وَدْفَة . وضبطه ابن حجر في آخر ترجمته في الإصابة بقوله : ضبطه الداني في
كتاب أطراف الموطأ له بفتح الواو وسكون الدال المهملة بعدها قاف . قال : وهي الروضة . قلت : والصحيح هو
ضبط ابن هشام لأنه ليس في المعجمات : ودقة . بالقاف بمعنى الروضة إنما هو : وَدْفة . والذال المعجمة لغة فيه .
وبهذا ضبطه ابن دريد في الاشتقاق (ص٤٦١) قال : والوَذْفَة زعموا : الروضة . ويقال: استوذفتُ الإناء إذا
استقطرت ما فيه . وقال السهيلي في الروض (٢١٥/٢): وَدْفة بدال مهملة وهو الأصح .
(٥) في السيرة : يزيد والمثبت من ح ، ط والإصابة في ترجمته .

٤٢٧
فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية
حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري، ويزيد بن خِذَام بن سُبيعُ(١)، وجبَّار بن صَخْر [ بن أمية (٢) بن خنساء بن
سنان بن عُبيد بدري ، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري ، وكعب بن مالك ، وسليم بن عمرو(٣) بن
حَديدة بدري، وقُطْبة بن عامر بن حَديدة بدري ، وأخوه أبو المنذر يزيد بدريٌّ أيضاً ، وأبو اليَسَر كعب بن
عمرو بدري ، وصَيْفيّ بن سَوَاد بن عبَّاد، وثعلبة بن غَنَمة بن عدي بن نابي بدري واستشهد بالخندق ،
وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي ، وعَبْس بن عامر بن عدي بدري ، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي ،
وعبد الله بن أُنَيس حَليفٌ لهم من قضاعة ، وعبد الله بن عمرو بن حَرَام أحد النقباء بدري ، واستشهد يوم
أحد ، وابنه جابر بن عبد الله، ومعاذ بن عمرو بن الجَمُوح بدري ، وثابت بن الجِذْعِ بدري ، وقتل شهيداً
بالطائف ، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري ، وخَديج بن سلامة حليفٌ لهم من بَلِيّ ، ومعاذ بن جَبَل ،
شهد بدراً وما بعدها ومات بطاعون عَمَوَاس في خلافة عمر بن الخطاب ، وعُبادة بن الصامت أحد النقباء
شهد بدراً وما بعدها ، والعباس بن عُبَادة بن نَضْلَة وقد أقام بمكة حتى هاجر منها٤) فكان يقال له مهاجري
أنصاري أيضاً ، وقتل يوم أحدُ شهيداً ، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثَعلبة بن خَزْمةُ(٥) بن أصْرم حليفٌ له من
بَلِيّ، وعمرو بن الحارث بن كِنْدَة٦) ، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري ، وعُقبة بن وهب بن كَلَدة ،
حليفٌ لهم بدري ، وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها فهو ممن يقال له مهاجريٌّ أنصاريٍّ
أيضاً ، وسعدُ بن عُبَادة بن دُلَيْم أحدُ النقباء ، والمنذر بن عمرو نقيبٌ بدري أُحُديّ ، وقُتل يوم بئر معونة
أميراً، وهو الذي يُقال له : ((أعْنَقَ لِيَمُوت)(٧) وأما المرأتان فأمُّ عُمارة نُسيبة بنت كعب بن عمرو بن
عوف بن مَبْذول بن عمرو بن غَنْم بن مازن بن النجَّار المازنيَّة النجَّارية . قال ابن إسحاق : وقد كانتْ
شهدتِ الحربَ مع رسولِ اللهِ وَّ وشهدتْ معها أختُها وزوجُها زيد بن عاصم [ بن كعب ، وابناها
(١) في الإصابة في ترجمة يزيد : يزيد بن خدام بن سبيع بموحدة مصغّراً قال ابن حجر : واختلف النسخ في مغازي
موسى بن عقبة ، ففي بعضها كذلك وفي بعضها حرام وفي بعضها خدارة .
(٢) زيادة من السيرة وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص٣٥٩).
(٣) في ط : عامر ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام ، وكلاهما صحيح كما قال ابن حجر في الإصابة : عمرو أو عامر .
(٤) يعني حتى هاجر مع رسول الله وَه.
(٥) ويقال فيه: خَزَمة بالتحريك. الروض (٢١٥/٢).
(٦) في السيرة والروض : لبدة . وأظنه تصحيفاً .
(٧) في ط : أعتق بمثناة من فوق تصحيف ، والصواب بالنون كما جاء في ح وسيرة ابن هشام . والقائل هو الرسول
وَآلية، أخرجه البيهقي في الدلائل باب غزوة بئر معونة (٣٤٢/٣) بسنده عن موسى بن عقبة، وفيه: أعتق مصخّف.
قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣١٠/ عنق): ومنه الحديث أنه بعث سرية ، فبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله
وَّة إلى بني سليم فانتحى له عامر بن الطفيل فقتله، فلما بلغ النبي وَ لّ قتله قال: أعنق ليموت. أي إن المنية
أسرعت به وساقته إلى مصرعه . اهـ. وكذا ذكره الزمخشري في الفائق (٣/ ٧٢) وقال: أعنق : من العَنَق ، وهو
سيرٌّ فسيح .

٤٢٨
باب بُدْو الهجرة من مكة إلى المدينة
حَبيب(١) وعبد الله، وابنها حَبيب هذا هو الذي قتله مُسيلمة الكذَّاب(٢) حين جعل يقول له : أتشهدُ أنَّ
محمداً رسولُ الله ؟ فيقول نعم ، فيقول : أتشهدُ أني رسولُ الله ؟ فيقول: لا أسمع فجعل يقطِّعُه عضواً
عضواً حتى مات في يديه ، لا يزيدُه على ذلك ؛ فكانت أمُّ عُمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين
حين قُتل مسيلمة ورجعتْ وبها اثنا٣ً) عشر جرحاً من بينِ طعنةٍ وضربة رضي الله عنها وأرضاها ،
والأخرى أمُّ مَنيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غَنْم بن كعب بن سَلِمة رضي الله
عنها .
باب
بُدُوِّ الهجرة من مكة إلى المدينة
قال الزُّهْري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّل ـ وهو يومئذ بمكة - للمسلمين:
((قد أُريتُ دار هجرتِكم، أريتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلِ بين لابَيْنِ )(٤) فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة حينَ ذَكَر
رسولُ الله ◌َّه، ورجع إلى المدينة [ بعضُ ] مَنْ كان هاجر إلى أرض الحبشة من المسلمين.
رواه البخاري(٥)
وقال أبو موسى عن النبي وَلّ: «رأيتُ في المنام أني أهاجرُ من مكَّةَ إلى أرضٍ بها نخل ، فذهب
وَهَليُ (٦) إلى أنها اليمامةُ أو هَجَر ، فإذا هي المدينة يَثْرِب)).
وهذا الحديث قد أسندَهُ البخاري في مواضع أخر بطوله ، ورواه مسلم كلاهما عن أبي كُريب(٧) ، زاد
مسلم : وعبد الله بن بَرَّا(٨) كلاهما عن أبي أسامة ، عن بُرَيد(٩) بن عبد الله بن أبي بُرْدة عن جدِّه
أبي بُرْدَة ، عن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، عن النبي وَلّ الحديث بطوله.
(١) في ط : خبيب . بخاء معجمة وهو تصحيف ، والمثبت من سيرة ابن هشام وترجمته في الإصابة بحاء مهملة وبوزن
عَظِيم .
(٤)
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ح .
(٣)
في ح ، ط : اثني عشر جرحاً .
وهما الحَرَّتان، والحرَّة أرض حجارتها سود. فتح الباري (٧/ ٢٣٤).
(٦) وَهَلتُ بالفتح أهِلُ وهلاً: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره مثل وهمت. فتح الباري (٤٢٢/١٢).
(٥)
فتح الباري (٢٢٩٧) الكفالة باب جوار أبي بكر في عهد النبي ◌َّ وما مر بين معقوفين منه.
(٧) أخرجه البخاري فتح (٢٢٦/٧) مناقب الأنصار أول باب هجرة النبي وَله وأصحابه وأخرجه أيضاً في (٣٦٢٢)
المناقب باب علامات النبوة (٧٠٣٥) التعبير باب إذا رأى بقراً تنحر ، وصحيح مسلم (٢٠ - ٢٢٧٢) الرؤيا باب رؤيا
النبي ◌َطير .
(٨) في ط : مراد. تصحيف، والمثبت من ح وصحيح مسلم والإكمال (١/ ٢٤٤).
(٩) في ح، ط: يزيد تصحيف، والمثبت من صحيح مسلم والإكمال (١/ ٢٢٧).

٤٢٩
باب بُدْوّ الهجرة من مكة إلى المدينة
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إملاءً ، أخبرنا أبو العباس القاسم بن
القاسم السِّاري بمَرْو ، وحدثنا إبراهيم بن هلال ، حدثنا العامري ، عن علي بن الحسن بن شقيق ، حدَّثنا
عيسى بن عُبيد الكِنْدي ، عن غيلان بن عبد الله العامري ، عن أبي زُرْعَة بن عمرو بن جرير ، عن جرير ،
أنَّ النبيَّ ◌ََّ قال: ((إن الله أوحَى إليَّ: أيَّ هؤلاء البلاد الثلاث نزلتَ فهيَ دارُ هجرتك؛ المدينة ، أو
البحرَيْن ، أو قِنَّسْرِين)) قال أهلُ العلم : ثم عزَمَ له على المدينة فأمر أصحابَهُ بالهجرة إليها .
هذا حديثٌ غريبٌ جداً، وقد رواه الترمذي في المناقب من جامعه (٢) منفرداً به عن أبي عمار
الحسين بن حُريث ، عن الفضل بن موسى ، عن عيسى بن عُبيد ، عن غيلان بن عبد الله العامريّ ، عن
أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن جرير، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّ الله أوحى إليَّ: أيَّ هؤلاء
الثلاثة نزلت فهي دارُ هجرتك ؛ المدينة، أو البَحْرَين، أو قِنَّسْرين)). ثم قال: غريبٌ لا نعرفه إلا من
حديث الفضل ، تفرّد به أبو عمار .
قلت: وغيلان بن عبد الله العامري هذا ذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)(٣) إلا أنه قال: روى عن
أبي زرعة حديثاً منكراً في الهجرة٤ُ) ، والله أعلم .
قال ابنُ إسحاق(٥): لما أذن الله تعالى في الحرب [ بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ غُلِمُواْ وَإِنَّ اللّهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٢) الَّذِينَ أُخْرِجُوْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [ الحج: ٣٩ - ٤٠) الآية. فلما
أذنَ الله في الحرب (٦) وبايعه هذا الحيُّ من الأنصار على الإسلام والنُّصْرة له ، ولمن اتبعه ، وأوَى إليهم
من المسلمين، أمر رسولُ الله وَ لِّ أصحابَهُ من المهاجرين من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج
إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: (( إن الله قد جعل لكم إخواناً وداراً
تأمنونَ بها)) فخرجوا أرسالًا، وأقام رسولُ الله وَ لَه بمكة ينتظر أن يأذن له ربّه في الخروج من مكة والهجرة
إلى المدينة، فكان أولَ من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسولِ الله وَّر من المهاجرينَ من قريش من بني
مخزوم ، أبو سَلَمة عبد الله بن عبد الأسَد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مَخْزوم وكانت هجرته إليها قبل
بيعة العقبة بسنة حين آذَتْهُ قريش مَرْجِعَهُ من الحبشة فعزم على الرجوع إليها ثم بلغه أن بالمدينة لهم إخواناً
فعزم إليها .
(١) في دلائل النبوة (٢/ ٤٥٨).
جامع الترمذي (٣٩٢٣) المناقب باب في فضل المدينة .
(٢)
(٣) الثقات (٣١١/٧).
قال بشار : هو شبه الموضوع .
(٤)
(٥) في سيرة ابن هشام (٤٦٨/١) والروض (٢/ ٢١١).
(٦) ليس ما بين المعقوفين في سيرة ابن هشام .

٤٣٠
باب بدو الهجرة من مكة إلى المدينة
قال ابن إسحاق(١): فحدَّثني أبي عن سلمة بن عبد الله بن عمر بن أبي سَلَمة، عن جدَّته أمّ سلمة
قالت : لما أجمع أبو سلمة الخروجَ إلى المدينة رحلَ لي بعيرَه ، ثم حملني عليه ، وجعل معي ابني
سلمةَ بن أبي سلمة في حَجْري ، ثم خرج يقود بي بعيرَه ، فلما رأتْهُ رجالُ بني المغيرة قاموا إليه فقالوا :
هذه نفسُك غلبتَنَا عليها، أرأيت صاحبتنا٢) هذه علامَ نتركُكَ تسيرُ بها في البلاد ؟ قالت : فنزعوا خطام
البعير من يده وأخذوني منه . قالت : وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رَهْطُ أبي سلمة فقالوا : لا والله
لا نتركُ ابننا عندها إذْ نزعتموها من صاحبنا . قالت : فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يدَه ، وانطلق
به بنو عبد الأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة . قالت : ففُرّق
بيني وبين ابني وبين زوجي ، قالت : فكنت أخرجُ كلَّ غداة فأجلسُ في الأبْطَح ، فما أزالُ أبكي حتى
أَمسي - سنةً أو قريباً منها - حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمِّي أحد بني المغيرة ، فرأى ما بي فرَحِمني ، فقال
لبني المغيرة: ألا تخرجون(٣) من هذه المسكينة ؟ فرَّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ؟ قالت : فقالوا لي
الحَقي بزوجك إنْ شئت . قالت : فردّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني . قالت : فارتحلتُ بعيري ، ثم
أخذتُ ابني فوضعتُه في حَجْري ، ثم خرجتُ أريد زوجي بالمدينة . قالت : وما معي أحدٌ من خلق الله .
[ قالت : فقلت : أتبلَّغ بمن لَقيتُ حتى أقدم على زوجي. ] حتى إذا كنتُ بالتّنْعِيمُ(٤) لقيتُ عثمان بن
طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال : إلى أين يا ابنة أبي أميّة ؟ قلت : أريد زوجي بالمدينة .
قال : أو ما معك أحد ؟ قلت : ما معي أحدٌ إلا الله وبُنَيّ هذا. فقال: والله مالك من مَتْرِك . فأخذ بخطام
البعير ، فانطلق معي يهوي بي ، فوالله ما صحبتُ رجلاً من العرب قطّ ، أرى أنه كان أكرم منه ، كان إذا
بلغ المنزل أناخَ بي ثم استأخَرَ عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحطّ عنه ، ثم قيَّدَه في الشجر ، ثم
تنخَّى إلى شجرةٍ فاضطجع تحتها . فإذا دنا الزَّواح قام إلى بعيري فقدَّمه فرحَله ثم استأخر عني وقال :
اركبي . فإذا ركبتُ فاستويتُ على بعيري أتَى فأخذ بخطامه ، فقادني حتى ينزل بي ، فلم يزلْ يصنعُ
ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُبَاء قال : زوجك في هذه القرية
- وكان أبو سلمة بها نازلا - فادْخُليها على بركة الله. ثم انصرف راجعاً إلى مكَّة . فكانت تقول : ما أعلمُ
أهلَ بيتٍ في الإسلام أصابهم ما أصابَ آلَ أبي سَلَمة ، وما رأيتُ صاحباً قطُّ كان أكرم من عثمانَ بن
طلحة .
(١) في سيرة ابن هشام (٤٦٩/١) والروض (٢/ ٢١١) وما يأتي بين معقوفين منهما.
(٢) في السيرة والروض : صاحبتك .
(٣) كذا في ط والسيرة، وفي ح بمهملات. قلت: لعل الصواب: تحرَّجُون. من قولهم: تحرَّج من كذا: إذا تأثم .
اللسان ( حرج ) .
(٤) ((التنعيم)): موضعٌ بمكة في الحِلّ، وهو بين مكة وسَرِف، على فرسخين من مكة وقيل على أربعة . معجم البلدان
(٤٩/٢) .

٤٣١
باب بُدوّ الهجرة من مكة إلى المدينة
أسلم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هذا بعد الحُديبية ، وهاجر هو وخالدُ بن الوليد معاً ،
وقتل يوم أحد أبوه وإخوته ؛ الحارث وكلاب ومُسافع ، وعمه عثمان بن أبي طلحة . ودَفَع إليه رسولُ الله
وَ* يوم الفتح وإلى ابن عمه شيبة والد بني شيبة مفاتيحَ الكعبة ، أقرَّها عليهم في الإسلام كما كانتْ في
الجاهليّة، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [ النساء: ٥٨].
قال ابن إسحاقُ(١) : ثم كان أوَّلَ من قدمها من المهاجرين بعد أبي سلمة عامر بن ربيعة حليفُ بني
عدي ، معه امرأتُه ليلى بنتُ أبي حَثْمَة العدويَّة، ثم عبدُ الله بن جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صَبْرَة بن
مرَّة بن كبير٢ُ) بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة ، حليفُ بني أمية بن عبد شمس ، احتمل بأهله وبأخيه
عبد أبي أحمدُ(٣)
وكان أبو أحمد رجلاً ضرير البصر ، وكان يطوفُ مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد ، وكان شاعراً ،
وكانت عنده الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب ، وكانت أمُّه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم ، فغُلِّقَتْ
دارُ بني جحش هجرةً ، فمرَّ بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام وهم
مُصْعدون إلى أعلى مكة ، فنظر إليها عتبة تخفِقُ أبوابُها يَبَاباً ليس بها ساكن ، فلما رآها كذلك تنفّس
الصُّعَداء وقال : [ من البسيط ]
وكلّ دارٍ وإنْ طالتْ سلامتُها يوماً ستدركُها النَّكْبَاءُ والحُوبُ(٤)
قال ابنُ هشام : وهذا البيت لأبي دُوَاد الإيادي في قصيدةٍ له - [ قال السُّهيلي(٥): واسم أبي دُوَاد
حنظلة بن شرقي وقيل جارية ]٦)(٧) - ثم قال عتبة: أصبحت دارُ بني جحش خلاءً من أهلها . فقال
أبو جهل : وما تبكي عليه من قُلِّ بن قُلِ(٨) ثم قال - يعني العباس - : هذا من عمل ابنِ أخيك هذا، فرَّق
جماعتنا ، وشتَّت أمْرَنا ، وقطعَ بيننا .
(١) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٧٠) والروض (٢١٢/٢).
(٢) في سيرة ابن هشام والروض : كثير. وهو تصحيف ، صوابه من الإكمال (٧/ ١٦٠).
(٣) زادت نسخة ط هنا ما نصه: اسمه عبد كما ذكره ابن إسحاق وقيل : ثمامة . قال السهيلي: والأول أصح . وليست
هذه الزيادة في ح وربما كانت هذه الزيادة من تعليقات على الكتاب فأدخلها النساخ في المتن والله أعلم .
(٤) الحُوب : التوجُّع.
(٥) في الروض (٢١٦/٢) .
(٦) ما بين المعقوفين ليس في ح . ولعله من تعليقات على الأصل ثم أدخله النساخ في المتن . انظر الحاشية السابقة .
(٧) في ط: حارثة . وهو تصحيف، والمثبت من الروض (٢١٦/٢) والخزانة (٥٩٠/٩) والإكمال (٣/٢) وفيها :
جارية بن الحجاج .
(٨) في ط: فل بن فل بالفاء، وهو تصحيف، والمثبت من السيرة وفيه: قال ابن هشام: القُلّ: الواحد . قال لبيد بن ربيعة: [من
المنسرح]
قلٌّ وإن أكثرتْ من العَدَدِ
كل بني حرة مصيرهم

٤٣٢
باب بُدْوِ الهجرة من مكة إلى المدينة
قال ابن إسحاق(١): فنزل أبو سلمة وعامر بن ربيعة وبنو جحش بقُبَّاء على مُبَشِّر بن عبد المنذر ، ثم
قدم المهاجرون أرسالا . قال : وكان بنو غَنْم بن دُودان أهلَ إسلام قد أوْعَبوا إلى المدينة هجرةً ، رجالُهم
ونساؤهمُ(٢)، وهم عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد، وعُكَّاشة بن مِحْصَن ، وشجاع ، وعقبة ابنا
وهب، وأزيد بن حُمَيِّ (٣) ومُنقذ بن نُباتة، وسعيد بن رقيش، ومُحرز بن نَضْلَة، وزيد بن رُقيش ،
وقيس بن جابر ، وعمرو بن مِحْصن ، ومالك بن عمرو ، وصفوان بن عمرو ، وثَقْف بن عمرو ،
وربيعة بن أكثم. والزُّبير بن عبيدة ، وتمَّام بن عُبيدة ، وسَخْبَرة بن عبيدة ، ومحمد بن عبد الله بن
جحش .
ومن نسائهم زينبُ بنتُ جَحْش، وحَمْنة بنت جحش، وأم حبيب بنت جحش، وجُدَامة٤ُ) بنت
جَنْدَل ، وأم قيس بنت مِحْصَن ، وأمّ حبيب بنت ثُمَامة، وآمنة بنت رُقيش ، وسَخْبَرَة بنت تميم .
قال أبو أحمد بن جحش في هجرتهم إلى المدينة(٥) : [من الطويل ]
ولما رأتني أمُّ أحمدَ غادياً بذمَّةِ مَنْ أخشى بغيبٍ وأرهَبُ
فيمِّمْ بنا البلدانَ ولْنَنْأ يثربُ
وما يشأ الرحمنُ فالعبدُ يركب
إلى الله يوماً وجهَه لا يُخَيَّب
وناصحةٍ تبكي بدمعٍ وتندُب
ونحن نرى أنَّ الرغائبَ نطلُب
وللحقِّ لما لاح للناس مَلْحَبُ
إلى الحقِّ داعٍ والنجاحِ فأوعبوا
أعانوا علينا بالسلاح وأجْلبوا
على الحقِّ مهديٌّ وفوجٌ معذَّبُ
تقولُ فإمّا كنتَ لا بدَّ فاعلاً
فقلتُ لها ما يثربٌ بمظَنَّةٍ)
إلى اللهِ وجْهي والرسولِ ومن يُقِمْ
فكّمْ قد تركنا من حميم مُناصحٍ
ترى أن وتراً نائياً عن بلادنا
دعوتُ بني غَنْم لحقْنِ دمائهم
أجابوا بحمدِ الله لما دعاهُمُ
وكنّا وأصحاباً لنا فارقوا الهُدَى
كَفَوجَيْن أمَّا مِنْهُما فموفَّقٌ
(١) في السيرة لابن هشام (١/ ٤٧١) والروض (٢١٣/٢).
(٢) ((أوعب بنو فلان)): جلَوْا أجمعون. اللسان (وعب).
(٣) في ط: جُميرة. وسقط من ح، وفي سيرة ابن هشام: ابن حُمَيِّرة، ويقال ابن حُمَيْرَة . والمثبت من الإكمال
(٥١٧/٢) والإصابة وقال ابن حجر فيه: أربد بن جُبير، وقيل ابن حمزة، وقيل ابن حُمَيِّر مصغّراً مثقَّلاً، وبهذا
الأخير جزم ابن ماكولا .
(٤) في سيرة ابن هشام : جذامة . بالذال المعجمة ، تصحيف ، والصواب بالمهملة من القاموس . وانظر الروض
(٢١٨/٢) .
(٥) الأبيات في السيرة لابن هشام (٤٧٣/١) والروض (٢١٣/٢).
(٦) في سيرة ابن هشام والروض : بل يثرب اليوم وجهنا .

٤٣٣
باب بُدوّ الهجرة من مكة إلى المدينة
عن الحقِّ إبليسٌ فخابوا وخيّبوا
طَغَوا وتمنّوا كِذبةٌ وأزلَّهم
فطابَ ولاةُ الحق منا وطُيِّيوا
ورعنا إلى قول النبيّ محمدٍ
ولا قُرْبَ بالأرحام إذ لا تُقَرَّبُ
نمُتُّ بأرحامٍ إليهم قريبةٍ
وأيّةُ صِهْرٍ بعد صهري يرقَّب
فأيُّ ابنِ أختِ بعدنا يأمننَّكم
وزُيِّل أمرُ الناسِ للحقِّ أصوبُ
ستعلم يوماً أيّنا إذ تزايلوا
قال ابن إسحاق(١): ثم خرج عمر بن الخطاب ، وعياش بن أبي ربيعة حتى قدما المدينة . فحدَّثني
نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، قال : اتَّعدنا لما أردتُ الهجرةَ إلى المدينة أنا وعيَّاش بن
أبي ربيعة، وهشام بن العاص؛ التَّنَاضب من أضاةِ بني غِفَار فوق سَرِف(٢)، وقلنا : أيُّنا لم يُصبح عندها
فقد حُبس فليمض صاحباه . قال : فأصبحتُ أنا وعياش عند التَّنَاضب(٣) ، وحُبس هشام وفُتن فافتتن ؛
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقُباء ، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى
عَّاش - وكان ابنُ عمِّهما وأخاهما لأمّهما - حتى قدما المدينة ورسولُ الله وَ لَه بمكة، فكلَّماه وقالا له : إنَّ
أمك قد نذرَتْ أن لا يمسَّ رأسها مشط حَتَّى تراك ، ولا تستظلّ من شمس حتى تراك ، فرقَّ لها ، فقلت
له : إنه والله إنْ يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحْذَرْهم، فوالله لو قد آذى أمَّك القملُ لامتشطَتْ ، ولو
قد اشتدَّ عليها حرُّ مكة لاستظلَّتْ . قال فقال : أبِرُ قسم أُمِّي ولي هنالك مالٌ فَآخذه . قال : قلت والله إنَّك
لتعلمُ أني لِمِن أكثرٍ قريشٍ مالاً ، فلك نصفُ مالي ولا تذهبْ معهما . قال : فأبَى عليَّ إلا أن يخرج
معهما ، فلما أبى إلا ذلك قلت : أمَّا إذْ فعلت ما فعلت، فخُذْ ناقتي هذه فإنَّها ناقة نَجِيبة ذَلُول فالْزَمْ
ظهرَها ، فإنْ رابكَ من أمر القوم رَيْبٌ فانْجُ عليها .
فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل : يا أخي ، والله لقد استغلظتُ بعيري
هذا ، أفلا تُعْقِبُني على ناقتك هذه ؟ قال: بلى. فأناخ وأناخا ليتحوَّل عليها ، فلما استوَوْا بالأرض عدَوَا
عليه فأوثقاهُ رباطاً ، ثم دخلا به مكة ، وفَتَنَاهُ فافتتن .
قال عمر : فكنّا نقول لا يقبلُ اللهُ ممنٍ افتتن توبةٌ . وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم ، حتى قدم رسولُ الله
﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىّ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ
وَلّ المدينة، وأنزل الله:
جَميعً إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ () وَنِبُواْ إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْلَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (٢) وَأَتَّبِعُواْ
أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن زَبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْنِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْنَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [ الزمر: ٥٣ _٥٥].
قال عمر : فكتبتها بيدي ، وبعثتُ بها إلى هشام بن العاص . قال هشام : فلما أتتني جعلتُ اقرؤها بذي
(١) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٧٤) والروض (٢١٩/٢).
(٢) أضاءة بني غفار: على عشرة أميال من مكة ، والأضاة : الغدير ، كأنها مقلوب من وضأة ، واشتقاقه من الوضاءة
بالمد وهي النظافة . الروض (٢/ ٢٢٧).
(٣) الضبط من معجم البلدان (٢/ ٤٧) وبعضهم يضمُّ الضاد وهو موضع قرب مكة .

٤٣٤
باب بدقّ الهجرة من مكة إلى المدينة
◌ُطُوَى(١) أُصَعِّد بها فيه وأُصَوِّب أخرى ولا أفهمها حتى قلت : اللهم فهِّمْنيها ، فألقى الله في قلبي أنها إنما
أُنزلت فينا وفيما كنَّا نقولُ في أنفسنا ، ويقال فينا . قال : فرجعتُ إلى بعيري فجلستُ عليه فلحقتُ
برسولِ الله ◌ُله بالمدينة.
وذكر ابنُ هشامُ(٢) أنَّ الذي قدم بهشام بن العاص ، وعياش بن أبي ربيعة إلى المدينة ؛ الوليد بن
الوليد بن المغيرة ، سرقهما من مكة وقدِم بهما يحملهما على بعيره وهو ماشٍ معهما ، فعثر فدميَتْ أصبعُه
فقال : [ من الرجز ]
هل أنتِ إلا أصبعٌ دَميتِ وفي سبيلِ الله ما لَقِيتِ
وقال البخاري(٣): حدَّثنا أبو الوليد، حدَّنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمع البراء قال: أوَّلُ مَنْ
قدم علينا مصعبُ بن عُمير وابنُ أمّ مكتوم ، ثم قدم علينا عمَّار وبلال .
وحذَّثني محمد بن بشَّار ، حدَّثنا غُنْدَر ، حدَّثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، سمعتُ البراء بن عازِب
قال : أولُ مَنْ قدِم علينا مصعب بن عمير وابنُ أُمّ مَكْتُوم ، وكانا يقرئانِ الناسَ ، فقدِمَ بلالٌ وسعدٌ
وعمار بن ياسر ، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين نَفَراً من أصحاب النبيِّ وَّر، ثم قدم النبيُّ ◌َّ فما
رأيتُ أهلَ المدينة فرحوا بشيءٍ فرحَهم برسولِ الله وَّلَه حتى جعل الإماءُ يقلن: قدم رسولُ الله ◌ِّ. فما
قدم حتى قرأت : ﴿سَبِحِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سورٍ من المفصَّل .
ورواهُ مسلم في ((صحيحه)(٤) من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب بنحوه
وفيه التصريح بأنَّ سعد بن أبي وقاص هاجر قبل قدوم رسولِ الله وَّ المدينة.
وقد زعم موسى بن عقبة، عن الزهري، أنه إنما هاجر بعد رسولِ الله وَ لّ والصواب ما تقدَّم.
قال ابن إسحاق (٤) : ولما قدم عمر بن الخطاب المدينة هو ومن لحق به من أهله وقومه وأخوه زید بن
الخطاب وعمرو وعبد الله ابنا سراقة بن المعتمر ، وخُنيس بن حُذَافة السهمي زوج ابنته حفصة ، وابن عمه
سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل ، وواقد بن عبد الله التميمي حليفٌ لهم، وخَوْليُّ بن أبي خَوْلِيّ ،
ومالك بن أبي خَوْلي حليفانِ لهم من بني عِجْل، وبنو البُكير إياس وخالد وعاقل وعامر وحلفاؤهم من بني
(١) ذو طَوَى : موضع عند مكة. معجم البلدان (٤٥/٤).
(٣) في صحيحه فتح (٣٩٢٤) مناقب الأنصار باب مقدم النبي ◌ّ وأصحابه المدينة.
(٢)
في السيرة (٤٧٦/١).
(٤) كذا ، ولم أجده في صحيح مسلم ولا ذكره المزي في تحفة الأشراف في حديث إسرائيل عن أبي إسحاق ، فهو وهم
بلا ريب . والرواية التي فيها التصريح بأن سعد بن أبي وقاص هاجر قبل قدوم الرسول مل# ساقها أحمد في مسنده
(٤/ ٢٨٤) عن عفان حدثنا شعبة عن أبي إسحاق به. ورواه أيضاً في (٢٩١/٤) عن محمد بن جعفر عن شعبة عن
أبي إسحاق به .
(٥) في سيرة ابن هشام (٤٧٦/١) والروض (٢٢٠/٢).

٤٣٥
باب بُدوّ الهجرة من مكة إلى المدينة
سعد بن ليث ، فنزلوا على رفاعة بن عبد المنذر بن زَنْبَر(١) في بني عمرو بن عوف بقباء .
قال ابنُ إسحاق (٢) : ثم تتابع المهاجرون رضي الله عنهم ، فنزل طلحةُ بن عبيد الله وصُهيب بن سنان
على خُبيب بن إساف أخي بَلْحارث بن الخزرج بالسُّنْحُ(٣) . ويقال بل نزل طلحة على أسعد بن زُرَارة.
قال ابن هشام٤) : وذُكر لي عن أبي عثمان النَّهْديّ أنه قال: بلغني أنَّ صُهيباً حين أراد الهجرة قال له
كفَّارُ قريش : أتيتنا صُعْلوكاً حَقيراً فكثُر مالك عندنا وبلغتَ الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك
ونفسك والله لا يكونُ ذلك . فقال لهم صُهيب : أرأيتم إنْ جعلتُ لكم مالي أتخلُّون سبيلي ؟ قالوا :
نعم. قال: فإني قد جعلتُ لكم مالي، فبلغ ذلك رسولَ اللهَ وَلَه فقال: ((رَبِحَ صُهيب، رَبِحَ صُهيب))
وقد قال الحافظ البيهقي(٥): حدَّثنا الحافظ أبو عبد الله - إملاء - أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله بن
محمد بن ميكال ، أخبرنا عبدان الأهوازي ، حدَّثنا زيد بن الحَرِيشُ(٦)، حدَّثنا يعقوب بن محمد
الزهري ، حدَّثن(٧) حصين بن حذيفة بن صيفي بن صُهيب ، حدَّثني أبي وعمومتي ، عن سعيد بن
المُسَيِّب، عن صهيب، قال: قال رسولُ الله ◌ِهِ: ((أريتُ دارَ هجرتكم سَبَخَةً بين ظهرانيْ حرَّتَيْن، فإمَّا
أن تكون هَجَر أو تكون يثرب)) قال: وخرج رسولُ اللهَ وَّل إلى المدينة وخرج معه أبو بكر، وكنتُ قد
هممت معه بالخروج فصدَّني فتيانٌ من قريش ، فجعلت ليلتي تلك أقومُ لا أقعد ، فقالوا : قد شغله الله
عنكم ببطنه - ولم أكن شاكياً - فناموا. فخرجتُ ولحقني منهم ناسٌ بعدما سرت بريداً() ليردُّوني،
فقلت لهم : هل لكم أن أعطيكم أواقي (٩) من ذهب وتخلُّوا سبيلي، وتوفون لي؟ ففعلوا. فتبعتُهُمُ (١)
إلى مكة فقلت: احفروا تحت أَسْكُفَّة الباب فإنَّ تحتها أواقي(٩)، واذهبوا إلى فلانة فخذوا الحُلَّتَيْن،
وخرجتُ حتى قدمت على رسولِ الله وَ يَ قُباء قبل أن يتحوَّل منها، فلما رآني قال: (( يا أبا يحيى ربح
البيع )) - ثلاثاً - فقلت : يا رسول الله ، ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل عليه السلام.
قال ابن إسحاق(١١): ونزل حمزةُ بن عبد المطلب وزيد بن حارثة وأبو مَزْئَد كَنَّاز بن
(١) في ط : زنير وفي ح زبير: والمثبت من الإكمال (٤/ ١٦٧).
(٢) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٧٧) والروض (٢٢٠/٢).
(٣)
((السُّنح)): موضع قرب المدينة. القاموس (سنح).
(٤) السيرة (١/ ٤٧٧) والروض (٢٢٠/٢).
(٥)
في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٢) .
(٦) في ط : الجريش بالجيم تصحيف، والمثبت من ح والدلائل والإكمال (٢/ ٤٢٢).
(١) في ح : انا .
(٨) في ط : يريدوا . تصحيف ، والمثبت من ح والدلائل.
(٩) في ح : أواني . والمثبت من ط والدلائل .
(١٠) في الدلائل : فسقتهم .
(١١) في سيرة ابن هشام (٤٧٨/١) والروض (٢٢٠/٢).

٤٣٦
فصل في سبب هجرة رسول الله ماثل
الحُصَينُ(١) وابنه مرثد الغنويَّان حليفا حمزة، وأنّسَة وأبو كبشة موليا رسولِ الله وَّل على كلثوم بن الهِدْم
أخي بني عمرو بن عوف بقُباء ، وقيل على سعد بن خيثمة ، وقيل بل نزل حمزة على أسعد بن زرارة .
[ والله أعلم]٢). قال: ونزل عُبيدة بن الحارث وأخواه الطفيل وحُصين ومِسْطَح بن أَثَاثَة وسُويبط بن
سعد بن حُريملة أخو بني عبد الدار وطُليب بن عُمير أخو بني عبد بن قصي وخَبَّاب مولى عتبة بن غَزْوان
على عبد الله بن سلمة أخي بَلْعَجْلان بقُباء .
ونزل عبد الرحمن بن عوف في رجالٍ من المهاجرين على سعد بن الربيع ، ونزل الزُّبير بن العوام
وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم على منذر بن محمد بن عقبة بن أُحَيْحَة بن الجُلاحِ بالعُصْبة دار بني جَحْجَبَى ونزل
مصعب بن عمير على سعد بن معاذ ، ونزل أبو حُذيفة بن عتبة وسالم مولاه على سلمة .
قال(٣) ابنُ إسحاق ، وقال الأموي : على خُبيب بن إساف أخي بني حارثة .
ونزل عتبة بن غزوان على عبّاد بن بِشْر بن وَقْش في بني عبد الأشْهَل ؛ ونزل عثمان بن عفان على
أوس بن ثابت بن المنذر أخي حسَّان بن ثابت في دار بني النجَّار .
قال ابنُ إسحاق(٤) : ونزل العُزَّابُ من المهاجرين على سَعْد بن خيثمة ، وذلك أنه كان عَزَباً والله أعلم
أيَّ ذلك كان .
وقال يعقوب بن سفيان(٥) : حدَّثني أحمد بن أبي بكر بن الحارث بن زرارة بن مُصعب بن
عبد الرحمن بن عوف ، حدَّثنا عبد العزيز بن محمد ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه قال :
قدمنا من مكة فنزلنا العُصْبة ، ونزل عمر بن الخطّاب وأبو عبيدة بن الجرّاح وسالم مولى أبي حذيفة ،
فكان يؤمُّهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآنا .
فصل
في سبب هجرة رسول الله مخ لل بنفسه الكريمة
قال الله تعالى : ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾
[ الإسراء: ٨٠] أرشده الله وألهمه أن يدعوَ بهذا الدُّعاء [ و] أن يجعل له مما هو فيه فرجاً قريباً ومخرجاً
(١) في السيرة والروض : حِصْن. وكلاهما صحيح كما في القاموس ( كنز).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ح ولا في السيرة .
(٣) كذا في ح ، ط ولعل الصواب : قاله . يعني القول السابق وهو موجود في سيرة ابن هشام (٤٧٩/١) فتكون هذه
العبارة ملحقة عندئذ بالفقرة السابقة .
(٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٠) والروض (٢/ ٢٢١).
(٥) المعرفة والتاريخ (٣٦٧/٣) وهو في القسم المفقود من الكتاب ونقله المحقق من هنا .

٤٣٧
فصل في سبب هجرة رسول الله الخ
عاجلاً ، فأذن له تعالى في الهجرة إلى المدينة النبويّة حيث الأنصار والأحباب فصارت له داراً وقراراً ،
وأهلها له أنصاراً .
قال أحمد بن حنبل (١) وعثمان بن أبي شيبة(٢)، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظَبْيَانُ(٣) ، عن أبيه ،
عن ابن عباس: كان رسول الله وَ لَه بمكة، فأمر بالهجرة وأنزل عليه: ﴿ وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى
مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِّ مِن لَّدُنَكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [ الإسراء: ٨٠].
وقال قتادة: ﴿أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ المدينة ﴿ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الهجرة من مكة ﴿ وَأَجْعَل لِ مِن
لَّدُنكَ سُلْطَانَا نَصِيرًا﴾ كتاب الله وفرائضه وحدوده .
قال ابنُ إسحاق(٤): وأقام رسولُ الله بَّلَه بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤْذَن له في
الهجرة ولم يتخلَّفْ معه بمكة إلا من حُبس أو فُتن ، إلا عليُّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة رضي
الله عنهما، وكان أبو بكر كثيراً ما يستأذنُ رسولَ الله ◌َِّ في الهجرة فيقول له: (( لا تَعْجَلْ لعلَّ اللهَ يجعلُ
لك صاحباً )» فيطمع أبو بكر أن يكونه .
فلما رأتْ قريشٌ أنَّ رسول الله وَّه قد صار له شيعةٌ وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ، ورأوا خروجَ
أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا داراً وأصابوا منهم منَعةً، فحذِرُوا خروجَ رسولِ الله ◌ِّر
إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم ، فاجتمعوا له في دار الندوة - وهي دارُ قصيّ بن كلاب التي كانت
قريشٌ لا تقضي أمراً إلا فيها - يتشاورونَ فيما يصنعون في أمر رسولِ الله وَّ حين خافوه.
قال ابن إسحاق(٤) : فحدَّثني من لا أنَّهمُ من أصحابنا ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن
جَبْر(٥) وغيره ممن لا أنَّهم ، عن عبد الله بن عباس ، قال: لما اجتمعوا لذلك واتَّعدوا أن يدخلوا في دار
الندوة ليتشاوروا فيها في أمرِ رسولِ الله وَ لّ غدَوْا في اليوم الذي اتَّعدوا له ، وكان ذلك اليوم يسمى يوم
الزَّحْمة ، فاعترضهم إبليسُ لعنه الله في هيئة شيخٍ جليل عليه بتٍّ(٦) له فوقف على باب الدار ، فلما رأوه
(١) في مسنده (١/ ٢٢٣) رقم (١٩٤٨).
(٢) أخرجه من طريق عثمان: الحاكم (٣/٣) وعنه البيهقي في دلائل النبوة (٥١٦/٢). ورواه الترمذي (٣١٣٩) عن
أحمد بن منيع عن جرير ، والطبري في تفسيره (١٥ /١٤٨) عن سفيان بن وكيع ومحمد بن حميد الرازي عن جرير ،
وابن عدي في الكامل (٢٠٧٢/٦) من طريق الحسين بن سيار عن جرير ، وصححه الترمذي مع ضعف قابوس بن أبي
ظبيان . ( بشار ) .
(٣) في ح : طهمان . تصحيف ، والمثبت من ط وتقريب التهذيب لابن حجر في ترجمة قابوس .
(٤) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٠) والروض (٢٢١/٢).
(٥) زادت ح ، ط : عن عبد الله بن عباس . وليست هذه الزيادة في السيرة وهي مقحمة على النص فحذفتُها .
(٦) ((البتُّ)): كساء غليظ مربَّع، وقيل طيلسان من خز ويجمع على بتوت. النهاية لابن الأثير (بنت/ ١/ ٩٢). وفي
السيرة وط : بتله . وأظنه تصحيفاً من وصل التاء باللام .

٤٣٨
فصل في سبب هجرة رسول اللّه ◌ِث
واقفاً على بابها قالوا : من الشيخ ؟ قال : شيخ من أهل نَجْد ، سمع بالذي اتعدتم له فحضرَ معكم ليسمعَ
ما تقولون ، وعسى أن لا يُعْدِمَكم منه راياً ونُصْحاً . قالوا : أجل فادخلْ ، فدخل معهم وقد اجتمع فيها
أشرافُ قريش : عتبة ، وشيبة ، وأبو سفيان وطعيمة بن عدي ، وجُبير بن مُطْعِم بن عدي ، والحارث بن
عامر بن نوفل ، والنضْر بن الحارث وأبو البَخْتَرِيِّ بنُ هشام، وزَمَعَة بن الأسود ، وحَكيم بن حِزَام ،
وأبو جَهل بن هشام ونُبيه ومُنَبِّه ابنا الحجّاج وأمية بن خلف، ومَنْ كان منهمُ(١) وغيرهم ممن لا يعدُّ من
قريش .
فقال بعضهم لبعض : إنَّ هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم ، وإننا والله ما نأمنه على الوثوب
علينا بمن قد اتَّبعه من غيرنا ، فأجمعوا فيه رأياً . قال : فتشاوروا ، ثم قال قائلٌ منهم - [ قيل إنه
أبو البَخْتَرِي بنُ هشام (٢) - : احبسوه في الحديد ، وأغلقوا عليه باباً ، ثم ترَبصوا به ما أصاب أشباهه من
الشعراء الذين كانوا قبله ، زهيراً والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت ، حتى يصيبه ما أصابهم . فقال
الشيخ النجدي : لا والله ما هذا لكم برأي ، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجَنَّ أمرُه من وراء الباب
هذا الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه ، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ، ثم يكاثروكم به حتى
يغلبوكم على أمركم ، ما هذا لكم برأي .
فتشاوروا ، ثم قال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي
أين ذهب ، ولا حيث وقع ، إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وأَلْفَتَنا كما كانت . قال الشيخ
النجديّ : لا والله ما هذا لكم برأي ألم تروا حسن حديثه وحلاوةَ منطقِه ، وغلبته على قلوب الرجال ، بما
يأتي به ؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتُ(٣) أنْ يحلّ على حيٍّ من العرب ، فيغلب عليهم بذلك من قوله
وحديثه حتى يتابعوه عليه ، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم ، فيأخذ أمركم بين أيديكم ، ثم يفعل بكم
ما أراد ، أو تروا٤) فيه رأياً غير هذا . فقال أبو جهل بن هشام: والله إنَّ لي فيه لرأياً ما أراكم وقعتم عليه
بعد . قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟ قال : أرى أن نأخذ من كلِّ قبيلة فتى شاباً جَليداً نسيباً وسيطاً فينا ، ثم
نعطي كلَّ فتى منهم سيفاً صارماً ، ثم يَعْمِدوا إليه ، فيضربوه بها ضربة رجلٍ واحد ، فيقتلوه ، فنستريح
منه ؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمُهُ في القبائل جميعها فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً .
فرضوا منا بالعقل فعقَلْناه لهم . قال : يقول الشيخُ النجدي : القولُ ما قال الرجل ، هذا الرأي ، ولا رأي
غيره : فتفرَّقَ القومُ على ذلك وهم مجمعون له .
(١) في السيرة : معهم .
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ح .
(٣) في السيرة : ما أمنتم .
(٤) في السيرة : دَبِّروا ، والمثبت من ط .

٤٣٩
فصل في سبب هجرة رسول الله فيك
فأتى جبريلُ رسولَ الله ◌ِ له فقال له : لا تبِتْ هذه الليلةَ على فراشكَ الذي كنتَ تَبيتُ عليه . قال :
فلما كانت عَتَمةٌ من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسولُ اللهِ وَله
مكانهم قال لعلي بن أبي طالب: (( نمْ على فراشي وتَسَجَّ ببُزْدِي هذا الحَضْرَميِّ الأخضر، فنمْ فيه ، فإنه
لن يخلُصَ إليك شيءٌ تكرهه منهم)) وكان رسولُ اللهِوَ لَهينامُ في بُرْده ذلك إذا نام .
وهذه القصة التي ذكرها ابنُ إسحاق قد رواها الواقدي بأسانيده عن عائشة وابن عباس وعليّ وسُراقة
ابن مالك بن جُعْثُم وغيرهم دخل حديثُ بعضهم في بعض فذكر نحو ما تقدَّمُ(١)
قال ابن إسحاق(٢) : فحدَّثني يزيد بن أبي زياد عن محمد بن كعب القُرَظي قال : لما اجتمعوا له
وفيهم أبو جهل قال - وهم على بابه - : إنَّ محمداً يزعم أنكم إنْ تابعتموه على أمره ، كنتم ملوكَ العرب
والعجم ، ثم بُعثتم من بعد موتكم ، فجُعلت لكم جنانٌ كجنانِ الأردُنّ ، وإنْ لم تفعلوا كان فيكم ذَبْح ، ثم
بُعثتم بعد موتكم ، ثم جُعلتْ لكم نارٌ تُحرَقون فيها .
قال: فخرج رسولُ اللهِوَ له فأخذ حَفْنَةً من تراب في يده ثم قال: (( نعم أنا أقول ذلك ، أنت أحدهم))
وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرَوْنَه ، فجعل ينثر ذلك الترابَ على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات
﴿بَسّ ﴿ وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ ﴿ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ جَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِ يهِمْ سَدًا
وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩] ولم يبق منهم رجلٌ إلا وقد وضع على رأسه تراباً ،
ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آتٍ ممن لم يكنْ معهم فقال : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا :
محمداً ، فقال : خيَّبَكم الله ، قد والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلاً إلا وقد وضع على رأسه
تراباً ، وانطلق لحاجته ! أفما ترَونَ ما بكم ؟ قال : فوضع كلُّ رجلٍ منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب ،
ثم جعلوا يتطلَّعون فيرَوْنَ عليّاً على الفراش متسجِّياً بِيُرْدِ رسولِ اللهِ وَله فيقولون: والله إنَّ هذا لمحمدٌ
نائماً ، عليه بُرْدُه ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام عليٍّ من الفراش فقالوا : والله لقد كان صدقنا
الذي كان حدَّثنا .
قال ابنُ إسحاق (٣): فكان مما أنزل الله في ذلك اليوم وما كانو أجمعوا له قولُه تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُبِكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقولُه:
: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نََّبَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ ﴿٣) قُلْ تَرَبِّصُواْ فَإِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَيِّصِينَ﴾ [ الطور: ٣٠ -٣١].
قال ابنُ إسحاق: فأذِنَ اللهُ لنبيه وَ ل ◌ِ عند ذلك بالهجرة.
(١) رواية الواقدي هذه وأسانيده في طبقات ابن سعد (١/ ٢٢٧) وما بعدها .
(٢) في سيرة ابن هشام (٤٨٣/١) والروض (٢٢٢/٢).
(٣) في سيرة ابن هشام (٤٨٤/١) والروض (٢/ ٢٢٣).

٤٤٠
باب هجرة رسول الله باخ
باب
هجرةِ رسولِ اللهِ لّهبنفسه الكريمة من مكةَ إلى المدينة
ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه
وذلك أولُ التاريخ الإسلامي كما اتفق عليه الصحابةُ في الدولة العُمَرية كما بيَّناه في سيرة عمر رضي
الله عنه وعنهم أجمعينُ(١)
قال البخاري(٢): حدَّثنا مَطَرَ بنُ الفَضْل، حدثنا روح ، حدثنا هشام ، حدثنا عكرمة عن ابن عباس ،
قال: بُعِثَ النبيُّ ◌ََّ لأربعينَ سنةً، فمكث بمكَّة٣ُ) ثلاثَ عشرةَ [ سنةً] يُوحى إليه، ثم أُمر بالهِجْرَة
فهاجر عشرَ سنينَ ، ومات وهو ابنُ ثلاثٍ وستينَ سنة .
وقد كانت هجرتُه عليه السلام في شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة من بعثته عليه السلام ، وذلك في
يوم الاثنين كما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس(٤) أنه قال : ولد نبيُّكم يوم الاثنين ، وخرج من مكة يوم
الاثنين ، ونُبَّىء يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين(٥)
قال محمد بن إسحاق(٦): وكان أبو بكر حين استأذنَ رسولَ الله ◌َّر في الهجرة فقال له : لا تعجَلْ
لعلَّ الله أن يجعلَ لك صاحباً؛ قد طمع بأن يكون رسولُ اللهِوَ ﴿ إنما يعني نفسَه، فابتاعَ راحلتَيْنِ فحبسهما
في داره يعلفهما إعداداً لذلك .
قال الواقدي (٧) : اشتراهما بثمانمئة درهم .
قال ابن إسحاق (٨): فحدَّثني مَنْ لا أَّهم عن عروة بن الزُّبير ، عن عائشة أمّ المؤمنين أنها قالت : كان
لا يخطىءُ رسولُ الله ◌ِ﴿ أن يأتيَ بيتَ أبي بكر أحدَ طرفي النهار، إمَّا بُكْرَة، وإمَّا عشِيَّة، حتى إذا كان
اليومُ الذي أَذِن الله فيه لرسوله في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظَهْرَيْ قومه، أتانا رسولُ اللهِّ
(١) أفرد المؤلف لعمر رضي الله عنه مصنفاً سمَّاه سيرة عمر، أشار إليه في ص (٢٣٠)، وذكر اتفاق الصحابة في الدولة
العمرية على التاريخ الهجري في ص (٤٧٨) من هذا الجزء .
في صحيحه ، فتح (٣٩٠٢) مناقب الأنصار باب هجرة النبي وَّه وما بين معقوفين منه.
(٢)
(٣)
في ط : فيها . بدل : بمكة ، وهو تصحيف ، والمثبت من ح والبخاري .
(٤)
مسند الإمام أحمد (٢٧٧/١) رقم (٢٥٠٦) .
لفظ ابن عباس في المسند هكذا : ولد النبي ◌َّه يوم الاثنين واستنبىء يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين، وخرج
(٥)
مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، وقدم المدينة يوم الاثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الاثنين . وتقدم
ص (٣٠) وإسناده ضعيف بطوله، ولبعض فقراته شواهد، وقد تقدم الكلام عليه صفحة (٣٠).
في سيرة ابن هشام (٤٨٤/١) والروض (٢٢٣/٢).
(٦)
(٧) قول الواقدي في طبقات ابن سعد (٢٢٨/١) وزاد: من نَعَم بني قُشير.
(٨) في سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٤) والروض (٢/ ٢٢٣).