Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله مخلل وهو كذبٌ مُفْتَرى ليس بصحيح. والقمر حين انشقّ لم يزايلِ السماء، غيرَ أنه حين أشار إليه النبيُّ رَل انشقَّ عن إشارته ، فصار فرقتَيْن ، فسارَت واحدة حتى صارت من وراء حِراء ، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه كما أخبر بذلك ابنُ مسعود أنه شاهد ذلك . وما وقع في رواية أنس في مسند أحمد(١) : فانشق القمر بمكة مرّتين فيه نظر ، والظاهر أنه أراد فرقتَيْن . والله أعلم . فصل وفاة أبي طالب عمِّ رسول الله وَل ثم من بعده خديجة بنت خُويلد زوجة رسولِ اللهِ وَّ﴿ ورضي الله عنها . وقيل: بل هي تُوفِيت قبله والمشهور الأول. وهما المُشْفِقان، هذا٢) في الظاهر وهذه في الباطن ؛ هذاك كافر ، وهذه مؤمنة صِدِّيقة رضي الله عنها وأرضاها . قال ابنُ إسحاق (٣): ثم إنَّ خديجة وأبا طالب هَلَكا في عام واحد، فتتابعَتْ على رسولِ اللهِ وَّل المصائب بهُلْكِ خديجة ، وكانت له وزيرَ صِدْق على الإسلامُ(٤) ، يسكنُ إليها ، وبهُلْكِ عمِّه أبي طالب ، وكان له عَضُداً وحِرْزاً في أمره ، ومَنَعةً وناصراً على قومه . وذلك قبلَ مُهَاجره إلى المدينة بثلاثٍ سنين ، فلما هَلَك أبو طالب، نالتْ قريش من رسولِ اللهِ لّه من الأذى ما لم تكنْ تطمَعُ به في حياة أبي طالب حتى اعترضَهُ سفيهٌ من سفهاء قريش ، فنثر على رأسه تُراباً . فحدَّثني هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : فدخل رسولُ اللهِ ◌ّه بيتَه والترابُ على رأسه، فقامتْ إليه إحدى بناته، فجعلتْ تغسلُه وتبكي، ورسولُ الله وَله لا يبكي يقول: ((لا تبكي يا بُنَّة، فإنَّ الله مانعٌ أباك)). ويقول بين ذلك: (( ما نالَتْني قريش شيئاً أكرهه(٥) حتى مات أبو طالب)). وذكر ابن إسحاق قبل ذلك: أنَّ أحدهم ربما طرح الأذى في بُرْمَتِهٍ(٦) وَلَهَ إذا نُصِبَتْ له . قال : فكان إذا فعلوا ذلك كما حدَّثني عمر بن عبد الله ، عن عروة ، يخرج بذلك الشيء على العود فيقذفه ، فيقف [ به ]٧) على بابه ثم يقول: (( يا بني عبد مناف، أيُّ جوارٍ هذا)) ؟! ثم يلقيه في الطريق. (١) هي الرواية المتقدمة (ص ٣٥٤) موضع الحاشية (٣). (٢) في ط : وهذان المشفقان هذا . والمثبت من ح . (٣) السير والمغازي (ص٢٤٣) وسيرة ابن هشام (٤١٦/١) والروض (١٦٦/٢). (٤) في ط : الابتلاء . والمثبت من ح ومصادر الخبر . (٥) في سيرة ابن هشام : ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه . وهو أشبه بالصواب . (٦) البُرْمَة : القدر . النهاية لابن الأثير . (٧) ما بين معقوفين من سيرة ابن هشام (٤١٦/١) . ٣٦٢ فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله م ل قال ابن إسحاق(١) : ولما اشتكى أبو طالب وبلغ قريشاً ثِقَلُه قالت قريش بعضُها لبعض : إنَّ حمزة وعمر قد أسلما ، وقد فَشَا أمْرُ محمدٍ في قبائل قريش كلَّها ، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فلْيأخُذْ لنا على ابنِ أخيه ولْيُعْطِهِ منَّا، فإنا والله ما نأمن أن يبتزُّونا أمْرَنا . قال ابن إسحاق : وحدثني العبّاسُ بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله ، عن ابن عباس قال : لما مشَوا إلى أبي طالب وكلَّموه - وهم أشراف قومه عتبة بن ربيعة ، وشَيْبَة بن ربيعة ، وأبو جهل بن هشام ، وأُميَّة بن خلف ، وأبو سفيان بن حَرْب ، في رجالٍ من أشرافهم - فقالوا : يا أبا طالب، إنك منَّاً حيثُ قد علمت ، وقد حضَرَك ما ترى وتخوَّفنا عليك وقد علمتَ الذي بيننا وبين ابنِ أخيك فادْعُه فخُذْ لنا منه وخذْ له منَّا ، ليكفَّ عنا ولنكفَّ عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه . فبعث إليه أبو طالب ، فجاءه فقال: يا ابن أخي، هؤلاء أشرافُ قومك قد اجتمعوا لك (٢)، ليعطوك وليأخذوا منك. قال: فقال رسولُ الله وَلّ : (( نعمُ(٣)، كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتَدينُ لكم بها العَجَم )» . فقال أبو جهل : نعم ، وأبيك وعشر كلمات. قال: (( تقولون لا إله إلا الله وتخلعونَ ما تعبدونَ من دونه)) . قال : فصفَّقوا بأيديهم ، ثم قالوا : يا محمد أتريدُ أن تجعلَ الآلهة إلَهاً واحداً ؟! إنَّ أمرك لعَجَب ! قال : ثم قال بعضُهم لبعض : إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئاً مما تريدون ، فانطلقوا وامضُوا على دينِ آبائكم حتى يحكم الله بنيكم وبينه ، ثم تفرقوا . قال: فقال أبو طالب: والله يا ابنَ أخي، ما رأيتك سألتَهم شَطَطا. قال: فطمع رسولُ الله ◌ِّ فيه(٤)، فجعل يقول له: ((أي عم، فأنتَ فقُلْها أستحلَّ لك بها الشفاعةَ يوم القيامة)) فلما رأى حِرْصَ رسول الله بَ لّ قال: يا ابن أخي، والله لولا مخافة السُّبَّة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظنَّ قُريش أني إنما قلتُها جَزعاً من الموت لقلتُها ، لا أقولُها إلا لأسُرَّك بها . قال : فلما تقارب من أبي طالب الموتُ نظر العباسُ إليه يحرِّك شفتَيْه ، فأصْغَى إليه بإذنه ، قال: فقال : يا ابنَ أخي ، والله لقد قال أخي الكلمةَ التي أمرتَهُ أنْ يقولَها. قال فقال رسولُ الله ◌َِّ: ((لم أسمَعْ (٥). (١) سيرة ابن هشام (١/ ٤١٧) والروض (١٦٦/٢). في ط : إليك ، والمثبت من ح ومصادر الخبر . (٢) (٣) في ط : يا عم ، والمثبت من ح ومصادر الخبر . في السيرة والروض : فلما قالها أبو طالب طمع رسول الله وَّر في إسلامه. (٤) (٥) قال السهيلي في الروض (٢/ ١٧٠) معلقاً على هذا الحديث: شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعدما أسلم لكانت مقبولة، ولم يرد بقوله ((لم أسمع)) لأن الشاهد العدْل إذا قال : سمعت وقال من هو أعدل منه : لم أسمع ، أَخذ بقول من أثبت السماع ، لأن عدم السماع يحتمل أسباباً منعت الشاهد من السمع ، ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم ، مع أن الصحيح من الأثر قد أثبت لأبي طالب الوفاة على الكفر والشرك وأثبت نزول هذه الآية فيه : ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وانظر ما نقله المؤلف عن السهيلي (ص٣٦٦ الآتية السطر الأول) . ٣٦٣ فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله بجدة قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط ﴿صَّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ ﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ﴾ [ص: ١ - ٢ ] الآيات . وقد تكلَّمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة . وقد استدلَّ بعضُ مَنْ ذهب من الشيعة وغيرُهم من الغُلاة إلى أنَّ أبا طالبٍ مات مسلماً بقولِ العباس في هذا الحديث : يا ابنَ أخي ، لقد قال أخي الكلمةَ التي أمرتَهُ أنْ يقولها - يعني لا إله إلا الله - والجواب عن هذا من وجوه . أحَدُها أنَّ في السَّنَدِ مُبْهَماً لا يُعرف حالُه، وهو قولُه: عن بعضِ أهلِه . وهذا إبهامٌ في الاسم والحال ، ومثله يتوقف فيه لو انفرد؛ وقد روى الإمام أحمد والنسائي وابنُ جرير(١) نحواً من هذا السياق من طريق أبي أسامة ، عن الأعمش ، حدثنا عبّاد٢) ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، فذكره ولم يذكر قولَ العباس . ورواه الثوري أيضاً عن الأعمش ، عن يحيى بن عمارة الكوفي ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره بغير زيادة قول العباس ، ورواه الترمذي وحسّنه والنسائي وابنُ جرير أيضاً(٣) . ولفظ الحديث من سياق البيهقي(٤) فيما رواه من طريق الثوري ، عن الأعمش ، عن يحيى بن عمارة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عبّاس، قال: مرض أبو طالب فجاءت قريش وجاء النبيُّ ◌ُّله وعند رأسٍ أبي طالب مَجْلسُ(٥) رجل ، فقام أبو جهل كي يمنعه ذاك . وشكَوْه إلى أبي طالب ، فقال : يا ابن أخي، ما تريدُ من قومك؟ فقال: (( يا عم إنما أريد منهم كلمةً تَذِلُّ لهم بها العرب ، وتؤدِّي إليهم بها الجزيةَ العجم، كلمة واحدة)). قال؛ ما هي؟ قال: ((لا إله إلا الله)) قال: فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الْأَلِهَةَ إِلَهَا وَجِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىْء ◌ُجَابٌ﴾ [ص: ٥] قال: ونزل فيهم ﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾ الآيات إلى قوله : ﴿إِلَّا أَخْتِلَقُ﴾ [ ص: ٧]. (١) مسند الإمام أحمد (٢٢٧/١) والنسائي في التفسير في سننه الكبرى (١١٤٣٧) وتفسير الطبري (١٢٥/٢٣) سورة ص . (٢) هكذا سماه أبو أسامة حماد بن أسامة، كما في رواية لأحمد (٢٢٨/١) والنسائي وابن جرير التي خرجت في الهامش السابق . وقد صَرَّح أحمد في موضع آخر (١/ ٣٦٢) أنه ابن جعفر. وسماه أبو أحمد الزبيري في روايته عن سفيان عن الأعمش : يحيى بن عباد (جامع الترمذي ٣٢٣٢)، وسماه يحيى بن سعيد في روايته عن سفيان عن الأعمش يحيى بن عمارة ، كما سيأتي . وهو مجهول بكل حال ، فقد تفرد الأعمش بالرواية عنه ، ولم يوثقه أحد . (بشار ) . (٣) جامع الترمذي في التفسير (٣٢٣٢) و(٣٢٣٢°م)، والنسائي في التفسير في الكبرى (١١٤٣٦)، وتفسير الطبري (١٢٥/٢٣). (بشار). (٤) في الدلائل (٣٤٥/٢)، وهو من رواية محمد بن عبد الله الأسدي عن سفيان. (٥) في ط : فجلس ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي . ٣٦٤ فصل وفاة أبي طالب عم رسول اللّه مخلية ثم قد عارضه - أعني سياقَ ابنِ إسحاق - ما هو أصحُ منه، وهو ما رواه البخاري قائه(١) : حدثنا محمود ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن الزُّهري ، عن ابن المُسَيِّب ، عن أبيه رضي الله عنه ، أنَّ أبا طالب لما حضرَتْهُ الوفاةُ دخلَ عليه النبيُّ بَّه وعنده أبو جهل، فقال: (( أيْ عم ، قُلْ لا إله إلا الله ، كلمةً أحاجُ لكَ بها عند الله)) . فقال أبو جهل وعبدُ الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، ترغب(٢) عن ملَّةِ عبدِ المطلب ؟ فلم يزالا يكلمانِهِ حتى قال آخر شيء(٣) كلمهم به: على مِلَّةِ عبدِ المطلب. فقال النبيُّ ◌َّدٍ: ((لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك)). فنزلت: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبِى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّبَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] ونزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص : ٥٦]. ورواه مسلم(٤) عن إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حُميد(٥) عن عبد الرزاق . وأخرجاه٦) أيضاً من حديث الزهري ، عن سعيد بن المسيِّب ، عن أبيه بنحوه ، وقال فيه : فلم يزَلْ رسولُ اللهِ وَِّ يعرضُها عليها ويَعُودان له بتلك المقالة (٧)، حتى قال آخرَ ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب. وأبَى أنْ يقول لا إله إلا الله؛ فقال النبيُّ مَلَهَ: ((أمَا [واللهِ] لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك )) . فأنزل الله - يعني بعد ذلك - ﴿ مَا كَانَ لِلنَِّيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] ونزل في أبي طالب ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِاَلْمُهْتَدِينَ ﴾ [ القصص: ٥٦]. وهكذا روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي(٨) والنسائي(٩) ، من حديث يزيد بن كَيْسَان ، عن (١) فتح الباري (٣٨٨٤) مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب. (٢) في ط : أترغب ، والمثبت من ح وصحيح البخاري . (٣) في ط : ما كلمهم . والمثبت من ح وصحيح البخاري . (٤) في صحيحه (٢٤) (٤٠) الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت . (٥) في ح سقط قوله : وعبد بن حميد عن ، وفي ط : إسحاق بن إبراهيم وعبد الله عن عبد الرزاق . والمثبت من صحيح مسلم . (٦) فتح الباري (١٣٦٠) الجنائز باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله، وصحيح مسلم (٢٤) (٣٩) الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت . وما سيأتي بين معقوفين منه . (٧) هذا لفظ البخاري ، أما لفظ مسلم فهكذا : ويُعيدُ له تلك المقالة. (٨) مسند أحمد (٤٣٤/٢ و٤٤١) وصحيح مسلم (٢٥) (٤١) و(٤٢) الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ، وجامع الترمذي (٣١٨٨) التفسير سورة القصص. وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣٤٥/٢) عن أحمد بن سلمة عن عبد الله بن هاشم عن أبي أسامة عن يزيد بن كيسان به . (٩) هكذا عزاه المصنف - إن صحت النسخ - إلى النسائي، وهو وهم منه أو من النساخ فإن النسائي لم يخرج هذا الحديث من طريق يزيد بن كيسان ، ولا ذكره المزي في التحفة (٩/ ٤٥١ حديث ١٣٤٤٢ بتحقيقنا). وقد أخرجه من طريق* ٣٦٥ فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله التالية: أبي حازم، عن أبي هريرة قال: لما حضرتْ وفاةُ أبي طالب أتاه رسولُ الله ◌ِّ فقال: (( يا عماه ، قُلْ لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة)) فقال: لولا أن تعيِّرَني قريش يقولون ما حمله عليه إلا جَزَع الموت لأقرَرْتُ بها عينَك ، ولا أقولُها إلا لأقرَّ بها عينك. فأنزل الله عزَّ وجل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [ القصص: ٥٦]. وهكذا قال عبد الله بن عباس وابنُ عمر ومجاهد والشعبي وقتادة : إنها نزلتْ في أبي طالب حين عَرَض عليه رسولُ اللهَ وَ ◌ّ ل أن يقول لا إله إلا الله فأبى أن يقولها، وقال: هو على مِلَّة الأشياخ. وكان آخر ما قال : هو على ملةِ عبد المطلب . ويؤكد هذا كلَّ ما قال البخاري(١): حدَّثنا مُسَدَّد، حذَّثنا يحيى، عن سفيان ، عن عبد الملك بن عُمير ، حدثنا عبد الله بن الحارث قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبيِّي ◌َّ: ما أغنيتَ عن عمِّك، فإنَّهُ كان يَخُوطُكَ ويَغْضَب لك (٢)؟ قال: (( هو في ضَحْضَاحٍ من نار ، ولولا أنا لكانَ في الدَّرْك الأسفل من النار)) . ورواه مسلم في صحيحه(٣) من طرق عن عبد الملك بن عُمير به . وأخرجاه في الصحيحَيْن(٤)، من حديث اللَّيث، حدثني ابنُ الهادِ عن عبد الله بن خَبَّاب ، عن أبي سعيدِ أنه سمع النبيَّ بِ ◌ُّ وذُكر عنده عمُّه فقال: ((لعله تنفَعُه شفاعتي يومَ القيامة، فيُجْعَل في ضَحْضاحٍ من النارِ يبلغُ كَعْبَيْهِ يَغْلي منهُ دماغُه )) . ( لفظ البخاري ) . وفي رواية٥ُ): (( يغلي منه أمُّ دِماغِهِ » . وروى مسلم(٦) عن أبي بكر بن أبي شَيْبَة، عن عفَّان، عن حمَّاد بن سَلَمة ، عن ثابت ، عن أبي عثمان، عن ابنِ عباس ، أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّه قال: ((أَهْوَنُ أهْلِ النارِ عذاباً أبو طالب، مُنْتَعِلٌ بنعلَيْن(٧) يَغْلِي منهما دماغُه )) . يزيد: الطبري في تفسيره (٩٢/٢٠)، وابن حبان (٦٢٧٠)، وابن مندة في الإيمان (٣٨) و(٣٩)، والواحدي في = أسباب النزول (٢٢٨) إضافة إلى من ذكروا في الهامش السابق . ( بشار). (١) فتح الباري (٣٨٨٣) مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب. (٢) في هامش ح : لغضبك . وسقطت : لك من المتن . (٣) صحيح مسلم (٢٠٩) (٣٥٧) الإيمان باب شفاعة النبي ◌َّ لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه. (٤) فتح الباري (٣٨٨٥) مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب، وصحيح مسلم (٢١٠) (٣٦٠) الإيمان باب شفاعة النبي وتبيّ لأبي طالب والتخفيف عنه . هي رواية البخاري ، فتح (٦٥٦٤) الرقاق باب صفة الجنة والنار . (٥) (٦) فى صحيحه (٢١٢) (٣٦٢) الإيمان باب أهون أهل النار عذاباً. (٧) زادت ط : من نار . وليست هذه الزيادة في ح ولا في صحيح مسلم. أقول : وإنما هي عند أحمد (٧٨/٣) رقم (١١٦٧٨) وهي زيادة صحيحة. ٣٦٦ فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله بايثمن وفي مغازي يونس بن بكير(١): (( يغلي منهما دماغه حتى يسيل على قدميه)). ذكره السُّهيلي(٢). وقال الحافظ أبو بكر البزَّار في ((مسنده(٣) حدَّثنا عمر(٤) - هو ابن إسماعيل بن مُجَالد - حدَّثنا أبي عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر ، قال: سُئل رسولُ الله ◌َّه - أو قيل له - هل نفعتَ أبا طالب ؟ قال: ((أخرجتُه من النار إلى ضَحْضَاحٍ منها)). تفرَّد به البزَّار . قال السُّهيلي(٥): وإنما لم يقبلِ النبيُّ وَ﴿ شهادةَ العباس أخيه أنه قال الكلمة وقال: ((لم أسمع)) لأنَّ العباس كان إذْ ذاك كافراً غيرَ مقبول الشهادة . قلت : وعندي أنَّ الخبر بذلك ما صحَّ لضعفِ سنده كما تقدَّم. ومما يدلُّ على ذلك أنه سأل النبيَّ ◌ِله بعد ذلك عن أبي طالب فذكر له ما تقدَّم ، وبتعليل صحته لعله قال ذلك عند معاينة الملك بعد الغرغرة حين لا ينفعُ نفساً إيمانُها ، والله أعلم . وقال أبو داود الطيالسي(٦): حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعتُ ناجية بن كعب يقول : سمعت(٧) عليّاً يقول: لما تُوفي أبي أتيتُ رسولَ اللهِوَ له فقلت: إنَّ عمَّك قد توفي. فقال: ((اذهبْ فَوارِهِ )) فقلت: إنَّه مات مشركاً. فقال: ((اذهبْ فوارِه ، ولا تحدثنَّ شيئاً حتى تأتِيَني(٨))) . ففعلتُ ثم أتيتُه ، فأمرني أنْ أغتسل . ورواه النسائي (٩)، عن محمد بن المثنى، عن غُنْدَرُ(١٠) ، عن شعبة . ورواه أبو داود والنسائي (١١) من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن ناجيةَ، عن علي: لما ماتَ أبو طالب قلت: يا رسول الله، إنَّ عمَّك الشيخَ الضَّالَّ قد مات فَمَنْ يُواريه؟ قال: ((اذْهَبْ فوارٍ أباك، (١) السير والمغازي (ص٢٣٩) ولفظه: يغلي من وهجهما دماغه حتى يسيل على قوائمه. (٢) في الروض (٢/ ١٧٠). (٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٩٥/١٠) وقال : رواه البزار ، وفيه من لم أعرفه. في ط : عمرو ، تصحيف ، والمثبت من ح وترجمته في تهذيب الكمال (٢٧٤/٢١) . (٤) (٥) في الروض (١٧٠/٢). (٦) في مسنده (١٢٠) . (٧) في مسند الطيالسي : شهدت . في ط : تأتي ، والمثبت من ح ومسند الطيالسي . (٩) في السنن (١٩٠) الطهارة باب الغسل من مواراة المشرك . أقول : وهو حديث صحيح. (٨) (١٠) في سنن النسائي : عن محمد . قلت : محمد هو ابن جعفر يعرف بغندر . ترجمته في التهذيب . (١١) سنن أبي داود (٣٢١٤) الجنائز باب الرجل يموت له قرابة مشرك، وسنن النسائي (٢٠٠٦) الجنائز باب مواراة المشرك . أقول : وهو حديث صحيح . ٣٦٧ فصل وفاة أبي طالب عم رسول الله الخطا: ولا تحدثَنَّ شيئاً حتى تأتيني)) فأتيتُهُ(١)، فأمرني فاغتسلت، ثم دعا لي (٢) بدعواتٍ ما يسرُّني أنَّ لي بهنَّ ما على الأرض من شيء . وقال الحافظ البيهقي(٣): أخبرنا أبو سعد الماليني، حدَّثنا أبو أحمد بن عديّ، حدَّثنا محمد بن هارون بن حُميد، حدَّثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة ، حدَّثنا الفضل ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن ابن جُرَيج ، عن عطاء، عن ابن عباس: أنَّ النبيَّ ◌َّ عارَضُ(٤) جنازة أبي طالب فقال: ((وصلَتْكَ رَحِم، وجُزيتَ خيراً يا عم )) . قال: وروي عن أبي اليمَان الهوزني، عن النبيِ وَّهِ مرسلاً وزاد: ((ولم يقُمْ على قبره)). قال: وإبراهيم بن عبد الرحمن هذا هو الخُوَارَزْمي تكلَّموا فيه . قلت : قد روى عنه غيرُ واحدٍ ، منهم الفضل بن موسى السِّينَاني(٥) ومحمد بن سلام البِيكَنْدي ، ومع هذا قال ابنُ عديٌ(٦) : ليس بمعروف ، وأحاديثه عن كل مَنْ روى عنه ليست بمستقيمة . وقد قدَّمنا ما كان يتعاطاهُ أبو طالب من المحاماة والمُحَاجَّة والممانعة عن رسولِ الله ◌ِّ والدفعِ عنه وعن أصحابه ، وما قاله فيه من الممادح والثناء ، وما أظهره له ولأصحابه من المودّة والمحبّة والشفقة في أشعاره التي أسلفناها ، وما تضمنَتْه من العَيْب والتنقُّصِ لمن خالفه وكذَّبه بتلك العبارة الفصيحة البليغة الهاشمية المطلبية ، التي لا تُدانى ولا تُسامَى ولا يمكن عربياً مقاربتُها ولا معارضتُها ، وهو في ذلك كلّه يعلم أنَّ رسول الله وَّةٍ صادقٌ بارزٌّ راشد، ولكنْ مع هذا لم يؤمنْ قلبُه. وفرَّق بين علم القلب وتصديقه كما قرَّرْنا ذلك في شرح كتابِ الإيمان من صحيح البخاري ؛ وشاهدُ ذلك قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ١٤٦] وقال تعالى في قوم فرعون : ﴿ وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنَزَلَ هَؤُلَاءٍ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] وقولُ بعضِ السلف في قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ عَنَّةٌ﴾ [الأنعام: ٢٦] أنها نزلتْ في أبي طالب حيث كان يَنْهَى الناسَ عن أذيَّة رسولِ اللهِ ◌ّلَّ وَيَنْأَى هو عمَّا جاء به الرسولُ من الهُدَى ودينِ الحق . فقد رُوي عن ابنِ عباس، والقاسم بن (١) كذا في ح، ط ، وفي سنن النسائي: فواريته ثم جئت فأمرني .. وفي سنن أبي داود : فذهبت فواريته وجئته فأمرني . (٢) إلى هنا في سنن أبي داود والنسائي ، وزاد النسائي قوله: وذكر دعاءً لم أحفظه . (٣) في الدلائل (٣٤٩/٢) . (٤) في ط : عاد من . وهو تصحيف ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي . (٥) نسبة إلى سينان إحدى قرى مرو كما في اللباب (١٦٩/٢)، ووقع في ح: الشيباني. تصحيف ، وترجمته في سير أعلام النبلاء (٩/ ١٠٣). (٦) الكامل لابن عدي (٢٥٩/١). ٣٦٨ فصل في موت خديجة بنت خويلد مُخَيْمرة ، وحبيب بن أبي ثابت ، وعطاء بن دينار ، ومحمد بن كعب ، وغيرهم ، ففيه نظر. والله أعلم . والأظهر والله أعلم الرواية الأخرى عن ابن عباس ؛ وهم ينهَوْنَ الناس عن محمد أن يؤمنوا به . وبهذا قال مجاهد وقتادة والضخّاك وغير واحد - وهو اختيارُ ابنِ جرير - وتوجيهه أن هذا الكلام سيق لتمام ذمّ المشركين حيث كانوا يصدُّون الناسَ عن اتِّباعه ولا ينتفعون هم أيضاً به . ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيِّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ بِأَ حََّ إِذَا جَاءُ وَ يُحَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ (٢٠) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْثَوْنَ عَنْدٌ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٥ ,٢٦] وهذا اللفظ وهو قوله ﴿وَهُمْ﴾ يدلُّ على أنَّ المراد بهذا جماعة ، وهم المذكورونَ في سياقِ الكلام في قوله : ﴿ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [ الأنعام: ٢٦] يدلُّ على تمام الذَّم. وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة، بل كان يصُدُّ الناسَ عن أذيّةِ رسولِ الله ◌ِله وأصحابِه بكلِّ مَا يقدِرُ عليه من فعالٍ ومقال ، ونفسٍ ومال . ولكنْ مع هذا لم يقدِّرِ الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة العظيمة ، والحُجَّة القاطعة البالغة الدامغة التي يجب الإيمان بها والتسليم لها ، ولولا ما نهانا اللهُ عنه من الاستغفار للمشركينَ لاستغفرْنا لأبي طالب وترخَّمنا عليه . فصل في موت(١) خديجة بنت خُوَيْلِد وذكرِ شيءٍ من فضائلها ومناقبها رضي الله عنها وأرضاها ، وجعل جناتِ الفردوس مُنْقَلَبَها ومَثْواها . وقد فعل ذلك لا محالةَ بخبرِ الصادقِ المصدوق حيث بشَّرَها ببيتٍ في الجنَّة من قصَب ، لا صَخَبَ فيه ولا نصَب . قال يعقوب بن سفيان(٢): حدَّثنا أبو صالح ، حدَّثنا الليث ، حدَّثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : قال عروة بن الزُّبير : وقد كانت خديجةُ توفِّيت قبل أنْ تُفرض الصلاة . ثمّ روى من وجهٍ آخر عن الزُّهْرِي أنه قال: توقّيت خديجة بمكة قبل خروج رسولِ الله ◌ِيّة إلى المدينة ، وقبل أنْ تفرض الصلاة . وقال محمد بن إسحاق(٣) : ماتتْ خديجةُ وأبوطالب في عام واحد . وقال البيهقي (٤) : بلغني أنَّ خديجة توفيت بعد موتِ أبي طالب بثلاثة أيام . ذكره أبو عبد الله بن مَنْدَه (١) في ح : وفاة . (٢) في المعرفة والتاريخ (٢٥٥/٣) وهو من الجزء المفقود نقله المحقق من هنا. (٣) السير والمغازي (ص ٢٤٣) وسيرة ابن هشام (٤١٦/١) والروض (١٦٦/٢). (٤) في دلائل النبوة (٢/ ٣٥٢). ٣٦٩ فصل في موت خديجة بنت خويلد في كتاب المعرفة (١) ، وشيخنا أبو عبد الله الحافظ . قال البيهقي (٢): وزعم الواقدي أنَّ خديجة وأبا طالب ماتا قبل الهجرة بثلاث سنين عامَ خرجوا من الشّعْب، وأنَّ خديجة توفيتْ قبل أبي طالب بخمسٍ وثلاثين ليلة . قلت : مرادُهم قبل أن تُفرض الصلواتُ الخمس ليلةَ الإسراء ، وكان الأنسب بنا أن نذكرَ وفاةً أبي طالب وخديجة قبلَ الإسراء كما ذكرَهُ البيهقي وغير واحد ، ولكنْ أخَّرْنا ذلك عن الإسراء ، لمقصدٍ ستطلع عليه بعد ذلك ، فإنَّ الكلام به ينتظم ، ويتسق الباب كما تقفُ على ذلك إنْ شاء الله(٣). وقال البخاري(٤): حدّثنا قتيبة، حدَّثنا محمد بن فُضيل بن غَزْوان، عن عُمارة عن أبي زُرعة ، عن أبي هريرة، قال: أتى جبريل إلى رسولِ الله ◌ِ لَّ فقال: يا رسولَ الله، هذه خديجةُ قد أتتْ معها إناءٌ فيه إدامٌ - أو طعامٌ أو شراب - فإذا هي أتَتْك فاقرَأُ عليها السلام من ربِّها ومنِّي ، وبشِّرْها ببيتٍ في الجنَّة من قَصَب ، لا صَخَب فيه ولا نَصَب . وقد رواه مسلمُ(٥) من حديث محمد بن فُضَيل به . وقال البخاري(٦): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا يحيى، عن إسماعيل قال: قلتُ لعبد الله بن أبي أوْفَى: بشَّرَ النبيُّ بِّ خديجة؟ قال: نعم ، ببيتٍ من قَصَب ، لا صَخَبَ فيهِ ولا نَصَب . ورواه البخاري أيضاً ومسلم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به(٧) . قال السهيلي(٨): وإنما بشَّرها ببيتٍ في الجنة من قصَب ـ يعني قصَبَ اللُّؤلؤ - لأنها حازَتْ قَصْبَ الشَّبَق إلى الإيمان، لا صَخَب فيه ولا نصَب، لأنها لم ترفع صوتَها على النبيِوََّ، ولم تُتْعِبْهُ يوماً من الدَّهْر ، فلم تصخَبْ عليه يوماً ، ولا آذته أبداً . وأخرجاه في الصحيحَيْن(٩) من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أنها (١) يعني كتاب معرفة الصحابة، منه نسخة خطية في الظاهرية رقم ٣٤٤ حديث. (٢) في دلائل النبوة (٢/ ٣٥٣) بنحوه. (٣) العبارة في ح هكذا : لمقصدٍ سيُطّلع عليه بعد ذلك، فإن الكلام ينتظم ، ويتسق السياق . (٤) فتح الباري (٣٨٢٠) مناقب الأنصار باب تزويج النبي ◌َّ خديجة . صحيح مسلم (٢٤٣٢) (٧١) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين . (٥) (٦) فتح الباري (٣٨١٩) مناقب الأنصار باب تزويج النبي مَ ﴾ خديجة . (٧) فتح الباري (١٧٩٢) العمرة باب متى يحل المعتمر ، وصحيح مسلم (٢٤٣٣) (٧٢) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين . (٨) في الروض (٢٧٩/١) بنحوه . (٩) فتح الباري (٣٨١٦) مناقب الأنصار باب تزويج النبي وَّر خديجة، وصحيح مسلم (٢٤٣٥) (٧٤) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين . ٣٧٠ فصل في موت خديجة بنت خويلد قالت: ما غِرْتُ على امرأةٍ للنبيِمَّه ما غرتُ على خَدِيجة، وهلكَتْ قبل أن يتزوَّجني - لِمَا كنتُ أسمعهُ يذكرُها، وأمرَهُ اللهُ أنْ يُبَشِّرَها ببيتٍ(١) من قصب. وإنْ كان ليذبَحُ الشاةَ فيُهْدِي في خلائلها منها ما يسَعُهنّ . ( لفظ البخاري ) . وفي لفظ٢ٍ) عن عائشة : ما غِرْتُ على امرأةٍ ما غرْتُ على خديجة من كثرة ذِكْرِ رسولِ الله ◌ِّ إياها . قالت : وتزوَّجني بعدها بثلاثِ سنين ، وأمرَهُ ربُّه - أو جبريل - أن يُبشّرَها ببيتٍ في الجنَّة من قصَب . وفي لفظٍ له (٣) قالت: ما غِرتُ على أحدٍ من نساء النبيِّ وََّما غرتُ على خديجة - وما رأيتُها - ولكنْ كان [النبيُّ وَ لَ] يُكثر ذكْرَها، وربما ذبح الشاةَ فيقطّعها أعضاءً ثم يبعثها في صدائقِ خديجة ، فربما قلت [ له ]: كأنه لم يكن في الدنيا امرأةٌ إلا خديجة! فيقول: ((إنها كانت وكانت، وكان لي منها وَلَد )) . ثم قال البخاري : حدثنا إسماعيل بن خليل ، أخبرنا عليٍّ بن مُسْهِر عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذنَت هالَةُ بنتُ خُويلد : - أخت خديجة - على رسولِ اللهِوَّ فِعَرَفَ استئذانَ خديجة، فارتاعَ [ لذلك ] فقال: (( اللهمَّ هالة)) . فغِرْتُ فقلت ما تذكرُ من عجوزٍ من عجائز قريش ، حمراء الشِّدْقين هلكَتْ في الدهر ، أبدلك اللهُ خيراً منها . وهكذا رواه مسلمٌ(٤) عن سُويد بن سعيد ، عن عليٍّ بن مُسْهِر به . وهذا ظاهرٌ في التقريرِ على أنَّ عائشةَ خيرٌ من خديجة، إمَّا فضلاً وإما عِشْرَةً . إذْ لم يُنكرْ عليها ولا ردَّ عليها ذلك ، كما هو ظاهرُ سياقِ البخاري رحمه الله ولكن قال الإمام أحمد(٥) : حدَّثنا مؤمّل أبو عبد الرحمن ، حدَّثنا حماد بن سلمة ، عن عبد الملك ـــ هو ابنُ عُمير - عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت : ذَكَرَ رسولُ الله ◌ِلَّهَ يوماً خديجةَ فأطنبَ في الثناء عليها ، فأدركني ما يُدركُ النساءَ من الغيرة ، فقلت : لقد أعقبكَ اللهُ يا رسول الله، من عجوزٍ من عجائزِ قريش حمراء الشدقين . قال: فتغيَّرَ وجْهُ رسولِ الله ◌ِّل تغيُّراً لم أرَهُ تغيَّر عند شيءٍ قط إلا عند نزول الوَحْي، أو عند المَخِيله٦ُ) حتى يعلم ، رحمةٌ أو عذاب(٧) وكذا رواهُ عن بَهْزِ بن أسد وعقَّال(٨) بن مسلم، كلاهما عن حمَّاد بن سَلَمَة، عن عبد الملك بن (١) زادت ط هنا: في الجنة. وليست هذه الزيادة في ح ولا في صحيح البخاري في هذه الرواية . هي الرواية التالية للرواية السابقة رقم (٣٨١٧) في صحيح البخاري . (٢) (٣) يعني للبخاري وهي الرواية التالية للرواية السابقة رقم (٣٨١٨). وما يأتي بين معقوفين منه. في صحيحه (٢٤٣٧) (٧٨) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين . (٤) (٦) ((المخيلة)): السحابة التي تحسبها ماطرة، أو هي الخليقة بالمطر. النهاية والقاموس ( خيل). (٥) في المسند (٦/ ١٥٤). (٧) يعني أهي رحمةً أو عذاب ؛ ووقعت في ط : عذاباً بالنصب خطأ ، والمثبت من ح ومسند أحمد . (٨) في ط : عثمان، تصحيف ، والمثبت من ح ومسند أحمد وترجمته في تهذيب التهذيب . ٣٧١ فصل في موت خديجة بنت خويلد عُمير به . وزاد بعد قوله : حمراء الشدقَيْن ؛ هلكتْ في الدهر الأول . قال : فتمعَّرَ وجهُه تمتُّراً ما كنتُ أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة ، حتى ينظر ، أرحمةٌ أو عذاب . تفرَّد به أحمد . وهذا إسنادٌ جَيِّد . وقال الإمام أحمد(١) أيضاً عن [ علي ] بن إسحاق أخبرنا عبد الله [ قال ] : أخبرنا مجالد عن الشعبي ، عن مسروق، عن عائشة، قالت: كان النبيُّ ◌َّ إذا ذكرَ خديجةَ أَثْنَى عليها بأحسنُ(٢) الثناء . قالت : فغِرْتُ يوماً فقلت : ما أكثرَ ما تذكرُها حمراء الشدقين(٣) قد أبدلك الله خيراً منها . قال : (( ما أبدلني اللهُ خيراً منها ، قد آمنتْ بي إذْ كَفَرَ بي الناس، وصدَّقَتْني إذْ كذَّبني الناس ، وواستني(٤) بمالها إذْ حرَمني الناس ، ورزقني الله ولدها إذْ حرمني أولادَ النساء ». تفرَّد به أحمد أيضاً ، وإسنادهُ لا بأس به ، ومجالد روى له مسلم متابعةً ، وفيه كلامٌ مشهور ، والله أعلم. ولعل هذا أعني قوله: ((ورزقني الله ولدَها إذْ حرمني أولاد النساء)) كان قبل أن يُولد إبراهيم بنُ النبِّ ◌َّةَ مِن مَاريَة، وقبل مَقْدَمها بالكلِّيَّة، وهذا متعيِّن، فإنَّ جميع أولادِ النبيِّ ◌َ لل كما تقدَّم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فإنَّهُ من ماريَةَ القبطيَّة المصرية رضي الله عنها . وقد استدلَّ بهذا الحديث جماعةٌ من أهل العلم على تفضيل خديجةَ على عائشة رضي الله عنها وأرضاها . وتكلَّم آخرون في إسناده ، وتأوَّله آخرون على أنها كانتْ خيراً عشرةً ، وهو محتملٌ أو ظاهر . وسببه أنَّ عائشة تمَّت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها ، وليس مرادها بقولها : قد أبدلك الله خيراً منها أنها تزكِّي نفسها وتفضِّلها على خديجة، فإنَّ هذا أمرٌ مَرْجِعه إلى الله عزَّ وجلَّ كما قال: ﴿ فَلَا تُرَّكُواْ أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَ﴾ [النجم: ٣٢] وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَّكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَّكِ مَن يَشَآءُ ﴾ [ النساء: ٤٩] الآية . وهذه مسألةٌ وقع النزاعُ فيها بين العلماء قديماً وحديثاً وبجانبها طرقٌ يقتصر عليها أهل التشيُّع وغيرهم ، لا يعدِلون بخديجةَ أحداً من النساء ، لسلام الربِّ عليها ، وكونٍ ولدِ النبيِّ يَّ جميعهم - إلا إبراهيم - منها . وكونِه لم يتزوَّج عليها حتى ماتتْ إكراماً لها، وتقدُّمُ(٥) إسلامها، وكونها من الصدِّيقات، ولها مقامُ صدْقٍ في أول البِعْثَة. وبذلَتْ نفسَها ومالَها لرسولِ الله وَلَه . وأمَّا أهلُ السُّنَّةَ ، فمنهم من يَغْلُو أيضاً ويُثبتُ لكلِّ واحدة منهما من الفضائل ما هو معروف ، ولكنْ (١) في المسند (٦/ ١١٧، ١١٨) وما بين معقوفين منه. (٢) في المسند : فأحسن . (٣) في المسند : الشدق . (٤) في ط : وآستني . وكلاهما بمعنى ، والمثبت من ح والمسند . (٥) في ط : وتقدير . والمثبت من ح . ٣٧٢ فصل في موت خديجة بنت خويلد تحمِلُهم قوةُ التسنُّن على تفضيلِ عائشةَ لكونها ابنةَ الصدِّيق ، ولكونها أعلمَ من خديجة فإنه لم يكنْ في الأُمم مثل عائشة في حفظِها وعلمِها وفصاحتها وعقلِها ، ولم يكنِ الرسولُ يحبُّ أحداً من نسائه كمحيَّتِه إِيَّاها ، ونزلَتْ براءتُها من فوق سبع سموات، وروَتْ بعده عنه عليه السلام علماً جمَّاً كثيراً طيِّياً مباركاً فيه ، حتى قد ذكر كثيرٌ من الناس الحَديثَ المشهور (( خُذُوا شَطْرَ دينِكُمْ عنِ الحُمَيْرَاء(١) . والحق أنَّ كلّ منهما لها من الفضائل(٢) ما لو نظر الناظرُ فيه لبَهَرَهُ وحَيَّرَهُ، والأحسن التوقُّف في ذلك وردُ علم ذلك إلى الله عزَّ وجل . ومن ظهر له دليلٌ يقطَعُ به ، أو يغلِبُ على ظنِّ في هذا الباب ، فذاك الذي يجبُ عليه أن يقول بما عنده من العلم ، ومن حصل له توقُّفٌ في هذه المسألة أو في غيرها فالطريقُ الأقوم والمسلك الأسلم أن يقول : الله أعلم . وقد روى الإمامُ أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي(٣) من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌ُ له: «خيرُ نسائِها مريم بنتُ عمران ، وخير نسائها خديجةُ بنتُ خويلد)) أي : خير زمانهما٤) وروى شعبة عن معاوية بن قرة، عن أبيه قرة بن إياس رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِوَ الَ: «كَمَلَ من الرجال كثير، ولم يكمُلْ من النساء إلا°) ثلاث : مريم بنت عمران ، وآسية امرأةُ فرعون ، وخديجة بنت خُويلد ؛ وفضلُ عائشة على النساء كفضل الثَّريد على سائرِ الطعام)) . رواه ابن مردويه في تفسيره. وهذا إسنادٌ صحيح إلى شعبة وبعده. قالوا : والقَدْر المشترك بين الثلاث نسوة ؛ آسية ومريم وخديجة ، أنَّ كلَّ منهن كفَلَتْ نبيّاً مرسلاً وأحسنتِ الصُّحْبة في كفالتها وصدَّقَتْه . فَآسيةُ ربَتْ موسى وأحسنتْ إليه ، وصدَّقَتْه حين بُعث؛ ومريم كفَلَتْ ولدَها أتمَّ كفالة وأعظمَها ، وصدَّقته حين أرسل؛ وخديجة رَغِبتْ في تزويجِ رسولِ الله ◌ِّه بها وبذلَتْ في ذلك أموالها كما تقدَّم وصدَّقته حين نَزل عليه الوَحْي من الله عزَّ وجلَّ. وقوله (( وفضل عائشة على النساءِ كفضلِ الثريدِ على سائرِ الطعام)» هو ثابتٌ في الصحيحَيْنُ(٦) من طريق شعبة أيضاً عن عمرو بن مُرَّة ، عن مرَّة الطيِّب الهَمْدَاني ، عن أبي موسى (١) حديث غريب جداً بل هو منكر ، قال الذهبي : هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد . كشف الخفا (٤٤٩/١) . (٢) في ح : والحق أن لكل منهما فضائل . (٣) مسند الإمام أحمد (٨٤/١) وفتح الباري (٣٨١٥) مناقب الأنصار باب تزويج النبي وَ ل خديجة، وصحيح مسلم (٦٩ - ٢٤٣٠) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين ، وسنن الترمذي (٣٨٧٧) المناقب باب فضل خديجة رضي الله عنها ، وهو في السنن الكبرى (٨٣٥٤). (٤) قال القرطبي : الضمير عائد على غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة ، يعني به الدنيا . وقال الطيبي: الضمير الأول يعود على الأمة التي كانت فيها مريم والثاني على هذه الأمة . فتح الباري (٧/ ١٣٥). (٥) في ح : غير ثلاث . (٦) فتح الباري (٣٤١١) أحاديث الأنبياء باب قول الله تعالى ﴿وَضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [التحريم: ١١]،= ٣٧٣ فصل بتزويجه الة بعد خديجة بعائشة وسودة الأشعري قال: قال رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ: ((كَمَلَ من الرجالِ كثير، ولم يَكْمُلْ من النساءِ إلا آسِيَةُ امرأةٌ فِرْعَون ، ومريمُ بنتُ عمران ؛ وإنَّ فضلَ عائشة على النساءِ كفضْل الثريدِ على سائر الطعام )» والثَّريد : هو الخبز واللَّحْم جميعاً ، وهو أفخر طعامِ العَرَب كما قال بعضُ الشعراء : إذا ما الخبزُ تَأْدِمُهُ بلحْمٍ فذاكَ ، أمانة الله ، الثريدُ ويحتمل(١) قوله: ((وفضلُ عائشةَ على النساءِ)) أنْ يكون عام٢ٌّ) فيعم النساء المذكورات وغيرَهنَّ ، ويحتمل أن يكون مخصوصا٣ً) فيما عداهن ، ويَبْقى الكلامُ فيها وفيهنّ موقوفاً يحتملُ التسوية بينهن ، فيحتاج من رجَّح واحدةً منهنّ على غيرِها إلى دليلٍ خارجُ(٤) ، والله أعلم . فصل في تزويجه وَ له بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زَمَعَة رضي الله عنها والصحيح أنَّ عائشةَ تزوَّجها أولاً كما سيأتي، قال البخاري في تزويج عائشةُ(6): حدَّثنا مُعَلَّى بنُ أسد، حدَّثنا وُهيب عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النبيَّ مَّ قال لها : (( أُريتكِ في المنام مرَتَيْن، أرَى أنَّكِ فِي سَرَقَةٍ من حَرِير(٦) ، ويقول : هذه امرأتك ، فاكشفْ عنها ، فإذا هي أنتِ ، فأقول: إن كان(٧) هذا من عند الله يُمْضِه)) . قال البخاري باب نكاح الأبكار(٨): وقال ابنُ أبي مليكة: قال ابنُ عباس لعائشة: لم ينكحِ النبيُّلِّل بكراً غيرَكِ: حدَّث(٩) إسماعيل بن عبد الله، حدَّثني أخيٌ (١) ، عن سليمان بن بلال ، عن هشام بن وصحيح مسلم (٢٤٣١) (٧٠) فضائل الصحابة باب فضائل خديجة أم المؤمنين . (١) في ط : ويحمل والمثبت من ح . (٢) في ط : محفوظاً فيعم ، والمثبت من ح . (٣) في ط : عاماً فيما ، والمثبت من ح . (٤) ((الخارج)): الظاهر المحسوس. وفي ط : من خارج . والمثبت من ح . (٥) فتح الباري (٣٨٩٥) مناقب الأنصار باب تزويج النبي مية عائشة . (٦) سَرَقة: أي قطعة، أي يريه صورتها. ( فتح الباري ٧/ ٢٢٤) . (٧) في صحيح البخاري : إن يك ، وفي رواية له : إن يكن . فتح الباري (١٢٠/٩) النكاح باب نكاح الأبكار - في أول الباب، وهو طرفٌ من حديث وصله البخاري في تفسير (٨) سورة النور . قاله ابن حجر في الفتح . (٩) هنا يبدأ الحديث رقم (٥٠٧٧) في الموضع المشار إليه في الحاشية السابقة . (١٠) هو عبد الحميد . قاله ابن حجر في الفتح . ٣٧٤ فصل بتزويجه مي بعد خديجة بعائشة وسودة عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : قلتُ يا رسولَ الله : أرأيتَ لو نزلتَ وادياً وفيه شجرةٌ قد أُكل منها ، ووجدتَ شجرةً لم يُؤكلْ منها ، في أيُّها كنتَ تُرْتِعُ بعيرك؟ قال: ((في التي لم يرتَعْ منها)) تعني(١) أنَّ النبيَّ وَّه لم يتزوَّجْ بكراً غيرها . انفرد به البخاري ثم قال(٢): حدَّثنا عبيد بنُ إسماعيل، حدَّثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة، قالت: قال لي رسولُ الله وََّ (( أُريتك في المنام [ مرّتين، إذا رجلٌ يحملك في سرَقَةٍ من حرير ، فيقول : هذه امرأتك . فأكشفُها فإذا هي أنتِ ، فأقول: إنْ كانٌ(٣) هذا من عند الله يُمضِه )). ورواه مسلم(٤) من طريق هشام بن عروة به . ورواه البخاري في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج(٥): حدَّثنا مُسَدَّد، حدَّثنا حماد بن زيد ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله وَ له: ((أُريتُكِ في المنام ]٦) يَجِيء(٧) بكِ الملَكُ فِي سَرَقةٍ من حَرير فقال لي : هذه امرأتُك . فكشفتُ عن وجهكِ الثوبَ فإذا أنتِ هي(٨) ، فقلت إنْ يكُ (٩) هذا من عند الله يُمْضِه)) . وفي روايةٌ (١): (( أُرِيتُكِ في المنام ثلاثَ ليالٍ)). وعند الترمذيُ(١١): أنَّ جبريلَ جاءَهُ بصورتِها في خِرْقَةٍ من حَرير خَضْرَاء فقال : هذه زوجتُك في الدنيا والآخرة . وقال البخاري باب تزويج الصغار من الكبار(١٢): حدَّثنا عبد الله بن يوسف ، حدَّثنا الليث عن یزید ، (١) في الفتح : يعني. (٢) في صحيحه فتح (٥٠٧٨) النكاح باب نكاح الأبكار . (٣) في صحيح البخاري : إن يكن . في صحيحه (٢٤٣٨) (٧٩) فضائل الصحابة باب في فضل عائشة . (٤) فتح الباري (٥١٢٥) النكاح باب النظر إلى المرأة قبل التزويج . (٥) (٦) ما بين المعقوفين سقط من ط وهو مثبت في ح . (٧) في ط : فيجيء ، والمثبت من ح وصحيح البخاري . (٨) في ح : فإذا هي أنت . والمثبت من ط وصحيح البخاري . (٩) في ط : يكن ، والمثبت من ح وصحيح البخاري . (١٠) وهي رواية مسلم المشار إليها في ح (١٦). (١١) في الجامع (٣٨٨٠) المناقب باب فضل عائشة رضي الله عنها . قال بشار : واقتصر الترمذي على تحسينه واستغرابه وقال: لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن عمرو بن علقمة، وقد روى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن عبد الله ابن عمرو بن علقمة بهذا الإسناد مرسلا، ولم يذكر فيه عن عائشة ثم أشار إلى حديث عروة عن عائشة المتقدم في الصحيحين . (١٢) فتح الباري (٥٠٨١) النكاح باب تزويج الصغار من الكبار . ٣٧٥ فصل بتزويجه ية بعد خديجة بعائشة وسودة عن عِرَاك، عن عروة، أنَّ رسولَ الله وَّر خطب عائشة إلى أبي بكر ، فقال له أبو بكر : إنما أنا أخوك . فقال: (( أنت أخي في دينِ الله وكتابِه، وهي لي حلال)). هذا الحديث ظاهر سياقه كأنَّهُ مرسل وهو عند البخاري والمحقّقين متَّصل ، لأنه من حديث عروةً عن عائشة رضي الله عنها ، وهذا من أفراد البخاري رحمه الله . وقال يُونس بن بُكير(١): عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: تزوَّج رسولُ الله ◌ُ ل# عائشة بعد خديجة بثلاثِ سنين ، وعائشةُ يومئذ ابنة ستِّ سنين، وبَنَى بها وهي ابنةُ تسع. ومات رسولُ اللهِ وَله وعائشة ابنة ثمانية عشرة سنة . وهذا غريب . وقد روى البخاري (٢) عن عُبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال: تُوقِّيتْ خديجةُ قبل مَخْرَج النبيِّ وََّ [ إلى المدينة ] بثلاث سنين، فلبث سنَتَيْن - أو قريباً من ذلك - ونكَحَ عائشة وهي بنتُ ستِّ سنين ، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين . وهذا الذي قاله عروة مرسلٌ في ظاهر السَِّاق كما قدَّمنا ولكنَّهُ في حُكْمِ المتَّصِل في نفس الأمر . وقوله تزوَّجها وهي ابنة ستٍّ سنين وبنى بها وهي ابنة تسع سنين ، ما لا خلاف فيه بين الناس - وقد ثبت في الصِّحاح وغيرها - وكان بناؤه بها عليه السلام في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة . وأما كون تزويجها كان بعد موت خديجة بنحوٍ من ثلاث سنين ففيه نظر. فإنَّ يعقوب بن سفيان الحافظ قال(٣): حدَّثنا الحجّاج، حدَّثنا حماد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة قالت: تزوَّجني رسولُ الله ◌ِ ◌ّ متوفَّى خديجة قبل مخرجِه من مكة وأنا ابنة سبع - أو ست - سنين ، فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعبُ في أرجوحة وأنا مُجَمَّمَة ، فهيَّأني وصنَّعْنَني، ثمَّ أتَيْنَ بي إلى رسولِ الله وَّل وأنا ابنة تسع سنين. فقوله في هذا الحديث : متوفَّى خديجة يقتضي أنه على أثر ذلك قريباً ، اللهمَّ إلا أن يكون قد سقط من النسخة بعد متوفَّى خديجة ، فلا ينفي ما ذكره يونسُ بن بكير وأبو أسامةَ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، والله أعلم . وقال البخاري(٤): حدَّثنا فروة بنُ أبي المَغْرَاء ، حدَّثنا عليُّ بن مُسْهِر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة. قالت: تزوَّجني النبيُّ مَّهَ وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدِمنا المدينة ، فنزَلْنا في بني الحارث بن الخزرج ، فَوُعِكْتُ فتمزَّق شعري(٥)، وقد وفَتْ لِي جُمَيْمَةُ(٦) ، فأتتني أمي أمُّ رُومان - وإِنِّي (١) السير والمغازي (ص ٢٥٥). (٢) فتح الباري (٣٨٩٦) مناقب الأنصار باب تزويج النبي وثيقة عائشة، وما سيأتي بين معقوفين منه. (٣) المعرفة والتاريخ (٢٦٨/٣) وهو من الجزء المفقود نقله المحقق من هنا . (٤) فتح الباري (٣٨٩٤) مناقب الأنصار باب تزويج النبي مية عائشة. (٥) ((فتمزق)): أي تقطّع، ورواية الكشميهني: فتمرق. بالراء المهملة، أي انتتف. فتح الباري (٧/ ٢٢٤). (٦) كذا في ط والنهاية لابن الأثير ( جمم)، وفي ح: ولي جُميمة ، وفي صحيح البخاري : فوفى جُميمة . قال ابن = ٣٧٦ فصل بتزويجه مل بعد خديجة بعائشة وسودة الفي أُرْجُوحةٍ ومعي صواحبُ لي - فصرخَتْ بي ، فأتيتُها ما أدري ما تريدُ مني ، فأخذتْ بيدي حتى أوقفَتني على باب الدار ، وإني لأنْهَجُ(١)، حتى سكن بعضُ نفسي، ثمَّ أخذتُ شيئاً من ماءٍ فمسَحْتُ به(٢) وجهي ورأسي ، ثم أدخلتني الدَّار ، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت فقلن : على الخير والبركة ، وعلى خير طائر. فاسلَمَتْني إليهن، فأصلَحْنَ من شأني، فلم يَرُعْني إلا رسولُ اللهَوَ لَ ضُحى، فأسلمَتْني إليه ، وأنا يومئذٍ بنتُ تسع سنين . وقال الإمامُ أحمد في مسند عائشةَ أمّ المؤمنين(٣): حدَّثنا محمد بن بشر، حذَّثنا محمد بن عمرو(٤) حدثنا أبو سلمة ويحيى . قالا : لما هلكَتْ خديجةُ جاءتْ خولةُ بنت حكيم امرأةٌ عثمانَ بنِ مظعون فقالت : يا رسول الله ألا تزوَّج؟ قال: (( مَنْ؟)) قالت: إنْ شئتَ بكراً، وإنْ شئت ثيّاً، قال: ((فمَنِ البِكْر)) قالت: ابنة أحبّ خلقِ الله إليك عائشة ابنة أبي بكر. قال: ((ومَن الثَّيِّب))؟ قالت: سَوْدَة بنثُ زَمَعَة. قد آمنتْ بكَ واتبعتك على ما تقول. قال: ((فاذْهبي فاذكُريهما عليّ)) فدخلتْ بيتَ أبي بكرٍ فقالت : يا أمَّ رُومان ، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة ، قالت : وما ذاك ؟ قالت : أرسلني رسول الله ◌َّ أخطُبُ عليه عائشة. قالتْ : انتظري أبا بكرٍ حتى يأتي . فجاء أبو بكر فقالت : يا أبا بكر ، ماذا أدخل اللهُ عليكم من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسولُ الله وَّ أَخطُب عليه عائشة قال : وهل تصلُح له؟ إنما هي ابنةُ أخيه، فرجعتْ إلى رسولِ الله ◌ِبَ ◌ّهِ فذكرَتْ ذلك له قال: ((ارْجِعِي إليه فقولي له : أنا أخوكَ وأنتَ أخي في الإسلام، وابنتُكَ تصلُح لي)) فرجعَتْ فذكرتْ ذلك له ، قال : انتظري ، وخرج . قالت أمُّ رُومان: إنَّ مُطْعِمَ بن عَدي قد كان ذكرها على ابنه ، ووالله ما وَعَدَ وعداً قطُ فأخلَفَه لأبي بكر(٥). فدخل أبو بكرٍ على مطعم بن عَدِي وعنده امرأتُه أم الصَّبي(٦) . فقالت: يا ابن أبي قُحَافة لعلك مُصْبِي(٧) صاحبَنا مُدخلُه في دينك الذي أنتَ عليه إنْ تزوَّج إليك ؟ فقال أبو بكر للمُطْعِم بن عدي : أقول هذه . يقول قال : إنها تقولُ ذلك . فخرج من عنده وقد أذهب اللهُ ما كان في نفسِه من عِدَته التي وعدَه، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسولَ اللهِ وَ لَّ فِدَعَتْه فزوَّجها إيَّاه ، وعائشة يومئذ حجر : فوفى . أي كثر ، وفي الكلام حذف تقديره : ثم فصلت من الوعك فتربَّى شعري فكثر ؛ وقولها : جميمة . = مصغَّر الجُمَّة ، وهي مجتمع شعر الناصية ، ويقال للشعر إذا سقط عن المنكبين جُمَّة ، وإذا كان إلى شحمة الأذنين وفرة . فتح الباري (٧/ ٢٢٤) . (١) ((أنهج الرجل)): إذا أصابه البَهَر والربو من الجري والتعب، وهو علو النَّفَس. مشارق الأنوار (٢٩/٢). (٢) في ط : فمست ، والمثبت من ح وصحيح البخاري . (٣) مسند أحمد (٢١٠/٦). (٤) في ط : محمد بن بشر، حدثنا بشر، حدثنا محمد بن عمر. زيادة من الناسخ ليست في ح ولا في مسند أحمد . (٥) في ط : ووالله ما وعد أبو بكر وعداً قط فأخلفه . والمثبت من ح والمسند . كذا في ح ، ط ، وفي المسند : أم الفتى . (٦) (٧) كذا في ح ، ط ، وفي المسند : مصبٍ . ٣٧٧ فصل بتزويجه مل بعد خديجة بعائشة وسودة بنت ستّ سنين . ثم خرجتْ فدخلتْ على سَوْدَة بنتِ زَمَعة فقال : ما أدخل الله عليكِ من الخيرِ والبركة! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسولُ الله ◌َّ أخطُبك عليه، قالت: ودِدْتُ، ادخلي إلى أبي(١) فاذكري ذلك له - وكان شيخاً كبيراً قد أدركه السِّنّ، قد تخلَّف عن الحج - فدخلتْ عليه فحييته (٢) بتحيَّة الجاهلية ، فقال : مَنْ هذه ؟ قالت : خولةُ بنت حكيم . قال : فما شأنُك ؟ قالت : أرسلني محمد بن عبد الله أخطُب عليه سَوْدَة . فقال : كفؤٌ كريم ، ماذا تقولُ صاحبتُك ؟ قال : تحبُّ ذلك . قال : ادعيها لي. فدعَتْها ، قال: أيْ بُنَّة إنَّ هذه تزعم أنَّ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطُبك وهو كفؤٌ كريم ، أتحبِّينَ أَن أزوّجَكِ به ؟ قالت: نعم. قال: ادعيهِ لي. فجاء رسولُ الله ◌َّرِ فزوَّجها إياه . فجاء أخوها عبد بن زَمَعَة من الحجّ فجعل(٣) يَخْنِي على رأسه التراب . فقال بعد أن أسلم : لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أنْ تزوَّج رسولُ الله ◌ِ لّه سودةَ بنتَ زَمَعة . قالت عائشة: فقدِمنا المدينة فنزلْنا في بني الحارث بن الخَزْرَجِ في السُّنْحُ(٤). قالت فجاء رسولُ الله ◌َِّ فدخل بيتَنَا واجتمع إليه رجالٌ من الأنصار ونساءٌ ، فجاءَتْني أَمِّي وإني(٥) لفي أُرجوحةٍ بين عِذْقَيْن، يُرجَّح بي ، فأنزلَتْني من الأرجوحة ولي جُميمة ، ففرَقَتْها ، ومسحَتْ وجهي بشيءٍ من ماءٍ ، ثم أقبلتْ بي تقودني حتى وقفتْ بي عند الباب وإني لأَنْهَجُ(٦) حتى سكن من نَفَسي، ثم دخلَتْ بي فإذا رسولُ اللهِ وَّ جالسٌ على سريرٍ في بيتنا وعنده رجالٌ ونساءٌ من الأنصار، فأجلسَتْني في حَجْرِهٍ(٧) ثم قالت : هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم ، وبارك لهم فيك . فوثب الرجالُ والنساء فخرجوا، وبنَى بي رسولُ اللهَ ◌ّه في بيتنا ما نُحِرتْ عليَّ جَزُور، ولا ذُبحتْ عليَّ شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عُبادة بجَفْنَةٍ كان يرسلُ بها إلى رسولِ اللهِ وٍَّ إذا دار إلى نسائه(٨)، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين . وهذا السياق كأنه مرسل ، وهو متصل لما رواه البيهقي(٩) من طريق أحمد بن عبد الجبار ، حدَّثنا عبد الله بن إدريس الأؤدِيُ(١٠) عن محمد بن عمرو ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال : قالت (١) في ط : إلى أبي بكر . خطأ من الناسخ ، والمثبت من ح ومسند أحمد . (٢) كذا في ح، ط والمسند ، والوجه : فحيَّتْهُ . (٣) في ط : فجاء . والمثبت من ح والمسند . (٤) السُّنح: تقع في طرف من أطراف المدينة، بينها وبين منزل النبي وم لر ميل. معجم البلدان (٢٦٥/٣). (٥) في ط : وأنا ، والمثبت من ح والمسند . (٦) مضى معناه في الصفحة السابقة ح١ . (٧) في ط : حجرة . بهاء معجمة باثنتين ، والمثبت من ح والمسند . (٨) كذا في ط والمسند ، وفي ح : زار نساءه ، وفي الأساس ( دور) : فلان يدور على أربع نسوة ويطوف عليهن : أي يسوسهن ويرعاهن . (٩) في دلائل النبوة (٤١١/٢) . (١٠) في ط: الأزدي، تصحيف ، والمثبت من ح والدلائل وتوضيح المشتبه (١/ ٢٨١). ٣٧٨ فصل بتزويجه مة بعد خديجة بعائشة وسودة عائشة: لما ماتتْ خديجةُ جاءت خَوْلة بنت حكيم فقالت: يا رسولَ الله، ألا تزوَّج؟ قال: (( ومن))؟ قالت : إنْ شئتَ بكراً وإِنْ شئتَ ثَيِّياً . قال: (( مَنِ البِكْرُ ومَن الثَّيِّب)» ؟ قالت: أما البِكْرِ فابنةُ أحبٌّ خلقِ الله إليك عائشة، وأما الثيِّب فسَوْدَة بنت زَمَعة، قد آمنتْ بك واتبعَتْك. قال: ((فاذكريهما علىَّ)) وذكر تمام الحديث نحو ما تقدَّم . وهذا يقتضي أنَّ عَقْدَهُ على عائشة كان متقدِّماً على تزويجه بسودة بنت زمعة ، ولكنَّ دخوله على سَوْدَة كان بمكة ، وأما دخوله على عائشة فتأخَّرَ إلى المدينة في السنة الثانية كما تقدَّم وكما سيأتي . وقال الإمام أحمد(١) : حدَّثنا أسود، حذَّثنا شريك، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما كِبِرَت سَوْدَةُ وهَبَتْ يَوْمَها لي، فكان رسولُ اللهِوَ لَّهَ يَقْسِم لي بيومها مع نسائه . قالت: وكانتْ أولَ امرأةٍ تزوَّجها بعدي . وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا أبو النَّصْر، حدَّثنا عبد الحميد، حدَّثني شهر، حدَّثني عبد الله بن عباس ، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَّ خطب امرأةً من قومه يقالُ لها سَوْدَة وكانت مُصْبِيَة ، كان لها خمس صبْيَة - أو ستة - من بعلٍ لها مات. فقال رسولُ الله ◌ِّ: (( ما يَمْنَعُكِ مني؟ ((قالت: والله يا نبيَّ الله، ما يمنعُني منك(٣) أن لا تكونَ أحبَّ البريَّةِ إليَّ، ولكنِّي أُكْرِمُك أن يضعوا هؤلاء الصبية عند رأسِكَ بُكْرَةً وعشيّة . قال: ((فهل منَعَكِ مني شيءٌ غيرُ ذلك؟)) قالت: لا والله، قال رسولُ الله ◌ِّله: ((يرحمكِ الله، إنَّ خيرَ نساءٍ ركبنَ أعجاز الإبل ، صالحُ نساء قريش ، أحناه على ولد في صغره ، وأرعاه على بعلٍ بذاتِ يده)). قلت : وكان زوجَها قبل رسول الله وَّ السكران بن عمرو، أخو سُهيل بن عمرو ، وكان ممن أسلم وهاجر إلى الحبشة كما تقدَّمُ(٤) ، ثم رجع إلى مكة فمات بها قبل الهجرة رضي الله عنه . وهذه السياقات كلُّها دالَّةٌ على أنَّ العَقْد على عائشة كان متقدِّما على العَقْد بسَوْدَة ، وهوقول عبد الله بن محمد بن عقيل ، ورواه يونس، عن الزُّهْري . واختار ابن عبد البرّ أنَّ العَقْد على سَوَدة قبلَ عائشة ، وحكاه عن قتادة وأبي عُبيد . قال : ورواه عقيل عن الزُّهْري . فصل قد تقدم ذِكر موت أبي طالب عمِّ رسولِ اللهِ وَجّه، وأنه كان ناصراً له وقائماً في صفِّه، ومُدَافعاً عنه بكلِّ ما يقدِرُ عليه من نفس ومال ومقال وفعال ، فلما مات اجترأ سفهاءُ قريش على رسولِ الله وَليل ونالوا منه (١) في المسند (٦٨/٦) رقم (٢٤٢٧٦) ورواه بنحوه البخاري رقم (٢٥٩٣). (٢) في المسند (٣١٨/١) وهو حديث حسن . (٣) في ط : أن يمنعوا ، تصحيف ، والمثبت من ح ومسند أحمد . (٤) تقدّم ذلك في الخبر (ص ٢٨٥) . ٣٧٩ فصل بتزويجه ما بعد خديجة بعائشة وسودة ما لم يكونوا يَصِلُون إليه ولا يقدرون عليه . كما قد رواه البيهقي (١) عن الحاكم، عن الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصَّغَاني (٢)، حدَّثنا يوسف بن بهلول، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، حدَّثنا محمد بن إسحاق عمن حدثه ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن جعفر قال : لما مات أبو طالب عرض لرسول الله بَّ سفيهٌ من سُفَهاء قريش، فألقَى عليه تراباً، فرجع إلى بيته، فأتتِ امرأةٌ من بناته ، تمسَحُ عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: ((أيْ بُنَّة لا تبكين(٣)، فإنَّ الله مانعٌ أباك)) ويقول ما بين ذلك: (( ما نالتْ قريشٌ شيئاً أكْرَهُه حتى مات أبو طالب (٤) . وقد رواه زياد البكَّائي عن محمد بن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه مرسلاً . والله أعلم . وروى البيهقي(٥) أيضاً عن الحاكم وغيره٦) ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنَّ رسول الله وَّه قال: ((ما زالتْ قريشٌ كاعِّينُ(٧) حتى مات أبو طالب)). ثم رواهٌ) عن الحاكم، عن الأصم، عن عباس الدُّوري ، عن يحيى بن مَعِين ، حدَّثنا عقبة المجدَّر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيِّ وَِّ قال: ((ما زالتْ قريشٌ كاَّةً حتى توفي أبو طالب )) . وقد روى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي بسنده(٩) عن ثعلبة بن صُعَير ، وحَكيم بن حِزام أنهما قالا : لما تُوقِّي أبو طالب وخديجة - وكان بينهما خمسة أيالم١) - اجتمع على رسول الله وَّل مصيبتان، ولزم بيته، وأقلَّ الخروج ، ونالتْ منه قريشٌ ما لم تَكُنْ تنال ولا تطمع فيه ، فبلغ ذلك أبا لهب ، فجاءه فقال : (١) في دلائل النبوة (٣٥٠/٢). (٢) في ح ، ط : الصنعاني . تصحيف ، والمثبت من الدلائل وترجمته في تذكرة الحفاظ (٥٩٨) وفيه : الصاغاني . (٣) كذا في ح ، ط والدلائل . (٤) زادت ط هنا ما نصه : ثم شرعوا . وهو زيادة من الناسخ لا وجود لها في الدلائل ، ولا في ح . (٥) في الدلائل (٣٤٩/٢) وهو حديث حسن يشهد له الذي بعده بطرقه . (٦) هو أبو سعيد بن أبي عمرو شيخ البيهقي كما في الدلائل . (٧) في النهاية لابن الأثير: ما زالت قريش كاعَّة. الكاّة : جمع كاعٌ، وهو الجبان ، يقال: كعَّ الرجل عن الشيء ويكغُّ كعّاً فهو كاعّ، إذا جبن عنه وأحجم، أراد أنهم كانوا يجبنون عن أذى النبي ◌َّ في حياة أبي طالب، فلما مات اجترؤوا عليه . (٨) في دلائل البيهقي (٣٤٩/٢، ٣٥٠) ورواه الطبراني في الأوسط رقم (٥٩٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٢٢) وهو حديث حسن بطرقه . (٩) لعله في كتابه المختار من أخبار المختار ( مخطوط ) وقد أورده في الوفا بأحوال المصطفى (٢١٠/١) من غير إسناد ، وفيه ((صقير )) وهو تصحيف . (١٠) في الوفا : وكان بينهما شهر وخمسة أيام . ٣٨٠ فصل بتزويجه ما بعد خديجة بعائشة وسودة يا محمد، امضٍ لما أردتَ وما كنتَ صانعاً إذْ كان أبو طالب حيّاً فاصنَعْه، لا واللات(١) لا يُوصَل إليك حتى أموت. وسبَّ ابنُ الغَيْطَلة رسولَ الله ◌ِ يِّ فأقبل إليه أبو لهب فنال منه، فولَّى يَصِيح : يا معشر قريش صَبَأ أبو عتبة . فأقبلَتْ قريش حتى وقفوا على أبي لَهَب فقال : ما فارقتُ دينَ عبد المطلب، ولكني أَمْنَعُ ابنَ أخي أنْ يُضام حتى يمضيَ لما يُريد . فقالوا : لقد أحسنت وأجملت ووصلْتَ الرَّحِم . فمكث رسولُ الله ◌َّهَ كذلك أياماً يأتي ويذهب لا يعرِضُ له أحدٌ من قريش، وهابوا أبا لهب إذْ جاء عُقبة بن أبي مُعَيْط وأبو جهل (٢) إلى أبي لهب فقالا له : أخبرك ابنُ أخيك أين مُدْخَلُ أبيك ؟ فقال له أبو لهب : يا محمد، أين مُدْخَل عبد المطلب؟ قال: ((مع قومه)) . فخرج إليهما فقال: قد سألتُه فقال مع قومه . فقالا: يزعم أنه في النار. فقال: يا محمد، أيدخل عبدُ المطلب النار؟ فقال رسولُ اللهِمِ ﴿٣): ((ومَنْ ماتَ على ما مات عليه عبدُ المطلب دخل النار )) فقال أبو لهب ـ لعنه الله -: والله لا بَرِحْتُ لك (٤) عدوّاً أبداً وأنت تزعم أنَّ عبد المطلب في النار . واشتدَّ عند ذلك أبو لهب وسائرُ قريش عليه . قال ابن إسحاق(٥): وكان النفر الذين يؤذون رسولَ الله مَل في بيته: أبو لهب ، والحكم بن أبي العاص بن أميه ، وعقبة بن أبي معيط ، وعدي بن الحمراء ، وابن الأصْدَاء الهُذَلي - وكانوا جيرانَه ـ لم يُسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص . وكان أحدهم - فيما ذُكر لي - يطرح عليه رَحِم الشاة وهو يصلِّي، وكان أحدُهم يطرحُها في بُرْمتِه إذا نُصبتْ له، حتى اتخذ رسولُ اللهِ وَيُّهَ حجراً يستتر به منهم إذا صلَّى ، فكان إذا طرَحُوا شيئاً من ذلك يحملُه على عُودٍ ثم يقف به على بابه ثم يقول: (( يا بني عبدٍ مناف ، أيُّ جوارٍ هذا)) ؟! ثم يُلقيه في الطريق . قلت : وعندي أنَّ غالبَ ما رُوي مما تقدَّم من طَرْحِهم سَلا الجَزُور بين كتفيه وهو يصلِّي كما رواه ابنُ مسعود، وفيه أنَّ فاطمة جاءتْ فطرحَتْهُ عنه وأقبلتْ عليهم فشتمَتْهُمْ، ثم لما انصرف رسولُ الله ◌َلِّ دعا على سبعةٍ منهم كما تقدَّم . وكذلك ما أخبر به عبد الله بن عمرو بن العاص من خنقهم له عليه السلام خنقاً شديداً حتى حال(٦) دونه أبو بكر الصديق قائلاً: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربِّيَ الله !. وكذلك عَزْم أبي جهل - لعنه الله - على أن يَطَأ على عُنقه وهو يصلِّي فحيل بينه وبين ذلك، وما أشبه ذلك كان بعد وفاةٍ أبي طالب والله أعلم . فذكرها هاهنا أنسب وأشبه . (١) زادت ح : والعزى . وليست هذه الزيادة في الوفا ولا في ط. (٢) زادت ح : لعنهما الله . وليست هذه الزيادة في الوفا ولا في ط . (٣) زاد في الوفا: نَعَمْ ومن مات ... (٤) زادت ط هنا : إلا . وليست هذه الزيادة في الوفا ولا في ط. (٥) سيرة ابن هشام (٤١٥/١) والروض (١٦٦/٢). (٦) في ح : قام.