Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله مَ القلم
باب
هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله وَالټ ،
من مكة إلى أرض الحبشة فراراً بدينهم من الفتنة
قد تقدم ذِكْر (١) أذيَّةِ المشركين للمستضعفين من المؤمنين ، وما كانوا يعاملونهم به من الضَّرْب
الشديد، والإهانة البالغة، وكان الله عز وجل قد حجرهم عن رسوله مح له، ومنعه بعمِّه أبي طالب، كما
تقدَّمَ تفصيلُه ولله الحمد والمنة .
وروى الواقدي(٢) أنَّ خروجهم إليها في رجب سنة خمسٍ من البعْثَة ، وأن أولَ من هاجر منهم أحد
عشر رجلاً وأربع نسوة ، وأنهم انتهو(٣) إلى البحر ، ما بين ماشٍ وراكب ، فاستأجروا سفينةً بنصف دينار
إلى الحبشة (٤)، وهم عثمان بن عفان، وامرأته رُقَيَّة بنت رسول الله وَلَه، وأبو حُذيفة بن عتبة ، وامرأته
سهلة بنت سُهيل ، والزُّبَير بن العوَّام ، ومُصْعَب بن عُمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سلمة بن
عبد الأسد ، وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية ، وعثمان بن مَظْعون ، وعامر بن ربيعة العَنْزي ، وامرأته
ليلى بنت أبي حَثْمة، وأبو سَبْرَة بن أبي رُهْم، وحاطب بن عمرو ، وسُهيل بن بَيْضاء ، وعبد الله بن
مسعود ، رضي الله عنهم أجمعين .
قال ابنُ جرير(٥) : وقال آخرون : بل كانوا اثنين وثمانينَ رجلاً ، سوى نسائهم وأبنائهم ؛ وعمار بن
ياسر - فشَكَ(٦) - فإنْ كان فيهم فقد كانوا ثلاثةً وثمانينَ رجلاً .
وقال محمد بن إسحاق(٧): فلما رأى رسولُ الله وَلِّ ما يُصيبُ أصحابَهُ من البلاء ، وما هو فيه من
العافية ، بمكانه من الله عزَّ وجلَّ ، ومن عمه أبي طالب ، وأنه لا يقدر على أن يمنعَهُمْ مما هم فيه من
البلاء. قال لهم: ((لو خرَجْتُمْ إلى أرض الحبشة، فإنَّ بها مَلِكاً لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرضُ
صِدْق، حتى يجعلَ الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)). فخرج عند ذلك المسلمون من أصحابِ رسولِ الله وَل
(١) سقطت اللفظة من ح .
(٢)
طبقات ابن سعد (٢٠٤/١) .
(٣)
في ح : أتوا . بدل : انتهوا .
(٤) لفظ الواقدي في الطبقات : ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة
بنصف دینار .
(٥) يعني الطبري في تاريخه (٣٣٠/٢).
(٦) عبارة الطبري هكذا : وهو يُشَكُّ فيه، وفي ط : نشك ، والمثبت من ح.
(٧) في السير والمغازي (ص٢١٣) وسيرة ابن هشام (٣٢١/١) والروض (٦٩/٢).

٢٨٢
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول اللّه ◌ِ لخد
إلى أرض الحبشة مخافةَ الفتنة ، وفراراً إلى الله بدينهم . فكانتْ أولَ هجرةٍ كانتْ في الإسلام .
وكان أولَ من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، وزوجتُهُ رُقَيَّةُ بنتُ رسولِ اللهِ وَلِّ .
وكذا روى البيهقي(١) من حديث يعقوب بن سفيان ، عن عباس العَنْبَرِيّ ، عن بشر بن موسى ، عن
الحسن بن زياد البُرْجُمي ، حدثنا قتادة قال : إنَّ أولَ من هاجر إلى الله تعالى بأهله عثمان بن عفان رضي
الله عنه ، سمعتُ النَّضْرَ بن أنس يقول : سمعت أبا حمزة - يعني أنس بن مالك - يقول : خرج عثمان بنُ
عفَّان ومعه امرأتهُ رُقَيَّة بنتُ رسولِ الله وَ لَه إلى أرض الحبشة، فأبطأ على رسول الله بَّهُ خبرهم ، فقدمتِ
امرأةٌ من قريش فقالت: يا محمد ، قد رأيتُ خَتَنَك ومعه امرأته. قال: ((على أيِّ حال رأيتِهما؟)).
قالت: رأيتُه قد حمل امرأتَهُ على حمارٍ من هذه الدَّبَّابَةُ(٢)، وهو يسوقها. فقال رسولُ الله ◌َّةٍ :
((صَحِبَهُما الله، إنَّ عثمانَ أولُ من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام )).
قال ابن إسحاق(٣) : وأبو حذيفة [ بن عتبة ، وزوجته سَهْلة بنت سهيل بن عمرو - وولدت له بالحبشة
محمد بن أبي حذيفة (٤) - والزُّبير بن العوَّام ، ومُصْعَب بن عُمير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو سَلَمة
ابن عبد الأسد ، وامرأتُه أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة - وولدت له بها زينب - وعثمان بن مَظْعُون ،
وعامر بن ربيعة - حليف آلِ الخطّاب، وهو من بني عَنْز بن وائل وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة ، وأبو سَبْرَة
ابن أبي رُهْم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو - ويقال: أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس
ابن عبد وُدّ بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر - وهو أوَلُ مَنْ قدِمها فيما قيل - وسُهيل بن بَيْضاء .
فهؤلاء العشرة أولُ مَنْ خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة فيما بلغني .
قال ابنُ هشامُ(٥) : وكان عليهم عثمان بن مظعون ، فيما ذكر بعضُ أهل العلم .
قال ابن إسحاق (٦) : ثم خرج جعفر بن أبي طالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس وولدت له بها
عبد الله بن جعفر ؛ وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة .
وقد زعم موسى بن عقبة أنَّ الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة كانت حين دخل أبو طالب ومن حالفه
مع رسولِ الله وَّةٍ إلى الشِّعْب، وفي هذا نظر. والله أعلم. وزعم أن خروج جعفر بن أبي طالب إنما كان في
(١) في الدلائل (٢/ ٢٩٧).
أي الضعاف التي تدِبّ في المشي ولا تسرع . النهاية لابن الأثير ( دبب).
(٢)
(٣) في سيرة ابن هشام (٣٢٢/١) والروض (٢/ ٧٠) وهو تتمة الخبر المروي في الصفحة السابقة ، السير والمغازي
(ص ٢٢٣) .
(٤) ما بين المعقوفين سقط من ح .
سيرة ابن هشام (١/ ٣٢٣) .
(٥)
(٦) السير والمغازي (ص٢٢٦) وسيرة ابن هشام - واللفظ له - (٣٢٣/١) والروض (٧٠/٢).

٢٨٣
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله مِ اله
الهجرة الثانية إليها . وذلك بعد عَوْدِ بعض من كان خرج أولاً ، حين بلغهم أنَّ المشركين أسلموا وصلَّوا ،
فلما قدموا مكة - وكان فيمن قدم عثمان بن مظعون - فلم يجدوا ما أخبروا به من إسلام المشركين
صحيحاً ، فرجع من رجع منهم ومكث آخرون بمكة .
وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة ، وهي الهجرة الثانية - كما سيأتي بيانُه.
قال موسى بن عقبة : وكان جعفر بن أبي طالب فيمن خرج ثانياً . وما ذكره ابن إسحاق من خروجه
في الرَّعِيل الأول أظهر كما سيأتي بيانه . والله أعلم . لكنه كان في زمرةٍ ثانية من المهاجرين أولاً ، وهو
المقدَّم عليهم والمترجم عنهم عند النجاشي وغيره ، كما سنوردُه مبسوطاً .
ثم إنَّ ابن إسحاق سرد الخارجين(١) صحبةَ جعفرٍ رضي الله عنهم. وهم عمرو بن سعيد بن العاص ،
وامرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن مُحَرِّث بن شِقّ الكِنَاني. وأخوه خالد. وامرأتُه أُمينة(٢) بنت
خلف بن أسعد الخُزَاعي . وولدت له بها سعيداً ، وأُخْتَهُ(٣) أَمَة التي تزوَّجها بعد ذلك الزُّبير ، فولدت له
عمراً وخالداً . قال : وعبد الله بن جَحْش بن رئاب ، وأخوه عُبيد الله، ومعه امرأته أمّ حَبيبة بنت
أبي سفيان ، وقيس بن عبد الله من بني أسد بن خُزَيمة ، وامرأته بَرَكة بنت يَسار مولاة أبي سفيان ،
ومُعَيقيب بن أبي فاطمة ، وهو من موالي آلٍ سعيد بن العاص(٤) . قال ابن هشام: وهو من دَوْس .
قال(٥) : وأبو موسى [الأشعري ] عبدُ الله بن قيس(٦) حليفُ آلٍ عتبة بن ربيعة - وسنتكلَّم معه في
هذا - وعتبة بن غَزْوان ، ويزيد بن زَمَعة بن الأسود ، وعمرو بن أمية بن الحارث بن أسد ، وطُليب بن
عُمير بن وهب بن أبي كثير(٧) بن عبد، وسُويبط بن سعد بن حَرْمَلة، وجَهْم بن قيس العَبْدَرِيّ(٨) ، ومعه
امرأته أم حَرْمَلة بنت عبد الأسود بن جذيمة (٩) ، وولداه عمرو بن جَهْم وخزيمةُ(١٠) بن جهم ، وأبو الرُّوم
ابن عُمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، وفِرَاس بن النَّضْر بن الحارث بن كَلَدة ، وعامر بن
أبي وقَّاص أخو سعد، والمطّلب بن أزهر بن عبد عوف الزُّهْري، وامرأته رَمْلَة بنتُ أبي عوف بن
(١) السير والمغازي (ص٢٢٦ - ٢٢٨) وسيرة ابن هشام (٣٢٣/١) واللفظ له .
(٢) قال ابن هشام في السيرة (١/ ٣٢٣): ويقال همينة . نقل ذلك ابن حجر في الإصابة في ترجمتها .
(٣) سقطت اللفظة من ط ، وهي مستدركة في هامش ح .
(٤) لفظ ابن هشام في السيرة النبوية هكذا : وهؤلاء آل سعيد بن العاص ، سبعة نفر .
(٥) يعني ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١/ ٣٢٤) وما يأتي بين معقوفين منه .
(٦) زادت نسخة ح : من بني أسد بن خزيمة وامرأته بركة . وهذه الزيادة أقحمها الناسخ سهواً .
(٧) كذا في ط والروض (٢/ ٧١) والاستيعاب والإصابة في ترجمته ؛ وفي ح والسير والمغازي وسيرة ابن هشام (( كبير))
بالموحدة . ولم تذكره كتب ضبط الأسماء - كالإكمال والتبصير وغيرها - فيما أحصته من هذا الرسم .
(٨) في ح ، ط : العبدوي ، تحريف ، وهو منسوب إلى عبد الدار كما في السيرة .
(٩) في ط : خزيمة ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام ، ولم أقف على نص يضبطه .
(١٠) في ح : جذيمة ، تصحيف، والمثبت من سيرة ابن هشام والإصابة في ترجمته.

٢٨٤
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله عَلآل
ضَبَيرَةُ(١) ؛ وولدت بها عبد الله . وعبد الله بن مسعود ، وأخوه عتبة ، والمقداد بن الأسود ، والحارث
ابن خالد بن صَخر التَّيْمي ، وامرأته رَيْطة بنت الحارث بن جُبيلة ٢) ، وولدت له بها موسى وعائشة وزينب
وفاطمة . وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَّيْم بن مرة ، وشماس بن عثمان بن الشَّريد
المخزومي - قال وإنما سمي شَمَّاساً لحُسْنه وأصل اسمه عثمان بن عثمان - وهبار بن سفيان بن عبد الأسد
المخزومي، وأخوه عبد الله، وهشام بن أبي حُذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وسلمة بن
هشام بن المغيرة، وعياش بن أبي ربيعة بن المغيرة؛ ومُعَتِّب بن عوف بن عامر - ويقال له عيهامةً(٣) - وهو
من حلفاء بني مخزوم. قال : وقدامة وعبد الله أخوا عثمانَ بن مَظْعون ، والسائب بن عثمان بن مظعون،
وحاطب بن الحارث بن معمر ، ومعه امرأته فاطمة بنت المجلَّل ، وابناه منها محمد والحارث ، وأخوه
حطَّاب(٤)، وامرأته فُكيهة بنت يسار ، وسفيان بن معمر بن حبيب ، وامرأته حسَنة ، وابناهُ منها جابر
وجُنَادة، وابنها من غيره، وهو شُرَحْبِيل بن عبد الله - [ أحد الغَوْث بن مُرّ، أخي تميم بن مُرّ ]°) ، وهو
الذي يقال له: شُرَحْبيل بن حَسَنة - وعثمان بن ربيعة بن أُهبان بن وَهْب بن حُذَافة بن جمح، وخُنَيس بن
خُذَافة بن قيس بن عدي ، وعبد الله بن الحارث بن قيس بن عدي بن سَعْد(٦) بن سهم ، وهشام بن العاص
ابن وائل بن سُعيد(٧) ، وقيس بن حذافة بن قيس بن عدي ، وأخوه عبد الله ، وأبو قيس بنُ الحارث بن
قيس بن عدي، وإخوته الحارث ومعمر والسائب وبشر وسعيد أبناء الحارث(٨) بن قيس بن عدي [ وأخو
بشربن الحارث بن قيس بن عدي ]٩) لأمّه، وهو سعيد بن عمرو التميمي؛ وعُمير بن رئاب بن حُذيفة بن
(١) في ح : صبيرة بالصاد المهملة. ذكر محقق الاشتقاق لابن دريد في حاشية رقم (٣) ص (١٢٥) معلقاً على هذا
الاسم ما نصه : رسم في الأصل بالضاد المعجمة وتحتها حرف صاد مهملة ، وفوق الحرف كلمة : معاً ، إشارة إلى
أنه بالصاد والضاد معاً .
(٢) في سيرة ابن هشام والروض : جبلة .
(٣) كذا في ح، ط: وسيرة ابن هشام، وفي السير والمغازي: عيهلة، وفي الإصابة ميعانة. ولم أقف على نص يضبطه .
في ح ، ط : خطاب بالخاء المعجمة، والمثبت من سيرة ابن هشام والإكمال (١٦٣/٣).
(٤)
(٥) ليس ما بين المعقوفين في ح ، وتحرّف في ط إلى: أحد الغوث بن مزاحم بن تميم ، والمثبت من سيرة ابن هشام
والروض .
(٦) في ح ، ط وأصول ابن هشام: سعيد وهو تحريف ، والمثبت من جمهرة الأنساب لابن حزم ص (١٦٥) وترجمته في
الإصابة .
(٧) غيَّر محققو سيرة ابن هشام أصول السيرة من سُعيد إلى سعد وهو خطأ لأن هشاماً وعمراً هما ابنا سُعيد لا سَعْد .
جمهرة الأنساب لابن حزم (ص ١٦٣) .
(٨) بعده في ط : وسعيد . ولا وجود له في ح وهو الصواب كما يدل عليه سياق ابن هشام في السيرة .
(٩) ما بين المعقوفين ليس في ط وهو من ح ولكن بتحريف الكلمة الأولى إلى: وأبو والتصحيح من سيرة ابن هشام
(٣٢٨/١) .

٢٨٥
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله وعليه
مُهشِّم بن سُعَيدً(١) بن سهم، وحليفٌ لبني سَهْم: وهو مَحْميةُ بن جَزْء الزُّبَيدي ، ومعمر بن عبد الله
العدوي ، وعروة بن عبد العُزَّى ، وعدي بن نَضْلة بن عبد العزَّى ، وابنه النعمان ، وعبد الله بن مَخْرمة
العامري ، وعبد الله بن سُهيل بن عمرو ، وسَليط بن عمرو ، وأخوه السكران ، ومعه زوجته سَوْدَة بنت
زَمْعَة، ومالك بن زَمْعَهُ(٢) ، وامرأته عمرة بنت السَّعْدِيّ، وأبو حاطب بن عمرو العامريُّون وحليفُهم
سعد بن خولة - وهو من اليمن - وأبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح الفِهري ، وسهيل بن بَيْضاء - وهي
أمُّه - واسمها دعد بنت جَحْدَم بن أميَّة بن ظَرِب بن الحارث بن فِهْر ، وهو سهيل بن وَهْب بن ربيعة بن
هلال بن ضَبَّهُ(٣) بن الحارث ، وعمرو بن أبي سَرْح بن ربيعة بن [ هلال بن مالك بن ضبة بن
الحارث ]٤)، وعياض بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة بن [ أُهَيب بن ضبَّة بن الحارث ]°) ويقال : بل
[ ربيعة بن ](٨) هلال بن مالك بن ضبَّة ، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبي شداد بن ربيعة ، وعثمان بن
عبد غَنْم بن زُهير(٦) ، وسعد (٧) بن عبد قيس بن لَقِيط ، وأخوه الحارث الفهريون .
قال ابن إسحاق(٨): فكان جميعُ من لَحِق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين سوى أبنائهم
الذين خرجوا بهم صغاراً أو ولدوا بها - ثلاثةً وثمانين رجلاً إنْ كان عمار بن ياسر فيهم ، وهو يُشَكُّ فيه .
قلت : وذِكْرُ ابن إسحاق أبا موسى الأشعري فيمَنْ هاجر من مكة إلى أرض الحبشة غريبٌ جداً . وقد
قال الإمام أحمد (٩): حدثنا حسن بن موسى، سمعتُ حُدَيجا١٠ً) أخا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق
(١) غيَّر محققو سيرة ابن هشام أصول السيرة من: سُعيد إلى سعد وهو خطأ لأن عميراً من ولد سُعَيد لا من ولد سعد
جمهرة الأنساب لابن حزم (ص ١٦٣ و١٦٤) وترجمته في الإصابة .
(٢) في ح، ط : ربيعة ، تحريف ، والمثبت من سيرة ابن هشام وجمهرة أنساب العرب (ص١٦٦) وترجمته في
الإصابة .
(٣) في ح وسيرة ابن هشام: هلال بن أهيب بن ضبة . وأظنه تحريفاً ، والصواب : هلال بن مالك بن ضبة . كما في
جمهرة ابن حزم (ص ١٧٧) وترجمة سهل وسهيل ابني بيضاء في الإصابة .
(٤) ليس ما بين المعقوفين في ح والمثبت من ط وسيرة ابن هشام (١/ ٣٣٠) وفيه : أهيب بدل : مالك . وقد نبه ابن
هشام على هذا الخلاف .
(٥) ما بين معقوفين سقط من ح ، ط استدركته من سيرة ابن هشام لأنه بيَّن فيه الخلاف بين مالك وأهيب ، وما جعلته
خارج المعقوفين هو من ح .
(٦) زادت ط هنا لفظ: أخوات . أو أخوان . وليست هذه الزيادة في ح ولا في سيرة ابن هشام، وهي إقحام من النساخ
ليزيلوا الاضطراب بين النسخ المشار إليه آنفاً .
(٧) في ط : سعيد ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص١٧٨) ، ويبدو أن ثمة اختلافاً فيه
فقد أورده ابن حجر في الإصابة في رسم : سعد وعزا إلى رسم : سعيد . وترجمه فيه .
(٨) في السير والمغازي (ص٢٢٨) وسيرة ابن هشام (١/ ٣٣٠) - واللفظ له - والروض (٧٥/٢).
(٩) في مسنده (١/ ٤٦١).
(١٠) في ح، ط: خديجاً بالخاء المعجمة، وهو تصحيف، والمثبت من مسند أحمد والإكمال (٣٩٦/٢).

٢٨٦
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله مح الة
عن عبد الله بن عتبة، عن ابن مسعود قال: بَعَثَنا رسولُ اللهِ مَّهِ إلى النجاشي، ونحن نَحْوٌ من ثمانين
رجلاً ، فيهم عبد الله بن مسعود ، وجعفر ، وعبد الله بن عُرْفُطَة ، وعثمان بن مَظْعون ، وأبو موسى ،
فأتَّوْا النجاشيّ ، وبعثتْ قريش عمرو بن العاص وعمارةَ بن الوليد بهديّة ، فلما دخلا على النجاشي سجدا
له ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله ، ثم قالا له : إنَّ نفراً من بني عمِّنا نزلوا أرضك ورَغِبوا عنَّا وعن مِلَّتنا .
قال فأين هم ؟ قالا : في أرضك ، فابعثْ إليهم . فبعَثَ إليهم ، فقال جعفر : أنا خطيبكُم اليوم فاتَّبعوه ،
فسلّم ولم يسجُد ، فقالوا له : مالك لا تسجدُ للملك؟ قال إنَّا لا نسجدُ إلَّ لله عزَّ وجلَّ، قال وما ذاك؟
قال إنَّ اللهَ بعثَ إلينا رسولاً، فأمرنا أنْ لا نسجدَ لأحَدٍ إلَّ للهِ عزَّ وجلَّ، وأمرَنا بالصلاة والزكاة . قال
عمرو : فإنَّهم يخالفونكَ في عيسى بنِ مريم ، قال : ما تقولونَ في عيسى بن مريم وأمِّه ؟ قال : نقول كما
قال الله: هو كلمة الله ورُوحُه، ألقاها إلى العذراءِ البَتُول، التي لم يمسَّها بشَر، ولم يَفْرِضْها ولد(١).
قال : فرفع عُوداً من الأرض ثم قال : يا معشر الحبشةِ والقِسِّيسينَ والرُّهْبان ، والله ما يزيدون على الذي
نقول فيه ما سوى(٢) هذا، مرحباً بكم وبمن جئتُم من عنده، أشهدُ أنَّه رسولُ اللهِ وَّل ـ وأنَّه الذي نجِدُ في
الإنجيل ، وأنه الرسولُ الذي بشَّرَ به عيسى بن مريم ، انزلوا حيثُ شتم ، والله لولا ما أنا فيه من الملك
لأَتَيْتُه حتى أكونَ أنا الذي(٣) أحملُ نَعلَيْهِ. وأمر بهديَّة الآخرين فرُدَّتْ إليهما، ثم تعجّل عبد الله بن مسعود
حتى أدرك بدراً . وزعم أنَّ النبيَّ ◌َّ استغفر له حين بلغَهُ موتُه .
وهذا إسنادٌ جيد قوي، وسياقٌ حسن(٤) . وفيه ما يقتضي أنَّ أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى
أرض الحبشة ، إنْ لم يكن ذِكْره مدرجاً من بعض الرواة والله أعلم . وقد رُوي عن أبي إسحاق السَّبيعي من
وجهٍ آخر .
فقال الحافظ أبو نعيم في ((الدلائل)(٥) : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدَّثنا محمد بن زكرياء
(١) كذا في ح، ط ومسند أحمد، وفي النهاية لابن الأثير ( فرض ): وفي صفة مريم عليها السلام : لم يفترضها ولد .
أي لم يؤثر فيها ولم يحزَّها ، يعني قبل المسيح عليه السلام . وجاء في اللسان : والفرْض : الحزُّ في الشيء
والقطع . وسيأتي في موضع الحاشية (٩) من الصفحة التالية .
(٢)
في المسند : ما يسوى .
(٣)
ليست اللفظة في ح ولا المسند .
(٤) قال بشار: هكذا جَوَّد المصنف إسناده، وحَسَّنه الحافظ في الفتح (١٨٩/٧)، وفي إسناده حُدَيْج بن معاوية ضعفه
أبو زرعة الرازي وأبو داود والنسائي وابن سعد وابن ماكولا ، وقال البخاري : يتكلمون في بعض حديثه ، وقال ابن
حبان في المجروحين : منكر الحديث كثير الوهم على قلة روايته ، وقال الدار قطني : يغلب عليه الوهم ، ولم يحسن
القول فيه سوى أحمد ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، في بعض حديثه وهم، يكتب حديثه . يعني للاعتبار في
الشواهد والمتابعات . فمثل هذا لا يحتمل التفرد ( وتنظر ترجمته في تهذيب الكمال (٤٨٨/٥ - ٤٩٠)، وتحرير
التقريب ٢٥٦/١) .
(٥) دلائل النبوة (١/ ٣٣٠) وليس فيه من هذه الأسانيد إلا الأخير، وأما الأول هذا فقد رواه أبو نعيم في الحلية =

٢٨٧
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله خالي
الغلابى (١)، حدَّثنا عبد الله بن رجاء، حدّثنا إسرائيل ح وحدَّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا [ محمد بن
زكريا، حدَّثنا الحسن]٢) بن علَّويه القطَّان، حدَّثنا عباد(٣) بن موسى الخُتَّلي ، حدّثنا إسماعيل بن
جعفر، حدّثنا إسرائيل ح(٤) وحدَّثنا أبو أحمد، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه ، حدَّثنا إسحاق بن
إبراهيم - هو ابن راهويه - حدَّثنا عبيد الله(٥) بن موسى ، حدَّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن
أبي بردة، عن أبي موسى. قال: أمرنا رسولُ الله ◌ََّ أنْ ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرضٍ
النجاشيّ ، فبلغ ذلك قريشاً ، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد ، وجمعوا للنجاشيِّ هدية ،
وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية ، فقبلها ، وسجدًا له ، ثم قال عمرو بن العاص : إنَّ ناساً من أرضنا
رَغِبوا عن ديننا وهم في أرضك . قال لهم النجاشي : في أرضي ؟ قالا : نعم ! فبعث إلينا ، فقال لنا
جعفر : لا يتكلّمْ منكم أحد، أنا خطيبُكم اليوم ، فانتهينا إلى النجاشي ، وهو جالسٌ في مجلسه
وعمرو بن العاص عن يمينه ، وعُمارة عن يساره . والقسِّيسُونَ جلوسٌ سماطَيْن . وقد قال لهم عمرو
وعُمارة : إنهم لا يسجدون لك . فلما انتهينا بدرَنا مَنْ عندَهُ من القسِّيسينَ والرُّهبان : اسجدوا للملك.
فقال جعفر : لا نسجدُ إلا لله عز وجل . [ فلما انتهينا إلى النجاشي قال : ما منعك أن تسجد ؟ قال :
لا نسجدُ إلا لله ]٦) . فقال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إنَّ الله بعث فينا رسولًا - وهو الرسولُ الذي
بشَّرَ به عيسى ابنُ مريم عليه الصلاة والسلام(٧): ﴿ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ: أَخَذٍ﴾ فأمرنا أنْ نعبدَ اللهَ ولا نشركَ به
شيئاً ، [ونقيمَ الصلاة ]٨)، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر. فأعْجَبَ النجاشيَّ
قولُه ، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص ، قال : أصلح الله الملك إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم ،
فقال النجاشي لجعفر : ما يقولُ صاحبُكم في ابن مريم ؟ قال : يقول فيه قول الله: هو رُوحُ الله وكلمته ،
أخرجه من العذراء البَتُول التي لم يَقْرَبْها بشر، ولم يَفْتَرِضْها ولد (٩) : فتناول النجاشيُّ عُوداً من الأرض
فرفعه فقال: يا معشر القسِّيسينَ والرُّهْبان، ما يزيد١٠ُ) هؤلاء على ما نقول في ابن مريم ولا وزْنَ هذه .
(١١٤/١). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣١/٦) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
=
(١) الغَلاَبي بالتخفيف كما في اللباب (٣٩٥/٢).
(٢) ما بين المعقوفين ليس في ح وبدلاً عنه : سليمان .
(٣) في ح : عباس بن موسى . وهو تحريف .
(٤) هذا الإسناد في دلائل أبي نعيم المشار إليه في الحاشية (١).
(٥) في دلائل أبي نعيم : عبد الله . تحريف ، والمثبت من ح وترجمته في سير أعلام النبلاء (٩/ ٥٥٣) وتذكرة الحفاظ
(٣٥٣/١) .
(٦) ليس ما بين المعقوفين في ح ولا دلائل أبي نعيم ولا الحلية ، وانفردت به ط .
زاد في الحلية : قال . والآية (٦) من سورة الصف .
(٨) ليس ما بين المعقوفين في ح .
(٧)
(٩) في ح، ط: يفرضها، والمثبت من الحلية (١/ ١١٥).
(١٠) في ح ، ط : ما يزيدون ، والمثبت من الحلية .

٢٨٨
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله صل}}
مرحباً بكم وبمن جئتُم من عنده ، فأنا أشهد أنه رسول الله ، وأنه الذي بشَّرَ به عيسى ، ولولا ما أنا فيه من
الملك لأتيتُه حتى أقبّل نعلَيْه ؛ امكثوا في أرضي ما شتئم ، وأمر لنا بطعام وكسوة وقال : ردُّوا على هذَيْن
هديتَهما .
وكان عمرو بن العاص رجلاً قصيراً ، وكان عُمارة رجلاً جميلاً ، وكانا أقبلا في البحر ، فشربا ومع
عمرو امرأتُه ، فلما شربا قال عمارة لعمرو مُرِ امرأتك فلْتقبّلني . فقال له عمرو : ألا تستحي ؟ فأخذ عُمارة
عَمْراً فرَمَى به في البحر ، فجعل عمرو : يناشد عمارة حتى أدخله السفينة ، فحقد عليه عمرٌو في ذلك .
فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خَلَفَ(١) عُمارةُ في أهلك(٢) ، فدعا النجاشيُّ بعمارة ، فنفخ في
إحليله ، فطار مع الوحش .
وهكذا رواه الحافظ البيهقي في الدلائل (٣) من طريق أبي علي الحسن بن سلام السوَّاق، عن
عبيد الله بن موسى ، فذكر بإسناده مثلَه ، إلى قوله : فأمر لنا بطعام وكسوة . قال : وهذا إسنادٌ
صحيح ، وظاهرهُ يدلُّ على أنَّ أبا موسى كان بمكة ، وأنه خرج مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض
الحبشة ، والصحيح عن يزيد بن عبد الله بن أبي بُرْدَة ، عن جدّه أبي بُردة ، عن أبي موسى : أنهم بلغهم
مَخْرَجُ رسولِ اللهِ وَّ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضع وخمسين رجلاً في سفينة ، فألْقَتْهم
سفينتُهم إلى النجاشيِّ بأرضِ الحبشة ، فوافقوا جعفر بن أبي طالبٌ وأصحابَهُ عندهم(٤) ، فأمره(٥) جعفر
بالإقامة، فأقاموا عنده حتى قدموا على رسولِ الله وَّه زمنَ خيبر. قال: وأبو موسى شهِدَ ما جرى بين
جعفر وبين النجاشي، فأخبر عنه. قال: ولعلَّ الراوي وهَم في قوله: أمرنا رسولُ اللهِ وَّل أن ننطلق؛
والله أعلم .
وهكذا رواه البخاري في باب هجرة الحبشة ٦): حدّثنا محمد بن العلاء، حدَّثنا أبو أسامة، حدَّثنا
بُرَيْدُ(٧) بن عبد الله عن أبي بُرْدَة، عن أبي موسى قال: بلَغَنا مَخْرَجُ النبيِّ بَّهِ ونحن باليمن ، فركبنا
سفينةً ، فألقَتْنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة ، فوافَقْنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأقمنا معه حتى
قدِمْنا، فوافَيْن٨ُ) النبيَّ ◌َّهِ حين افتتح خَيْبَر، فقال النبيُّ بِّهِ: ((لكم أنتم أهلَ السفينةِ هجرتان)). وهكذا
(١) في ط : خلفك ، والمثبت من ح ومن دلائل أبي نعيم .
(٢)
في ح : في الملك .
(٣) دلائل النبوة للبيهقي (٢٩٩/٢).
(٤)
في دلائل البيهقي : عنده .
(٥)
في دلائل البيهقي : فآمرهم .
فتح الباري (٣٨٧٦) مناقب الأنصار باب هجرة الحبشة .
(٦)
في ح ، ط : يزيد . وهو تصحيف ، والمثبت من فتح الباري وترجمته في تهذيب الكمال (٤/ ٥٠).
(٧)
(٨) كذا في ح ، ط وفي فتح الباري : فوافقنا.

٢٨٩
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله معالجة
رواه مسلمٌ(١) عن أبي كُريب وأبي عامر عبد الله بن بَراد [ بن يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى ]٢) كلاهما
عن أبي أسامة به ، وروياه في مواضع أُخر مطولاً . والله أعلم .
وأما قصة جعفر مع النجاشي فإنَّ الحافظ ابن عساكر رواها في ترجمة جعفر بن أبي طالب من
((تاريخه(٣) من رواية نفسه ، ومن رواية عمرو بن العاص . وعلى يديهما جرى الحديث ، ومن رواية
ابن مسعود كما تقدم . وأم سلمة كما سيأتي . فأما رواية جعفر فإنها عزيزة جداً . رواها ابن عساكر عن
أبي القاسم [ السمر قندي ، عن أبي الحسين بن النقُّور، عن أبي طاهر المخلِّص ، عن أبي القاسم (٤)
البَغَوِي، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن الجُعْفي ، عن عبد الله بن عمر(٥) بن أبان، حدَّثنا أسد بن عمرو
البَجَلي ، عن مجالد بن سعيد ، عن الشعبي ، عن عبد الله بن جعفر ، عن أبيه . قال : بعثتْ قريشٌ
عمرو بن العاص وعمارةَ بن الوليد بهديَّةٍ من أبي سفيان إلى النجاشي . فقالوا له - ونحن عنده - : قد صار
إليك ناسٌ من سَفِلَتِنا وسفهائنا ، فادْفَعْهم إلينا . قال : لا ، حتى أسمعَ كلامهم . قال : فبعث إلينا
فقال : ما يقولُ هؤلاء؟ قال : قلنا هؤلاء قوم يعبدونَ الأوثان ، وإنَّ الله بعث إلينا رسولاً فآمنا به
وصدَّقناه . فقال لهم النجاشي : أعبيدٌ هم لكم ؟ قالوا : لا . فقال : فلكم عليهم دَيْن ؟ قالوا : لا .
قال : فخلُّوا سبيلَهم . قال : فخرجْنا من عنده ، فقال عمرو ابن العاص : إنَّ هؤلاء يقولونَ في عيسى
غيرَ ما تقول ، قال : إنْ لم يقولوا في عيسى مثل قولي لم أدَعْهم في أرضي ساعةً من نهار . فأرسل إلينا ،
فكانتِ الدعوةُ الثانية أشدَّ علينا من الأولى . قال : ما يقولُ صاحبُكم في عيسى ابن مريم ؟ قلنا : يقول :
هو رُوحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى عذراء بَتُول ، قال : فأرسل ، فقال : ادعوا لي فلاناً القسّ ، وفلاناً
الراهب . فأتاهُ ناسٌ منهم فقال : ما تقولون في عيسى ابن مريم ؟ فقالوا : أنت أعلمنا ، فما تقول ؟ قال
النجاشي - وأخذ شيئاً من الأرض - قال: ما عَدَا عيسى ما قال هؤلاء مثل هذا، ثم قال أيؤذيكم أحد ؟
قالوا : نعم، فنادى منادٍ : مَنْ آذى أحداً منهم فأغرموه أربعةَ دراهم . ثم قال : أيكفيكُم ؟ قلنا : لا ،
فأضعفها. قال: فلما هاجر رسولُ اللهِ وَلَه إلى المدينة وظهر [ بها قلنا له: إنَّ رسولَ الله ◌ُ له قد ظهر
وهاجر إلى المدينة (٦) ، وقتل الذين كنّا حدثناك عنهم، وقد أردنا الرحيلَ إليه، فزوِّدْنا٧) قال : نعم !
فحملنا وزوَّدنا . ثم قال : [ أخبرْ صاحبَك بما صنعتُ إليكم، وهذا صاحبي معكم أشهدُ أنْ لا إله إلا الله
(١) في صحيحه (٢٥٠٢) (١٦٩) فضائل الصحابة باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس.
(٢) ما بين معقوفين ليس في ح .
(٣) سقطت ترجمة جعفر من النسخ المتبقية من تاريخ ابن عساكر والتي تحتفظ بها خزانة مجمع اللغة العربية بدمشق إلا
أنها لم تسقط من مختصر ابن منظور للتاريخ ، وهذا الخبر بالذات لم يذكره ابن منظور في مختصره .
(٤) ما بين المعقوفين ليس في ح .
في ح : عمرو .
(٥)
(٦) ما بين المعقوفين سقط من ح .
(٧) في ط : فردنا . والمثبت من ح .

٢٩٠
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله ◌ٍ الخد
وأنَّهُ رسولُ الله، وقل له يستغفر لي. قال }(١) جعفر: فخرجْنا حتى أتينا المدينة، فتلقَّاني رسولُ الله وَه
واعتنقني ، ثم قال : (( ما أدري أنا بفتح خيبرَ أفرحُ أمْ بقدوم جعفر؟ (٢) . ووافق ذلك فتحَ خيبر ، ثم
جلس ، فقال رسول النجاشي : هذا جعفر فسلْه ما صنَعَ به صاحبُنا ؟ فقال : نعم ، فعل بنا كذا وكذا
وحمَلَنا وزوَّدَنا ، وشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وقال لي : قل له يستغفر لي . فقام رسولُ الله
وَجَر فتوضأ، ثم دعا ثلاثَ مرَّات: (( اللهمَّ اغْفِرْ للنجاشي)) فقال المسلمون: آمين. ثم قال جعفر:
فقلتُ للرسول: انطلقْ فأخبرْ صاحبَك بما رأيتَ من رسولِ الله وَله .
ثم قال ابن عساكر : حسنٌ غريب .
وأما رواية أمّ سلمة فقد قال يونس بن بُكَير، عن محمد بن إسحاق(٣): حدَّثني الزُّهْري عن
أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام ، عن أمّ سلمة رضي الله عنها . أنها قالت : لما ضاقت علينا
مكة، وأُوذيَ أصحابُ رسولِ اللهِ وَّ وفُتنوا ورأوا ما يصيبُهم من البلاء والفتنة في دينهم ، وأنَّ
رسول اللّه بِّه لا يستطيعُ دفعَ ذلك عنهم، وكان رسولُ اللهَ بِ ◌ّه فِي مَنَعةٍ من قومه ومن عمِّه، لا يصلُ إليه
شيء مما يكره ومما ينالُ أصحابُه، فقال لهم رسولُ الله ◌ََّ: ((إنَّ بأرضِ الحَبَشَةِ مَلِكاً لا يُظلم أحدٌ
عنده ، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه)) فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا
بها ، فنزلنا بخيرٍ دارٍ إلى خير جار ، آمنين على ديننا ، ولم نخش فيها ظلماً .
فلما رأتْ قريشٌ أنا قد أصَبْنا داراً وأمْناً ، [غاروا مِنَّا (٤) ، فاجتمعوا على أنْ يبعثوا إلى النجاشي فينا
ليخرجونا من بلاده وليردَّنا عليهم ، فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، فجمعوا له هدايا
ولبطارقته ، فلم يدعوا منهم رجلاً إلا هيّؤوا له هدية على حدة ، وقالوا لهما : ادفعوا إلى كل بِطْرِيقٍ هديتَهُ
قبل أن تتكلَّموا فيهم ، ثم ادفعوا إليه هداياه ، فإن استطعتم أن يردّهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا .
فقدما عليه فلم يبقَ بطريقٌ من بطارقته إلا قدَّموا إليه هديته ، فكلَّموه فقالوا له : إنما قدِمنا على هذا الملك
في [ سفهاء من ٣°) سفهائنا ، فارقوا أقوامهم في دينهم ، ولم يدخلوا في دينكم . فبعثنا قومهم ليردَّهم
الملك عليهم ، فإذا نحن كلَّمناه فأشيروا عليه بأن يفعل . فقالوا : نفعل . ثم قدَّموا إلى النجاشي هداياه ،
(١) ما بين المعقوفين سقط من ح .
(٢) سيأتي تخريج الحديث في (ص٢٩٦ ح٤).
(٣) السير والمغازي (ص٢١٣) واللفظ له، وسيرة ابن هشام (٣٣٤/١) والروض (٨٧/٢) وأخرجه البيهقي في الدلائل
(٢/ ٣٠١) عن الحاكم وأحمد بن الحسن القاضي وأبي سعيد بن أبي عمرو عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن
يونس به . وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (١٩٤) عن محمد بن أحمد حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه حدثنا
إسحاق بن إبراهيم حدثنا وهب بن جرير عن جرير عن محمد بن إسحاق به .
(٤) ليس ما بين المعقوفين في مصادر الخبر .
(٥) ما بين معقوفين من مصادر الخبر .

٢٩١
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله حالة.
وكان من أحبّ ما يُهْدُون إليه من مكة الأدَم - وذكر موسى بن عُقبة أنَّهم أهدَوْا إليه فرساً وجُبَّةَ ديباج - فلما
أدخلوا عليه هداياه قالوا له : أيها الملك ، إنَّ فتية منا سفهاء فارقوا دينَ قومهم ولم يدخلوا في دينك ،
وجاؤوا بدينٍ مبتدَعِ لا نعرفُه، وقد لجؤوا إلى بلادك، فَبَعَثَنَا إليك فيهم عشائرُهم، آباؤهم وأعمامُهم
وقومُهم لتردّهم عليهم، فإنهم أعْلَى بهم عينً(١) ، [ فقالت بطارقته : صدقوا أيها الملك، لو رددتهم
عليهم كانوا هم أعلى بهم عيناً }(٢)، فإنهم لن(٣) يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك . فغضب ثم قال :
لا لعمر الله، لا أردُّهم عليهم حتى أدعوَهم ، فأكلمهم وأنظر ما أمْرُهم ، قوم لجؤوا إلى بلادي ،
واختاروا جِوَاري على جوار غيري ، فإنْ كانوا كما يقولون رددتُهم عليهم ، وإنْ كانوا على غير ذلك
منعتُهم ولم أدخلْ بينهم وبينهم ، ولم أنعم عيناً .
[ وذكر موسى بن عقبة أنَّ أمراءَه أشاروا عليه بأن يردّهم إليهم . فقال: لا والله ! حتى أسمع
كلامهم ، وأعلم على أيِّ شيءٍ هم عليه ؟ فلما دخلوا عليه سلَّموا ولم يسجدوا له ، فقال : أيُّها الرَّهْط ،
ألا تحدِّثوني ، ما لكم لا تحيُّوني كما يُحَيِّينِي مَنْ أتانا من قومكم ؟! فأخبروني ماذا تقولونَ في عيسى
وما دينكم ؟ أَنَصَارَى أنتم ؟ قالوا : لا . قال : أفيهودُ أنتم ؟ قالوا : لا . قال : فعلى دينِ قومكم ؟
قالوا : لا . قال : فما دينُكم ؟ قالوا : الإسلام . قال : وما الإسلام ؟ قالوا : نعبدُ الله لا نشركُ به شيئاً.
قال : مَنْ جاءكم بهذا؟ قالوا : جاءنا به رجلٌ من أنفسنا ، قد عرفْنا وجهه ونسَبَه ، بعثه الله إلينا كما بعث
الرُّسلَ إلى مَنْ قبلنا، فأمَرَنا بالبِرِّ والصدَقة، والوفاء ، وأداءِ الأمانة . ونهانا أن نعبدَ الأوثان، وأمَرَنا
بعبادةِ الله وَحْدَه لا شريك له ، فصدَّقْناه، وعرَفْنا كلامَ الله، وعلمنا أنَّ الذي جاءَ به من عند الله ، فلما
فعلنا ذلك عادانا قومُنا ، وعادوا النبيَّ الصادقَ وكذَّبوه ، وأرادوا قتله ، وأرادونا على عبادة الأوثان ،
ففرَرْنا إليك بديننا ودمائنا من قومنا . قال : والله إنَّ هذا لمن المِشْكاة التي خرج منها أمْر موسى . قال
جعفر: وأمَّا التحيَّة فإنَّ رسولَ الله ◌َ لهَ أخبرَنا أنَّ تحيَّةَ أهلِ الجنة السلام، وأمَرَنا بذلك فحيَّيْناكَ بالذي
يُحَيِّي بعضُنا بعضاً . وأما عيسى ابنُ مريم فعبدُ الله ورسولُه وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه ، وابنُ
العذراء البَتُول . فأخَذَ عوداً وقال : والله ما زاد ابنُ مريم على هذا وزن هذا العُود . فقال عظماء الحبشة :
والله لئن سمعتِ الحبشةُ لتخلعنَّك . فقال : والله لا أقول في عيسى غير هذا أبداً . وما أطاعَ اللهُ الناسَ فيَّ
حين ردَّ عليَّ ملكي فأطعُ(٤) الناسَ في دين الله. معاذ الله من ذلك . وقال يونس عن ابن إسحاق: }°).
فأرسل إليهم النجاشيُّ فجمعهم، ولم يكن شيءٌ أبغضَ لعمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة
(١) ((أعلى بهم عيناً)): أي أبصرُ بهم وأعلمُ بحالهم. اللسان ( علو).
(٢) ما بين معقوفين مستدرك من مصادر الخبر .
(٣) في السير ودلائل البيهقي : لم .
(٤) كذا، والصواب : فأطيع، كما سيأتي (ص٢٩٥ س٣).
(٥) هنا تتمة الخبر، وما بين معقوفين ليس في ح ولا في مصادر الخبر المشار إليها في الحاشية (٤) من الصفحة السابقة .

٢٩٢
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله عَ ليه
من أن يسمعَ كلامهم . فلما جاءهم رسولُ النجاشي اجتمع القومُ فقالوا : ماذا تقولون ؟ فقالوا : وماذا
نقول، نقول والله ما نعرف. وما نحن عليه من أمْر ديننا، وما جاء به نبيُّنا وَّ كائنٌ من ذلك ما كان، فلما
دخلوا عليه كان الذي يكلِّمُه منهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه . فقال له النجاشي : ما هذا الدينُ
الذي أنتم عليه ؟ فارقتم دين قومكم ولم تدخلوا في يهودية ، ولا نصرانيَّة . فقال له جعفر : أيها الملك ،
كنَّا قوماً على الشِّرْك نعبدُ الأوثان، ونأكلُ المَيْتَة، ونُسيءُ الجِوار، ونستحلُّ(١) المحارم، بعضُنا من
بعض في سفك الدماء وغيرها ، لا نحلُّ شيئاً ولا نحرِّمه ، فبعث الله إلينا نبيّاً من أنفسنا ، نعرف وفاءه
وصدقه وأمانته ، فدعانا إلى أنْ نعبد الله وحدَهُ لا شريكَ له ونَصِلَ الأرحام ونحميَ(٢) الجوار ونصلِّيَ للهِ عِزَّ
وجلَّ ، ونصومَ له ، ولا نعبدَ غيرَه .
وقال [ زياد عن ابن إسحاق: فدعانا إلى الله لنوحِّدَه ونعبده ونخلعَ ما كنا نعبدُ نحن وآباؤنا من دونه
من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدْقِ الحديث ، وأداء الأمانة ، وصِلَةِ الأرحام ، وحسن الجوار ،
والكفِّ عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقَوْل الزُّور ، وأكْلِ مال اليتيم ، وقذف المحصنة ،
وأمرنا أن نعبدَ الله ولا نشرك به شيئاً ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام قال - فعدُّوا عليه أمورَ الإسلام -
فصدَّقْناه وآمنًا به ، واتبعناه على ما جاء به من عند الله ، فعبَدْنا الله وحده لا شريك له ولم نشرك به شيئاً ،
وحرَّمْنا ما حرَّم علينا ، وأحْلَلْنا ما أحلَّ لنا ، فعَدَا علينا قومُنا فعذَّبُونا ليفتنونا عن ديننا ويردُّونا إلى عبادةِ
الأوثان عن عبادة الله ، وأن نستحلَّ ما كنَّا نستحلُّ من الخبائث ؛ فلما قهرونا وظلمونا وضيَّقُوا علينا وحالوا
بيننا وبين ديننا خرجْنا إلى بلادِك واخترناك على مَنْ سواك ورغبنا في جوارِك ورجَوْنا أن لا نُظْلَم عندك أيها
الملك .
قالت(٣) : فقال النجاشي ](٤) : هل معك شيءٌ مما جاء به؟ وقد دعا أساقفته فأمرهم فنشروا
المصاحفَ حوله . فقال له جعفر : نعم . قال : هلمَّ فاتْلُ عليَّ مما جاء به ، فقرأ عليه صدراً من
كهيعص ، فبكى والله النجاشي حتى اخضلَّتْ لحيتُه، وبكتْ أساقفتُه حتى أخْضَلُوا مصاحفهم . ثم قال :
إنَّ هذا الكلام ليخرج من المشْكاة التي جاء بها موسى(٥) ، انطلقوا راشدين، لا والله لا أردُهم عليكم
ولا أُنْعِمُكم عينا٦ً) . فخرجْنا من عنده وكان أتقى الرجلَيْن فينا عبد الله بن أبي ربيعة ؛ فقال عمرو بن
(١) في ح : ونحل ، وفي ط : يستحل ، والمثبت من السير والدلائل .
(٢) في مصادر الخبر : ونحسن .
(٣) يعني أم سلمة كما جاء في أول الخبر .
(٤) ما بين المعقوفين ليس في مصادر الخبر المذكورة في ح (٣) ص (٢٩٠).
(٥) في بعض نسخ سيرة ابن هشام ودلائل البيهقي : عيسى .
(٦) أي: لا أجعل أعينكم تقرُّ بهم. يقال : نعم ونعمة عين : أي: قرة عين ، يعني أقرُّ عينك بطاعتك واتباع أمرك .
اللسان ( نعم ) .

٢٩٣
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله الخالق
العاص : والله لآتينَّه غداً بما أستأصل به خضراءهم، ولأخبرته أنهم يزعمون أنَّ إلَهه الذي يعبد عيسى ابن
مريم عبد. فقال له عبد الله بن أبي ربيعة : لا تفعل فإنَّهم وإن كانوا خالفونا فإنَّ لهم رحماً ولهم حقاً .
فقال : والله لأفعلن !.
فلما كان الغد دخل عليه فقال : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى قولاً عظيماً . فأرسل إليهم
فسلْهم عنه . فبعث والله إليهم ولم ينزل بنا مثلُها ، فقال بعضُنا لبعض : ماذا تقولون له في عيسى إن هو
سألكم(١) عنه؟ فقالوا : نقول والله الذي قاله الله فيه ، والذي أمرَنا نبيُّنا أن نقوله فيه ، فدخلوا عليه وعنده
بطارقته فقال : ما تقولونَ في عيسى ابن مريم ؟ فقال له جعفر : نقولُ هو عبد الله ورسوله وروحُه وكلمته
ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول . فدلَّى النجاشيُّ يده إلى الأرض ، فأخذ عوداً بين أصبعيه فقال : ما عدا
عيسى ابن مريم مما قلت هذا العُوَيد . فتناخرتْ بطارقته . فقال : وإن تناخرتُم والله! اذهبوا فأنتم سُيُومٌ
في الأرض - الشُُّوم : الآمنون في الأرض(٢) - مَنْ سبَّكم غَرِم، من سبَّكم غرِم ، من سبَّكم غرِم - ثلاثاً -
ما أُحِبُّ أنَّ لِي دَبْراً وأني آذَيْتُ رجلاً منكم - والدَّبْرُ بلسانهم الذهب.
وقال زياد عن ابن إسحاق: ما أُحِبُّ أنَّ لي دَبْراً من ذهب؛ قال ابن هشام: ويقال: دَبْر(٣) ، وهو
الجبل بلغتهم - ثم قال النجاشي: فوالله ما أخذ اللهُ مني الرِّشْوَة حين ردَّ عليَّ مُلْكي، ولا أطاعَ الناسَ فيّ
فأطيع الناس فيه . رُدُّوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها ، واخْرُجا من بلادي : فخرجا مقبوحَيْن مردوداً
عليهما ما جاءا به .
قالت : فأقمنا مع خير جارٍ في خير دار ، فلم ينشَبْ أنْ خرجَ عليه رجلٌ من الحبشة ينازعُه في مُلْكه ،
فوالله ما علمنا حُزْناً حزِنَّا قطُ هو أشدَّ منه ، فرَقاً من أن يظهر ذلك الملكُ عليه ، فيأتي ملكٌ لا يعرفُ من
حقِّنا ما كان يعرفه، فجعلْنا ندعو الله ونستنصرُه للنجاشي فخرج إليه سائراً، فقال أصحابُ رسولِ الله وَل
[ بعضهم لبعض (٤) : مَنْ رجلٌ يخرجُ فيحضر الوقعة حتى ينظرَ على مَنْ تكون ؟ وقال الزُّبير - وكان من
أحدثهم سِنّاً - : أنا . فنفَخُوا له قِرْبَةً فجعلها في صدره ، فجعل يسبحُ عليها في النِيل حتى خرج من شِقِّه
الآخر إلى حيث التقى الناس ، فحضر الوقعة ، فهزم الله ذلك الملك وقتله ، وظهر النجاشيُّ عليه . فجاءنا
الزُبير ، فجعل يُليحُ لنا بردائه ويقول : ألا فأبشروا ، فقد أظهر الله النجاشيّ . قلت : فوالله ما علمنا فرِحْنا
(١) في ح ، ط : يسألكم ، والمثبت من مصادر الخبر .
(٢) في النهاية لابن الأثير ( سيم ) : امكثوا فأنتم سيوم . أي آمنون : كذا جاء تفسيره في الحديث ، وهي كلمة حبشية ،
وتروى بفتح السين . وقيل : سيوم جمع سائم ، اي تسومون في بلدي كالغنم السائمة لا يعارضكم أحد . اهـ .
وفي ح والسير والمغازي : شيوم . بالشين المعجمة .
(٣) في ط: زبراً، وفي ح: زيراً، وكلاهما تصحيف، والمثبت من سيرة ابن هشام (٣٣٨/١) والنهاية لابن الأثير
( دبر ) .
(٤) ما بين المعقوفين ليس في ح وهو من دلائل البيهقي .

٢٩٤
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله الخ
بشيءٍ قطُ فرَحَنا بظهور النجاشيّ ؛ ثم أقمنا عندَهُ حتى خرج من خرج منَّا [ راجعاً }(١) إلى مكة ، وأقام من
أقام .
قال الزُّهري : فحدثتُ هذا الحديث عروة بن الزُّبير عن أمّ سلمة . فقال عروة : أتدري ما قولُه
ما أخذ الله مني الرَّشْوة حين ردًّ عليَّ مُلْكي فأخذ الرشوة فيه ، ولا أطاع الناس فِيَّ فأطيع الناس فيه ؟ فقلت
لا ، ما حدَّثني ذلك أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أمّ سلمة . فقال عروة : فإنَّ عائشة
حدثَتْنِي أَنَّ أباه كان مَلَكَ قومَه ، وكان له أخٌ له من صُلْبه اثنا عشر رجلاً، ولم يكنْ لأبي(٢) النجاشي ولدٌ
غيرَ النجاشي ، فأدارتِ الحبشةُ رأيها بينها فقالوا : لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملَّكنا أخاه فإنَّ له اثني عشر
رجلاً من صُلْبه فتوارثوا الملك، لبقيتِ الحبشة عليهم دَهْراً طويلاً لا يكون بينهمُ اختلاف ، فغدَوْ(٣) عليه
فقتلوه وملَّكوا أخاه . فدخل النجاشي لعمِّه حتى غلب عليه ، فلا يدبِّر أمْرَهُ غيرُه ، وكان لبيباً حازماً من
الرجال ، فلما رأتِ الحبشةُ مكانَهُ من عمّه قالوا : قد غلب هذا الغلام على أمر عمِّه ، فما نأمن أنْ يملِّكه
علينا ، وقد عرف أنا قتلنا أباه ، فلئن فعل لم يدَغْ منَّا شريفاً إلا قتله ، فكلِّموه فيه فلْيقتله أو ليخرجنه من
بلادنا ، فمشَوْا [ إلى عمه فقالوا: قد رأينا مكان هذا الفتى منك، وقد عرفتَ أنَّا قتلنا ٤) أباه وجعلناكَ
مكانه، وإنَّا لا نأمنُ أنْ يُمَلَّك علينا فيقتلنا، فإمَّا أنْ تقتله وإمَّا أن تخرجَهُ من بلادنا . قال : ويحكم قتلتم
أباه بالأمس وأقتلُه اليوم ! بل ◌ُخرجه من بلادكم.
فخرجوا به فوقفوه في السوق وباعوه من تاجر من التجَّار قذفه في سفينة بستمئة درهم أو بسبعمئة(٥) ،
فانطلق به فلما كان العشي هاجَتْ سحابةٌ من سحائب الخريف فخرج عمه يتمطَّرُ تحتها فأصابته صاعقةٌ
فقتلَتْه ، ففزعوا إلى ولده فإذا هم محمقون ليس في أحدٍ منهم خير ، فمرجَ على الحبشة أمْرُهمُ(٦) ، فقال
بعضُهم لبعض : تعلمون والله إنَّ مَلِكَكم الذي لا يُصلح أمرَكم غيرُه للَّذي بعتُمْ بالغَدَاة ، فإنْ كان لكم بأمْرٍ
الحبشةِ حاجة فأدركوه قبل أن يذهب .
فخرجوا في طلبه ، فأدركوه فردُّوه ، فعقدوا عليه تاجَه ، وأجلسوه على سريره وملَّكوه . فقال
التاجر : ردُّوا عليَّ مالي كما أخذتُمْ مني غلامي ، فقالوا: لا نُعطيك. فقال : إذاً والله لأكلمنَّه . فمشى
إليه فكلَّمه فقال : أيُّها الملك ، إني ابتعتُ غلاماً فقبض مني الذينَ باعونيه(٧) ثمنه، ثم عدَوْا على غلامي
الزيادة من السير والمغازي والدلائل .
(١)
في ح ، ط : لأب ، والمثبت من السير والمغازي والدلائل .
(٢)
(٣)
في ط والدلائل : فعدوا . بالعين المهملة .
ما بين المعقوفين ليس في ح وهو من دلائل البيهقي .
(٤)
(٥)
في ح : أو تسع مئة .
(٦) أي التبس واختلط. اللسان (مرج).
(٧) في ط : الذي باعوه ، والمثبت من ح .

٢٩٥
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله الخالق
فنزعوه من يدي ولم يردُّوا عليَّ مالي. فكان أولَ ما خُبر به من صلابةِ حُكمه وعَدْله أن قال : لتردُّنَّ عليه
ماله . أو لتجعلنَّ يدَ غلامِهِ في يده ، فليذهبنَّ به حيث شاء . فقالوا : بل نعطيه ماله فأعْطَوْه إياه ، فلذلك
يقول : ما أخذ الله مني الرِّشوَة فَآخذَ الرشوة حين ردَّ عليَّ ملْكي، وما أطاع الناسَ فيّ فأطيع الناسَ فيه .
وقال موسى بن عقبة (١) : كان أبو النجاشي ملكَ الحبشة ، فمات والنجاشيُّ غلامٌ صغير ، فأوصى
إلى أخيه : أنْ إليك ملكُ قومك حتى يبلغَ ابني ، فإذا بلغ فله الملك . فرغب أخوه في الملك ، فباع
النجاشيَّ من بعض التجَّار ، فمات عمُّه من ليلته وقَضَى، فردَّتِ الحبشةُ النجاشيَّ حتى وضعوا التاجَ على
رأسه .
هكذا ذكره مختصراً ، وسياقُ ابن إسحاق أحسنُ وأبْسَطُ ، فالله أعلم .
والذي وقع في سياقِ ابنِ إسحاق . إنما هو ذكر عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ، والذي
ذكره موسى بن عقبة والأموي وغيرُ واحدٍ أنهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بن المغيرة ، وهو أحد
السبعة الذين دعا عليهم رسولُ اللهِ وَّه حين تضاحكوا يوم وُضع سَلا الجَزُورِ على ظهرهِِّ وهو ساجدٌ عند
الكعبة .
وهكذا تقدم في حديث ابن مسعود وأبي موسى الأشعري . والمقصود أنَّهما حين خرجا من مكة كانت
زوجةُ عمرٍو معه ، وعُمارة كان شاباً حسناً ، فاصطحبا في السفينة ، وكان عُمارة طمِعَ في امرأةٍ عمرٍو بن
العاص ، فألقى عَمْراً في البحر ليُهْلكه فسبح حتى رجع إليها . فقال له عُمارة : لو أعلم أنك تُحسن
السباحة لما ألقَيْتُكَ ، فحقد عمرٌو عليه ، فلما لم يقض لهما حاجة في المهاجرين من النجاشي ، وكان
عمارة قد توصَّل إلى بعضِ أهلِ النجاشي ، فوشى به عمرُو فأمر به النجاشيُّ فسُحر حتى ذهب عقلُه وساح
في البرِّيَّة مع الوحوش .
وقد ذكر الأموي قصةً مطوّلة جداً وأنه عاش إلى زمن إمارة عمر بن الخطاب ، وأنه تقصَّده بعضُ
الصحابة ومسكه ، فجعل يقول : أرسلني وإلا متّ . فلما لم يرسله مات من ساعته . فالله أعلم .
وقد قيل : إنَّ قريشاً بعثتْ إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرّتين : الأولى مع عمرو بن العاص
وعمارة، والثانية مع عمرو، وعبد الله بن أبي ربيعة. نص عليه أبو نُعيم في ((الدلائل)(٢) والله أعلم.
وقد قيل : إن البعثة الثانية كانت بعد وقعة بدر ؛ قاله الزهري ، لينالوا ممن هناك ثأراً فلم يُجبهم النجاشيُّ
رضي الله عنه وأرضاه إلى شيءٍ مما سألوا . فالله أعلم .
[وقد ذكر زياد عن ابن إسحاق(٣) : أن أبا طالب لما رأى ذلك من صنيع قريش كتب إلى النجاشيِّ
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٢٩٥/٢).
(٢) دلائل النبوة لأبي نعيم (٣٣١/١).
(٣) السير والمغازي (ص٢٢١) وسيرة ابن هشام (٣٣٣/١) والروض (٨٦/٢).

٢٩٦
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله مَالة
أبياتاً يحضُّه فيها على العَدْل وعلى الإحسان إلى مَنْ نزل عنده من قومه: [ من الطويل ]
وعمرٌو وأعداءُ العدوِّ الأقاربُ
ألا ليت شعري کیفَ في النأي جعفرٌ
وأصحابَهُ أو عاقَ ذلك شاغِبُ
وما١) نالت أفعالُ النجاشيِّ جعفراً
كريمٌ فلا يَشقى إليكَ المُجَانب
تعلَّمُ(٢) - أبيتَ اللعنَ - أنك ماجدٌ
وأسبابَ خير كلُّها بكَ لازِبُ ﴾٣)
تعلَّمْ بأنَّ اللهَ زادك بسطةً
وقال يونس عن ابن إسحاق(٤) : حدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير ، قال : إنما كان يكلِّم
النجاشي عثمان بن عفان رضي الله عنه .
والمشهور أن جعفراً هو المترجم رضي الله عنه .
وقال زياد البكَّائي عن ابن إسحاق(٥): حدّثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة رضي الله
عنها . قالت : لما مات النجاشي كان يتحدث أنه لا يزال يُرى على قبره نور .
ورواه أبو داود(٦) عن محمد بن عمرو الرازي عن سَلَمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق به : لما
مات النجاشيُّ رضي الله عنه كنا نتحدَّث أنه لا يزال يُرَى على قبرِهِ نور .
وقال زياد عن محمد بن إسحاق(٧) : حدَّثني جعفر بن محمد ، عن أبيه قال : اجتمعتِ الحبشة فقالوا
للنجاشي : إنك فارقتَ ديننا وخرجوا عليه ، فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيَّأ لهم سُفُناً وقال : اركبوا فيها
وكونوا كما أنتم فإن هُزمت(٨) فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم ، وإنْ ظفرتُ فاثبتوا . ثم عمد إلى كتاب
فكتب فيه : هو يشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، ويشهدُ أن عيسى عبدُه ورسولُه وروحُه
وكلمتُه ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قَبَائه عند المنكِبِ الأيمن ، وخرج إلى الحبشة ، وصفُّوا له . فقال :
يا معشر الحبشة ألستُ أحقَّ الناس بكم ؟ قالوا : بلى . قال : فكيف أنتم بسيرتي فيكم ؟ قالوا : خير
سيرة . قال : فما بكم(٩) ؟ قالوا: فارقتَ ديننا، وزعمتَ أنَّ عيسى عبد١٠ُ) . قال: فما تقولون أنتم في
(١) في مصادر الخبر: وهل نالت .
(٢) في ط : ونعلم . والمثبت من مصادر الخبر .
(٣) ما بين معقوفين ليس في ح .
السير والمغازي (ص ٢١٧، ٢١٨) ودلائل النبوة للبيهقي (٣٠٦/٢) .
(٤)
السير والمغازي (ص٢١٩) وسيرة ابن هشام والروض (٢/ ٩٠).
(٥)
(٦) في سننه (٢٥٢٣) الجهاد باب في النور يُرى عند قبر الشهيد، وإسناده ضعيف.
(٧) سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٠) والروض (٢/ ٩٠).
(٨) في ح : هربت .
(٩) في سيرة ابن هشام : فما بالكم ، وفي الروض : فمالكم .
(١٠) في ط : عبده ورسوله ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والروض.

٢٩٧
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله مَالله
عيسى ؟ قالوا : نقول هو ابن الله. فقال النجاشي - ووضع يدَهُ على صدره على قبائه - : وهو يشهدُ أنَّ
عيسى ابنُ مريم . لم يزد على هذا، وإنما يعني على ما كَتَب ، فرَضُوا وانصرفوا . فبلغ [ ذلك ]١)
رسول الله وَلَه ، فلما مات النجاشيُّ صلى عليه واستغفر له .
وقد ثبت في الصحيحين (٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله بِّهنعى النجاشيَّ في
اليومِ الذي ماتَ فيه ، وخرَجَ بهم إلى المصلَّى ، فصفَّ بهم وكبّرَ أربعَ تكبيرات .
وقال البخاري : موت النجاشي(٣): حدّثنا أبو الربيع، حدّثنا ابن عُيينة، عن ابن جُرَيج ، عن
عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله وص له - حين مات النجاشي -: (( مات اليومَ رجلٌ صالح، فقوموا
فصلُّوا على أخيكم أصْحَمة )) .
ورُوي ذلك من حديث أنس بن مالك وابن مسعود وغير واحد ، وفي بعض الروايات تسميته
أصحمة، وفي رواية مصحمة(٤). وهو أصحمة بن أبجر(٥) وكان عبداً صالحاً لبيباً زكيا٦ً) ، وكان عادلاً
عالماً رضي الله عنه وأرضاه .
وقال يونس عن إسحاق(٧) : اسم النجاشي مصحمة - وفي نسخة صحَّحَها البيهقي أصحم - وهو
بالعربية عطيّة قال : وإنما النجاشي اسم الملك : كقولك كسرى ، هرقل .
(١) زيادة من مصادر الخبر.
(٢) فتح الباري (١٣٣٣) الجنائز باب التكبير على الجنازة أربعاً. وصحيح مسلم (٦٢ - ٩٥١) الجنائز باب في التكبير
على الجنازة .
(٣) يعني في باب موت النجاشي من كتاب مناقب الأنصار ، فتح الباري (٣٨٧٧).
(٤) قال ابن حجر في الفتح (٢٠٣/٣): وقع في جميع الطرق التي اتصلت لنا من البخاري : أصحمة . بمهملتين بوزن
أفعلة مفتوح العين في المسند والمعلق معاً ، وفيه نظر لأن إيراد المصنف يشعر بأن يزيد خالف محمد بن سنان ، وأن
عبد الصمد تابع يزيد ، ووقع في مصنف ابن أبي شيبة عن يزيد : صحمة ، بفتح الصاد وسكون الحاء ، فهذا متجه ،
ويتحصل منه أن الرواة اختلفوا في إثبات الألف وحذفها . وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد (( أصخمة))
بخاء معجمة وإثبات الألف ، قال : وهو غلط فيحتمل أن يكون هذا محل الاختلاف الذي أشار إليه البخاري .
وحكى كثير من الشراح أن رواية يزيد ورفيقه : صحمة بالمهملة بغير ألف ، وحكى الكرماني أن في بعض النسخ في
رواية محمد بن سنان : أصحبة . بموحدة بدل الميم . اهـ .
(٥) كذا في ح وأصول المطبوعة وصحَّحه ناشرها بـ ((بحر)) محتجاً بالقاموس ، إلا أن الزَّبيدي شارحه قال ( صحم ) :
كذا في النسخ ، والصواب ابن أبجر . اهـ . ثم ساق الخلاف في أصحمة كما بينته عن ابن حجر في الحاشية
السابقة ، وزاد في اختلاف الروايات فيه قوله : صمخة . بتقديم الميم على الخاء ، وقيل غير ذلك مما استوعبه
شراح البخاري. وسيأتي برسم : أبجر ص (٣٠١) نقلا عن البيهقي.
(٦) ليست اللفظة في ح .
(٧) دلائل البيهقي (٣١٠/٢).

٢٩٨
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله الاخر
قلت : كذا١) ولعله يريد به قيصر ، فإنه عَلَمٌ لكلِّ مَنْ ملك الشام مع الجزيرة من بلاد الرُّوم ،
وكسرى علمٌ على مَنْ ملَكَ الفرس ، وفرعون علمٌ لمن ملك مصر كافة (١) ، والمقوقس لمن ملك
الاسكندريَّة، وتُبَع لمن مَلَك اليمن والشِّحْر(٢) ، والنجاشِي لمن مَلَك الحبشة، وبطليموس لمن مَلَك
اليونان وقيل الهند ، وخاقان لمن ملَكَ التُّرك .
وقال بعضُ العلماء إنما صُلِّي عليه لأنه كان يكُم إيمانه من قومه ، فلم يكن عنده يوم مات مَنْ يصلِّي
عليه ، فلهذا صلَّى عليه وَّ. قالوا: فالغائب إنْ كان قد صُلَّي عليه ببلده لا تشرع الصلاة عليه ببلدٍ
أخرى؟ ولهذا لم يصلَّ على النبيِّ وَّ في غير المدينة ، لا أهل مكة ولا غيرهم، وهكذا أبو بكر وعمر
وعثمان وغيرهم من الصحابة لم يُنقَلْ أنه صُلِّي على أحدٍ منهم في غير البلدة التي صُلِّي عليه فيها فالله أعلم.
قلت : وشهود أبي هريرة رضي الله عنه الصلاةَ على النجاشي ، دليلٌ على أنه إنما مات بعد فتح
خَيْبَر(٣) التي قدِم بقيةُ المهاجرين إلى الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم فتح خيبر ، ولهذا
رُوي أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((والله ما أدري بأيّهما أنا أسرّ، بفتح خَيْبَر أمْ بقدوم جعفر بن أبي طالب)(٤)
وقدموا معهم بهدايا وتُحَف من عند النجاشي رضي الله عنه إلى النبيِّ بُّ وصحبتهم أهل السفينة اليمنية
أصحاب أبي موسى الأشعري وقومه من الأشعريِّين رضي الله عنهم ، ومع جعفر هدايا النجاشي ابن أخي
النجاشي ذو مخبر أو ذو مخمر(٥)، أرسله ليخدُمَ النبيَّ ◌َّ عوضاً عن عمِّه رضي الله عنهما وأرضاهما .
وقال السهيلي(٦) : توفي النجاشي في رجب سنة تسع من الهجرة ، وفي هذا نظر . والله أعلم .
وقال البيهقي(٧) : أخبرنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطُّوسي ، حدثنا أبو العباس
(١) ليست اللفظة في حٍ .
(٢) ((الشَّحْر)): الشّط وهو صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن. قال الأصمعي: هو بين عَدَن وعُمان. معجم
البلدان (٣٢٧/٣) .
(٣) كذا في الأصول، ولعل الصواب : في السنة التي .
(٤) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤٤) عن أنس بن سالم الخولاني وأحمد بن خالد بن مسرح قالا: حدّثنا
الوليد بن عبد الملك بن مسرح حدثنا مخلد بن يزيد حدثنا مسعر عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه ، وأخرجه ابن
عدي في الكامل في الضعفاء (١٨٨٤/٥) عن أحمد بن حفص ، حدثنا بكر بن عبد الوهاب حدثنا عيسى بن عبد الله
عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه ؛ وأخرجه البيهقي في السنن (٧/ ١٠١) النكاح باب ما جاء في قبلة ما بين
العينين عن أبي القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وأبي القاسم عبد الواحد بن محمد بن النجار المقرىء بالكوفة
قالا : أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحم حدثنا إبراهيم بن إسحاق القاضي حدثنا قبيصة عن سفيان عن الأجلح
عن الشعبي . مرسلا . وأخرجه ابن عساكر كما تقدم .
(٥) في ط : ذو نخترا أو ذو مخمرا . والمثبت من ح .
(٦) في الروض (٢/ ٩٤).
(٧) في الدلائل (٢/ ٣٠٧) .

٢٩٩
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله الخالق.
محمد بن يعقوب ، حدثنا هلال بن العلاء الرَّقِّي، حدثنا أبي العلاءُ بن هلال(١)، حدثنا أبي (٢) هلالُ بن
العلاء عن أبيه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قدِم وَفْدُ النجاشي على رسولِ اللهِ مَّ فقام
يخدُمهم، فقال أصحابُه: نحن نكفيك [ يا رسول الله ]٣). فقال: ((إنهم كانوا لأصحابي مُكْرِمين،
وإني أُحبُّ أنْ أكافتَهم )) .
ثم قال(٤) : وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أنبأنا أبو سعيد بن الأعرابي ، حدّثنا
هلال بن العلاء، حدَّثنا أبي، حدَّثنا طلحة بن زيد(٥) ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن
أبي سلمة، عن أبي قتادة قال: قدم وفدُ النجاشي على رسولِ الله ◌ِ ل، فقام رسول الله ◌ُ ل يَخْدُمهم،
فقال أصحابُه: نحن نكفيك يا رسول الله. فقال: ((إنهم كانوا لأصحابنا٦) مُكْرِمين، وإنِّي أُحبُّ أنْ
أكافئهم)). تفرَّدَ به طلحة بن زيد عن الأوزاعي (٧).
وقال البيهقي(٨): حدَّثنا أبو الحسين بن بِشْران، حدَّثنا أبو عمرو بن السماك، حدَّثنا حنبلُ بن إسحاق،
حدَّثنا الحُميدي ، حدَّثنا سفيان ، حدَّثنا عمرو قال: لما قدم عمرُو بن العاص من أرض الحبشة جلس في
بيته فلم يخرجْ إليهم ، فقالوا : ما شأنه ماله لا يخرج ؟ فقال عمرو: إنَّ أصْحَمةَ يزعم أنَّ صاحبكم نبيّ .
قال ابن إسحاق(٩) : ولما قدم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة على قريش، ولم يدركوا
ما طلبوا من أصحابِ رسولِ الله وَئيل ، وردهم النجاشي بما يكرهون ، وأسلم عمر بن الخطاب ، وكان
رجلاً ذا شَكِيمة لا يُرام ما وراء ظهره، امتنع به أصحابُ رسولِ الله وَلَهَ وبحَمْزَة حتى غاظوا١٠) قريشاً،
فكان عبد الله بن مسعود يقول : ما كنَّا نقدِرُ على أنْ نصلِّي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر
قاتل قريشاً حتى صلَّى عند الكعبة وصلَّينا معه .
قلت : وثبت في صحيح البخاري(١١) عن ابنِ مسعود أنه قال: ما زلنا أعِزَّةً منذُ أسْلَمَ عمر(١٢)
(١) في ط : العلاء بن مدرك، وهو تحريف ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي وترجمته في تهذيب التهذيب.
(٢) في ط : أبو والمثبت من ح والدلائل .
(٣) ليس ما بين المعقوفين في ح أو الدلائل .
(٤) يعني البيهقي في الدلائل (٣٠٧/٢).
(٥) في الدلائل : يزيد تحريف ، والمثبت من ح، ط وترجمته في تهذيب الكمال (١٣/ ٣٩٥).
(٦) في ح : لأصحابي .
(٧) وهو متروك ، بل قال أحمد وعلي وأبو داود : كان يضع الحديث (بشار).
(٨) في الدلائل أيضاً (٣٠٧/٢).
(٩) سيرة ابن هشام (٣٤٢/١) والروض (٩٥/٢).
(١٠) كذا في ط ، وفي ح : غاروا براء مهملة ، وفي سيرة ابن هشام والروض : غازوا.
(١١) فتح الباري (٣٦٨٤) فضائل الصحابة باب مناقب عمر بن الخطاب. و(٣٨٦٣) مناقب الأنصار باب إسلام عمر بن الخطاب.
(١٢) في ط: ((عمر بن الخطاب))، وليست في ح ولا في صحيح البخاري الذي ينقل منه المصنف .

٣٠٠
باب هجرة من هاجر من أصحاب رسول الله وليد
وقال زياد البكَّائي(١): حذَّثني مِسْعَر بن كِدَام، عن سعد بن إبراهيم قال: قال ابنُ مسعود: إنَّ
إسلامَ عمر كان فتحاً ، وإنَّ هجرتَه كانتْ نصراً ، وإنَّ إمارته كانت رحمة ، ولقد كنَّا وما نصلِّي عند الكعبة
حتى أسلم عمر ، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى صلَّى عند الكعبة وصلَّينا معه .
قال ابن إسحاق(٢): وكان إسلامُ عمر بعد خروج مَنْ خرج من أصحاب رسولِ الله مَّةٍ إلى الحبشة.
حدّثني(٣) عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، عن عبد العزيز بن عبد الله بن
عامر بن ربيعة ، عن أمِّه أمّ عبد الله بنت أبي حَثْمة قالت : والله إنَّا لنترحل إلى أرض الحبشة وقد ذهب
عامرٌ في بعض حاجتنا ، إذْ أقبل عمر فوقف عليَّ وهو على شِرْكه ؛ فقالت : وكنّا نلقى منه أذى لنا وشدَّةً
علينا قالت : فقال : إنه للانطلاق يا أمَّ عبد الله . قلت : نعم والله، لنخرجنَّ في أرض من أرض الله إذ
آذيتمونا وقهرتمونا؟ حتى يجعل اللهُ لنا مخرجاً. قالت : فقال: صحِبَكُم الله ورأيتُ له رِقَّةً لم أكنْ
أراها . ثم انصرفَ وقد أحزنه - فيما أرى - خروجُنا . قالت : فجاء عامر بحاجتنا تلك ، فقلت له :
يا أبا عبد الله لو رأيتَ عمر آنفاً ورقَّته وحُزْنَهُ علينا . قال : أطمعتِ في إسلامه ؟ قالت : قلت نعم! قال :
لا يُسلم الذي رأيتِ حتى يُسلم حمار الخطّاب. قالت: يَأْساً منه لما كان يُرى من غِلْظَتِه وقسوته على
الإسلام .
قلت : هذا يردُّ قولَ من زعم أنه كان تمام الأربعينَ من المسلمين ، فإن المهاجرين إلى الحبشة كانوا
فوق الثمانين ، اللهم إلا أنْ يُقال : إنه كان تمام الأربعين بعد خروج المهاجرين ؛ ويؤيد هذا ما ذكره ابنُ
إسحاق هاهنا في قصة إسلام عمر وحده رضي الله عنه، وسياقها فإنه قال(٤) : وكان إسلام عمر فيما بلغني
أنَّ أختَهُ فاطمة بنت الخطّاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل كانت قد أسلمت وأسلم زوجُها
سعيد بن زيد، وهم مستخفُون بإسلامهم من عُمر ، وكان نُعيم بن عبد الله النخَّم - رجلٌ من بني عَدِيّ - قد
أسلم أيضاً مستخفياً بإسلامه من قومه ، وكان خَبَّابُ بن الأرَتّ يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يُقرئها
القرآن، فخرج عمرُ يوماً متوشّحاً سيفه يريدُ رسولَ الله ◌َّهِ ورَهْطاً من أصحابه ، فذكروا له أنهم قد
اجتمعوا في بيتٍ عند الصَّفا، وهم قريبٌ من أربعينَ من بين رجالٍ ونساءٍ ، ومع رسولِ اللهِ ◌ُّلّعمُّه حمزة
وأبو بكر بن أبي قُحَافة الصدِّيق ، وعليُّ بن أبي طالب رضي الله عنهم ، وفي رجالٍ من المسلمين ممن
كان أقام مع رسولِ الله وَّل بمكة ولم يخرُجْ فيمن خرج إلى أرض الحَبَشة. فلقِيَهُ نُعيم بن عبد الله فقال:
أين تريد يا عمر؟ قال : أريدُ محمداً هذا الصابىءُ الذي فرَّقَ أمْرَ قريش ، وسفَّه أحلامها وعاب دينها
وسبَّ آلهتها فأقتله . فقال له نُعيم: والله لقد غرَّتْك نفسُك يا عمر ، أترى بني عبد مَنَاف تاركيك تمشي
(١) في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٢).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٢٢١/٢).
(٣) المتكلم هو ابن إسحاق، والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٢).
(٤) سيرة ابن هشام (٣٤٣/١) والروض (٩٥/٢).