Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ كتاب مبعث رسول الله بيع وذكر شيء من البشارات يكرهه ، فذهب بهِ معه . فإذا هم ستة أو سبعة، كأنَّ الرُّوحَ قد خرجتْ منهم من العبادة ، يصومونَ النهار ويقومونَ الليلِ ، يأكلون الشجر وما وجدوا ، فذكر عنهم أنهم يؤمنونَ بالرُّسُل المتقدِّمين ، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه وابنُ أمَتِه ، أيَّدَهُ بالمعجزات . وقالوا له : يا غلام ، إنَّ لك ربّاً وإنَّ لك معاداً ، وإنَّ بين يديك جنةً وناراً ، وإنَّ هؤلاء القومَ الذين يعبدون النِّيرانَ أهلُ كفرٍ وضلالة ، لا يرضى الله بما يصنعون ، وليسوا على دين . ثم جعل يتردّدُ مع ذلك الغلام إليهم ، ثم لزمهم سلمانُ بالكليّة ؛ ثم أجلاهم ملِكُ تلك البلاد ، وهو أبو ذلك الغلام الذي صحبه سلمان إليهم عن أرضه ، واحتبسَ الملكُ ابنَهُ عنده ، وعرض سلمان دِينَهم على أخيه الذي هو أكبر منه ، فقال : إني مشتغل بنفسي في طلب المعيشة ، فارتحل معهم سلمان حتى دخلوا كنيسةَ المَوْصل ، فسلَّم عليهم أهلُها ثم أرادوا أن يتركوني عندهم ، فأبَيْتُ إلا صُحْبتَهم ؛ فخرجوا حتى أتَوْا وادياً بين جبال ، فتحذَّر إليهم رهبانُ تلك الناحية يسلِّمون عليهم ، واجتمعوا إليهم وجعلوا يسألونهم عن غيبتهم عنهم ، ويسألونهم عني فَيُّئنون عليَّ خيراً . وجاء رجلٌ معظّم فيهم ، فخطبهم ، فأثنى على الله بما هو أهلُه ، وذكَرَ الرُّسل وما أُيِّدوا به ، وذكر عيسى ابن مريم ، وأنه كان عبدَ الله ورسولَه ، وأمرهم بالخير ونهاهم عن الشر ، ثم لما أرادوا الانصراف تبعه سلمان ولزمه . قال : فكان يصومُ النهار ويقوم الليل ، من الأحد إلى الأحد ، فيخرج إليهم ويَعِظُهم ويأمرُهم وينهاهم ، فمكث على ذلك مُدَّةً طويلة ، ثم أراد أن يزور بيت المَقْدِس ، فصحبه سلمانُ إليه . قال : فكان فيما يمشي يلتفتُ إليَّ ويُقبل عليّ، فيعِظُني ويُخبرني أنَّ لي رباً ، وأنَّ بين يديَّ جنةً وناراً وحساباً ، ويعلِّمني ويذكِّرُني نَحْوَ ما كان يُذكِّرِ القومَ يومَ الأحد . قال : فيما يقول لي ؟ يا سلمان، إنَّ الله سوفَ يَبْعَثُ رسولاً اسمُه أحمد، يخرج من تِهَامةُ(١) ، يأكل الهديّة ، ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيْه خاتم ، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب ، فأمَّا أنا فإني شيخٌ كبير ، ولا أحسبني أُدركه ، فإن أدركتَهُ أنتَ فصدِّقْه واتَّبعْه . قلت له : وإنْ أمرني بترك دينِكَ وما أنت عليه ؟ قال : وإنْ أمرك، فإنَّ الحقَّ فيما يجيءُ به ، ورِضَى الرحمن فيما قال . ثم ذكر قدومَهما إلى بيت المقدس ، وأنَّ صاحبه صلَّى فيه هاهنا وهاهنا ، ثم نام ، وقد أوصاه أنه إذا بلغ الظِّلُّ مكان كذا أنْ يُوقظه ، فتركه سلمانُ حيناً آخر أزْيَدَ مما قال ليستريح ، فلما استيقظ ذَكَرَ الله ولامَ سلمانَ على تَرْك ما أمْرَهُ بهِ من ذلك. ثم خرجا من بيت المقدس ، فسأله مُفْعَدٌ فقال: يا عبد الله ، سألتُكَ حين وصلت فلمْ تعطني شيئاً ، وها أنا أسألك . فنظر فلم يجد أحداً ، فأخذ بيده وقال : قُمْ بسم الله، فقامَ وليس به بأسٌ ولا قَلَبَهُ(٢)، كأنما نَشِط من عِقَال(٣) ؛ فقال لي يا عبد الله، احمِلْ عليَّ متاعي حتى (١) ويروى : ويخرج بتهامة وكلا الروايتين مثبت في ح . (٢) يقال: ما به قَلَبَة: أي ألمٌ وعِلَّة يخشى عليه منها. التاج ( قلب ) . (٣) جاء في اللسان ( نشط): ويقال للاخذ بسرعة في أي عمل كان، وللمريض إذا بَرَأ ... كأنما أُنْشِط من عقال، نشط أي حُلّ؛ قال ابن الأثير: وكثيراً ما يجيء في الرواية: كأنما نشط من عقال، وليس بصحيح. النهاية (٥/ ٥٧). ١٢٢ شاف ميس رسول اللهالف وذكر شيء من البشارات أذهبَ إلى أهلي فأبشِّرَهُم ، فاشتغلتُ به ، ثم أدركتُ الرجل فلم ألحقه ولم أدْرٍ أين ذهب ، وكلَّما سألتُ عنه قوماً قالوا : أمامك ، حتى لقيني ركبٌ من العرب من بني كلب ، فسألتهم ، فلما سمعوا لغتي أناخ رجلٌ منهم بعيرَه ، فحملني خلفه ، حتى أتَوْا بي بلادهم . فباعوني ، فاشترَتْني امراةٌ من الأنصار ، فجعلَتْني في حائطٍ لها ، وقدِم رسولُ الله ◌ِلال . ثم ذكر ذهابَهُ إليه بالصَّدَقةِ والهديّة ليستعلم ما قال صاحبُه ، ثم تطلّب النظر إلى خاتم النبوَّة ، فلما رآه آمن من ساعته . وأخبر رسولَ الله خبرَهُ الذي جرى له . قال: فأمر رسولُ الله ◌َلّ أبا بكر الصديق ، فاشتراه من سيدته فأعتقه. قال: ثم سألتُه يوماً عن دين النصارى، فقال: (( لا خير فيهم)). قال : فوقع في نفسي من أولئك الذين صحِبْتُهم ، ومن ذلك الرجل الصالح الذي كان معي ببيت المقدس ، فدخلني من ذلك أمْرٌ عظيم ، حتى أنزل الله على رسول الله وَّ: ﴿[لَتَجِدَنَ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ١٦) وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ قَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُرُونَ﴾. فدعاني رسولُ اللهِ وَ له فجئتُ وأنا خائف، فجلستُ بين يديه ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ الآيات المدة : ا. ثم قال: (( يا سلمان، أولئك الذين كنتَ معهم وصاحِبُك لم يكونوا نَصارى، كانوا مسلمين)) فقلت : يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لهو أمرني باتِّباعك، فقلت له : فإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه ؟ قال : نعم فاتركه ، فإنَّ الحقَّ وما يرضي الله فيما يأمرك . وفي هذا السياق غرابةٌ كثيرة ، وفيه بعضُ المخالفة لسياق محمد بن إسحاق ، وطريق محمد بن إسحاق أقوى إسناداً وأحسن اقتصاصاً ، وأقرب إلى ما رواه البخاريُّ في صحيحه(٢) ، من حديث معتمر بن سليمان بن طَرْخان التَّيْمي عن أبيه ، عن أبي عثمان النَّهْدي ، عن سلمانَ الفارسي ، أنَّهُ تداوَلَهُ بضعةَ عشرَ ، من ربِّ إلى ربّ. أي: من معلِّم إلى معلِّمُ(٣)، ومُرَبِّ إلى مثله ، والله أعلم . قال السُّهيلي(٤): تداولَهُ ثلاثونَ سيداً، من سَيِّد إلى سَيِّد . فالله أعلم . وكذلك استقصى قصةَ إسلامِهِ الحافظُ أبو نعيم في (( الدلائل)(٥) ، وأورد لها أسانيدَ وألفاظاً كثيرة ، وفي بعضها أنَّ اسْمَ سيِّدتِه التي كاتبَتْه خُليسةُ(٦) . فالله أعلم . (١) ما بين المعقوفين ليس في ح والآية في سورة المائدة الآية (٨٢). (٢) فتح الباري (٣٩٤٦) كتاب مناقب الأنصار باب إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه. (٣) قال ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٧٧): أي من سيد إلى سيد ، وكأنه لم يبلغه حديث أبي هريرة في النهي عن إطلاق رب على السيد . (٤) في الروض (٢٥١/١) . (٥) (٢٥٨/١) وما بعدها. (٦) في ح: حُليسة بحاء مهملة وضمة فوقها ، وفي ط : حلبسة ، وكلاهما تصحيف نبه عليه ابن حجر في الإصابة (٢٧٩/٤) في القسم الرابع من حرف الحاء ، ثم ساق ترجمتها في حرف الخاء المعجمة (٢٨٦/٤) وقصة بيع= ١٢٣ ذكر أخبار غريبة في ذلك ذكر أخبار غريبة في ذلك قال أبو نعيم في ((الدلائل)(١): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا محمد بن زكرياء الغَلابي ، حدّثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي السَّويَّة المِنْقَري ، حدّثنا عبَّاد بن كسيب، عن أبيه ، عن أبي عِتْوَارة الخُزاعي عن سَعْرُ(٢) بن سوادة العامري قال : كنتُ عَسِيفاً لعقيلةٍ من عقائل الحيّ ، أركبُ لها الصَّعْبَ والذَّلول(٣)، لا أبقي (٤) من البلاد مَطْرَح٥ً) أرجو ربحاً في متجر إلا أتيتُه ، فانصرفتُ من الشام بحرثٍ وأثاث، أريدُ به كُبَّهُ(٦) المؤسم ودهماءَ العرب ، فدخلتُ مكة بليلٍ مُسْدِف ، فأقمتُ حتى تعرَّى عني قميص الليل ، فرفعتُ رأسي، فإذا قِبابٌ مُسَامِتَةٌ شَعَفَ الجبال، مضروبة بأنْطاع الطائف (٧)، وإذا جُزُرٌ تُنحَر، وأخرى تُساق، وإذا أكَلَةٌ وحَتَثَةٌ على الطهاة يقولون: ألا عَجِّلُوا ألا عجلواَ. وإذا رجل يجهز على نشَرْ من الأرض، ينادي: يا وَفْد الله مَيِّلوا إلى الغَدَاء . وأُنَيْسَانٌ على مَدْرَجَةٍ يقول : يا وفد الله، من طعِم فَلْيَرُحْ إلى العشاء ، فَجَهَرَني ما رأيت(٨) ، فأقبلتُ أريد عَميدَ القوم ، فعرف رجلٌ الذي بي ، فقال : أمامك . وإذا شيخ كأن في خدَّيه الأساريعُ(٩)، وكأنَّ الشِّعرَى توقد من جبينه ، قد لاث على رأسه عِمامةً سوداء ، قد أبرز من ملائها ◌ُمَّةً فَيْنَانة، كأنها (سَاسَم١٠ُ)) - قال في بعض الروايات : تحته كرسيُّ سَاسَم - ومن دونها نُمْرُقَةٌ، بيده قضيب يتخصَّر(١١) به ، حوله مشايخُ جَلَسَةٌ جِلَّةِ، نواكسُ الأذقان، ما منهم أحد يفيض بكلمة . وقد كان نُمي إليَّ خَبرٌ من أخبار الشام ، أنَّ النبيَّ الأميَّ هذا أوانُ نُجومه ، = سلمان أيضاً في سير أعلام النبلاء (١/ ٥١٩) وما بعدها . (١) لم أجده في دلائل أبي نعيم طبعة حيدر أباد الدكن الهند ، ولا التي بتحقيق قلعه جي وعبد البر عباس ، وذكره ابن حجر في الإصابة مختصراً في ترجمة ((سعر)). (٢) في ح : سعيد، وفي ط : سعير ، وكلاهما تصحيف ، والمثبت من الإصابة في ترجمة سعر بن سوادة . (٣) يقال: ركبوا كل صَعْب وذلول في أمرهم: إذا بذلوا فيه الطاقة. والعسيف : الأجير . الأساس (ذلل). (٤) في ح: التَّق ، أي : ألْتَاقُ، من التاق بالمكان ، إذا لزمه وثبت فيه . والمثبت من ط . (٥) في ط : مسرحاً، والمثبت من ح، والمطرح: المكان البعيد . المعجم الوسيط ( طرح ) . (٦) ((الكُبَّة)): الجماعة من الناس، وفي حديث ابن مسعود: أنه رأى جماعة ذهبت فرجعت، فقال: إياكم وكُبَّة السُّوق فإنها كبَّة الشيطان ، أي جماعة السوق ، واللفظة في ح : كبد الموسم ، أي وسطه ، وكبد كل شيء : وسطه ومعظمه . اللسان ( كبب ، كبد ) . (١٠) ((أنطاع)): جمع نِطع، وهو البساط من الجلد. المعجم الوسيط ( نطع) . (٨) ((جهرني الشيءُ)): راعني. اللسان (جهر). (٩) ((الأساريع)): دود بيض الأجساد حمر الرؤوس . يكون في الرمل ، تشبه بها أصابع النساء ، ويقال : ثغر ذو أساريع: خطوط وطرائق، وفي صفته ◌َليل: كأن عنقه أساريع الذهب ، أي طرائقه. التاج ( سرع ) . (١٠) في ط : سماسم، والمثبت من ح، والسَّاسَم: شجر أسود، وقيل هو الأسود، يتخذ منه السهام. والجُمَّةُ: مجتمع شعر الرأس ، ولات العمامة على رأسه لفَّها . اللسان ( سسم ، جمم ، لوث ) . (١١) في ط : متخصر . ١٢٤ ذكر أخبار غريبة في ذلك فلما رأيته ظننتُه ذلك ، فقلت : السلامُ عليك يا رسول الله . فقال : مه مه ، كلا وكأنْ قد ، وليتني إيّاه . فقلت : من هذا الشيخ ؟ فقالوا : هذا أبو نَضْلة، هذا هاشم بن عبد مَنَاف . فولَّيتُ وأنا أقول : هذا والله المجد لا مجد آلٍ جفنة . يعني ملوكَ عرب الشام من غسان ، كان يقال لهم : آل جفنة ، وهذه الوظيفة التي حكاها عن هاشم هي الرِّفادة، يعني إطعام الحجيج زمن الموسمُ(١). وقال أبو نعيمُ(٢): حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، حدّثنا سعيد بن عثمان(٣) ، حدّثنا علي بن قتيبة الخراساني ، حدّثنا خالد بن إلياس ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم ، عن أبيه ، عن جده قال : سمعتُ أبا طالبٍ يحدِّث عن عبد المطلب قال : بينا أنا نائم في الحِجْر إذ رأيت رؤيا هالتني ، ففزِعْتُ منها فزعاً شديداً ، فأتيتُ كاهنةَ قريش ، وعليَّ مطرف خَزّ ، وجُمَّتي تضربُ مَنْكِبي ، فلما نظرتْ إليّ عرفتْ في وجهي التغيير ، وأنا يومئذٍ سيِّد قومي ، فقالت : ما بال سيدنا قد أتانا متغيِّرَ اللَّون ؟ هل رابه من حَدَثان الدهر شيء ؟ فقلت لها : بلى ! وكان لا يكلِّمها أحدٌ من الناس حتى يُقَبِّل يدَها اليمنى ، ثم يضع يده على أُمَّ رأسها ثم يذكر حاجته ، ولم أفعل لأني كنت كبير قومي ؛ فجلستُ فقلت : إني رأيت الليلةَ وأنا نائم في الحِجْر ، كأنَّ شجرةً تنبت ، قد نال رأسها السماء ، وضربتْ بأغصانها المشرق والمغرب ، وما رأيتُ نوراً أزهر منها ، أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا٤ً) ؛ ورأيتُ العرب والعجم ساجدين لها ، وهي تزدادُ كلَّ ساعةٍ عِظَماً ونوراً وارتفاعاً ، ساعة تخفى وساعة تزهر ، ورأيتُ رَهْطاً من قريش قد تعلَّقوا بأغصانها ، ورأيتُ قوماً من قريش يريدون قطعها ، فإذا دَنَّوْا منها أخَّرَهم شابٌّ لم أر قطُ أحسنَ منه وجهاً ، ولا أطيبَ منه ريحاً ، فيكسِرُ أظهرهم ، ويقلع أعينهم ؛ فرفعت يدي لأتناول منها نصيباً ، فمنعني الشاب ، فقلت : لمن النصيب ؟ فقال : النصيب لهؤلاء الذين تعلَّقوا بها وسبقوكَ إليها . فانتبهتُ مذعوراً فزِعاً ، فرأيت وجه الكاهنة قد تغيَّر ، ثم قالت : لئن صدقَتْ رؤياك ليخرجَنَّ من صُلْبك رجلٌ يَملِكُ المشرق والمغرب ، ويَدين له الناس ثم قال - يعني عبد المطلب لأبي طالب - : لعلك تكونُ هذا المولود . قال : فكان أبو طالب يحدِّثُ بهذا الحديث [ بعدما وُلد رسولُ اللهِوَِّ وبعد ما بُعث. ثم قال (٥): كانت الشجرةُ والله أعلم أبا القاسم الأمين . فيقال لأبي طالب : ألا تؤمن ؟ فيقول : السُّبَّة والعار(٦). (١) إسناده ضعيف، عباد بن كسيب، ذكره البخاري في تاريخه وقال (٦/ الترجمة ١٦٢٤): (( لا يصح حديثه)) وينظر الميزان (٣٧٥/٢) ( بشار ) . (٢) في الدلائل (٩٩/١). في ح : سعيد بن أبي عثمان . (٣) في ح : سبعين مرة ضعفاً . (٤) (٥) لفظ العبارة التي بين المعقوفين في الدلائل هكذا: ((والنبي وَ ليل قد خرج ويقول: كانت ... )). (٦) إسناده ضعيف جداً، فإن خالد بن إلياس متروك، وهو من رجال التهذيب (بشار). ١٢٥ ذكر أخبار غريبة في ذلك وقال أبو نعيمُ(١): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا محمد بن زكرياء الغَلاَبي ، حدّثنا العباس بن بِكَّار الضَّبِّي ، حدّثنا أبو بكر الهُذَلي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال العباس : خرجتُ في تجارةٍ إلى اليمن في ركبٍ منهم أبو سفيان بن حرب ، فقدِمتُ اليمن ، فكنتُ أصنع يوماً طعاماً ، وأنصرف بأبي سفيان وبالنَّفَر ، ويصنع أبو سفيان يوماً ، ويفعل مثل ذلك ، فقال لي في يومي الذي كنت أصنع فيه : هل لك يا أبا الفضل أن تنصرفَ إلى بيتي وترسل إليَّ غداءك ؟ فقلت : نعم . فانصرفتُ أنا والنفر إلى بيته ، وأرسلتُ إلى الغداء ، فلما تغدَّى القوم قاموا واحتبسني ، فقال : هل علمت يا أبا الفضل أنَّ ابن أخيك يزعم أنه رسول الله ؟ فقلت : أيُّ بني أخي ؟ فقال أبو سفيان : إياي تكتم ؟ وأيُّ بني أخيك ينبغي أن يقول هذا إلا رجل واحد ؟ قلت : وأيُّهم على ذلك ؟ قال : هو محمد بن عبد الله . فقلت : قد فعل ؟ قال: بلى قد فعل . وأخرج كتاباً باسمه من ابنه حنظلة بن أبي سفيان فيه : أخبرك أنَّ محمداً قام بالأبطَح فقال: (( أنا رسول، أدعوكم إلى الله عزَّ وجل)) فقال العبّاس: قلت: أجدُه يا أبا حنظلة صادقا٢ً). فقال : مهلاً يا أبا الفضل ، فوالله ما أحبُّ أن تقول مثل هذا، إني لا أخشى أنْ يكونَ عليَّ ضَيْرٌ من هذا الحديث ، يا بني عبد المطلب، إنه والله ما برحتْ قريش تزعم أنَّ لكم هَنَةً وهَنَةٌ(٣) ، كلٌّ واحدةٍ منهما غاية . لَنَشَدْتُكَ يا أبا الفضل ، هل سمعتَ ذلك؟ قلت: نعم ، قد سمعت . قال : فهذه والله شؤمتكم. قلت : فلعلَّها يُمْنَتنا . قال : فما كان بعد ذلك إلا ليالٍ(٤) حتى قدم عبد الله بنُ حُذَافَةَ بالخبر وهو مؤمن . ففشا ذلك في مجالس اليمن ؛ وكان أبو سفيان يجلس مجلساً باليمن يتحدَّث فيه حَبْرٌ من أحبار اليهود ، فقال له اليهودي : ما هذا الخبر ؟ بلغني أنَّ فيكم عمَّ هذا الرجل الذي قال ما قال ؟ قال أبو سفيان : صدقوا، وأنا عمُّه . فقال اليهودي : أخو أبيه؟ قال : نعم . قال : فحدِّثني عنه . قال : لا تسألني ، ما أحبُّ أن يدَّعي هذا الأمر أبداً، وما أحبُ أن أعيبه، وغَيْرُه خيرٌ منه. فرأى اليهوديُّ أنه لا يُغمضُ(6) عليه ولا يحبُّ أن يَعِيبه . فقال اليهودي : ليس به بأس(٦) على اليهود ، وتوراة موسى . قال العباس : فناداني الحَبْر ، فجئت فخرجت حتى جلست ذلك المجلس من الغد ، وفيه أبو سفيان بن حرب والحبر ، فقلت للحبر : بلغني أنك سألتَ ابن عمي عن رجل منا زعم أنه رسول الله وَ له فأخبرك أنه عمُّه ، وليس (١) في دلائل (٢٠٣/١)، وهو في السيرة الحلبية (١/ ١٨٥) مختصراً. (٢) في ح ، ط والدلائل : صادق . (٣) (( الهَنَة)): تأنيث هن، فهو كناية عن كل اسم جنس ؛ وفي حديث سطيح : ثم تكون هنات وهنات : أي شدائد وأمور عظام . اللسان ( هنا ) . (٤) في ح : ليالي بإثبات الياء ، وهو جائز . (٥) في ط : يغمس ، والمثبت من ح، جاء في التاج ( غمض ): وسمع الأمر فأغمض عنه وعليه ، يكنى به عن الصبر . ويقال : سمعت منه كذا وكذا فأغمضت منه وأغضيت ، إذا تغافلت عنه . وفي الأساس : التغميض عن الإساءة هو الإغضاء والتغافل . (٦) كذا في ط وفي ح : ليس به لا بأس ... ١٢٦ ذكر أخبار غريبة في ذلك بعمه ، ولكن ابن عمه ، وأنا عمُّه وأخو أبيه . قال : أخو أبيه ؟ قلت : أخو أبيه . فأقبل على أبي سفيان فقال : صدق ؟ قال : نعم صدق. فقلت: سلني فإن كذبتُ فليرةٌ(١) عليّ. فأقبل عليّ. فقال: نشدتُكَ ، هل كان لابن أخيك صَبْوةٌ أو سفهة ؟ قلت : لا وإلّه عبد المطلب ، ولا كذَب ولا خان ، وإنه كان اسمُه عند قريش الأمين . قال : فهل كتب بيده ؟ قال العباس : فظننت أنه خيرٌ له أن يكتب بيده ، فأردتُ أن أقولها ، ثم ذكرتُ مكان أبي سفيان أنه يكذبني ويرد٢ُ) عليَّ، فقلت : لا يكتب . فوثب الحَبْر وترك رداءَهُ وقال : ذُبحت يهود ، وقُتلت يهود . قال العباس : فلما رجعنا إلى منزلنا . قال أبو سفيان : يا أبا الفضل ، إنَّ اليهود تفزع من ابن أخيك . قلت : قد رأيتَ ما رأيت . فهل لك يا أبا سفيان أن تؤمن به ؟ فإنْ كان حقّاً كنتَ قد سبقت ، وإنْ كان باطلاً فمعك غيرك من أكفائك . قال : لا أومن به حتى أرى الخيل في كَدَاءُ(٣) ، قلت : ما تقول ؟ قال : كلمةٌ جاءتْ على فمي ، إلا أني أعلم أنَّ الله لا يترك خيلاً تطلع من كَدَاء . قال العباس : فلما استفتح رسولُ الله ◌ِّله مكة، ونظرنا إلى الخيل وقد طلعتْ من كداء ، قلت : يا أبا سفيان تذكر الكلمة . قال : إي والله إني لذاكرها ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام . وهذا سياقٌ حسن عليه البهاء والنور ، وضياء الصدق ، وإن كان في رجاله من هو متكلَّمٌ فيه(٤) ، والله أعلم . وقد تقدم ما ذكرناهُ في قصة أبي سفيان مع أمية بن أبي الصلت(٥) ، وهو شبيهٌ بهذا الباب ، وهو من أغرب الأخبار وأحسن السياقات ، وعليه النور . وسيأتي أيضاً قصة أبي سفيان مع هرقل(٦) ملك الروم حين سأله عن صفات رسولِ الله وَّ وأحواله، واستدلاله بذلك على صدقه ونبوَّته ورسالته . وقال له: كنتُ أعلم أنه خارج ، ولكن لم أكن أظنُّ أنه فيكم ، ولو أعلم أني أخْلُص إليه لتجشَّمتُ لُقِيَّه ، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ، ولئن كان ما تقول حقاً ليملكنَّ موضع قدميَّ هاتين . وكذلك وقع ولله الحمد والمنة . وقد أكثر الحافظ أبو نعيم من إيراد الآثار والأخبار عن الرهبان والأحبار والعرب ، فأكثر وأطنب ، وأحسن وأطيب ، رحمه الله ورضي عنه . (١) في ح : فليرده . (٢) في ح : ورادٌ . (٣) ((كداء)): الثنية العليا بمكة، مما يلي المقابر، عند المحَصَّب. النهاية (١٥٦/٤) ومعجم البلدان (٤٣٩/٤). (٤) قال بشار: هكذا قال المصنف تهويناً، مع أن العباس بن بَكَّار الضبي كذاب كما قال الدارقطني (الضعفاء والمتروكون ٤٢٣) وقبله قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٩٠): ((يروي من العجائب ... لا يجوز الاحتجاج به بحال ولا كتابة حديثه إلا على سبيل الاعتبار للخواص)) . (٥) انظر في الجزء الثاني من هذا الكتاب (ط) . (٦) انظر ما سيأتي في الجزء الرابع من هذا الكتاب والعبارة في ح هكذا : وسيأتي قصته مع هرقل . ١٢٧ قصة عم وبن مزة الجهني خصة عمرو بن مُرَّة الجْهَني قال الطبراني (١) : حدّثنا عليُّ بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي ، حدّثنا عبد الله بن داود بن دِلْهاث بن إسماعيل بن عبد الله بن مسرع٢) بن ياسر بن سُويد - صاحب رسول الله وَ لّ - حدّثنا أبي، عن أبيه دِلْهاث ، عن أبيه إسماعيل أنَّ أباه عبد الله حدّثه عن أبيه ، أنَّ أباه ياسر بن سُويد حدّثه عن عمرو بن مُرَّة الجُهَني قال : خرجتُ حاجّاً في جماعة من قومي في الجاهلية ، فرأيت في نومي وأنا بمكة ، نوراً ساطعاً خرج من الكعبة حتى وصل إلى جبل يَثْرِب ، وأَشْعَرِ جُهينةً(٣) ، فسمعت صوتاً بين النور وهو يقول : انقشعت الظلماء ، وسطع الضياء ، وبُعث خاتم الأنبياء . ثم أضاء إضاءةً أخرى ، حتى نظرتُ إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن٤) ، وسمعتُ صوتاً من النور وهو يقول : ظهر الإسلام ، وكُسرت الأصنام ، ووُصِلَت الأرحام . فانتبهتُ فزعاً ، فقلت لقومي: والله ليحدُثَنَّ لهذا الحيِّ من قريش حَدَث ، وأخبرتهم بما رأيت فلما انتهينا إلى بلادنا جاء [الخبر ]٥) أنَّ رجلاً يقال له : أحمد ، قد بُعث فأتيتُهُ فأخبرتُه بما رأيت ، فقال: (( يا عمرو بن مُرَّة أنا النبيُّ المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الإسلام ، وآمرهم بحَقْن الدماء وصِلَة الأرحام ، وعبادة الله ، ورفض الأصنام ، وحجِّ البيت ، وصيام شهر رمضان من اثني عشر شهراً. فمن أجاب فله الجنة ، ومن عصى فله النار. فآمن بالله يا عمرو يُؤمنك الله من هَوْل جهنم)). فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسولُ الله ، آمنت بما جئت به من حلالٍ وحرام ، وإنْ رغَّم ذلك كثيراً من الأقوامُ(٦) . ثم أنشدتُه أبياتاً قلتُها حين سمعت به ، وكان لنا صنم ، وكان أبي سادناً به ، فقمتُ إليه فكسرته . ثمَّ لَحِقت بالنبيِّ وَ له وأنا أقول: [ من الطويل ] لآلهةِ الأحجارِ أولُ تارِكِ شهدتُ بأنَّ اللهَ حقٌّ وأنني (١) رواية الطبراني في مجمع الزوائد (٢٤٤/٨ - ٢٤٦) والخبر ساقه ابن الجوزي في الوفا (١/ ٨١) والكاندهلوي في حياة الصحابة (٢٩٣/١) وما بعدها ، وسوف يسوقه المصنف في ص ١٧٩ موضع الحاشية (٣) في المتن مطولا عن أبي نعيم ، عنه . (٢) في ح : مشرع وفي ط : شريح، وكلاهما تصحيف ، والمثبت من التجريد للذهبي (٢/ ٧٢) والإصابة (٤٧٨/٣) في القسم الثاني من حرف الميم ( باب م - س ) ثم من الجرح والتعديل (٤٨/٥) في ترجمة عبد الله والإصابة (٦٤٨/٣) في ترجمة ياسر . (٣) (( الأشعر)): جبل جهينة ينحدر على يَنْبُع من أعلاه، وينبع من المدينة على سبع مراحل باتجاه البحر ؛ والأشعر والأجرد جبلا جهينة ، بين المدينة والشام. معجم البلدان (١٩٨/١ و٤٥٠/٥). (٤) (( أبيض المدائن)): قصر الأكاسرة بالمدائن ، كان من عجائب الدنيا ، لم يزل قائماً إلى أيام المكتفي في حدود سنة ٢٩٠ هـ. وهو الذي وصفه البحتري في سينيته الشهيرة. انظر معجم البلدان (١/ ٨٥). (٥) ما بين معقوفين من الوفا (١/ ٨١). (٦) كذا في ط ، وفي ح : الأقوال . ١٢٨ قصة عمرو بن مُزَّة الجهني إليكَ أجوبُ القَفْرِ بعد الدَّكَادِكِ(٢) وشمَّرتُ عن ساقٍ (١) الإزارِ مُهاجراً رسولَ مَليكِ الناسِ فوقَ الحبائكِ(٣) لأصحبَ خيرَ الناسِ نفساً ووالداً فقال النبيُّ نَّهَ: ((مرحباً بك يا عمرو بن مُرَّة)). فقلت: يا رسول الله ابعثْني إلى قومي، لعل الله يمنُّ عليهم بي كما مَنَّ عليَّ بك. فبعثَني إليهم. وقال: ((عليك بالرِّفْق، والقول السديد ، ولا تكنْ فظّاً ، ولا متكبِّراً ولا حسوداً )) . فذكر أنه أتى قومه ، فدعاهم إلى ما دعاه إليه رسولُ الله ◌ِّرِ فأسلموا كلُّهم ، إلا رجلاً واحداً منهم ، وأنه وفد بهم إلى رسولِ الله وَّ؛ فرَّب بهم وحيَّاهم ، وكتب لهم كتاباً هذه نسخته : ((بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من الله(٤) على لسان رسول الله بَ، بكتابٍ صادق، وحقِّ ناطق مع عمرو بن مُرَّة الجُهَني ، لجُهينة بن زيد: إنَّ لكم بطونَ الأرض وسهولَها ، وتلاعَ الأودية وظهورها، تزرعون (٥) نباته، وتشربون صافيه ، على أن تُقِرُوا بالخُمُس، وتصلُّوا صلاة الخَمْس ، وفي التَّيْعَةِ(٦) والصُّرَيمة [ شاتانِ] إنِ اجتمعتا، وإنْ تفرَّقتا [ف]شاة شاةً(٧)، ليس على أهل المُثيرةُ(٨) صدقة ، ليس الوردة اللبقة(٩). وشهد على نبيِّنا وَ ﴿ مَنْ حضر من المسلمين بكتاب قيس بن شمَّاس)). (١) كذا في ح، ط، والصواب: ساقي. بالياء كما سيأتي (ص ١٨٠). (٢) في النهاية واللسان: إليك أجُوب القُورَ بعد الدكاك، وفيما سيأتي (ص ١٨٠) إليه أدب الغور ... )) وفي طبقات ابن سعد: ((الدعث بعد الدكاك)) وفي الوفا ومجمع الزوائد . الدعث بعد الدكاك . والقور : جمع قارة وهي الجبل ، وقيل هو الصغير منه كالأكمة . وأما الغور : فكل منخفض من الأرض ؛ والدكادك : جمع دكداك ، وهو ما تلبد من الرمل بالأرض ولم يرتفع كثيراً. النهاية (١٢٨/٢) (دكدك) و(١٢٠/٤) (قور) واللسان ( غور). (٣) ((الحبائك)): الطَّرُق، واحدتها حَبيكة، يعني بها السموات، لأن فيها طرق النجوم. النهاية (٣٣٢/١) ( حبك) . والأبيات في طبقات ابن سعد (١/ ٣٣٣). (٤) في الوفا (١/ ٨٣): كتاب أمان من الله. (٥) في الوفا (١/ ٨٣) والجمع وحياة الصحابة . ترعون . وهو أشبه بالصواب . (٦) في ط: التليعة، وفي المجمع ((والسعة)) وفي حياة الصحابة: الغنيمة، والمثبت من ح والنهاية (٢٧/٣) (صرم) وفيه ضُبطت التاء المثناة من فوق بالفتح ضبط قلم . والتصحيح من النهاية واللسان (تيع ) ، وفيهما : التيعة ، بالكسر : اسم لأدنى ما تجب فيه الزكاة من الحيوان ، وكأن الجُملة التي للسعاة عليها سبيل ، من تاع يتيع إذا ذهب إليه ، كالخمس من الإبل والأربعين من الغنم . (٧) ((الصُّريمة)): تصغير الصِّزمة، وهي القطيع من الإبل والغنم، قيل: هي من العشرين إلى الثلاثين والأربعين ، كأنها إذا بلغت هذا القدر تستقلَّ بنفسها فيقطعها صاحبها عن معظم إبله وغنمه . والمراد بها في الحديث من مئة وإحدى وعشرين شاة إلى المئتين ، إذا اجتمعت ففيها شاتان ، وإن كانت لرجلين وفرِّق بينهما ، فعلى كل واحد منهما شاة . النهاية (٢٧/٣) (صرم ) ، وما بين معقوفين منه. (٨) في ح، ط: الميرة. والمثبت من مجمع الزوائد، جاء في النهاية (٢٢٩/١) (ثور): ومنه الحديث (( أنه كتب لأهل جُرش بالحِمى الذي حماه لهم للفرس والراحلة والمثيرة)) أراد بالمثيرة بقر الحَرْث لأنها تثير الأرض . (٩) كذا في ط ، وفي ح: ليس للوردة اللبقةِ، ولم أهتد إلى معناه أو وجه الصواب فيه. وفي الدلائل (١/ ١٢٣) : = ١٢٩ قصة عمرو بن مُرّة الجُهَني وذكر شعراً قاله عمرو بن مُرَّة في ذلك كما هو مبسوطٌ في المسند الكبير(١) ، وبالله الثقة وعليه التكلان. وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّرِجِ وَإِبْزَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْمٌ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]. قال كثيرون من السلف: لما أخذ الله ميثاق بني آدم يوم ﴿ أَلَسَتُ بِرَبَّكُمْ﴾ [ الأعراف: ١٧٢]. أخذ من النبيِّين ميثاقاً خاصاً؛ وأكد مع هؤلاء الخمسة أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار الذين أوَّلُهم نوح وآخرهم محمد بِّهَ وعليهم أجمعين. وقد روى الحافظ أبو نعيم في كتاب (( دلائل النبوة)(٢) من طرق ، عن الوليد بن مسلم ، حدّثنا الأوزاعي ، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سئل رسول الله وَّل متى وجبت لك النبوة ؟ قال: (( بین خَلْقِ آدمَ ونَفْخ الُوح فیه )» . وهكذا رواه الترمذي من طريق الوليد بن مسلم ، وقال : حسنٌ غريب من حديث أبي هريرة ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٣) . وقال أبو نعيم(٤): حدّثنا سليمان بن أحمد، حدّثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير الحلبي(٥)، حدّثنا أبو جعفر النُّفَيْلي ، حدّثنا عمرو بن واقد ، عن عروة بن رُويم ، عن الصُّنَابِحِي قال : قال عمر : يا رسول الله، متى جُعلت نبيّاً؟ قال: «وآدمُ مُنْجَدِلٌ في الطِّين » . ثم رواه(٦) من حديث نَصْر بن مُزَاحم ، عن قيس بن الربيع ، عن جابر الجُعْفي ، عن الشعبي ، عن ابن عباس قال : قيل: يا رسول الله: متى كنتَ نبيّاً؟ قال: ((وآدمُ بين الروح والجسَد)). وفي الحديث الذي أوردناه في قصة آدم حين استخرج الله من صُلْبه ذُرِّيَّته خصَّ الأنبياء بنورٍ بين أعينهم . والظاهر - والله أعلم - أنه كان على قَدْر منازلهم ورُتَِّهم عند الله . وإذا كان الأمر كذلك ، فنور محمدٍ بَّ كان أظهرَ وأكبر وأعظمَ منهم كُلِّهم؛ وهذا تَنْويهٌ عظيم وتنبيهٌ ظاهرٌ على شَرَفِهِ وعُلُوٌ قَدْرِه. وليس للوارد التيعة وفي حاشية ط: كذا في الأصل، ولعله يريد أنه لا يؤخذ في الصدقة كرائم الأموال. والله أعلم. = (١) لعله يريد معجم الطبراني، وهو في القسم المفقود منه، والشعر ذكره أيضاً ابن الجوزي في الوفا (١/ ٨٤). (٢) دلائل النبوة لأبي نعيم (٤٨/١). (٣) جامع الترمذي (٣٦٠٩) المناقب باب في فضل النبي وَّر. وأخرجه الحاكم (٦٠٩/٢) والبيهقي في دلائل النبوة (١٣٠/٢) . (٤) لم أجده في دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع من هذا الطريق ، وهو فيه (٤٨/١) من طريق آخر عن العرباض بن سارية . كما سيأتي وأخرجه الحاكم من طريق العرباض أيضاً (٢/ ٦٠٠). (٥) هو شيخ للطبراني ذكره في معجمه الصغير (١١٣٤)، ومعجمه الأوسط (٩٤٣٥) و(٩٤٣٦) و(٩٤٣٧) و(٩٤٣٨) و(٩٤٣٩) و(٩٤٤٠) و(٩٤٤١) و(٩٤٤٢) و(٩٤٤٣) و(٩٤٤٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : لا أعرفه (١٤٦/٧) (بشار). (٦) ليس الحديث في دلائل أبي نعيم كما أسلفت في ص (١٠٩ حاشية ٧) . ١٣٠ قصة عمرو بن مُرّة الجهني وفي هذا المعنى الحديث الذي قال الإمام أحمد١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن سعيد بن سُويد الكلبي ، عن عبد الله بن هلال السلمي(٢) ، عن العِزْباض بن سارية . قال : قال رسول الله بََّ: ((إني عندَ الله لَخَاتمُ النبيِّين، وإنَّ آدم لمُنْجَدِلٌ في طينته، وسأنبِّئُكم بأوَّل ذلك: دَعْوَةُ أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورُؤْيا أُمي التي رأتْ، وكذلك أمهات النَّبِّين(٣) يرين)). ورواه اللَّيث(٣) ، وابن وهب ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح، وزاد: ((إنَّ أُمَّهُ رأتْ حين وضعَتْه نوراً أضاءَتْ منه قصورُ الشام)). وقال الإمام أحمد(٤): حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا منصور بن سعد٥) ، عن بُدَيل، عن عبد الله بن شَقيق، عن مَيْسَرة الفَجْر قال: قلت: يا رسولَ الله، متى كنتَ(٦) نبيّاً؟ قال: ((وآدمُ بينَ الرُّوح والجَسد)). [إسناده جيد أيضاً(١). وهكذا رواه إبراهيم بن طَهْمالُ(١)، وحمَّاد بن زيد وخالد الحذَّاء عن بُدَيل بن مَيْسَرة به. ورواهُ أبو نعيم٩ُ) عن محمد بن عمر بن سالمٌ ١٢) ، عن محمد بن بكر بن عمرو الباهلي ، عن شيبان ، عن الحسن بن دينار١١ٌ) ، عن عبد الله بن شقيقُ(١٢) ، عن ميسرة الفَجْر قال : قلت : يا رسول الله (١) مسند الإمام أحمد (١٢٧/٤) وقد سبق للمؤلف أن ساقه ص (١٠٨) من هذا الجزء ، وهو حديث حسن ، دون قوله : ( وكذلك أمهات النبيين يرين ) وكانت أمهات المؤمنين والتصحيح من المسند . (٢) في ط: ((عبد الأعلى بن هلال السلمي)) محرف، فهو وإن كان صحيحاً لكنه خطأ لأن الذي في المسند من رواية عبد الرحمن بن مهدي (( عبد الله)) وهو مما أخطأ فيه عبد الرحمن بن مهدي ، فكتابته على الوجه الصحيح تفسد النص وتخالف الأصل ، وقد علقنا عليه قبل قليل ( بشار ) . (٣) انظر ص (١٠٨) من هذا الجزء موضع الحاشية (٦). (٤) مسند الإمام أحمد (٥٩/٥) رقم الحديث (٢٠٤٧٤). في ح، ط : منصور بن سعيد. والمثبت من المسند والجرح والتعديل (٨/ ١٧٢) وتهذيب المزي (٥٢٧/٢٨) (٥) وتهذيب التهذيب (١٠/ ٣٠٧) . (٦) في المسند : كُتِبْتَ . (٧) هكذا قال، ولا أدري لم قال ذلك ، فإسناد الحديث صحيح ورجاله ثقات رجال الصحيح غير صحابية ميسرة الفجر ، وقد ذكره في الصحابة : البخاري ، والبغوي وابن السكن وابن قانع وغيرهم . (٨) أخرجه ابن سعد (٧/ ٦٠)، والطحاوي في شرح المشكل (٥٩٧٧)، وابن قانع (١٢٩/٣)، والحاكم (٦٠٨/٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (١٢٩/٢) وغيرهم. (٩) ليس في الدلائل وقد ساقه المحقق في مقدمته (ص٢٤، ٢٥). (١٠) في ط: ((أسلم)) محرف، وهو محمد بن عمر بن محمد بن سالم المعروف بابن الجعابي المتوفى سنة ٣٥٥، وترجمته في تاريخ الخطيب (٤٢/٤ط. الدكتور بشار). (١١) في مقدمة الدلائل : الحسن بن زياد. وهو خطأ، وهو الحسن بن دينار بن واصل ، ورواية شيبان بن فروخ عنه في تهذيب الكمال (٥٩٩/١٢)، وهو كذاب معروف مترجم في الجرح والتعديل (٣/ الترجمة ٣٧)، والكامل لابن عدي (٢/ ٧١٠)، وضعفاء العقيلي (٢٢/١)، والميزان للذهبي (٤٨٧/١) وغيرها (بشار). (١٢) في ط : عبد الله بن سفيان . والمثبت من مقدمة الدلائل ومصادر تخريج الحديث المروية من طريق عبد الله بن شقيق= ١٣١ قصة عمرو بن مرّة الجهني متى كنتُ(١) نبياً؟ قال: ((وآدمُ بين الرُّوح والجسد))](٢) وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه (( دلائل النبوة٣٨): حدّثنا أبو عمرو بن حمدان ، حدّثنا الحسن بن سفيان، حدّثنا هشام بن عمار ، حدّثنا الوليد بن مسلم ، عن خُليد بن دَعْلج ، وسعيد عن قتادة ، عن الحسن، عن أبي هريرة عن النبيِّ وََّ في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبْعِنَ مِشَقَهُمْ ﴾ [ الأحزاب ٧] قال : (( كنتُ أوَّلَ النبيِّين في الخَلْقِ وآخرَهُمْ فِي الْبَعْث )،٤ ) ثم رواه من طريق هشام بن عمَّار ، عن بقيّة، عن سعيد بن بَشير(٥) ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة مرفوعاً مثله . [ وقد رواه من طريق سعيد بن أبي عروبة وشيبان عن قتادة قال : ذكر لنا أن رسول الله وَ قال مثله]٦). وهذا أثبت وأصحّ ، والله أعلم. وهذا إخبارٌ عن التنويه بذكرهِ في الملأ الأعلى ، وأنَّه معروفٌ بذلك بينهم بأنه خاتمُ النبيِّين ، وآدم لم يُنفخ فيه الرُّوح، لأنَّ عِلْمَ اللهِ تعالى بذلك سابقٌ قبل خلقِ السمواتِ والأرض لا محالة ، فلم يبق إلا هذا الذي ذكرناه من الإعلام به في الملأ الأعلى . والله أعلم . وقد أورد أبو نُعيمُ(١) من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن همَّام ، عن أبي هريرة الحديث المتفق عليه . (( نحنُ الآخِرُون السابقونَ يومَ القيامة (٨) ، المقضي لهم قبل الخلائق ، بَيْدَ أنهم أوتوا الكتابَ من قَبْلنا ، وأوتيناه من بعدهم . وزاد أبو نعيم في آخره: فكان ◌َ ل﴿ آخرَهُمْ في البعث، وبه خُتمت النبوّة . وهو السابق يوم القيامة. لأنه أولُ مكتوبٍ في النبوّة والعَهْد . ثم قال: ففي هذا الحديث الفضيلةُ لرسولِ الله وَّر: لما أوجب الله له النبوة قبل تمام خلق آدم. ويحتملُ أن يكون هذا الإيجاب هو ما أعلم اللهُ ملائكتَهُ ما سبق في علمه وقضائه من بعثتهِ له في آخر الزمان . = عن ميسرة . (١) في مقدمة دلائل أبي نعيم: كتبت . (٢) ليس ما بين المعقوفين في ح . ليس في دلائل النبوة لأبي نعيم المطبوع . (٣) مضى في ص (١٠٩) من هذا الجزء حيث روي الحديث عن البغوي . (٤) في ح : يسير ، وفي ط : نسير ، والمثبت من (ص ١٠٩) من هذا الجزء في سياق الحديث عن البغوي وترجمة (٥) سعيد بن بشير في تهذيب التهذيب (٨/٤، ٩). (٦) ليس ما بين المعقوفين في ح . (٧) في دلائل النبوة (٤٩/١). (٨) إلى هنا في المطبوع من الدلائل ، وهذا يعزز ما ذهب إليه محقق الدلائل وسيرة ابن كثير من قبل من أن المطبوع من الدلائل هو المختصر . ١٣٢ قصة عمرو بن مُرَّة الجُهَني وهذا الكلام يوافق ما ذكرناه ولله الحمد . وروى الحاكم في (( مستدركه)(١) من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم - وفيه كلام - عن أبيه ، عن جده، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّ: ((لما اقترف آدمُ الخطيئة قال : يا رب، أسألُكَ بحقِّ محمد إلَّ(٢) غفرت لي. فقال الله: يا آدم ، كيف عَرفْتَ محمداً ولم أخلُقْهُ بعد ؟ فقال : يا رب ، لأنك لما خلقتني بيدك ، ونفخْتَ فيَّ من روحك ، رفعتُ رأسي ، فرأيت على قوائم العرش مكتوباً : لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله . فعلمتُ أنك لم تُضِفْ إلى اسمك إلا أحبَّ الخَلْقِ إليك. فقال الله : صدقتَ يا آدمَ ، إنه لأحبُّ الخَلْقِ إليّ، وإذ قد سألتني بحقه فقد غفرتُ لك، ولولا محمد ما خلقتك )) . قال البيهقي : تفرَّد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف (٣) ، والله أعلم . وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّئِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُ واْ وَأَنَأْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ -٨٢]. قال عليّ بن أبي طالب وعبدُ الله بن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذَ عليه الميثاق، لئن بُعث محمدٌ بِّهِ وهو حيٌّ ليؤمنَنَّ به ولَينصُرَنَّه، [وأمرَه أنْ يأخذَ الميثاق على أُمته، لئن بُعث محمدٌ وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصرُنَّه ]٤) . وهذا تنويهٌ وتنبيهٌ على شرفِهِ وعظمته في سائر المِلَل ، وعلى ألسنة الأنبياء ، وإعلامٌ لهم ومنهم برسالته في آخر الزمان ، وأنه أكرمُ المرسلين وخاتمُ النبيِّين . وقد أوضح أمره وكشف خبرَه وبيَّن سرّه(٥)، وجلَّى مجده(٦) ومولده وبلده ، إبراهيمُ الخليل في قوله عليه السلام حين فرغ من بناء البيت : ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكْبِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] فكان أوَّلُ بيانِ أمرهِ على الجليَّة والوضوح بين أهلٍ الأرض ، على لسان إبراهيم الخليل أكرم الأنبياء على الله بعد محمد صلوات الله عليه وسلامه عليهما وعلى سائر الأنبياء . (١) مستدرك الحاكم (٦١٥/٢). (٢) في المستدرك : لما . (٣) عقّب عليه الذهبي بقوله قلت : بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ . (٤) ما بين المعقوفين مستدرك في هامش ح . (٥) في ح : مسيره . (٦) كذا في ط ، وفي ح : وحكى محتده . ١٣٣ قصة عمرو بن مُرّة الجهني ولهذا قال الإمام أحمد(١): حدّثنا أبو النضر، حدّثنا الفرج - يعني ابن فَضَالة، حدّثنا لقمان بن عامر [ قال] : سمعتُ أبا أمامة قال: قلت: يا نبيَّ الله، ما كان بَدْءُ أمرٍك؟ قال: ((دَعْوَةُ أبي إبراهيم ، وبُشرى عيسى، ورأتْ أَمي أنَّهُ يخرجُ منها نورٌ أضاءتْ منه قصورُ الشام )) . تفرَّد به الإمام أحمد ، ولم يخرِّجْهُ أحدٌ من أصحاب الكتب الستة(٢) وروى الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب المولد ، من طريق بقيَّةً ، عن صفوان بن عمرو ، عن حُجْر ، عن أبي مريم (٣) أنَّ أعرابياً قال : يا رسول الله ، أيُّ شيءٍ كان أول أمْر نبوتك؟ فقال: أخذَ اللهُ مني الميثاقَ كما أخذ من النبيِّينَ ميثاقَهم. ورأتْ أُّ رسولِ الله ◌ِّ في منامها أنه خرج من بين رجلَيْها سراٌ أضاءتْ له قصورُ الشام)). وقال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار(٤) : حدّثني ثَوْر بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان ، عن أصحابِ رسولِ اللهِ وَ﴾ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: ((دَعْوةُ أبي إبراهيم، وبُشْرى عيسى . ورأت أمي حين حملَتْ(٥) كأنَّهُ خرجَ منها نورٌ أضاءَتْ له بُصرى من أرْضِ الشام)). إسنادُه جيد أيضاً . وفيه بشارةٌ لأهل محلَّتنا ، أرضٍ بُصْرِى ، وأنها أوَّلُ بُقْعَةٍ من أرض الشام خَلَص إليها نورُ النبوَّة، وللهِ الحَمْدُ والمِنَّةَ ؛ ولهذا كانت أولَ مَدينةٍ فُتحت من أرض الشام ، وكان فتحُها صُلْحاً في خلافةِ أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه - كما سيأتي بيانُه - وقد قدِمَها رسولُ اللهِوَ مِرَّتين في صُحبة عَمِّه أبي طالب وهوابن اثنتي عشرة سنةً ، وكانت عندها قصة بَحِيرى الراهب كما بينَّاه ، والثانية ومعه مَيْسرة مولى خديجة في تجارةٍ لها . وبها مَبْرَك الناقةِ التي يقال لها : ناقة رسولِ الله ◌ِّرَ بركت عليه، فأثَرُ ذلك فيها فيما يذكر ، ثم نُقُل وبُّي عليها مسجدٌ مشهور اليوم . وهي المدينةُ التي أضاءتْ أعناقُ الإبل عندها من نور النار التي خرجتْ من أرض الحجاز سنة أربع وخمسين وستمائة، وفق ما أخبر به رسولُ الله وَ لي في قوله : ((تَخْرُجُ نارٌ من أرضِ الحجاز، تُضيءُ لَّها أعناق الإبل ببُصْرى)) وسيأتي الكلامُ على ذلك في موضعه إنْ شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان(٦) . وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشَِّعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُنِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَةِ وَاُلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ (١) مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٦٢) ، وهو حديث حسن . (٢) ليست لفظة الستة في ح . (٣) في ط: مريق، وهو تصحيف، والمثبت من ح، وأبو مريم هو سنان الصحابي. وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٩٨/٢) مطولاً. (٤) سيرة ابن هشام (١٦٦/١) والروض الأنف (١٨٨/١). (٥) في ط : حبلت . (٦) انظر حوادث سنة ٦٥٤ من هذا الكتاب . ١٣٤ قصة عمرو بن مزة الجهني وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِذَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ اٌلْمُفْلِحُونَ﴾ [ الأعراف ١٥٧ ) الآية. قال الإمام أحمد : حدّثنا إسماعيل، عن الجُرَيْرِي، عن أبي صخر العقيليُ(٢) ، حدّثني رجلٌ من الأعراب قال: جلبت جلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله وَّر: فلما فرغتُ من بيعي(٣) قلت: لألقيَنَّ هذا الرجل ، فلأسمعنَّ منه . قال : فتلقَّاني بين أبي بكرٍ وعمر يمشون ، فتبعتُهم [ في أقفائهم ] حتى أتَوْا على رجلٍ من اليهود ، ناشر التوراة يقرؤها ، يُعَزِّي بها نفسه عن ابنٍ له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله٤ُ). فقال رسول الله وَخَرُ: ((أَنْشُدُك بالذي أنزل التوراة ، هل تجدني في كتابك ، ذا صفتي ومَخْرَجي؟)) فقال برأسه هكذا - أي لا - فقال ابنه: إي والذي أنزلَ التوراة إنَّا لنَجِدُ في كتابنا صِفَتَكَ ومَخْرَجك، وأشهدُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسولُ الله. فقال: (( أقيموا اليهوديَّ عن أخيكم)). ثم ولِيَ جَنَنَه٥ُ) وكَفَنَهُ والصلاة عليه . هذا إسنادٌ جِيِّد ، وله شواهدُ في الصحيح عن أنس بن مالكٍ ، رضي الله عنه . وقال أبو القاسم البغوي : حدّثنا عبد الواحد بن غياث ، أبو بَحْر ، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدّثنا عاصم بن كليب، عن أبيه ، عن الفَلَتاث٦ُ) بن عاصم ، وذكر أن خاله قال : كنتُ جالساً عند النبي وَ إِذْ شِخَصَ بصَرُه إلى رجل، فإذا يهوديٌّ عليه قميص وسراويل ونعلان، قال: فجعل النبيُّ نَّهِ يكلِّمُه وهو يقول: يا رسول الله! فقال رسول الله وَ ل: ((أتشهدُ أني رسولُ الله))!؟ قال: لا. قال رسول الله وَ له: أتقرأ التوراة قال: نعم. قال: ((أتقرأ الإنْجيل))؟ قال: نعم. قال: ((والقرآن))؟ قال: لا، ولو تشاءُ قرأتُه. فقال النبيُّ بَّه: ((فبم تقرأ التوراة والإنجيل، أَتَجِدُني نبيّاً؟)) قال: إنَّا نَجِدُ نَعْتَكَ ومَخْرَجَك ، فلمَّا خرجتَ رَجَوْنا أنْ تكونَ فينا، فلما رأيناك عرفناك أنَكَ لَسْتَ به. قال رسولُ الله ◌َليلٍ : ((ولمَ يا يهوديّ))؟ قال: إنَّ نجدُه مكتوباً: يدخلُ من أُمَّتِهِ الجنَّةَ سبعونَ ألفاً بغير حساب ، ولا نرى معك إلا نفراً يسيراً، فقال رسول الله وَّية: ((إن أمتي لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين ألفاً)). (١) مسند الإمام أحمد (٤١١/٥) وما يأتي بين معقوفين منه. والحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ، والحسن بن سفيان في مسنده من طريق سالم بن نوح عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر كما في الإصابة (٤/ ١٠٧). (٢) ضبط في الكنى لمسلم ص ١٣٢، بضم العين وفتح القاف ضبط قلم . (٣) . في المسند : بيعتي. (٤) في ط : وأجملهم والمثبت من ح ومسند أحمد . (٥) ((الجنن)): القبر. واللفظة ساقطة من ط، والعبارة في المسند ((ثم ولي كفنه، وحنّطه وصلى عليه)). (٦) في ط : الصلتان، وفي ح: الغلتان، بغين معجمة، والمثبت من التجريد (٨/٢) والإصابة (٢٠٩/٣) والتاج ( فلت ) . ١٣٥ قصة عمرو بن مُزَّة الجهني هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه ، ولم يُخَرِّجوهً(١) وقال محمد بن إسحاق (٢) عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة: قال: أتى رسول الله وَل [ بيتَ المِدْراس ]٣) فقال: ((أخْرِجُوا [إليَّ] أعْلَمَكم)) فقالوا : عبد الله بن صوريا ، فخلا به رسولُ الله ◌َِّ، فناشده بدينه، وما أنعم الله به عليهم، وأطعمهم من المَنِّ والسَّلوى، وظلَّلهم به من الغمام: ((أَتَعْلَمُني رسولَ اللهَِّ))؟ قال: اللهمَّ نعم. وإنَّ القومَ ليعرفونَ ما أعرف، وإنَّ صفتَكَ ونَعْتَك لَبِيِّنُ(٤) في التوراة، ولكنهم حسدوك. قال: (( فما يَمْنَعُكَ أنت)) ؟ قال : أكره خلافَ قومي ، وعسى أن يتبعوكَ ويُسلموا فأسلم . وقال سَلَمة بن الفَضْل عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أنه كان يقول: كتب رسولُ الله ◌َّل إلى يهودِ خَيْبَر : بسم الله الرحمن الرحيم . من محمدٍ رسولِ الله صاحب موسى ، وأخيه ، والمصدِّق بما جاء به موسى ، ألا إنَّ الله قال لكم : يا معشرَ يَهود وأهلَ التوراة ، إنَّكم تجدونَ ذلك في كتابكم : إنَّ محمداً ﴿ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِذَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَهُمْ زُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ الَّهِ وَرِضْوَنًاْ سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِم مِّنْ أَِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِىِ الْإِنِلِ [ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْفَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ تَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [٥) . وإنِّي أَنْشُدُكم بالله، وبالذي أُنزل عليكم ، وأنشُدكم بالذي أطْعَمَ مَنْ كان قبلَكُم من أسلافكم وأسباطكم المنَّ والسَّلْوَى ، وأنشُدكم بالذي أيبسَ البحرَ لآبائكم حتى أنْجَاكم من فرعون وعمله ، إلَّ أخبر تمونا ، هل تجدونَ فيما أنزلَ اللهُ عليكم أن تؤمنوا بمحمد ؟ فإنْ كنتمُ لا تجدون ذلك في كتابكم ، فلا كُرْهَ عليكم ، قد تبيَّنَ الرُّشْدُ من الغَيّ. وأدعوكم إلى الله تعالى وإلى نبيِّه)» وَله. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسَار في كتاب (( المبتدأ (٦) ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن كعب الأحبار . (١) رواه الحسن بن سفيان في مسنده وابن أبي شيبة وابن منده كما في الإصابة (٢٠٩/٣) وأخرجه بنحوه الطبراني والبيهقي وابن عساكر عن الفلتان كما في الخصائص للسيوطي (١/ ١٤). (٢) كذا في ح ، ولم أجد لمحمد بن إسحاق رواية عن سالم مولى عبد الله بن مطيع في ترجمتهما في تهذيب المزي ، وليس الخبر في سيرة ابن إسحاق أو سيرة ابن هشام ، وهو في الوفا لابن الجوزي (١/ ٥٠) من غير إسناد عن أبي هريرة . (٣) ما بين معقوفين ساقط من ح، ط فاستدركته من الوفا لابن الجوزي (١/ ٥٠). وسيأتي معنى المدراس (ص١٣٦ ح٣). (٤) في ط : لمبين . (٥) ما بين المعقوفين ليس في ح وفيها لفظ : الآية ، وهي من سورة الفتح الآية (٢٩). (٦) لم أجده في سيرة ابن إسحاق المطبوع ، وهو بنحوه في دلائل النبوة لأبي نعيم عن أحمد بن السندي ثنا الحسن بن علويه ثنا إسماعيل بن عيسى قال : ثنا إسحاق بن بشر قال : ثنا سعيد بن بشير ، به . ١٣٦ قصة عمرو بن مُرَّة الجُهَني وروى غيره(١) عن وهب بن مُنَبِّه ، أنَّ بختنَصَّر بعد أنْ خرَّب بيتَ المَقْدِس ، واستذَلَّ بني إسرائيل بسبع سنين رأى في المنام رؤيا عظيمةً هالَتْه، فجمع الكَهَنة والحُزَّار ، وسألهم عن رؤياه تلك . فقالوا ليقصَّها الملكُ حتى نخبرَهُ بتأويلها . فقال : إني أنسيتُها . وإنْ لم تخبروني بها إلى ثلاثة أيام قتلتُكُمْ عن آخركم . فذهبوا خائفين وَجِلين من وعيده . فسمع بذلك دانيالُ عليه السلام وهو في سجنه ، فقال للسَّجَّان : اذهبْ إليه فقل له : إنَّ هاهنا رجلاً عنده عِلْمُ رؤياك وتأويلُها . فذهب إليه ، فأعلمه ، فطلبه ، فلما دخل عليه لم يسجُدْ له ، فقال له : ما منعك من السجود لي ؟ فقال : إنَّ الله آتاني علماً وعلَّمني ، وأمرني أنْ لا أسجدَ لغيره . فقال له بختنَصَّر : إني أُحبُّ الذين يوفون لأربابهم بالعهود ، فأخبرني عن رؤياي . قال له دانيال : رأيتَ صنماً عظيماً ، رِجْلاه في الأرض ورأسه في السماء ، أعلاه من ذهب ووسطه من فضَّة ، وأسفله من نُحاس ، وساقاه من حديد ، ورجلاه من فخَّار ، فبينا أنتَ تنظر إليه ، قد أعجبك حسنُهُ وإحكامُ صنعتِه ، قَذَفَهُ الله بحجرٍ من السماء ، فوقع على قِمَّة رأسهِ حتى طحنه ، واختلط ذهَبُه وفضَّته، ونحاسه وحديده وفخَّاره ، حتى تخيَّل لك أنَّه لو اجتمع الإنس والجنُّ على أن يميزُوا بعضَهُ من بعض ، لم يقدروا على ذلك ؛ ونظرتَ إلى الحجر الذي قُذف به ، يَرْبُو ويَعْظُم وينتشر ، حتى ملأ الأرض كلّها ، فصرتَ لا ترى إلا الحجر والسماء . فقال له بختنَصَّر : صدقت ! هذه الرُّؤيا التي رأيتُها ، فما تأويلها ؟ فقال دانيال : أما الصنم فأُمَمّ مختلفةٌ في أوَّل الزمان وفي وسطه وفي آخره ؛ وأما الحجَرُ الذي قُذف به الصنم فِدِينٌ يَقْذِفُ الله به هذه الأممَ في آخر الزمان ، فيظهرَهُ عليها ، فَيَبْعَثُ اللهُ نبيّاً أُمَّاً من العرب ، فيدوِّخ به الأمم والأديان ، كما رأيتَ الحجرَ دوَّخ أصنافَ الصنم ، ويظهر على الأديانِ والأمم ، كما رأيتَ الحجر ظهر على الأرض كلِّها ؛ فيمخِّص الله به الحق ، ويُزْهقُ به الباطل ، ويَهْدي به أهلَ الضلالة ، ويعلُّم به الأميِّين ، ويقوِّي به الضَّعَفة ، ويُعِزُّ به الأذلَّة ، وينصر به المستضعفين . وذكر تمامَ القصة في إطلاق بختنَصَّر بني إسرائيل على يدي دانيال عليه السلام . وذكر الواقدي بأسانيده عن المغيرة بن شعبة في قصة وفوده على المقوقس ملك الاسكندرية وسؤاله له عن صفات رسول الله ويلي قريباً من سؤال هرقل لأبي سفيان صخر بن حرب ، وذكر أنه سأل أساقفة النصارى في الكنائس عن صفة رسول الله وَ له وأخبروه عن ذلك، وهي قصة طويلة ذكرها الحافظ أبو نعيم في ((الدلائل)(٢). وثبت في (( الصحيح)) أنَّ رسولَ الله مزَّ بمِدْرَاسٍ(٣) اليهود فقال لهم: (( يا معشر يَهُود ، أسلموا ، فوالذي نفسي بيده ، إنَّكم لتَجِدُون صفتي في كُتبكم ... )) الحديث. (١) تاريخ الطبري (١/ ٥٥٤) . (٢) دلائل أبي نعيم (١/ ٨٥). (٣) ((المِدْراس)): بكسر أوله، هو البيت الذي يدرس فيه اليهود كتابهم. فتح الباري (٦/ ٢٧١). ١٣٧ قصة عمرو بن مُرَّة الجُهَني وقال الإمام أحمد(١) : حدّثنا موسى بن داود ، حدّثنا فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار قال: لَقيتُ عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفات رسول الله محصّ في التوراة. فقال : أجَلْ، والله إنَّه لموصوفٌ في التوراة بصفته في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحِرْزاً للأُميِّين، أنت عَبْدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المُتَوَّل، لستَ بفظٌّ ولا غَلِيظُ(٢)، ولا سَخَّابٍ بالأسواقُ(٣) ، ولا يدفعُ بالسِّيئةِ السيئة، ولكنْ يعفو ويغفر، ولن يَقْبِضَهُ اللهُ حتى يُقيموا المِلّة٤ُ) العَوْجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، يفتح به أعيُنَاً عُمْياً، وآذاناً صُمّاً، وقلوباً غُلْفاً. ورواهُ البخاري(٥) عن محمد بن سِنان العَوَقي، عن فُلَيح به . ورواه أيضا٦ً) عن عبد الله - قيل ابن رجاء، وقيل ابن صالح(٧) - عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن علي(٨)، ولفظه قريبٌ من هذا وفيه زيادة . ورواه ابن جرير(٩) من حديث فُليح ، عن هلال ، عن عطاء ، وزاد : قال عطاء : فَلِقِيتُ كعباً فسألته عن ذلك ، فما اختلف حرفاً . وقال في البيوع ١٠) : وقال سعيد عن هلال ، عن عطاء ، عن عبد الله بن سَلام . قال الحافظ أبو بكر البيهقي(١): أخبرناه أبو الحسين بن الفَضْل القطَّان، حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا يعقوب بن سفيان(١٢) ، حدّثنا أبو صالح ، حدّثنا الليث، حدّثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن (١) مسند الإمام أحمد (١٧٤/٢). (٢) في ح ، ط : لا فظ ولا غليظ ، والمثبت من مسند الإمام أحمد ، وهو حديث صحيح . (٣) في ط : ولا صخاب في الأسواق ، والمثبت من ح ومسند الإمام أحمد . والسخّاب من السخب ، وهو رفع الصوت بالخصام ، ويقال بالصاد المهملة بدل السين . فتح الباري (٤/ ٣٤٣) . (٤) كذا في ح ، ط : وفي المسند : حتى يقيم به الملة العوجاء . قال ابن حجر في الفتح : العوجاء : أي ملة العرب ، ووصفها بالعوج لما دخل فيها من عبادة الأصنام ، والمراد بإقامتها أن يخرج أهلها من الكفر إلى الإيمان . (٥) فتح الباري (٢١٢٥) البيوع باب كراهية السَّخَب في الأسواق . (٦) في فتح الباري (٤٨٣٨) التفسير باب إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. ومعلقاً ومسنداً، وانظر فتح الباري (٤/ ٣٤٣) و(٥٨٥/٨) . (٧) في فتح الباري : عبد الله بن مسلمة القعنبي ، وقال : كذا رواية أبي بكر وأبي علي بن السكن ، ووقع عند غيرهما ((عبد الله)) غير منسوب فتردد فيه أبو مسعود بين أن يكون ابن رجاء وابن صالح كاتب الليث. فتح الباري (٥٨٥/٨). (٨) في ح، ط: علويه، والمثبت من البخاري وترجمته في تهذيب التهذيب (١١/ ٨٢). (٩) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٨٣) في تفسير الآية (١٥٧) من سورة الأعراف . والحديث من الطريق المذكور مع الزيادة المشار إليها موجودة في الطبقات (٣٦٢/١). (١٠) يعني البخاري في كتاب البيوع، فتح الباري (٣٤٣/٤). (١١) دلائل النبوة للبيهقي (٣٧٦/١). (١٢) المعرفة والتاريخ (٢٧٤/٣) وهو في قسم النصوص المقتبسة من المجلد المفقود منه. ١٣٨ قصة عمرو بن مُرَّة الجُهَني أبي هلال [ عن هلال]١) بن أسامة، عن عطاء بن يسار، عن ابن سَلام أنَّهُ كان يقول: إنَّا لنَجِدُ صفةً رسولِ الله وَّةٍ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [ الأحزاب: ٤٥] وحِرْزاً للأمِّيِّين، أنت عَبْدِي ورسولي ، سمَّيْته المتوكّل ، ليس بفظً ولا غليظ ، ولا سَخَّبٍ في الأسواق ، ولا يَجْزي السِّيئة مثْلَها ، ولكنْ يعفو ويتجاوز ، ولن يَقْبِضَهُ حتى يُقيم به المِلَّةِ العَوْجاء بأنْ يشهدوا أنْ لا إله إلا الله، يفتح به أعْيُناً عُمْياً ، وآذاناً صُمّاً ، وقلوباً غُلْفاً . وقال عطاء بن يسار : وأخبرني الليثي أنه سمع كعبَ الأحْبار يقولُ مثل ما قال ابنُ سلام . قلت : وهذا عن عبد الله بن سَلام أشبه ، ولكنَّ الرواية عن عبد الله بن عمرو أكثر ، مع أنه كان قد وجد يوم اليرموك زاملتَيَّن من كُتب أهل الكتاب(٢)، وكان يحدِّثُ عنهما كثيراً؛ وليُعْلَمْ أَنَّ كثيراً من السلف كانوا يُطلقون التوراة على كتب أهل الكتاب ، فهي عندهم أعمُّ من التي أنزلها الله على موسى ، وقد ثبت شاهدُ ذلك من الحديث . وقال يونس عن محمد بن إسحاق (٣): حدّثني محمد بن ثابت بن شُرَحبيل، عن أم الدرداء(٤) قالت : قلت لكعب الأحبار: كيف تجدونَ صفةَ رسولِ الله ◌َِّ في التوراة؟ قال: نجدُهُ محمد رسول الله، اسمُهُ المتوكّل، ليس بفَظّ ولا غليظ، ولا سَخَّابٍ في الأسواق، وأُعطي المفاتيح، فَيُبَصِّر الله به أعْيُناً عُوراً ، ويُسمع بهِ آذاناً وُقْراً، ويُقيم به ألْسُناً مُعْوجَّة، حتى يشهدو(٥) أنْ لا إله إلا الله وَحْدَهُ لا شريكَ له ، يُعين به المظلوم ويمنعه . وقد رُوي عن كعب من غير هذا الوجه (٦) . وروى البيهقيُ(٧) عن الحاكم، عن أبي الوليد الفقيه، عن الحسن بن سفيان، حدّثنا عُقْبةُ(٨) بن مُكْرَم ، حدّثنا أبو قَطَن عمرو بن الهيثم ، حدّثنا حمزةُ الزيَّات ، عن سُليمان الأعمش ، عن علي بن (١) ما بين معقوفين من دلائل أبي نعيم (٣٧٦/١) وترجمة هلال بن علي بن أسامة في تهذيب التهذيب (١١ /٨٢). (٢) في ذلك أقوال مضت في الجزء الأول في قصة شعيب من هذا الكتاب والصفحة (٩٥) من هذا الجزء. (٣) دلائل النبوة للبيهقي (١/ ٣٧٦، ٣٧٧). (٤) في ط : عن ابن أبي أوفى عن أم الدرداء ، وليست هذه الزيادة في ح أو دلائل البيهقي . (٥) في دلائل البيهقي : يُشْهَد . (٦) هذه الرواية في طبقات ابن سعد (٣٦٠/١). (٧) في دلائل النبوة (١/ ٣٨١) وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤٠٨/٢) قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . قال بشار : هكذا قال الحاكم ولا يصح كلامه البتة ، فعقبة بن مكرم الذي روى عنه الحسن بن سفيان لم يخرج له أحد من أصحاب الكتب الستة فضلا عن مسلم، وهو عقبة بن مكرم بن عقبة بن مكرم الضبي الهلالي الكوفي ، وقد ذكره المزي في التهذيب تمييزاً (٢٢٦/٢٠) له عن عقبة بن مكرم بن أفلح الصمي البصري (٢٢٣/٢٠)، وهو الذي أخطأ فيه الحاكم فظنه هو الراوي عن الحسن بن سفيان مع أن نسبه ضبيباً . (٨) في ح، ط: عتبة، وهو تصحيف، والمثبت من الدلائل وتهذيب المزي (٢٢٦/٢٠). ١٣٩ قصة عمرو بن مْزَة الجهني مُذْرك، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة: ﴿ وَمَا كُنْتَ بِحَانِبٍ اُلُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [ القصص: ٤٦] قال : نُودوا: يا أمَّةَ محمد، استجَبْتُ لكُمْ قبلَ أنْ تدعُوني ، وأعطيتكُم قبل أنْ تسألوني . وذكر وَهْبُ بن مُنَّهُ(١) أنَّ الله تعالى أوحى إلى داود في الزَّبُور: يا داود إنَّهُ سيأتي من بَعْدِك نبيٌّ اسْمُه أحمد ومحمد٢) ، صادقاً سيِّداً، لا أغضَبُ عليه أبداً، ولا يعصيني(٣) أبداً، وقد غفرتُ له قبلَ أن يعصِيَني ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر ، وأمَّتُه مَرْحُومة ، أعطيتُهم من النوافِلِ مثلَ ما أعطيتُ الأنبياء ، وفرضْتُ عليهم الفرائضَ التي افترضتُ على الأنبياءِ والرُّسُل ، حتى يأتوني يومَ القيامةِ ونورهُمْ مِثْلُ نورٍ الأنبياء . إلى أن قال : يا داود ، إني فضَّلْتُ محمداً وأُمَّتَه على الأمم كلها . والعِلْمُ بأنه موجودٌ في كُتب أهل الكتاب مَعْلُومٌ من الدِّين ضَرُورةً ، وقد دلَّ على ذلك آياتٌ كثيرة في الكتاب العزيز تكلَّمنا عليها في مواضعها ولله الحمد . فمن ذلك قوله : ﴿ الَّذِينَءَانْتَهُمُ الْكِنَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ، يُؤْمِنُونَ ﴿ وَإِذَا يُنْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ: إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّيِّنَاً إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ﴾ [ القصص: ٥٢ - ٥٣]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ, كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [ الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]. أي إنْ كان وَعَدنا ربُّنا بوجودِ محمدٍ وإرساله لكائنٌ لا محالة ؛ فسبحان القدير على ما يشاء لا يُعجِزُه شيء . وقال تعالى إِخْباراً عن القِسِّيسينَ والرُّهْبان: ﴿﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاَ ءَامَنَا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]. وفي قصَّة النَّجاشي وسَلْمان وعبد الله بن سَلام وغيرِهم كما سيأتي شواهدُ كثيرةٌ لهذا المَعْنى ولله الحَمْدُ والِمِنَّة . وذكّرْنا في تضاعيف قصص الأنبياء ما تقدَّم الإشارة إليه من وصْفِهم لبعثةِ رسولِ الله وَ لَهُ ونَعْته ، وبلد مولده ودار مُهاجَرٍه ، ونعت أُمَّتِه في قصة موسى وشعيا وأرميا ودانيال وغيرهم ، وقد أخبر اللهُ تعالى عن آخر أنبياء بني إسرائيل وخاتمهم عيسى ابن مريم ، أنه قام في بني إسرائيل خَطيباً قائلاً لهم: ﴿إِنِّ رَسُولُ الَهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَقَ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى اسْمُهُ: أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. وفي الإنجيل البِشارة بالفارقليط٤) والمرادُ به محمد اَلله. (١) دلائل البيهقي (١/ ٣٨٠). (٢) كذا في ح ، ط ، وفي دلائل البيهقي : يسمى أحمد ومحمداً . (٣) في ط : ولا يغضبني، والمثبت من ح . (٤) ويقال بالباء : البارقليط ، وهي رواية ح . ١٤٠ قصة عمرو بن مُرَّة الجُهَني وروى البيهقي(١) عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبّار ، عن يونس بن بكير ، عن يونس بن عمرو، عنِ العَيْزَار بن حُرَيث(٢)، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنَّ رسولَ اللهِوَ لَّه قال: ((مَكْتوبٌ في الإنجيل: لا فظٌّ ولا غَليظ، ولا سَخَّابٌ في الأسواق، ولا يَجْزي بالسيِّئَةِ مِثْلَها ، بل يَعْفُو ويَصْفَح )) . وقال يعقوب بن سفيان(٣) : حدّثنا فيض البَجَلي، حدّثنا سَلام بن مِسْكين، عن مقاتل بن حَيَّان قال : أوحى الله عزَّ وجلَّ إلى عيسى ابن مريم : جِدَّ في أمْري، واسمع وأطِعْ يا بن الطاهر(٤) البِكْر البَتُول ، أنا خلقتُكَ من غير فَحْل فجعلتك آيةً للعالمين ؛ فإيَّاي فاعبُدْ، فبينٍ لأهل سوران بالُّريانية ، بَلِّغْ من بين يديك أني أنا الحقُّ القائم الذي لا يزول(٥) ، صدِّقوا بالنبيِّ الأَمِّيِّ العربي ، صاحب الجمل والمِدْرَعة والعمامة - وهي التاج - والنعلَيْنِ والهِرَاوة - وهي القضيب - الجَعْدِ الرأس ، الصَّلْتِ الجبينُ(٦)، المَقْرُونِ الحاجبيْن، الأَنْجَلِ العِينَيَّنِ، الأهدبِ الأشفار(٧)، الأدعج العينين(٨)، الأقْنَى الأنف (٩) ، الواضح الخدَّين، الكثِّ اللِّحْيَة، عَرَقُهُ في وَجْهه كاللُّؤْلُؤْ، ريح المسكَ يَنْفَح١٠ُ) منه، كأنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّة ، وكأنَّ الذهب يَجْري في تَرَاقيه، له شَعَراتٌ من لَتِهِ إلى سُرَّته ، تجري كالقَضيب ، ليس في بطنه شَعَرٌ غيره، شَتْن الكَفِّ والقَدَلُ(١)، إذا جاء مع الناس غمَرَهُم، وإذا مشى كأنما يتقلَّعُ(١٢) من الصخر ويتحدَّر من صَبَب ، ذو النسل القليل - وكأنَّهُ أرادَ الذكورَ من صُلْبِه . هكذا رواهُ البيهقي في (( دلائل النبوَّة)) من طريق يعقوب بن سفيان(١٣). (١) في دلائل النبوة (١/ ٣٧٧). (٢) في ح، ط: حرب، وهو تصحيف، والمثبت من دلائل البيهقي وتهذيب التهذيب (٢٠٣/٨) في ترجمته والتقريب . (٣) في المعرفة والتاريخ (٢٧٥/٣) وهو في قسم النصوص المقتبسة من المجلد المفقود منه . (٤) في ط : الطاهرة . جاء في اللسان ( طهر ) : والمرأة طاهِرٌ من الحيض وطاهرةٌ من النجاسة ومن العيوب . (٥) في ط : أزول . (٦) ((الصلت الجبين)): الواسع الجبين، الأبيض الجبين الواضح. التاج (صلت). (٧) ((الأهدب الأشفار)): أي طويل شعر الأجفان. التاج (هدب ) . (٨) ((الأدعج العينين)): يريد أن سواد عينيه كان شديد السواد، وقيل: إن الدّعج عنده: سواد العين مع شدة بياضها. التاج ( دعج ) . (٩) ((من القنى)): وهو ارتفاع في أعلى الأنف، واحديداب في وسطه، وسُبوغ في طرفه اللسان (قنا). (١٠) ((نفَحَ الطِّيبُ)): إذا أرِجَ وفاح. التاج ( نفح) وفي ط : ينضح ، ومعناه بنحوه . (١١) أي أنهما تميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل : هو الذي في أنامله غِلَظُ بلا قصر ، ويُحمد ذلك في الرجال لأنه أشد لقبضهم . اللسان ( شئن ) . (١٢) في ح، ط: ينقلع، والمثبت من دلائل النبوة ومختصر ابن منظور لتاريخ ابن عساكر (٤٦/٢). (١٣) دلائل النبوة للبيهقي (٣٧٨/١).