Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
فصل في تجديد قريش بناء الكعبة
قال ابن إسحاقُ(١): وحُدِّثت أنَّ قريشاً وجدوا في الرُّكْن كتاباً بالسريانية ، فلم يعرفوا ما هو ، حتى
قرأه لهم رجلٌ من يهود ، فإذا هو : أنا الله ذو بَّكَّة ، خلقتُها يوم خلقتُ السماواتِ والأرض ، وصورتُ
الشمس والقمر ، وحفَفْتُها بسبعة أملاكٍ حُنفاء ، لا تزولُ حتى يزولَ أخشباها - قال ابنُ هشام : يعني
جبلاها - مباركٌ لأهلها في الماء واللبن .
قال ابنُ إسحاقُ(٢): وحُدِّئت أنهم وجدوا في المقام كتاباً فيه : مكة [ بيتُ ] اللهِ الحرام ، يأتيها رِزْقُها
من ثلاثة سُبُل ، لا يحلُّها أول من أهلها ٣) .
قال(٤): وزعم ليثُ بن أبي سليمُ(٥) أنهم وجدوا [حجَراً ] في الكعبة قبل مبعثِ النبيِّ وَّ بأربعين
سنة - إن كان ما ذُكر حقاً - مكتوباً فيه: مَنْ يزرعْ خيراً يحصدْ غِبْطة، ومَنْ يزرعْ شرّاً يحصِدْ ندامة ،
تعملون السيئات وتُجزَوْنَ الحسنات؟! أجَل ، كما [ لا] يُجْتَنِى من الشُّوْكُ العِنَب(٦).
وقال سعيد بن يحيى الأموي : حدّثنا المعتمر بن سليمان، عن عبد الله بن بشر الرَّقيِّ ، عن الزهري
- يرفع الحديث إلى النبيِّ وَ ◌ّ قال: ((وجد في المقام ثلاثة أصفح، في الصَّفْح الأول: إني أنا الله ذو بَكَّة
صنعتُها يوم صنعت(٧) الشمس والقمر، وحفَفْتُها بسبعةِ أملاك حُنفاء ، وباركتُ لأهلها في اللحم واللبن .
وفي الصَّفْح الثاني : إني أنا الله ذو بَكَّة ، خلقت الرحم وشقَقْتُ لها من اسمي ، فمَنْ وصلها وصلْتُه ، ومن
قطعها بَتُّه . وفي الصَّفْح الثالث : إني أنا الله ذو بكَّة، خلقتُ الخيرَ والشرّ وقدَّرْتُه ، فطوبى لمن أجرَيْتُ
الخيرَ على يديه ، وويلٌ لمن أجريتُ الشرَّ على يديه .
قال ابن إسحاق(٨) : ثم إنَّ القبائل من قريش جمعتِ الحجارة لبنائها، كلٌّ قبيلةٍ تجمع على حدة ، ثم
بنَوْها ، حتى بلغ البناءُ موضعَ الرُّكْن ، فاختصموا فيه ، كلٌّ قبيلة تريد أن ترفعَهُ إلى موضعه دون الأخرى ؛
(١) سيرة ابن إسحاق (ص٨٦) وسيرة ابن هشام (١/ ١٩٦) واللفظ له.
سيرة ابن إسحاق (ص٨٦) وسيرة ابن هشام (١ / ١٩٦) وما يأتي بين معقوفين منه ، واللفظ له .
(٢)
(٣) قال السهيلي في الروض (٢٢٧/١): يريد - والله أعلم - ما كان من استحلال قريش القتال فيها أيام ابن الزبير،
وحُصين بن نمير ، ثم الحجاج بعده ، ولذلك قال ابن أبي ربيعة :
بحب المحلة أُخت المُحِلْ
ألا من لقلب مُعنى غَزِلْ
يعني بالمُحِلّ عبد الله بن الزبير لقتاله في الحرم .
(٤)
القائل هو ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١٩٦/١) وما يأتي بين معقوفين منه .
(٥)
وهو ضعيف .
وهو من أمثالهم : أي إذا ظلمت فاحذر الانتصار ، فإن الظلم لا يُكْسبكَ إلا مثل فعلك . مجمع الأمثال للميداني
(٦)
(٨٦/١ ط محمد أبو الفضل إبراهيم مصر ١٩٧٧) والأمثال لأبي عبيد (ص ٢٧٠).
(٧) ساق الخبر السهيلي في الروض (٢٢٧/١) من طريق معمر بن راشد في الجامع عن الزهري أنه قال : بلغني أن قريشاً
حين بنوا الكعبة وجدوا فيها ... وذكر الحديث، ولفظه: صغتها يوم صغت ...
(٨) سيرة ابن إسحاق (ص٨٦ - ٨٨) وسيرة ابن هشام (١/ ١٩٦) واللفظ له.

١٠٢
فصل في تجديد قريش بناء الكعبة
حتى تحاوروا وتحالفوا ، وأعدُّوا للقتال ، فقرَّبتْ بنو عبد الدار جَفْنةً مملوءةً دماً ، ثم تعاقدوا هم وبنو
عديِّ بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديَهُمْ في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسُمُّوا لعقة الدم .
فمكثتْ قريش على ذلك أربعَ ليالٍ أو خمساً ، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد ، فتشاوروا وتناصفوا .
فزعم بعضُ أهل الرواية ، أن أباأمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر (١) بن مخزوم - وكان عامئذٍ أسنَّ
قريش كلِّها ، قال : يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أولَ مَنْ يدخل من باب هذا المسجد
يقضي بينكم فيه. ففعلوا، فكان أولَ داخلٍ دخل رسولُ الله ◌ِّل، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين ،
رَضِينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال رسول الله وَرَ: ((هَلُم٢ُ) إليَّ ثوباً)) فأُتي به ،
وأخذ الؤُكْن فوضعه فيه بيدهِ ثم قال: «لتأخذْ كلُّ قبيلةٍ بناحيةِ من الثوب، ثم ارْفَعُوهُ جميعاً)» ففعلوا ،
حتى إذا بلغوا به موضعَه، وضعَهُ هو بيده وَّه. ثم بُني عليه. وكانت قريش تسمِّي رسول الله وَل
الأمين .
وقال الإمام أحمد(٣): حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا ثابت - يعني أبا زيد(٤) - حدّثنا هلال - يعني ابن
خبَّاب(٥) - عن مجاهد عن مولاه - وهو السائب بن عبد الله - أنه حدّثه أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية
قال : وكان لي حجر أنا نحثُّه ، أعبدُه من دون الله، قال: وكنتُ أجيء باللبن الخائر الذي أنْفَسُه(٦) على
نفسي فأصبُّهُ عليه، فيجيءُ الكلبُ فيلحسه، ثم يَشْغَرُ(٧) فيبول ، قال : فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ،
ولا يرى الحَجَر أحد، فإذا هو وسط حِجَارنا(٨) مثل رأس الرجل ، يكاد يتراءى منه وجهُ الرجل ، فقال
بَطْنٌ من قريش : نحن نضعُهُ . وقال آخرون : نحن نضعه . فقالوا : اجعلوا بينكم حَكَماً . فقالوا : أوَّلُ
رجلٍ يَطْلعُ من الفَجّ. فجاء رسولُ اللهِوَ لَه فقالوا: أتاكم الأمين . فقالوا له : فوضعه في ثوب ، ثم دعا
بطونهم، فرفعوا نواحيه، فوضعه هو مَّله.
(١) في ح، ط : عمرو، انظر ما مضى (ص ٩٨ حاشية ١).
(٢) في ط : هلموا ، والمثبت من ح والسيرة . وهلمّ: بمعنى أقبل ، تقال للواحد والاثنين والجماعة.
(٣) في مسنده (٤٢٥/٣) .
(٤) في ح، ط : أبا يزيد، وهو تصحيف ، والمثبت من المسند ، وهو ثابت بن يزيد أبو زيد الأحول البصري. ترجمته
في سير أعلام النبلاء (٣٠٥/٧) وتهذيب التهذيب (١٨/٢).
(٥) في ح، ط : حبان وهو تصحيف ، والمثبت من المسند ، ترجمته في تهذيب التهذيب (١١ / ٧٧) وقد ضبطه ابن
حجر في التقريب (٣٢٣/٢) بقوله : بمعجمة وموحدتين .
(٦) في ح، ط: آنفه، والمثبت من المسند، يقال نفِسْتُ عليه الشيء أنفَسُه: إذا ضننْتَ به ولم تحب أن يصل إليه.
اللسان ( نفس ) .
(٧) شغر الكلب : رفع إحدى رجليه ليبول . اللسان (شغر ).
(٨) في ط : أحجارنا، وفي المسند حجارتنا، وكل ذلك جمع حَجَر. اللسان (حجر). ط دار المأمون ١٤٠٠ هـ -
دمشق .

١٠٣
غسل في تجديد قريش بناء الكعبة
قال ابن إسحاق: وكانتِ الكعبة على عهد النبي ◌َّ ثماني عشرة ذراعاً، وكانت تُكْسى
الْقَبَاطِي١ُّ) ، ثم كُسيت بعدُ البُرود. وأول مَنْ كساها الديباج الحجّاج بن يوسفُ ..
قلت : وقد كانوا أخرجوا منها الحِجْر - وهو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام - قصَّرت بهم
النفقة ، أي : لم يتمكّنُوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم ، وجعلوا للكعبة باباً واحداً من ناحية الشرق ،
وجعلوه مرتفعاً لئلا يدخل إليها كل أحد فَيُدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا .
وقد ثبت في ((الصحيحين))(٤) عن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله وَ يّه قال لها: ((ألم تريْ أنَّ
قومَكِ قصَّرَتْ بهم النَّفَقَة ، ولولا حِدْثانُ قومِكِ بكُفْر لنقضْتُ الكعبةَ ، وجعلتُ لها باباً شرقياً وبابا غربيّاً ،
وأدخلتُ فيها الحِجْر)).
ولهذا لما تمكَّن ابنُ الزُّبير بناها على ما أشار إليه رسولُ الله ◌ِوَّهِ، وجاءتْ في غاية البهاء والحُسْن
والسناء كاملة على قواعد الخليل ، لها بابان ملصقان بالأرض شرقياً وغربياً ، يدخلُ الناس من هذا
ويخرجونَ من الآخر . فلما قَتَل الحجّاجُ ابنَ الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان - وهو الخليفة يومئذ -
فيما صنعه ابنُ الزبير ، واعتقدوا أنَّهُ فعل ذلك من تلقاء نفسه . فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه ، فعمدوا
إلى الحائط الشامي، فحصوه(٥) وأخرجوا منه الحِجْر ، ورصُوا حجارته في أرض الكعبة ، فارتفع
بابُها٦)، وسدُّوا الغربي، واستمرَّ الشرقيُّ على ما كان عليه، فلما كان في زمن المهدي - أو ابنه
المنصور - استشار مالكاً في إعادتها على ما كان صنعه ابنُ الزبير ، فقال مالكٌ رحمه الله : إني أكره أن
يَتَّخذها الملوك مَلْعَبة ، فتركها على ما هي عليه . فهي إلى الآن كذلك .
وأما المسجد الحرام : فأول من أخَّرَ بُنيانَ البيوتِ من حول الكعبة عمرُ بن الخطاب رضي الله
عنه ، اشتراها من أهلها وهدمها ، فلما كان عثمان اشترى دُوراً وزادها فيه ؛ فلما ولي ابنُ الزبير أحكم
(١) سيرة ابن هشام (١/ ١٩٨).
(٢) ((القباطي)): جمع قُبْطِيَّة، وهي ثياب كتان بيض رقاق تعمل بمصر، وهي منسوبة إلى القِبْط على غير قياس.
اللسان ( قبط ) .
(٣) ذكر السهيلى عن الزبير بن بكار في الروض (٢٢٤/١) أن ابن الزبير كساها الديباج قبل الحجاج .
(٤) فتح الباري (١٢٦) العلم باب من ترك بعض الاختيار (١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦) الحج باب فضل مكة
وبنيانها و(٣٣٦٨) الأنبياء باب (١٠) و(٤٤٨٤) التفسير باب قوله تعالى: ((وإذ يرفع إبراهيم القواعد)) و(٧٢٤٣)
التمني باب ما يجوز من اللوّ. وصحيح مسلم (١٣٣٣) (٣٩٨ - ٤٠٤) الحج باب نقض الكعبة وبنائها .
(٥) كذا في ح ، ط ولم يتجه لي معناه بهذا اللفظ . قلت : لعل معناه جعلوه مفتتاً كالحصى ، أو أن الصواب فيه :
فحصْحَصُوه . من حَصْحَصَ التراب وغيره. إذا حرَّكته وفحصته يميناً وشمالاً . أو فحَصُوه من الفحص وهو
البحث ، وفحص المطر التراب قلبه ونحّى بعضه عن بعض . اللسان ( حصص ، فحص ، حصي ) .
(٦) كذا في ح وفي ط : باباها .

١٠٤
فصل في تجديد قريش بناء الكعبة
بنيانه، وحسَّن جدرانه وكبّر (١) أبوابه، ولم يوسِّع شيئاً آخر. فلما استبدَّ بالأمر عبدُ الملك بن مروان
زاد في ارتفاع جُدْرانه، وأمر بالكعبة فكُسيت الدِّيباج . وكان الذي تولَّى ذلك بأمره الحجّاج بن
يوسف .
وقد ذكرنا قصة بناء البيت ، والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة عند قوله : ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ
إِبْرَهِعُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وذكرنا ذلك مطوَّلا مستقصى، فمن شاء كتبه هاهنا ولله
الحمد والمنة .
قال ابن إسحاق (٢) : فلما فرغوا من البنيان ، وبنَوْها على ما أرادوا قال الزُّبير بن عبد المطلب ، فيما
كان من أمر الحيَّةِ التي كانت قريش تهابُ بنيان الكعبة لها : [ من الوافر ]
إلى الثعبانِ وهي لها اضطرابُ
عجبتُ لِمَا تصوَّتِ العُقابُ
وأحياناً يكونُ لها وِثابُ(٣)
وقد كانتْ يكونُ لها كشيشٌ
تُهَيُِّنا البناءَ وقد نهابُ(٥)
إذا قُمنا إلى التأسيس(٤) شدَّت
عُقَابٌ تَتْلَئِبُّ لها انصبابُ(٧)
فلما أن خَشِينا الزَّجْرُ(٦) جاءتْ
فضمَّتْها إليها ثم خلَّتْ
لنا البنيانَ ليسَ له (٨) حجاب
لنا منهُ القواعدُ والتُّرَابُ
فقُمْنا حاشِدينَ إلى بناءِ
وليسَ على مَساوينا ثيابُ(٩)
غداةَ يرفَّع التأسيسُ منه
فليسَ لأصلِهِ منهم ذَهابُ
أعزَّ به المليكُ بني لُؤَيّ
ومُرَّةُ قد تقدَّمها كِلابُ
وقد حشَدَتْ هناك بنو عَدِيٍّ
(١) كذا في ح وفي ط : أكثر .
سيرة ابن إسحاق (ص٨٩) وسيرة ابن هشام (١٩٨/١) والأبيات الآتية فيهما .
(٢)
(٣)
مضى معنى كشيش (ص٩٨ حاشية ٩).
(٤)
في سيرة ابن إسحاق البنيان .
كذا في ح ، ط : وفي سيرة ابن إسحاق يُهاب ، وفي سيرة ابن هشام تُهاب .
(٥)
(٦)
((الزجر)) : المنع والنهي، وفي سيرة ابن إسحاق وابن هشام: الرِّجز.
(٧) قال السهيلي في الروض (٢٢٩/١): قوله تتلئب، يقال: اتلأب على طريقه، إذا لم يُعَرِّج يمنة ولا يسرة ، وكأنه
منحوت من أصلين : من تلا ، إذا تبع ، وألبَبَ : إذا أقام ، وأبَّ أيضاً قريب من هذا المعنى . أب إبابة ، إذا استقام
وتهيأ . وفي اللسان ( تلأب ) : اتلأب : استقام .
في ح ، ط : لها ، والمثبت من سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام .
(٨)
(٩)
ويروى : وليس على مُسَوِّينا ثياب ، كما في سيرة ابن هشام . والمسؤِّي : أي مسوِّي البنيان . وأما مساوينا فيريد
السوءات كما في الروض (٢٢٩/١).

١٠٥
فصل في تجديد قريش بناء الكعبة
فَبَوّأَنا المليكُ بذاكَ عِزّاً وعند اللهِ يُلْتَمَسُ(١) الثوابُ
وقد قدَّمنا في فصل ما كان الله يحفظ٢) به رسول الله و له من أقذار الجاهلية، أنه كان هو والعباس عمُّه
ينقلانِ الحجارة ، وأنه عليه الصلاة والسلام لما وضع إزارَه تحت الحجارة على كتفه نُهي عن خلْع إزاره ،
فأعادَهُ إلى سيرته الأولى .
فصل
وذكر ابن إسحاق(٣) ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحُمْس ، وهو الشِّدَّة في الدِّين والصلابة .
وذلك لأنهم عَّموا الحَرَم تعظيماً زائداً ، بحيث التزموا بسببه أنْ لا يخرجوا منه ليلةَ عَرَفة ، وكانوا
يقولون: نحن أبناءُ الحَرَمِ وَقُطَّان بيتِ الله . فكانوا لا يقِفُون بعَرَفات ، مع عِلْمهم أنها من مشاعرٍ إبراهيم
الخليل عليه السلام ، حتى لا يخرجوا عن نظامٍ ما كانوا قرَّرُوه من البِدْعَةِ الفاسدة .
وكانوا لا يدَّخِرُونَ من اللَّبَنِ أَقِط٤ٌ) ولا سمْناً ولا يَسْلَؤُونُ(٥) شَحْماً وهم حُرُم . ولا يدخلونَ بيتاً من
شعر، ولا يستظِلُّون إن استظلُّوا إلا ببيتٍ من أدم. وكانوا يمنعون الحَجيج والعُمَّار - ما داموا مُحْرِمين -
أنْ يأكلوا إلا من طعام قريش ، ولا يطوفوا) إلا في ثياب قريش، فإنْ لم يجدْ أحدٌ منهم ثوبَ أحدٍ من
الحُمْس - وهم قريش وما وَلَدُوا، ومَنْ دخل معهم من كِنانة وخُزَاعة - طاف عُزياناً ، ولو كانتِ امرأة ،
ولهذا كانتِ المرأةُ إذا اتفق طوافُها لذلك وضعتْ يدها على فَرْجها وتقول : [ من الرجز ]
اليومَ يَبْدُو بعضُه أو كلُّه وما بَدَا منه فلا أُحِلُّه(٧)
فإنْ تكرَّم أحدٌ ممن يجد ثوبَ أحمسي ، فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف أن يُلْقِيَها فلا
ينتفع بها بعد ذلك ، وليس له ولا لغيره أنْ يَمَسَّها . وكانت العربُ تسمِّي تلك الثياب اللُّقَى ، قال بعضُ
الشعراء : [ من الطويل ]
كفى حَزَناً كَرِّي عليهِ كأنَّ لُقّى بين أيدي الطائفین حَرِیمُ
في ح نلتمس ، والمثبت من ط والسيرة .
(١)
في ط : يحوط، والمثبت من ح . والفصل المذكور يقع في (ص ٧٥) من هذا الجزء .
(٢)
(٢)
سيرة ابن إسحاق (ص ٨٠ - ٨٢) وسيرة ابن هشام (١٩٩/١ - ٢٠٣).
(٤) الأقط، ويقال بتثليث الهمزة وسكون القاف: شيء يُتخذ من اللبن المخيض، يُطبخ ثم يترك حتى يمصُل. اللسان
( أقط ) .
(٥) ((سلأ السمن يَسْلَوْه)): طبخه وعالجه فأذاب زُبْدَه. اللسان ( سلأ).
(٦)
كذا في ح ، ط ولعل الصواب : وألا يطوفوا .
(٧) في ط: وبعد هذا اليوم لا أُحِلُّه ، والمثبت من ح وسيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام .

١٠٦
فصل في تجديد قريش بناء الكعبة
قال ابن إسحاق(١): فكانوا كذلك حتى بعث الله محمداً مَّله، وأنزل عليه القرآن رداً عليهم فيما
ابتدعوه فقال: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ أيْ جمهور العرب من عَرَفات ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهُّ
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ البقرة: ١٩٩].
وقد قدَّمنا أنَّ رسولَ الله وَلَه كان يقفُ بعرفات(٢) قبل أن يُنزّل عليه توفيقاً من الله له، وأنزل الله عليه ردّاً
عليهم فيما كانوا حرَّموا من اللَّباس والطعام على الناس: ﴿﴿ يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ
ـلَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىِّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِّ ... ﴾ الآية
وَأَشْرَبُواْ وَلَا تُْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
[الأعراف ٣١ -٣٢] .
وقال زياد البَكَّائي عن ابن إسحاق : ولا أدري أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده .
(١) سيرة ابن إسحاق (ص٧٦) وسيرة ابن هشام (١/ ٢٠٣).
(٢) تقدم ذكر ذلك في الجزء الثاني من هذه الطبعة.

١٠٧
كتاب مبعث رسول الله بعة وذكر شيء من البشارات
كتاب
مَبعث رسول الله ◌ِ ﴾ تسليماً كثيراً
وذكر شيء من البشارات بذلك
قال محمد بن إسحاق(١) رحمه الله : وكانت الأحبار من اليهود ، والرُّهْبانُ من النصارى، والكُهَانُ
من العرب(٢) قد تحدَّثوا بأمْرٍ رسول الله وَ ل قبل مَبْعثه، لما تقارب زمانه؛ أما الأحبار من اليهود والرهبان
من النصارى فعمًا وجدوا في كُتبهم من صفتِهِ وصِفةِ زمانه ، وما كان من عَهْد أنبيائهم إليهم فيه .
قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَقَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَاَلْإِنجِيلِ ﴾
[ الأعراف : ١٥٧ | الآية .
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَنِيّ إِسْرَّهِ يَلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى
مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَحْمَلٌ ﴾ [الصف: ٦].
وقال الله تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِذَّاءُ عَلَى الْكُغَارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَنَّهُمْ رُكَعَا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَنَاْ سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنِيلِ﴾ [ الفتح: ٢٩] الآية.
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ
لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِىٌ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ ﴾
[ آل عمران: ٨١] .
وفي صحيح البخاري(٣) عن ابن عباس قال: (( ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بُعث محمد
وهو حي ليؤمنَنَّ به ولينصرنَّه ، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق : لئن بعث وهم أحياء ليؤمنُنَّ به ولينصرُنَّه
وليتبعُنَّه )).
يعلم من هذا أنَّ جميع الأنبياء بشَرُوا به وأمروا باتباعه .
(١) سيرة ابن إسحاق (ص٦٢) وسيرة ابن هشام (٢٠٤/١).
في ح : وكانت الأحبار من اليهود والكهان من النصارى من العرب . وكذا في ط وفيها : ومن العرب . وما أثبتُّه من
(٢)
سيرة ابن هشام .
(٣) لم أجده بهذا اللفظ في صحيح البخاري ، قال المؤلف رحمه الله في التفسير (٣٧٨/١): قال علي بن أبي طالب
وابن عمه ابن عباس : ما بعث الله نبياً من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمنن به
ولينصرنه . ولم يعزه لأحد ، لا للبخاري ولا غيره ، ولعله خطأ من النساخ .

١٠٨
كتاب مبعث رسول الله بيئة وذكر شيء من البشارات
وقد قال إبراهيمُ عليه السلام فيما دعا به لأهل مكة: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ ... ) الآية [ البقرة: ١٢٩].
وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا أبو النضر، حدّثنا الفرج بن فضالة، حدّثنا لُقْمان بن عامر، سمعتُ
أبا أمامة قال: قلت: يا رسولَ الله، ما كان بُدُؤّ(٢) أمْرِك. قال: ((دعوة أبي إبراهيم ، وبُشْرى عيسى ،
ورأتْ أُمِّي أنه يخرُجُ منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام )) .
وقد روى محمد بن إسحاق (٣)، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله اَ ل
عنه مثله .
ومعنى هذا أنه أرادَ بُدُؤَّ أمره بين الناس ، واشتهارَ ذِكْرِهِ وانتشارَه ، فذكر دعوةَ إبراهيمَ الذي تُنسب إليه
العرب ، ثم بُشْرى عيسى الذي هو خاتمُ أنبياء بني إسرائيل كما تقدَّم . يدُلُّ هذا على أنَّ مَنْ بينهما من
الأنبياء بشَّروا به أيضاً .
فأمَّا في الملأ الأعلى ، فقد كان أمْرُه مشهوراً مذكوراً معلوماً من قَبْلِ خلْقِ آدمَ عليه الصلاة والسلام كما
قال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي ، حدّثنا معاوية بن صالح ، عن سعيد بن سُويد الكلبي
عن عبد الله(٥) بن هلال السُّلَمي، عن العِزْباض بن سارية قال: قال رسولُ اللهَوَّل: ((إني عند الله خاتمُ
النبيِّين، وإن آدمَ ( عليه السلام ) لمنجَدِلٌ في طينته ، وسأنبّئُكم بأوَّلِ ذلك ، دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة
عيسى بي ، ورؤيا أَمِّي التي رأتْ، وكذلك أمهاتُ النَّبِّينُ(٦) يَرَيْن)).
وقد رواهُ الليث عن معاوية بن صالح (١) وقال: إنَّ أمَّه رأتْ حين وضعَتْه نوراً أضاءت منه قصورُ
الشام .
(١) في المسند (٥/ ٢٦٢) ، وهو حديث حسن .
(٢) كذا في ح وفي ط : بدء ، وفي المسند : أول بدء.
(٣) مضى ذكر هذا الحديث وتخريجه (ص ٥٦ حاشية ٤) من هذا الجزء .
(٤) في مسنده (٤/ ١٢٧) وما يأتي بين معقوفين منه. أقول: وهو حديث حسن، دون قوله: ( وكذلك أمهات النبيين
يرين ) .
(٥) قال بشار : هكذا سماه عبد الرحمن بن مهدي في روايته ، وهو خطأ صوابه : عبد الأعلى بن هلال ، نبه على ذلك
عبد الله ابن الإمام أحمد في تعليق له على مسند أبيه عقب هذا الحديث (٤/ ١٢٨).
وقد جاء هذا الاسم في ط ((عبد الأعلى)) على الصواب ، وهو وإن كان صواباً لكنه خطأ، لأن عبد الرحمن بن مهدي
سماه عبد الله .
(٦) في الأصل : المؤمنين ، والمثبت من المسند .
(٧) في المسند أيضاً (١٢٧/٤) وأخرجه ابن سعد (١٤٨/١)، الطبري في تفسيره (٢٠٧٢)، والطبراني في الكبير
(١٨/ حديث (٦٣٠)، من طرق عن الليث بن سعد ، وهو حديث صحيح.

١٠٩
كتاب مبعث رسول الله ◌ٍ وذكر شيء من البشارات
وقال الإمامُ أحمد أيضاً(١) : حدّثنا عبد الرحمن ، حدّثنا منصور بن سعد ، عن بُديل بن مَيْسرة ، عن
عبد الله بن شقيق، عن ميسرة الفجر قال: قلتُ: يا رسول الله؛ متى كنت (٢) نبيّاً؟ قال: ((وآدمُ بين
الرُّوح والجَسَد )) تفرد بهنَّ أحمد .
وقد رواه عمر بن أحمد بن شاهين في كتاب (( دلائل النبوة)) من حديث أبي هريرة فقال : حدّثنا
عبد الله بن محمد بن عبد العزيز - يعني أبا القاسم البَغَوِي - حدّثنا أبو هَمَّام [ عن (٣) الوليد بن مسلم عن
الأوزاعي، حدّثني يحيى، عن (٤) أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سُئل رسولُ الله ◌ِصَّهِ: متى وجبتْ لك
النبوّة ؟ قال: (( بين خلق آدم ونفخ الروح فيه )) .
ورواه من وجهٍ آخر عن الأوزاعي به . وقال: (( وآدم مُنْجَدِلٌ في طينته ».
ورُوي عن البغوي(٥) أيضاً عن أحمد بن المقدام ، عن بقيّة ، عن (٦) سعيد بن بشير ، عن قتادة ، عن
أبي هريرة - مرفوعاً - في قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُوجِ﴾ [ الأحزاب: ٧ ] قال
رسول الله ◌َّهُ: «كنتُ أوَّلَ النبيين في الخَلْق وآخرَهُم في البعث)).
ومن حديث ابن مُزَاحم ، عن قيس بن الربيع ، عن جابر ، عن الشعبي ، عن ابن عباس قيل :
يا رسول الله، متى كنتَ نبياً؟ قال: « وآدمُ بين الرُّوحِ والجسد (٧) .
وأما الكُهَّان من العرب ، فأتتهم به الشياطينُ من الجن فيما تسترِقُ من السمع ، إذْ كانتْ وهي
(١) في المسند (٥٩/٥)، وإسناده صحيح.
(٢) كذا في ح ، ط ، وفي المسند : كتبت .
(٣) ما بين معقوفين زيادة يقتضيها السياق، إذ إن كنية الوليد بن مسلم ((أبو العباس)) لا ((أبو همَّام)) وأبو همَّام هذا هو
الوليد بن شجاع السكوني ، وهو الذي يروي عن الوليد بن مسلم ويروي عنه أبو القاسم البغوي ، كما هو ثابت في
تهذيب التهذيب (١١/ ١٣٥).
(٤) وقع في ح : يحيى بن أبي سلمة وهو تصحيف ، والمثبت من ط ويحيى هو ابن أبي كثير الطائي مولاهم ، وأبو سلمة
هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني .
(٥) البغوي هو أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز المتوفى ٣١٧هـ ؛ وقد صححه السيوطي في الجامع الصغير،
وقال المناوي في فيض القدير (٥٣/٥): أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٤٩/١) عن قتادة مرسلا، وأخرجه
أبو نعيم في الدلائل وابن أبي حاتم في تفسيره وابن لال والديلمي. قلت : وأخرجه الطبري في تفسيره (١٢٥/٢١)
من طريق بشر عن يزيد به . وسيأتي مروياً عن أبي نعيم (ص١٢٩ حاشية ١٠) من هذا الجزء ، وساقه المصنف أيضاً
في تفسيره (٤٦٩/٣).
(٦) في ح ، ط : بقية بن سعيد بن بشير وهو تصحيف ، وبقية هو ابن الوليد أبو يحمد الحمصي الكلاعي ، وروايته عن
سعيد بن بشير ، ورواية سعيد عن قتادة ثابتة في ترجمة سعيد في تهذيب التهذيب (٨/٤، ٩).
(٧) سيأتي سياق الحديث في ص (١٢٩ حاشية ٦) مروياً عن أبي نعيم في دلائل النبوة ، ولم أجده فيه ، إلا أن محقق
دلائل أبي نعيم ساقه في مقدمته ص ٢٥ وترجح لديه أن المطبوع من الدلائل هو المنتخب وليس الكتاب بتمامه .

١١٠
كتاب مبعث رسول الله يخ وذكر شيء من البشارات
لا تُحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهنُ والكاهنة لا يزالُ يقع منهما بعضُ ذكرِ أموره ،
ولا يُلقي العرب لذلك (١) فيه بالاً، حتى بعثه الله تعالى. ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون
فعرفوها ، فلما تقارب أمْرُ رسول الله وَلَه وحضر زمان مَبْعثه حُجبت الشياطينُ عن السمع ، وحيل بينها
وبين المقاعد التي كانت تقعد لاستراقِ السمع فيها ، فرُمُوا بالنجوم ، فعرفت الجِن٢ّ) أنَّ ذلك لأمرٍ حدث
من أمر الله عزَّ وجلّ .
قال: وفي ذلك أنزل اللهُ على رسوله وَّةِ: ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا
◌َجَبَا أَ يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَامَنَا بِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا﴾ [الجن ١ ٢] إلى آخر السورة. وقد ذكرنا تفسير ذلك كلِّه
في كتابنا التفسير، وكذا قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ
فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ (3) قَالُواْ يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى
اُلْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [ الأحقاف: ٢٩ -٣٠) الآيات، ذكرنا تفسير ذلك كلِّه هناك.
قال محمد بن إسحاق (٣): حدّثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس(٤) أنه حدَّث أنَّ أول العرب
فزع للرمي بالنجوم حين رُمي بها ، هذا الحي من ثقيف ، وأنهم جاؤوا إلى رجلٍ منهم يقال له : عمرو بن
أمية أحد بني عِلاج ، وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا٥ً) ، فقالوا له : يا عمرو ، ألم تر ما حدث في
السماء من القَذْف بهذه النجوم ؟ قال : بلى ، فانظروا ، فإنْ كانتْ معالمُ النجوم التي يهتدى بها في البر
والبحر ، ويُعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء ، لما يصلح الناس في معايشهم هي التي يُرمى بها ، فهو
والله طيُّ الدنيا ، وهلاكُ هذا الخلق ؛ وإنْ كانتْ نجوماً غيرها وهي ثابتة على حالها ، فهذا لأمر أراد الله به
هذا الخلق فما هو (٦) ؟.
وقال ابن إسحاق(١) : وحدّثني بعضُ أهل العلم أنَّ امرأةً من بني سهم ، يقال لها : الغَيْطلة ، كانت
كاهنةً في الجاهلية ، جاءها صاحبها ليلة من الليالي فأنْقَضَ(٨) تحتها، ثم قال: أدْرِ ما أدْرُ(٩) ، يوم عَقْرٍ
(١) ليست اللفظة في ح وهي مثبتة من ط.
(٢) في ط : الشياطين .
(٣) سيرة ابن إسحاق (ص ٩٢) بألفاظ مقاربة وسيرة ابن هشام (٢٠٦/١).
زاد ابن إسحاق في إسناده : [ عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود]. ولم يزد ابن هشام هذه الزيادة في
(٤)
إسناده . قلت : لم أجد ليعقوب بن عتبة رواية عن عبيد الله في ترجمتهما في تهذيب المزي .
(٥)
أثبتت اللفظة في هامش ح وسقطت من ط وفيها : وأمكرها .
في سيرة ابن إسحاق : فانظروا ما هو .
(٧) سيرة ابن إسحاق (ص٩١) وسيرة ابن هشام (٢٠٨/١).
(٦)
أنقض ، من النقيض ، وهو الصوت . النهاية ( نقض ) .
(٨)
(٩) ذكر السهيلي رواية أخرى وهي: ((وما بَدْر)) ثم قال: وهي أبين من هذه. ووقع في سيرة ابن إسحاق: ((أذن من
أذن)) وأظنه تصحيفاً .

١١١
ـتاب مبعث رسول الله جة وذكر شيء من البسارات
ونحْر . فقالت قريش حين بلغها ذلك : ما يريد ؟ ثم جاءها ليلةً أخرى ، فأنْقَضَ تحتها ثم قال : شعوب
ما شعوب، تُصرع فيه كعبٌ لِجَنُوبُ (١) . فلما بلغ ذلك قريشاً قالوا : ماذا يريد؟ إن هذا لأمرٌ هو كائن
فانظروا ما هو . فما عرفوه حتى كانت وقعةُ بدر وأحد بالشِّعْب ، فعرفوا أنه كان الذي جاء به إلى صاحبته .
قال ابن إسحاقُ(٢) : وحدّثني علي بن نافع الجُرَشي أنَّ جَنْباً - بَطْناً من اليمن - كان لهم كاهنٌ في
الجاهلية ، فلما ذُكر أمر رسول الله وَ ل﴿ وانتشر في العرب، قالت(٣) له جَنْب : انظرْ لنا في أمر هذا
الرجل . واجتمعوا له في أسفل جَبَله ، فنزل إليهم حين طلعت الشمس ، فوقف لهم قائماً متكئاً على قوسٍ
له ، فرفع رأسَهُ إلى السماء طويلاً ، ثم جعل ينزو ، ثم قال: أيها الناس ، إنَّ الله أكرم محمداً واصطفاه ،
وطهّر قلبه وحشاه ، ومُكْتُه فيكم أيها الناس قليل . ثم اشتد٤ّ) في جبله راجعاً من حيث جاء .
ثم ذكر ابن إسحاق قصة سَوَاد بن قارِب ، وقد أخَّرناها إلى هواتف الجان(٥)
فصل
قال ابن إسحاق(١) : وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن رجالٍ من قومه قالوا : إنَّ مما دعانا إلى
الإسلام - مع رحمة الله تعالى وهداه لنا - أنْ كُنَّا نسمع من رجالٍ من يهود - وكنّا أهلَ شِرْك، أصحابَ أوثان،
وكانوا أهل كتاب، عندهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا يزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نِلْنا منهم بعضَ ما يكرهون
قالوا لنا : إنه قد تقارب زمانُ نبيِّ يُبعث الآن نقتلكم معه قتلَ عادٍ وإرَم . فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم ،
فلما بعث الله رسولَه ◌ِ ل﴿ أجبناه حين دعانا إلى الله، وعرفنا ما كانوا يتوعَّدوننا به ، فبادرناهم إليه ، فآمنا به
وكفروا به ، ففينا وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
وقال ورقاء عن ابن أبي نَجيح ، عن علي الأزدي : كانتِ اليهود تقول : اللهم ابعث لنا هذا النبيَّ
يحكم بيننا وبين الناس يستفتحون به - أي يستنصرون به - رواه البيهقي(١).
(١) قال السهيلي في الروض (٢٣٩/١): كعب هاهنا هو كعب بن لؤي، والذين صرعوا لجنوبهم ببدر وأحُد من أشراف
قريش ، معظمهم من كعب بن لؤي ، وشعوب هاهنا أحسبها : شعُوب بفتح الشين ، وهم اسم للمنيَّة ، فإن صح
هذا فالوجه أن يقال : يصرع فيها .
(٢) سيرة ابن هشام (٢٠٩/١) والروض (٢٣٩/١، ٢٤٠).
(٣)
في ح : قال .
في سيرة ابن هشام : وأسند ، وهي أجود ، جاء في اللسان ( سند) : وسند في الجبل وأسْند : رَقِي .
(٤)
(٥)
سيأتي باب هواتف الجان في (ص١٤٨) من هذا الجزء .
سيرة ابن إسحاق (ص٦٣) وسيرة ابن هشام (٢١١/١) والروض (٢٤٥/١).
(٦)
(٧) الدلائل (٧٥/٢، ٧٦) .

١١٢
كتاب مبعث رسول الله محطة وذكر شيء من البشارات
ثم روى(١) من طريق عبد الملك بن هارون بن عَنْتَرَه٢ُ) ، عن أبيه ، عن جدِّه ، عن سعيد بن جُبير ،
عن ابن عباس ، قال : كانت اليهود بخيبر تقاتل غطَفَان، فكلَّما التقَوْا هُزمت يهود خَيْبر ، فعادتِ اليهود
بهذا الدعاء فقالوا : اللهم إنّا نسألك بحقِّ محمدٍ النبيِّ الأمي (٣) ، الذي وعدتنا أن تخرجَهُ لنا في آخر الزمان
إلَّا نصرتنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقَوْا دعَوْا بهذا الدعاء فهزموا غطَفَان، فلمَّا بُعث النبيُّ وَّلَ كفروا
به ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ الآية [ البقرة: ٨٩]٤).
وروى عطيَّةُ عن ابن عباس نحو٥) . وروى عن عكرمة من قوله نحو ذلك أيضاً .
وقال ابن إسحاق(٦): وحدّثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لَبيد(٧) ،
عن سَلَمة بن سَلامة بن وَقْش(٨) - وكان من أهل بَدْر - قال : كان لنا جارٌ من يهود في بني عبد الأشْهل ،
قال : فخرج علينا يوماً من بيته حتى وقف على بني عبد الأشْهَل ـ قال سَلَمة : وأنا يومئذٍ أحدثُ مَنْ فيه
سِنَّاً ، على فروةٍ لي ، مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامةَ والبَعْثَ والحساب والميزان والجنَّة والنار ،
قال : فقال ذلك لقوم أهلِ شِرْك ، أصحابِ أوثان ، لا يَرَوْنَ أنَّ بَعْئاً كائنٌ بعد الموت ؛ فقالوا له : ويحك
يا فلان ، أو ترى هذا كائناً أنَّ الناس يُبعثون بعدَ موتهم إلى دارٍ فيها جنَّةٌ ونار ، يُجزَوْن فيها بأعمالهم ؟
قال : نعم، والذي يُحلف به، ويودُ أنَّ له بحظّهِ من تلك النار أعظمَ تَنُّور في الدار يحمونه ثم يُدخلونه
إياه ، فيُطبقونه عليه ، وأنْ ينجُو من تلك النار غداً . قالوا له : ويحك يا فلان ! فما آيةُ ذلك ؟ قال : نبيِّ
مبعوثٌ من نحو هذه البلاد - وأشار بيدهِ إلى نحو مكةَ واليمن - قالوا : ومتى تراه ؟ قال : فنظر إليَّ وأنا من
أحدثهم سنّاً ، فقال : إنْ يستنفِدْ هذا الغلام عمُرَه يدركه . قال سلمة : فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى
بعث اللهُ رسولَهُ وهو حيُّ بين أظهرنا ، فآمنا به ، وكفر به بَغْياً وحسَداً ؛ قال : فقلنا له : ويحك يا فلان ؟
ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت ؟ قال : بلى ولكن ليس به .
(١) في الدلائل أيضاً (٧٦/٢).
في ح ، ط : عنبرة، وهو تصحيف، والمثبت من دلائل البيهقي والإكمال (٦/ ٣٠٢).
(٢)
(٣)
لا يسأل الله إلا بالله ، ولا يسأل بحق أحد .
إسناده تالف ، فإن عبد الملك بن هارون بن عنترة كذبه يحيى بن معين وابن حبان ، وقال أبو حاتم الرازي : متروك
(٤)
ذاهب الحديث ، وضعفه أحمد والدارقطني وغيرهما ( الميزان ٢/ ٦٦٦) (بشار).
(٥)
وهذا إسناد ضعيف أيضاً ، فإن عطية وهو ابن سعد العوفي ضعيف ( بشار) .
سيرة ابن إسحاق (٦٣، ٦٤) وسيرة ابن هشام (٢١٢/١) والروض (٢٤٥/١).
(٦)
(٧)
في سيرة ابن إسحاق : محمد بن لبيد ، وهو تصحيف ، وزاد ابن هشام : أخي بني عبد الأشهل .
(٨) في ح، ط : سلمة بن سلام . وهو تصحيف ، والمثبت من سيرة ابن إسحاق وسيرة ابن هشام وتجريد الذهبي
(٢٣٢/١) والإصابة (٦٥/٢) والتاج (وقش ) والضبط منه .

١١٣
كتاب مبعث رسول الله بي: وذكر شيء من البشارات
رواه أحمد(١) عن يعقوب، عن أبيه، عن ابن إسحاق(٢). ورواه البيهقي(٣) عن الحاكم بإسناده،
من طريق يونس بن بكير .
وروى أبو نعيم في (( الدلائل (٤) عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، عن سلمةُ(٥)
قال : لم يكن في بني عبد الأشهل إلا يهوديٌّ واحد يقال له : يوشع ، فسمعتُه يقول - وإني لغلام في
إزار : قد أظلَّكم خروجُ نبيِّ يُبعث من نحو هذا البيت - ثم أشار بيده إلى بيت الله - فمَنْ أدركه فلْيصدِّقْه .
فبعث رسولُ الله ◌َّ فأسلمنا، وهو بين أظهرنا، لم يُسلم حسداً وبغياً.
وقد قدَّمنا حديث أبي سعيد عن أبيه في أخبار يوشع هذا عن خروج رسولِ الله وَّه وصفته ونعْته وإخبار
الزُّبير بن باطا عن ظهور كوكب مولدٍ رسولِ الله ◌ِ﴿٦) .
قال ابن إسحاق(٧) : حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن شيخ من بني قُرَيظة قال: قال لي : هل
تدري عمَّ كان إسلام ثَعلبة بن سَعْيَة ، وأَسِيدِ بن سَعْية، وأَسدِ بن عُبيد - نفرٍ من بني هَذْل ، إخوةٍ بني
قُرَيظة كانوا معهم في جاهليتهم ، ثم كانوا سادَتهُم في الإسلام ؟ قال : قلت : لا ، قال : فإنَّ رجلاً من
اليهود من أرض الشام ، يقال له : ابن الهَيَّبان ، قدم علينا قبل الإسلام بسنين ، فحلَّ بين أظْهُرِنا ، لا والله
ما رأينا رجلاً قط ، لا يصلِّي الخَمْس أفضلَ منه ؛ فأقام عندنا ، فكنا إذا قَحَط عنا المطرُ قلنا له : اخرجْ
يا ابنَ الهَيَّبان فاستسق لنا ، فيقول : لا والله حتى تقدِّموا بين يدي مَخْرَجكم صدقة . فنقول له : كم ؟
فيقول : صاعاً من تمر ، أو مُدَّين من شعير . قال : فنخرجها ، ثم يخرجُ بنا إلى ظاهر حرثنً) فيستسقي
لنا ، فوالله ما يبرحُ مجلسَه حتى يمر السحاب ونُسقَى؛ قد فعل ذلك غيرَ مرَّة ولا مرتين ولا ثلاث . قال :
(١) في المسند (٤٦٧/٣).
في ط: (( ابن عباس))، وهو خطأ جد ظاهر، وأثبتنا ما في المسند ، وهو الصواب (بشار) .
(٢)
(٣)
في دلائل النبوة (٧٨/٢).
لم أجد الحديث فيما طبع من دلائل النبوة لأبي نعيم، وقوله ((عن عاصم)) لا يصح فأين أبو نعيم من عاصم بن عمر
(٤)
ابن قتادة ، إلا أن يريد: ((من طريق)).
في ط: (( عن محمد بن سلمة)) وهو غلط بيّن، فلا يوجد مثل هذا الراوي الذي روى عنه محمود بن لبيد ، والصواب
(٥)
ما أثبتنا وهو سلمة بن سلامة بن وقش وانظر تهذيب الكمال (٢٧/ ٣١٠) (بشار).
(٦) انظر حديث أبي سعيد المتقدم ص (٤٣) من هذا الجزء في موضع الحواشي ٤ - ٦ في المتن وقد زادت نسخة ط هنا
ما نصه : ورواه الحاكم عن البيهقي ( كذا وكأنه يريد : البيهقي عن الحاكم) من طريق يونس بن بكير عنه . وهذه
الزيادة ليست في ح ، ولعلها أثبتت خطأً بنقل النظر إلى موضع الحاشية (٦) من الصفحة السابقة ، لذا أسقطتها من
المتن لعدم صحتها .
(٧) سيرة ابن إسحاق (ص٦٤، ٦٥) وسيرة ابن هشام (٢١٣/١) والروض (٢٤٦/١).
(٨) كذا في ح، ط ، وفي سيرة ابن إسحاق وابن هشام والروض : حرَّتنا، وحَرْث موضع من نواحي المدينة . معجم
البلدان (٢٣٨/٢) .

١١٤
كتاب مبعث رسول الله بقا ردد شيء من السترات
ثم حضرَتْه الوفاة عندنا ، فلما عرف أنه ميت قال : يا معشر يَهُود ، ما ترَؤْنه أخرجني من أرض الخمر
والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قال : قلنا : أنت أعلم . قال : فإني إنما قدِمتُ هذه البلدة أتوكف (١)
خروجَ نبيٍّ قد أظلَّ زمانه ، هذه البلدة مُهَاجَرُه ، فكنتُ أرجو أن يُبعث فأتبعه ، وقد أظلَّكم زمانُه ، فلا
تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يُبعث بسفك الدماء، وسَبْي الذَّرَاري ممَّن٢ُ) خالفه، فلا يَمْنَعنَّكم ذلك
منه، فلما بُعث رسولُ الله ◌َّه وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية - وكانوا شباباً أحداثاً - : يا بني قُرَيظة،
والله إنه للنَّبيُّ الذي عهِد إليكم فيه ابنُ الهَيَّبان . قالوا : ليس به ؛ قالوا : بلى والله إنه لهو بصفته . فنزلوا
فأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالَهم وأهليهم .
قال ابن إسحاق : فهذا ما بلغنا عن أحبارُ(٣) يهود .
قلت: وقد قدَّمْنا في قدوم تُبَع اليمانيُ(٤)، وهو أبو كَرِب تُبَّان أسعد إلى المدينة ، ومُحاصرته
إيّاها، وأنه خرج إليه ذانك الحَبْرَان من اليهود فقالا له : إنه لا سبيل لك عليها ، إنها مهاجَرُ نبيِّ يكونُ في
آخرِ الزمان ؛ فَثَنَاهُ ذلك عنها .
وقد روى أبو نُعيم في الدلائل(٥) ، من طريق الوليد بن مسلم ، حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن
عبد الله بن سَلام عن أبيه عن جدِّه. قال: قال عبد الله بن سلام: إن الله [ عزَّ وجلَّ ] لما أراد هُدى
زيدٍ بن سَعْنَةُ(٢) قال زيد: لم يبق من علاماتِ النبوّة شيء إلا وقد عرفتُها في وجْه محمدٍ مِّه حين نظرتُ
إليه إلا اثنتين لم أخبُرُهما منه: يسبقُ حِلْمُه جهلَه، ولا يزيدُه شدَّة الجهلِ عليه إلا حِلْماً. قال : فكنتُ
أتلطّف له لأنْ أُخالطه فأعرفَ حِلمه وجهله .
فذكر قصة إسلافِهِ للنبيِّ وَِّ مالًا في ثمرة، قال: فلما حلَّ الأجل(٧) أتيتُهُ فأخذتُ بمجامع قميصه
وردائه - وهو في جنازة مع أصحابه - ونظرتُ إليه بوجه غليظ ، وقلت : يا محمد ، ألا تقضيني حقي ؟
فوالله ما علمتُكم بني عبد المطلب [إلَّا ] لمُطُلُ(٨)، قال: فنظر إليَّ عمر وعيناه تدورانٍ في وجهه كالفلك
(١) ((يتوكف الخبر)): ينتظره، ويسأل عنه ويتوقعه. اللسان (وكف ).
(٢) في ح ، ط : فيمن ، والمثبت من سيرة ابن إسحاق وابن هشام والروض .
كذا في ح ، ط ، وفي سيرة ابن هشام والروض : أخبار بالخاء المعجمة .
(٣)
(٤)
انظر الجزء الثاني من الكتاب في قصة تبع أبي کرب .
الدلائل لأبي نعيم (١/ ٩١) وما يأتي بين معقوفين منه والخبر في الدلائل مطوَّل.
(٥)
في ط: سَعْية. وهو على الصواب في ح والدلائل والروض؛ والضبط من الإكمال (٦٦/٥). قال السهيلي في الروض:
(٦)
(٢٤٩/١): ويقال في اسمه سَعْية بالياء، ولم يذكره الدار قطني إلا بالنون. المؤتلف والمختلف (١٣٨٧/٣).
في دلائل أبي نعيم : فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة .
(٧)
(٨) مُطَل: بضم الميم والطاء: جمع مَطُول قياساً، وهو من المَطْل : التسويف والمدافعة بالعِدَة والدين . اللسان
( مطل ) .

١١٥
كتاب مبعث رسول الله فة وذكر شيء من البشارات
المستدير، ثم قال: يا عدو الله، أتقول لرسولِ الله وَ ل ما أسمع؟! وتفعل ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق
لولا ما أحاذر لَوْمهُ(١) لضربتُ بسيفي رأسك. ورسولُ اللهِ وَلّ ينظر إلى عمر في سكونٍ وتُؤَدَةٍ وتبسُّم ، ثم
قال : «أنا وهو كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منك يا عمر: أن تأمرني بحُسْن الأداء ، وتأمرَهُ بحُسْنِ التِّبَّاعة ،
اذهبْ به يا عمر فاقْضِهِ حقه. وزد عشرين صاعاً من تمر ٢٨) . فأسلم زید بن سَعْنة رضي الله عنه ، وشهد
بقيةَ المشاهد مع رسولِ الله ◌ِ لّه وتوفي عام تبوك، رحمه الله .
ثم ذكر محمد بن إسحاق رحمه الله إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه وأرضاه فقال(٣) : حدّثني
عاصم بن عمر بن قتادةَ الأنصاريّ ، عن محمود بن لَبيد ، عن عبد الله بن عباس قال : حدّثني سلمان
الفارسي من فيه قال : كنتُ رجلاً فارسياً من أهل أصْبهان ، من أهلِ قريةٍ يُقال لها : جَيّء) ، وكان
أبي دِهِقَالُ(٥) قريتِهِ ، وكنتُ أحَبَّ خلقِ الله إليه ، فلم يزل به حبُّه إيَّاي حتى حبسني في بيته كما تُحبس
الجارية ؛ واجتهدتُ في المجوسية، حتى كنتُ قَطِنُ(٦) النارِ التي يوقدها، لا يتركها تَخبو ساعةٌ(٧)
قال : وكانتْ لأبي ضيعةٌ عظيمة ، قال : فشُغل في بيان له يوماً ، فقال لي : يا بني ، إني قد شُغلت في
بُنياني هذا اليومَ عن ضَيعتي ، فاذهبْ إليها فاطّلعها، وأمرني فيها ببعض ما يُريد ، ثم قال لي
ولا تحتبس عني ، فإنك إن احْتبستَ عني كنتَ أهمَّ إليَّ من ضَيعتي ، وشغَلْتَني عن كلِّ شيءٍ من
أمري . قال : فخرجتُ أريد ضيعتَه التي بعثني إليها ، فمررتُ بكنيسةٍ من كنائس النصارى ، فسمعتُ
أصواتَهم فيها وهم يُصَلُّون ، وكنتُ لا أدري ما أمْرُ الناس لحَبْسِ أبي إياي في بيته ، فلما سمعتُ
أصواتهم دخلتُ عليهم أنظرُ ما يصنعون ، فلما رأيتُهم أعجبَتْني صلاتُهم ورغبتُ في أمرهم وقلت :
هذا والله خيرٌ من الدِّين الذي نحن عليه، فوالله ما بَرِحْتُهم حتى غَرَبتِ الشمس ، وتركتُ ضيعةً أبي فلم
آتها ، ثم قلت لهم : أين أصلُ هذا الدين ؟ قالوا : بالشام . فرجعتُ إلى أبي وقد بعث في طلبي ،
وشغلتُهُ عن أمره كله ، فلما جئتُ قال : أَيْ بُني ، أين كنت ؟ ألم أكنْ أعهدُ إليكَ ما عهدت ؟ قال :
قلت : يا أبة ، مررتُ بأناسٍ يصلُّون في كنيسةٍ لهم ، فأعجبني ما رأيتُ من دينهم ، فوالله ما زلتُ
عندهم حتى غرَبَتِ الشمس . قال : أيْ بُني ، ليس في ذلك الدين خير ، دينُكَ ودينُ آبائك خيرٌ منه .
(١) في دلائل أبي نعيم : فوته .
في دلائل أبي نعيم : وزده عشرين صاعاً مكان مارعته .
(٢)
سيرة ابن إسحاق (ص ٦٠ - ٧٧) وسيرة ابن هشام (٢١٤/١) والروض (٢٤٧).
(٣)
((جَيّ)): بالفتح ثم التشديد: اسم مدينة ناحية أصبهان القديمة ، وهي الآن كالخراب منفردة ، وتسمى الآن عند
(٤)
العجم شهرستان ، وعند المحدثين المدينة . معجم البلدان (٢٠٢/٢) .
(٥) ((الدِّهقان)): بكسر الدال وضمها: القوي مع التصرف مع حدة، وزعيم فلاحي العجم، ورئيس الإقليم ، ومن له
عقار كثير ، فارسي معرّب . القاموس والمغرب ( دهقن ).
(٦) قال شمر : قَطِن النار : خازنها وخادمها ، ويجوز أنه كان مقيماً عليها ، رواه بكسر الطاء . اللسان ( قطن ).
زاد ابن إسحاق في سيرته هنا : فكنت كذاك لا أعلم من أمر الناس شيئاً إلا ما أنا فيه .
(٧)

١١٦
كتاب مبعث رسول الله : وذكر شيء من البشارات
قال : قلت : كلا والله ، إنه لخيرٌ من ديننا . قال : فخافني ، فجعل في رِجْلي قيداً ، ثم حبسني في بيته.
قال : وبعثتُ إلى النصارى فقلت لهم : إذا قدم عليكم ركْبٌ من الشام فأخبروني بهم . قال : فقدم
عليهم ركبٌ من الشام ، فجاؤوني النصارى (١) فأخبروني بهم، فقلت: إذا قَضَوْا حوائجَهم وأرادوا
الرَّجْعَة إلى بلادهم فآَذِنوني قال : فلما أرادوا الرجعةَ إلى بلادهم أخبروني بهم ؛ فألقَيْتُ الحديدَ من رجلي
ثم خرجتُ معهم حتى قدمتُ الشام ، فلما قدمتُها قلت : مَنْ أفضلُ أهلِ هذا الدِّين عِلْماً ؟ قالوا : الأُسْقُمْتُ
في الكنيسة . قال : فجئتُه فقلتُ له : إني قد رغبتُ في هذا الدِّين، وأحببتُ أن أكونَ معك وأخدُمكَ في
كنيستك، وأتعلَّم منك، فأصلِّي معك. قال: ادخُلْ . فدخلتُ معه ، فكان رَجُلَ سَوْء ، يأمرُهم بالصدقة
ويرغِّبهم فيها ، فإذا جمعوا له شيئاً كنزَهُ لنفسه ، ولم يُعطِهِ المساكين ، حتى جمع سبع قِلالَ من ذهبٍ
ووَرِق . قال : وأبغضتهُ بُغْضاً شديداً لِمَا رأيته يصنع ، ثم مات، واجتمعتْ له النصارى ليدفنوه ، فقلت
لهم : إنَّ هذا كان رجُلَ سوء، يأمرُكم بالصدقة ويرغِّبكم فيها ، فإذا جئتموه بها كنزها لنفسه ، ولم يُعْطِ
المساكين منها شيئاً . قال : فقالوا لي : وما عِلْمك بذلك . قال : فقلتُ لهم: أنا أدلُّكم على كَنْزِه.
قالوا : فدُلَّنا . قال : فأريتُهم موضِعَه ، فاستخرجوا سبع قِلال مملوءةً ذهباً ووَرِقاً ، فلما رأوها قالوا :
لا ندفنُه أبداً. قال: فصلبوه ورجموه بالحجارة ، وجاؤوا برجلٍ آخر فجعلوه موضعه .
قال سلمان : فما رأيتُ رجلاً لا يصلي الخمس ، أرى أنه أفضل منه ، أزهد في الدنياولا أرغب في
الآخرة ، ولا أدأب ليلاً ونهاراً . قال : فأحببتُهُ حُبّاً لم أُحِبَّ شيئاً قبلَه مثلَه . قال : فأقمتُ معه زمانا ، ثم
حضرَتْهُ الوفاةُ فقلتُ له : إني قد كنتُ معك وأحببتُكَ حبّاً لم أُحِبَّهُ شيئاً قبلك ، وقد حضرك ما ترى من أمْرٍ
الله تعالى ، فإلى من تُوصي بي ؟ وبمَ تأمُرني به ؟ قال : أيْ بُني ، والله ما أعلم اليوم أحداً على ما كنتُ
عليه . لقد هلك الناس وبدَّلوا ، وتركوا أكثر ما كانوا عليه ، إلا رجلاً بالمَوْصل ، وهو فلان ، وهو على
ما كنتُ عليه ، فالحَقْ به .
قال : فلما مات وغيِّب لحقتُ بصاحبِ المَوْصل(٢)، فقلت: يا فلان ، إنَّ فلاناً أوصاني عند موته أنْ
ألحقَ بك ، وأخبرني أنك على أمره . فقال لي : أقِمْ عندي . فأقمتُ عنده فوجدتُه خيرَ رجلٍ على أمْر
صاحبه ، فلم يلبثْ أن مات ؛ فلما حضرَتْهُ الوفاةُ قلت له : يا فلان ، إنَّ فلاناً أوصى بي إليك ، وأمرني
باللحوق بك ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى ، فإلى من تُوصي بي ؟ وبما ٣) تأمرني ؟ قال : يا بني والله
ما أعلم رجلاً على مثل ما كنَّا عليه إلا رجلاً بنَصيبين (٤) وهو فلان ، فالحق به ؟
(١) كذا في ح ، ط ، وفي سيرة ابن هشام والروض : تجار من النصارى ، وهو أشبه بالصواب ، وفي سيرة ابن
إسحاق : فقدم عليهم ناس من تجارهم ، فبعثوا إلي أنه قدم علينا تجار من تجارنا .
(٢) زاد ابن إسحاق في السيرة هنا: فوجدته على مثل حاله من الاجتهاد والزهادة في الدنيا .
(٣) كذا في ح وفي ط والسيرة: ((وبم)) وإثبات ألف ما المجرورة قليل شاذ. وانظر (ص ٨٢ حاشية ١) من هذا الجزء.
(٤) نَصِيبين، بفتح فكسر ثم ياء علامة الجمع الصحيح : مدينة من بلاد الجزيرة على جادة القوافل من الموصل إلى =

١١٧
كتاب مبعث رسول الله بعثة وذكر شيء من البشارات
فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب نَصيبين ، فأخبرتُه خبري وما أمرني به صاحبي (١) . فقال: أقم
عندي ، فأقمتُ عنده ، فوجدتُه على أمر صاحبيه ، فأقمتُ مع خيرٍ رجل ، فوالله ما لَبِث أن نزل به
الموت ، فلما حُضر قلت له : يا فلان، إنَّ فلاناً كان أوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان(٢) إليك ،
فإلى من تُوصي بي ؟ وبم تأمرني ؟ قال : يا بني ، والله ما أعلمهُ بَقِيَ أحدٌ على أمرنا آمرُكَ أنْ تأتيَهُ إلا رجلٌ
بِعَمُّورِيَّةُ(٣) من أرض الرُّوم ، فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإنْ أحببتَ فأُته فإنَّه على أمرنا .
فلما مات وغُيِّب لحقتُ بصاحب عَمُّورية فأخبرتُه خبَري ، فقال : أقمْ عندي . فأقمتُ عند خيرٍ
رجل ، على هَذْي أصحابه وأمرهم . قال : واكتسبتُ حتى كانتْ لي بقرات وغُنيمة . قال : ثم نزل به أمْرُ
الله، فلما حُضر قلت له : يا فلان ، إني كنتُ مع فلان فأوصى بي إلى فلان ، ثم أوصى بي فلانٌ إلى فلان
ثم أوصى بي فلانٌ(٤) إليك ، فإلى مَنْ تُوصي بي أنت ؟ وبم تأمرني ؟ قال : أيْ بُني ، والله ما أعلمُه أصبح
أحدٌ على مثل ما كنّا عليه من الناس آمرك أنْ تأتيَه ، ولكنه قد أظلَّ زمانُ نبيِّ مبعوثٍ بدينِ إبراهيم ، يخرج
بأرض العرب ، مهاجَرُه إلى أرض بين حرَّتين ، بينهما نَخْل ، به علاماتٌ لا تخفى ، يأكلُ الهديّة ،
ولا يأكلُ الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوَّة ؛ فإنِ استطعتَ أن تلحقَ بتلك البلاد فافعل .
قال : ثم مات وغُيِّب ، ومكثتُ بعمُورية ما شاء الله أنْ أمكث ، ثم مرَّ بي نَفَرٌ من كلبٍ ، تجَّارٌ،
فقلت لهم : احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغُنيمتي هذه ، قالوا : نعم . فأعطيتهموها
وحملوني معهم ، حتى إذا بلغوا واديَ القُرَى ظلموني ، فباعوني من رجلٍ يهودي عبداً ، فكنتُ عنده ،
ورأيتُ النخلَ فرجوتُ أن يكون البلدَ الذي وصف لي صاحبي ، ولم يَحِقَّ في نفسي ؛ فبينا أنا عنده إذْ قَدِم
عليه ابنُ عمِّ له ، من بني قُرَيظة من المدينة ، فابتاعني منه ، فاحتملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن
رأيتها فعرفتُها بصفة صاحبي لها ، فأقمتُ بها ، وبُعث رسولُ الله ◌ِّ فأقام بمكة ما أقام لا أسمع له بذكر ،
ممَّا أنا فيه من شغل الرِّقّ ؛ ثم هاجر إلى المدينة ، فوالله إني لفي رأسِ عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعضَ
العمل . وسيدي جالس تحتي ، إذ أقبل ابنُ عمّ له حتى وقف عليه فقال: يا فلان ، قاتل الله بني قَيْلَة ،
والله إنهم لمجتمعون الآن بقُبَاءُ(٥) على رجلٍ قدم من مكة اليوم ، يزعمون أنه نبيّ . قال سلمان: فلما
الشام، بينها وبين الموصل ستة أيام. معجم البلدان (٢٨٨/٥). وموقعها على الحدود الشمالية الشرقية من سورية.
=
(١) كذا في ح، وفي ط : صاحباي ، وكذا في الروض ، وفي سيرة ابن هشام : صاحبه .
(٢)
كذا في ح وسيرة ابن هشام والروض ، وزاد في ط : إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك .
(٣) عمُّوريّة ، مشددة الميم والياء . قال الصاغاني : كذا ذكروا ، والقياس تخفيف الياء . هي في بلاد الروم . وهي التي
غزاها المعتصم سنة ٢٢٣ هـ. وعمورية أيضاً بليدة على شاطىء العاصي بين أفامية وشيزر. معجم البلدان (٤/ ١٥٨)
والتاج ( عمر ) .
كذا في ح وسيرة ابن هشام والروض ، وزاد في ط : إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك
(٤)
(٥) ((قباء)): يُمد ويقصر: قرية على ميلين من المدينة على يسار القاصد إلى مكة، وبها مسجد التقوى . معجم
البلدان (٤/ ٣٠١، ٣٠٢).

١١٨
كتاب مبعث رسول الله بيعة وذكر شيء من البشارات
سمعتُها أخذتْني العُرَواءُ(١) حتى ظننتُ أني ساقط على سَيِّدي ، فنزلتُ عن النخلة ، فجعلتُ أقول لابن
عمه : ماذا تقول ؟ ماذا تقول ؟ قال : فغضب سيِّدي فلكمني لكمةً شديدةً ، ثم قال : مالك ولهذا ؟! أقبلْ
على عملك . قال : فقلت : لا شيء، إنما أردتُ أن أستبينَهُ(٢) عمَّا قال .
قال : وقد كان عندي شيءٌ قد جمعتُه، فلما أمسيتُ أخذتُه، ثم ذهبتُ به إلى رسولِ اللهِ وَلَه وهو
بقُبَاء ، فدخلت عليه فقلت له : إنه قد بلغني أنك رجلٌ صالح ، ومعك أصحابٌ لك غرباء ذوو حاجة ،
وهذا شيءٌ كان عندي للصدَقة، فرأيتكم أحقَّ به من غيركم. قال: فقرَّبتُه إليه فقال رسول الله مَّ
لأصحابه : ((كُلوا)) وأمسكَ يدَهُ فلم يأكل . قال: فقلت في نفسي : هذه واحدة ؛ ثم انصرفتُ عنه
فجمعتُ شيئاً ، وتحوَّل رسولُ الله ◌ِ ثّ إلى المدينة؛ ثم جئته [ به ]٢) فقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل
الصدقة وهذه هديّة أكرمتُكَ بها. قال: فأكل رسولُ اللهِ وَّ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه . قال :
فقلتُ في نفسي: هاتان ثنتان . قال: ثم جئتُ رسولَ اللهِوَ له وهو ببقيع الغَرْقد، قد تبع جنازةَ رجلٍ من
أصحابه٤) وعليَّ شملتان لي، وهو جالس في أصحابه ، فسلمتُ عليه . ثم استدبرتُه أنظر إلى ظهره ،
هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسولُ الله وَّ استدبرته عَرَف أني أستثبت في شيءٍ
وُصف لي ، فألقى رداءه عن ظهره ، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عليه أقبَّلُه وأبكي ، فقال لي
رسول الله وَ ◌ُّ: ((تحوَّل)) فتحولتُ بين يديه، فقصصت عليه حديثي كما حدَّثتك يا ابن عباس .
فأُعجب رسولُ اللهِ وَّل أن يسمع ذاك أصحابه. ثم شَغَلَ سلمانَ الرِّقُّ حتى فاته مع رسولِ الله ◌َهَ بَدْرٌ
وأُحُد .
قال سلمان: ثم قال لي رسولُ الله ◌َّ: ((كاتِبْ يا سلمان)) فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمئة نخلة أُخْبِيها
له بالفَقِير(٥)، وأربعين أوقية. فقال رسول الله بَّه لأصحابه: ((أعينوا أخاكم)). فأعانوني بالنخل ،
الرجل بثلاثين وَدِيَّةُ(٦)، والرجل بعشرين ودِيَّة، والرجل بخمس عشرة ودِيَّة، والرجل بعشرةُ(١). يُعين
الرجلُ بقدر ما عنده ، حتى اجتمعت لي ثلاثمئة وَدِيَّة؛ فقال لي رسول الله وَلّ: «اذهبْ يا سلمانُ ففقٌرْ
(١) في هامش ح : هي الرِّعْدة بنافض، وقال ابن هشام في السيرة: والعرواء: الرِّعْدة من البرد والانتفاض، فإن مع
ذلك عَرَق فهي الرُّحَضاء ، وكلاهما ممدود .
(٢) كذا في ح، وفي ط وسيرة ابن هشام والروض : أستثبته .
(٣) ما بين معقوفين من سيرة ابن هشام.
(٤) هو كلثوم بن الهدم كما في الروض (١/ ٢٥٢).
(٥) ((الفقير)): حُفير يحفر حول الفسيلة إذا غُرست اللسان (فقر): وفيه: وفي الحديث: قال لسلمان: اذهب ففقُّر
الفسيل ، أي احفر لها موضعاً تُغرس فيه .
(٦) ((الوَدِيَّة)): واحدة الوَدِيّ: وهو فسيل النخل وصغاره. اللسان (ودي).
(٧) كذا في ح ، ط وفي سيرة ابن هشام والروض : بعشر . قلت : تأنيث العدد جائز إذا كان المعدود ملحوظاً ، حاشية
الخضري (٢/ ١٦٢) والنحو الوافي (٥٤٥/٤) .

١١٩
ماي مبعث رسول الله، وتخر فى ومن استادات
لها ، فإذا فرغْتَ فأتِنِي أكُنْ أنا أضَعُها بيدي )) . قال: ففقَّرْتُ، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغتُ جئتُهُ
فأخبرته، فخرج رسولُ الله ◌ِ ﴾ معي إليها. فجعلنا نقرِّبُ إليه الوَدِيَّ ويضَعُه رسولُ الله ◌ِ لّه بيده، حتى إذا
فرَغْنا - فوالذي نفسُ سلمان بيده ما ماتت ودية واحدة - فأدَّيت النخل وبقي عليَّ المال. فأُتي النبيُّ ◌ِطشة
بمثل بيضة الدجاجة من ذهب، من بعض المعادن، فقال: (( ما فعل الفارسيُّ المكاتَب)) ؟ قال : فدُعيت
له ، قال: ((خذْ هذه فأدِّها ممَّا عليك يا سلْمان)) قال: قلت : وأين تقعُ هذه مما عليَّ يا رسول ؟ قال :
((خُذْها فإنَّ الله سيؤدِّي بها عنك)) قال: فأخذتُها فوزنتُ لهم منها - والذي نفسُ سلمانَ بيده - أربعين
أُوقِيَّة، فأوفيتهم حقَّهم [ منها ١) وعَتَقَ سلْمان. فشهدتُ مع رسول اللهَوَ ◌ّه الخندق حُرّاً، ثم لم يفُتْني
معه مشهد .
قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن رجلٍ من عبد القيس، عن سلمان أنه(٣)
قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذي عليَّ يا رسول الله؟ أخذها رسول الله وصله: فقلَّبها على لسانه،
ثم قال : «خُذْها فأوفِهم منها )) فأخذتُها فأوفيتهم منها حقَّهم كلَّه ، أربعين أوقية .
وقال محمد بن إسحاق(٤) : حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، حدّثني مَنْ لا أتَّهم ، عن عمر بن
عبد العزيز بن مروان قال: حُدِّثت عن سلمان أنه قال لرسول الله وَ ل حين أخبره خَبَره : أن صاحب
عَمُّورية قال له : ائتِ كذا وكذا من أرض الشام ، فإنَّ بها رجلاً بين غَيْضَتَيْن يخرج كلَّ سنةٍ من هذه الغيضة
مستجيزاً يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحدٍ منهم إلا شُفي فاسألْهُ عن هذا الدِّين الذي تبتغي فهو يُخبرك
عنه . قال سلمان : فخرجتُ حتى جئتُ حيثُ وصف لي ، فوجدتُ الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك ،
حتى خرجُ(٥) لهم تلك الليلةَ مستجيزاً من إحدى الغيضتَيِّن إلى الأخرى ، فغشيه الناسُ بمَرْضاهم ،
لا يدعو لمريضٍ إلا شُفي، وغلبوني عليه، فلم أخلُصْ إليه حتى دخل الغيضةَ التي يريدُ أن يدخل إلا
مَنْكِبَه ؛ قال : فتناولتُه فقال : من هذا ؟ والتفت إليّ قال : قلت : يرحمك الله ، أخبرني عن الحنيفيَّة دين
إبراهيم . قال : إنك لتسألُ عن شيء ما يسأل عنه الناسُ اليوم ، قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ يُبعثُ بهذا الدين من
أهل الحَرم ، فأُتِهِ فهو يَحْمِلُكَ عليه .
ثم دخل فقال رسول الله وَلَل لسلمان: ((لئنْ كنتَ صدقتني يا سلمان لقد لَقِيتَ عيسى بن مَرْيَم)).
هكذا وقع في هذه الرواية ، وفيها رجلٌ مُبْهَم ، وهو شيخ عاصم بن عمر بن قتادة ؛ وقد قيل إنه
الحسن بن عمارة ، ثم هو منقطع ، بل مُعْضلٌ بين عمر بن عبد العزيز وسلْمان رضي الله عنه .
(١) ما بين معقوفين من سيرة ابن هشام والروض .
(٢) سيرة ابن إسحاق (ص٧١) وسيرة ابن هشام (٢٢١/١) والروض (٢٥٢/١).
(٣) سقط من ح قوله : عن سلمان أنه ، وهو في ط وسيرة ابن إسحاق وابن هشام والروض .
سيرة ابن إسحاق (ص ٧٠، ٧١) وسيرة ابن هشام (٢٢١/١، ٢٢٢) والروض (٢٥٢/١، ٢٥٣).
(٤)
(٥) في ح ، ط : يخرج ، والمثبت من سيرة ابن إسحاق وابن هشام والروض .

١٢٠
كتاب مبعث رسول الله بنية وذكر شيء من البشارات
قوله: (( لئن كنتَ صدقتني يا سلمان لقد لَقِيت عيسى بن مريم)) غريبٌ جداً بل مُنْكَر؛ فإنَّ الفترة أقلُّ
ما قيل فيها أنها أربعمئة سنة ، وقيل ستمئة سنة بالشمسيّة ، وسلمان أكثر ما قيل : إنه عاش ثلاثمئة سنة
وخمسين سنة .
وحكى العباس بن يزيد البَحْراني إجماع مشايخِهِ على أنه عاش مئتين وخمسين سنة . واختلفوا فيما
زاد إلى ثلاثمئة وخمسين سنة. والله أعلم. والظاهر أنه قال: ((لقد لَقِيت وصيَّ عيسى ابن مريم)) فهذا
ممكن بالصواب(١) .
وقال السُّهيلي(٢): الرجل المُبْهم هو الحسن بن عُمَارة، وهو ضعيفٌ [بإجماع منهم ] فإنْ صَّ لم
يكنْ فيه نكارة . لأنَّ ابن جَرِير ذكر أنَّ المسيح نزل من السماء بعد ما رفع ، فوجد أَمهَ وامرأةً أخرى یبکیانِ
عند جذع المصلوب ، فأخبرهما أنه لم يقتل ، وبعث الحواريين بعد ذلك . قال : وإذا جاز نزوله مرَّة جاز
نزوله مراراً ، ثم يكون نزوله الظاهر حين يكسِرُ الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويتزوَّج حينئذٍ امرأةً من بني
جُذَام، وإذا مات دُفن في حُجْرة روضةِ رسولِ الله ◌َلاّد .
وقد روى البيهقي في كتاب (( دلائل النبوة )(٣) قصةَ سلمان هذه ، من طريق يونس بن بُكير ، عن
محمد بن إسحاق كما تقدَّم ، ورواها أيضا٤) عن الحاكم ، عن الأصمّ ، عن يحيى بن أبي طالب : حدّثنا
عليُّ بن عاصم، حدّثنا حاتم بن أبي صَغِيرةُ)، عن سِمَاك بن حَرْب، عن زيدٌٌ) بن صُوحان أنه سمع
سلمان يحدِّث كيف كان أول إسلامه ؛ فذكر قصةً طويلة، وذكر أنه كان من رامَهُزْمُنٌ(٧) ، وكان له أخٌ أكبر
منه غنيّ ، وكان سلمانُ فقيراً في كنَفِ أخيه ، وأنَّ ابنَ دِهْقانها٨) كان صاحباً له ، وكان يختلف معه إلى
معلّم لهم ، وأنه كان يختلف ذلك الغلام إلى عُبَّاد من النصارى في كهفٍ لهم ، فسأله سلمان أنْ يذهبَ به
معه إليهم ، فقال له : إنك غلام ، وأخشى أنْ تَنُمَّ عليهم فيقتلهم أبي . فالتزم له أن لا يكون منه شيءٌ
(١) قلت : وهي رواية الذهبي في السير (٥١٢/١) عن ابن إسحاق به .
الروض الأنف (٢٥٢/١، ٢٥٣) بألفاظ مقاربة ، وما يأتي بين معقوفين منه .
(٢)
(٣)
دلائل النبوة (٢/ ٩٢) .
(٤ )
في الدلائل أيضاً (٨٢/٢).
في ح، ط : صفرة، وهو تصحيف ، والمثبت من دلائل البيهقي وتقريب التهذيب (١/ ١٣٧) وتهذيب التهذيب
(٥)
(١٣٠/٢) .
(٦) في ح، ط: يزيد. والمثبت من دلائل البيهقي وسير أعلام النبلاء (٣/ ٥٢٥) في ترجمته . قلت : أظن أن في السند
انقطاعاً ، فوفاة سماك سنة ١٢٣ هـ ووفاة زيد سنة ٣٦هـ، وأخبار سلمان يرويها سماك عن أبي قدامة النعمان بن
حميد عن زيد بن صوحان ، أو سماك عن رجل عن زيد ، انظر سير أعلام النبلاء (٥٢٧/٣). وسماك ممن يضطرب
في حديثه فيزيد في الإسناد أو ينقص ، انظر في ذلك شرح علل الترمذي (١/ ١٤١).
(٧) ((رامَهُزْمُز)): مدينة مشهورة بنواحي خوزستان. معجم البلدان (١٧/٣) والتاج ( هرمز).
(٨) مضى شرح معنى دهقان (ص ١١٥ الحاشية ٥) .