Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ ذكر شهوده عليه الصلاة والسلام حرب الفجار قال ابن هشامُ(١): فأتى آتٍ قريشاً فقال: إنَّ البرَّاضَ قد قتل عُرْوَةَ، وهو(٢) في الشهر الحرام بعُكاظ ، فارتحلوا وهَوَازنُ لا تشعر بهم، ثم بلغهم الخبر، فاتبعوهم فأدركوهم قبلَ أنْ يدخُلُوا الحَرَم ، فاقتتلوا حتى جاء الليل ، فدخلوا الحرم ، فأمسكت هَوَازنُ عنهم ، ثم التَقَوْا بعد هذا اليوم أياماً ، والقومُ متساندون(٣) على كلِّ قَبِيلٍ من قريش وكِنانة رئيسٌ منهم ، وعلى كلِّ قبيلٍ من قيس رئيسٌ منهم . قال: وشهد رسولُ الله ◌َ له بعد٤ُ) أيامَهم. أخرجه أعمامُه معهم. وقال رسولُ الله ◌َّةِ: «كنتُ أُنْبَّل على أعمامي )) أيْ أرُدُ عليهم نَبْلَ عدوّهم إذا رمَوْهم بها٥) . قال ابنُ هشامٌ) : وحديثُ الفِجار أطولُ ممَّا ذكرت، وإنما منعني من استقصائه قَطْعُه حديثَ سيرةٍ رسولِ الله وَالر . وقال السُّهيلي(١) : والفِجار ، بكسر الفاء على وزن قِتال . وكانت الفِجَارات في العرب أربعة ذكرهنَّ المسعوديّ(٨). وآخرهن، فِجَار البَرَّاض هذا. وكان القتال فيه في أربعة أيام ، يوم شَمْطَةُ(٩) ، ويوم العبلاء، وهما عند عُكاظ، ويوم الشَّرب١٠ُ) - وهو أعظمُها يوماً - وهو الذي حضَرَهُ رسولُ الله ◌ِوَ ◌ّل وفيه فَيَّدَ رئيسُ قريشٍ وبني كنانة - وهو حَرْبُ بن أمية - وأخوهُ سفيان أنفسَهما لئلا يَفِرًّا(١١) . وانهزمتْ يومئذٍ قيس إلا بني نصر١٢) فإنهم ثبتوا . ويوم الحُرَيْرَة عند نخلة(١٣). ثم تواعدوا من العام المقبل إلى عكاظ ، فلما توافَوُا الموعد ركب عُتْبَةُ بنُ ربيعة جملَه ونادى : في السيرة (١٨٦/١). (١) في السيرة : وهم . (٢) (٣) ((متساندون)): أي لم يجتمعوا على راية واحدة ، كل بني أب على راية، ولم يكونوا تحت راية أمير واحد . اللسان ( سند ) . كذا في ح وفي ط والسيرة : بعض . (٤) وفي النهاية (١٠/٥، نبل): يقال: نبَّلْتُ الرجل، بالتشديد، إذا ناولته النبل ليرمي . (٥) (٦) في السيرة (١٨٧/١) وفي ط بزيادة: ((طويل هو)) ليست في ح ولا في السيرة. (٧) في الروض (٢٠٩/١ و٢١١) على خلاف في اللفظ . (٨) انظر مروج الذهب (٢/ ٢٧٧) . (٩) ((شَمْطة)): رواه الأزهري بالظاء المعجمة، كما في معجم البلدان (شمطة، ٣٦٣/٣). (١٠) ((الشرب)): موضع قرب مكة، وبه كانت وقعة الفجار العظمى. معجم البلدان (شرب، ٣٣٢/٣). (١١) في الروض: وفيه قيد حرب بن أمية وسفيان وأبو سفيان أبناء أمية أنفسهم كي لا يفروا، فسُمُّوا العنابس. وكذا في معجم البلدان ( شرب ) . (١٢) وقع في ط والروض بالضاد المعجمة ، وهو تصحيف ، وهم بنو نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن ، من قيس . (١٣) ((الحريرة)): كأنه تصغير حرة، موضع بين الأبواء ومكة، قرب نخلة . قاله ياقوت في معجم البلدان ( حريرة، ٢٥٠/٢) . ٨٢ فصل في شهرده عليه الصلاة والسلام حلف العضو . يا معشر مُضَر، على ما) تقاتلون؟ فقالت له هوازن : ما تدعو إليه؟ قال : الصلح . قالوا : وكيف ؟ قال نَدِيُ(٢) قتلاكم ونرهنكم رهائنَ عليها، ونعفو عن دِياتنا. قالوا : ومَنْ لنا بذلك؟ قال: أنا . قالوا : ومن أنت ؟ قال عُتْبَةُ بنُ ربيعة . فوقع الصلح على ذلك، وبعثوا إليهم أربعينَ رجلاً ، فيهم حكيم بن ◌ِزام فلما رأتْ بنو عامر بن صَعْصَعة الرهن في أيديهم عفوا عن دمائهم ٣) وانقضتْ حرب الفجار . وقد ذكر الأمَويُّ حروبَ الفِجَار وأيامَها واستقصاها مطوّلًا فيما رواه عن الأثرم ، وهو المغيرة بن علي ، عن أبي عُبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى ، فذكر ذلك . فصل في شهودِهِ عليه [ الصلاة ] والسلام حلف الفضول قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سَعْد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عَدِي الحافظُ) ، حدّثنا يحيى بن علي بن هاشم الخفَّف، حدَّثنا أبو عبد الرحمن الأذْرَمي ، حدَّثنا إسماعيل بن عُلَيَّةٍ ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزُّهْرِي، عن محمد بن جُبير بن مُطْعِم عن أبيه ، [ عن عبد الرحمن بن عوف ] قال: قال رسول الله وَّهُ: ((شهدتُ مع عمومتي حِلْفَ المُطَيَّبين، فما أُحِبُّ أنْ أَنْكُثَه - أو كلمة نحوها - وأنَّ لي حُمْرَ النَّعَم )) . (٦) قال : وكذلك رواهُ بشر بن المفضل عن عبد الرحمن قال(١): وأخبرنا أبو نصر بن قتادة ، حدّثنا أبو عمرو بن مطر، حدّثنا أبو بكر بن أحمد بن داود السِّمناني، حدّثنا مُعَلَّى بن مهدي ، حدّثنا أبو عَوَانة عن عمر بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((ما شهدتُ حِلْفاً لقريشٍ إلا حِلْفَ المَطَيَّبين، وما أُحِبُّ أنَّ لي حُمْرَ النَّعَم وأني كنتُ نقَضْتُهُ )) . قال : والمطيّبُون: هاشم، وأَمَيَّة ، وزُهْرَة ، ومَخْزُوم . قال البيهقي (٤) : كذا روي هذا التفسير مُدْرَجاً في الحديث ، ولا أدري قائله ؛ وزعم بعضُ أهلِ السير أنه أراد حِلْفَ الفُصُول، فإنَّ النبيَّ ◌ََّ لم يُدْرِكْ حلفَ المطيّين. (١) إثبات ألف ما جائز في لغة بعض العرب. انظر الخزانة (٩٩/٦) (٢٣٨/٢). وفي ط والروض : علام بحذفها. (٢) ((ودى القتيل)): أعطى أولياءه حقه. اللسان (ودي). (٣) في ط : دياتهم . في دلائل النبوة (٣٧/٢، ٣٨) وما سيأتي بين معقوفين منه ومن الكامل لابن عدي . (٤) والحديث في الكامل في الضعفاء لابن عدي (١٦١٠/٤) أورده في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق . (٥) (٦) وكذا رواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ١٩٠ و١٩٣) عن بشر بن المفضل عن عبد الرحمن به، وأبو يعلى الموصلي رقم (٨٤٥) وهو حديث صحيح . (٧) يعني البيهقي في دلائل النبوة (٣٨/٢). ٨٣ فصل في شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول قلت : هذا لا شك فيه ، وذلك أنَّ قريشاً تحالفوا بعد موت قُصَيّ ، وتنازعوا في الذي كان جعله قُصَيٌّ لابنه عبد الدار ، من السِّقاية ، والرِّفادة ، واللواء ، والندوة ، والحِجابة ، ونازعهم فيه بنو عبد مناف . وقامت مع كُلِّ طائفةٍ قبائلُ من قريش ، وتحالفوا على النُصْرة لحِزْبهم ، فأحضر أصحابُ بني عبد مناف جَفْنَةً فيها طيب ، فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا ، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان الكعبة(١) فسُمُّوا المُطَيَّبين كما تقدَّم ، وكان هذا قديماً ، ولكنَّ المُرَاد بهذا الحِلْف حلف الفُضُول ، وكان في دارٍ عبد الله بن جُدْعان كما رواه الحُميدي عن سفيان بن عيينة ، عن عبد الله ، عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر٢ُ)، قالا: قال رسولُ اللهِ وَهُ: ((لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً لو دُعيت به في الإسلام لأجبت ، تحالفوا أن يردُّوا الفُصُول على أهلها وألَّ يعد٣) ظالمٌ مظلوماً)). قالوا : وكان حلفُ الفُضول قبل المَبْعَثِ بعشرين سنة ، في شهر ذي القعدة ، وكان بعد حرب الفِجار بأربعة أشهر . وذلك لأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة . وكان حلف الفضول أكرمَ حلفٍ سُمع به ، وأشرفَهُ في العرب ، وكان أول مَنْ تكلّم به ودعا إليه الزُّبير بن عبد المطّلب، وكان سببُه أنَّ رجلاً من زُبيد قدِمَ مَكَّة ببضاعة ، فاشتراها منه العاصُ بنُ وائل(٤)، فحبس عنه حقَّه، فاستعدَى عليه الزُّبيديُّ الأحلافَ : عَبْدَ الدار ومخزوماً وجُمَح وسهماً وعَدِيَّ بن كعب ، فأبَوْا أنْ يُعينوا على العاص بن وائل ، وَزَبَرُوه - أي: انتهروه - فلمَّا رأى الزُّبيدي الشرّ، أوفى على أبي قُبَيْسُ(٥) عند طلوع الشمس ، وقريش في أنديتهم حول الكعبة ، وأنشدة) : [ من البسيط ] ببطنِ مكة نائي الدارِ والنَّفَرِ يا آلَ فِهْرٍ لمظلومٍ بضاعتَه يا للرّجالِ وبين الحِجْرِ والحَجَرِ ومُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لم يقضِ عُمْرَتَه ولا حرامَ لثوبِ الفاجرِ الغَدِرِ إِنَّ الحرامَ لِمَنْ تَمَّتْ كرامَتُه فقام في ذلك الزُّبير بن عبد المطّلب وقال : ما لهذا مُتَّرَك؟ فاجتمعتْ هاشمٌ وزُهْرَة وتَيْم بنُ مُرَّة في دار عبد الله بنِ جُدْعان ، فصنع لهم طعاماً ، وتحالفوا في ذي القَعْدَة ، في شهرٍ حَرَام ، فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونُنَّ يداً واحدةً مع المظلوم على الظالم ، حتى يُؤَدَّى إليه حقُّه، ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةُ(١)، وما رَسَا ثَبِيرٌ (١) في ط : بأركان البيت . (٢) في ح : عن عبد الله بن محمد وعبد الرحمن بن أبي بكر . والمثبت من ط والروض (١/ ١٥٥) وسيأتي بسياق مختلف (ص ٨٥) . (٣: كذا في ح، ط وفي الروض: يعز بالزاي المعجمة. قلت: لعله من الوعد والوعيد بالشر، انظر اللسان (وعد). (٤) زاد السهيلي في الروض (١/ ١٥٦) وكان ذا قدر بمكة وشرف . (٥) ((أبو قبيس)): جبل مشرف على مسجد مكة معجم البلدان ( قبيس، ٣٠٨/٤) . (٦) كذا في ح وفي ط : فنادى بأعلى صوته . وفي الروض : فصاح بأعلى صوته . والأبيات فيه . (٧) يعني إلى الأبد، وهذا القول من أمثالهم، ساقه الجاحظ في الحيوان (٤٧٠/٤) والبيان والتبيين (٧/٣) والزمخشري= ٨٤ فصل في شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول وحِرَاء مكانَهما١) ، وعلى التأسِّي في المَعاش. فسمَّتْ قُريش ذلك الحِلْف حِلْف الفُضول ، وقالوا : لقد دخل هؤلاء في فصلٍ من الأمر . ثم مشَوْا إلى العاص بن وائل ، فانتزعوا منه سِلْعةَ الزُّبيديّ ، فدفعوها إليه. وقال الزُّبير بنُ عبد المطّلب في ذلك : [ من الوافر ] وإنْ كُنَّا جميعاً أهلَ دارٍ حلفتُ لَنعقدَنْ حِلْفاً عليهم يَعِزُّ بِهِ الغريبُ لَدَى الْجِوارِ(٣) ونُسْميهٍ (٢) الفُضُولَ إذا عَقدْنا أبَاةُ الضَّيمِ نمنعُ كلَّ عارٍ ويَعْلَمُ من حَوَالَى البيتِ أنَّا وقال الزُّبير أيضاً : [ من الكامل ] إنَّ الفُضولَ تعاقدوا وتحالفوا أمْرٌ عليهِ تعاقَدوا وتواثقوا ألَّا يُقِيمَ بِبَطْنِ مَكَّةَ ظالمُ فالجارُ والمُعْتَرُّ فيهم سالمُ (٤) وذكر قاسم بن ثابت في غريب الحديث : إنَّ رجلاً من خَثْعَم قدِم مكةَ حاجّاً أو مُعْتَمِراً ، ومعه ابنةٌ له ، يقال لها : القَتُول من أوضَأٍ نساء العالمين، فاغتصبها منه(٥) نُبَيْهُ بن الحجّاج وغيّها عنه، فقال الخثعمي : من يُعْدِيني على هذا الرجل ؟ فقيل له : عليك بحِلْف الفضول . فوقف عند الكعبة ونادى : يا لَحِلْفِ الفُضول. فإذا هم يُعْنِقُونَ إليه (٦) من كل جانب، وقد انتضَوْا أسيافَهم يقولون : جاءك الغَوْث ، فمالكَ ؟ فقال : إنَّ نُبيهاً ظلمني في بنتي وانتزعها مني قَسْراً ، فساروا معه حتى وقفوا على باب داره ، فخرج إليهم ، فقالوا له : أخرج الجاريةَ ويحك ، فقد علمتَ من نحن ، وما تعاقدنا عليه . فقال : أفعل، ولكن مَتِّعوني بها الليلة. فقالوا: لا والله ولا شَخْبَ لِقْحَةُ(٧) . فأخرجها إليهم وهو يقول : [من الخفيف ] راحَ صَحْبي ولم أُحَيِّ القَتُولا لم أُوَدِّعْهُمُ وَداعاً جميلاً قد أرانى ولا أخافُ الفضُولا(٨) إذْ أجَدَّ الفضول أن يمنعوها في الأساس (صوف) والمستقصى (٢٤٦/٢) والميداني في مجمع الأمثال (٢/ ٢٣٠) وجاء في اللسان ( صوف ) : = وصوف البحر شيء على شكل هذا الصوف الحيواني، واحدته صوفة؛ ومن الأبديات قولهم: لا آتيك ما بل بحر صوفة. (١) (( ثبير وحراء)): جبلان معروفان من جبال مكة، معجم البلدان. (٢) في ط والروض : نُسَمِّيه . في ح ، ط : لذي الجوار ، والمثبت من الروض . (٣) ((المعترّ)): الفقير، والمتعرِّض للمعروف من غير أن يسأل. اللسان (عرر). والأبيات في الروض (١/ ١٥٦، ١٥٧). (٤) (٥) ليست اللفظة في ح . (٦) أي أتوا يهرعون إليه مسرعين. ومنه حديث أصحاب الغار ((فانفرجت الصخرة فانطلقوا معانقين)) أي : مسرعين، من عانق مثل أعنق إذا سارع وأسرع . النهاية (٣/ ٣١٠) (عنق). (٧) ((اللّقْحة)): الناقة الحلوب، غزيرة اللبن؛ والشخب: ما خرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة وعصرة، وصوت اللبن عند الحلب . اللسان والتاج ( لقح ، شخب ) يعني : ولا مقدار هذه الغمزة للضرع . (٨) في ح : إذا وجد الفضول . والمثبت من ط والروض . ٨٥ فصل في شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول ـبُ هُنتم عليَّ أنْ لا يَزُولا١ً) لا تخالي أنّي عَشِيَّة راحَ الزَّكْ وذكر أبياتاً أُخر غيرَ هذه . وقد قيل : إنما سُمِّي هذا حِلْفَ الفُضول لأنه أشبه حلفاً تحالفَتْهُ جُرْهُم على مثل هذا، منْ نَصْرٍ المظلوم على ظالمه ، وكان الداعي إليه ثلاثةٌ من أشرافهم ، اسمُ كُلِّ واحدٍ منهم فَضْل ، وهم : الفضل بن فَضَالة، والفضل بن وَدَاعة ، والفضل بن الحارث(٢). هذا قولُ ابن قتيبة. وقال غيره : الفضل بن شراعة ، والفضل بن بضاعة ، والفضل بن قضاعة (٣) . وقد أوردَ السُّهَيلي هذا رحمه الله . وقال محمد بن إسحاق بن يسار(٤): وتداعتْ قبائلُ من قريش إلى حلف، فاجتمعوا٥) إلى دار عبدِ الله بن جُدْعان لشرفه وسِنِّه، وكان حلفُهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطّلب (٦) وأسد بن(١) عبد العُزَّى ، وزُهْرَة بن كلاب، وتَيْم بن مُرَّة . فتعاهدوا وتعاقدوا على أنْ لا يجدوا بمكَّةَ مظلوماً من أهلها وغيرهمُ(٨) ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا؟) معه، وكانوا على مَنْ ظلمه حتى يرُدَّ اللهُ عليه مظلمته ، فسمَّتْ قريش ذلك الحلف حلفَ الفُضول . قال محمد بن إسحاق (١٠) : فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ التَّيْمي ، أنه سمع طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف الزُّهْريَّ يقول: قال رسول الله وَّهِ: ((لقد شهدتُ في دارِ عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً ما أُحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو أُدْعى به في الإسلام لأَجبت)). قال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادِ اللَّيثي، أنَّ محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي (١١)، حدثه أنه كان بين الحُسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عُتْبة بن أبي سُفْيان - والوليدُ يومئذٍ أمير المدينة ، أمَّرَهُ عليها عتُّه معاوية بن أبي سفيان - منازعةٌ في مالٍ كان بينهما بذي المَرْوة١٢ُ) ، فكان الوليد تحاملَ على الحسين في حقه لسلطانه ، فقال له الحسين : أحلفُ بالله لتنصفَنِّي (١) في الروض: ألا أقولا. والأبيات فيه (١/ ١٥٧). (٢) في الروض: فضيل بن الحارث. والمثبت من ح، ط واللسان ( حلف). (٣) في الروض : فضيل بن شراعة ، والفضل بن وداعة ، والفضل بن قضاعة . انظر قول ابن إسحاق في سيرة ابن هشام (١/ ١٣٣) والروض الأنف (١٥٥/١). (٤) (٥) كذا في ح وفي ط وسيرة ابن هشام : فاجتمعوا له في دار عبد الله . في ح ، ط : وبنو عبد المطلب ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض . (٦) (٧) في ط : وبنو أسد ، والمثبت من ح وسيرة ابن هشام والروض. (٨) في ح ، ط : وغيرها ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض. (٩) في السيرة والروض ؛ قاموا معه . وهو أشبه بالصواب. (١٠) قول ابن إسحاق هذا في سيرة ابن هشام (١٣٤/١) والروض الأنف (١٥٥/١). (١١) ليست اللفظة في ح . (١٢) ((ذو المروة)): قرية بوادي القرى، وقيل: بين خُشَب ووادي القرى. معجم البلدان (مرو) (١١٦/٥). ٨٦ فصل في تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد من حَقِّي أو لآخذنَّ سيفي، ثم لأقومنَّ في مسجدٍ رسولِ الله ◌ِّلهثم لأدعوَنَّ بحِلْفِ الفُضول. قال : فقال عبد الله بن الزُّبير - وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال - : وأنا أحلف بالله ، لئن دعا به لَآخذنَّ سيفي ثم لأقومنَّ معه حتى يُنصَف من حقِّه أو نموتَ جميعاً. قال: وبلغتِ المِسْوَرَ بن مَخْرَمَة بنِ نوفل الزُّهْري ، فقال له مثل ذلك ، وبلغتْ عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله) التَّيْمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليدَ بنَ عُتْبة أنصف الحسين من حقِّه حتى رَضِيَ . فصل في تزويجهِ عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ قال ابن إسحاق(٢): وكانت خديجةُ بنتُ خُوَيلد امرأةٌ تاجرة ذاتَ شرفٍ ومال ، تستأجرُ الرجالَ على مالها مضاربةٌ(٣) ، فلما بلغها عن رسولِ اللهِ وَي ما بلغها من صدق حديثه، وعِظم أمانته، وكَرَم أخلاقه ، بعثتْ إليه فعرضَتْ عليه أن يخرُج لها في مالٍ تاجراً إلى الشام ، وتعطيَهُ أفضلَ ما تُعطي غيرَهُ من التجار ، مع غلامٍ لها يقال له : مَيْسَرة، فقبِلَهُ رسولُ اللهِ لَه منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معها غلامُها ميسرة حتى نزل الشام ، فنزل رسولُ اللهِوَّهِ فِي ظِلِّ شجرةٍ قريباً من صَوْمعةِ راهبٍ من الرُّهْبان ، فاطَّلعَ الراهبُ إلى مَيْسَرة ، فقال : من هذا الرجلُ الذي نزل تحت الشجرة ؟ فقال ميسرة : هذا رجلٌ من قريش ، من أهل الحَرَم . فقال له الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قطُ إلا نبيّ . ثم باعَ رسولُ الله ◌َ لَه سِلْعَته - يعني تجارته - التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتريَ . ثم أقبل قافلاً إلى مكة ومعه ميسرة ، فكان مَيْسَرةُ - فيما يزعمون - إذا كانت الهاجرةُ واشتدَّ الحرّ ، يرى ملَكَيْن يُظلاَّنِهِ من الشمس وهو يسير على بعيره؛ فلما قدم مكة على خَدِيجة بمالها باعتْ ما جاء به، فأضعف أو قريباً، وحدَّثها ميسرةُ عن قول الراهب ، وعمّا كان يرى من إظلال الملَكَيْن إياه . وكانت خديجةُ امرأةً حازمةً شريفةً لَبيبة، مع ما أراد اللهُ بها من كرامتها٤). فلما أخبرها ميسرةُ ما أخبرها، بعثَتْ إلى رسولِ الله ◌ِوَ لّ فقالت له - فيما يزعمون - يا بنَ عم، إني قد رغبتُ فيك لقرابتك وسِطَتِكَّ(٥) في قومك، وأمانتك، وحُسْن خلقك، وصِدْق (١) في ح: عبد الله، والمثبت من ط وسيرة ابن هشام والروض ، وعبد الرحمن هذا، هو ابن أخي طلحة بن عبد الله كما في الإصابة . في سيرة ابن إسحاق (ص٥٩) بألفاظ مقاربة، وانظره أيضاً في سيرة ابن هشام (١ /١٨٧، ١٨٨) والروض (٢١٢/١). (٢) زاد في السيرة : بشيء تجعله لهم ، والمضاربة أن تعطي مالاً لغيرك يتجر فيه على أن يكون الربح بينكما ، أو يكون (٣) له سهم معلوم من الربح . وهي مفاعلة من الضرب في الأرض والسير فيها للتجارة . اللسان ( ضرب ) . (٤) كذا في ح ، ط وفي سيرة ابن إسحاق وابن هشام والروض : كرامته . (٥) في سيرة ابن إسحاق: لقرابتك وشرفك في قومك وسطتك فيهم. والسِّطة: من وسط في حَسَبه : إذا حلّ في أكرمه ، فهو وسيط : إذا كان أوسطهم نسباً وأرفعهم مجداً. اللسان ( وسط ) وفسر السهيلي بقوله : فلان أوسط القبيلة : أعرفها وأولاها بالصحيح . ٨٧ فصل في تزويجهمله الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد حديثك. ثم عرضتْ نفسها عليه؛ وكانتْ أوسطَ نساءٍ قريش نَسباً، وأعظمهنَّ شرفاً، وأكثرهنَّ مالًا. كلُّ قومِها كان حريصاً على ذلك منها لو يقدِرُ عليه. فلما قالت ذلك لرسولِ الله ◌َ لي ذكر ذلك لأعمامه ، فخرج معه عمُّه حمزة حتى دخل على خُويلد بن أسد ، فخطَبَها إليه، فتزوّجها عليه الصلاة والسلام . قال ابن هشام١): فأصْدَقَها عشرين بَكْرَة١ٌ، وكانتْ أوَّلَ امرأةٍ تزوَّجها ، ولم يتزوَّجْ عليها غيرَها حتى ماتت . قال ابن إسحاق(٣): فولدتْ لرسولِ اللهِ وَ يُّهُ ولَدَهُ كُلَّهم إلا إبراهيم: القاسم - وبه كان يُكْنى - والطَيِّب، والطاهر٤ُ) ، وزينب، ورُقَيَّة ، وأم كُلْتُوم ، وفاطمة . قال ابن هشامُ(٥) : أكبَرُهم القاسم، ثم الطَّيِّب ، ثم الطاهر، وأكبر بناته رُقَيَّةٍ ، ثم زينب ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة . قال البيهقي(٦) عن الحاكم: قرأتُ بخطّ أبي بكر بن أبي خَيْئَمة، حدَّثنا مُصْعَبُ بن عبد الله الزّبيري قال(٢) : أكبر ولدِهِ عليه الصلاة والسلام القاسم ، ثم زينب ، ثم عبد الله ، ثم أم كلثوم ، ثم فاطمة ، ثم رقية . وكان أول من مات من ولده القاسم ، ثم عبد الله ، وبلغت خديجة خمساً وستين سنة ، ويقال : خمسين ، وهو أصح . وقال غيره : بلغ القاسم أن يركبَ الدابَّةَ والنَّجيبة ، ثم مات بعد النبوّة . وقيل : مات وهو رضيع، فقال رسولُ الله ◌ِّر: ((إنَّ له مُؤْضعاً في الجنة يستكمل رضاعه)(٨) والمعروف أنَّ هذا في حقِّ إبراهيم . (١) في السيرة (١/ ١٩٠). ((البَكر)): الفتي من الإبل، بمنزلة الغلام من الناس، والأنثى بَكرَة. اللسان (بكر). (٢) (٣) انظر قول ابن إسحاق في سيرة ابن إسحاق (ص٦١) وسيرة ابن هشام (١٩٠/١) والروض (٢١٤/١). (٤) سياق ابن إسحاق وابن هشام يدل على أن الطاهر والطيب اثنان ، وهذا خلاف ما ذهب إليه النسابون . قال ابن الكلبي في جمهرة النسب (ص ١٢٥، ١٢٦) فولد النبي وَّ: القاسم، وعبد الله، وهو الطيب، وهو الطاهر، اسم واحد ، لأنه ولد بعدما أوحي إليه . وفي هامش أصل الجمهرة فائدة : الطيب والطاهر اسم ولد واحد ، لأنه ولد بعد الوحي . وبنحو هذا سياق ابن حزم في جمهرة الأنساب (ص١٦) وبنحوه أيضاً عند السهيلي في الروض (١/ ٢١٤) وانظر زاد المعاد (١/ ١٠٣) وقول الزبير الآتي. (٥) في السيرة (١/ ١٩٠). (٦) في دلائل النبوة (٣/ ٧٠). (٧) انظر نسب قريش لمصعب (ص٢١). (٨) أخرجه البيهقى فى الدلائل (٤٣٠/٥، ٤٣١) وفي الحاشية ، أخرجه البخاري عن سليمان بن حرب (٧٨) كتاب الأدب (١٠٩) باب من سمى بأسماء الأنبياء الحديث رقم (٦١٩٥) فتح الباري (١٠ / ٥٧٧) وفي الجنائز عن أبي الوليد. وأورده البيهقي أيضاً في (٧/ ٢٨٩) يرويه في حق إبراهيم ويقول لما مات إبراهيم، قال رسول الله مَطله. ٨٨ باب ما كان يشتغل به رسول الله چي وقال يونس بن بكير : حدّثنا إبراهيمُ بن عثمان عن القاسم عن ابن عباس قال : وَلَدَتْ خَديجة لرسول الله بَ لّ: غلامَيْن وأربعَ نسوة: القاسم، وعبد الله، وفاطمة، وأم كُلثوم، وزينب، ورُقَيَّة. وقال الزُّبير بن بكَّار : عبد الله هو الطَّيِّب وهو الطاهر ، سُمِّي بذلك لأنه وُلد بعد النبوّة ، فماتوا قبل البعثة، وأمَّا بناتُه فأدركْنَ البعثة، ودخلْنَ في الإسلام وهاجرْنَ معه وَلِّ . قال ابن هشامُ(١): وأمَّا إبراهيم فمن ماريَةَ القِبْطِيَّة التي أهداها له المُقَوْقِسُ صاحبُ إسْكندرية ، من حَفْن ، من كورة ، أَنْصِن٢ًَّ) . وسنتكلَّمُ على ذِكر زوجاته وأولادِه عليه الصلاة والسلام في باب مفرد لذلك في آخر السيرة إن شاء الله تعالى وبه الثقة . قال ابن هشامٌ(٣): وكان عُمُر رسولِ الله ◌َِّ حين تزوَّج خديجة خمساً وعشرين سنة، فيما حدَّثني غيرُ واحدٍ من أهل العلم ، منهم أبو عمرو المدني . وقال يعقوبُ بن سفيان : كتبتُ عن إبراهيم بن المنذر ، حدّثني عمر بن أبي بكر المَوْصِليُّ(٤)، حدّثني غيرُ واحدٍ أنَّ عمرو بن أسد زوَّج خديجة من رسولِ الله وَّل وعمرُه خمسٌ وعشرون سنة وقريش تبني الكعبة . وهكذا نقل البيهقيُّ عن الحاكم، أنه كان عمرُ رسولِ الله وَ ﴿ حين تزوَّج خديجة خمساً وعشرين سنة ، وكان عمرها إذْ ذاك خمساً وثلاثين - وقيل: خمساً وعشرين سنة - وقال البيهقي(٥): باب ما كان يشتغلُ به رسولُ الله ◌ِيهِ قبل أن يتزوَّج خديجة أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر بن عبد الله ، أخبرنا الحسن بن سفيان ، حدّثنا سويد بن سعيد ، حدثنا عمرو بن يحيى(٦) بن سعيد القرشي ، عن جدِّه سعيد ، عن أبي هريرة قال : قال (١) في السيرة (١/ ١٩١). ((حَفْن)): قرية من قرى صعيد مصر . وأنصنا : كورة من كور مصر ، وهي مدينة أزلية من نواحي الصعيد شرقي (٢) النيل . معجم ما استعجم (١٩٩/١ و٤٥٨/٢) ومعجم البلدان (٢٦٥/١ و٢٧٦/٢) . (٣) انظر قول ابن هشام في السيرة (١ / ١٨٧) بسياق مختلف . في ح ، ط : المؤملي وكذا في أخبار القضاة (٢٦٨/١) في إسناد له، والمثبت من دلائل النبوة للبيهقي (٧١/٢) (٤) وكما سيأتي في إسناده ، ومن ترجمته في الجرح والتعديل (٦/ ١٠٠) وميزان الاعتدال (١٨٤/٣) وفيه: روى عنه إبراهيم بن المنذر . (٥) في الدلائل (٦٥/٢) . (٦) في ط: عمرو بن أبي يحيى. تحريف والمثبت من ح، وترجمته في ميزان الاعتدال (٢٩٣/٣) وتهذيب التهذيب (١١٨/٨) وفيه ثبتت روايته عن جده ، ورواية سويد عنه. ٨٩ باب ما كان يشتغل به رسول الله رسول الله وح له: «ما بعث اللهُ نبيّاً إلا راعِيَ غنم)). فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: ((وأنا رعَيْتُها لأهلِ مكةَ بالفَرَاريط )» . رواه البخاري(١) عن أحمد بن محمد المكي ، عن عمرو بن یحیی به . ثم روى البيهقي (٢) من طريق الربيع بن بَدْر - وهو ضعيف (٣) - عن أبي الزُّبير عن جابر ، قال : قال رسول اللّه ◌َّ: ((آجرتُ نفسي من خديجةَ سفرتَيْن بقَلُوص)(٤). وروى البيهقيُّ(٥) من طريق حمّاد بن سَلَمة، عن علي بن زيد، عن عمَّار بن أبي عمار ، عن ابن عباس، أنَّ أبا خديجةَ زوَّجَ رسولَ الله ◌ِ لَه وهو - أظنُّه قال - سكران . ثمَّ قال البيهقي(٦) : أخبرنا أبو الحسن بن الفضل القَطَّان أنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان(٧)، قال: حدّثني إبراهيم بن المنذر، حدَّثني عمر بن أبي بكر المَوْصلي(٨)، حدّثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه ، عن مقسم أبي القاسم(٩) مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل ، أنَّ عبدَ الله بن الحارث حدَّثه أنَّ عمار بن ياسر كان إذا سمع ما يتحدَّث به الناس عن تزويج رسولِ اللهِ وَّ خديجة، وما يُكثرون فيه، يقول: أنا أعلم الناسِ بتزويجه إياها، إني كنتُ له تِرْباً ، وكنت لهُ إِلْفاً وخِدْناً ١٠)، وإني خرجتُ مع رسولِ اللهِ وَّهِ ذاتَ يوم، حتى إذا كنا بالحَزْوَرَةُ(١١) أجَزْنا على (١) في صحيحه ، فتح (٢٢٦٢) الإجارة باب رعي الغنم على قراريط. وفيه: (( يعني كل شاة بقيراط ، يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم)) . وأخرجه ابن ماجه في سننه (٢١٤٩) كتاب التجارات باب الصناعات ، وابن سعد في الطبقات (١٢٥/١). (٢) في الدلائل (٦٥/٢، ٦٦). (٣) قوله : وهو ضعيف ، ليس في دلائل البيهقي. فهو من قول المصنف . وتضعيف الربيع في ميزان الاعتدال (٣٨/٢، ٣٩) وتهذيب التهذيب (٢٣٩/٣). (٤) ((القلوص)): الفتيّة من الإبل. اللسان (قلص ). في الدلائل (٢/ ٧٣) . (٥) في الدلائل (٢/ ٧١) . (٦) الخبر في المعرفة والتاريخ (٢٥٣/٣) في القسم المفقود منه، وهو منقول عما هنا . (٧) في ح ، ط : المؤملي ، والمثبت من الدلائل وحاشية (٣) من الصفحة السابقة . (٨) في ح : مقسم بن القاسم . وفي ط : مقسم بن أبي القاسم . وكلاهما تصحيف ، والمثبت من دلائل البيهقي (٩) وتهذيب التهذيب (٢٨٨/١٠) وهو مقسم بن بجرة ويقال : ابن نجدة أبو القاسم ويقال : أبو العباس مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل . (١٠) ((التِّرب)): اللِّدَة، وقد مضى شرحه (ص٣٣) في الحاشية (٤) من هذا الجزء. والخِذْن : الصديق. مختار الصحاح ( خدن ) . وزادت نسخة (ح) لفظة: وخرجنا بعد : وخدناً . فلعلها مصحفة عن كلمة أخرى والله أعلم . (١١) ((الحزورة)): بالفتح ثم السكون وفتح الواو، وراء وهاء، وهو في اللغة الرابية الصغيرة . وقال الدار قطني : كذا = ٩٠ باب ما من يشغل أخت خَدِيجةَ وهي جالسٌ على أَدَم تبيعها ، فنادتني، فانصرفتُ إليها ووقف لي رسولُ اللهِ وَّةٍ فقالت: أما لصاحبك١) هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار: فرجعتُ إليه فأخبرتُه فقال: (( بلى لَعَمْري)) فذكرتُ لها قولَ رسولِ الله ◌ِ هِ فقالتْ: اغْدُوا علينا إذا أصبحنا . فغدَوْنا عليهم ، فوجدناهم قد ذبحوا بقرة، وألبسوا أبا خديجة حُلَّة، وصُفِّرَتْ لحيته ، وكلَّمتْ أخاها، فكلَّم أباها وقد سُقي خمراً ، فذكرتْ له رسولَ الله ◌ِ ◌ّه ومكانَهُ، وسألتهُ أن يزوِّجه، فزوَّجه خديجة ، وصنعوا من البقرة طعاماً فأكلنا منه ، ونام أبوها ، ثم استيقظ صاحياً ، فقال: ما هذه الخُلَّة وما هذه الصُّفْرةُ(٢) وهذا الطعام ؟ فقالت له ابنته التي كانت قد كلَّمتْ عمَّاراً: هذه حُلَّةٌ كساكها محمد بن عبد الله خَتَنُكَ ، وبقرة أهداها لك ، فذبحناها حين زوَّجْتَهُ خديجة . فأنكر أن يكون زوَّجه ، وخرج يصيح حتى جاء الحِجر ، وخرج بنو هاشم برسولِ الله وَّةِ، فجاؤوه فكلّموه، فقال: أين صاحبُكم الذي تزعمون أني زوَّجْتُه خديجة؟ فبرز له رسولُ الله ◌ِعَل فلما نظر إليه قال : إنْ كنتُ زؤَجْته فسبيل ذاك ، وإنْ لم أكن فعلتُ فقد زوَّجتهُ(٣) وقد ذكره الزُّهري في سيره ، أن أباها زوَّجها منه، وهو سكران، وذكر نحو ما تقدَّم . حكاه الشُّهیليّ؛) . قال المَوْصلي : المجتمع عليه أنَّ عمَّها عمرو بن أسد هو الذي زوَّجها منه (٦) . وهذا هو الذي رجَّحه السُّهيلي، وحكاه " عن ابن عباس وعائشة قالت : وكان خويلد قد مات قبل الفِجار ، وهو الذي نازع تُبَّعاً حين أراد أخْذَ الحَجَرِ الأسود إلى اليمن ، فقام في ذلك خُويلد ، وقام معه جماعةٌ من قريش ، ثم رأى تُبَّعٌّ في منامه ما رَوَّعَهُ ، فنزع عن ذلك وترك الحَجَر الأسود مكانه . وذكر ابن إسحاق في آخر السيرة "، أن أخاها عمرو بن خُويلد هو الذي زوجها رسولَ الله وَّ فالله أعلم . صوابه ، والمحدثون يفتحون الزاي ويشددون الواو وهو تصحيف ؛ وكانت الحزورة سوق مكة ، وقد دخلت في المسجد لمَّا زيد فيه . معجم البلدان (٢٥٥/٢) . (١) في ح، ط : بصاحبك ، والمثبت من دلائل البيهقي. (٢) في دلائل البيهقي النقيعة، وهي ما ينحره الرجل إذا زُوِّج، كما في اللسان (نقع ) . (٣) إسناده ضعيف جداً، فإن عمر بن أبي بكر الموصلي متروك ذاهب الحديث كما قال أبو حاتم الرازي (الجرح والتعديل ٦/ الترجمة ٥٢٤) (بشار). (٤) في الروض (١/ ٢١٤). (٥) الخبر في المعرفة والتاريخ (٢٥٣/٣) في القسم المفقود منه، وهو منقول عما هنا . (٦) قول الموصلي هذا ذكره البيهقي بعد سياق الخبر الانف الذكر . (٧) في الروض (١/ ٢١٣) بألفاظ مقاربة . (٨) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤٣). ٩١ باب ما كان يشتغل به رسول الله بها فصل قال ابن إسحاق (١): وقد كانت خديجةُ بنت خُويلد ذكرت لورقه بن نوفل بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ - وكان ابنَ عمِّها وكان، نصرانياً قد تتبّع الكتب وعَلِم من عِلْم الناس - ما ذكر لها غلامُها [ ميسرة ] من قول الراهب وما كان يرى منه ، إذْ كان الملَكان يُظِلاَّنه ، فقال ورقة: لئن كان هذا حقاً يا خديجة ، إنَّ محمداً لنبيُّ هذه الأمة ، قد عرفتُ أنه كائنٌ لهذه الأمة نبيٌّ يُنتظرُ ، هذا زمانه . أو كما قال : فجعل وَرَقَةُ يستبطىءُ الأمر ويقول : حتى متى ؟ وقال في ذلك : [ من الوافر ] لِهَمِّ طالما بعثَ النَّشِيجا فقد طال انتظاري يا خَدِیجا حديثكِ أنْ أرى منهُ خُروجا٢ً) منَ الرُّهْبَانِ أكْرَهُ أنْ يَعُوجهُ(٣) ويخصمُ مَنْ یکونُ له حَجیجا يُقِيمُ(٤) به البَرِيَّةَ أنْ تَمُوجه(٥) ويَلقى من يُسالمُهُ فُلُوجا (٦) شهِدْتُ وكُنتُ أوَّلَهم وُلُوجا ولو عَجَّتْ بمكَّتِها عَجِيجاً إلى ذي العرشِ إن سَفَلُوا عُرُوجا يَضِجُّ الكافرون لها ضَجِيجا من الأقدار مَتْلَفةٌ حَرُوج﴾(٨) لججتُ وكنتُ في الذِّكْری لَجُوجا ووصْفٍ من خديجةَ بعدَ وصْفٍ ببطْنِ المَكَّتَيِّنِ على رَجائي بما خَبَّرتِنا من قولٍ قَسِّ بأنَّ محمداً سيسودُ قوماً ويَظْهَرُ في البلادِ ضياءُ نورٍ فيلقَى من يحاربُه خَساراً فيالَيْتِي إذا ما كانَ ذاكُم وُلُوجاً في الذي كرهَتْ قُرِيشٌ أُرِّي في الذي كَرِهوا جميعاً فإنْ تَبْقَو(٧) وأبقَ تكن أمورٌ وإن أهلِكْ فكلُّ فتى سيلقَى (١) سيرة ابن إسحاق (ص ٩٤) وسيرة ابن هشام (١٩١/١) والروض (٢١٦/١) وما يأتي بين معقوفين منها. (٢) قال السهيلي في الروض (٢١٨/١): ثَنَّى مكة وهي واحدة ، لأن لها بطاحاً وظواهر ... على أن للعرب مذهباً في أشعارها في تثنية البقعة الواحدة وجمعها ... وإنما يقصد العرب في هذا الإشارة إلى جانبي كل بلدة ، أو الإشارة إلى أعلى البلد وأسفلها . (٣) ((القَسُّ)): رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم. اللسان ( قسس ). (٤) كذا في ح والسيرة والروض ، وفي ط : يقوم . (٥) قال السهيلي في شرحه : الضياء هو المنتشر عن النور ... وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن، وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر ، فالصبر عن المنكرات ، والصبر على الطاعات ، هو الضياء الصادر عن هذا النور الذي هو القرآن والذكر . (٦) ((الفلوج)): الفوز والظفر. التاج (فلج). (٧) في ط والسيرة والروض : يبقوا . (٨) ((المتلفة)): المهْواة المشرفة على تلف، دونها جبل أو غيره، أو تكون بين جبلين. اللسان ( تلف، هوى) وفي = ٩٢ باب ما كان يشتغل به رسول الله لكم وقال ورقة أيضاً فيما رواه يونس بن بُكير عن ابن إسحاق عنه (١) : ١ من الطويل ! أَتُبْكِرُ أمْ أنتَ العشيّةَ رائِحُ الفُرقةٍ قومٍ لا أُحبُّ فِرَاقَهم وأخبارِ صِدْقٍ خَبَّرَتْ عن محمدٍ فذاك٢) الذي وجَّهْتِ يا خيرَ حُزَّة إلى سوقِ بُصرى في الرِّكابِ التي غَدتْ فَيُخبرنا عن كُلِّ خيرٍ بِعِلْمِهِ بأنَّ ابنَ عبدِ الله أحمدَ مُرْسَلٌ وظنِّي به أنْ سوف يُبعث صَادِقاً وموسَى وإبراهيمُ حتى يُرى له ويتبَعُه حيا لؤيٍ وغالبٍ (٦) فإنْ أبقَ حتى يُدرِكَ الناسُ دَهْرَهُ وإلا فإني يا خَدِيجةُ فاعلمي وزاد الأموي(٧) : وفي الصدر من إضْمارك الحُزْن قادحُ كأنَّكَ عنهم بعدَ يومَيْن نازِعُ يُخَبِّرُها عنهُ إذا غابَ نَاصِحُ بغورٍ وبالنَّجْدَيْنِ حيثُ الصَحاصحُ(٣) وهنّ من الأحمال قُعصٌ دوالِحُ(٤) وللحقِّ أبوابٌ لهنّ مفاتِحٌ إلى كُلِّ من ضُمَّتْ عليه الأباطِحُ كما أُرسل العَبْدانِ هودٌ وصالحُ بَهاءٌ ومنشورٌ من الذِّكر واضحُ شبابُهمُ والأشيَبُون الجحاجِحُ فإِنِّي به مستِشرُ الودِّ فارِعُ عن ارضِكِ في الأرضِ العَرِيضة سائحُ (ح، ط ) : خروجا . أوله خاء معجمة، والمثبت من السيرة والروض . قلت : لعل معناه : ضيّقة، من الحرج = وهو الضيق . فيكون قوله : متلفة حروجاً . كناية عن القبر . (١) سيرة ابن إسحاق (ص ٩٤، ٩٥) وأوردها السهيلي في الروض (١/ ٢٢٠). (٢) كذا في ح وفي ط : أتاك ، وفي الروض والاكتفا : فتاك . (٣) في سيرة ابن إسحاق: ((بغوري والنجدين)). والصحاصح : جمع صحصح : الأرض الجرداء المستوية ذات حصى صغار . اللسان ( صحح ) . (٤) في ح: والركاب. قعص: كذا في الأصول والسيرة والروض، ولم يتجه لي معناه بهذا اللفظ. قلت لعله ((نعص)) بنون في أوله ، من النَّعَص ، وهو التمايل، والدوالح : جمع دالح ، وهو البعير [ الذكر والأنثى سواء ] إذا دلح ، وهو تثاقله في مشيه من ثقل الحمل . اللسان ( نعص ، دلح ) . (٥) في ح : فواتح. (٦) كذا في ح ، ط : وأظن الصواب فيه: حيا لؤي بن غالب . قال ابن حزم في جمهرة الأنساب ص ١٢ : فولد لؤي بن غالب : كعب بن لؤي ، وفيه البيت والعدد ، وعامر بن لؤي ، وهذان الصريحان من ولد لؤي . وفي نسب قريش للمصعب (ص١٣) : فولد لؤي بن غالب كعباً وعامراً ، وهما البطاح . ويؤيد هذا ما جاء في رواية ابن إسحاق في السيرة والسهيلي في الروض : حيا لؤي جماعة . (٧) ذكرت هذه الأبيات في هامش (ح) . ٩٣ باب ما كان يشتغل به رسول الله له فمتَّبِعٌ دينَ الذي أسَّسَ البِنَا وأسَّسَ بُنْياناً بمكَّةَ ثابتاً مَثاباً لأفناء القبائلِ كلِّها حَرَاجِيجُ أمثالُ القِدَاحِ من السُّرَى وكانَ له فضلٌ على الناسِ راجحُ تلألأَ فيه بالظلامِ المصابحُ تَخُبُّ إليهِ الْيَعْمُلاتُ الطلائحُ(١) يُعَلَّقُ في أرساغِهِنَّ السَّرائِحُ(٣ ومن شعره فيما أورده له أبو القاسم السُّهَيْلي في ((روضه)(٣): [ من البسيط ] أنا النذيرُ فلا يغرزْكُمُ أحَدُ فإنْ دعَوْكم فقولوا بيْننا حَدَدٌ(٤) وقَبْلَنَا سبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ(٥) لا ينبغي أن يناوي ملكَهُ أحَدُ يَبْقَى الإِلَّهُ ويُودي المالُ والوَلَدُ والخُلْدَ قد حاولتْ عادٌ فما خلَدُوا والجِنُّ والإنْسُ فيما بينها تردٌ(٦) من كلِّ أوبٍ إليها وافدٌ يَفِدُ لا بدَّ من وِردِه يوماً كما وَرَدُوا لقد نصحتُ لأقوامٍ وقلتُ لهم : لا تعبُدُنَّ إلَّهاً غيرَ خالقِكم سُبْحان ذي العرشِ سُبْحاناً يدومُ له مسخَّرٌ كلٌّ ما تحتَ السماءِ له لا شيء مما نَرى تبقى بَشاشَتُه لم تُغنِ عن هُرمْزٍ يوماً خَزائنُهُ ولا سليمانُ إذْ تجري الرِّياحُ به أينَ الملوكُ التي كانتْ لِعِزَّتِها حوضٌ هنالك مورودٌ بلا كذبٍ ثم قال : هكذا نسبه أبو الفرج إلى وَرَقَة . قال : وفيه أبياتٌ تُنسب إلى أُميَّة بن أبي الصَّلْت . قلت : وقد رَوينا عن أمير المؤمنين عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستشهد في بعض الأحيان بشيءٍ من هذه الأبيات ، فالله أعلم . (١) ((اليعملات الطلائح)): النوق السريعة التي جَهَدَها السير وأهزلها. ((وتخبُّ)): من الخَبَب، وهو السرعة في العدو . وفي ح : تخف . وهو بمعناه . اللسان ( طلح ، عمل ، خبب ) . (٢) ((حراجيج)): جمع حُرْجُوج وحُرْجيج ، وهي الناقة الطويلة . والسرائح: والسُّرُح: نعال الإبل ، وقيل سُيُور نعالها ، كل سير منها سريحة ، وقيل : السيور التي يُخصف بها . اللسان ( حرج ، سرح ) . (٣) الروض الأنف (١/ ٢١٧). (٤) دعوة حَدَد، محركة: أي باطلة. وأمر حَدَد: ممتنع باطل، لا يحل أن يُرتكب. التاج (حدد). ووقع في الروض : جدد ، بالجيم المعجمة . (٥) ((الجودي)): هو جبل مطل على جزيرة ابن عمر في الجانب الشرقي من دجلة من أعمال الموصل . معجم البلدان (١٧٩/٢). والجمد: بضمتين، هو جبل لبني نصرٍ بنجد، معجم البلدان (٢/ ١٦١) والأبيات فيه. ونسب هذا البيت لأمية بن أبي الصلت كما سيأتي ، وهو في ديوانه (ص٣٧٦) وتخريجه فيه . (٦) كذا في ح ومعجم البلدان ، وفي ط والروض : مرد . ٩٤ فصل في تجديد قريش بناء الكعبة فصل في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين ذكَرَ البيهقيُّ(١) بناءَ الكعبة قبل تزويجة عليه الصلاة والسلام خديجة . والمشهور أنَّ بناء قريش الكعبة بعد تزويج خديجة كما ذكرناه بعشر سنين . ثم شرع البيهقي في ذكر بناء الكعبة في زمنٍ إبراهيم كما قدمناه في قصته ، وأورد حديثَ ابنِ عباس المتقدِّم في ((صحيح)) البخاري(٢) وذكر ما ورد من الإسرائيليات في بنائه في زمن آدم ، ولا يصحُّ ذلك ، فإنَّ ظاهر القرآن يقتضي أن إبراهيم أولُ من بناه مبتدِئاً ، وأولُ مَنْ أسَّسه ، وكانت بقعتُه معظّمة قبل ذلك، معتنّى بها ، مشرَّفةً في سائر الأعصارِ والأوقات ، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدَّى لِلْعَلَمِينَ (٤) فِيهِ ءَايَتٌ بَيِنَتُ مَّقَامُ إِبْرَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ. كَانَ ءَامِنَا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [ آل عمران: ٩٦ -٩٧]. وثبت في (( الصحيحين)) (٣) عن أبي ذرّ قال : قلتُ : يا رسولَ الله ، أُّ مسجدٍ وُضع أوَّل ؟ قال : ((المسجدُ الحرام)» قلتُ: ثم أيّ؟ قال: ((المسجدُ الأقصى)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة)) . وقد تكلَّمنا على هذا فيما تقدَّمُ(٤) ، وأنَّ المسجد الأقصى أسَّسه إسرائيلُ وهو يعقوب عليه السلام . وفي ((الصحيحَيْن(٥): ((إنَّ هذا البلد حرَّمَهُ اللهُ يومَ خَلَق السمواتِ والأرض، فهو حرامٌ بحُرْمةِ اللهِ إلى يوم القيامة)). وقال البيهقي(٦): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو عبد الله الصفَّار، حدّثنا أحمد بن مِهْران، حدّثنا عُبيد الله ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان البيتُ قبل الأرض بألفَيْ سنة ﴿ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣]قال: من تحته مدّا(٧). (١) ذِكْرُ بناء الكعبة في دلائل النبوة للبيهقي (٤٣/٢ - ٦٤). (٢) حديث البخاري هذا تقدم في الجزء الأول ، عند ذكر مولد إسماعيل عليه السلام . (٣) فتح الباري (٣٤٢٥) الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ﴾ وصحيح مسلم (٢ - ٥٢٠) كتاب المساجد ومواضع الصلاة . (٤) تقدم في (١/ ١٦٢) من هذا الكتاب ط . (٥) صحيح البخاري، فتح (١٨٣٤) جزاء الصيد باب لا يحل القتال بمكة و(٣١٨٩) الجزية والموادعة باب إثم الغادر البر والفاجر ، وصحيح مسلم (١٣٥٣) (٤٤٥) الحج باب تحريم مكة وصيدها وخلاها . (٦) في الدلائل (٢/ ٤٤). (٧) في ط : مدت . والمثبت من ح ودلائل البيهقي . والحديث أخرجه الحاكم أيضاً بهذا اللفظ في المستدرك (٥١٨/٢) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد !. أقول: وسيأتي كلام المصنف عليه . ٩٥ أصل في تجديد قريش بناء الكعبة قال : وقد تابعه منصور عن مجاهد . قلت : وهذا غريبٌ جدّاً، وكأنَّه من الزَّامِلَتَيْن اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك (١)، وكان فيهما إسرائيليات يحدِّثُ منهما ، وفيهما منكراتٌ وغرائب . ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي ، حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدّثنا أبو صالح الجُهني، حدّثني ابنُ لهيعةَ ، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: «بعث اللهُ جبريلَ إلى آدم وحوَّاء ، فقال لهما : ابْنِيا لي بيتاً . فخطَّ لهما جبريل ، فجعل آدم يَحْفِر وحواء تنقل ، حتى أجابه الماء نودي من تحته : حَسْبُكَ يا آدم . فلمَّا بَنَيَاه أوحى اللهُ تعالى إليه أنْ يطوفَ به ، وقيل له : أنت أولُ الناس ، وهذا أولُ بيت ، ثم تناسختِ القرون حتى حجَّه نوح ، ثم تناسخت القرون حتى رَفَعَ إبراهيمُ القواعِدَ منه )) . قال البيهقي : تفرَّد به ابنُ لَهيعة هكذا مرفوعاً . قلت : وهو ضعيف ، ووَقْفُهُ على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت ، والله أعلم . وقال الربيع (٤) : أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن ابن أبي لَبِيد، عن محمد بن كعب القُرَظي - أو غيره - قال : حجَّ آدمُ فلقيتْهُ الملائكة فقالوا: برَّ نُسْكُكَ يا آدم ، لقد حجَجْنا قبلك بألفَيْ عام. وقال يونس بن بُكير عن ابن إسحاق(٦) : حدّثني بَقِيَّة - أو قال: ثقةٌ من أهل المدينة - عن عُروة بن الزُّبير أنه قال : ما مِنْ نبيٍّ إلا وقد حجَّ البيت ، إلا ما كان من هود وصالح . قلتُ : وقد قدَّمنا حجَّهما إليه(٧). والمقصودُ الحجُّ إلى محلَّته، وبُقْعَتِه، وإنْ لم يكنْ ثَمَّ بناء ، والله أعلم . (١) في ذلك أقوال وردت في الجزء الأول في قصة شعيب . (٢) في الدلائل (٤٤/٢، ٤٥). (٣) في ط : محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي ، والمثبت من ح ودلائل البيهقي وهو محمد بن محمد بن عبد الله بن حمزة بن جميل البغدادي المشهور بالجمال المتوفى سنة ٣٤٦هـ . ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٤٧ - ٥٤٨). (٤) في ح، ط : يزيد بن أبي الخير . وهو تصحيف ، والمثبت من دلائل البيهقي . ويزيد هو ابن أبي حبيب ، وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله اليزني، ورواية كل منهما عن الآخر ثابتة في ترجمتهما في تهذيب التهذيب (١٠/ ٨٢ و٣١٨/١١) . (٥) قول الربيع وإسناده في دلائل البيهقي (٤٥/٢). (٦) قول يونس عن ابن إسحاق ساقه البيهقي في الدلائل (٤٥/٢، ٤٦). (٧) في الجزء الأول عند قصة هود وصالح . ٩٦ فصل في تجديد قريش بناء الكعبة ثم أورد البيهقيُّ(١) حديثَ ابنِ عباس المتقدِّم في قصة إبراهيم عليه السلام بطوله وتمامه ، وهو في (( صحيح )) البخاري . ثم روى البيهقي (٢) من حديث سِمَاك بن حَرْب، عن خالد بن عَرْعَرة قال : سأل رجلٌ عليّاً عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] أهو أولُ بيتٍ بُني في الأرض(٣) ؟ قال: لا ، ولكنَّهُ أولُ بيتٍ وُضع فيه البركةُ للناس والهدى، ومقامُ إبراهيم ومَنْ دخله كان آمناً، وإنْ شئتَ نبَأتك كيف بناؤه ؛ إنَّ الله تعالى أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتاً في الأرض . فضاقَ به ذَرْعاً، فأرسل إليه السَّكِينَةَ وهي ريحٌ خَجُوج(٤) لها رأس ، فاتَّبع أحدُهما صاحبَه حتى انتهت(٥) ، ثم تطوقتْ في موضع البيت تطوُّقَ الحيَّة ، فبنى إبراهيم ، حتى [ إذا ] بلغ مكان الحجر قال لابنه : ابغني حجراً . فالتمس [ ثَمَّ ] حجراً حتى أتاه به ، فوجد الحجر الأسود قد رُكِّب ، فقال لأبيه : من أين لك هذا ؟ قال : جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريلُ من السماء . فأتمَّهُ(٦) . قال(٢): فمرَّ عليه الدهر فانهدم ، فبنَتْهُ العمالقة، ثم انهدم فبنَتْهُ جُرْهُم ، ثم انهدم فبنته قريش ورسولُ الله ◌ِّهِ يومئذٍ رجلٌ شابّ. فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه ، فقالوا : نُحَكِّمُ بيننا أولَ رجلٍ يخرج من هذه السكة، فكان رسولُ الله ◌َّ﴿ أولَ من خرج عليهم ، فقضى بينهم أن يجعلوه في مِرْطُ(٨) ، ثم ترفعُه جميعُ القبائل كلُّهم . وقال أبو داود الطيالسي٤): حدّثنا حماد بن سلمة وقيس وسلامٌ"١) ، كلُّهم عن سِمَاك بن حَرْب عن خالد بن عرعرة ، عن علي بن أبي طالب ، قال : لما انهدم البيت بعد جُرْهُم بنتْهُ قريش ، فلما أرادوا وضعَ الحجر تشاجروا، مَنْ يضَعه؟ فاتفقوا أن يضعه أولُ مَنْ يدخل من هذا الباب، فدخل رسول الله وتمثيل (١) دلائل النبوة للبيهقي (٤٦/٢ - ٥٢). (٢) في الدلائل (٢/ ٥٥) وما يأتي بين معقوفين منه، وأخرج الخبر أيضاً الطبري في تفسيره (٦٩/٣، ٧٠). (٣) سياق الخبر في ح على هذا النحو: (( ... سأل رجل علياً عن قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ﴾ فيه البركة ﴿ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ ﴾ أهو أول بيت في الأرض؟)). والمثبت من ط ودلائل البيهقي. (٤) ((الريح الخجوج)): الشديدة المرّ، التي تلتوي في هبوبها، الخوَّارة. اللسان (خجج ). في تفسير الطبري : حتى انتهت إلى مكة . (٥) (٦) وأخرجه الطبري في تفسيره (٦٩/٣ - ٧١) والحاكم في المستدرك (٢٩٢/٢ - ٢٩٣) وأورده الأزرقي في تاريخ مكة (٢٤/١، ٢٥) . (٧) يعني البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٦) بالسند نفسه . (٨) ((المِرْط)): كل ثوب غير مخيط. اللسان ( مرط). (٩) في مسنده رقم (١١٣) وما يأتي بين معقوفين منه. وهو في منحة المعبود (٨٦/٢، ٢٣١٦). (١٠) في مسند الطيالسي: وقيس وسماك كلهم عن سماك، والمثبت من ح، ط وتهذيب الكمال (١١٧/١٢، ٢٨٢) في ترجمتي سماك وسلام ، ورواية سلام عن سماك ثابتة فيهما . ٩٧ فصل في تجديد قريش بناء الكعبة من باب بني شَيْبَة ، فأمر بثوب، فوضع، [ فأخذ ] الحجر [ ووضعه ] في وسطه ، وأمر كلَّ فَخِذٍ أنْ يأخذوا بطائفة من الثوب ، فرفعوه، وأخذه رسولُ الله ◌َ ◌ّر فوضعه . قال يعقوبُ بن سفيانُ(١): أخبرني أصْبَغ بن فَرَج، أخبرني ابنُ وَهْب عن يونس عن ابن شهاب قال : لما بلغ رسول الله وَ ﴿ الخُلُم، أجْمَرَتِ امرأةٌ الكعبةُ(٢) فطارتْ شرارةٌ من مِجْمَرها في ثياب الكعبة فاحترقتْ ، فهدموها ، حتى إذا بنوها فبلغوا موضعَ الرُّكْن اختصمتْ قريش في الرُّكْن ، أُّ القبائل تلي رفعه؟ فقالوا: تعالوا نُحَكِّم أولَ مَنْ يطلع علينا، فطلع عليهم رسول الله وَّه وهو غلام عليه وشاحُ نَمِرة ، فحكَّموه ، فأمر بالركن فوضع في ثوب ، ثم أخرج سيدَ كلِّ قبيلةٍ فأعطاهُ ناحيةً من الثوب ، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن ، فكان هو يضعه ، فكان لا يزدادُ على السِّنِّ إلا رِضى، حتى دعَوْهُ الأمين قبل أن ينزل عليه الوَحْي ، فطفِقُوا لا ينحرون جَزُوراً إلا التمسوه ، فيدعو لهم فيها . وهذا سياقٌ حَسَن ، وهو من سِيَر الزُّهْري ، وفيه من الغرابة قوله: فلما بلغ الخُلُم . والمشهور أنَّ هذا كان ورسول الله وَّ عمره خمسٌ وثلاثون سنة، وهو الذي نصّ عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله . وقال موسى بن عُقْبة : كان بناءُ الكعبة قبل المَبْعَث بخمس عشرة سنة . وهكذا قال مجاهد ، وعروة ، ومحمد بن جُبير بن مُطْعِم وغيرهم . فالله أعلم . وقال موسى بن عُقْبة : كان بين الفجار وبين بناء الكعبة خمس عشرة سنة . قلت : وكان الفِجَار وحِلْفُ الفُصُول في سنةٍ واحدة، إذْ كان عُمُر رسولِ اللهِ لَه عشرين سنة(٣)، وهذا يؤيِّدُ ما قال محمد بن إسحاق ، والله أعلم . قال موسى بن عقبة(٤): وإنما حمل قريشاً على بنائها أنَّ السُّيول كانت تأتي من فوقها ، من فوق الرَّدْم الذي صنعوه ، فأخرَّ به ، فخافوا أن يدخلها الماء . وكان رجلٌ يُقال له : مليح ، سرق طِيب الكعبة . فأرادوا أنْ يشيدوا بُنْيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلَها إلا مَنْ شاؤوا ، فأعدُّوا لذلك نفقةً وعُمَّالًا ، ثم غَدوا إليها ليهدموها على شَفَقٍ وحذَر ، أن يمنعَهُم [ الله ] الذي أرادوا . فكان أوَّل رجلٍ طلعها وهدم منها شيئاً الوليد بن المغيرة ، فلما رأَوا الذي فعل الوليد تتابعوا فوضعوها ، فأعجبهم ذلك . فلما أرادوا أنْ يأخذوا في بنيانها ، أحضروا عُمَّالَهم فلم يقدر رجلٌ منهم أنْ يمضيَ أمامَهُ موضعَ قدم . فزعموا أنهم رأوا (١) في المعرفة والتاريخ (٢٥٢/٣) وهو في القسم المفقود منه ، اقتبسه المحقق من هنا. (٢) (( أجمرت الكعبة)): يعني بخرتها بالطيب وفي ط : جمرت، وهو بمعناه ، يقال: أجمرتُ الثوب وجمَّرْتُه: إذا بخرته بالطيب ، اللسان ( جمر ) . (٣) في ح ، ط : عشرون سنة . (٤) قول موسى بن عقبة في عيون الأثر (١/ ٥١، ٥٢) وما يأتي بين معقوفين منه. ٩٨ فصل في تجديد قريش بناء الكعبة حيَّةً قد أحاطتْ بالبيت ، رأسُها عند ذنبها ، فأشفقوا منها شفقةً شديدة ، وخَشُوا أن يكونوا قد وقعوا مما عمِلُوا في هَلَكة . وكانت الكعبة حرزَهم ومنعتَهم من الناس ، وشرفاً لهم . فلما سُقط في أيديهم ، والتبس عليهم أمْرُهم قام فيهم المغيرةُ بن عبد الله بن عمر(١) بن مَخْزوم، فذكر ما كان من نُصْحه لهم وأمْرِهِ إياهم أنْ لا يتشاجروا ولا يتحاسدوا في بنائها، وأنْ يقتسموها أربعاً ، وأنْ لا يُدخلوا في بنائها مالاً حراماً. وذكر أنهم لما عزموا على ذلك ذهبتِ الحيَّةُ في السماء وتغيََّتْ عنهم ، ورأوا أنَّ ذلك من الله عزَّ وجل . قال : ويقول بعض الناس : إنه اختطفها طائر وألقاها نحو أجْياد ٢) . وقال محمد بن إسحاق بن يسار(٣): فلما بلغ رسولُ الله ◌ِلّهِ خمساً وثلاثين سنةً ، اجتمعتْ قريش لبناء الكعبة ، وكانو يهمُّون بذلك ليسقفوها، ويهابون هَدْمها، وإنما كانتْ رَضْماء) فوق القامة ، فأرادوا رفعها وتسقيفها ، وذلك أنَّ نفراً سرقوا كنز الكعبة ، وإنما كان يكون (٥) في بئرٍ في جَوْف الكعبة ؛ وكان الذي وجد عنده الكنز دُويك ، مولى لبني مُلَيح بن عمرو من خُزَاعة ، فقطعتْ قريش يده ، وتزعم قريش أنَّ الذين" سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينةٍ إلى جُدَّة ، لرجلٍ من تجار الروم ، فتحطمت ، فأخذوا خشَبَها فأعدُّوه لتسقيفها . قال الأموي : كانت هذه السفينةُ لقيصر ملك الرُّوم ، تحمل له آلاتِ البناء من الرُّخام والخشَب والحديد ، سرَّحها قيصر مع بَاقُوم الزُومي إلى الكنيسةِ التي أحرقها الفُرْس للحبشة ، فلما بلغتْ مرساها من جُدَّة بعث الله عليها ريحاً فحطّمَتْها . قال ابن إسحاقُ (١): وكان بمكة رجلٌ قِبْطِيِّ نجَّار، فتهيّأ لهم في أنفسهم بعضُ ما يُصلحها . وكانت حيَّةٌ تخرج من بئر الكعبة التي كان يُطرح فيها ما يُهدى إليها كلَّ يوم ، فتتشرَّقُ(٨) على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزألَّتْ وكشَّتْ ٩) وفتحتْ فاها ، فكانوا (١) في ح، ط : المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، والمثبت من عيون الأثر (١/ ٥٢) وجمهرة النسب لابن الكلبي (٢٦٤/١) والمحبر (ص٨٤، ١٣٢، ١٣٩) وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص ١٤٤). (٢) أجياد: كأنه جمع جيد وهو العنق، موضع بمكة يلي الصفا. معجم البلدان (١/ ١٠٥). (٣) سيرة ابن إسحاق (ص ٨٣، ٨٤) وفيه الخبر مطول، ويبدو أن المصنف نقله من سيرة ابن هشام (١/ ١٩٢، ١٩٣). (٤) ((الرَّضم)): صخور بعضها على بعض. النهاية (٢/ ٢٣١) (رضم ). (٥) سقطت (( يكون)) من ط ، وهي ثابتة في ح وسيرة ابن هشام. (٦) في ح : الذي . (٧) سيرة ابن إسحاق (ص ٨٣، ٨٤) وسيرة ابن هشام (١/ ١٩٣). (٨) في ح : فتتشرف وفي ط : فتشرف ، وفي سيرة ابن إسحاق : فتشرق ، والمثبت من سيرة ابن هشام والروض . والتشرّق؛ الظهور للشمس حينما يدركها برد السحر. اللسان (شرق) والحيوان للجاحظ (٣٩/٤، ٥٥/٦). (٩) ((احزألت)): ارتفعت واجتمعت. كشت الأفعى كشاً وكشيشاً : وهو صوت جلدها إذا حكت بعضها ببعض. اللسان ( حزل ، كشش ) . ٩٩ فصل في تجديد قريش بناء الكعبة يهابونها . فبينما هي يوماً تشرَّقُ على جدار الكعبة كما كانت تصنع ، بعث الله عليها طائراً فاختطفها (١) ، فذهب بها . فقالت قريش : إنا لنرجو أن يكونَ اللهُ تعالى قد رضي ما أرَدْنا ، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب ، وقد كفانا اللهُ الحيّة . وحكى السُّهيلي عن رَزينُ(٢)، أنَّ سارقاً دخل الكعبة في أيام جُرْهُم ليسرق كنزها ، فانهار البئر عليه(٣)، حتى جاؤوا فأخرجوه وأخذوا منه ما كان أخذه، ثم سكنتْ هذه٤) البئرَ حَيَّةٌ رأسُها كرأس الجَدْي ، وبطنها أبيض ، وظهرها أسود ، فأقامتْ فيها خمسمئة عام ، وهي التي ذكرها محمد بن إسحاق . قال محمد بن إسحاق(٥) : فلما أجمعوا أمرهم لهدْمها وبنيانها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم - وقال ابنُ هشام : عائذ بن عمران بن مخزوم٦) - فتناول من الكعبة حجراً فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه ، فقال : يا معشر قريش ، لا تُدخلوا في بنيانها مِن كَسْبكم إلا طيِّباً ، لا يُدخَلُ فيها مَهْرُ بغيّ ، ولا بَيْعُ ربا ، ولا مَظْلَمة أحدٍ من الناس. والناسُ يَنْحَلُونَ هذا الكلام الوليدَ بن المُغيرة بن عبد الله بن عمر(١) بن مخزوم . ثم رجَّح ابنُ إسحاق أنَّ قائل ذلك أبو وهب بن عمرو، قال: وكان خالَ أبي النبيِّ مَّ وكان شريفاً ممدَّحاً . وقال ابن إسحاق(٨): ثم إنَّ قريشاً تجزَّأْتِ الكعبة ؛ فكان شِقُّ الباب لبني عبد مناف وزُهْرة ، وما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضمُّوا إليهم ، وكان ظهرُ الكعبة لبني جُمَح وسهم، وكان شِقُّ الحِجْر لبني عبدِ الدَّار بن قُصَيّ ، ولبني أسد بن عبد العُزَّى ولبني عدي بن كعب ، وهو الحَطِيم . ثم إنَّ الناسَ هابوا هَدْمَها وفرِقوا منه، فقال الوليد بن المُغيرة : أنا أبدؤكم في هَدْمها ، فأخذ المِعْوَل (١) فى سيرة ابن إسحاق : طائراً لا يدرون ما هو ، فاختطفها من متشرَّقها. (٢) في الروض (٢٢٤/١، ٢٢٥ و١٣٧) بألفاظ مقاربة . (٣: لفظ السهيلي : فسقط عليه حجر فحبسه فيها . في الأصل : هذا، وهو تصحيف من الناسخ ، لأن البئر مؤنثة ، يدل عليها الضمير في قوله: («فاقامت فيها » ( ٤) الآتي . سيرة ابن إسحاق (ص ٨٤) بلفظ مختلف ، ويبدو أن المصنف نقله من سيرة ابن هشام (١٩٤/١) فاللفظ له. (٥) قلت : وهو الصواب ، كما جاء في جمهرة النسب لابن الكلبي (٣٠٨/١) وجمهرة الأنساب لابن حزم (ص ١٤١). (٦) في ح ، ط : عمرو ، والمثبت من سيرة ابن هشام وسيرة ابن إسحاق . (٧) (٨) سيرة ابن إسحاق (ص ٨٥) واللفظ لابن هشام (١٩٥/١). ١٠٠ فصل في تجديد قريش بناء الكعبة ثم قام عليها وهو يقول : اللهمَّ لَمْ تُرَغ ١) اللهم إنا لا نريدُ إلا الخير. ثم هَدَم من ناحية الرُّكْنين، فتربَّصَ الناسُ تلك الليلة ، وقالوا : ننظر ، فإنْ أُصيب لم نهدمْ منها شيئاً وردَدْناها كما كانت ، وإنْ لم يُصِبْهُ شيء فقد رضي الله ما صنعنا من هدمها . فأصبح الوليدُ غادياً على عمله ، فهدَمَ وهدمَ الناسُ معه ، حتى إذا انتهى الهَدْمُ بهم إلى الأساس ، أساسٍ إبراهيم عليه السلام، أفْضَوْا إلى حجارةٍ خُضْر كالأسِنَّةِ آخِذٌ بعضُها بعضاً - ووقع في ((صحيح)) البخاري عن يزيد بن رُومَان: كأسْنِمَةِ الإبلُ(٢) - قال السُّهيلي: وأرى رواية السيرة - كالأسنة (٣) - وهماً ، والله أعلم . قال ابن إسحاق(٤) فحدّثني بعضُ مَن يروي الحديث ، أنَّ رجلاً من قريش ممن كان يهدِمُها ، أدخل عتلةٌٌ) بين حجرين منها ليقلع بها أحدَهما ، فلما تحرَّك الحجر انتفضتْ(٦) مكة بأسْرِها . فانتهَوْا عن ذلك الأساس . وقال موسى بن عقبة : وزعم عبد الله بن عباس ، أن أولية قريش كانوا يحدثون أنَّ رجلاً من قريش ، لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة انتهَوْاً(١) إلى تأسيس إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، عمد رجلٌ منهم إلى حجَرٍ من الأساس الأول ، فرفعه وهو لا يدري أنه من الأساس الأول ، فأبصر القومُ بُرْقَةً تحت الحجر ، كادت تلتمعُ بصرَ الرجل ، ونزا الحجر من يده فوقع في موضعه وفزع الرجل والبناة . فلما ستر الحجر عنهم ما تحته إلى مكانه عادوا إلى بنيانهم وقالوا : لا تحرِّكوا هذا الحجر ولا شيئاً بحذائه . (١) قال السهيلي في الروض : (٢٢٥/١): اللهم لم تُرَغْ: هي كلمة تقال عند تسكين الرُّوع، وإظهار اللين والبر في القول ، ولا رَوْعَ في هذا الموطن فيُنفى ، ولكن الكلمة تقتضي إظهار قصد البر ، فلذلك تكلموا بها ، وعلى هذا يجوز التكلم بها في الإسلام ، وإن كان فيها ذكر الرَّوع الذي هو محال في حق الباري تعالى ، ولكن لما كان المقصود ما ذكرنا جاز النطق بها. ويروى أيضاً ((اللهم لم نزِغ)) وهو جلي لا يشكل. أي لم نحل عن دينك . وهي رواية ابن هشام . (٢) فتح الباري (١٥٨٦) الحج باب فضل مكة وبنيانها . في ح ، ط : كالألسنة، وهو تصحيف، والمثبت من الروض (٢٢٨/١) ولفظه: وليست هذه رواية السيرة ، إنما (٣) الصحيح في الكتاب ( كالأسنة ) وهو وهم من بعض النقلة عن ابن إسحاق والله أعلم . (٤) سيرة ابن إسحاق (ص ٨٥) وسيرة ابن هشام (١٩٥/١) واللفظ له . (٥) ((العتلة)) : العصا الضخمة من حديد لها رأس مفلطح كقبيعة السيف ، تكون مع البناء يهدم بها الحيطان . وقبيعة السيف : ما كان على طرف مقبضه من فضة أو حديد ، وهي التي يُدخل القائم فيها . اللسان ( عتل ، قبع ) . (٦) كذا في ح، ط ، وفي سيرة ابن إسحاق وابن هشام: تنقضت ، وفي السيرة الحلبية (١٤٢/١): تنفضت أي تحركت ، وفي شرح المواهب (٢٤٦/١) : تنغصت . قلت : أظن الصواب فيه إن شاء الله تنغضت ، بالغين والضاد المعجمتين ، أي : تحركت ورجفت ، جاء في النهاية (٥/ ٨٧) (نغض) : وفي حديث ابن الزبير: إن الكعبة لما احترقت نغضت ، أي تحركت ووهت . (٧) سقطت اللفظة من ط وهي في ح .