Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
عائشة (١) مرفوعاً أنه يدفن مع رسول الله و له وأبي بكر وعُمر في الحجرة النبوية. ولكن لا يصح إسناده.
وقال أبو عيسى الترمذي(٢): حدّثنا زيد بن أخزم الطائي، حدّثنا أبو قتيبة سَلْمُ(٣) بن قتيبة ، حدّثني
أبو مودود المدني ، حدّثنا عثمان بن الضحاك ، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، ۔
عن جدّه قال : مكتوب في التوراة صفة محمد، وعيسى ابن مريم عليهم السلام يُدفن معه . قال
أبو مَوْدُود : وقد بقي من البيت موضع قبر، ثمّ قال الترمذي : هذا حديث حسن(٤) . كذا قال :
والصواب : الضحاك بن عثمان المدني .
وقال البخاري : هذا الحديث لا يصح عندي ولا يُتَابَع عليه .
وروى البخاري(٥) عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة ، عن عاصم الأحول ، عن أبي عثمان
النَّهْدي ، عن سلمان قال: الفترة ما بين عيسى ومحمد ◌َّلإ ستمئة سنة .
وعن قتادة: خمسمئة وستون سنة (٦). وقيل: خمسمئة وأربعون سنة(٧).
وعن الضحاك : أربعمئة وبضع وثلاثون سنة(٨).
والمشهور ستمئة سنة (٩) . ومنهم من يقول ستمئة وعشرون سنة بالقمرية لتكون ستمئة بالشمسية .
والله أعلم .
وقال ابن حِبّان في صحيحه ١٠) : ( ذِكْرُ المدة التي بقيت فيها أُمة عيسى على هديه ) : حدّثنا
أبو يعلى ، حدّثنا أبو هَمام ، حدّثنا الوليد بن مسلم، عن الهيثم بن حميد ، عن الوَضِيْن بن عطاء ، عن
نصر بن علقمة، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء قال:؛ قال رسول الله وَالَ: ((لقد قَبَضَ الله داودَ من
(١) قوله: عن عائشة، زيادة من ط. وهو كذلك في مختصر تاريخ دمشق ، وفي ب : في آخر ترجمة المسيح وفيه
أنه ..
(٢) سنن الترمذي رقم (٣٦١٧)، في المناقب، باب (١) في فضل النبي ◌ِّ وهو في مختصر تاريخ دمشق
(٢٠ / ١٥٤) وإسناده ضعيف .
(٣) في ط: مسلم، وهو تحريف. ولم يرد الاسم في ب. وسلم بن قتيبة الشَّعيري صدوق. توفي سنة ( ٢٠٠ هـ ) أو
بعدها . تقريب التهذيب (٣١٤/١).
(٤) في السنن: ((حسن غريب))، وهو الصواب الذي نص عليه المزي في التحفة (٥٣٣٦).
(٥)
صحيح البخاري رقم ( ٣٩٤٨)، في مناقب الأنصار باب إسلام سلمان الفارسي رضي الله عنه .
(٦) أورده ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٢٧٧) . في شرح الأحاديث السابقة.
(٧)
قال الكلبي ، كما في فتح الباري ( ٧/ ٢٧٧) .
(٨) المصدر السابق .
(٩) قوله: وقيل خمسمئة ... إلى هنا. سقط من ب بنقلة عين.
(١٠) الإحسان (١٤ / ٦٢٣٦).

٣٠٢
صفة عيسى عليه السلام وشمانله و فضائله
بين أصحابه فما فُتنوا ولا بدلوا ، ولقد مكث أصحاب المسيح على سُنته وهديه مئتي سنة )) . وهذا حديث
غريب جداً وإن صَخَّحه ابن حِبَّان .
وذكر ابن جرير عن محمد بن إسحاق أن عيسى عليه السلام قبل أن يُرفع وصَّى الحواريين بأن يدعوا
الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وعَيَّن كلَّ واحد منهم إلى طائفة من الناس في إقليم من الأقاليم
من الشام والمشرق وبلاد المغرب ، فذكروا أنه أصبح كل إنسان منهم يتكلم بلغة الذين أرسله المسيح
إليهم .
وذكر غير واحد أن الإنجيل نقله عنه أربعة : لوقا ومتّ ومرقس ويوحنا ، وبين هذه الأناجيل الأربعة
تفاوتٌ كثير بالنسبة إلى كل نسخة ونسخة ، وزيادات كثيرة ، ونقص بالنسبة إلى الأخرى ، وهؤلاء الأربعة
منهم اثنان ممن أدرك المسيحَ ورآه وهما متّى ويوحنا ، ومنهم اثنان من أصحاب أصحابه وهما مرقس
ولوقا . وكان ممن آمن بالمسيح وصدَّقه من أهل دمشق رجل يقال له ضينا ، وكان مختفياً في مغارة داخل
الباب الشرقي قريباً من الكنيسة المصلبة خوفاً من بولص اليهودي ، وكان ظالماً غاشماً مبغضاً للمسيح ولِما
جاء به ، وكان قد حلق رأسَ ابن أخيه حين آمن بالمسيح وطاف به في البلد ثمّ رَجَمه حتى مات رحمه الله .
ولما سمع بولص أن المسيح عليه السلام قد توجه نحو دمشق جَهَّز بغاله (١) وخرج ليقتله ، فتلقاه عند
كوكبا٢ً) ، فلما واجه أصحاب المسيح جاء إليه مَلَكُ فضرب وجهه بطرف جناحه فأعماه . فلما رأى ذلك
وقع في نفسه تصديق المسيح ، فجاء إليه واعتذر مما صنع وآمن به ، فَقَبِل منه ، وسأله أن يمسح عينيه ليردَّ
اللهُ عليه بصرَه ، فقال : اذهب إلى ضينا عندك بدمشق في طرف السوق المستطيل من المشرق فهو يدعو
لك . فجاء إليه ، فدعا له فرّد عليه بصره وحسن إيمان بولص بالمسيح عليه السلام أنه عبد الله ورسوله ،
وبُنيت له كنيسة باسمه ، فهي كنيسة بولص المشهورة بدمشق من زمن فَتَحها الصحابة رضي الله عنهم حتى
خربت في الزمان الذي سنورده(٣) ، إن شاء الله تعالى .
*
(١) في ب : العساكر .
(٢) في معجم البلدان : كوكب : ... اسم قلعة على الجبل المطل على مدينة طبرية ..
(٣) في ب : سنورده فيما بعد.
٠

٣٠٣
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
فصْلٌ
اختلف أصحاب المسيح عليه السلام بعد رفعه إلى السماء فيه على أقوال ، كما قاله ابن عباس وغيره
من أئمة السلف ، كما أوردناه عند قوله: ﴿فَأَدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمٍ فَأَصْبَحُواْ ظَهِينَ﴾ [ الصف: ١٤ ] قال ابن
عباس وغيره(١) قال قائلون منهم: كان فينا عبد الله ورسوله فرفع إلى السماء . وقال آخرون(٢) منهم :
كان فينا ابن الله فرفعه إليه . وقال آخرون : كان الله فينا فارتفع إلى السماء ، فالأول هو الحق ،
والقولان الآخران كفر عظيم كما قال: ﴿ فَأُخْتَفَ الْأَخْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[ مريم : ٣٧ ] .
وقد اختلفوا في نقل الأناجيل على أربعة أقاويل ما بين زيادة ونقصان وتحريف وتبديل ، ثمّ بعد
المسيح بثلاثمئة سنة حدثت فيه الطامّة العظمى والبلية الكبرى ؛ اختلف البتاركة الأربعة وجميع الأساقفة
والقساوسة٣) والشمامسة والرهابين في المسيح على أقوال متعدّدة لا تنحصر ولا تنضبط ، واجتمعوا
وتحاكموا إلى الملك قسطنطين باني القسطنطينية وهم المجمع الأول ، فصار الملك إلى قول أكثر فرقة
اتفقت على قول من تلك المقالات فسموا الملكية(٤) ودَحَض من عداهم وأبعدهم. وتفرّدت(٥) الفرقة
التابعة لعبد الله بن اديوس الذي ثبت على أن عيسى عبد من عباد الله ورسول من رسله ، فسكنوا البراري
والبوادي ، وبَنَوا الصوامع والديارات والقَلَّيات (٦)، وقنعوا بالعيش الزهيد، ولم يخالطوا أولئك الملل
والنحل . وبنت الملكية الكنائس الهائلة ، عمدوا إلى ما كان من بناء(٧) اليونان فحوَّلوا محاريبها إلى
الشرق وقد كانت إلى الشمال إلى الجذي .
(١) زاد في ب : من أئمة التفسير .
(٢) كذا في ب، وهو موافق لما أورده ابن كثير قبل قليل ( ص ٢٨٧) ولما جاء في تفسيره (٣٦٢/٤) ، وتفسير الطبري
(٢٨/ ٦٠). وفي العبارة التالية اختلاف. ففي أ: كان فينا فارتفع إلى السماء، فالأول ... وفيه نقص. وفي
ط : هو الله، وقال آخرون هو ابن الله ، فالأول ... وفيه نقص أيضاً .
(٣) في أ: والقساقسة . ولم يسمع هذا الجمع لـ ( قس ) .
(٤)
كذا في ب . وفي أوط الملائكة .
(٥)
في ب : وتفرقت .
(٦)
القلايات : جمع قلاية ، كالصومعة . وقيل هي قَلِيَّة . لسان العرب: ( قلي ) .
(٧) في ب : من كنائس .

٣٠٤
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
(١) وبنى الملك قسطنطين بيتَ لحم على محلِّ مولد المسيح ، وبَنَتْ أُمُّه هَيلانة القُمامةَ ، يعني
على قبر المصلوب ، وهم يُسلّمون لليهود أنه المسيح . وقد كفرت(٢) هؤلاء وهؤلاء، ووضعوا
القوانين والأحكام ، ومنها مخالف للعتيقة التي هي التوراة ، وأحلُّوا أشياء هي حرام بنص التوراة ،
ومن ذلك الخنزير ، وصلّوا إلى الشرق ولم يكن المسيح صلّى إلا إلى صخرة بيت المقدس ، وكذلك
جميع الأنبياء بعد موسى . ومحمد خاتم النبيين صلى إليها بعد هجرته إلى المدينة ستة عشر أو سبعةً
عشر شهراً ، ثمّ حُوِّل إلى الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ، وصوَّروا الكنائس ولم تكن مصورة قبل
ذلك ، ووضعوا العقيدة التي يحفظها أطفالهم ونساؤهم ورجالهم التي يُسمُّونها بالأمانة ، وهي في
الحقيقة أكبر الكفر والخيانة ، وجميع الملكية والنسطورية أصحاب نسطورس أهل المجمع الثاني ،
واليعقوبية أصحاب يعقوب البرادعي أصحاب المجمع الثالث يعتقدون هذه العقيدة ويختلفون في
تفسيرها . وها أنا أحكيها وحاكي الكفر ليس بكافر لأنبه على ما فيها من ركّة الألفاظ وكثرة الكفر
والخبال المفضي بصاحبه إلى النار ذات الشواظ ، فيقولون عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم
القيامة(٣) :
نؤمن بإله واحد(٤) ، ضابط الكل ، خالق السموات والأرض كل ما يُرى ، وكل ما لا يرى ،
وبربِّ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل(٥) الدهور ، نور من نور ، إلّه حق
من (٦) إِلَّه حق ، مولود غير مخلوق ، مساوٍ للأب في الجوهر الذي كان به كلّ شيء من أجلنا نحن
البشر ، ومن أجل خلاصنا نزل السماء وتجسّد من روح القدس ومن مريم العذراء ، وتأنس وصلب
على عهد ملاطس النبطي ، وتألَّم وقبر ، وقام في اليوم الثالث كما في الكتب ، وصعد إلى السماء
وجلس عن يمين الأب ، وأيضاً فسيأتي بجسده ليدبّر الأحياء والأموات ، الذي لافناء لملكه(٧) ،
وروح القدس الربّ المحيي(٨) المنبثق من الأب والابن مسجود له، وبمجد الناطق في الأنبياء كنسبة
(١) وُضِع في ط عنوان في الوسط: بيان بناء بيت لحم والقمامة . وهو ليس في متن أ ، بل كتب في الحاشية . وليس في
ب .
(٢)
في ب : كذب .
عليهم لعائن الله ... سقطت من ط .
(٣)
(٤)
في ب : واحد أب .
(٥)
في ب : كل الدهور .
(٦)
في ب : ابن .
في ب : الذي رد بوحي بملكه وبروح ٠٠٠
(٧)
في ب : المنجي .
(٨)

٣٠٥
صفة عيسى عليه السلام وشمائله وفضائله
واحدة جامعة مقدسة بهولية ، واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وأنه حي قيامة الموتى وحياة
الدهر العتيد كونه آمين (١)
(١) زاد في ب هنا: وقد أنشد الشيخ شهاب الدين القرافي في كتابه ((الرد على النصارى)) لبعضهم يرد عليهم في قولهم
بصلب المسيح وتسليمهم ذلك إلى اليهود مع دعواهم أنه ابن الله ، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً .
وإلى أي والد نسبوه
عجباً للمسيح بين النصارى
أسلموه إلى اليهود وقالوا
فإذا كان ما يقولون حقاً
حين خلّى ابنه رهين الأعادي
فلئن كان راضياً بأذاهم
ولئن كان ساخطاً فاتركوه
إنهم بعد قتله صلبوه
وصحيحاً فأين كان أبوه
أتراهم أرضوه أو أغضبوه
فاحمدوهم لأنهم وافقوه
واعبدوهم لأنهم غلبوه

٣٠٦
أخبار الماضين - خبر ذي القرنين
كتاب أخبار الماضين(١)
من بني إسرائيل وغيرهم إلى آخر زمن الفترة ، سوى أيام العرب وجاهليتهم ، فإنا سنورد ذلك بعد
فراغنا من هذا الفصل إن شاء الله تعالى .
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَّ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا﴾ [ طه: ٩٩].
وقال: ﴿فَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ ﴾
[ يوسف : ٣ ] .
خبر ذي القرنين
قال الله تعالى: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِّ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨) إِنَّا مَكَنَا لَهُ فِى الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن
كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا ﴿ فَأَنْبَعَ سَبَبًا (٨٦) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِثَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمَا قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَن
تُعَذِّبَ وَإِمَّ أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا ◌ِ﴾ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ, ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابَا تُكْرًا (٢﴾ وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن
فَلَمُ جَزَآءَ الْحُسْنَىّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرَّ ◌ِيّ ◌ِثُمَ أَنْعَ سَبَبًّا !
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّبْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِ مَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ
٩١
دُونِهَا سِتْرًّ ◌ِ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرَ (١) ثُمَ أَنْبَعَ سَبَبًّا (
يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٥) قَالُوْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجَا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَيْتَهُمْ سَدًّا (﴿ قَالَ مَا
مَكَّنِّى فِيهِ رَبِى خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (١٥)ءَ اتُوِ زُبَرَ الْحَدِيْدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ
نَارًا قَالَ ءَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (١) فَمَا أَسْطَ عُوْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَّعُوْ لَهُ نَقْبًا (١) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُرَبِّ
جَعَلَمُ ذَكَاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا ﴾ [ الكهف: ٨٣ -٩٨ ].
ذكر الله تعالى ذا القرنين هذا ، وأثنى عليه بالعدل ، وأنه بلغ المشارقَ والمغاربَ ، وملك الأقاليم ،
وقَهَرَ أهلها، وسار فيهم بالمَعْدِلة التامة ، والسلطان المؤيّد المظفّر المنصور القاهر المقسط .
والصحيح أنه كان ملِكاً من الملوك العادلين (٢)، وقيل: كان نبياً. وقيل: رسولا٣ً). وأغربَ من
في ب : الأمم الماضية .
(١)
(٢) هذا هو قول علي رضي الله عنه كما أورده السهيلي في الروض الأنف (٥٩/٢).
(٣) هذه الأقوال مفصلة في تفسير الطبري (٨/١٦)، وتفسير ابن كثير (١٠٠/٣)، والروض الأنف (٥٩/٢).

٣٠٧
خبر ذي القرنين
قال: ملكا١) من الملائكة. وقد حُكي هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فإنه سمع رجلاً يقول
لآخر : يا ذا القرنين ، فقال : مَهْ! ما كفاكم أن تتسمَّوا بأسماء الأنبياء حتى تسمَّيتم بأسماء الملائكة .
ذكره السهيلي (٢).
وقد رَوَى وكيعٌ ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو قال : كان
ذو القرنين نبياً .
وروَى الحافظُ ابنُ عساكر من حديث أبي محمد بن أبي نصر ، عن أبي إسحاق بن إبراهيم بن
محمد بن أبي ذؤيب ، حدّثنا محمد بن حماد ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن أبي ذئب ، عن
المَقْبُري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َّهِ: (( لا أدري أَتْبَعُ كانَ لَعِيناً أمْ لَا، ولا أدري الحدُودُ
كَفَّاراتٌ لأَهْلِها أم لا ، ولا أدري ذو القرنين نبياً كان أم لا)(٣) .
وهذا غريب من هذا الوجه .
وقال إسحاق بن بشر ، عن عثمان بن السَّاج ، عن خُصَيْف(٤) ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : كان
ذو القرنين مَلِكا صالحاً ، رضي الله عملَه، وأثنى عليه في كتابه ، وكان منصوراً ، وكان الخضِر وزيره .
وذكروا أن الخضر عليه السلام كان على مقدمة جيشه ، وكان عنده بمنزلة المشاور الذي هو من الملك
بمنزلة الوزير في اصطلاح الناس اليوم .
وقد ذكر الأزرقي وغيره أن ذا القرنين أسلم على يدي إبراهيم الخليل ، وطاف معه بالكعبة المكرمة
هو وإسماعيل عليه السلام .
وروي عن عُبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما أن ذا القرنين حجَّ ماشياً ، وأن إبراهيم لما سمع
بقدومه تلقّاه ودعاله ووصًاه(٥) ، وأن الله سخّر(٦) لذي القرنين السحابَ يحمله (٧) حيث أراد. والله أعلم .
(١) في ب : كان ملكاً .
(٢)
الروض الأنف (٢ /٦٠).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٧٤)، في السنة، باب في التخيير بين الأنبياء باختصار وفيه ((عزير)) بدلًا من ذي القرنين .
وهو في مختصر تاريخ دمشق ( ٢١٥/٨) .
(٤) هو خُصَيْف بن عبد الرحمن ، أبو عون الخِضْرِمي ، الأموي ، مولاهم الجزري الحرّاني، رمي بالإرجاء ، وفيه
كلام . توفي سنة سبع وثلاثين ومئة ، وقيل غير ذلك . سير أعلام النبلاء (٦/ ١٤٥) .
(٥) في ط : ورضاه . وفيها تحريف وتصحيف .
(٦) في ب : يسخر .
(٧) في ب : السحابة تحمله .

٣٠٨
خبر ذي القرنين
واختلفوا في السبب الذي سُمِّ به ذا القرنين . فقيل : لأنه كان له في رأسه شبه القرنين . قال
وهب بن منبه : كان له قرنان من نحاس في رأسه، وهذا ضعيف؛ [ قال }١) : وقال بعض أهل الكتاب :
لأنه ملك فارس والروم .
وقيل : لأنه بلغ قرني الشمس غرباً وشرقاً ، وملك ما بينهما من الأرض . وهذا أشبه من غيره ، وهو
قول الزهري(٢) .
وقال الحسن البصري : كانت له غديرتان من شعر يطأ فيهما ، فسمي ذا القرنين .
وقال إسحاق بن بشر ، عن عبد الله بن زياد بن سمعان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدّه
أنّه قال : دعا ملكاً جباراً إلى الله فضربه على قرنه فكسره ورضّه . ثمّ دعاه فدقّ قرنه الثاني فكسره ، فسُمّي
ذا القرنين .
وروى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطُّفيل ، عن علي بن أبي طالب أنه سُئِل عن ذي
القرنين فقال : كان عبداً ناصحَ الله(٣) فناصَحَه ، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات ، فأحياه الله
فدعا قومَه إلى الله ، فضربوه على قرنه الآخر فمات ، فسُمّي ذا القرنين .
وهكذا رواه شعبة عن القاسم(٤) بن أبي بَزَّة ، عن أبي الطفيل ، عن علي ، به .
وفي بعض الروايات عن أبي الطفيل ، عن علي قال : لم يكن نبياً ولا رسولًا ولا مَلِكاً ، ولكن كان
عبداً صالحاً(٥) .
وقد اختُلِف في اسمه : فروى الزبير بن بكّار ، عن ابن عباس : كان اسمه عبد الله بن الضحاك بن
معد(٦).
وقيل : مصعب(٧) بن عبد الله بن قَنّان بن منصور بن عبد الله بن الأزد بن غَوث(٨) بن نبت بن مالك بن
زيد بن كهلان بن سبأ بن قحطان .
(٢)
(١) زيادة يستوجبها الكلام وهي مثبتة في تفسيره (٣/ ١٠٠ - ١٠١). وتفسير الطبري (٨/١٦).
الروض الأنف ( ٥٩/٢ ) .
في ب : ناصحاً إلى الله. والخبر في الروض الأنف (٥٩/٢).
(٣)
(٤)
زيادة من ب . والخبر في تفسير الطبري (٨/١٦) بهذا السند.
(٥)
الروض الأنف ( ٥٩/٢ ) .
الروض الأنف (٢ / ٦٠ ).
(٦)
في المحبر ( ٣٦٥) : الصعب بن قرين .
(٧)
(٨) في ط : عون.

٣٠٩
خبر ذي القرنين
وقد جاء في حديث أنه كان من حمير ، وأمه رومية (١) ، وأنه كان يقال له : ابن الفيلسوف ؛ لعقله.
وقد أنشد بعض الحميريين في ذلك شعراً يفخر(٢) بكونه أحد أجداده فقال: [من الكامل ]
مَلِكاً تدين له الملوكُ وتَحْشِدُ
قَد كانَ ذو القرنَيَّنِ جَدّي مُسْلماً
أسبابَ أمرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدٍ
بلغَ المشارقَ والمغاربَ يَبتغي
في عيْنِ ذِي خُلْبٍ وَثَأْطِ حِزْمِدِ(٣)
فرأى مغيبَ الشّمسِ عندَ غُروبها
مِن بعدِهِ بلقيسُ كانتْ عمّتي «مَلَكَتُهُمُ حتّى أتاها الهدهدُ(٤)
قال السهيلي : وقيل كان اسمه مرزبان بن مَرْذَبة(٥) . ذكره ابن هشام. وذكر ابن هشام في موضع آخر
أن اسمه الصعب بن ذي مرائد ، وهو أول التبابعة ، وهو الذي حكم لإبراهيم(٦) في بئر السبع .
وقيل : إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضخَّاك ، وفي خطبة قُس : يا معشر إياد بن الصعب ، ذو
القرنين ، ملك الخافقين ، وأذل الثقلين ، وعمر ألفين. ثم كان ذلك كلحظة عين(٧) ، ثم أنشد ابن هشام
للبيد(٨): [من الكامل ]
والصّعبُ ذو القَرنَيْنِ أصبحَ ثاوياً بالحنوِ فِي جَدَثٍ - أُميم - مقيم(٩)
وذكر الدار قطني وابن ماكولا أن اسمه هرمس ، ويقال : هرويس بن قيطون بن رومى بن لنطى بن
كشلوخين بن يونالُ(١٠) بن يافث بن نوح ، فالله أعلم .
(١) تاريخ الطبري (٥٧٤/١) وفي الروض الأنف (٥٩/٢): وكانت أمه زنجية.
(٢) في ط: يفتخر. والقائل هو تبع أبو كرب كما في التيجان ١٢ ( ص١٢١) والنص من قصيدة طويلة في التيجان
(١٢١ - ١٢٤). وثمة بعض خلاف في رواية الشعر، ولم يرد البيت الأخير (الهدهد) فيها . وهو مختلف الروي
ولعله من قصيدة ثانية .
(٣) الخُلْب: الطين والحمأة، والثأط: كذلك . والحِزْمِد : الطين الأسود.
(٤) في ب : من بعد بلقيس وكانت عمتي .
(٥) في ط : مرزبة ، بالزاي . والذي في الروض الأنف ( ٥٩/٢ ) : ايمه مرزبي بن مرذبة بذال مفتوحة اسم أبيه وزاي
في اسمه .
الروض الأنف (٥٩/٢ ).
(٦)
(٧) المصدر السابق .
(٨) نسب ابن هشام البيت للأعشى، وكذلك نقله عنه السهيلي في الروض الأنف (٥٩/٢)، وابن كثير، هنا. والبيت
ليس في ديوان الأعشى ( تح. محمد محمد حسين ) . وهو للبيد في ديوانه (ص ١٠٩ ) . من قصيدة مطلعها :
سفهاً عذلتِ وقلت غيرَ مليم وبُكاك قِدْماً غيرُ جِدِّ حكيمٍ
(٩) في ط : أشم مقيما .. وهو خطأ . وأميم مرخم أميمة . والحنو: موضع .
(١٠) ليست في ب .

٣١٠
خبر ذي القرنين
وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة قال : اسكندر هو ذو القرنين ، وأبوه أول
القياصرة ، وكان من ولد سام بن نوح عليه السلام(١) .
فأما ذو القرنين الثاني ، فهو اسكندر بن فيلبس بن مصريم بن هرمس بن هردس(٢) بن ميطون بن
رومي بن لنطى بن يونان بن يافث بن يونة بن شرخون بن رومة بن شرفط بن توفيل بن رومي بن الأصفر بن
يقز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - كذا نسبه الحافظ ابن عساكر في (( تاريخه(٣) - المقدوني
اليوناني المصري باني إسكندرية الذي يؤرخ بأيامه الروم ، وكان متأخراً عن الأول بدهرٍ طويلٍ كان هذا
متأخرا٤ً) قبل المسيح بنحو من ثلاثمئة سنة ، وكان أرطاطاليس الفيلسوف وزيره ، وهو الذي قتل دارا بن
دارا وأذلّ ملوك الفرس وأوطأ أرضهم .
وإنما نَّهنا عليه لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحد ، وأن المذكور في القرآن هو الذي كان
أرطاطاليس وزيره ، فيقع بسبب ذلك خطأ كبير ، وفساد عريض طويل كثير ، فإنّ الأول كان عبداً مؤمناً
صالحاً ، وملِكاً عادلا ، وكان وزيره الخضر ، وقد كان نبياً ، على ما قررناه قبل هذا .
وأما الثاني فكان مشركاً ، وكان وزيره فيلسوفاً ، وقد كان بين زمانيهما أزيد من ألفي سنة . فأين هذا
من هذا! لا يستويان ولا يشتبهان إلا على غبيٍّ لا يعرف حقائق الأمور. فقوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِى
اَلْقَرْنَيْنِّ﴾ كان سببه أن قريشاً سألوا اليهود عن شيء يمتحنون به علم رسول الله وَّر فقالوا لهم: سلوه عن
رجل طوَّافٍ في الأرض ، وعن فتية خرجوا لا يُدرَى ما فعلوا ، فأنزل الله تعالى قصّة أصحاب الكهف
وقصّة ذي القرنين(٥). ولهذا قال ﴿قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي من خبره وشأنه، ﴿ذِكْرًا﴾ أي
خبراً نافعاً كافياً في تعريف أمره وشرح حاله ، فقال: ﴿ إِنَّا مَكَنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَءَانَيْنَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا ﴾ أي
وسَّعْنا مملكته في البلاد، وأعطيناه(٦) من آلات المملكة ما يستعين به على تحصيل ما يحاوله من المهمّات
العظيمة والمقاصد الجسيمة .
قال قتيبة ، عن أبي عَوَانة ، عن سِماك ، عن حَبيب بن حماد ، قال : كنت عند علي بن أبي طالب ،
وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب ، فقال له : سُخِّرَ له السّحاب ، ومُدَّت له
الأسباب ، وبُسط له في النور . وقال : أَزيدُك؟ فسكت الرجلُ ، وسكت عليٍّ رضي الله عنه .
(١) مختصر تاريخ دمشق (٢١٣/٨).
(٢)
ليست في ط .
(٣)
تاريخ دمشق (٣٣٠/١٧) .
ليست في ط .
(٤)
وقيل إن الذين سألوه هم اليهود. تفسير الطبري (١٦ / ٧) وأسباب النزول للواحدي (٢٢٥).
(٥)
(٦) في ب : وآتيناه .

٣١١
خبر ذي القرنين
وعن أبي إسحاق السَّبِيعي ، عن عمرو بن عبد الله الوادعي ، سمعت معاوية يقول : ملك الأرض
أربعة : سليمان بن داود النبي عليهما السلام ، وذو القرنين ، ورجلٌ من أهل حلوان ، ورجلٌ آخر . فقيل
له : الخضر ؟ قال : لأ١) .
وقال الزبير بن بكار : حدثني إبراهيم بن المنذر ، عن محمد بن الضحاك ، عن أبيه ، عن سفيان
الثوري قال : بلغني أنه مَلك الأرضَ كلَّها أربعة : مؤمنان وكافران ، سليمان النبي، وذو القرنين ،
ونُمرود ، وبخت نصَّرُ(٢) . وهكذا قال سعيد بن بشير سواء .
وقال إسحاق بن بشر ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن الحسن قال : كان ذو القرنين ملك
بعد النمرود ، وكان من قصته أنّه كان رجلاً مسلماً صالحاً ، أتى المشرق والمغرب ، مدّ الله له في
الأجل ، ونصره حتى قهر البلاد واحتوى على الأموال ، وفتح المدائن ، وقتل الرجال ، وجال في البلاد
والقلاع، فسار حتى أتى المشرق والمغرب، فذلك قول الله: ﴿ وَيَسْتَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُمْ
مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي خبراً ﴿ إِنَّ مَكَّنَّ لَهُ فِ الْأَرْضِ وَءَانَيْتَهُ مِن كُلِّ شَىْءٍ سَبَبًا﴾ أي: علماً بطلب أسباب المنازل .
قال إسحاق : وزعم مُقاتل أنّه كان يفتح المدائن ويجمع الكنوز، فمن اتبعه على دينه وشايعه (٣) عليه
وإلا قتله (٤) .
وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبير وعِكرمة وعُبيد بن يعلى والسُّدِّي وقتادة والضحاك :
وَءَانَيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبًا﴾ يعني علما٥ً) .
وقال قتادة ومَطَر الورَّاقُ(٦) : معالم الأرض ، ومنازلها ، وأعلامها ، وآثارها .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني تعليم الألسنة ، كان لا يغزو قوماً إلا حدّثهم بلغتهم .
والصحيح أنه يعمُ(٧) كلّ سبب يتوصّل به إلى نيل مقصوده في المملكة وغيرها ، فإنه كان يأخذ من كلّ
إقليم من الأمتعة والمطاعم والزاد ما يكفيه ويعينه على أهل الإقليم الآخر .
(١) مختصر تاريخ دمشق (٢١٥/٨).
(٢) المصدر السابق .
(٣)
في ب : وسار معه ، وفي ط : وتابعه .
(٤)
مختصر تاريخ دمشق ( ٢١٧/٨) .
(٥)
تفسير الطبري (٨/١٦ -٩).
في ب ومطرف . وكذلك هو في تفسير ابن كثير ( ١٠١/٣ ).
(٦)
ومطر بن طهمان الوراق السلمي مات سنة (١٢٥ هـ). تقريب التهذيب (٢/ ٢٥٢).
(٧) في ب : تعلم .

٣١٢
خبر ذي القرنين
وذكر بعض أهل الكتاب أنه مكث ألفاً وستمئة سنة يجوب الأرض ويدعو أهلها إلى عبادة الله وحده
لا شريك له ، وفي كلّ هذه المدّة نظر . والله أعلم .
وقد روى البيهقي ، وابن عساكر حديثاً متعلّقا بقوله ﴿ وَءَانَّيْنَهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَيِّبًا﴾ مطولاً جداً، وهو
منكر جداً. وفي إسناده محمد بن يونس الكُدَيْمي، وهو مُتَّهمُ(١) فلهذا لم نكتبه لسقوطه عندنا. والله
أعلم .
وقوله : ﴿ فَأَنْبَعَ سَبَبًا﴾ أي طَرِيقاً ﴿ حَتَّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ يعني من الأرض، انتهى إلى حيث
لا يمكن أحداً أن يجاوزه ووقف على حافة البحر المحيط الغربي الذي يقال له : أوقيانوس الذي فيه
الجزائر المسماة بالخالدات التي هي مبتدأ الأطوال على أحد قولي أرباب الهيئة ، والثاني من ساحل هذا
البحر كما قدّمنا. وعنده شاهد مغيب الشمس فيما رآه بالنسبة إلى مشاهدته ﴿تَغْرُبُ فِ عَيْنٍ حَمنَةٍ ﴾
والمراد بها البحر في نظره ، فإن من كان في البحر أو على ساحله يرى الشمسَ كأنها تطلع من البحر
وتغرب فيه ، ولهذا قال : ﴿وَجَدَهَا﴾ أي في نظره، ولم يقل: فإذا هي تغرب في عين حمئةٍ، أي ذات
حمأة. قال كعب الأحبار(٢): وهو الطين الأسود. وقرأه بعضهم ﴿حامية(٣) . فقيل: يرجع إلى
الأول ، وقيل من الحرارة ، وذلك من شدة المقابلة لوهج ضوء الشمس وشعاعها .
وقد روى الإمام أحمد(٤) ، عن يزيد بن هارون ، عن العوَّام بن حَوْشَب ، حدثني مولى لعبد الله بن
عمرو ، عن عبد الله قال: نظر رسول الله وَله: إلى الشمس حين غابت فقال: ((في نار الله الحامية، لولا
ما يَزَعُها من أمر الله لأخْرقَتْ ما على الأرض)) فيه غرابة، وفيه رجل مُبهم لم يُسَمَّ ، ورفْعُه فيه نظر ، وقد
يكون موقوفاً من كلام عبد الله بن عمرو ، فإنه أصاب يوم اليرموك زامِلتين من كتب المتقدّمين ، فكان
يحدِّث منها°) . والله أعلم .
ومن زعم من القصاص أن ذا القرنين جاوز مغرب الشمس وصار يمشي بجيوشه في ظلمات مُدداً
طويلة فقد أخطأ وأبعدَ النجعة . وقال ما يخالف العقل والنقل .
*
ترجمته في المجروحين والضعفاء (٢/ ٣١٢) وفيه: ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث .
(١)
(٢)
زيادة من ط .
هي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وأبي بكر. حجة القراءات لابن زنجلة : ( ٤٢٨ - ٤٢٩)، وتفسير الطبري
(٣)
( ٩/١٦ ) .
(٤) المسند (٢ / ٢٠٧).
(٥) في ب : منهما .

٣١٣
طلب ذي القرنين عين الحياة
[ بَيان طلب ذي القرنين عين الحياة }(١)
وقد ذكر ابن عساكر(٢) من طريق وكيع ، عن أبيه ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبي جعفر الباقر ،
عن أبيه زين العابدين خبراً مطولاً جداً فيه أن ذا القرنين كان له صاحب من الملائكة يقال له : رناقيل (٣)،
فسأله ذو القرنين : هل تعلم في الأرض عيناً يقال لها : عين الحياة ؟ فذكر له صِفةً مكانها . فذهب
ذو القرنين في طلبها ، وجعل الخَضِرَ على مقدّمته، فانتهى الخضِر إليها في وادٍ في أرض الظلمات ،
فشرب منها ، ولم يهتد ذو القرنين إليها .
وذكر اجتماع ذي القرنين ببعض الملائكة في قصرٍ هناك ، وأنه أعطاه حجراً ، فلما رَجَع إلى جيشه
سأل العلماءَ عنه ، فوضعوه في كِفَّة ميزان ، وجعلوا في مقابلته(٤) ألف حجر مثله فوزنها ، حتى سأل
الخضرَ ، فوضع قباله حجراً وجعل عليه حفنة من تراب فرجح به(٥) ، وقال : هذا مَثَلُ ابن آدم لا يشبع
حتى يوارى بالتراب ، فسجد له العلماء تكريماً له وإعظاماً . والله أعلم .
ثمّ ذكر تعالى أنه حكَّمه في تلك الناحية ﴿ قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّ أَنْ نَنَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا ﴾ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَمَ
فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ، فَيُعَذِّبُ عَذَابًا تُّكْرًا﴾ [ الكهف: ٨٦ -٨٧] أي فيجتمع عليه عذاب الدنيا والآخرة ، وبدأ
بعذاب الدنيا لأنه أزجَرُ عند الكافر. ﴿وَأَمَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَهُ جَزَآءَ الْحُسْنَّ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ فبدأ
بالأهَمِّ وهو ثواب الآخرة ، وعطف عليه الإحسان منه إليه ، وهذا هو العدل والعلم والإيمان ، قال
الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْعَ سَبَبًّا﴾ أي سَلك طريقاً راجعاً من المغرب إلى المشرق ، فيقال : إنه رجع في ثنتي
عشرة٦) سنة ﴿ حََّ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطَّلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرً﴾ أي: لَيْسَ لَهُم بُيُؤْتٌ
ولا أكْناٌ(٧) يَسْتَتِرُونَ بها من حرّ الشمس . قال كثيرٌ من العلماء(٨): ولكن كانوا يأوون إذا اشتد عليهم
الحَرُّ إلى أسراب قد اتخذوها في الأرض شبهَ القبور. قال الله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرً ﴾ أي
ونحن نعلم ما هو عليه ونحفظه ونكلَؤه بحراستنا في مسيره ذلك كلّه من مغارب الأرض إلى مشارقها .
وقد رُوي عن عُبيد بن عمير وابنه عبد الله وغيرهما من السلف أن ذا القرنين حجَّ ماشياً ، فلما سمع
(١) زيادة من ط . ومن حاشية الأصل.
(٢)
مختصر تاريخ دمشق ( ٢٢٠/٨ - ٢٢٤) .
في مختصر تاريخ دمشق: زيافيل . وكذلك هو في الروض الأنف (٥٩/٢).
(٣)
(٤)
زيادة من ب وط .
(٥)
في ب : فرجحته .
في ط : عشر، وهو خطأ . والقول منسوب إلى سعيد بن جبير في مختصر تاريخ دمشق (٢١٧/٨).
(٦)
(٧)
الكِنّ والكِنان: البيت ، وما يقي ويستر ، جمعه : أكنان وأكِنَّة .
تفسير الطبري ( ١٦ / ١٢ ).
(٨)

٣١٤
طلب ذي القرنين عين الحياة
إبراهيمُ الخليل بقدومه تلقّاه ، فلما اجتمعا دعا له الخليل ، ووصّاه بوصايا ، ويقال : إنه جيء بفرس
ليركبها فقال: لا أركبُ في بلد فيه الخليل، فسخَّر اللهُ له السحابَ ، وبشّره إبراهيم بذلك ، فكانت
تحمله إذا أراد (١) .
وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْبَعَ سَبَبًا (١) حَتّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السََّّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ﴾ يعني
غُشما . يُقال : إنهم هم التُّركُ أبناء عم يأجوج ومأجوج ، فذكروا له أن هاتين القبيلتين قد تعدوا عليهم
وأفسدوا في بلادهم وقطعوا السُّبُل عليهم ، وبذلوا له حَمْلا ، وهو الخراج ( على أن يقيم بينهم وبينهم
حاجزاً يمنعهم من الوصول إليهم فامتنع من أخذ الخراج)(٢) اكتفاءً بما أعطاه الله تعالى من الأموال
الجزيلة .
قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ ﴾ ثمّ طلب منهم أن يجمعوا له رجالاً وآلاتٍ ليبني بينهم وبينهم سداً، وهو
الردم بين الجبلين ، وكانوا لا يستطيعون الخروج إليهم إلا من بينهما ، وبقية ذلك بحارٌ مُغرِقة وجبالٌ
شاهقةٌ ، فبناه كما قال الله تعالى من الحديد والقَطر ، وهو النحاس المذاب ، وقيل : الرصاص ،
والصحيح الأول، فجعل بَدَل اللَّبِن حديداً، وبدلَ الطِّين نحاساً، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَمَا أَسْطَعُواْ أَن
يَظْهَرُوهُ﴾ أي يَعلو عليه بسلالم ولا غيرها ﴿ وَمَا اُسَتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ أي بمعاول ولا فؤوس ولا غيرها،
فقابل الأسهلَ بالأسهل ، والأشد بالأشد .
قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِىّ﴾ أي: قَدَّرَ اللهُ وجودَه ليكون رحمةً منه بعباده أن يمنع بسببه عدوان هؤلاء القوم
على مَن جاورهم في تلك المحلة ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُرَبٍِ﴾ أي: الوقت الذي قدّر خروجهم على الناس في آخر
الزمان ﴿ جَعَلَهُ ذَكََّ﴾ أي: مُساوياً للأرض، ولا بد من كون هذا، ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبٍ حَقًّا ﴾.
كما قال تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوبُ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴿ وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ﴾
الآية [ الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]. ولذا قال هاهنا: ﴿﴿ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ يَعني يوم فتح السدِّ على
الصحيح(٣) ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ تَجَمَعْنَهُمْ جَمْعًا ﴾.
وقد أوردنا الأحاديث المرويّة في خروج يأجوج ومأجوج في (( التفسير)(٤) ، وسنوردها إن شاء الله
في كتاب الفتن والملاحم من كتابنا هذا إذا انتهينا إليه بحول الله وقوته وحسن توفيقه ومعونته وهدايته(٥).
(١) مختصر تاريخ دمشق (٢١٧/٨).
(٢) سقطت من ب بنقلة عين .
(٣) عند الطبري أقوال متعددة في تفسير هذه الآية، تفسيره (٢٣/١٦ - ٢٥).
(٤) تفسير ابن كثير ( ١٩٥/٣)، عند تفسير قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿حَقَّى إِذَا فُتِحَثْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوعُ وَهُم مِّن
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.
(٥) زاد في ب : وإنه المستعان.

٣١٥
طلب ذي القرنين عين الحياة
قال أبو داود الطيالسي ، عن الثوري : بلغنا أن أَوَّلَ من صافح ذو القرنين(١) .
وروي عن كعب الأحبار أنه قال لمعاوية : إن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمَّه إذا هو مات أن
تصنع طعاماً وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثَكْلَى فلا تأكل منه
شيئاً ، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدَها فيه ، فقالت لهن : سبحان الله كلكنَّ ثَكْلى؟ فقلن : إي
والله ما منا ( إلا من أثكَلتْ . فكان ذلك تسلية لأمه (٢) .
وذكر إسحاق بن بشر عن عبد الله بن زياد عن بعض أهل الكتاب وصية ذي القرنين وموعظة أمه موعظة
بليغة طويلة ، فيها حكم وأمور نافعة ، وأنه مات وعمره ثلاثة آلاف سنة . وهذا غريب .
قال ابن عساكر(٣) : وبلغني من وجه آخر أنه عاش ستاً وثلاثين سنةً . ( وقيل كان عمره ثنتين وثلاثين
سنة . وكان بعد داود بسبعمئة سنة وأربعين سنة (٤) . وكان بعد آدم بخمسة آلاف ومئة وإحدى وثمانين
سنة. وكان ملكه ست عشرة سنة(٥) . وهذا الذي ذكره إنما ينطبق على الإسكندر الثاني لا الأول ، وقد
خلط في أول الترجمة وآخرها بينهما ، والصواب التفرقة كما ذكرنا اقتداءً بجماعة من الحفّاظ . والله
أعلم .
وممن جعلهما واحداً الإمام عبد الملك بن هشام راوي السيرة٦) ، وقد أنكر ذلك عليه الحافظ
أبو القاسم السُّهيلي(٧) ، رحمه الله، إنكاراً بليغاً، ورد قوله رداً شنيعاً ، وفرّق بينهما تفريقاً جيداً كما
قدمنا ، قال : ولعل جماعة من الملوك المتقدمين تسمّوا بذي القرنين تشبُّهاً بالأول . والله أعلم .
(١). مختصر تاريخ دمشق (٢٢٩/٨).
(٢) سقطت من ب. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٢٩/٨).
(٣) مختصر تاريخ دمشق (٢٢٩/٨).
(٤) سقطت من ب بنقلة عين .
مختصر تاريخ دمشق ( ٢٢٩/٨).
(٥)
(٦) السيرة (٣٠٧/١).
(٧) الروض الأنف (٥٩/٢).

٣١٦
ذكر أُمَتيْ يأجوج ومأجوج
ذكر أُمَّتَيْ بأجوج ومأجوج
وصفاتهم وما ورد من أخبارهم وصفة السد
هم من ذرية آدم بلا خلاف نعلمه، ثمّ الدليل على ذلك ما ثبت في « الصحيحين (١) من طريق
الأعمش، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَ له: «يقول اللهُ تعالى يومَ القيامة: يا آدمُ
قُمْ فَابْعثْ بَعْثَ النارِ من ذُرَيّتك . فيقولُ : يا ربِّ وما بعْثُ النار؟ فيقولُ: من كُلِّ ألفٍ تسعمئةٍ وتسعةٌ
وتسعونَ إلى النارِ ، وواحدٌ إلى الجنة، فحينئذٍ يَشيبُ الصغيرُ، وتَضَعُ كلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها، وتَرَى
النَّاسَ سُكَارى وما هُمْ بِسُكَارى ولكِنَّ عذابَ اللهِ شَدِيْدٌ. قالوا: يا رسول الله أيُّنا ذلك الواحدُ ؟ فقال
رسول الله وَلل: أبشروا فإن منكم واحداً، ومن يأجوج ومأجوج ألفاً)). وفي رواية: فقال: ((أبشروا فإن
فيكم أُمَّتين ما كانتا في شيء إلا كثَّرتاه)) أي غلبتاه كثرةً ، وهذا يدلّ على كثرتهم ، وأنهم أضعاف الناس
مراراً عديدة .
ثمّ هم من ذرية نوح ، لأن الله تعالى أخبر أنه استجاب لعبده نوح في دعائه على أهل الأرض بقوله :
◌ِ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ﴾
[ العنكبوت: ١٥]. وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧].
وتقدمُ(٢) في الحديث المروي في ((المسند (٣) و((السنن (٤) أن نوحاً وُلد له ثلاثة ، وهم سام،
وحام ويافث ، فسام أبو العرب ، وحام أبو السودان ، ويافث أبو الترك . فيأجوج ومأجوج طائفةٌ من الترك
وهم مثل(٥) المغول ، وهم أشدّ بأساً وأكثر فساداً من هؤلاء ، ونسبتهم إليهم كنسبة هؤلاء إلى غيرهم .
وقد قيل : إن الترك إنما سموا بذلك حين بنى ذو القرنين السدَّ وألجأ يأجوج ومأجوج إلى ما وراءه ،
فبقيت منهم طائفة لم يكن عندهم كفسادهم فتركو(٦) من ورائه . فلهذا قيل لهم الترك .
(١) في البخاري رقم (٤٧٤١)، في التفسير، باب تفسير قوله تعالى: ﴿ وَتَّرَى النَّاسَ سُكَرَى﴾، ومسلم (٣٧٩)،
في الإيمان، باب قوله: ((يقول الله لآدم: أخرج بعث النار من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين)).
(٢)
في الجزء الأول من هذا الكتاب ، في قصة نوح عليه السلام .
(٣)
مسند أحمد (٩/٥ ١١)، من طريق سَمُرة بن جندب عن رسول الله اَله .
الترمذي ، رقم (٣٢٣٠) و(٣٢٣١) في التفسير ، باب ومن سورة الصافات ، رقم (٣٩٣١) في المناقب ، باب
(٤)
مناقب في فضل العرب ، وحسّنه الترمذي ، وإسناده ضعيف .
(٥)
كذا في ب وهو أشبه بالصواب . وفي أوط : مغل .
في ب : فنزلوا . وهو تصحيف وتحريف .
(٦)

٣١٧
ذكر أُمَّتَيْ يأجوج ومأجوج
ومن زعم أن يأجوج ومأجوج خُلقوا من نطفة آدم حين احتلم ، فاختلطت بترابٍ ، فَخُلِقوا من ذلك ،
وأنهم ليسوا من حواء ، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النووي(١) في شرح مسلم وغيره ، وضَعَّفوه ، وهو
جدير بذلك ، إذ لا دليل عليه ، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص
القرآن .
وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جداً ؛ فمنهم من هو كالنخلة السحوق .
ومنهم من هو غاية في القصر . ومنهم من يفترش أذناً من أذنيه ويتغطى بالأخرى ، فكل هذه أقوال بلا دليل
ورجم بالغيب بغير برهان(٢) .
والصحيح أنهم من بني آدم، وعلى أشكالهم وصفاتهم. وقد قال النبي وَّه: ((إن الله خلق آدم
وطوله ستون ذراعاً ... ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتى الآن(٣) . وهذا فيصل في هذا الباب وغيره .
وما قيل من أن أحدهم لا يموت حتى يرى من ذريته ألفاً ، فإن صَحَّ في خبرٍ قُلنا به ، وإلا فلا نردُه ،
إذ يحتمله العقل ، والنقل أيضاً قد يرشد إليه . والله أعلم. بل قد ورد حديث مصرّح بذلك إن صَحَّ ، قال
الطبراني : حدّثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني ، حدّثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات ، حدّثنا
أبو داود الطيالسي ، حدّثنا المغيرة ، عن مسلم ، عن أبي إسحاق ، عن وهب بن جابر ، عن عبد الله بن
عمرو عن النبي ◌َّ قال: ((إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم ، ولو أُرْسِلوا لأفسدوا على الناس معايشهم ،
ولن يموتَ منهم رَجُلٌ إلّا تَرَكَ من ذُرّيته ألفاً فصاعداً ، وإن من ورائهم ثلاثَ أَمَم : تاويل وتاريس
ومنسك)) . وهو حديث غريب جداً وإسناده ضعيف . وفيه نكارة شديدة .
وأما الحديث الذي ذكره ابن جرير في ((تاريخه(٤) أن رسول الله وَ لل ذهب إليهم ليلة الإسراء فدعاهم
إلى الله فامتنعوا من إجابته ومتابعته ، وأنه دعا تلك الأمم التي هناك ( تارس وتاويل ومنسك ) فأجابوه فهو
حديث موضوع ، اختلقه أبو نعيم عمر بن الصبحُ(٥) أحد الكذَّابين الكبار الذين اعترفوا بوضع الحديث .
والله أعلم .
(١) نقله أيضاً ابن حجر في فتح الباري: ٣٨٦/٦ .
والنووي : هو يحيى بن شرف بن مري بن حسن الحزامي النووي الحوراني ، توفي سنة (٦٧٦هـ) وله مؤلفات
كثيرة . منها كتابه : المنهاج في شرح صحيح مسلم . وهو مطبوع .
(٢)
تفسير الطبري ( ١٦/١٦ ) .
الحديث بتمامه في البخاري : رقم ( ٦٢٢٧) في أول باب الاستئذان، ومسلم (٢٨٤١ ) ، في الجنة ، باب يدخل
(٣)
الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير .
(٤)
تاريخ الطبري (١/ ٧٠).
انظر تهذيب التهذيب ( ٧/ ٤٦٣ ).
(٥)

٣١٨
ذكر أُمْتَيُ يأجوج ومأجوج
فإن قيل : فكيف دلّ الحديث المتفق عليه أنهم فداء المؤمنين يوم القيامة ، وأنهم في النار ولم يُبعثْ
إليهم رُسُلٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (فالجواب أنهم
لا يُعذَّبون إلا بعد قيام الحجّة عليهم والإعذار إليهم كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى تَشْعَثَ
رَسُولًا﴾(١) فإن كانوا في زمن (٢) الذي قبل بعث(٣) محمد بَّ قد أتتهم رسلٌ منهم، فقد قامت على
أولئك الحجّة ، وإن لم يكن قد بعث الله إليهم رسُلاً، فهم في حكم أهل الفترة ، ومن لم تبلغه الدعوة ،
وقد دلَّ الحديث المرويُّ من طُرُق عن جماعة من الصحابة عن رسول الله بِّل أن من كان كذلك يُمتحَنُ في
عَرَصَات القيامةِ، فمن أجابَ الداعي دخَلَ الجَنَّةَ، ومن أبى دَخلَ النار . وقد أوردنا الحديث بطرقه(٤)
وألفاظه وكلام الأئمة عليه عند قوله: ﴿ وَمَا كُتَّأْمُعَذِّبِينَ حَتّى نَبَعَثَ رَسُولًا ﴾.
وقد حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري إجماعاً عن أهل السنة والجماعة ، وامتحانهم لا يقتضي
نجاتهم ولا ينافي الإخبار عنهم بأنهم من أهل النار ، لأن الله يُطلع رسوله ◌َّه على ما يشاء من أمر الغيب،
وقد أطلعه على أن هؤلاء من أهل الشقاء ، وأن سجاياهم تأبى قَبولَ الحق والانقياد له ، فهم لا يجيبون
الداعي إلى يوم القيامة ، فيُعلَم من هذا أنهم كانوا أشدّ تكذيباً للحق في الدنيا لو بلغهم فيها ، لأن في
عرصات القيامة ينقاد خلقٌ ممن كان مكذِّباً في الدنيا ، فإيقاع الإيمان هنالك لما يشاهد من الأهوال أولى
وأحرى منه في الدنيا ، والله أعلم .
كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَأَرْجِعْنَا نَعْمَلْ
صَلِحًا إِنَّامُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢]. وقال تعالى: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [ مريم: ٣٨]. وأما الحديث
الذي فيه أن رسول الله وَلّر دعاهم ليلة الإسراء فلم يُجِيبوا، فإنه حديث منكرٌ، بل موضوع، وضعه
عمر بن الصبح .
وأما السَّدُّ، فقد تقدّم أن ذا القرنين بناه من الحديد والنُّحاس ، وساوَى به الجبالَ الصمُ(٥) الشامخات
الطوال ، فلا يُعرفُ على وجه الأرض بناءٌ أجلّ منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم . قال البخاري :
وقال رجل للنبي وَلَهُ: رأيتُ السد. قال: ((وكَيْفَ رَأَيْتَهُ))؟ قالَ: مثل البُرْدِ المحبَّر. فقال: (( رأيته
هكذا)). ذكره البخاري(٦) معلقاً بصيغة الجزم، ولم أَرَه مُسْنَداً من وجه متصل أرتضيه ، غير أن ابن جرير
(١) سقطت من ب بنقلة عين .
(٢)
في ب الزمن .
(٣)
في ب : بعثة .
تفسير ابن كثير (٢٨/٣ - ٣٢).
(٤)
(٥)
في ب : الشم .
(٦) رواه البخاري (٦/ ٣٨١) في الأنبياء ، معلقاً أول باب قصة يأجوج ومأجوج.

٣١٩
ذكر أُمَتَيْ يأجوج ومأجوج
رواه في (( تفسيره(١) مرسَلاً فقال : حدّثنا بشر ، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال : ذُكر لنا أن
رجلاً قال: يا رسول الله قد رأيتُ سد يأجوج ومأجوج، قال: (( انعتْه لي)). قال: كالبُردِ المحبَّر طريقة
سواد وطريقة حمراء. قال: ((قد رأيته)).
وقد ذُكر أن الخليفة الواثق (٢) بعث رسلاً من جهته ، وكتب لهم كتباً إلى الملوك يوصلونهم من بلاد
إلى بلاد حتى ينتهوا إلى السد فيكشفوا عن خبره ، وينظروا كيف بناه ذو القرنين على أي صفة ؟ فلما
رجعوا أخبروا عن صفته وأن فيه باباً عظيماً ، وعليه أقفال، وأنه بناءٌ محكمٌ شاهقٌ منيفٌ جدّاً ، وأن بقية
اللَّبِن الحديد والآلات في برج هناك ، وذكروا أنه لا يزال هناك حرس لتلك الملوك المتاخمة لتلك البلاد ،
ومحلّته في شرقي الأرض في جهة الشمال في زاوية الأرض الشرقية الشمالية ، ويقال : إن بلادهم متسعة
جداً ، وإنهم يقتاتون بأصناف من المعايش من حراثة وزراعة واصطياد من البر ومن البحر ، وهم أمم
وخلق لا يعلم عدَدَهم إلا الذي خلقهم .
فإن قيل: فما الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَمَا أُسْطَعُواْ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسَتَطَعُوْ لَهُ نَقْبًا﴾ وبين الحديث
الذي رواه البخاري(٣) ومسلم(٤) عن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : استيقظ
رسول الله وَّ من نوم محمَّاً وجهه وهو يقول: ((لا إله إلا الله، ويلٌ لِلعربِ من شَرِّ قَدِ اقْتَربَ، فُتِحَ اليومَ
من ردمٍ يأجوج ومأجوج مثلُ هذه)) وحلّق تسعين(٥) . قلت : يا رسول الله ! أنهلك وفينا الصالحون ؟
قال : (( نعم إذا كَثُرَ الخَبَثُ )) .
وأخرجاه في (( الصحيحين)(٦) من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله وَ لٌ: ((فُتْحَ اليومَ من رَدْمٍ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه)) وعقد تسعين .
فالجواب : أما على قول من ذهب إلى أن هذا إشارة إلى فتح أبواب الشر والفِتن ، وأن هذا استعارة
محضة ، وضرْبُ مثلٍ ، فلا إشكال .
(١) تفسير الطبري (١٦/ ٢٠).
(٢) هو هارون بن محمد بن هارون الرشيد. ولي الخلافة سنة ٢٢٧ هـ وتوفي سنة ٢٣٢هـ.
(٣) صحيح البخاري رقم (٣٣٤٦) في الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج، ورقم ( ٣٥٩٨) في المناقب ، باب علامات
النبوة في الإسلام، ورقم (٥٢٩٣) في الطلاق باب الإشارة في الطلاق والأمور، ورقم (٧٠٥٩). في الفتن ،
باب قول النبي ◌َّ ويلٌ للعرب من شرِّقد اقترب، ورقم (٧١٣٥) باب يأجوج ومأجوج .
(٤) صحيح مسلم رقم ( ٢٨٨٠ ) في الفتن ، باب اقتراب الفتن .
(٥) قال ابن حجر في فتح الباري : عقد التسعين : أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضماً محكماً بحيث
تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة ( ١٠٨/١٣).
(٦) في البخاري رقم ( ٧١٣٦) في الفتن ، باب يأجوج ومأجوج .
ومسلم رقم (٢٨٨١) في الفتن ، باب اقتراب الفتن . واللفظ لمسلم .

٣٢٠
ذكر أُمَّتَيْ يأجوج ومأجوج
وأما على قول من جَعل ذلك إخباراً عن أمرٍ محسوس كما هو الظاهر المتبادر ، فلا إشكال أيضاً ، لأن
قوله: ﴿ فَمَا اسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أَسَتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا ﴾ أي: في ذلك الزمان ، لأن هذه صيغة خبر ماضٍ
فلا ينفي وقوعُه فيما يستقبل بإذن الله لهم في ذلك قدراً، وتسليطهم عليه بالتدريج قليلاً قليلاً حتى يتم
الأجل وينقضي الأمر المقدور فيخرجون كما قال الله تعالى: ﴿وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [ الأنبياء:
٩٦] ولكن الحديث الآخر أشكل من هذا ، وهو ما رواه الإمام أحمد في ((مسنده(١) قائلاً : حدّثنا رَوْح ،
حدّثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، حدّثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله وح له قال: ((إن
يأجوج ومأجوج ليَحْفِرُنَّ السدّ كلّ يومٍ حتى إذا كادوا يرونَ شعاعَ الشمسِ قالَ الذي عَلَيهم : ارجِعُوا
فستحفرونه غداً ، فيعودون إليه كأشد ما كان ، حتى إذا بلغت مدّتُهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس ،
حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاعَ الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرون غداً إن شاء الله ،
ويستثني ، فيعودون إليه وهو كهيئته يوم تركوه ، فيحفرونه ويخرجون على الناس ، فيستقول(٢) المياه
وتتحصن الناس منهم(٣) في حصونهم ، فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم ،
فيقولون : قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء ، فيبعث الله عليهم نغفا٤ً) في أقفائهم فيقتلهم بها )) ، قال
رسول الله وَ له: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده إن دوابَّ الأرض لتسمن وتشكر شكراً من لحومهم ودمائهم)).
رواه أحمد(٥) أيضاً عن حسن بن موسى عن سفيان عن قتادة .
وهكذا رواه ابن ماجه(٦) من حديث سعيد عن قتادة، إلا أنه قال: حدّث أبو رافع. ورواه الترمذي(٧)
من حديث أبي عوانة عن قتادة به ، ثم قال : غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
فقد أخبر في هذا الحديث أنهم كل يوم يلحسونه حتى يكادوا ينظرون(٨) شعاع الشمس من ورائه
لرقَّته ، فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظاً . وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار ، كما قاله بعضهم ،
فقد استرحنا من المؤونة ، وإن كان محفوظاً ، فيكون محمولاً على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان
(١) المسند (٢/ ٥١٠).
(٢) في المسند : فينشفون.
قوله : منهم ، زيادة من ب والمسند .
(٣)
النَّغَفُ : دودٌ يكون في أنوف الإبل والغنم ، واحدتها : نَغَفَةٌ . النهاية لابن الأثير .
(٤)
(٥)
المسند (٢/ ٥١١).
سنن ابن ماجه رقم (٤٠٨٠)، في الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، إسناده صحيح،
(٦)
ولكن في رفعه نكارة، ولعله من كلام كعب ، كما يعنيه المصنف وينظر التعليق على ابن حبان (١٤ / حديث ٦٨٢٩).
(٧) سنن الترمذي رقم ( ٣١٥٣) في تفسير القرآن ، باب ومن سورة الكهف .
(٨) في ط : ينذرون ..