Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام رب المنزل، وأعياهم أمرها ، فلما رأى عيسى - عليه السلام - ذلك عمد إلى رجل أعمى وآخر مُقْعَد من جُملة من هو منقطع إليه ، فقال للأعمى : احمل هذا المقعد وانهض به . فقال : إني لا أستطيع ذلك . فقال : بلى ، كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكُوَّة من الدار . فلما قال ذلك صدقاه فيما قال ، وأتيا بالمال ، فَعَظُم عيسى في أعين الناس وهو صغير جد(١). ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافةً للناس بسبب طهور أولاده ، فلما اجتمع الناس وأطعمهم ثمّ أراد أن يسقيهم شراباً ، يعني خمراً كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان ، لم يجد في جِراره شيئاً ، فشق ذلك عليه ، فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمرُّ على تلك الجرار ويمؤُ يَده على أفواهها ، فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شراباً من خيار الشراب . فتعجّب الناس من ذلك جداً وعظّموه وعرضوا عليه وعلى أمه مالاً جزيلاً فلم يقبلاه ، وارتحلا قاصدين(٢) بلاد بيت المقدس(٣) . والله أعلم . وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا عثمان بن ساج(٤) وغيره عن موسى بن وَرْدان، عن أبي نَضْرة ، عن أبي سعيدٍ ، وعن مكحول عن أبي هريرة قال: إن عيسى ابن مريم(٥) أول ما أطلق الله لسانه بعد الكلام الذي تكلّم به وهو طفل فمجّد الله تمجيداً لم تسمع الآذان بمثله ، لم يَدَع شمساً ولا قمراً ولاجبلاً ولا نهراً ولا عيناً إلا ذكره في تمجيده فقال: اللهم أنت القريب في علوّك، المتعال في دُنُوَّكَ ، الرفيع على كلّ شيءٍ من خلقك . أنت الذي خَلَقتَ سبعاً في الهواء بكلماتك ، مستوياتٍ طباقاً ، أجَبْنَ ، وهُنَّ دخانٌ من فَرَقك(٦) فَأَتَيْنَ طائعات لأمرك ، فيهن ملائكتُكَ يسبّحون قُدْسَك لتقديسك ، وجعلت فيهن نوراً على سواد الظلام وضياءً من ضوء الشمس بالنهار ، وجعلت فيهن الرعد المسبِّح بالحمد ، فبعزَّتك يجلو ضوءُ ظلمتك . وجعلت فيهن مصابيح يَهتدِي بهنّ في الظلمات الحيرانُ ، فتباركت اللهم في مفطور سماواتك ، وفيما دَحَوْتَ من أرضك . دحوتها على الماء فسمكتها على تيّار الموج الغامر ، فأذللتها إذلال التظاهر(٧) فذلَّ لطاعتك صعبها واستحيى لأمرك أمرُها ، وخضعت لعزتك أمواجُها، ففجَّرْتَ فيها بعد البحور الأنهار ، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار ، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار . ثمّ أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار ، ثمّ جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتاداً على ظهر الماء ، فأطاعت (١) أورد الطبري الخبرين أكثر تفصيلاً (١/ ٥٩٧ -٥٩٨). (٢) ليست في ب وط . الخبر في تاريخ الطبري ( ٥٩٨/١) . (٣) عثمان بن عمرو بن ساج ، وقد ينسب إلى جده . قال ابن حجر في التقريب (١٣/٢): فيه ضعف . (٤) (٥) ليست في ب . (٦) الفَرَق : الفزع . (٧) في ب : الموج المتغاير .... إذلال الماء المتظاهر. ٢٦٢ منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام أطوادها وجلمودها١) ، فتباركت اللهمّ، فمن يبلغ بنعْته نعتَك، أم من يبلغ بصفته صفتك، تنشىء(٢) السحاب ، وتفكُّ الرقاب ، وتقضي الحق وأنت خير الفاصلين . لا إله إلا أنت ، سبحانك أمرتَ أن نستغفر من كلّ ذنب ، لا إله إلا أنت ، سبحانك استترت بالسموات عن الناس . لا إله إلا أنت سبحانك إنما يخشاك من عبادك الأكياس . نشهد أنّك لست بإلّه استحدثناك ، ولا رب يبيد ذكره ، ولا كان معك شركاء يقضون معك فندعوهم ونَذَرُك(٣) ، ولا أعانك على خلقنا أحد فنشكّ فيك. نشهد أنك أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن لك كفواً أحد (٤). وقال إسحاقُ بن بشر، عن جويبر ، ومقاتلٌ عن الضحاك ، عن ابن عباس : إن عيسى ابن مريم أمسك عن الكلام بعد إذ كلّمهم طفلاً حتى بلغ ما يبلغ الغلمان ، ثم أنطقه الله بعد ذلك الحكمة(٥) والبيان ، فأكثر اليهودُ فيه وفي أمّه من القول ، وكانوا يسمّونه ابنَ البغيّة ، وذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] قال: فلما بلغ سبعَ سنين أسلمته أمّه في الكُتَّاب، فجعل لا يعلِّمه المعلِّم شيئاً إلا بَدَرَه إليه (٦)، فعلّمه ( أبا جاد) ، فقال عيسى : ما أبو جاد ؟ فقال المعلِّم : لا أدري . فقال عيسى : كيف تعلِّمني ما لا تدري ؟ فقال المعلِّم: إذاً فعلِّمني! فقال له عيسى : فقم من مجلسك . فقام ، فجلس عيسى محلّه ، فقال : سلني . فقال المعلِّم : ما أبو جاد؟ فقال عيسى: الألف آلاء الله. باء : بهاء الله. جيم(٧): بهجة الله وجماله(٨) . فَعجِب المعلِّم من ذلك، فكان أول من فسَّر أبا جاد(٩) . ثم ذكر أن عثمان سأل رسول الله وَل﴿ عن ذلك فأجابه على كلِّ كلمةٍ كلمة بحديث طويل موضوع لا يسأل ولا يتمادى(١٠) . وهكذا روى ابن عدي من حديث إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى عن ابن أبي مُلَيْكَة عمّن حَدَّثه، عن ابن مسعود ، وعن مِسْعَر بن كِدَام ، عن عطية ، عن أبي سعيدٍ ، رفع الحديث في دخول (١) في ب وجلمدها . والجلمد والجلمود : الصخر . (٢) في ب وط : تنشر . في ط : ولا كان معك شركاء فندعوهم ونذكرك . (٣) الدعاء في مختصر تاريخ ابن عساكر (٢٠/ ٩٠)، مختصراً. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة . (٤) في ب : بالحكمة ، وكذلك في مختصر ابن عساكر . (٥) (٦) يقال بدره الأمرَ ، وبدر إليه : إذا عَجِل إليه . (٨) في مختصر ابن عساكر : زاد في غيره : دال : الله الدائم . (٧) في ط : والباء . . والجيم . (٩) مختصر ابن عساكر: (٩٣/٢٠). (١٠) فى ب: لا يسأل فيه. والحديث أورده ابن عساكر. مختصره (٢٠/ ٩٣). ٢٦٣ منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام عيسى إلى الكُتَّاب وتعليمه المعلم معنى حروف أبي جاد ، وهو مطوّل لا يُفْرَحُ به (١). ثم قال ابن عدي : وهذا الحديث باطلٌ بهذا الإسناد ، لا يرويه غير إسماعيل . وروى ابن لَهِيْعَة عن عبد الله بن هبيرة قال : كان عبد الله بن عمرو يقول : كان عيسى بن مريم وهو غلامٌ يلعب مع الصبيان ، فكان يقول لأحدهم : تريد أن أخبرك ما خبأت لك أمك ؟ فيقول : نعم . فيقول : خبأت لك كذا وكذا . فيذهب الغلام منهم إلى أمه فيقول لها : أطعميني ما خبأت لي . فتقول : وأي شيءٍ خبأت لك ؟ فيقول : كذا وكذا . فتقول له : من أخبرك ؟ فيقول : عيسى ابن مريم . فقالوا : والله لئن تركتم هؤلاء الصبيان مع ابن مريم ليُفْسِدَنَّهم . فجمعوهم في بيتٍ وأغلقوا عليهم ، فخرج عيسى يلتمسهم ، فلم يجدهم ، فسمع ضوضاءهم في بيت ، فسأل عنهم ، فقالوا : إنما هؤلاء قردة وخنازير ، فقال : اللهم كذلك ، فكانوا كذلك . رواه ابن عساكر(٢). وقال إسحاق بن بشر عن جويبر ، ومقاتلٌ عن الضحاك عن ابن عباس قال : وكان عيسى يرى العجائب في صباه إلهاماً من الله ، ففشا ذلك في اليهود ، وترعرع عيسى ، فهمَّتْ به بنو إسرائيل ، فخافت أمّه عليه، فأوحى الله إلى أمّه أن تنطلق به إلى أرض مصر، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَحَعَلْنَا أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُءَايَةً وَءَاوَيْنَهُمَآ إِلَى رَبْوَقٍ ذَاتٍ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾(٣) [ المؤمنون: ٥٠]. وقد اختلف السلف والمفسرون في المراد بهذه ( الربوة ) التي ذكر الله من صفتها أنها ﴿ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾، وهذه صفةٌ غريبةُ الشكل ، وهي أنها ربوة، وهو المكان المرتفع من الأرض الذي أعلاه مستوٍ يقرُّ عليه وارتفاعه متسعٌ، ومع علوّه فيه عيون (٤) الماء ، (معين) وهو الجاري السارح على وجه الأرض ، فقيل : المراد المكان الذي وَلَدت فيه المسيح، وهو نخلة بيت المقدس ولهذا ﴿ فَنَادَتِهَا مِن تَّخِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، وهو النهر الصغير في قول جمهور السّلف(٥). وعن ابن عباس بإسناد جيد أنها أنهار دمشق [ فلعلّه أراد تشبيه ذلك المكان بأنهار دمشق ]٦) . وقيل ذلك بمصر كما زعمه من زعمه من أهل الكتاب ومن تلقَّاه عنهم والله أعلم . وقيل : هي الرملة (٧) . (١) أخرجه ابن عدي في ترجمة إسماعيل بن يحيى بن عبيد الله التيمي من الكامل (٢٩٩/١). (٢) مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ٩٢) . تاريخ الطبري (٥٩٧/١). ومختصر تاريخ دمشق (٢٠ /٩٤). (٣) (٤) في ب عين من الماء . في تفسير الطبري (١٦/ ٥٣). عدة آراء في تفسير ( السري). (٥) (٦) ليست في ب . (٧) أي: الربوة. تفسير الطبري (٢٠/١٨ - ٢١). ٢٦٤ منشأ عيسى ابن مريم عليهما السلام وقال إسحاق بن بشر: قال لنا إدريس ، عن جدّه وهب بن منبه قال : إن عيسى لما بلغ ثلاث عشرة سنة أمره الله أن يرجع من بلاد مصر إلى بيت إيليا ، قال : فقدم عليه يوسف ابن خال أمّه ، فحملهما على حمار حتى جاء بهما إلى إيليا ، وأقام بها حتى أحدث الله له الإنجيل ، وعلّمه التوراة ، وأعطاه إحياء الموتى وإبراء الأسقام ، والعلم بالغيوب مما يدَّخرون في بيوتهم ، وتحدّث الناس بقدومه ، وفزعوا لما كان يأتي من العجائب ، فجعلوا يعجبون منه ، فدعاهم إلى الله، ففشا فيهم أمره(١). (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٠ /٩٤). ٢٦٥ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها [ بَيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها ](١) قال(٢) أبو زرعة الدمشقي: حدّثنا عبد الله بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح عمّن حدّثه قال: أُنزلت التوراة على موسى في ست ليال خلون من شهر رمضان . ونزل الزبور على داود في اثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وكذلك بعد التوراة بأربع مئة سنة واثنتين وثمانين سنة ، وأنزل الإنجيل على عيسى ابن مريم في ثمانية عشرة ليلة خلت من رمضان . بعد الزبور بألف عام وخمسين عاماً . وأنزل الفرقان على محمد بَّرفي أربع وعشرين من شهر رمضان. وقد ذكرنا في ((التفسير (٣) عند قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [سورة البقرة: ١٨٥] الأحاديث الواردة في ذلك، وفيها أن الإنجيل أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام في ثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وذكر ابن جرير في (( تأريخه (٤) أنه أنزل عليه وهو ابن ثلاثين سنةً ، ومكث حتى رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وقال إسحاق بن بشر: وأخبرنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، ومقاتلٌ عن قتادة ، عن عبد الرحمن بن آدم ، عن أبي هريرة قال : أوحى الله عزّ وجل إلى عيسى ابن مريم : يا عيسى جُدَّ في أمري ولا تَهِن ، واسمع وأطع . يا ابن الطاهرة البِكر البَتُوْل إنك من غير فحل ، وأنا خلقتك آيةً للعالمين ، إياي فاعبد ، وعليَّ فتوكل ، خُذِ الكتاب بقوة، فَسِّر لأهل السريانية (٥) بلِّغ من بين يديك أني أنا الحق (٦) الحي القائم الذي لا أزول. صَدِّقوا النبيَّ الأميَّ العربيَّ صاحبَ الجملِ والتّاجِ - وهي العمامةُ(٧) - والمِدْرَعة٨ُ) والنعلين والهِراوة - وهي القضيب - الأنجل٩ّ) العينين، الصلتَ الجبِينُ(١) ، الواضحَ الخدّين، الجعدَ الرأس ، الكثَّ اللحية، المقرونَ الحاجبين، الأقْنَى ١١) الأنف، المفلَّجَ (١) زيادة من ط. وهو في حاشية أ. ولم يرد في ب. (٢) في أوب : وقال . (٢١٥/١) وما بعدها. والخبر في مختصر ابن عساكر (٩٥/٢٠). (٣) (٤) (٥٩٨/١ ) . قوله : السريانية ، زيادة من ب ، وهي كذلك في مختصر ابن عساكر . (٥) (٦) ليست في ب . يقولون : إن العمائم هي تيجان العرب . اللسان ( عمم ) . (٧) (٩) النَّجَلُ : سعة العينين. (٨) المدرعة : ثوب من صوف . (١٠) الصلت : الواضح الجبين ، البارز المستوي. (١١) قنا الأنف: ارتفاع أعلاه، واحديداب وسطه ، وضيق المنخرين. ٢٦٦ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها الثنايا ، البادي العَنْفَقَةُ(١) ، الذي كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجري في(٢) تراقيه ، له شعرات من لَبَّتِهُ(٣) إلى سُرَّته، تجري كالقضيب، ليس على بطنه ولا على صدره شعر غيره، شئنٌ(٤) الكف والقدم ، إذا التفتَ التفتَ جميعاً، وإذا مشى كأنما يتقلَّع من صخر ويتحدّر من صَبَب(٥) . عرَقه في وجهه كاللؤلؤ ، وريح المسك يَنْفَحُ منه، ولم يُرَ قبله ولا بعده مثلُه. الحسنَ القامة، الطيّبَ الريح، نَكّاحَ النساء ، ذا النسل القليل ، إنما نسله من مباركةٍ لها بيت - يعني في الجنة - من قصب لا نصب فيه ولا صخب (٦) ، تكفله يا عيسى في آخر الزمان ، كما كفل زكريا أمك ، له منها فَرَحان مستشهدان ، وله عندي منزلة ليست لأحد من البشر . كلامه القرآن ، ودينه الإسلام ، وأنا السلام ، طوبى لمن أدرك زمانه وشهد أيامه وسمع كلامه(٧) . قال(٨) عيسى : يا رب وما طوبى ؟ قال: غرس شجرة٩) أنا غرستها بيدي ، فهي للجنان كلّها ، أصلها من رضوان ، وماؤها من تَسْنيم ، وبردها برد الكافور ، وطعمها طعم الزنجبيل ، وريحها ريح المسك، مَنْ شرب منه ١٠) شربة لم يظمأ بعدها أبداً . قال عيسى: يا رب اسقني منها . قال : حرامٌ على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي ، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب منها أمة ذلك النبي . قال : يا عيسى أرفعك إليّ. قال : ربِّ ولم ترفعني؟ قال: أرفعك، ثم أُهِطُك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب ، ولتعينهم على قتال اللعين الدجّال . أَهبطك في وقت صلاةٍ ، ثمّ لا تصلي بهم لأنها أمةٌ (١) مرحومة، ولا نبي بعد نبيهم. وقال هشام بن عمار ، عن الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبيه : إن عيسى قال : يا رب أنبئني عن هذه الأمة المرحومة . قال : أمّة أحمد ، هم علماء حكماء كأنهم أنبياء ، يرضون مني بالقليل من العطاء ، وأرضى منهم باليسير من العمل ، وأدخلهم الجنة بلا إله إلا الله. يا عيسى هم أكثر (١) العنفقة : شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. (٢) في ب : من . (٣) اللبة : المنحر من الرقبة . شئن الكف : خشونته وغلظه . (٤) الصبب : تصوب نهر أو طريق يكون في حدور . (٥) في ب : لا صخب فيه ولا نصب . والنصَب : التعب . (٦) مختصر ابن عساكر ( ٢٠ / ٩٥ _ ٩٦ ). (٧) زاد في ط . عنواناً وهو في حاشية أ. ولم يرد في ب ، وهو : بيان شجرة طوبى ما هي . (٨) زاد في ب : في الجنة . (٩) (١٠) في ب : منها ، والتسنيم : قيل هو ماء في الجنة. (١١) قوله: أمة. ليست في ط. والخبر تتمة للسابق في مختصر ابن عساكر (٩٦/٢٠). ٢٦٧ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها سكان الجنة ؛ لأنه لم تذِلّ ألسنُ قوم قط بلا إله إلا الله كما ذلّت ألسنتهم ، ولم تذلّ رقابُ قوم قط بالسجود كما ذلّت به رقابهم . رواه ابن عساكر(١) . وروى ابن عساكر(٢) من طريق عبد الله بن بديل العقيلي ، عن عبد الله بن عَوْسَجة قال : أوحى الله إلى عيسى ابن مريم : أنزلني من نفسك كهمِّك، واجعلني ذخراً لك في مَعادك ، وتقرّب إليَّ بالنوافل أُحببك، ولا تَوَلَّ غيري فأخذلَك . اصبر على البلاء ، وارض بالقضاء ، وكن لمسرتي فيك ، فإن مسرتي أن أُطاع فلا أُعصى ، وكن مني قريباً ، وأحي ذِكري بلسانك ، ولتكن موذَّتي في صدرك، تيقّظ من ساعات الغفلة ، واحكم في لطيف الفطنة ، وكن لي راغباً راهباً ، وأمِتْ قلبَك في الخشية لي ، وراع الليل لحقِّ مسرَّتي ، وأظْمٍ نهارَك ليوم الريِّ عندي . نافس في الخيرات جهدَك ، واعترف بالخير حيث توجهت ، وقم في الخلائق بنصيحتي ، واحكم في عبادي بعدلي ، فقد أنزلت عليك شفاء وسواس الصدور من مرض النسيان ، وجلاء الأبصار من عَشَا الكلال . ولا تكن حَلْسا٣ً) كأنك مقبوض ، وأنت حي تنفس . يا عيسى ابن مريم ما آمنت بي خليقةٌ إلا خشعت ، ولا خشعت لي إلا رَجَت ثوابي، فأُشهدكَ أنها آمنة من عقابي ما لم تغيِّر أو تبدّل سنََّي . يا عيسى ابن مريم البِكْرِ البَتُول ، ابْكِ على نفسِكَ أيامَ الحياةِ بُكاءَ مَنْ وَّعَ الأهلَ وقَلَى الدنيا وتَرَكَ اللذات لأهلها وارتفعت رغبته فيما عند إلّهه ، وكن في ذلك تُلين الكلامَ وتفشي السلام . وكن يقظان إذا نامت عيون الأبرار ، حذار ما هو آتٍ من أمر المعاد وزلزال شدايد الأهوال قبل أن لا ينفع أهل ولا مال، واكحل عينك بمُلْمُول(٤) الحزن إذا ضحك البطَّالون ، وكن في ذلك صابراً محتسباً ، وطوبى لك إن نالك ما وعدتُ الصابرين. زَجِّ من الدنيا باله(٥) ، يوم بيوم ، وذق مذاقه ما قد هرب منك أين طعمه؟ وما لم يأتك كيف لذته، فرجٌ من الدنيا بالبُلْغة٦) ، وليكفك منها الخشن الجَشِيب(٧)، قد رأيت إلى ما يصير . اعمل على حساب فإنك مسؤول ولو رأت عينك(٨) ما أعددت لأوليائي الصالحين ذاب قلبك وزهَقَت نفسك . وقال أبو داود في كتاب (( القدر(٩) : حدّثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا (١) مختصر ابن عساكر (٩٦/٢٠). (٢) مختصر ابن عساكر ( ٢٠ / ٩٧). (٣) العشا : سوء البصر، أو العمى. والحلس: الملازم الذي لا يبرح مكانه. (٤) في الأصل : بملول . وهو سهو . والمُلمُول : المكحال يكتحل به . (٥) تزجى بالشيء : اكتفى به . البلغة : ما يكفي لسد الحاجة ولا يفضل عنها . (٦) في ط : الجثيث . وهو خطأ . والجشيب : الخشن الغليظ البشع من كل شيء . (٧) في ط : عيناك . (٨) (٩) من كتب أبي داود التي لم تصل إلينا . ٢٦٨ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها معمر عن الزهري عن ابن طاووس عن أبيه قال : لقي عيسى ابن مريم إبليس فقال : أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب لك، قال إبليس : فارق بذروة هذا الجبل فتردّى منه فانظر تعيش (١) أم لا ، فقال ابن طاووس عن أبيه . فقال عيسى : أما علمت أن الله قال : لا يجرِّبني عبدي فإني أفعل ما شئت . وقال الزهري : العبد لا يبتلي ربَّه ، ولكنَّ الله يبتلي عبدَه(٢). قال أبو داود : حدّثنا أحمد بن عبدة ، أخبرنا سفيان، عن عمرو ، عن طاووس قال : أتى الشيطانُ عيسى ابن مريم فقال : أليس تزعم أنك صادقٌ ؟ فَأْتِ هُوَّةً فألقِ نفسَك . قال : ويلك أليس قال الله : يا ابن آدم لا تسألني هلاكَ نفسك فإني أفعل ما أشاء . وحدّثنا أبو توبة الربيعُ بن نافع ، حدّثنا حسين بن طلحة ، سمعت خالد بن يزيد قال: تعبُّد الشيطان مع عيسى عشر سنين ، أو سنتين ، أقام يوماً على شفير جبل ، فقال الشيطان : أرأيت إن ألقيتُ نفسي هل يصيبني إلا ما كُتب لي ؟ قال : إني لست بالذي أبتلي ربي ، ولكن ربي إذا شاء ابتلاني ، وعرفه أنه الشيطان ففارقه (٣) . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا شريح بن يونس ، حدّثنا علي بن ثابت ، عن خطاب (٤) بن القاسم ، عن أبي عثمان قال : كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل ، فأتاه إبليس فقال : أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقدرٍ ؟ قال : نعم . قال : ألقِ نفسَك من هذا الجبل وقل : قُدِّرَ عليّ. فقال : يا لعين ! اللهُ يختبِرُ العبادَ ، وليس العبادُ يختبرون الله عز وجل(٥) . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا الفضل بن موسى البصري ، حدّثنا إبراهيم بن بشّار ، سمعت سفيان بن عيينة يقول : لقي عيسى ابن مريم إبليس ، فقال له إبليس : يا عيسى ابن مريم الذي بلغ من عظم ربوبيتك أنك تكلّمت في المهد صبياً . ولم يتكلّم فيه أحد قبلك ، قال : بل الربوبية للإلّه الذي أنطقني ثمّ يميتني ثمّ يحييني . قال : فأنت الذي بلغ من عِظَم ربوبيتك أنك تحيي الموتى ؟ قال : بل الربوبية لله الذي يحيي ويُميت من أحييتُ ثم يحييه ، قال: والله إنك لإلّه في السماء وإلّه في الأرض . قال: فَصَكَّه جبريلُ صكةً بجناحه (٦) فما تناهى (٧) دون قرون الشمس ، ثمّ صكّه أخرى بجناحه فما تناهى دون العين الحامية ، (١) في ط : هل تعيش . الخبر في مختصر ابن عساكر (٢٠/ ٩٨). (٢) مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠ / ٩٨ ) . (٣) كذا في ب . وفي أ . وط : الخطاب . (٤) مختصر تاريخ دمشق (٩٨/٢٠ ) . (٥) (٦) في ط : بجناحيه . (٧) في ط : فما تباها . ٢٦٩ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها ثم صكّه أخرى فأدخله بحار السابعة فأساخه ، وفي رواية فأسلكه فيها حتى وجد طعم الحمأة(١) ، فخرج وهو يقول : ما لقي أحدٌ من أحد ما لقيتُ منك يا ابن مريم(٢). وقد روي نحو هذا بأبسط منه من وجه آخر ، فقال الحافظ أبو بكر الخطيب : أخبرني أبو الحسن بن رزقويه ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سندي(٣)، حدّثنا أبو محمد الحسن بن علي القطان(٤) ، حدّثنا إسماعيل بن عيسى العطار ، أخبرنا علي بن عاصم ، حدّثني أبو سلمة سويد عن بعض أصحابه قال : صلّى عيسى ببيت المقدس ، فانصرف ، فلما كان ببعض العقبة عرض له إبليس ، فاحتبسه ، فجعل يعرض عليه ويكلّمه ويقول له : إنه لا ينبغي لك أن تكون عبداً ، فأكثر عليه . وجعل عيسى يحرص على أن يتخلّص منه ، فجعل لا يتخلّص منه ، فقال له فيما يقول : لا ينبغي لك يا عيسى أن تكون عبداً . فقال : فاستغاث عيسى بربّه ، فأقبل جبريل وميكائيل ، فلما رآهما إبليس كَفَّ، فلما استقر(٥) معه على العقبة اكتنفا عيسى ، وضرب جبريلُ إبليس بجناحه فقذفه في بطن الوادي . قال : فعاد إبليس معه وعلم أنهما لم يؤمرا بغير ذلك ، فقال لعيسى : قد أخبرتك أنه لا ينبغي أن تكون عبداً ، إنَّ غَضَبَكَ ليس بغضب عبد ، وقد رأيت ما لقيت منك حين غضبت ، ولكن أدعوك إلى أمر هو لك ؛ آمر الشياطين فليطيعوك ، فإذا رأى البشر الشياطين أطاعوك عبدوك ، أما إني لا أقول أن تكون إلّهاً ليس معه إلّه ، ولكن الله يكون إلّهاً في السماء وتكون أنت إلّهاً في الأرض . فلما سمع عيسى ذلك منه استغاث بربّه وصرخَ صرخةً شديدةً ، فإذا إسرافيل قد هَبَطَ ، فنظر إليه جبريل وميكائيل ، فكفّ إبليس ، فلما استقر معهم ضرب إسرافيلُ إبليسَ بجناحه فَصَكَّ به عَيْنَ الشمسِ ، ثمّ ضربه ضربة أخرى فأقبل إبليس يهوي ، ومر بعيسى وهو بمكانه فقال : يا عيسى لقد لقيت فيك اليوم تعباً شديداً ، فَرُمي به في عين الشمس فوجد سبعة أملاك عند العين الحامية(٦) ، قال: فَغَطّوه، فجعل كلّما خرج(٧) غطّوه في تلك الحمأة ، قال : والله ما عاد إليه بعد (٨). (١) في ط : فخرج منها . والحمأة : الطين الأسود المنتن . (٢) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٠ / ٩٨). (٣) في ط: ((سبدي)) وهو تصحيف، والتصحيح من تاريخ الخطيب (٣٠٤/٥) (ط. الدكتور بشار) ومادة ((السندي)) من أنساب السمعاني، قال الخطيب: ((حدثنا عنه ابن رزقويه بكتاب ((المبتدأ)) تصنيف أبي حذيفة البخاري وبغيره)) وذكر سماعه من الحسن القطان . (٤) هو المعروف بابن علويه المتوفى سنة ٢٩٨هـ، كما في تاريخ الخطيب (٣٦٧/٨ -٣٦٨). (٥) في ط ... استقر. وفي مختصر تاريخ دمشق : فلما استقر معهم على العقبة . (٦) في ب : الخامسة . (٧) كذا في ب . وأوط صرخ . (٨) مختصر تاريخ دمشق (٩٨/٢٠). ٢٧٠ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها قال: وحدّثنا إسماعيل العطار، حدّثنا أبو حُذيفةُ(١) قال: واجتمع إليه شياطينه فقالوا : سيدَنا لقد لقيت تعباً . قال : إن هذا عبدٌ معصوم ليس لي عليه من سبيل ، وسأضلّ به بشراً كثيراً ، وأبثّ فيهم أهواءً مختلفة ، وأجعلهم شيعاً، ويجعلونه وأمَّه إلّهين من دون الله(٢). قال : وأنزل الله فيما أيَّدَ بِهِ عيسى وعَصَمه من إبليس قرآناً ناطقاً بذكر نعمته على عيسى فقال : يَحِيسَى أَبْنَ مَرْيَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَلِدَتِكَ إِذْأَيَّدتُّكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ ﴾ يعني إِذْ قَوَّيْتُك بروحِ القُدُس يعني جبريل ﴿ تُكِّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلَا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلٌ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ ... الآية كلها [المائدة: ١١٠]، وإذ جعلتُ المساكين لكَ بِطانةً وصحابةً وأعواناً ترضى بهم ، وصحابةً وأعواناً يَرضَون بك هادياً وقائداً إلى الجنة ، فذلك - فاعلم - خُلُقان عظيمان من لقيني بهما فقد لقيني بأزكى الخلائق وأرضاها عندي . وسيقول لك بنو إسرائيل : صُمنا فلم يُتَقَبَّل صيامُنا ، وصلّينا فلم تُقبل صلاتُنا ، وتصدَّقنا فلم تُقبل صدقاتنا ، وبكينا بمثل حنين الجمال فلم يُرْحَم بكاؤنا ، فقل لهم : ولم ذلك ، وما الذي يمنعني إنْ ذَاتُ يدي قلَّتْ ، أَوَلَيْسَ خزائنُ السموات والأرض بيدي أُنْفق منها كيف أشاء ؟! وإن البخل لا يعتريني (٣) أولست أَجْوَدَ من سُئل، وأوسع من أعطى، أو إن رحمتي ضاقت، وإنما يتراحم المتراحمون بفضل رحمتي ، ولولا أن هؤلاء القوم يا عيسى ابن مريم عدّوا أنفسهم بالحكمة التي تورث في قلوبهم ما استأثروا به الدنيا أثره على الآخرة لعرفوا من أين أَتُّوا، وإذاً لأيقنوا أن أنفسهم هي أعدَى الأعداء لهم ، وكيف أقبل صيامهم وهم يتقوَّون عليه بالأطعمة الحرام ؟! وكيف أقبل صلاتهم وقلوبهم تركن إلى الذين يحاربونني ويستحلُّون محارمي ؟! وكيف أقبل صدقاتهم وهم يغصبون الناس عليها فيأخذونها من غير حلّها ؟! يا عيسى إنما أجزي عليها أهلها . وكيف أرحم بكاءهم وأيديهم تقطرُ من دماءِ الأنبياء ! ازددت عليهم غضباً . يا عيسى وقضيت يوم خلقتُ السمواتِ والأرضَ أنه من عبدني وقال فيكما بقولي أن أجعلهم جيرانك في الدار ورفقاءك في المنازل ، وشركاءك في الكرامة . وقضيت يوم خلقت السمواتِ والأرضَ أنه من اتخذك وأمَّك إلّهين من دون الله أن أجعلهم في الدرك الأسفل من النار ، وقضيت يوم خلقت السموات والأرض أني مثبت هذا الأمر على يدي عبدي محمد ، وأختم به الأنبياء والرسل ، ومولده بمكة ، ومهاجره بِطَيْبَةً، وملكه بالشام . ليس بفظُّ ولا غليظٍ ولا صخّاب(٤) في (١) هو إسحاق بن بشر بن محمد، أبو حذيفة البخاري المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وصاحب كتاب ((المبتدأ)) أحد الكذابين المشهورين، قال الخطيب: ((حدث عن ... وخلق من أئمة أهل العلم أحاديث باطلة)) (تاريخه ٧/ ٣٣٧). (٢) ليست في ب . والخبر تتمة للسابق في مختصر تاريخ دمشق (٢٠ /٩٩). (٤) كذا في ب . وفي أوط : سخاب ، وهو من الصخب أيضاً. (٣) في ب : أو إن البخل يعتريني . تاج العروس ( سخب ) ، وفي أساس البلاغة : يقال : وهو صخاب في الأسواق . ٢٧١ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها الأسواق ، ولا مُزر(١) بالفحش ، ولا قَوَّال بالخنا ، أسدّده لكلّ أمر جميل، وأهب له كلّ خُلُق كريم ، وأجعل التقوى ضميرَه ، والحكمَ معقوله ، والوفاءً طبيعته ، والعدلَ سيرته ، والحقَّ شريعته ، والإسلامَ مِلَّته . اسمُه محمد ، أهدي به بعد الضلالة ، وأُعلّم به بعد الجهالة ، وأُغني به بعد العائلة ، وأرفع به بعد الضّعَة ، أهدي به ، وأفتح به بين آذان صم وقلوب غُلف وأهواء مختلفة متفرّقة . أجعل أمته خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، إخلاصاً لاسمي وتصديقاً لما جاءت به الرسل . ألهمهم التسبيح والتقديس والتهليل في مساجدهم ومجالسهم وبيوتهم ومتقلّبهم ومثواهم ، يصلّون لي قياماً وقعوداً وركّعاً وسجوداً ، ويقاتلون في سبيلي صفوفاً وزحوفاً، قُرُباتهم دماؤهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، وقربانهم في بطونهم ، رهبانٌ بالليل ، ليوث في النهار ، ذلك فضلي أُوتيه من أشاء ، وأنا ذو الفضل العظيم(٢). وسنذكر ما يصدّق كثيراً من هذا السياق . مما سنورده من سورتي المائدة والصف إن شاء الله ، وبه الثقة . وقد روى أبو حذيفة إسحاق بن بشر بأسانيده عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وابن عباس وسلمان الفارسي ، دخل حديثُ بعضهم في بعض قالوا : لما بُعث عيسى ابن مريم وجاءهم بالبينات ، جعل المنافقون والكافرون من بني إسرائيل يعجبون منه ويستهزئون به ، فيقولون : ما أكل فلانٌ البارحة ؟ وما ادّخَر في منزله ؟ فيخبرهم ، فيزداد المؤمنون إيماناً والكافرون والمنافقون شكّاً وكفراناً ، وكان عيسى مع ذلك ليس له منزل يأوي إليه ، إنما يسيح في الأرض ليس له قرار ولا موضع يُعرف به ، فكان أول ما أحيا من الموتى أنه مزَّ ذات يوم على امرأة قاعدةٍ عند قبرٍ وهي تبكي ، فقال لها : مالك أيتها المرأة ؟ فقالت : ماتت ابنة لي لم يكن لي ولد غيرها ، وإني عاهدت ربي أن لا أبرح من موضعي هذا حتى أذوق ما ذاقت من الموت أو يحييها الله لي(٣) فأنظر إليها ، فقال لها عيسى : أرأيتِ إن نظرتِ إليها أراجعة أنت ؟ قالت : نعم . قالوا : فصلّى ركعتين ، ثمّ جاء فجلس عند القبر ، فنادى يا فلانة قومي بإذن الرحمن فاخرجي ، قال : فتحرّك القبر ، ثمّ نادى الثانية فانصدع القبر بإذن الله ، ثمّ نادى الثالثة فخرجت وهي تنفض رأسها من التراب، فقال لها ما بطَّأ بكِ عني(٤) ؟ فقالت: لمَّا جاءتني الصيحة الأولى بَعثَ الله لي مَلَكاً فرَّبَ خَلْقي ، ثمّ جاءتني الصيحة الثانية فرجَّع إليّ روحي ، ثمّ جاءتني الصيحة الثالثة فخِفت أنها (١) في مختصر تاريخ دمشق : ولا متزين بالفحش . وفي بعض النسخ المطبوعة : ولا يتّزر . (٢) مختصر تاريخ دمشق: (٢٠ /٩٩ - ١٠٠). (٣) كذا في ب ط . وفي أ: يهيئها. وقوله : لي ليس في ب. (٤) في ط : أبطأ وكلاهما صحيح . يقال أبطأ به ، وبطّأ به . وفي ب : ما بدا لك فقالت . ٢٧٢ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها صيحةُ القيامة فشاب رأسي وحاجباي وأشفار عينيّ من مخافة القيامة ، ثمّ أقبلت على أمها فقالت : يا أُقَاه ما حملك على أن أَذُوقَ كَرْبَ الموت مرّتين ، يا أُمَّاه اصبري واحتسبي فلا حاجة لي في الدنيا ، يا روحَ اللهِ وكلمتَهُ ، سل ربي أن يردّني إلى الآخرة ، وأن يهوِّن عليَّ كرب الموت ، فدعا ربّه ، فقبضها إليه واستوت عليها الأرض . فبلغ ذلك اليهود فازدادوا عليه (١) غضباً . وقدّمْنا في عقيب قصّة نوح(٢) أن بني إسرائيل سألوه أن يحيي لهم سام بن نوح ، فدعا الله عز وجل وصلّى لله ٣) فأحياه الله لهم ، فحدّثهم عن السفينة وأمرها ، ثمّ دعا فعاد تراباً . وقد روى الشُّدّي عن أبي صالح ، وأبي مالك عن ابن عباس في خبر ذكره ، وفيه أن ملكاً من ملوك بني إسرائيل مات وحمل على سريره ، فجاء عيسى عليه السلام ، فدعا الله عز وجل ، فأحياه الله عز وجل فرأى الناس أمراً هائلاً ومنظراً عجيباً، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَنْعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلٌ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَةَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِّ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَى بِإِذْنِى وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِيرٌ ﴿ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبِّكِنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِ قَالُواْ ءَامَنًا وَأَشْهَدْ بِأَنَا مُسْلِمُونَ ﴾ [ المائدة : ١١٠ - ١١١ ] . يذكّره تعالى بنعمته عليه وإحسانه إليه في خَلْقه إياه من غير أبٍ، بل من أُمّ بلا ذَكَرٍ ، وجَعْلِهِ لَه آيةً للناس ودلالة على كمال قدرته تعالى، ثمّ إرساله بعد هذا كلّه ﴿ وَعَلَى وَالِدَتِكَ ﴾ في اصطفائها واختيارها لهذه النعمة العظيمة، وإقامة البرهان على براءتها مما نسبها إليه الجاهلون، ولهذا قال: ﴿إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل بإلقاء روحه إلى أمه ، وقرنه معه في حال رسالته ومدافعته عنه لمن كفر به تُكِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي تدعو الناس إلى الله في حال صغرك في مهدك وفي كهولتك ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي الخط والفهم، نص عليه بعض السلف (٤) ﴿ وَالتَّوْرَةَ وَالْإِنجِيلِّ﴾. وقوله : ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الَّيْرِ بِإِذْنِ﴾ أي تصوّره وتشكّله من الطين على هيئته (٥) عن أمر الله له بذلك ﴿ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ ﴾ أي بأمري، يؤكّد تعالى بذكْرِ الإذن له في ذلك لرفع التوهّم . وقوله : ﴿ وَتُبْرِئُ اَلْأَكْمَةَ﴾ قال بعض السلف : وهو الذي يولد أعمى ولا سبيل لأحد من الحكماء (١) ليست في ب. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (١٠١/٢٠ - ١٠٢). (٢) في الجزء الأول . (٣) زاد في ب : ركعتين . تفسير الطبري ( ٧/ ٨٣ ). (٤) في ب : هيئة الطير . (٥) ٢٧٣ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها إلى مداواته. ﴿ وَاَلْأبْرَصَ﴾ هو الذي لا طِبّ فيه، بل قد مرض بالبرص وصار داؤه عُضالاً. ﴿ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَ ﴾ أي من قُبُورهم أحياءً بإذني. وقد تقدم ما فيه دلالة على وقوع ذلك مراراً متعددةً مما فيه كفاية . وقوله: ﴿ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىّ إِسْرَّاءِ يلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَّيِّنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِخْرٌ تُبِينٌ﴾ وذلك حين أرادوا صلبه ، فرفعه الله إليه وأنقذه من بين أظهرهم صيانة لجنابه الكريم عن الأذى ، وسلامة لهم من الردى . وقوله: ﴿ وَ إِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبْنَ أَنْ ءَامِنُواْ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوَاْءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَتَنَا مُسْلِمُونَ ﴾ قيل : المراد بهذا الوحي وخي إلهام، أي: أرشدهم الله إليه ودلهم عليه كما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [ النحل: ٦٨]. وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَىَّ أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ ﴾ [ القصص: ٧]. وقيل: المراد وحي بواسطة الرسول وتوفيق في قلوبهم لقبول الحق، ولهذا استجابوا قائلين ﴿ءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَّنَاَ مُسْلِمُونَ﴾(١). وهذا من جملة نِعم الله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم أن جعل له أنصاراً وأعواناً وحواريين (٢) ينصرونه ويدعون معه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى لعبده محمد وَّهِ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَيَدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ () وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمّ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهُ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٢ -٦٣]. وقال تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنِى قَدْ جِئْتُكُم ◌ِئَابَةٍ مِّن رَّبِِّكُمْ أَنِّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الِينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًّا بِإِذْنِ اللّهِ وَأَبْرِىُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَمَ وَأُحِىِ الْمَوْقَى بِذْنِ اَللَّهِ وَأَنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ إِنََّ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِشَايَةٍ مِن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (٥) إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَّطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴿ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللّهِ قَالَ اُلْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (® رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنْزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَأُكْتُبْنَا ـاوَ مَكَرُ واْ وَ مَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [ آل عمران: ٤٨ -٥٤]. مَعَ الشَّهِدِينَ لـ كانت معجزة كلّ نبي في زمانه بما يناسب أهلَ ذلك الزمان ، فذكروا أن موسى عليه السلام كانت معجزته مما يناسب أهل زمانه ، وكانوا سحرةً أذكياء ، فَبُعِثَ بآياتٍ بهرتِ الأبصار وخضعت لها الرقاب ، ولما كان السحرةُ خبيرين بفنون السحر وما ينتهي إليه ، وعاينوا ما عاينوا من الأمر الباهر الهائل (١) تفسير الطبري (٧/ ٨٣). (٢) قوله : وحواريين . ليست في ط . ٢٧٤ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها الذي لا يمكن صدوره إلّا عَمَّنْ أيده الله وأجرى الخارق على يديه تصديقاً له، أسلموا سراعاً ولم يتلعثمو(١) . وهكذا عيسى ابن مريم بُعث في زمن الطبائعية الحكماء ، فأرسل بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها ، وأنّى لحكيم إبراء الأكْمَه الذي هو أسوأ حالاً من الأعمى والأبرص والمجذوم ومن به مرضٌ مزمن ؟! وكيف يتوصل أحدٌ من الخلق إلى أن يقيم الميت من قبره ؟! هذا مما يعلم كلُّ أحد أنه معجزة دالة على صدق من قامت به وعلى قدرة من أرسله . وهكذا محمد ◌َّل﴿ وعليهم أجمعين بُعث في زمن الفصحاء البلغاء، فأنزل الله عليه القرآن العظيم الذي لَّا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] فلفظه معجز تحدّى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله(٢)، أو بعشر سور من مثله(٣)، أو بسورة ٤) ، وقطع عليهم بأنهم لا يقدرون لا في الحال ولا في الاستقبال ( فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا ) وما ذاك إلا لأنه كلام الخالق عز وجل ، والله تعالى لا يشبهه شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . والمقصود أن عيسى عليه السلام لما أقام عليهم الحجج والبراهين استمر أكثرهم على كفرهم وضلالهم وعنادهم وطغيانهم ، فانتدب له من بينهم طائفة صالحة ، فكانوا له أنصاراً وأعواناً قاموا بمتابعته ونصرته ومناصحته ، وذلك حين هَمَّ به بنو إسرائيل ووشَوا به إلى بعض ملوك ذلك الزمان ، فعزموا على قتله وصلبه ، فأنقذه الله منهم ورفعه إليه من بين أظهرهم ، وألقى شبهه على أحد أصحابه ، فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى ، وهم في ذلك غالطون وللحق مكابرون ، وسَلَّم لهم كثيرٌ من النصارى ما ادّعوه، وكلا الفريقين في ذلك مخطئون. قال تعالى: ﴿ وَمَكَرُ واْ وَ مَكَرَ اَللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى آبْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَنَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِرْا ◌ِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى اسْمُنْ أَخَذٌّ فَمَّا جَاءَ هُمْ بِالْبَعْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الَِّينَ ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَهِمْ وَاللَّهُ مُنِّمُ نُورِهِ، وَلَوْكَرِهَ الْكَفِرُونَ﴾ إلى أن قال بعد ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَِّينَ ءَامَنُوْ كُونُواْ أَنْصَارَ اَللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيْتِنَ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِّ قَالَ الْحَوَارِيُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَامَنَت ◌َطَائِفَةٌ مِنْ بَنِّيَ (١) التلعثم : الانتظار . (٢) قال الله تعالى في سورة الإسراء (٨٨): ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَاَلْحِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾. (٣) قال عز وجل في سورة هود ( ١٣): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنْهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اَللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾. (٤) قال تبارك وتعالى في سورة البقرة (٢٣ - ٢٤): ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّعَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بُِورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ () فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ أَلَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَتْ لِلْكَفِنَ﴾. ٢٧٥ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَتَ طَائِفَةٌ فَأَتَّدْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمٍ فَأَصْبَحُوْ ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ٦ - ١٤] فعيسى عليه السلام هو خاتم أنبياء بني إسرائيل ، وقد قام فيهم خطيباً فبشَّرَهم بخاتم الأنبياء الآتي بعدَه ، ونوَّه باسمه ، وذكر لهم صفَتَه ليعرفوه ويتابعوه إذا شاهدوه ، إقامةً للحُجَّة عليهم وإحساناً من الله إليهم كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّ الْأُفِىَ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِ كَانَتْ عَلَيَّهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ ◌ُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. قال محمد بن إسحاق: حدّثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله وَ الر أنهم قالوا : يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك. قال: ((دعوة أبي إبراهيم ، وبُشْرَى عيسى. ورَأْتْ أمّي حِيْنَ حَمَّلتْ بي كأنّه خَرَجَ منها نورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصورُ بُصْرَى من أرضِ الشامِ (١). وقد رُوي عن العِرْباض(٢) بن سارية وأبي أمامة عن النبي ◌َّ نحو هذا٣)، وفيه ((دعوة إبراهيم وبشرى عيسى)) وذلك أن إبراهيم لما بنى الكعبة قال: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية: [البقرة: ١٢٩]. ولما انتهت النبوة في بني إسرائيل إلى عيسى قام فيهم خطيباً، فأخبرهم أن النبوة قد انقطعت عنهم ، وأنها بعده في النبي العربي الأميِّ خاتم الأنبياء على الإطلاق أحمد ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم الذي هو من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهم السلام . قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُمْ بِأَلْبِنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّينٌ﴾ [الصف: ٦] يحتمل عود الضمير إلى عيسى عليه السلام، ويحتمل عوده إلى محمد بَّه، ثمّ حَرَّض تعالى عباده المؤمنين على نُصرة الإسلام وأهله، ونُصرةِ نبيه ومؤازرته ومعاونته على إقامة الدين ونشر الدعوة فقال: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ أَنْصَارَ الَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ﴾ أي من يساعدني(٤) في الدعوة إلى الله ﴿ قَالَ الْحَوَارِيُونَ فَخْرُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وكان ذلك في قرية يُقال لها: الناصرة، فَسُمّوا بذلك النصارى. قال الله تعالى: ﴿فَمَنَت ظَآئِفَةٌ مِّنْ بَنِي إِسْرَّةِيلَ وَّكَفَرَتْ ظَائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤]، يعني لما دعا عيسى بني إسرائيل وغيرهم إلى الله تعالى، منهم مَن آمن ، ومنهم (١) هو في السيرة (١/ ١٧٥). ومن طريقه أخرجه الطبري في تفسيره، والحاكم (٢/ ٦٠٠) والبيهقي في الدلائل (٨٣/١) وإسناده صحيح. (٢) في ب: ((روى العرباض، وعن أبي أمامة)). وحديث العرباض بن سارية أخرجه أحمد (١٢٧/٤) ومن طريقه أبو نعيم في الدلائل (١٠)، والبخاري في تاريخه الكبير (٦٨/٦) وابن حبان (٦٤٠٤)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٣٠) وغيرهم، وفيه سعيد بن سويد الكلبي مجهول الحال، وذكر الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة (ص١٥٢) أن البخاري قال: لم يصح حديثه هذا، أقول: ولكن للحديث شواهد وطرق يقوى بها ، منها الذي قبله . (٣) حديث أبي أمامة أخرجه أحمد في مسنده ( ٥/ ٢٦٢)، وإسناده ضعيف . أقول: ويشهد له الذي قبله . (٤) في ب : مساعدي . ٢٧٦ بيان نزول الكتب الأربعة ومواقيتها من كفر ، وكان ممن آمن به أهل أنطاكية بكمالهم ، فيما ذكره غير واحد من أهل السير والتواريخ والتفسير(١) . بعث إليهم رسلاً ثلاثة أحدهم شمعون الصفا، فآمنوا واستجابوا ، وليس هؤلاء هم المذكورين في سورة ( يس)) لما تقدم(٢) تقريره في قصّة أصحاب القرية، وكفر آخرون من بني إسرائيل وهم جمهور اليهود ، فأيّد الله من آمن به على مَن كفر فيما بعد ، وأصبحوا ظاهرين عليهم قاهرين لهم كما قال تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَنْعِيسَىَ إِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية: [آل عمران: ٥٥] فكل من كان إليه أقرب كان عالياً لمن(٣) دونه، ولما كان قول المسلمين فيه هو الحق الذي لا شك فيه ، من أنه عبد الله ورسوله ، كانوا ظاهرين على النصارى الذين غلوا فيه وأطروه وأنزلوه فوق ما أنزله الله به ، ولما كان النصارى أقرب في الجملة مما ذهب إليه اليهود - عليهم لعائن الله - كان النصارى قاهرين لليهود في أزمان الفترة إلى زمن الإسلام وأهله . * (١) تفسير الطبري (٥٩/٢٨)، وتاريخه (٦٠٣/١)، وتفسير القرطبي (٩٠/١٨). (٢) في الجزء الأول . في أوط : فمن . وأثبت ما في ب . (٣) ٢٧٧ خبر المائدة ذكر خبر المائدة قال الله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ الْحَوَارِتُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآَيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ - أَثَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴿ قَالُواْ فُرِيدُ أَنْ تَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيَّهَا مِنَ الشَّهِدِينَ ﴾ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَّةً مِّنكٌ وَأَرْزُقْنَا ﴿َ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُ أَحَدًا مِنَ الْعَلَمِينَ ﴾ وَأَنْتَ خَيْرُ الزَّرِقِينَ [ المائدة : ١١٢ _ ١١٥ ] . قد ذكرنا في (( التفسير)(١) الآثار الواردة في نزول المائدة عن ابن عباس ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وغيرهم من السّلف . ومضمون ذلك أن عيسى عليه السلام أمر الحواريّين بصيام ثلاثين يوماً ، فلما أتمّوها سألوا من عيسى إنزال مائدة من السماء عليهم ليأكلوا منها ، وتطمئن بذلك قلوبهم أنَّ الله قد تقبّل صيامهم وأجابهم إلى طلبتهم ، وتكون لهم عيداً يفطرون عليها يوم فطرهم ، وتكون كافية لأولهم وآخرهم ، لغنيِّهم وفقيرهم . فوعظهم عيسى في ذلك ، وخاف عليهم أن لا يقوموا بشكرها ولا يؤدوا حقّ شروطها ، فأبوا عليه إلّا أن يسأل لهم ذلك من ربّه عزّ وجلّ . فلما لم يقلعوا عن ذلك قام إلى مُصَلاّه ، ولبس مسحاً من شعر ، وصفّ بين قدميه ، وأطرقَ رأسه ، وأسبل عينيه بالبكاء ، وتضرّع إلى الله في الدعاء والسؤال أن يجابوا إلى ما طلبوا ، فأنزل الله تعالى المائدة من السماء والناس ينظرون إليها تتحدر بين غمامتينٍ ، وجعلت تدنو قليلاً قليلا ، وكلّما دنت سأل عيسى ربَّه عز وجل أن يجعلها رحمةً لا نقْمةً ، وأن يجعلها بركة وسلامة ، فلم تزل تدنو حتى استقرت بين يدي عيسى عليه السلام وهي مُغَطّاة بمنديل ، فقام عيسى فكشف عنها وهو يقول : ( بسم الله خير الرازقين ) ، فإذا عليها سبعة من الحيتان ، وسبعة أرغفة . وبُقُول وخلّ . ويُقال: ورمان وثمار ، ولها رائحةٌ عظيمة جدّاً ، قال الله لها : كوني ، فكانت . ثمّ أمرهم بالأكل منها ، فقالوا : لا نأكل حتى تأكل ، فقال : إنكم الذين ابتدأتم السؤال لها، فأبوا أن يأكلوا منها ابتداءً، فأمر الفقراءَ والمحاويج والمرضى والزَّمْنَى (٢)، وكانوا قريباً من ألف وثلاثمئة ، فأكلوا منها ، فَبَرىء كلُّ مَنْ به عاهة أو آفة أو مرض مزمن ، فندم الناس على ترك الأكل منها لما رأوا من إصلاح حال أولئك . ثمّ قيل : إنها كانت تنزل كلّ يوم مرّة ، فيأكل الناس منها ، يأكل آخرهم كما يأكل أولهم ، حتى قيل : إنها كان يأكل منها نحو سبعة آلاف . ثمّ كانت تنزل يوماً بعد يوم ، كما كانت (١) تفسير ابن كثير (١١٦/٢)، وفي تفسير الطبري (٧/ ٨٤ - ٨٥). ومختصر تاريخ دمشق (١٠٦/٢٠) وما بعدها . (٢) في ب : والناس . والزمنى : المبتلون. ٢٧٨ خبر المائدة ناقة صالح يشربون لبنها يوماً بعد يوم . ثمّ أمر الله عيسى أن يقصرها على الفقراء أو المحاويج دون الأغنياء ، فَشَقّ ذلك على كثير من الناس ، وتكلّم منافقوهم في ذلك ، فرفعت بالكُلّية ، ومسخ الذين تكلّموا في ذلك خنازير . وقد روى ابن أبي حاتم وابن جرير جميعاً : حدّثنا الحسن بن قَزَعَة الباهلي ، حدّثنا سفيان بن حبيب، حدّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خِلاسُ(١)، عن عمار بن ياسر، عن النبي وَّل قال: ((نزلت المائدة من السماء خُبز ولحم، وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدّخروا ولا يرفعوا لغد(٢) فخانوا وإدّخروا ورفعوا فَمُسخوا قِرِدَة وخنازير (٣) . ثمّ رواه ابن جرير عن بندار(٤) ، عن ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن خِلاس ، عن عمار ، موقوفاً، وهذا أصح(٥) . وكذا رواه من طريق سماك، عن رجل من بني عجل ، عن عمار موقوفا٦) . وهو الصواب والله أعلم. وخلاس عن عمار منقطع(٧) ، فلو صح هذا الحديث مرفوعاً لكان فيصلاً في القصة، فإن العلماء اختلفوا في المائدة : هل نزلت أم لا . فالجمهور أنّها نزلت ، كما دلّت عليه هذه الآثار ، وكما هو المفهوم من ظاهر سياق القرآن ، ولا سيّما قوله: ﴿ إِنِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ كما قرره ابن جرير(٨) . والله أعلم . وقد روى ابن جرير(٩) بإسناد صحيح إلى مجاهد ، وإلى الحسن بن أبي الحسن البصري أنهما قالا : لم تنزل، وإنهم أبوا نزولها حين قال: ﴿فَمَن يَكْفُرْبَعْدُ مِنكُمْ فَإِّ أُعَذِبُهُ عَذَابًا لََّ أُعَذِبُهُ أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾. ولهذا قيل : إن النصارى لا يعرفون خبرَ المائدة ، وليس مذكوراً في كتابهم ، مع أن خبرها مما تتوفّر الدواعي على نقله . والله أعلم . (١) في تفسير الطبري: جلاس بن عمرو. بالجيم، وهو تصحيف . وخِلاس بن عمرو الهَجَري ثقة . من رجال التهذيب. (٢) كذا في ط ، وفي تفسير الطبري. وهو الأشبه . وفي أ: أن لا يخونوا بغد ولا يدخروا .. وفي ب : أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا ... وفي مختصر تاريخ دمشق: أن لا يخبؤوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد ... (٣) تفسير الطبري (٧/ ٨٧). وأورده عن عمار في مختصر تاريخ دمشق (١٠٧/٢٠). (٤) هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري. ثقة. توفي سنة ( ٢٥٢هـ). تقريب التهذيب ( ٢/ ١٤٧). (٥) تفسير الطبري ( ٧/ ٨٧ ) . (٦) المصدر السابق . (٧) هكذا قال، وفي قوله نظر، فقد ذكر سماعه من عمار إمام أهل الصنعة محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير (٣/ الترجمة ٧٦٤)، وأبو زرعة الرازي (كما في الجرح والتعديل ٣/ الترجمة ١٨٤٤)، وناهيك بهما، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في التقريب: ((وقد صح أنه سمع من عمار)) (وانظر التعليق على تهذيب الكمال ٨/ ٣٦٧). (٨) تفسيره (٨٨/٧ ). المصدر السابق . (٩) ٢٧٩ خبر المائدة وقد تقصينا الكلام على ذلك في (( التفسير(١) فليُكْتَب من هناك. ومن أراد مراجعته فلينظره من ثَمَّ . ولله الحمد والمنة . فضْلٌ قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا رجل سقط اسمه ، حدّثنا حجاج بن محمد ، حدّثنا أبو هلال محمد بن سليمان ، عن بكر بن عبد الله المزني (٢) قال: فقد الحواريون عيسى (٣)، فقيل لهم : توجَّه نحو البحر ، فانطلقوا يطلبونه ، فلما انتهوا إلى البحر إذا هو يمشي على الماء ، يرفعه الموج مرة ويضعه أخرى ، وعليه كساء مُرتدٍ بنصفه ومؤتزر بنصفه ، حتى انتهى إليهم ، فقال له بعضهم - قال أبو هلال : ظننت أنه من أفاضلهم - : ألا أجيء إليك يا نبي الله ؟ قال : بلى . قال : فوضع إحدى رجليه على الماء ، ثمّ ذهب ليضع الأخرى فقال : أوّه ، غرقت يا نبي الله! فقال: أرني يدك يا قصير الإيمان ، لو أن لابن آدم من اليقين قدر شعيرة مشى على الماء(٤) . ورواه أبو سعيد بن الأعرابي ، عن إبراهيم بن أبي الجحيم ، عن سليمان بن حرب ، عن أبي هلال ، عن بكر ، بنحوه . ثم قال ابن أبي الدنيا : حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيان ، حدّثنا إبراهيم بن الأشعث ، عن الفضيل بن عياض قال : قيل لعيسى بن مريم : يا عيسى بأي شيء تمشي على الماء ؟ قال : بالإيمان واليقين . قالوا : فإنا آمنا كما آمنت وأيقنا كما أيقنت ، قال : فامشوا إذاً . قال : فمشوا معه في الموج ، فغرقوا ، فقال لهم عيسى : ما لكم ؟ فقالوا : خِفنا الموج . قال : ألا خفتم ربّ الموج . قال : فأخرجهم ، ثمّ ضرب بيده إلى الأرض فقبض بها ثمّ بسطها ، فإذا إحدى يديه ذهب ، وفي الأخرى مَدَر(٥) أو حصى ، فقال : أيهما أحلى في قلوبكم ؟ قالوا : هذا الذهب. قال: فإنهما عندي سواء(٦). وقدَّمنا في قصة يحيى بن زكريا٧) عن بعض السلف أن عيسى عليه السلام كان يلبس الشعر ويأكل من (١) تفسير ابن كثير (١١٩/٢). (٢) هو أبو عبد الله البصري. قال ابن حجر: ثقة. ثبت . جليل . من الثالثة، مات سنة ست ومئة . تقريب التهذيب (١٠٦/١). (٣) في ب وط : نبيهم عيسى . (٤) أورده ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠/ ١١٢) . (٥) المدر : التراب المتلبّد . (٦) الخبر في مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١١٣). (٧) ص (٢١٦) من هذا الجزء. ٢٨٠ خبر المائدة ورق الشجر ، ولا يأوي إلى منزل ولا أهل ولا مال ولا يدّخر شيئاً لغد . قال بعضهم : كان يأكل من غزل أمه ، صلوات الله وسلامه عليه . وروى ابن عساكر(١) عن الشعبي أنه قال : كان عيسى عليه السلام إذا ذكر عنده الساعة صاح ويقول : لا ينبغي لابن مريم أن تذكر عنده الساعة ، ويسكت . وعن عبد الملك بن سعيد بن بحر أن عيسى كان إذا سمع الموعظة صرخ صراخ الثكلى(٢). وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، حدّثنا جعفر بن بُرْقَالُ(٣) أن عيسى كان يقول : اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره، ولا أملك نفع ما أرجو ، وأصبح الأمر بيد غيري ، وأصبحت مرتَهناً بعملي ، فلا فقير أفقر مني ، اللهم لا تشمتْ بي عدوي ، ولا تَسُؤْ بي صديقي ، ولا تجعل مصيبتي في ديني ، ولا تسلط عليَّ من لا يرحمني(٤) . وقال الفضيل بن عياض، عن يونس بن عُبيد: كان عيسى يقول : لا نصيب(٥) حقيقة الإيمان حتى لا نبالي من أَكَلَ الدنياً) . وقال الفضيل: وكان عيسى يقول: فكّرت(٧) في الخلق، فوجدت من لم يُخلق أغبط عندي ممن خُلق(٨). وقال إسحاق بن بشر ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن قال : إن عيسى رأس الزاهدين ، يؤمُ الزاهدين يوم٩) القيامة. قال: وإن الفرّارين بذنوبهم، يُحشَرون يوم القيامة مع عيسى(١٠) . قال : وبينما عيسى يوماً نائم على حجر قد توسّده ، وقد وجد لذة النوم ، إذ مرّ به إبليس فقال : (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ١١٣). (٢) مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠ / ١١٣ ) . في الأصل: بلقان. وهو تحريف . وأثبت ما في مختصر ابن منظور، وجعفر بن بُرقان الكلابي، أبو عبد الله (٣) الرقي ، من الطبقة السابعة . قال ابن حجر : صدوق ، يهم في حديث الزهري . التقريب (١٢٩/١) . توفي سنة ( ١٥٠ هـ ) . (٤) مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠ / ١١٣ ) . في ب ، ومختصر تاريخ دمشق : لا يصيب أحد . (٥) (٦) مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠/ ١١٣) . (٧) في ب : تفكرت . مختصر تاريخ دمشق ( ٢٠ /١١٤) . (٨) (٩) قوله : يؤم الزاهدين : ليس في ب وط . ومختصر تاريخ دمشق . (١٠) مختصر تاريخ دمشق (١١٤/٢٠).