Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
لا يمنعه سَمْع من سمع ، ويا من لا تغلطه المسائل ، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحّين ، ولا مسألة
السائلين، ارزقني بَرْدَ عفوك، وحلاوة رحمتك. قال: فقلت: أعِد عليَّ ما قلت . فقال لي:
أوسمعتَه ؟ قلت : نعم . فقال لي : والذي نفس الخضر بيده - قال: وكان هو الخضر - لا يقولها عبدٌ
خلفَ صلاة مكتوبة إلا غَفَر الله له ذنوبه . ولو كانت مثل زبد البحر ، وورق الشجر ، وعدد النجوم ،
لغفرها الله له . وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحَرَّر فإنه متروك الحديث(١) . ويزيد بن الأصم لم
يدرك علياً ، ومثل هذا لا يصح . والله أعلم .
وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي حدّثنا مالك بن إسماعيل ، حدّثنا صالح بن أبي الأسود ، عن محفوظ
ابن عبد الله الحَضْرَمي ، عن محمد بن يحيى قال : بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل
متعلق بأستار الكعبة وهو يقول : يا من لا يشغله سمع عن سمع ، ويا من لا يغلطه السائلون ، ويا من
لا يتبرَّم بإلحاح الملحِّين ، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال : فقال له علي : يا عبد الله أعِد دعاءك
هذا . قال : وقد سمعتَه ؟ قال : نعم . قال : فادع به في دُبر كلِّ صلاة ، فوالذي نفس الخضر بيده لو كان
عليك من الذنوب عددُ نجوم السماء ومطرها، وحصباء الأرض وترابها ، لغفر لك أسرع من طرفة عين (٢).
وهذا أيضاً منقطع وفي إسناده من لا يُعرف ، والله أعلم .
وقد أورده ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا ، حدّثنا يعقوب بن يوسف ، حدّثنا مالك بن
إسماعيل ، فذكر نحوه ، ثمّ قال : وهذا إسنادٌ مجهولٌ منقطعٌ ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر .
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر : أخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أخبرنا أبو طالب محمد بن
محمد، أخبرنا أبو إسحاق المُزَكِّي(٣) ، حدّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة ، حدّثنا محمد بن أحمد بن
يزيد أملَّه٤ُ) علينا بعبَّادان، أخبرنا عمرو بن عاصم، حدّثنا الحسن بن رَزِيْنُ(٥) ، عن ابن جُرَيج ، عن
عطاء ، عن ابن عباس قال - ولا أعلمه إلا مرفوعاً إلى النبي وَّهــ قال: يلتقي الخضرُ وإلياس كلّ عام في
الموسم ، فيحلق كلُّ واحد منهما رأس صاحبه ، ويَتَفَرَّقان عن هؤلاء الكلمات : بسم اللهِ ، ما شاء الله ،
(١) تقريب التهذيب، والضعفاء والمتروكين للبخاري (٦٧)، وللنسائي (٦٣)، والمجروحين لابن حبان (٢٢/٢ -
٢٤ ) .
(٢) أورد ابن منظور هذه الرواية في مختصره لابن عساكر (٦٦/٨).
(٣) المزَكّي ، بضم الميم وفتح الزاي ، وكاف مشددة ، يقال هذا لمن يزكي الشهود ويبحث عن حالهم ويعرفه القاضي .
وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي شيخ نيسابور في عصره ، وكان من العبّاد المجتهدين . كثير الحج .
رحل في طلب الحديث . وتوفي سنة ( ٣٦٢هـ). اللباب ( ٢٠٤/٣).
(٤) في ب وط : أملاه ، وهو أصوب .
(٥) في ط: ((الحسن بن زريق)) خطأ بَيّن ، فإن الحسن بن زريق الطهوي يروي عن ابن عيينة ، والحسن بن رزين هذا
يروي عن ابن جريج ، وقد ساق كل من العقيلي وابن عدي والذهبي في الميزان هذا الحديث في ترجمته كما سيأتي .
١٤٢
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
لا يسوق الخيرَ إلا الله، ما شاء الله، لا يَصْرفُ السوء إلا الله، ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله ،
ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله . قال : وقال ابن عباس : من قالهنَّ حين يُصبح وحين يُمسي ثلاث
مرات آمَنَه اللهُ من الغَرق والحرق والسَّرَق. قال: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسُّلطان والحية والعقرب(١) .
قال الدار قطني في ((الأفراد)): هذا حديث غريب من حديث ابن جُريج لم يُحدِّث به غير هذا الشيخ
عنه ، يعني الحسن بن رَزِين هذا . وقد روى عنه محمد بن كثير العبدي أيضاً ، ومع هذا قال فيه الحافظ
أبو أحمد بن عدي (٢): ليس بالمعروف. وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي(٣) : مجهول وحديثه غير
محفوظ . وقال أبو الحُسينُ(٤) ابن المنادي : هو حديث واهٍ بالحسن بن رَزِين .
وقد روى ابن عساكر نحوه(٥) من طريق علي بن الحسن الجهضمي - وهو كذاب - عن ضَمرة بن حبيب
المقدسي ، عن أبيه ، عن العلاء بن زياد القُشَيْري ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده ، عن
علي بن أبي طالب مرفوعاً قال : يجتمع كلَّ يوم عَرَفة بعرفات جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر ...
وذكر حديثاً طويلاً موضوعاً تركنا إيراده قصداً ، ولله الحمد .
وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد ، عن الحسن بن يحيى الخُشَنِي ، عن ابن أبي رَوّاد قال :
إلياس والخضِر يصومان شهرَ رمضان في بيت المقدس ، ويحجان في كلِّ سنة ، ويشربان من ماء زمزم
شَربةً واحدةً تكفيهما إلى مثلها من قابل (٦) .
وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبد الملك بن مروان باني جامع دمشق أحبّ أن يتعبَّدَ ليلةً في
المسجد، فأمر القُوَمَةُ(٧) أن يخلوه له ، ففعلوا ، فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع
فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء ، فقال للقُوَمة : ألم آمركم أن تخلوه ؟ فقالوا : يا أمير
المؤمنين هذا الخضِر يجيء كلِّ ليلة يصلي هاهنا .
وقال ابن عساكر أيضاً : أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد ، أخبرنا أبو بكر بن الطبري ، أخبرنا
(١) مختصر تاريخ دمشق (٦٦/٨).
(٢) الكامل (٢ / ٧٤٠) .
(٣) الضعفاء الكبير (٢٢٤/١).
في ط : ((الحسن))، محرف، وهو أبو الحسين أحمد بن جعفر بن محمد المعروف بابن المنادي المتوفى سنة ٣٣٦
(٤)
كما في تاريخ الخطيب (١١٠/٥) (ط. د.بشار) والسير (٣٦١/١٥) وغيرهما .
(٥) مختصر تاريخ دمشق (٦٦/٨ - ٦٧)، وذكره المزي في تهذيب الكمال (٣١٥/١٣ -٣١٦)، والذهبي في الميزان
(٣٣٠/٢) .
(٦) مختصر تاريخ دمشق ( ٨ / ٦٧ ).
(٧) القومة : الخدم .
١٤٣
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
أبو الحسين بن الفضل ، أخبرنا عبد الله بن جعفر ، حدّثنا يعقوب - وهو ابن سفيان الفَسَوي - حدّثني
محمد بن عبد العزيز ، حدّثنا ضَمْرة (١) ، عن السري بن يحيى ، عن رياح بن عَبيدة قال : رأيتُ رجلاً
يماشي عمر بن عبد العزيز معتمداً على يديه ، فقلت في نفسي: إن هذا الرجل جاف ، قال(٢): فلما
انصرف من الصلاة قلت : مَن الرجل الذي كان معتمداً على يدك آنفاً ؟ قال : وهل رأيته يا رياح ؟ قلت : -
نعم. قال : ما أحسبك إلا رجلاً صالحاً ، ذاك أخي الخضِر بشّرني أني سألي وأعدل(٣).
قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي(٤): الرَّملي مجروح عند العلماء(٥) . وقد قدح أبو الحسين بن
المنادي في ضمرة ، والسري ، ورياح(٦) . ثمّ أورد من طرق أُخر عن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع
بالخضر ، وضعَّفها كلَّه!٧) .
وروى ابن عساكر أيضاً أنه اجتمع بإبراهيم التيمي ، وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم(٨).
وهذه الروايات والحكايات هي عُمدة مَن ذهب إلى حياته إلى اليوم ، وكُلٌّ من الأحاديث المرفوعة ضعيفة
(١) في أوط: ( حمزة ) وهو سهو ، وأثبتنا ما في ب ، وسيذكره المؤلف بعد قليل على الصواب.
(٢) في ط : حافي . وفي ب : حافٍ فلما .
(٣) مختصر ابن عساكر (٦٩/٨ - ٧٠).
(٤) كلام ابن الجوزي صحيح، وقد ذكره في كتابه الضعفاء (٧٧/٣)، وهو محمد بن عبد العزيز العمري الرملي، قال
أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان عنده غرائب ولم يكن عندهم بالمحمود هو إلى الضعف ما هو، وقال
البزار: لم يكن بالحافظ، لكن وصفه يعقوب بن سفيان بالحفظ ووثقه العجلي وحده، وذكره ابن حبان في الثقات
وقال: ربما خالف. وقد انتقى الإمام البخاري حديثين من حديثه أحدهما في التفسير والثاني في الاعتصام (تحرير
التقريب ٢٨٢/٣ - ٢٨٣).
(٥) هو محمد بن عبد العزيز الرملي. قال ابن حجر: صدوق يهم. التقريب (١٨٦/٢).
(٦) كلام ابن المنادي هذا، إن صح عنه، فيه نظر، فإن ضمرة وهو ابن ربيعة الفلسطيني ثقة يهم قليلاً وإن قال الحافظ ابن
حجر: ((صدوق يهم قليلاً)) فقد وثقه الأئمة: ابن معين، وأحمد، والنسائي، وآدم بن أبي إياس، وابن سعد، وابن
حبان، والعجلي، ولم يتكلم فيه سوى زكريا الساجي، وله أوهام قليلة (تحرير التقريب ٢/ ١٥١ _ ١٥٢). أما السري
ابن يحيى فهو ثقة ولم يضعفه سوى الأزدي، وتضعيفه شبه لا شيء لأنه متكلم فيه كما في التقريب، ورياح بن عبيدة
ثقة أيضاً كما في التقريب.
(٧) زاد هنا في ب : وذكر ابن عساكر في ترجمة رجل تطلبه سليمان بن عبد الملك أنه فرّ منه في البلاد يميناً وشمالاً ،
فبينما هو يوماً في بعض الأماكن إذا رجل يصلي ، فاقترب ، فلما سلم قال له : لعل هذا الطاغي أخافك؟ قال :
نعم . فقال : قل : سبحان الله الواحد الذي ليس غيره إله ، سبحان القديم الذي لا بادىء له . سبحان الدائم الذي
لا نفاد له . سبحان الذي كل يوم هو في شأن . سبحان الذي يحيي ويميت . سبحان الذي خلق ما يُرى وما
لا يُرى . سبحان الذي علِمَ كل شيء بغير تعَلَّم . قال : فلما قلتها أمن قلبي ورجعت إلى سليمان فأجلسني معه على
الفراش وقال : ساحر والله لقد أردت قتلك فما تمالكت إذا رأيتك أني أجلستك معي . فقلت : إن من قصتي كذا
وكذا . فقال : الخضر والله ، والله الخضر ، والله .
(٨) مختصر تاريخ دمشق ( ٦٨/٨ - ٧٠).
١٤٤
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
جداً لا يقوم بمثلها حجة في الدين ، والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف في الإسناد . وقصاراها أنها
صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنه يجوز عليه الخطأ . والله أعلم .
وقال(١) عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة أن أبا سعيد
قال: حدثنا رسول الله وَ له حديثاً طويلاً عن الدجّال، وقال فيما يحدثنا: يأتي الدجّال وهو مُحَرَّم عليه أن
يدخل نقاب المدينة ، فيخرج إليه يومئذ رجلٌ هو خير الناس أو من خيرهم ، فيقول : أشهدُ أنك أنت
الدجّال الذي حدّثنا عنك رسول الله وَ ل# بحديثه . فيقول الدجّال : أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكّون
في الأمر ؟ فيقولون : لا . فيقتله ثم يُحييه ، فيقول حين يحيا : والله ما كنتُ أشدَّ بصيرة فيك مني الآن .
قال: فيريد قتله الثانية فلا يُسلَّط عليه . قال مَعْمَر : بلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة نحاس . وبلغني
أنه الخضر الذي يقتله الدجّال ثمّ يُحییه .
وهذا الحديث مخرج في (( الصحيحين )) من حديث الزُّهري، به (٢) .
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سُفيان الفقيه الراوي عن مسلم : الصحيح أن يقال : إن هذا
الرجل الخضر. وقول معمر وغيره: (( بلغني))، ليس فيه حجة . وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث :
فيأتي بشابٍ ممتلىء شباباً فيقتله. وقوله: ((الذي حدّثنا عنه رسول الله وَ ◌ّر)) لا يقتضي المشافهةَ، بل
يكفي التواتر .
وقد تصدَّى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي - رحمه الله - في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضِر)
الأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات ، فبيّن أنها موضوعات ، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن
بعدهم ، فبيّن ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها ، وقد أجاد فى ذلك وأحسن الانتقاد .
وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات ، ومنهم البخاري ، وإبراهيم الحربي ، وأبو الحسين بن المنادي،
والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي ؛ وقد انتصر لذلك وصنَّف فيه كتاباً سماه ( عجالة المنتظِر في شرح حال
الخضر )، فيحتج لهم بأشياء كثيرة. منها قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلَّدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فالخضر
إن كان بشراً فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح . والأصل عدمه
حتى يثبت ، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله . ومنها أن الله تعالى قال :
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّيِّئِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتٍَ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ حِكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ،
وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَأْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّلَهِدِينَ﴾ [ آل عمران ١١]
(١) في ب: قال. والحديث في مصنف عبد الرزاق (١١/ ٣٩٣) رقم (٢٠٨٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في الحج (١٨٨٢)، وفي الفتن (٧١٣٢) من طريق عقيل وشعيب، عن الزهري. وأخرجه مسلم في
الفتن (٢٩٣٨) (١١٢) من طريق صالح بن كيسان عن الزهري .
١٤٥
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
قال ابن عباس : ما بعث الله نبياً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ، وأمره
أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤْمِنُنَّ به وينصرنه . ذكره البخاري عنه ، فالخضر إن
كان نبياً أو ولياً، فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حياً في زمان رسول الله وي ليه لكان أشرف أحواله أن يكون
بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه ، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه ، لأنه إن كان ولياً فالصَّدِّيق أفضلُ
منه ، وإن كان نبياً فموسى أفضلُ منه . وقد روى الإمام أحمد في ( مسنده ) : حدّثنا شُريح بن النعمان ،
حدّثنا هُشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله مَ ◌ٍّ قال: ((والذي نَفْسِي بِيَدِهِ
لَوْ أَنَّ مُوسَى كانَ حَيّاً ما وَسِعَه إلّا أنْ يَتَّبِعَني(١). وهذا الذي يُقطع به، ويُعلم من الدين علم الضرورة.
وقد دلّت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلّهم لو فرض أنهم أحياء مكلّفون في زمن رسول الله ويَّة
لكانوا كلّهم أتباعاً له وتحت أوامره وفي عموم شرعه ، كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لمّا اجتمع معهم
ليلة الإسراء رُفع فوقهم كلّهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة ، أمره جبريل عن أمر الله
أن يَؤُمَّهم ، فصلّى بهم في محلٌّ ولايتهم ، ودار إقامتهم ، فدلّ على أنه الإمام الأعظم ، والرسول الخاتم
المبجَّل ، المقدَّم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
فإذا عُلم هذا، وهو معلوم عند كلِّ مؤمن ، علم أنه لو كان الخضِر حياً لكان من جملة أمة محمد عليه
وممن يقتدي بشرعه ، لا يسعه إلا ذلك . هذا عيسى بن مريم عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان يحكم
بهذه الشريعة المطهّرة لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء
بني إسرائيل ، والمعلوم أن الخضِر لم يُنقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله
* في يوم واحد ، ولم يشهد معه قتالاً في مشهد من المشاهد ، وهذا يوم بدر يقول الصَّادِقِ المصدوقُ
فيما دعا به لربه عزّ وجلّ، واستنصره، واستفتحه على من كفره: ((اللهمَّ إنْ تهلِكْ هذهِ العِصَابةُ لا تُعْبَدُ
بَعْدَها في الأرضِ (٢) وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة ، حتى جبريل عليه
السلام كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال : إنه أفخر بيت قالته العرب: ( من الكامل ]
وبئرُ بِذْرٍ إذْ يردّ وُجوهَهم جِبْرِيلُ تحتَ لِوائِنا ومحمدُ(٣)
فلو كان الخضر حياً لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته ، وأعظم غزواته .
قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفرّاء الحنبلي : سُئل بعض أصحابنا عن الخضِر هل
ماتَ ؟ فقال : نعم . قال : وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري ، قال : وكان يحتج بأنه لو كان حياً
لجاء إلى رسول الله وَّةٍ. نقله ابن الجوزي في ((العُجالة)).
(١) الحديث بتمامه في مسند أحمد (٣٨٧/٣). (وسيأتي في ٦٩/٤) من هذا الكتاب .
(٢) الحديث بتمامه أخرجه مسلم ( ١٧٦٣ ) في الجهاد ، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر.
(٣) ليس في ديوانه . وفي ب : وبيوم بدر.
١٤٦
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
فإن قيل : فهلا يقال : إنه كان حاضراً في هذه المواطن كلّها ولكن لم يكن أحدٌ يراه ؟ فالجواب : أن
الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرّد التوهُّمات . ثمّ ما الحامل له
على هذا الاختفاء ، وظهوره أعظم لأجره ، وأعلى في مرتبته ، وأظهر لمعجزته . ثمّ لو كان باقياً بعده
لكان تبليغه عن رسول الله وَ يّ الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لِمَا وقع من الأحاديث
المكذوبة ، والروايات المقلوبة ، والآراء البدعية ، والأهواء العصبية ، وقتاله مع المسلمين في
غزواتهم ، وشهوده جمعهم وجماعاتهم ، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم ، وتسديده العلماء
والحكام ، وتقديره الأدلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كونه في الأمصار ، وجَوْبه الفيافي والأقطار .
واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم ، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم . وهذا الذي ذكرناه
لا يتوقّف أحد فيه بعد التفهيم ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
ومن ذلك ما ثبت في ( الصحيحين) وغيرهما عن عبد الله بن عُمر، أن رسول الله وَ لَهصلَّى ليلةُ العِشاءَ
ثم قال: ((أرأيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ فإنَّهُ إلى مِئة سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُو عَلَى وَجْهِ الأرْضِ اليَوْمَ أَحَدٌ)(١) . وفي رواية:
((عَيْنٌ تَطرفُ)). قال ابن عمر: فَوَهَلَ (٢) الناس في مقالة رسول الله مَّ هذه، وإنما أراد انخرام قرنه.
قال الإمام أحمد(٣) : حدّثنا عبد الرزاق(٤)، أنبأنا معمر ، عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله
وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمةً أن عبد الله بن عمر قال: صلّى رسول الله وَ ◌ّل ذات ليلة صلاة العشاء في
آخر حياته ، فلما سلّم قام فقال: (( أرأيْتُم لَيلتكم هذهِ فإنَّ علَى رأسِ مِئَة سَنَةٍ لا يَبْقَى ممن على ظهر
الأرض أحدٌ )) . وأخرجه البخاري(٥)، ومُسلم(٦) من حديث الزهري .
وقال الإمام أحمد (٧) : حدّثنا محمد بن أبي عدي ، عن سليمان التيمي ، عن أبي نضرة ، عن
جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وَ ◌ّه قبل موته بقليل أو بشهر: (( ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، أو ما مِنْكُمْ مِنْ
نَفْسِ اليومَ مَنْفُوسَةٍ يأتي عَلَيها مئة سَنَةٍ وهيَ يَوْمَئِذٍ حَيَّة )) .
(١) أخرجه البخاري: برقم (١١٦)، في العلم، باب السمر في العلم، ومسلم رقم ( ٢٥٣٧) في فضائل الصحابة
عن الزهري، باب قوله { ل: ((لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم)).
(٢) وَهَلَ: غلط، يقال: وهل يهل وَهْلاً، أي: غلط وذهب وهمه إلى غير الصواب. أما وَهِلت بكسر الهاء، فمعناه :
فزعت .
(٣) في مسنده (٨٨/٢) .
وهو في مصنفه (٢٠٥٣٤).
(٤)
(٥) البخاري (١١٦) و(٥٦٤).
(٦) مسلم (٢٥٣٧).
(٧) المسند (٣٠٥/٣ -٣٠٦).
١٤٧
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
وقال أحمد(١): حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لَهِيْعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي وَّل
أنه قال قبل أن يموت بشهر : ((تَسْأَلُونَني عَنِ السَّاعَةِ وَإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ. أُقْسِمُ باللهِمَا عَلَى الأرْضِ نَفْسٌ
مَنْفُوسَةٌ اليومَ يأتي عَلَيْها مئة سَنَةٍ )). وهكذا رواه مسلم(٢) من طريق أبي نَضرة وأبي الزبير كلٌّ منهما عن
جابر بن عبد الله ، به (٣) نحوه .
وقال الترمذي(٤): حدّثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيانُ(٥) ، عن جابر
قال: قال رسول الله وَُّ: (( ما على الأرضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يأتي عَلَيها مئة سَنَةٍ)). وهذا أيضاً على
(٦)
شرط مسلم (٦)
قال ابن الجوزي : فهذه الأحاديث الصِّحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر عليه السلام .
قالوا : فالخَضِر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله ومليء كما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى
القطع ، فلا إشكال ، وإن كان قد أدرك زمانه ، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعده مئة سنة ، فيكون
الآن مفقوداً لا موجوداً ، لأنه داخل في هذا العموم ، والأصل عدم المخصِّص له حتى يثبت بدليل صحيح
يجب قبوله . والله أعلم .
وقد حكى الحافظ أبو القاسم السُّهيلي في كتابه (( التعريف والإعلام)(٧) عن البخاري ، وشيخه
أبي بكر بن العربي أنه أدرك حياة النبي وَلّ ولكن مات بعده لهذا الحديث، وفي كون البخاري - رحمه
الله - يقول بهذا، وأنه بقي إلى زمان النبي وُ ل نظر. ورجَّح السهيلي بقاءه، وحكاه عن الأكثرين. قال:
وأما اجتماعه مع النبي ◌َّهُ وتعزيته لأهل البيت بعدَه، فمروي من طُرق صِحاحُ(٨). ثمّ ذكر ما تقدّم مما
ضعَّفناه ، ولم يورد أسانيدها . والله أعلم .
(١) المسند (٣٤٥/٣). وأخرجه من طريق آخر هو (٣٨٥).
(٢) مسلم رقم (٢٥٣٨) في فضائل الصحابة، باب قوله مثل: ((لا تأتي مئة سنة وعلى هذه الأرض نفس منفوسة اليوم)).
(٣) قوله : به ، ليس في ب .
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٢٢٥٠) في الفتن ، باب ( ٦٤ ).
(٥)
في ب : أبي شعيب ، خطأ .
لكن الترمذي اقتصر على تحسينه .
(٦)
(٧) التعريف والإعلام الورقة (٣٥).
(٨) انظر ص ٩٦ .
١٤٨
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
وَأمّا إلياس عَلَيْهِ السّلام
◌َ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ:
فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات ﴿ وَإِنَّ إِلَيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
أَلَا نَتَّقُونَ ﴿َ أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ (٣) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَآبِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونٌ ()
﴿َ سَلَمُّ عَلَىَ إِلَ يَاسِينَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ م ◌ِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ !
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآيات: ١٢٣ - ١٣٢].
قال علماء النسب : هو إلياس بن تشبين . ويقال : ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون .
وقيل : إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران .
قالوا : وكان إرساله إلى أهل بعلَبك غربي دمشق ، فدعاهم إلى الله عز وجل ، وأن يتركوا عبادة صَنَم
لهم كانوا يسمونَه: بَعل(١) . وقيل : كانت امرأة اسمها: بعل (٢)، والأول أصح. ولهذا قال لهم
﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَلَا نَّقُونَ ﴿ أَنَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ ﴿ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَبَآَبِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾
فكذبوه ، وخالفوه ، وأرادوا قتله ، فيقال : إنه هرب منهم ، واختفى عنهم .
قال أبو يعقوب الأذرعي ، عن يزيد بن عبد الصمد ، عن هشام بن عمار قال : وسمعت من يذكر عن
كعب الأحبار أنه قال : إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم(٣) عشر سنين حتى أهلَكَ
اللهُ الملِكَ وولّى غيرَه ، فأتاه إلياس ، فعرض عليه الإسلام ، فأسلم وأسلم من قومه خلقٌ عظيم غير عشرة
آلاف منهم ، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم(٤) .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثني أبو محمد القاسم بن هاشم ، حدّثنا عمر بن سعيد الدمشقي ، حدّثنا
سعيد بن عبد العزيز ، عن بعض مشيخة دمشق قال : أقام إلياس عليه السلام هارباً من قومه في كهف جبل
عشرين ليلة ، أو قال أربعين ليلة ، تأتيه الغربان برزقه(٥) .
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي : أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه قال : أول
نبي بُعث إدريس ، ثمّ نوح ، ثمّ إبراهيم ، ثمّ إسماعيل وإسحاق ، ثمّ يعقوب ، ثمّ يوسف، ثمّ لوط ، ثمّ
(١) استدركه محقق كتاب الأصنام لابن الكلبي (ص١٠٨)، عن تاج العروس: (بعل ) . وفي تاريخ الطبري
(٤٦١/١) . وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه من دون الله يقال له: بعل.
(٣)
(٢) في تاريخ الطبري (١/ ٤٦١) عن ابن إسحاق.
مختصر تاريخ دمشق (٢٣/٥) .
تاريخ الطبري ( ٤٦٢/١) .
(٤)
(٥) مختصر تاريخ دمشق (٢٣/٥).
١٤٩
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
هود ، ثمّ صالح ، ثمّ شعيب ، ثمّ موسى وهارون ابنا عمران ، ثمّ إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون بن
عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام ، هكذا قال(١) . وفي هذا
الترتيب نظر .
-
وقال مكحول ، عن كعب : أربعة أنبياء أحياء ، اثنان في الأرض : إلياس والخضر ، واثنان في
السماء : إدريس وعيسى (٢).
وقد قدّمنا قول من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كلِّ عام في شهر رمضان في بيت المقدس ،
وأنّهما يحجّان كلّ سنة ، ويشربان من زمزم شَربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل . وأوردنا الحديث
الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كلّ سنة ، وبيَّنا أنه لم يصح شيء من ذلك ، وأن الذي يقوم عليه الدليل
أن الخضر ماتَ ، وكذلك إلياس عليهما السلام . وما ذكره وهب بن منبّه وغيره أنه لما دعا ربه عز وجل
أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه ، فجاءته دابة لونُها لون النار ، فركبها وجعل الله له ريشاً وألبسه النور
وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، وصار ملكياً بشرياً سماوياً أرضياً ، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب(٣)
ففي هذا نظر ، وهو من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب ، بل الظاهر أن صحتها بعيدة . والله
أعلم .
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثني أبو العباس
أحمد بن سعيد المَعْداني(٤) ببخارى ، حدّثنا عبد الله بن محمود ، حدّثنا عبدان بن سنان، حدّثني
أحمد بن عبد الله البَرْقي ، حدّثنا يزيد بن يزيد البلوي ، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، عن
مكحول ، عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله وَ ◌ّر في سفر، فنزلنا منزلاً، فإذا رجلٌ في الوادي
يقول : اللهم اجعلني من أمّة محمد ◌َّه المرحومة المغفورة المتاب لها . قال : فأشرفت على الوادي فإذا
رجلٌ طوله أكثر من ثلاثمئة ذراع، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله بَله .
قال : فأين هو ؟ قلت : هو ذا يسمع كلامَك . قال : فأته فأقرئه السلامَ ، وقل له : أخوك إلياس يُقرئك
السلامَ. قال: فأتيت النبي مَ ل﴿ فأخبرته ، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلّم ، ثمّ قعدا يتحادثان ، فقال له :
يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يوماً ، وهذا يوم فطري ، فَآكل أنا وأنت . قال : فنزلتْ عليهما مائدةٌ
(١) مختصر تاريخ دمشق (٢٣/٥). وانظر الطبقات لابن سعد (٤٠/١).
(٢) مختصر تاريخ دمشق (٢٤/٥) .
(٣) تاريخ الطبري (٤٦٣/١). ومختصر تاريخ دمشق (٢٥/٥ - ٢٧) .
(٤) المَعْداني ، بفتح الميم وسكون العين : نسبة إلى مَعْدان وهو اسم لجد أبي العباس أحمد بن سعيد بن أحمد بن
محمد بن معدان . ترجمته في اللباب (٢٣٢/٣). وفي دلائل النبوة : البغدادي ، وهو تحريف ، والحديث فيه
(٤٢١/٥) .
١٥٠
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
من السماء عليها خبزٌ وحوت وكَرَفس(١)، فأكلا وأطعماني وصلَّيا٢) العصر، ثم وذَّعه . ورأيته مرّ في
السحاب نحو السماء . فقد كفانا البيهقي أمره وقال : هذا حديث ضعيف بمرَّة ، والعجب أن الحاكم
أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في (( مستدركه(٣) على الصحيحين ، وهذا مما يُستدرك به على
((المستدرك)) فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه . ومعناه لا يصح أيضاً ، فقد
تقدم في ((الصحيحين)) أن رسول الله وَ له قال: ((إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَم ◌ُوْلُهُ سِتُّون ذراعاً في السماء)) إلى أن
قال: ((ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ)(٤) وفيه أنه لم يأت إلى رسول الله وَّ حتى كان هو الذي ذهب
إليه . وهذا لا يصح ، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء . وفيه أنه يأكل في السنة مرة ، وقد
تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب ، وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كلّ سَنةٍ
شربةً تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر . وهذه أشياء متعارضة ، وكلّها باطلة لا يصح شيءٌ منها .
وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق آخر ، واعترف بضعفها ، وهذا عجب منه كيف تكلّم
عليه ، فإنه أورده من طريق حسن بن عرفة ، عن هانىء بن الحسن ، عن بقية ، عن الأوزاعي ، عن
مكحول ، عن واثلة بن الأسقع ، فذكر نحو هذا مطولًا(٥) ، وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث إليه
رسول الله وم ليل أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان، قالا : فإذا هو أعلى جسماً منا بذراعين أو ثلاثة ، واعتذر
بعدم قدومه لئلا تنفر الإبل ، وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله وم شير أكلا من طعام الجنَّة وقال : إن لي في كلِّ
أربعين يوماً أكلةً ، وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورُطَب وبقل ماعدا الكُرَّاث ، وفيه أن رسول الله
وَ يه سأله عن الخضر فقال: عهدي به عام أول، وقال لي: إنك ستلقاه قبلي، فأقرئه مني السلام(٦).
وهذا يدلّ على أن الخضر وإلياس بتقدير وجودهما ، وصحّة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسعٍ
من الهجرة ، وهذا لا يسوغ شرعاً ، وهذا موضوع أيضاً .
وقد أورد ابن عساكر طرقاً فيمن اجتمع بإلياس من العباد(٧)، وكلّها لا يُفرَح بها ، إمّا لضعف إسنادها
أو لجهالة المسند إليه فيها . ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثني بشر بن مُعاذ، حدّثنا
حماد بن واقد ، عن ثابت قال : كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة ، فدخلت حائطاً أصلي فيه
الكرفس : بقل كثير المنافع .
(١)
(٢)
في ط : وصلينا .
المستدرك (٦١٧/٢) . والبيهقي في الدلائل (٤٢١/٥) وقال الذهبي في تلخيص المستدرك : إنه حديث
(٣)
موضوع .
(٤)
تقدم تخريج هذا الحديث .
زاد في ب هاهنا : وهذا موضوع أيضاً .
(٥)
مختصر تاريخ دمشق (٢٧/٥ - ٢٩).
(٦)
(٧) مختصر تاريخ دمشق (٢٩/٥).
١٥١
ذكر قصتي الخضر وإلياس عليهما السلام
ركعتين، فافتتحت: ﴿حَمَ (١) تَنْزِيلُ الْكِنَبِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِی
اُلّطَّوْلِ﴾ [غافر: ١ - ٣]. فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباءَ، عليه مقطعات يمنية، فقال لي: إذا
قلت: ﴿غَافِرِ الذَّنَّبِ ﴾ فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي. وإذا قلت: ﴿ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾ فقل : يا قابل
التوب تقبل توبتي. وإذا قلت: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني. وإذا قلت:
﴿ ذِى اُلَطَّوْلِ﴾ فقل: يا ذا الطول تطوّل عليّ برحمةٍ، فالتفتُّ فإذا لا أحد، وخرجت فسألت: مرَّبكم
رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية ؟ فقالوا : ما مرَّ بنا أحد ، فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس(١).
وقوله تعالى : ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونٌ﴾ أي: للعذاب، إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة ،
والأوّل أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون .
وقوله : ﴿إِلَّعِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا من آمن منهم.
وقوله : ﴿ وَتَرَّكْنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ﴾ أي : أبقينا بعده ذِكراً حسناً له في العالمين ، فلا يذكر إلا بخير ،
ولهذا قال: ﴿سَلَمُ عَلَىَ إِلَّ يَاسِينَ ﴾ أي : سلام على إلياس ، والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها
من غيرها ، كما قالوا : إسماعيل وإسماعين ، إسرائيل وإسرائين ، وإلياس وإلياسين . ومن قرأ :
﴿ سَلامٌ على آلِ يَاسِين﴾ (٢) أي على آل محمد، وقرأ ابن مسعود وغيره: ﴿سَلامٌ على إدراسِين﴾ ونقل
عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال : إلياس هو إدريس . وإليه ذهب
الضحاك بن مزاحم ، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق ، والصحيح أنه غيره كما تقدم . والله أعلم .
(١) مختصر تاريخ دمشق (٢٩/٥ - ٣٠)، وهذا في إسناده حماد بن واقد وهو ضعيف.
(٢) هي قراءة نافع وابن عامر ويعقوب، حجة القرآآت (٦١٠ - ٦١١) والنشر (٣٦٠/٢).
١٥٢
قصة حزقيل
باب
ذكر(١) جَماعَة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى عليه السّلام
ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان عليهما السلام .
قال ابن جرير في «تاريخه)): لا خلافَ بينَ أهلِ العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا
وغيرهم أن القيِّمُ(٢) بأمور بني إسرائيل بعد يوشع كان كالب بن يوفئا٣ً) - يعني أحد أصحاب موسى عليه
السلام - وهو زوج أخته مريم ، وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله ، وهما يوشع وكالب ، وهما
القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد: ﴿أُدْخُلُواْ عَلَهِمُ الْبَابٌَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَلِبُونٌ وَعَلَى الَّهِ
فَتَوَّكَُّواْ إِن كُتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [ المائدة: ٢٣] قال ابن جرير(٤) : ثمّ من بعده كان القائم بأمور بني إسرائيل
حِزْقيل بن بوذي ، وهو الذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت .
قصة حزقیل
قال الله تعالى ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ أَلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْثُمَّ أَحْيَهُمْ
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [ سورة البقرة: ٢٤٣].
قال محمد بن إسحاق عن وهب بن مُنَّه : إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بني
إسرائيل حِزقيل بن بوذي ، وهو ابن العجوز ، وهو الذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه - فيما بلغنا -
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ قال ابن إسحاق : فروا من الوباء ، فنزلوا
بصعيد من الأرض فقال لهم الله : موتوا ، فماتوا جميعاً ، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع فمضت
عليهم دهور طويلة ، فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكراً ، فقيل له : أتحب أن يبعثهم الله
وأنت تنظر ؟ فقال : نعم . فأُمِر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحماً ، وأن يتصل العصبُ بعضه ببعض ،
فناداهم عن أمر الله له بذلك ، فقام القوم أجمعون وكبّروا تكبيرة رجلٍ واحدٍ(٥)
(١) قوله : باب - ذكر ، ليس في ب ، وط.
(٢)
في ط : القائم ، وهو لا يوافق نص الطبري .
(٣)
تاريخ الطبري (٤٥٧/١) .
(٤) المصدر السابق (١/ ٤٥٧).
(٥) اختصر ابن كثير هنا فأخل بمضمونه وقد ذكره الطبري مفصلاً في تاريخه (١/ ٤٥٧ - ٤٥٨) وتفسيره أيضاً (٤٦٨/٥).
١٥٣
قصة حزقيل
وقال أسباط ، عن السدّي، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن
ابن مسعود ، وعن أناس من الصحابة في قوله: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوُفُ حَذَرَ
الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ قالوا: كانت قرية يقال لها: دَاوَزْدَادُ(١) قِبَل واسط وقَع بها الطاعون
فهرب عامة أهلها ، فنزلوا ناحية منها ، فهلك من بقي في القرية وسَلِم الآخرون فلم يمت منهم كثير ، فلما
ارتفع الطاعون رجعوا سالمين ، فقال الذين بقوا : أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا ، لو صنعنا كما صنعوا
بقينا ، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم . فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ، حتى نزلوا
ذلك المكان، وهو واد أفيَحُ(٢)، فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخرُ من أعلاه: أن موتوا، فماتوا حتى
إذا هلكوا ، وبقيت أجسادهم مرَّ بهم نبي يقال له : حِزقيل ، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكّر فيهم
ويلوي شدقيه وأصابعه ، فأوحى الله إليه : تريد أن أُريك كيف أحييهم ؟ قال : نعم . وإنما كان تفكره من
قدرة الله عليهم . فقيل له : نادٍ ، فنادى يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فجعلت العظام يطير
بعضها إلى بعض حتى كانت أجساداً من عظام ، ثمّ أوحى الله إليه أن نادٍ : يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن
تكتسي لحماً ، فاكتست لحماً ودماً ، وثيابها التي ماتت فيها . ثم قيل له : ناد ، فنادى : أيتها الأجساد إن
الله يأمرك أن تقومي ، فقاموا . قال أسباط : فزعم منصور عن مجاهد أنّهم قالوا حين أُحيوا : سبحانك
اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت ، فرجعوا إلى قومهم أحياء يُعرفون أنهم كانوا موتى، سَحْنَةُ(٣) الموت على
وجوههم ، لا يلبسون ثوباً إلا عاد كفناً وسخا٤) حتى ماتوا بآجالهم التي كُتبت لهمُ(٥) .
وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف . وعنه : ثمانية آلاف . وعن أبي صالح : تسعة آلاف . وعن
ابن عباس أيضاً : كانوا أربعين ألفاً .
وعن سعيد بن عبد العزيز : كانوا من أهل أذْرِعات (٦) . وقال ابن جريج عن عطاء : هذا مَثَل ، يعني
أنه سيق مثلاً مبيناً أنه. ((لن يغني حَذَرٌّ مِنْ قَدَرٍ (٧)، وقول الجمهور أقوى إن هذا وقعُ(٨).
(١) في أوب وراوردان وفي بعض النسخ: دراوَزْدان، وأثبتنا ما في ط . وهو موافق لما في المطبوع من تاريخ الطبري ،
ومعجم البلدان ، وفيه : داوَردان : .. من نواحي شرقي واسط ، بينهما فرسخ ، ثم أورد رأي ابن عباس وتفسيره
للآية: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ .. ﴾.
(٢)
الأفيح : كل موضع واسع .
(٣)
السحنة : الهيئة واللون والحال .
في ب ، والطبري : دسما وفي ط : إلا عاد رسماً حتى ماتوا . والدسم : الدنس والوسخ .
(٤)
(٥)
تاريخ الطبري (٤٥٧/١ - ٤٥٩).
مدينة في أطراف الشام ، تبعد عن دمشق نحو ( ١٠٠ ) كيلو متر جنوباً تعرف اليوم ب : درعا .
(٦)
قطعة من حديث ، جرت مجرى المثل . تقدم تخريجها .
(٧)
(٨) أورد الطبري في تفسيره (٢/ ٣٦٥ -٣٦٩)، معظم الآراء التي قيلت في تفسير هذه الآية وعددهم.
١٥٤
قصة حزقيل
وقد روى الإمام أحمد، وصاحبا (( الصحيح)) من طريق الزُّهريُ(١)، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن
ابن زيد بن الخطاب ، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن عبد الله بن عباس أن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسَرْغ٢ٌ) لفِيَه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح
وأصحابه ، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام . فذكر الحديث ، يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار ،
فاختلفوا عليه ، فجاءه عبد الرحمن بن عوف ، - وكان متغيّباً ببعض حاجته - فقال : إن عندي من هذا
علماً ، سمعت رسول اللّه وََّ يقول: ((إذا كانَ بأرضٍ وأنْتُم بها فَلا تَخْرُجُوا فِراراً مِنْه، وإذا سَمِعْتُم بهِ
بأرضٍ فلا تَقْدموا عَلَيه )» فحمِدَ اللّهَ عمرُ ثم انصرف .
وقال الإمامُ(٣): حدّثنا حجاج ويزيد المعني٤) قالا: حدثنا ابن أبي ذِئْبُ(٥) ، عن الزهري، عن سالم،
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عُمر وهو في الشام٢) عن النبي صل ◌َّ: ((إنّ
هذا السقمَ عُذِّبَ بهِ الأُمَمُ قَبْلَكُم ، فإذا سَمِعْتُم بهِ في أرْضٍ فلا تَدْخُلُوها، وإذا وَقَع بأرضٍ وأنْتُم بها فَلاَ
تَخْرُجُوا فِراراً مِنه)). قال: فرجع عمر من الشام. وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري ، بنحو(٧)
قال محمد بن إسحاق ، ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل ، ثمّ إن الله قبضه إليه ، فلما
قُبض نسي بنو إسرائيل عهد الله إليهم ، وعظمت فيهم الأحداث ، وعبدوا الأوثان ، وكان في جملة
ما يعبدونه من الأصنام صنم يسمونه بعلاً ، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن
هارون بن عمران .
قلت : لم يذكر ابن عساكر ترجمة حزقيل في (( تاريخه ٨) وقد قدّمنا قصة إلياس تبعاً لقصّة الخضر
لأنهما يُقرنان في الذكر غالباً ، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصّافات ، فتعجلنا قصته لذلك .
والله أعلم .
قال محمد بن إسحاق فيما ذُكر له عن وهب بن منبه قال : ثمّ تنبأ فيهم بعد إلياس وصيُّه اليسع بن
أخطوب عليه السلام .
(١) أخرجه أحمد (١٩٢/١ و١٩٤) والبخاري: رقم (٥٧٢٩) في الطب، باب ما يذكر في الطاعون . ومسلم رقم
(٢٢١٩) في السلام ، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها .
سَرْغ: أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك، من منازل حاج الشام معجم البلدان، وفيه خبر عمر رضي الله عنه.
(٢)
(٣)
المسند (١٩٣/١).
في أ: العنى. وفي ب: المغني، بإعجام الغين. وفي ط: المفتي. وما أثبتناه عن المطبوع من مسند أحمد (١٩٣/١)
(٤)
(٥)
في ط : (( ذؤيب )) وهو تحريف بيّن .
(٦)
في المطبوع من مسند أحمد : وهو يسير في طريق الشام .
(٧)
أخرجه البخاري (٥٧٣٠)، و(٦٩٧٣)، ومسلم (٢٢١٩).
قوله : ولم يذكر ابن عساكر ترجمة حزقيل في تاريخه ، زيادة من ب ، وهو كما قال .
(٨)
١٥٥
قصة اليسع عليه السلام
وهذه قصّة اليسع عَلَيْه السّلام
وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام [ الآية: ٨٦] في قوله: ﴿ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًاً
وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾.
وقال تعالى في سورة ص: ﴿ وَأَذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِّ وَكُلُّ مِّنَ الْأَخْيَارِ ﴾ [ الآية: ٤٨].
-
قال إسحاق بن بشر أبو حذيفة : أخبرنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن قال : كان بعد إلياس اليسع
عليهما السلام ، فمكث ما شاء الله أن يمكث ، يدعوهم إلى الله مستمسكاً بمنهاج إلياس وشريعته ، حتى
قبضه الله عزّ وجلّ إليه ، ثمّ خلف فيهم الخلُوف ، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا ، وكثرت الجبابرة ،
وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك جبار(١) عنيدٌ طاغ . ويقال : إنه الذي تكفّل له ذو الكفل إن هو تاب
ورجع دخل الجنة ، فسُمّي : ذا الكِفل .
قال محمد بن إسحاق : هو اليسع بن أخطوب .
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من (( تاريخه)): اليسع وهو الأسباط بن عدي بن
شوتلم بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل . ويقال : هو ابن عم إلياس النبي
عليهما السلام . ويقال : كان مستخفياً معه بجبل قاسيون من ملك بَعْلَبَك، ثم ذهب معه إليها ، فلما رُفعِ
إلياس خلفه اليسع في قومه ، وتنيًّاه(٢) الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس(٣) عن أبيه عن وهب بن
منبه. قال: وقال غيره: وكان الأسباط(٤) بيانياس . ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ ﴿اليسع﴾
بالتخفيف وبالتشديد ، ومن قرأ ﴿واللَّيْسَعَ ﴾(٥) وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء.
قلت: وقد قدمنا قصة ذي الكفل بعد قصة أيوب عليهما السلام، لأنه قد قيل: إنه ابن أيوب. فالله أعلم.
فصْلٌ
قال ابن جرير(٦) وغيره : ثم مرج أمر بني إسرائيل ، وعظمت منهم الخطوب والخطايا ، وقتلوا من
(١) قوله : جبار ، زيادة من ب .
في ط : ونبأه وهي أصوب. انظر مختصر تاريخ ابن عساكر (٣٦/٢٨).
(٢)
في ب : عبد المنعم بن إدريس بن سنان . ذكره ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٥٧) ، وقال : يضع الحديث على
(٣)
أبيه وعلى غيره من الثقات ، لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه ... مات سنة ( ٢٢٨) ببغداد .
(٤)
لفظ : الأسباط . سقط من ط .
حجة القراءات ( ٢٥٩) والنشر (٢٦٠/٢) .
(٥)
تاريخ الطبري ( ١/ ٤٦٤) .
(٦)
١٥٦
قصة اليسع عليه السلام
قتلوا من الأنبياء ، وسلَّط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكاً جبّارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم ، وسلّط الله
عليهم الأعداء من غيرهم أيضاً ، وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي كان في
قُبة الزمان - كما تقدم ذكره - فكانوا ينصرون بيركته وبما جعل الله فيه من السكينة ، والبقية مما ترك آل
موسى وآل هارون ، فلما كان في بعض حروبهم مع أهل غزّة وعسقلان غلبوهم عليه وقهروهم على
أخذه ، فانتزعوه من أيديهم . فلما علم بذلك مَلِك بني إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقُه فمات كمداً ،
وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راعٍ حتى بعث الله فيهم نبياً من الأنبياء يقال له : شمويل ، فطلبوا منه أن يقيم
لهم ملكاً ليقاتلوا معه الأعداء ، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قصَّ الله في كتابه .
قال ابن جرير : فكان بين وفاة يوشع بن نون إلى أن بعث الله عزّ وجلّ شمويل بن بالي أربعمئة سنة
وستون سنة . ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحداً واحداً(١) ، تركنا ذِکرهم
قصداً .
*
(١) تاريخ الطبري (٤٦٥/١).
١٥٧
قصة شمویل علیه السلام
قصّة شمويل عليه السلام
وفيها بدء أمر داود عليه السلام(١)
هو شمويل ، ويقال له : أشمويل بن بالي بن علقمة بن حام٢) بن اليهو بن تهو بن صوف(٣) بن
علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا .
قال مقاتل : وهو من ورثة ٤) هارون . وقال مجاهد: هو أشمويل بن هلفاقا®) ولم يرفع في نسبه
أكثر من هذا ، فالله أعلم .
حكى الشُّدِّيُ(٦) بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ، والثعلبي ، وغيرهم : أنه
لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل ، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وسبوا من أبنائهم
جمعاً كثيراً ، وانقطعت النبوّة من سبط لاوي ، ولم يبق فيهم إلا امرأة حُبلى، فجعلت تدعو الله عزّ وجلّ
أن يرزقها ولداً ذكراً ، فولدت غلاماً، فسمَّته أشمويل (٧)، ومعناه بالعبرانية : إسماعيل ، أي سمع الله
دعائي . فلما ترعرع بعثته إلى المسجد ، وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره
وعبادته ، فكان عنده . فلما بلغ أشده(٨) بينما هو ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه
مذعوراً ، فظنه الشيخَ يدعوه ، فسأله أدعوتني؟ فكره أن يُفزعه ، فقال : نعم نَمْ ، فنامَ . ثمّ ناداه الثانية
فكذلك ، ثمّ الثالثةُ(٩) فإذا جبريل يدعوه فجاءه فقال : إن ربك قد بعثك إلى قومك . فكان من أمره معهم
ما قصَّ الله في كتابه .
قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَاِ مِنْ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْقَالُواْ لِنَبِيٍ لَّهُمُ أَبْعَثْ لَنَا
(١) في ب : عليهما الصلاة والسلام ، وفي ط : قصة شمويل وفيها بدء أمر داود عليهما السلام.
(٢) في ط : يرخام . وهو موافق لما في تاريخ الطبري (٤٦٧/١). وفي تفسير الطبري (٢/ ٣٧٣) : برحام ، بالباء
الموحدة والحاء المهملة .
(٣) في تفسير الطبري (٢/ ٣٧٣): ابن اليهو بن يهو صوق ...
(٤)
في ب : ذرية .
(٥)
في بعض النسخ : هلفايا .
(٦) ونقله الطبري مفصلاً في تاريخه (١/ ٤٦٧ ) .
(٧) في تاريخ الطبري : سمعون .
(٨) في الطبري : فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً ...
(٩) في الطبري : فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني .
١٥٨
قصة شمويل عليه السلام
مَلِكَا نُقَتِلْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَلِلَ في
سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَشْرِنَا وَأَبْنَآَبِنَّا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ؟
بِالظَّلِين ◌َ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكَا قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَخْرُ
أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسِّْ وَاللهُ
يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِع عَلِيمٌ لِلْنَا وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّءَايَةً مُلْكِهِ أَن يَأْنِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ
سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَّكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَبِكَةُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ
إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ () فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّْ
يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّىٍ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُم قَالُواْ
لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِةٌ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللّهُ مَعَ الصَّبِينَ (﴾ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ
٤ فَهَزَهُوهُم بِذْنِ اللَّهِ وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللَّهُ
٢٥
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
اَلْمُلْكَ وَالِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ
اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [ سورة البقرة: ٢٤٦ - ٢٥١].
قال أكثر المفسرين : كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل . وقيل : شمعون .
وقيل : هما واحد . وقيل: يوشع، وهذا بعيد، لما ذكره الإمام أبو جعفر بن جرير في (( تاريخه (١) أن
بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمئة سنة وستين سنة . فالله أعلم .
والمقصود : أن هؤلاء القوم لمّا أنهكتهم الحروب ، وقهرهم الأعداء ، سألوا نبيَّ الله في ذلك
الزمان ، وطلبوا منه أن ينصِّب لهم ملكاً يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ، ومعه وبين يديه الأعداء ،
فقال لهم: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا نُقَتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي:
وأيُّ شيءٍ يمنعنا من القتال ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنًا﴾، يقولون: نحن محروبون موتورول(٢) ،
فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين (٣) المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم .
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. كما ذكر في
آخر القصة أنه لم يجاوز النهرَ مع الملك إلا القليل ، والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال .
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً﴾. قال الثَّعْلَبي : وهو طالوت بن قيش بن
تاريخ الطبري (٤٦٥/١). وتفسيره (٣٧٣/٢) والقرطبي (٢٤٣/٣).
(١)
(٢)
في ب : محزونون مقهورون .
في ب : المنهوبين .
(٣)
١٥٩
قصة شمويل عليه السلام
أبيال بن ضرار(١) بن لحوب بن أفيح بن أريش بن بنيامين(٢) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل .
قال عكرمة والسدي : كان سقَّاءً. وقال وهب بن منبه: كان دبَّاغاً. وقيل غير ذلك(٣) ، فالله أعلم .
ولهذا ﴿قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَخْنُ أَحَقُّ بِلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ﴾. وقد ذكروا أن
النبوة كانت في سبط لاوي ، وأن الملك كان في سبط يهوذا ، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه
وطعنوا في إمارته عليهم، وقالوا : ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ وذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه ،
فكيف يكون مثل هذا ملكاً ؟ !.
قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنْهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قيل: كان الله قد أوحى إلى
شمويل أن أيّ بني إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا ، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من
دهن القدس فهو ملكهم ، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا ، فلم يكن أحد منهم على طولها
سوى طالوت ، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه ، وعيّنه للملكُ(٤) عليهم ، وقال لهم :
﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَنهُ عَلَيَكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِ الْعِلْمِ ﴾ قيل : في أمر الحروب ، وقيل : بل مطلقاً
﴿وَالْجِسْمِ﴾ قيل: الطول. وقيل: الجمال . والظاهر من السياق أنه كان أجملهم ، وأعلمهم بعد
نبيهم عليه السلام ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءٌ﴾ فله الحكم وله الخلق والأمر ﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ(٥)
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّءَايَةً مُلْكِهِ: أَن يَأْنِيَكُمُ الثَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ
مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَبِكَةُ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ وهذا أيضاً من بركة
ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويُمْنِهِ عليهم أن يردَّ اللهُ عليهم التابوتَ الذي كان سُلب منهم وقَهرهم
الأعداءُ عليه ، وقد كانوا يُنصرون على أعدائهم بسببه ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ قيل : طست من
ذهب كان يُغْسَل فيه صدور الأنبياء. وقيل: السكينة(٥) مثل الريح الخَجُوجُ(١) . وقيل : صورتها مثل
الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر .
وَبَقِيَّةٌ مِّمَا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَرُونَ﴾ قيل: كان فيه رُضَاضُ(٧) الألواح وشيء من المنِّ
في بعض النسخ : أنيال بن صرار .
(١)
(٢)
في ط : طالوت بن قيش بن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين ... وفي تاريخ الطبري :
(٤٧٥/١). شاول بن قيس ... بن بحرت بن أفيح بن أيش ...
(٣)
تفسير الطبري (٣٧٩/٢ - ٣٨٠).
(٤)
في ط : الملك .
قد ساق الطبري عدداً من الآراء في تأويل السكينة تفسيره (٢/ ٣٨٥) . وما بعدها .
(٥)
(٦)
ريح خجوجٍ : أي شديدة المرور في غير استواء . وخَجَّتِ الريح في هبوبها تَخُجّ خُجوجاً : التوت .
الرضّ : دَقَّك الشيءَ. ورُضَاضه: قِطَعُه وكسرُه .
(٧)
١٦٠
قصة شمويل عليه السلام
الذي كان نزل عليهم بالتيه (١) ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَبِكَةٌ﴾ أي: تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عياناً
ليكون آيةً لله عليكم وحُجةً باهرةً على صدق ما أقوله لكم وعلى صحّة ولاية هذا الملك الصالح عليكم ،
ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ . وقيل : إنه لما غلب العمالقة على هذا
التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة. وقيل : كان فيه التوراة أيضاً ، فلما استقر في أيديهم
وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم ، فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم ، فوضعوه تحته ، فلما كان
اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم ، فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى ، فأخرجوه من بلدهم
وجعلوه في قرية من قراهم ، فأخذهم داء في رقابهم ، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في
بقرتين وأرسلوهما ؛ فيقال : إن الملائكة ساقتهما٢) حتى جاؤوا بهما ملأ بني إسرائيل وهم ينظرون كما
أخبرهم نبيهم بذلك ، فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة . والظاهر أن الملائكة كانت تحمله
بأنفسهم كما هو المفهوم(٣) من الآية، والله أعلم. وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم(٤) .
﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنََّ
إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ،﴾. قال ابن عباس، وكثير من المفسرين(٥): هذا النهر هو نهر الأردن ، وهو
المسمى بالشريعة (٦) ، فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختباراً
وامتحاناً أنّ من شَرِب من هذا النهر اليوم فلا يصحبْني في هذه الغزوة ، ولا يصحبني إلا مَن لم يَطْعمْه إلا
غرفة في يده . قال الله تعالى: ﴿فَشَرِّبُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ﴾ .
قال السدّي : كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستةٌ وسبعون ألفاً، وتبقّى معه أربعة آلاف . كذا
قال(٧).
وقد روى البخاري في ((صحيحه )) من حديث إسرائيل ، وزهير ، والثوري ، عن أبي إسحاق ، عن
البراء بن عازب قال: كنا - أصحابَ مُحمد بَاله ـ نتحدث أنَّ ◌ِدَّة أصحاب بدرٍ على عدة أصحاب طالوت
الذين جاوزوا معه النهر ، ولم يجاوز معه إلا بضعةَ عشرَ وثلاثمئة مؤمن(٨).
(١) ساق الطبري عدداً من الآراء في تأويل البقية، تفسيره (٣٨٧/٢ -٣٨٨).
(٢)
في ب : ساقوهما وفي بعض النسخ : ساقتها .
في ط : كما هو مفهوم بالجنود من الآية ، بزيادة لفظ ( الجنود ) هنا وحذفه من الآية القادمة .
(٣)
(٤)
تفسير الطبري (٣٨٨/٢ -٣٨٩).
من بداية الآية الكريمة ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ﴾ إلى قوله: وكثير من المفسرين؛ ليس في ب.
(٥)
الآراء في تأويل قوله ﴿ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ في تفسير الطبري (٣٩١/٢).
(٦)
(٧)
تفسير الطبري (٢/ ٢٩٢).
(٨) الحديث في البخاري: رقم (٣٩٥٨) في المغازي ، باب عدة أصحاب بدر . وهو عند الطبري أيضاً في تفسيره
(٣٩٣/٢) .