Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم يَظُ أنَّها لَهُ خَالِصَةٌ والسَّابِعَةُ لَمْ يَكُنْ مُؤْسَى يُحِبُّها . قال : يا رَبّ أُّ عِبَادِكَ أَتْقَى؟ قَالَ : الذي يَذْكُرُ ولا يَنْسى ، قال: فأيُّ عِبَادِكَ أَهْدَى؟ قالَ: الذي يَتَّبِعُ الهُدَى. قالَ: فأيُّ عِبادِكَ أحكم ؟ قالَ : الذي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَما يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ. قَالَ : فأيُّ عِبادِكَ أَعْلَم ؟ قالَ : عالِمٌ لا يَشْبَعُ مِنَ العِلْمِ يَجْمَعُ عِلْمَ النَّاسِ إلى عِلمِهِ، قالَ: فأيُّ عبادِكَ أعَزّ؟ قال: الذي إذا قَدَرَ غَفَر . قال: فأيُّ عبادِكَ أغْنَى؟ قال : الذي يَرْضَى بما يُؤْتِى. قالَ: فأيُّ عبادِكَ أَفْقَرُ؟ قالَ: صاحِبُ مَنْقُوصٍ. قالَ رَسُولُ اللهِّهِ (( لَيْسَ الغنى عَنْ ظهر ، إنّما الغنى غنى النفس ، وإذا أراد الله بعبد خيراً ، جعل غناه في نفسه ، وتقاه في قلبه ، وإذا أراد بعبدٍ شرّاً جَعَل فَقْرَه بين عينيه )) . قال ابن حِبّان : قوله : صاحب منقوص يريد به : منقوص حالته يستقل ما أوتي ، ويطلب الفضل . وقد رواه ابن جرير في ((تاريخه)(١) عن ابن حميد، عن يعقوب القُمّي(٢)، عن هارون بن عنترةُ(٣) ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : سأل موسى ربّه عز وجل ، فذكر نحوه ، وفيه قال : ( أي ربّ ! فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يبتغي علم النّاس إلى علمه عسى أن يجد(٤) كلمةً تهديه إلى هُدى، أو تردُّه عن ردى . قال : أي ربّ! فهل في الأرض أحدٌ أعلم مني ؟ قال : نعم الخضر ، فسأل السبيل إلى لُقْبِهِ ، فكان ما سنذكره بَعْدُ إن شاء الله وبه الثقة . ذکر حديث آخر في معنی ما ذكره ابن حبان قال الإمام أحمد : حدّثنا يحيى بن إسحاق ، حدّثنا ابن لَهِيْعة، عن درّاج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد الخُذْري، عن النبيِ وَِّ أنه قال: ((إن موسى قال: أي ربّ عبدك المؤمن مُقَتَّ عليه في الدُّنيا، قال فَفْتِحَ لَهُ باب من الجنة، فنظر إليها ، قال: يا مُوسَى هذا ما أعْدَدْتُ لَهُ . فَقالَ مُؤْسَى: يا رَبِّ ، وِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لو كَانَ مُقَطَّعُ(٥) اليَدَيْنِ والرّجلَين، يُسْحَبُ على وجْهِهِ مِنْذُ يَوْمٍ خَلَقْتَه إلى يومِ القيامةِ ، وكانَ هذا مَصِيْرِه لَم يَرَ بُؤْساً قَطُ . قال : ثُمَّ قَال: أي ربِّ عَبْدك الكافِرِ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِ في الدُّنيا . قال: فَفُتح له بابٌ إلى النارِ ، فيقولُ: يا موسَى هذا ما أَعْدَدْتُ لَه، فقال: أي ربّ وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ لَوْ كانَتْ لَهُ (١) تاريخ الطبري (٣٧١/١)، وفي لفظه اختلاف عما هنا. (٢) في ط: التميمي . وهو تحريف . وهو يعقوب بن عبد الله بن سعد العجمي القمي، توفي سنة (١٧٤ هـ). ترجمته في سير أعلام النبلاء ( ٨/ ٢٦٦). (٣) في ط : عبيرة . وهو تصحيف . في ب : أن يصيب . (٤) (٥) في ب : أقطع . ٨٢ قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم الدُّنْيا منذُ يَوْمِ خَلَقْتَهُ إلى يَوْم القِيامَةِ، وكانَ هذا مَصِيْرهُ لَمْ يَرَ خَيْراً قط)). تفرّد به أحمد من هذا الوجه(١)، وفي صحته نظر . والله أعلم . وقال ابن حبان(٢): ذِكْرُ سُؤالٍ كليم الله ربّه جل وعلا أن يعلمه شيئاً يذكره به. حدَّثنا ابن سلمُ(٣) حدّثنا حَرْملة بن يحيى، حدّثنا ابن وهْب ، أخبرني عمرو بن الحارث أنَّ درَّاجاً حدَّثه ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد، عن النبي ◌ِّر أنه قال: ((قال مُوسَى: يا رَبِّ عَلِّمْني شَيْئاً أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوْكَ بهِ . قَالَ: قُلْ يا مُوسى: لا إلَهَ إلَّ اللهُ. قال يا رَبّ كُلُّ عِبادِكَ يقولُ هذا. قالَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ. قالَ: إنَّما أُرِيِّدُ شَيْئاً تَخُصُّني بهِ . قالَ يا مُوسَى لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمواتِ السَّبْعِ وَالأَرَضِيْنِ السَّبْعِ فِي كِفَّةٍ ، ولَا إِلَّهَ إلّ اللهُ في كِفَّةٍ مالَتْ بِهِمْ لا إِلَّهَ إلّ اللهُ )) . ويشهد لهذا الحديث حديث البِطاقة (٤) . وأقرب شيءٍ إلى معناه الحديثُ المروي في السنن(٥) عن النبي ◌ََّ أنه قال: ((أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ ما قُلْتُ أَنا وَالنَّبْتُّونَ مِنْ قَبْلي: لا إلَهَ إلّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيْرِ)) . وقال ابن أبي حاتم عند تفسير آية (١) المسند (٣/ ٨١). (٢) صحيح ابن حبان (٦٢١٨) كتاب التاريخ ، باب بدء الخلق ، وإسناده ضعيف ، فإن دراجاً ضعيف لا سيما في روايته عن أبي الهيثم . (٣) في ط : ابن سلمة . وهو سهو . وابن سلم هو عبد الله بن محمد بن سلم الفريابي المقدسي . سمع من حرملة بن يحيى بمصر ، وحدّث عنه ابن حبان ووثقه ، توفي سنة نيف عشرة وثلاثمئة. سير أعلام النبلاء (١٤ / ٣٠٦). (٤) أخرجه أحمد (٢١٣/٢) و(٢٢١/٢ - ٢٢٢)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، ومن حديثه أخرجه ابن ماجه برقم (٤٣٠٠) في الزهد ، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة . والترمذي برقم (٢٦٣٩) في الإيمان ، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله. (٥) هكذا قال، وفي قوله نظر، فإن هذا الحديث لم يخرجه من أصحاب السنن سوى الترمذي (٣٥٨٥) في الدعوات من جامعه من حديث حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وضعفه بحميد هذا فقال: ((هذا حديث غريب من هذا الوجه وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس هو بالقوي عند أهل الحديث)). ومن هذا الطريق أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢١٠). ومن العجب أن الهيثمي أورده في مجمع الزوائد (٢٥٢/٣) وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون! والصحيح في هذا أنه مرسل كما في الموطأ من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز (٥٧٢ برواية الليثي من ط. د. بشار). وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣٩/٦): ((لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما رأيت، ولا أحفظه بهذا الإسناد مسنداً من وجه يحتج بمثله. وقد جاء مسنداً من حديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، فأما حديث علي فإنه يدور على دينار أبي عمرو عن ابن الحنفية وليس دينار ممن يحتج به. وحديث عبد الله بن عمرو من حديث عمرو بن شعيب، وليس دون عمرو من يحتج به فيه)) ثم ساقه موصولاً من هذه الطرق وقال: ((ومرسل مالك أثبت من تلك المسانيد)) (٤١/٦). أقول: وللحديث شاهد من حديث علي عند الطبراني في ((الدعاء)) رقم (٨٧٤) وفي إسناده قيس بن الربيع، وحديثه يصلح للمتابعات والشواهد، وشاهد آخر موقوف من حديث ابن عمر عند الطبراني في ((الدعاء)) رقم (٨٧٨) وإسناده صحيح، وشاهد ثالث مرسل من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز عند مالك (٢١٤/١) ومن طريقه عبد الرزاق رقم (٨١٢٥) فهو حديث حسن لغيره . ٨٣ قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم الكُرْسِي: حدّثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدّثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتَكي(١)، حدّثني أبي، عن أبيه ، حدّثنا أشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى : هل ينامُ رَبُّك؟ قال: اتقوا الله . فناداه ربه عز وجل : يا موسى سألوكَ هل ينامُ ربك ، فخذ زُجاجتين في يديك، فَقُمِ الليلَ ، ففعلَ موسى ، فلما ذهب من الليل ثلثٌ نَعَسَ فوقع لركبتيه ، ثم انتعش فَضَبَطَهما ، حتى إذا كان آخر الليل نَعَسَ فسقطت الزجاجتان فانكسرتا . فقال : يا موسى لو كنتُ أنامُ لسقطتِ السماواتُ والأرضُ فهلكن كما هلكتِ الزجاجتان في يديك . قال وأنزل الله على رسوله آية الكرسي . وقال ابن جرير : حدّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدّثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شِبْل ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَله يحكي عن موسى عليه السلام على المنبر قال: وقَعَ في نَفْسِ مُوسى عليه السلام هَلْ يَنَامُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأرْسَلَ الله عز وجل إليه مَلَكاً فَأَزَّقَهُ ثَلاثاً، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُوْرَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُوْرَةٌ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ : فَجَعَلَ يَنَامُ وكَادَت يَدَاهُ تَلْتَقِيان فَيَسْتَيْقِظ فَيَحْبِسُ إحْداهُما عَلى الأخْرِى حَتَّى نامَ نَومَةً فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ ، فانْكَسَرَتِ القَارُوْرَتان . قالَ : ضَرَبَ اللهُ لَهُ مَثَلاً أنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ لَمْ يَسْتَمْسِكِ السَّماءُ والأَرْضُ . وهذا حديث غريبٌ رفعه، والأشبه أن يكون موقوفاً ، وأن يكون أصلُه إسرائيلياً(٢) . وقال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْتُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَكَّقُونَ () ثُمَّ تَوَلَّيْتُم ◌ِنْ بَعْدِ ذَلِكٌ فَلَوَلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ﴾ [ البقرة: ٦٣ -٦٤]. وقال تعالى: ﴿﴿ وَإِذْنَنَقْنَا الْجَلَ فَوْقَهُمْ كَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُ واْمَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَفَّقُونَ﴾ [ الأعراف: ١٧١] قال ابن عباس (٣) وغير واحد من السّلف: لما جاءهم موسى بالألواح فيها التوراة ، أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوةٍ وعزم ، فقالوا : انشرها علينا فإن كانت أوامرها ونواهيها سَهلةٌ قبلناها ، فقال : بل اقبلوها بما فيها ، فراجعوه مِراراً ، فأمر الله الملائكة فرفَعوا الجبلَ على رؤوسهم حتى صار ﴿ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أي: غمامة على رؤوسهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها وإلّ سقط هذا الجبل عليكم ، فقبلوا ذلك ، وأُمروا بالسجود فسجدوا ، فجعلوا ينظرون إلى الجبل بشق وجوههم ، فصارت سُنَّة لليهود إلى اليوم يقولون : لا سجدة أعظم من سجدةٍ رفعت عنا العذاب . (١) الدشتكي: نسبة إلى دشتك : قرية بالري من بلاد فارس. (٢) العلة فيه من أمية بن شبل، قال الإمام الذهبي في الميزان (٢٧٦/١): ((له حديث منكر رواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعاً، قال : وقع في نفس موسى : هل ينام الله ... الحديث رواه عنه هشام بن يوسف . وخالفه معمر عن الحكم عن عكرمة قوله ، وهو أقرب )» . (٣) تفسير الطبري (٩/ ٧٤). ٨٤ قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم وقال سُنَيْد بن داود ، عن حَجَّاج بن محمد ، عن أبي بكر بن عبد الله قال : فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبلٌ ، ولا شجر ولا حجر إلا اهتز ، فليس على وجه الأرض يهوديٌّ صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه (١) . قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَيْتُم مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكٌ﴾ أي: ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم ، والأمر الجسيم ، نكثتم عهودكم ومواثيقكم ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اُللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ بأن تدار ککم بالإرسال إلیکم ، وإنزال الكُتُبِ عليكم ﴿ لَكُنْتُم مِّنَ الْخَِّينَ ﴾. *** (١) المصدر السابق (٧٥/٩). ٨٥ قصة بقرة بني إسرائيل قصة بقرة بني إسرائيل قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْ بَحُواْ بَقَرَّةٌ قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُنَ ـا قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِنِ لَّنَا مَا هِىَّ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكٌ فَأَفْعَلُواْ مَا " ٦٧ مِنَ الْجَهِلِينَ تُؤْمَرُونَ ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لَّنَا مَا لَوْنُهَأَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُ النَّظِرِينَ 79 قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيْنِ لَّنَامَا هِىَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَّةٌ لَّا ذَلُولٌ ◌ُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّاشِيَةَ فِيهَأَ قَالُواْ الْعَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُ واْ يَفْعَلُونَ ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَاذَّرَهْ تُمْ فِيهَا فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحِ اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَنِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ وَاللَّهُ مُخْرِجُ مَا كُنتُمْ تَكْتُونَ [ البقرة : ٦٧ _ ٧٣ ] . قال ابن عباس وعَبِيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والشُّدّي ، وغير واحد من السلف : كان رجل في بني إسرائيل كثير المال ، وكان شيخاً كبيراً ، وله بَنو أخ ، وكانوا يتمنَّوْن موته ليرثوه ، فعمد أحدُهم فقتله في الليل ، وطرحه في مجمع الطريق (١) ، ويقال على باب رجل منهم ، فلما أصبح الناس اختصموا فيه ، وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلَّم ، فقالوا : ما لكم تختصمون ولا تأتون نبيَّ الله ، فجاء ابن أخيه ، فشكى أمرَ عمه إلى رسول الله موسى وَ له فقال موسى عليه السلام: أنشد الله رجلاً عنده عِلمٌ من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به ، فلم يكن عند أحد منهم علمٌ منه ، وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربّه عز وجل فسأل ربه عز وجل في ذلك ، فأمره الله تعالى أن يأمرهم بذبح بقرة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُواْ﴾ يعنون نحن نسألك عن أمر هذا القتيل، وأنت تقول لنا هذا. ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ أي : أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أُوحيَ إليَّ. وهذا هو الذي أجابني حين سألته عمَّا سألتموني عنه أن أسأله فيه . قال ابن عباس وعَبِيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية ، وغير واحد : فلو أنّهم عَمدوا إلى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصودُ منها ، ولكنهم شددوا ، فشدَّد عليهم. وقد ورد فيه حديث مرفوع (٢) ، وفي إسناده ضعف ، فسألوا عن صفتها ، ثمّ عن لونها ثمّ عن سنّها ، فأجيبوا بما عزّ وجودُه عليهم ، وقد ذكرنا تفسير ذلك كلّه في ((التفسير(٣). (١) في ط : الطرق . (٢) انظر الدر المنثور (١٩٠/١). (٣) تفسير ابن كثير (١٠٨/١). ٨٦ قصة بقرة بني إسرائيل والمقصود أنهم أُمروا بذبح بقرة عوان ، وهي الوسط بين النصف الفارض وهي الكبيرة ، والبكر وهي الصغيرة ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة . ثمّ شدّدوا وضيَّقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها ، فأُمروا بصفراء فاقعٌ لونها ، أي مُشربٌ بحمرةٍ تسُ الناظرين. وهذا اللون عزيز. ثمّ شدّدوا أيضاً ﴿قَالُواْ أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنِ لََّمَا هِىَ إِنَّ الْبَقَّرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. ففي الحديث المرفوع الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه: (( لولا أن بني إسرائيل استثنوا لما أعطوا)) وفي صحته نظر (١). والله أعلم. ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ ◌ُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا يَشِيَةَ فِيهَأَ قَالُواْ الْقَنَ جِئْتَ بِالْحَقّ فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ وهذه الصفات أضيق مما تقدم ، حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذَّلول، وهي المذلّلة بالحراثة، وسقي الأرض بالسانية(٢) ، مسلّمة وهي الصحيحة التي لا عيب فيها ، قاله أبو العالية وقتادة . وقوله تعالى : ﴿لَّاشِيَةَ فِيهَا﴾ أي : ليس فيها لون يخالف لونها ، بل هي مسلَّمة من العيوب ، ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها ، فلمّا حدّدها بهذه الصفات ، وحصرها بهذه النعوت والأوصاف ﴿ قَالُواْ الْعَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ويقال: إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفات إلا عند رجلٍ منهم كان بارّاً بأبيه ، فطلبوها منه فأبى عليهم ، فأرغبوه في ثمنها حتى أعطوه - فيما ذكره السُّدّي - بوزنها ذهباً ، فأبى عليهم ، حتى أعطوه بوزنها عشر مرات فباعها منهم ، فأمرهم نبي الله موسى بذبحها ﴿فَذَبَجُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ أي: وهم يتردّدون في أمرها . ثمّ أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها . قيل : بلحم فخذها . وقيل بالعظم الذي يلي الغُضْروف . وقيل بالبضعة التي بين الكتفين ، فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو تشخب أوداجه (٣) فسأله نبي الله: من قتلك؟ قال: قتلني ابن أخي . ثمّ عاد ميتاً كما كان . قال الله تعالى كَذَلِكَ يُحِى اللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِكُمْ ءَايَنَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: كما شاهدتم إحياء هذا القتيلِ عن أمر الله له ، كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءَهم أحياهم في ساعةٍ واحدة كما قال: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْشُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَحِدَةٍ﴾ الآية: [ لقمان: ٢٨]. (١) أورده المؤلف في تفسيره (١١٥/١)، عن أبي هريرة، وقال: وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة . (٢) السانية: الدلو الكبير يُستقى بها. (٣) الأوداج : عروق في العنق. وقد ساق المؤلف في تفسيره (١١٢/١) الكثير من الآراء حول هذه القصة . ٨٧ قصة موسى والخضر عليهما السلام قِصّة موسى والخضر عليهما السلام قال الله تعالى: ﴿وَإِذْقَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآ أَبْرَعُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا () فَلَمَا بَلَغَا تَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَأَتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا ◌ِفَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَالَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْأَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ وَأَتَّخَذَ سَمِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَمَا ◌ِنَّ قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّانَبْغَ فَارْتَدًا عَلَىّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا (﴿ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا (٢) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (١) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا [١]وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَالَمْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرً اثـ قَالَ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا ﴾ قَالَ فَإِنِ أَتََّعْتَنِ فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتَّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ! فَانْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٦) قَالَ أَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرً ﴿َ قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِىِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا (٣) فَأَنْطَلَقَا حَتَّ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَنَلَهُ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةَ(١) قَالَ إِنِ سَأَلْتُكَ عَن شَىءٍ بَعْدَهَا فَلَا Vo قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَّعِىَ صَبْرًّا ( بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تُكْرًا ( تُصَحِبْنِى قَدْ بَغْتَ مِن لَُّنِ عُذْرًا (٣٦) فَانْطَلَقَا حَتَّ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ VA ا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع ◌َلَيْهِ صَبْرًا أَن يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًارِهَ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَلِكِينَ يَعْمَلُونَ فِىِ الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (8) وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا (ث) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَتُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَّكَوَةٌ وَأَقْرَبَ رُحْمَا لَ] وَأَمَّا الِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ اَلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْرٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوُهُمَا صَلِحًا فَأَرَدَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِحَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن رَّيِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٠ -٨٢]. قال بعضُ أهل الكتاب : إن موسى هذا الذي رحل إلى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن (٢) إبراهيم الخليل ، وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم ، وينقل عن كتبهم ، منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البِكَالي . ويقال : إنّ دمشقي ، وكانت أمه زوجة کعب الأحبار . والصحيح الذي دلَّ عليه ظاهر سياق القرآن ، ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه ، أنّه موسى بن عمران صاحب بني إسرائيل . (١) في أ: ﴿زاكية﴾، وما أثبتناه قراءة الجمهور . (٢) قوله : إسحاق بن زيادة من ط ، وفي ب توقف عند يعقوب . ٨٨ قصة موسى والخضر عليهما السلام قال البخاري(١): حدّثنا الحميدي، حدّثنا سفيان، حدّثنا عمرو بن دينار، أخبرني سعيد بن جُبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفاً الِكَالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ، ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل. قال ابن عباس: كذب عدو الله. حدّثنا أُتَي بن كعب أنّه سمع رسول الله بَّه يَقُول: ((إنَّ مُؤْسَى قَامَ خَطِيْباً في بَنِي إِسْرَائِيْلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أنا. فَعَتِبَ اللهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيْه ، فأوَحْى اللهُ إلَيْهِ: إنَّ لي عَبْداً بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ . قالَ موسَى : يا رَبِّ وَكَيْفَ لي بهِ ؟ قالَ : تَأْخُذُ مَعَكَ حُوْتاً فَتَجْعَلُهُ بِمِكْتَلِ(٢) فَحَيثما فَقَدْتَ الحوتَ فَهُوَ ثَمَّ . فَأَخَذَ حُوتاً فَجَعَلَه بِمِكْتَلٍ ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ يُؤْشَعُ بنُ نُونٍ حَتَّى إذا أَنَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعا رُؤُوسهما فَناما ، واضْطَرَبَ الحوتُ في المِكْتَلِ ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ في البَحْرِ وَاتّخذَ سَبِيْلَه في البَحْرِ سَرَباً. وأمْسَكَ اللّهُ عَنِ الحوتِ جرية الماءِ فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْل الطاقِ ، فَلَمَّ اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بالحوتِ فَانْطَلَقَا بَقِيَّةِ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتهما حَتّى إذا كانَ مِنَ الغَدِ ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِيْنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ وَلَمْ يَجِدْ مُؤْسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ المَكانَ الذي أَمَرَهُ اللهُ بِهِ ﴿ قَالَ﴾ له فتاه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ وَأَّخَذَ سَمِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان للحوت سَرَباً ولموسى ولفتاه عجباً ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّانَيْغَ فَأَرْتَذَا عَلَىّءَ اثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجلٌ مُسَجّى بثوب ، فسلّم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنَّى بأرضك السلامُ . قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما عُلّمت رشْداً ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علَّمنيه اللهُ لا تعلمه أنتَ ، وأنتَ على علم من علم الله علَّمَكه الله لا أعلمه ، فقال موسى ﴿ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا﴾. قال له الخضر: ﴿فَإِنِ أَتََّعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِى عَن شَىْءٍ حَتّ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿ فَانْطَلَقَا﴾ يمشيان على ساحل البحر ، فمرت سفينةٌ فكلّمهم أن يحملوهم ، فعرَفَوا الخضر ، فحملوهم بغير نَوْل . فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقَدُوم . فقال له موسى : قوم حملونا بغير نَوْل عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ﴿ لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمرَّ الَ قَالَ أَلَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا (٣) قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا﴾ قال: وقال رسول الله وَّه(( وكانتِ الأولى مِنْ مُوسى نسياناً، قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر . ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله ، فقال له موسى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (يَ ﴾ قَالَ أَلَمْ أَقُل (١) سقطت صفحة كاملة من ب ، وعوض عنها صفحة بخط مغاير، ووقع فيها اختلاف كثير عن نسخة الأصل ، لم أشر إليه لأنه لا يفيد في اختلاف النسخ . (٢) المكتل : الزنبيل الذي يعمل من الخوص. ٨٩ قصة موسى والخضر عليهما السلام لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾ قال: وهذه أشد من الأولى ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِى عُذْرًا (٣) فَانْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْأَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل ، فقال الخضر بيده ﴿فَأْقَامَةٌ﴾ فقال موسى: قومٌ أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَبَيْنِكَ سَأُنِبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع ◌َلَيْهِ صَبْرًا﴾ قال رسول الله وَل} (( ودِدْنا أَنَّ مُؤْسَى كانَ صَبَرَ حَتَّى يَقُصنَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِما (١) - قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ : وكان أمامهم مَلِك يأخذ كلّ سفينةٍ صالحةٍ غصباً ، وكان يقرأ : وأما الغلام فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين . ثم رواه البخاري(٢) أيضاً عن قُتيبة، عن سفيان بن عُيَيْنة بإسناده ، نحوه . وفيه : فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ، ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة ، فنزلا عندها ، قال : فوضع موسى رأسه فنام ، قال سفيان : وفي حديث غير عَمرو قال : وفي أصل الصخرة عين يقال لها : الحياة ، لا يصيب من مائها شيءٌ إلا حيي ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين ، قال : فتحرّك وانْسَلَّ من المِكتل ، ودخل البحرَ ، فلما استيقظ ﴿ قَالَ لِفَتَمُهُ ءَائِنَا غَدَآءَ نَا لَقَدْ لَقِينَا﴾ وساق الحديث وقال : ووقع عصفور على حرف السفينة ، فغمس منقاره في البحر ، فقال الخضر لموسى : ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره ... وذكر تمام الحديث . وقال البخاري : حدّثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جُريج أخبرهم قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، وعمرو بن دينار ، عن سعيد بن جُبير يزيد أحدهما٣) على صاحبه ، وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال : إنا لَعند ابن عباس في بيته إذ قال : سَلوني ، فقلت : أي أبا عباس - جعلني الله فداك - بالكوفة رجل قاصٌّ يقال له : نوف ، يزعم أنّه ليس هو نبي بني إسرائيل ، أما عمرو فقال لي : قال : كذب عدوُ الله . وأمّا يعلى فقال لي : قال ابن عباس : حدّثني أُبَي بن كعب قال : قال رسول الله وَُّ: مُوسى رسول الله ذَكَّرَ الناسَ يوماً حتى إذا فاضت العيونُ، ورقّت القلوبُ، ولَّى فأدركه رَجُل، فقال : أي رسول الله هل في الأرض رجل أعلم منك؟ قال: لا، فَعَتِبَ اللهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العلْم إلى الله. قيل : بلى . قال : أي ربّ فأين؟ قالَ: بِمَجْمَعِ البَحْرَيْن . قالَ أي رَبّ اجْعَل لي علماً أعلم ذلك به . قال : قال لي عمرو : حيث يفارقك الحوت . وقال لي يعلى : خذ حوتاً ميتاً حيث ينفخ فيه (١) الحديث بتمامه أخرجه البخاري : رقم (١٢٢)، في العلم ، باب ما يستحب للعالم إذا سئل : أي الناس أعلم ؟ فيكل العلم إلى الله . وفيه اختلاف عما هاهنا . (٢) صحيح البخاري رقم (٤٧٢٧) في تفسير سورة الكهف ، باب ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ اٌلْبَحْرَيْنِ﴾. صحيح البخاري (٤٧٢٦). (٣) قوله: يزيد أحدهما ... إلى هنا. زيادة من ط . وهي في البخاري. ٩٠ قصة موسى والخضر عليهما السلام الروح ، فأخذ حوتاً فجعله في مِكتل فقال لفتاه : لا أُكلّفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت ، قال : ما كلفتَ كبيراً، فذلك قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ يوشع بن نون. ليست عن سعيد بن جبير. قال : فبينما هو في ظلّ صخرةٍ في مكان ثَرْيَان إذ تَضَرَّبُ(١) الحوت ، وموسى نائم، فقال فتاه : لا أُوقظه ، حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره ، وتضرّب الحوت حتى دخل البحر فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر ، قال : فقال لي عمرو : هكذا كان أثره في حجر ، وحلّق بين إبهاميه واللتين تليان. ﴿لَقَدْ لَفِيِنَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾. وقد قطع الله عنك النصب. ليست هذه عن سعيد. أخبره ، فرجعا فوجدا خضراً قال : قال عثمان بن أبي سليمان على طنفسةً(٢) خَضْراء على كبد البحر . قال سعيد : مُسجّى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه ، وطرفه تحت رأسه ، فسلّم عليه موسى ، فكشف عن وجهه وقال : هل بأرضٍ من سلام ؟ من أنت ؟ قال : أنا موسى . قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم . قال : فما شأنك؟ قال: جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ قال: أما يكفيك أنّ التوراة بيديك، وأنّ الوحي يأتيك ، يا موسى إن لي علماً لا ينبغي لك أن تعلمه ، وإن لك علماً لا ينبغي لي أن أعلمه ، فأخذ طائرٌ بمنقاره من البحر ، فقال : والله ما علمي وعلمك في جَنْب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر . ﴿حَتَّ إِذَا رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ﴾ وجدا معابر صغاراً تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر ، عرفوه فقالوا : عبد الله الصالح . قال : فقلنا لسعيد : خضر ؟ قال : نعم . لا نحمله بأجر . فـ ﴿خَرَقَهَا﴾ ووقّد فيها وَتَدا ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿ أَخَرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد : منكراً، ﴿ قَالَ أَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا﴾. كانت الأولى نسياناً، والوسطى شرطاً، والثالثة عمداً. قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُمْرًا (﴿ فَانْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا لَقِيَا غُلَمًا فَقَنَلَهُ ﴾ قال يعلى (٣): قال سعيد: وجد غلماناً يلعبون، فأخذ غلاماً كافراً ظريفاً، فأضجعه، ثمّ ذبحه بالسكين. ﴿ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةٌ﴾ لم تعمل بالخبث . ابن عباس قرأها ﴿زكية﴾ زاكية مسلمة كقولك: غلاماً}) زكياً. ﴿ فَأَنْطَلَقَا ... فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَةٌ ﴾ قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام ، قال يعلى : حسبت أن سعيداً قال : فمسحه بيده فاستقام . ﴿ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ . قال سعيد : أجراً نأكله. ﴿وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ مَلِكٌ﴾. وكان أمامهم، قرأها ابن عباس أمامهم ﴿ مَلِكُ﴾ يزعمون عن غير سعيد أنّه هدد بن بدد، والغلام المقتول [ اسمه (٥) يزعمون جيسور. ﴿ مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾ فإذا هي (١) ثريان: مبلول. وتَضَرَّب، تَحرَّكَ وسار في الأرض. (٢) الطنفسة : البساط . (٣) تفسير الطبري ( ١٨٥/١٥). المصدر السابق . (٤) (٥) سقطت من ط ، وهي في أوفي صحيح البخاري الذي ينقل منه المصنف . ٩١ قصة موسى والخضر عليهما السلام مرّت به يدعها بعيبها، فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها . منهم من يقول : سدُّوها بقارورة ، ومنهم من يقول : بالقار. ﴿ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكان كافراً ﴿ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ أي: يحملهما حُّه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِ لَهُمَا رَبُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً﴾ لقوله: ﴿أَقَلْتَ نَفْسَا زَكِيَّةٌ﴾. ﴿ وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾ هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر . وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جاريةً . وأما داود(١) بن أبي عاصم فقال عن غير واحد : إنها جارية . وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبي إسحاق ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : خطب موسى بني إسرائيل فقال : ما أحدٌ أعلم بالله وبأمره مني ، فأُمِرَ أن يلقى هذا الرجل . فذكر نحو ما تقدّم . وهكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن عمارة ، عن الحَكَم بن عُتَيْبَة ، عن سعيد بن جبير، عن أبي بن كعب، عن رسول الله وَّ كنحو ما تقدم أيضاً. ورواه العَوْفي عنه موقوفاً. وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس(٢) أنه تمارى هو والحزُّ بن قيس بن حصن الفزازي في صاحب موسى ، فقال ابن عباس : هو خضرٌ ، فمر بهما أبي بن كعب ؛ فدعاه ابن عباس فقال : إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لُقْبِهِ ، فهل سمعت من رسول الله فيه شيئاً ؟ قال: نعم . وذكر الحديث(٣). وقد تقصّينا طُرق هذا الحديث ، وألفاظه في تفسير سورة الكهف(٤) . ولله الحمد . وقوله: ﴿ وَأَمَّ الِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِ الْمَدِينَةِ ﴾ قال السُّهَيلي: وهما أصرم وصريم ابنا كاشح. وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْ لَّهُمَا﴾ قيل: كان ذهباً ، قاله عكرمة، وقيل: علماً، قاله ابن عباس . والأشبه أنّه كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه علم. قال البزَّارُ(٥): حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري ، حدّثنا بِشْر بن المنذر ، حدّثنا الحارث بن عبد الله اليَخْصُبي (٦) ، عن عيّاش بن عباس القتباني ، عن ابن حُجَيرة عن (١) في ط : وزعم سعيد بن جبير أنه ابن لا جارية، وأما داود. وهو تحريف، وما هنا موافق لما في صحيح البخاري. (٢) حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أخرجه أحمد (١١٦/٥) والبخاري (٧٤) و(٧٨) في العلم، و(٣٤٠٠) في أحاديث الأنبياء، و(٧٤٧٨) في التوحيد، ومسلم (٢٣٨٠) (١٧٤)، والنسائي في العلم من سننه الكبرى (٥٨٤٤)، وفي التفسير المفرد (٣٢٧) و(٣٢٨) و(٣٢٩) وهو في الكبرى (١١٣٠٧) و(١١٣٠٨) و (١١٣٠٩) (وينظر المسند الجامع ١/ ٧٥ -٧٦ حديث ٧٥). (٣) إلى هنا نهاية الصفحة المخالفة لخط ب . (٥). انظر كشف الأستار (٢٢٢٩)، وفي إسناده ضعف. (٤) تفسير ابن كثير ( ٩٨/٣ ). (٦) اليَحصِبي ، بفتح الياء وسكون الحاء ، وكسر الصاد المهملة ، وقيل : بضمها : نسبة إلى يحصب : قبيلة من حِمْيَر. اللباب (٤٠٧/٣). ٩٢ قصة موسى والخضر عليهما السلام أبي ذر رَفَعه قال : إن الكَنْزِ الذي ذَكَرَ اللهُ في كتابه لوح من ذهب(١) مصمت ، عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب(٢) ؛ وعجبت لمن ذكر النار ثم ضحك، وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل ، لا إله إلا الله . وهكذا روي عن الحسن البصري وعمر مولى غفرة ، وجعفر الصادق نحو هذا . وقوله : ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا﴾ وقد قيل : إنه كان الأب السابع ، وقيل : العاشر . وعلى كلّ تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته ، فالله المستعان . وقوله : ﴿رَحْمَةً مِّن رَّيِّكَّ﴾ دليلٌ على أنّه كان نبياً ، وأنّه ما فعل شيئاً من تلقاء نفسه ، بل بأمر ربّه ، فهو نبي ، وقيل : رسول ، وقيل : وليٍّ. وأغرب من هذا من قال: كان ملكاً والله أعلم(٣). وسنفرد للخضر ترجمة على حدة بعد هذا٤) (١) في ط : من الذهب. وذهب مُصْمَت: لا يخالطه شيء. (٢) كذا في أ ، وط . وتفسير المؤلف . وفي ب : يغضب . (٣) جاء في المطبوع من البداية والنهاية هنا زيادة لم ترد في أوب . وهي : قلت : وقد أغرب جداً من قال : هو ابن فرعون . وقيل : إنه ابن ضحاك الذي ملك الدنيا ألف سنة . قال ابن جرير : والذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ، ويقال : إنه كان على مقدمة ذي القرنين الذي قيل : إنه كان أفريدون ، وذو الفرس هو الذي كان في زمن الخليل . وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد وهو باقٍ إلى الآن . وقيل : إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من أرض بابل . وقيل : اسمه : ملكان ، وقيل : أرميا بن خلقيا . وقيل : كان نبياً في زمن سباسب بن لهراسب . قال ابن جرير : وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب . قال ابن جرير : والصحيح : أنه كان في زمن أفريدون ، واستمر حياً إلى أن أدركه موسى عليه السلام وكانت نبوة موسى في زمن منوشهر الذي هو من ولد أبرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس ، وكان إليه الملك بعد جده أفريدون لعهده ، وكان عادلًا ، وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دهقاناً . وكانت مدة ملكه قريباً من مئة وخمسين سنة . ويقال : إنه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم . وقد ذكر عنه من الخطب الحسان ، والكليم ( كذا في ط ) البليغ النافع الصحيح ما يبهر العقل ويحير السامع ، وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل . والله أعلم . وقد قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْأَخَذَ اللّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ﴾ .. الآية [ آل عمران: ٨١]. فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره ، فلو كان الخضر حياً في زمانه لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره ، ولكان مِن جملة مَن تحت لوائه يوم بدر كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة . وقصارى الخضر - عليه السلام - أن يكون نبياً، وهو الحق ، أو رسولا ، كما قيل، أو ملكاً - فيما ذكر - وأياً كان فجبريل رئيس الملائكة ، وموسى أشرف من الخضر ، ولو كان حياً لوجب عليه الإيمان بمحمد ونصرته ، فكيف إن كان الخضر ولياً كما يقوله طوائف كثيرون ، فأولى أن يدخل في عموم البعثة ، وأحرى ، ولم ينقل في حديث حسن ، بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوماً واحداً إلى رسول الله وَطير، ولا اجتمع به . وما ذكر من حديث التعزية فيه ، وإن كان الحاكم قد رواه ، فإسناده ضعيف . والله أعلم . (٤) في ب : على حدة بعد هذا . ٩٣ الحدیث الملقب بحدیث الفتون ذكر الحديث الملقب بحديث الفُتُوْن المتضمّن قصّة موسى مبسوطة من أوّلها إلى آخرها(١) قال الإمام أبو عبد الرحمن النَّسائي في كتاب التفسير من (( سننه (٢) ، عند قوله تعالى في سورة طه ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَّكَ فُونًا ﴾ [ الآية: ٤٠]: ( حديث الفتون ) : أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أصْبَغ بن زيد(٣) ، حدّثنا القاسم بن أبي أيوب ، أخبرني سعيد بن جُبير قال : سألت عبد الله بن عباس عن قوله تعالى لموسى ﴿ وَفَتَّكَ فُونًا ﴾ فسألته عن الفتون ما هو ؟ فقال : استأنفِ النهارَ يا بنَ جُبير ، فإن لهذا حديثاً طويلاً ، فلما أصبحتُ غدوتُ إلى ابن عباس لأَنْتَجِزَ منه ما وعدني من حديث الفُتون فقال : تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وَعَدَ إبراهيم عليه السلام أن يجعل في ذُرّيَته أنبياءَ وملوكاً ، فقال بعضهم : إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكُّون فيه ، وكانوا يظنُّون أنه يوسف بن يعقوب ، فلما هلَكَ قالوا : ليس هكذا وعد إبراهيم . فقال فرعون: فكيف تَرَون؟ فَأَتَمَرُوا وأجْمعوا أمرهم على أن يبعث رجالاً معهم الشِّفار(٤) يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلّا ذبحوه ، ففعلوا ذلك . فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغارَ يُذبحون ، قالوا : توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخِدْمة الذي كانوا يكفونكم ، فاقْتُلوا عاماً كلَّ مولود ذكر ، فيقل أبناؤهمُ(٥) ، ودعوا عاماً فلا تقتلوا منهم أحداً ، فيشبّ الصغار مكان من يموت من الكبار ، فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إيّاكم ، ولن يفنو(٦) بمن تقتلون وتحتاجون إليهم ، فأجمعوا أمرهم على ذلك . فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا تقتل فيه الغلمان ، فولدته علانيةً آمنةً . فلما كان من قابل حملت بموسى عليه السلام فوقع في قلبها الهمُّ والحزن ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، ما دخل عليه في (١) في ب : المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها إلى آخرها . وسقط من العنوان أوله . وفي ط : حديث الفنون المتضمن قصة موسى من أولها إلى آخرها . (٢) هو في كتاب التفسير من السنن الكبرى للنسائي كما في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للمزي (٤٣٨/٤). وتحرفت فيه الفتون ، إلى القنوت ، وانظره في تفسير النسائي (٣٤٦) وهو قطعة من سننه الكبرى . (٣) في ب : يزيد، وأصبغ بن زيد بن علي الجهني ، الوراق ، كاتب المصاحف . صدوق . من السادسة . مات سنة (١٥٧ هـ) تقريب التهذيب (٨١/١). (٤) الشفار : جمع شفرة ، وهي السُّكين العظيم ، وحدُّ السيف . (٥) في المطبوع من التفسير: ((نباتهم)). (٦) في ط. ((تفتنوا)) تحريف. ٩٤ الحديث الملقب بحديث الفتون بطن أمّه مما يراد به فأوحى الله إليها أن ﴿ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآدُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [ القصص: ٧] فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوتٍ ، وتلقيه في اليمِّ، فلما ولدت فعلت ذلك ، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها : ما فعلت بابني ؟ لو ذُبح عندي فواريتُه ، وكفَّنتُه كان أحبَّ إليَّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه . فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضةٍ تستقي منها جواري امرأة فرعون ، فلما رأينَه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت ، فقال بعضهن : إن في هذا مالً وإنا إن فتحناه لم تصدَّقْنا امرأةٌ الملك بما وجدنا فيه ، فحملنه كهيئته لم يُخرجن منه شيئاً حتى دفعنه إليها ، فلما فتحته رأت فيه غلاماً، فألقى عليه منها محبةً لم يلق منها على أحد قط ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىْ فَرِنًَّ﴾ [ القصص ١٠] من ذكر كلِّ شيءٍ إلّا من ذكر موسى. فلما سمع النَّبَّاحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه ، وذلك من الفتون يا ابن جبير ، فقالت لهم : أقُّوه فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل حتى آتي فرعون فأستوهبه منه ، فإن وهبه لي كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم ألُمكم، فأتت فرعون فقالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكٌ ﴾ [ القصص: ٩] فقال فرعون: يكون لك، فأمّا لي فلا حاجة لي فيه. فقال رسول الله وَله: ((وَالّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَوْ أَقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُوْنَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَمَا أَقَرَّتِ امْرَ أَتُّهُ لَهَدَاهُ الهُ كَمَا هَدَاها، ولَكِنْ حَرَمَهُ ذلكَ )(١) فأرسلت إلى مَن حولها ، إلى كلِّ امرأة لها لبن تختار ظِثْر(٢) ، فجعل كلّما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يُقْبِل على ثديها ، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت ، فأحزنها ذلك ، فأمرت به فأُخرج إلى السوق ومجمع الناس ، ترجو أن تجد له ظِئراً تأخذه منها فلم يقبل ، وأصبحت أمّ موسى والهاً ، فقالت لأخته قصِّي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكراً أحيّ ابني أم قد أكلته الدواب ، ونسيت ما كان الله وعدها فيه ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ،﴾ أخته ﴿عَنْ جُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [ القصص: ١١] والجنب: أن يسمو بصر الإنسان إلى شيءٍ بعيدٍ وهو إلى جنبه لا يشعر به ، فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات: أنا ﴿أَدُلُّكُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ ﴾ [ القصص: ١٢] فقالوا ما يدريك ما نصحهم هل يعرفونه ؟ حتى شَكّوا في ذلك ، وذلك من الفتون يا ابن جبير . فقالت : نصحهم له ، وشفقتهم عليه ، ورغبتهم في صهر الملك ، ورجاء منفعة الملك ، فأرسلوها ، فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر ، فجاءت أمّه فلما وضعته في حجرها نزا٣) إلى ثديها فمصه (٤) حتى امتلأ جنباه رّاً . (١) تقدم الحديث . في ب : كل امرأة لها ولد لأن تختار له ظئراً، وفي ط: (( الى كل امرأة لها لأف)) ولا معنى لها . والظئر : المرضعة (٢) لغير ولدها . (٣) نزا : وثب . (٤) وفي ب : يمُصّنّه . ٩٥ الحدیث الملقب بحدیث الفتون وانطلق البشير إلى امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظِئراً ، فأرسلت إليها فأتت بها وبه . فلما رأت ما يصنع بها قالت : امكثي ترضعي ابني هذا فإني لم أحب شيئاً حبَّه قطّ . قالت أم موسى : لا أستطيع أن أترك بيتي وولدي فيضيع ، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معي لا آلوه خيراً فعلتُ ، فإني غيرُ تاركة بيتي وولدي ، وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجزٌ موعوده ، فرجعت إلى بيتها من يومها ، وأنبته الله نباتاً حسناً ، وحفظ لما قد قضى فيه ، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم . فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأمّ موسى : أزيريني ابني . فوعدتها يوماً تزيرها١) إياه فيه ، وقالت امرأة فرعون لخزّانها ، وظؤورها ، وقَهَارمتها٢) : لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهديةٍ وكرامةٍ لأرى ذلك فيه ، وأنا باعثة أميناً يحصي كلّ ما يصنع كلّ إنسان منكم ، فلم تزل الهدايا والكرامة والنُّحْل(٣) تستقبله من حين خرج من بيت أمّه إلى أن دخل على امرأة فرعون . فلما دخل عليها نَحَلَتْه وأكرمتهُ وفرحت به ، ونحلَت أمّه بحسن أثرها عليه . ثمّ قالت : لآتين به فرعون فلينحلنّه وليكرمنّه ، فلما دخلت به عليه ، جعله في حجره ، فتناول موسى لحيةَ فرعون فمدّها إلى الأرض ، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون : ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيّه أنّه زعم أن يرتك (٤) ويعلوك ويصرعك ، فأرسل إلى الذباحين ليذبحوه . وذلك من الفتون يا بن جبير ، يُعدُّ كلُّ بلاءٍ ابتُلي به وأريد به فتوناً . فجاءت امرأة فرعون تسعى (٥) إلى فرعون فقالت : ما بدالك في هذا الغلام الذي وهبته لي ؟ فقال : ألا ترينه يُزْعَمُ أنه يصرعني ويعلوني . فقالت : اجعل بيني وبينك أمراً تعرف فيه الحق ، ائت بجمرتين ولؤلؤتين ، فقربهن إليه ، فإن بطش(٦) باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفتَ أنّه يعقل ، وإن تناول الجمرتين ولم يُردِ اللؤلؤتين علمتَ أن أحداً لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين ، وهو يعقل ، فقرّب إليه فتناول الجمرتين ، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده ، فقالت المرأة: ألا ترى ؟! فصرفه الله عنه بعد ما كان هَمَّ به وكان الله بالغاً فيه أمره . فلما بلغ أشدّه ، وكان من الرِّجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحدٍ من بني إسرائيل معه بظلمٍ ولا سخرةٍ حتى امتنعوا كلّ الامتناع ؛ فبينما موسى عليه السلام يمشي في ناحية المدينة إذا هو برَجُلين يقتتلان ، أحدهما فرعوني ، والآخر إسرائيلي ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، فغضب موسى (١) في ط : تريها ، وما هنا من النسخ ، وهو الذي في تفسير النسائي الذي ينقل منه المصنف . (٢) قهارمة: جمع قهرمان ، وهو من أمناء الملك وخاصته . ( فارسي ) . (٣) النَّحْل : إعطاؤك الإنسان شيئاً بلا استعاضة ، ومهر المرأة . هكذا هنا وفي تفسيره أيضاً ، وفي تفسير النسائي: ((يَرُبَّك)) ولعله الأوجه . (٤) في ب : تبكي ، وما هنا يعضده ما في التفسير . (٥) (٦) بطش بالشيء : أخذه بعنف وشدة . ٩٦ الحديث الملقب بحديث الفتون غضباً شديداً لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل ، وحفظه لهم [ لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع إلا أمُّ موسى، إلا أن يكون الله سبحانه أطلع موسى عليه السلام من ذلك على (١) ما لم يطّلع عليه غيره ، فوكز موسى الفرعوني فقتله ، وليس يراهما أحدٌ إلا اللّه عَزَّ وجلَّ والإسرائيلي ، فقال موسى حين قتل الرجل : ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌ مُّبِينٌ ﴾ [ القصص ١٥ ] ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُ: إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿لَ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَنْ أَكُونَ ظَهِيْرًا لِلْمُجْرِمِنَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَبِفَاً يَتَرَقَبُ ﴾ [ القصص: ١٦ -١٨] الأخبارَ، فأُتي فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا رجلاً من آل فرعون فخذْ لنا بحقِّنا ولا ترخّص لهم ، فقال : ابغوني قاتله ومن يشهد عليه؟ فإن الملك وإن كان صغوه ٢) مع قومه لا ينبغي له أن يقتل بغير بيَّةٍ ولا ثبتٍ، فاطلبوا لي علمَ ذلك آخذْ لكم بحقكم. فبينما هم يطوفون لا يجدون بيِّنةً إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً من آل فرعون آخر ، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى قد نَدِم على ما كان منه ، وكره الذي رأى ، فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يَبْطِش بالفرعوني، فقال للإسرائيلي لِمَا فعل بالأمس واليوم ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ [ القصص: ١٨]. فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له ما قال ، فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الذي قتل فيه الفرعوني ، فخاف أن يكون بعد ما قال له : ﴿ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ ﴾ أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده إنّما أراد الفرعوني، فخاف الإسرائيلي. وقال: ﴿ يَمُوسَىَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِى كَمَا قَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ﴾ [ القصص: ١٩] وإنّما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله ، فتتاركا . وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول : أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس ، فأرسَل فرعون الذّباحين ليقتلوا موسى ، فأخذ رسلُ فرعون الطريق الأعظم يمشون على هِينتهم يطلبون موسى ، وهم لا يخافون أن يفوتهم ، فجاء رجلٌ من شيعة موسى من أقصى المدينة ، فاختصر طريقاً حتى سبقهم إلى موسى فأخبره ، وذلك من الفتون يا ابن جبير . فخرج موسى متوجِّهاً نحو مَدين لم يلق بلاءً قبلَ ذلك ، وليس له بالطريق علم إلا حُسنُ ظنّه بربّه عز وجل، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِِّ أَن يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَذْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانٍ﴾ [ القصص: ٢٢ - ٢٣] يعني بذلك حابستين غنمهما فقال لهما : ﴿ مَا خَطْبُكُمَا﴾ معتزلتين لا تسقيان مع الناس ، قالتا : ليس لنا قوة نزاحم القوم ، وإنما ننتظر فضول حياضِهم ، فسقى لهما ، فجعل يغرف في الدلو ماءً كثيراً حتى كان أول الرعاءِ . وانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى فاستظلّ بشجرةٍ ﴿ فَقَالَ رَبٍ إِنِّ لِمَآ أَنَزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، واستنكر أبوهما سرعة صَدَرِهما بغنمهما حُفَّلاً بطاناً فقال: إن لكما اليوم لشأناً ، فَأَخْبَرَتاه بما صنع (١) زيادة من تفسير النسائي. وقريب منها في ب . (٢) في ط والمطبوع من تفسير النسائي: صفوه، بالفاء وهو تصحيف . والصغو .. الميل. ٩٧ الحديث الملقب بحديث الفتون موسى، فأمر إحداهما أن تدعوَه، فأتت موسى فدعته، فلما كلَّمه ﴿ قَالَ لَا تَخَفٌّْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [ القصص : ٢٥] ليس لفرعون ولا لقومه علينا من سلطان، ولسنا في مملكته ﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَأَبَتِ اُسْتَفْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] فاحتملته الغَيْرَةُ على أن قال لها : ما يدريك ما قوته وما أمانته ؟ فقالت : أمّا قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا ، لم أر رجلاً قط أقوى في ذلك السقي منه . وأما الأمانة فإنه نظر إليَّ حين أقبلت إليه وشخصت له ، فلما علم أني امرأة صوَّب رأسَه فلم يرفعه حتى بلَّغته رسالَتَك ، ثمّ قال لي : امشي خلفي وانعتي لي الطريق ، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين ، فَسُرِّي عن أبيها وصدَّقها وظنّ به الذي قالت، فقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثماني سنين واجبة، وكانت السنتان عِدَةً منه ، فقضى الله عنه عِدَته فأتمها عشراً . قال سعيد - هو ابن جبير(١) - : فلقيني رجلٌ من أهل النصرانية من علمائهم قال : هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى ؟ قلت : لا ، وأنا يومئذ لا أدري ، فلقيت ابنَ عبَّاس ، فذكرت ذلك له فقال : أما علمتَ أن ثمانيةً كانت على نبي الله واجبةً لم يكن نبيُّ الله ليُنْقِص منها شيئاً ، وتعلم أن الله كان قاضياً عن موسى عِدَته التي وعده ، فإنه قضى عشر سنين ، فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال : الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك ، قلت : أجل وأولى . فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قصّ الله عليك في القرآن . فشكا إلى الله تعالى ما يتخوَّف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه ، فإنّه كان في لسانه عقدةٌ تمنعه من كثير من الكلام ، وسأل ربّه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءاً ، ويتكلّم عنه بكثيرٍ مما لا يُفصح به لسانه ، فآتاه الله عز وجل سؤله وحلَّ عقدةً من لسانه ، وأوحى الله إلى هارون فأمره أن يلقاه فاندفع(٢) موسى بعصاه حتى لقي هارون فانطلقا جميعاً إلى فرعون ، فأقاما على بابه حيناً لا يؤذَن لهما . ثمّ أُذِن لهما بعد حِجاب شديد، فقالا : إنا رسولا ربّك . فقال : فمن ربّكما؟ فأخبره بالذي قصّ الله عليك في القرآن . قال فما تريدان ؟ وذكَّره القتيل ، فاعتذر بما قد سمعت . قال : أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه وقال : ائت بآية إن كنت من الصادقين ، فألقى عصاه فإذا هي حية (٣) عظيمةٌ فاغرةٌ فاها مسرعة إلى فرعون ، فلمَّا رأها فرعون قاصدة إليه خافها ، واقتحم عن سريره ، واستغاث بموسى أن يكفّها عنه ، ففعل . ثمّ أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوءٍ ، يعني من غير بَرَصٍ . ثمّ ردَّها فعادت إلى لونها الأول. (١) في ب : سعيد بن جبير. (٢) في ب : فانتفع . (٣) في أوط: ((ثعبان)) وما هنا من ب ، وهو الذي عند النسائي. ٩٨ الحديث الملقب بحديث الفتون فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له : ﴿ هَذَنِ لَسَحِزَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [ طه: ٦٣] يعني مُلْكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئاً مما طلب ، وقالوا له : اجمع السّحرة فإنّهم بأرضك كثيرٌ حتى تغلب بسحرك سحْرَهما ، فأرسل إلى المدائن فحشر له كلّ ساحرٍ متعالم . فلمّا أتوا فرعون قالوا : بم يعمل الساحر ؟ قالوا : يعمل بالحيّات . قالوا : فلا والله ما أحدٌ في الأرض يعمل السحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل ، وما أَجْرُنا إن نحن غلبنا ؟ قال لهم : أنتم أقاربي وخاصّتي ، وأنا صانعٌ إليكم كلَّ شيء أحببتم ، فتواعدوا يومَ الزينة وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ [ طه: ٥٩]. قال سعيد : فحدّثني ابن عباس أن يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسّحرة هو يوم عاشوراء ، فلمّا اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض : انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لعلّنا نشَّعُ السّحرة إن كانوا هم الغالبين. يعنون موسى وهارون استهزاءً بهما، فقالوا: ﴿يَمُوسَى﴾ - بعد تريثهم بسحرهم - ﴿ إِّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] قالَ بَلْ أَلْقُوا ﴿ فَأَلْقَوْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةٍ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴾ [ الشعراء: ٤٤] فرأى مُوسى من سحرهم ما أوجَسَ في نفسه خيفةً ، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك ، فلما ألقاها صارت ثعباناً عظيمة فاغِرةً فاها ، فجعلت العصي تَلَبَّسُ بالحبال حتى صارت جُرَزاً على الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصاً ولا حبلاً إلا ابتلعته ، فلما عرف السّحرة ذلك قالوا : لو كان هذا سحراً لم يبلغُ(١) من سحرنا كلّ هذا، ولكنّه أمرٌ من الله تعالى ، آمنا بالله وبما جاء به موسى ، ونتوب إلى الله مما كنّا عليه ، فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه ، وظهر الحق ، وبطل ما كانوا يعملون ، فغُلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين . وامرأة فرعون بارزةٌ متبذِّلة (٢) تدعو الله بالنّصر لموسى على فرعون وأشياعه ، فمن رآها من آل فرعون ظنّ أنّها إنّما ابتذلت (٣) للشفقة على فرعون وأشياعه ، وإنّما كان حزنها وهمّها لموسى . فلما طال مكثُ موسى بمواعيد فرعون الكاذبة ؛ كلّما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل فإذا مضت أخلف من غده ، وقال : هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله على قومه الطّوفان ، والجراد ، والقُمَّل ، والضفادِعَ ، والدَّمَ آياتٍ مفَصَّلاتٍ ، كلّ ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفّها عنه، ويوافقه(٤) على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفّ ذلك عنه أخلف بوعده، ونكث عهده حتى أُمِرَ موسى بالخروج بقومه ، فخرج بهم ليلاً ، فلما أصبح فرعون ورأى أنّهم قد مضوا ، أرسل في المدائن (١) في ط: ((تبلغ))، وما هنا يعضده ما في تفسير النسائي، وب. (٢) في ط : مبتذلة . (٣) هكذا في أوط وتفسير النسائي ، وفي ب : تبذلت . (٤) في ب : ويطلب إليه أن يوافقه. ٩٩ الحديث الملقب بحديث الفتون حاشرين ، فتبعه بجنودٍ عظيمةٍ كثيرةٍ ، وأوحى الله إلى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقةً حتى يجوز موسى ومن معه ، ثمّ الْتقِ على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي (١) موسى أن يضرب البحر بالعصا ، وانتهى إلى البحر وله قَصيف (٢) مخافة أن يضربه موسى بعصاه ، وهو غافل فيصير عاصياً لله عز وجل، فلما تراءى الجمعان، وتقاربا قال أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْ رَّكُونَ﴾ [ الشعراء: ٦١] افعل ما أمرك به ربّك فإنه لم يكذب ، ولم تكذب ، قال : وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ، ثمّ ذكر بعد ذلك العَصَا ، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى ، فانفرق البحر كما أمره ربّه ، وكما وعد موسى ، فلما أن جاوز موسى وأصحابه كلّهم البحر ودخل فرعون وأصحابه ، التقى عليهم البحر كما أُمرَ . فلما جاوز موسى قال أصحابه : إنّا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ، ولا نؤمن بهلاكه(٣) ، فدعا ربّه فأخرجه له ببدنه حتی استيقنوا بهلاکه . ثمّ مرّوا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَالَهُمْ ءَالِهَةُ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩] قَدْ رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم . ومضى فأنزلهم موسى منزلًا وقال : أطيعوا هارون فإنّ الله قد استخلفه عليكم ، فإنّي ذاهب إلى ربِّي وأجَّلَهم ثلاثين يوماً أن يرجع إليهم فيها ، فلما أتى ربَّه عزّ وجلّ وأراد أن يكلّمه في ثلاثين يوماً ، وقد صامهنَّ ليلَهنَّ ونهارَهنَّ ، وكره أن يكلّم ربّه وريح فِيه ريح فم الصّائم ، فتناول موسى شيئاً من نبات الأرض فمضغه ، فقال له ربّه حین أتاه : لم أفطرت ؟ ۔ وهو أعلم بالذي کان - قال يا ربّ إني كرهت أن أكلّمك إلّا وفمي طيّب الريح . قال : أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك . ارجع فصُم عشراً ، ثمّ ائتني . ففعل موسى ما أمره به ربُّه ، فلما رأى قومُ موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ، ساءهم ذلك ، وكان هارون قد خطبهم فقال : إنّكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عوار وودائعُ ، ولكم فيها مثل ذلك ، وأنا أرى أن تحتسبوا مالكم عندهم ، ولا أحلّ لكم وديعة استُودعتموها ، ولا عارية ، ولسنا برَادّين إليهم شيئاً من ذلك، ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيراً وأَمَرَ كلَّ قوم عندهم من ذلك من متاعٍ أو حليةٍ أن يقذفوه في ذلك الحفير . ثمّ أوقد عليه النار فأحرقه فقال : لا يكون لنا ولا لهم . (١) في ب : فأنسي . (٢) القصيف : الصوت الهائل يشبه صوت الرعد . (٣) في ب : ولا نأمن بهذا له . ١٠٠ الحديث الملقب بحديث الفتون وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيرانٌ لبني إسرائيل ، ولم يكن من بني إسرائيل فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا ، فقضى له أن رأى أثراً ، فقبض منه قبضةً ، فمرّ بهارون ، فقال له هارون : يا سامري ألا تلقي ما في يديك ، وهو قابض عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك ، فقال : هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ، ولا أُلقيها لشيءٍ إلا أن تدعو اللهَ إذا ألقيتُها أن يكون ما أريد ، فألقاها ودعا له هارون ، فقال : أريد أن تكون عجلاً، فاجتمع ما كان في الحفرة من متاعٍ ، أو حليةٍ ، أو نحاسٍ ، أو حديدٍ ، فصار عجلاً أجوف ليس فيه روح ، له خُوار . قال ابن عباس : لا والله ما كان فيه صوت قط ، إنّما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلك . فتفرَّق بنو إسرائيل فِرَقاً ، فقالت فرقةٌ : يا سامري ما هذا - وأنت أعلم به - قال : هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق . وقالت فرقةٌ : لا نكذّب بهذا حتى يرجع إلينا موسى ، فإن كان ربنا لم نكن ضيعناه ، وعجزنا فيه حتى رأيناه ، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى . وقالت فرقةٌ : هذا من عمل الشيطان وليس بربّنا ، ولا نؤمن به ، ولا نصدِّق . وأسرَّت فرقةٌ في قلوبهم الصِّدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به ، فقال لهم هارون عليه السلام: ﴿يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠] ليس هذا . قالوا : فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوماً ثمّ أخلفنا ؟ هذه أربعون يوماً قد مضت . فقال سفهاؤهم : أخطأ ربّه فهو يطلبه ويبتغيه . فلمّا كلّم الله موسى وقال له ما قال ، أخبره بما لقي قومه من بعده ، فرجع إلى قومه غضبان أسفاً ، فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن؟! ﴿ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُزُّهُ إِلَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٠] وألقى الألواح من الغضب . ثمّ إنّه عَذَرَ أخاه بعذره ، واستغفر له ، فانصرف إلى السامري ، فقال له : ما حملك على ما صنعت ؟ قال: قبضت ﴿ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ وفطنت لها ، وعَميت عليكم، فقذفتها ﴿ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِىِ الْحَيَوَةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسٌِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَةٌ. وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّقًاً لَتُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنَسِفَنَّهُ فِ الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٦ - ٩٧] ولو كان إلّهاً لم يخلص إلى ذلك منه . فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة ، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون ، فقالوا لجماعتهم : يا موسى سل لنا أن يُفتح لنا بابُ توبةٍ نصنعها فتكفّر عنّا ما عملنا، فاختار ﴿مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ﴾ [ الأعراف: ١٥٥] لذلك لا يألو الخير خيار بني إسرائيل ، ومن لم يشرك في الحق ، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة ، فرجفت بهم الأرض ، فاستحيا نبي الله عليه السلام من قومه ومن وفده حين فُعل بهم ما فُعل ، فقال: ﴿ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإِنِّ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّاً﴾ [ الأعراف: ١٥٥] وفيهم من كان الله تعالى اطلع منه على ما أُشرب قلبه من حُبِّ العجل وإيمانٍ به ، فلذلك رجفت بهم الأرض ، فقال : ﴿ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِكَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ (٥) الَّذِينَ