Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ غراس الجنة وثمارها لَيْسَت كالدُّنْيَا الَّتي تأتي ثِمَارُها في بعض الأزمان دون بعض، ويسقط أوراق أشجارها في بَعْضِ الفصول وتُفْقَدُ ثمارها في وَقْتٍ آخَر ، وتَكْتَسي أشْجَارُها الأورَاقَ في وقت وتعرى في آخرَ ، بل الثمر والظل دائم مستمر ، سهل التناول، قريب المجتنى، كما قال ﴿ وَلَا ◌َمَنُوعَةٍ ﴾ أيْ لا تمتنع ممَّنْ أَرَادَها كَيف شاء ، ولَيْسَ دُونَها حِجَابٌ، ولا مانِعٌ، بلْ منْ أَرَادَها فَهِيَ مَوْجُودٌ سَهْلةٌ ، قَرِيبةٌ حتَّى وَلَوْ كانَتِ الثَّمَرةُ في أعْلَى الشَّجَرَةِ ، فَأَرَادَها المؤمن ، تدلَّت إليه فأخْذَهَا وَاقْتَرَبَتْ إليْهِ ، وَتَذَلَّلتْ لَدَيْهِ . قال أبو إسحاق: عن البراء: ﴿ وَؤُلِلَتْ قُطُوفُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] أي: أُدْنيتْ حتَّى يَتَنَاوَلَها المؤمن وَهو نائمٌ، وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن ◌َّحِتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُوْ مِنْهَا مِن ثَمَرَقِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنتُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِ ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿ وَفَوَكِهَ مِنَّا يَشْتَهُونَ (يَ كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَكَأَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الُْحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ ﴾ [الدخان: ٥٥]. وَقَدْ سَبَقَ فيما أوْرَدْناه منَ الأحَاديثِ أنَّ تُزِبَةَ الْجَنَّةِ مِسْكٌ وَزَعْفَران، وأنَّ ما في الجنَّة شجرةٌ إلَّ ساقُها مِنْ ذَهَبٍ ، فإذا كانت التُّرْبَةُ بهذه المثابة ، والأصُولُ الثابتة فيها من الذهب ، فما الظن بما يَتَوَلَّدُ بينهما منَ الثمار الرَّائِقَةِ النَّضِيجَةِ الأنيقَةِ ، الَّتي ليس فيها عجَم، ولَيْسَ في الدُّنيا منْها إلَّ الأسْمَاءُ، وإذَا كانَ السَّدْرُ الَّذِي فِي الدُّنيا وَهُوَ لا يُثْمِرُ إلَّ ثمرةً ضعيفَةً، وَهِيَ النَِّقُ، وَفِيهِ شَوْكٌ كثيرٌ ، وَالطّلِحُ الَّذي لا يُرادُ مِنْهُ إلا الظُّلّ في الدُّنيا، يكونَانِ فِي الْجَنَّةِ فِي غَايةِ كَثْرَةِ الثَّمَارِ، وَحُسْنها، حتَّى إنَّ الثَّمَرَةَ الواحِدةَ مِنْهَا تَتَفَتَّقُ عَنْ سَبْعينَ نَوْعاً منَ الُّعومِ وَالأَلْوانِ التي لا يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضاً، فمَا الظَّنُّ بِثِمار الأشْجارِ الّتي تَكُونُ في الدُّنْيا حَسَنَ الثِّمَارِ طَيبة الرائحة ، سهلة التناول، كالتُّفَّاحِ ، والمِشمش ، والدُّزَّاقِن، والنَّخْلِ ، والعِنَبِ ؟ وَغَيْرِ ذَلِك، بل ما الظن بأنْواعِ الرَّيَاحينِ ، والأزاهيرِ ؟ وبالجملَةِ فيها ما لا عَيْنُ رَأْتْ، وَلا أُذُنُ سمعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ ، نسأل الله من فضله . وفي ((الصحيحين )) منْ حَديثِ مَالكِ، عَنْ زَيْدِ بن أسْلَم، عنْ عَطاء بن يَسارٍ ، عن ابن عَبَّاسٍ في حديثٍ صَلاةِ الكُسُوفِ ، قالوا : يا رسولَ الله، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئاً فِي مَقَامِكَ هَذا، ثمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ(١)، فقال: ((إِني رَأَيْتُ -)» أو «أُرِيثُ - الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ منها عُنُقُوداً، ولو أخذتُه لأُكَلْتُمْ مِنْهُ ما بقيتِ الدُّنْيا (٢) . وفي ((المُسْنَدِ)) مِنْ حَديثِ عَبْدِ اللهِ بن مُحمّد بن عَقِيلٍ، عن جابرٍ، فقال: ((إنَّهُ عُرِضَتْ عَليَّ (١) أي تأخرت . (٢) رواه مسلم ( ٩٠٧) والبخاري ( ١٠٥٢). ٤٦٢ طير الجنة الْجَنّةُ وما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ وَالنُّضْرَةِ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا قِطْفاً منْ عِنَبٍ لآتِيَكُمْ بهِ ، فحيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، وَلَوْ أَتَيْتُكُم بِهِ لأكَلَ مِنْهُ مَنْ بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ لا يَنْقُصُونَهُ » . وفي «صحيح مسلم)) منْ رِوَايةِ أبي الزُّبَيْر، عن جَابٍ شاهدٌ لِذَلِك (١). وتقدَّمَ في (( المَسْنَدِ)) عِنْ عُتْبَةَ بن عَبْدِ السُّلَمَيِّ: أنَّ أعْرَابِياً سَأل رسولَ اللهَِّ عنِ الْجِنَّةِ: هل فِيهَا عِنَبٌّ؟ قال: ((نَعَمْ)) قال: فما عِظَمَ الْعُنْقُودِ؟ قال: ((مَسيرةُ شَهرٍ لِلْغُرَابِ الأبقع يطير ولا يَفْتُرُ)(٢). وقال [أبو القاسم ] الطَّبرانيّ: حدّثنا مُعاذُ بنُ المُثَنَّى، حدّثنا عليّ بنُ المَدينيّ، حدّثنا رَيْحَانُ بنُ سَعيدٍ، عَنْ عِبَّادِ بنِ مَنْصُور، عن أيُّوبَ، عن أبي قِلابةً، عنْ أبي أسْماءَ ، عنْ ثَوْبانَ ، قال : قال رسول الله وَالَ: ((إنَّ الرَّجُلَ إذا نزَعَ ثمرَةً منَ الْجَنَّةِ عَادَتْ مَكانَها أُخْرَى)). قال الحافظُ الصِّياءُ: عَبَّادٌ تَكَلَّمَ فيهِ بَعْضُ العُلَماء(٣). وقال الطَّبرانيّ: حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ أحْمَد بن حَنْبَلٍ ، حدّثنا عُقْبَةُ بن مُكْرَمِ العَمِّيُّ، حدّثنا رِبْعِيُّ بنُ إيراهِيمَ بن عُلَيَّةَ، حدّثنا عَوْفٌ، عن قَسَامَةَ بنِ زُهَيْرٍ، عِنْ أبي مُوسى، قال: قال رسول اللهِ وَطيار: ((لَمَّا أهْبَطَ اللهُ آدمَ منَ الْجَنَّةِ عَلَّمَهُ صَنْعةَ كلِّ شَيْءٍ، وَزَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ ، فَئِمَارُكُمْ هَذِهِ منْ ثِمارِ الْجَنَّةِ ، غَيرَ أنَّها تَغَيَّرُ، وتِلْكَ لا تَغيَّرُ (٤) . فصل قال الله تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَُّونَ ﴿ وَلَتْمِ طَيْرٍ مِمَا يَشْتَهُونَ﴾ [ الواقعة: ٢٠ -٢١]. قال الحسنُ بنُ عَرَفةَ: حدّثنا خَلَفُ بنُ خَليفةَ، عن حُمَيْدِ الأعْرَج، عن عَبْدِ اللهِ بِن الْحَارِثِ ، عن ابنِ مَسْعُودٍ، قال: قال لي رسولُ اللهِّهِ: ((إنّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ فَي الجنة فَتَشْتَهِيهِ فيخْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوِيّاً (٥) . وفي التزْمِذْي وحَسَّنَهُ، عن أنس قال: سُئلَ رسولُ اللهِ لَ عنِ الكَوثرِ، فقالَ: ((نَهْرٌ أعْطَانِهِ رَبِّي عزَّ وجلَّ، مَاؤُهُ أشدُّ بَيَاضاً منَ اللَّبنِ، وأحْلَى منَ الْعَسَلِ، فِيهِ طَيْرٌ أعْنَاقُهَا كأعْناقِ الجُزُرِ (٦) وقد تقدَّم. وفي ((تَفْسير الثَّعْلبيّ)) عن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعاً: ((إنّ في الجَنَّةِ طيْراً كأعْناقِ البُخْتِ ، تَصْطَفتُّ بينَ (١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣) ولبعضه شاهد عند مسلم رقم (٩٠٤). (٢) رواه أحمد فى المسند (٤/ ١٨٣ و١٨٤) وهو حديث حسن . (٣) رواه الطبراني في الكبير (١٤٤٩). (٤) وهو حديث حسن . (٥) أخرجه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) (٢٢) وإسناده ضعيف. (٦) رواه الترمذي رقم ( ٢٥٤٢ ) وهو حديث حسن . ٤٦٣ ذكر طعام أهل الجنة وأكلهم فيها وشربهم يَدٍ وَلِيِّ اللهِ، فيقُولُ أحدها : يا وَلِيَّ اللّهِ رَعَيْتُ في مُرُوج تَحْتَ الْعَرْشِ ، وَشَرِبْتُ منْ عُيُونِ التسنيم ، فَكُلْ مِنِّي، فلا يزَالُ يَفْتَخِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حتَّى يَخْطِرَ على قَلَّهِ أَكْلُ أحدها ، فَتَخِرُّ بَينَ يَدَيْهِ ، على ألْوانٍ مُخْتلفةٍ ، فَيَأْكُلُ مِنْها ما أرَادَ ، فإذا شَبعَ منها ، تجتمع عِظامُ ذلك الطَّائِرِ الذي أكله ، ثم يطير يَرْعَى في الجنَّةِ حَيْثُ شَاء)) فقالَ عُمرُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إنّها لَنَاعِمَةٌ، فقالَ: ((آكلها أنْعَمُ منْها)). غريبٌ من روايةٍ أبي الدَّزْدَاء رضي الله عنه ، والله أعلم . ذِكْر طعام أهل الجنة ، وأكلهم فيها وشربهم نسأل الله من فضله قال تعالى: ﴿كُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، وقال تعالى: ◌ْ لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَا إِلَّا سَلَمَّاً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيَهَا بَكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [ مريم: ٦٢] وقال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَآبٌِّ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقال تعالى: ﴿وَفَكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَّونَ ﴿ وَْمِ طَيْرٍ مِمَا يَشْتَهُونَ﴾ [ الواقعة: ٢٠ -٢١] وقال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تشتهي (١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُرُّ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اُللَّهِ [ الزخرف: ٧١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (ِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْسِيرً﴾ [الإنسان: ٥ -٦] وقال تعالى: ﴿ وَيُطَافُ عَيِم ◌ِثَانَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيَا (١٥] قَوَارِيَاً مِن فِضَّةٍ فَذَّرُوهَا نَقْدِرً﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] أيْ هي في صَفاء الزُّجَاج، وهيَ منَ فِضَّةٍ، وهذا ما لا نَظيرَ لهُ في الدُّنيا، وهيَ مُقدَّرة على قَدْرِ كَفَايةِ وليِّ اللهِ [ في مَشرَبهِ]، لا تزيد ولا تنقُصُ، وهَذا يَدُلُّ على الاعتناء والشَّرَفِ، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِىِ رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأُنُواْ بِهِ، مُتَشَِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] أي كُلَّما جاءَهمُ الخدَمُ بِشَيْءٍ من ثمر الجنة وغَيْرِهِ ظَنُّوهُ الَّذِي أُتُوا بِهِ قَبْل ذلك، لمشَابَهَتِ لهُ في الظّاهرِ ، وهو في الحقيقةِ خِلافُه ، فتشابهت الأَشْكالُ، واخْتَلفتِ الْحَقائقُ، والُّعُوم والرَّوائحُ . قال الإمامُ أحمد: حدّثنا حسنٌ، حدّثنا سُكْينُ(٢) بنُ عبد العزيز، حدّثنا الأشعَتُ الضريرُ، عَنْ شَهْر بنِ حَوْشَبٍ، عن أبي هريرة قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِِّ: ((إنَّ أَدْنَى أهْلِ الجنَّةِ مَنْزِلةً، إنَّ لهُ لَسَبْعَ دَرَجَاتٍ وَهُوَ على السَّادسَة، وفَوْقَه السَّابعَةُ، وإنَّ لهُ لثَلثمئةِ خادمٍ، ويُغْدَى عَلَيْهِ ويُراحُ كِلَّ يَوْم بِثَلثمئةٍ صَحْفَةٍ )) ولا أعلمهُ إلَّ قال: ((منْ ذهَب، في كلِّ صَحْفٍ لَوْنٌ ليسَ في الأُخْرَى، وإِنَّه لَيَلُّ أوَّلَهُ كما يلذُّ آخرَهُ، ومن الأشربة ثلاثمئة إناءٍ ، في كل إناءٍ لون ليس في الآخَر ، وإنه ليلُّ أوله كما [يلذُّ] آخره، (١) كذا قرأها ما سوى نافع وابن عامر وحفص وأبو جعفر . (٢) في (آ) : مسكين ، وهو خطأ . ٤٦٤ ذكر طعام أهل الجنة وأكلهم فيها وشربهم وإِنَّهُ ليقُولُ : يا رَبِّ، لوْ أذِنْتَ لي لأطعمتُ أهْلَ الجَنَّةِ ، وَسَقيْتُهِمْ لَمْ يَنقُصْ ممَّا عنْدي شيئاً، وإنَّ لهُ مِنَ الْحُورِ الْعين لاثْتَتَيْنٍ وَسَبْعينَ [زَوْجَةٌ] سِوَى أزواجِهِ منَ الدُّنيا، وإنَّ الْوَاحِدَة مِنْهُنَّ ليأخُذُ مَقَعَدُها قَدْرَ ميلٍ منَ الأرْضِ )). تفرّد به أحمد، وهو غريب، وفيه انقطاعٌ(١) ؛ وله شاهد عن عبادة بن الصامت: قال الإمام أحمد : ثنا يَعْمر بن بشر، ثنا عبد الله بن المبارك، ثنا رشدين (٢) بن سعد، حدثني أبو هانىء الخَوْلاني، عن عمرو بن مالك الجَنَبِي، أن فضالة بن عُبَيد ، وعبادة بن الصامت ، حدَّثاه أن رسول الله ﴿ قال: ((إذا كان يوم القيامة، وفرَغ عز وجل من القضاء بين الخلق، فيبقى رجلان، فيأمر الله بهما إلى النار، فيلتفت أحدُهما، فيقول الجبّار تعالى: ردُّوه، فيردُّونه فيقول: لِمَ التفتَّ، فقال : كنت أرجو أن تدخلني الجنة)) قال: ((فيؤمر به إلى الجنة، فيقول: لقد أعطاني الله عز وجل ، حتى لو أطعمتُ أهل الجنة، ما نقص ذلك مما عندي شيئاً)) قال: فكان رسول الله وَّل يُرى السُّرور في وجهه . تفرَّد به أحمد(٣) . قال الإمامُ أحمدُ : حدّثنا أبو مُعاويةَ، حدّثنا الأعْمشُ، عنْ ثُمامَةَ بنِ عُقْبة ، عن زيد بن أرقمَ ، قال : أتى النَّبِيَّ ◌َِ﴿ رَجُلٌّ من اليهودِ، فقال: يا أبا القاسم، ألسْتَ تزعمُ أنَّ أهل الجنةِ يَأْكُلُونَ فيها، ويشربُونَ ؟ قال اليهوديُّ لأصحابه: إنْ أَقَرَّ لي بهذا خَصَمْتُه، فقالَ رسولُ اللهِ ◌َّ: ((بَلَى والذِي نَفْسي بِيَدِهِ، إنّ أحَدَهُمْ لِيُعْطِى قُوَّةَ مِئة رَجُلٍ في المطعم والمشربِ، والشَّهْوَة والجماع)) قال: فقال اليهوديُّ: فإنَّ الذي يَأْكُل، ويَشْرَبُ، تكونُ لهُ الحاجةُ، قال: فقال النبيُّ مَ: (( حاجةُ أحَدِهمْ عَرَقٌ، يَفيضُ منْ جُلُودِهِمْ مِثْلِ رِيح المسكِ، فإذا البطنُ [قدْ] ضَمُرَ )) ثم رواه أحمد ، عنْ وكيعٍ ، عن الأعمشِ ، [عنْ ] تُمامةَ: سَمِعْتُ زيدَ بن أرقمَ ... فذكره. وقد رواه النسائيُّ عنْ عليٍّ بن حُجْرٍ ، عنْ عليّ بن مُسهرٍ ، عنِ الأعمش ، به ، ورواه أبو جعفر الرازي عن الأعمش ... فذكره، [وعنده] : قال اليهوديُّ: فإنَّ الذي يَأْكلُ ويشْرَبُ تكونُ لهُ الحاجةُ، وَليسْ فِي الْجِنَّةِ أذى، فقالَ رسولُ الله ◌ِ: (( تَكونُ حاجةُ أحدهمْ رَشْحاً يَفيضُ منْ جُلودهمْ كَرَشْح المسكِ ، فِيضمُر بَطْنهُ » . قال الحافظُ الضّياء : وهَذَا عِنْدي على شرط مُسلم، لأنَّ تُمامة ثِقَةٌ، وقدْ صَرَّحَ بسَماعهِ منْ زَيدِ بن أرْقَمُ(٤) . (١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٥٣٧). (٢) في الفاسية : راشد . (٣) رواه أحمد في المسند (٣٢٩/٥ - ٣٣٠) وفي إسناده رشدين بن سعد، وهو ضعيف. (٤) رواه أحمد في المسند (٣٦٧/٤) و(٣٧١) والنسائي في الكبرى ((١١٤٧٨) أقول : ثمامة، ليس من رجال مسلم ، وفيه عنعنة الأعمش ، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده . ٤٦٥ ذكر طعام أهل الجنة وأكلهم فيها وشربهم حديث آخر في ذلك عن جابر قال الإمام أحمد : حدّثنا أبُو مُعاويةَ، حدّثنا الأعمش، عنْ أبي سُفَيَانَ، عن جابر ، قال : قال رسول اللّهِ وَّهُ: ((أهْل الجنَّةِ يأكلونَ فيه ويَشْرِبُونَ ولا يتغَوَّطُون، ولا يُولونَ، ولا يتَمخَّطونَ، ولا يُبْزُقُون، طعامُهم جُشاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ المسْكِ » . وقد رواه مسلم من حديث أبي سُفيانَ طلحةً بن نافع، عنْ جابرٍ ... فذكرهُ : قالُوا: فما بَالُ الطعام ؟ قالَ: (( جُشاءٌ ورَشْحٌ كَرَشْحِ المِسْكِ، يُلْهَمُونَ التسْبيحَ والتحميد ». وكذا أخرجهُ منْ حديث ابْنِ جُرَيْجٍ ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عنْ جابَرٍ ... فَذَكَرَه، وقال: ((طَعَامُهُمْ ذَلِكَ جُشاء كريحُ(١) المِسْكِ، ويُلْهَمُونَ التسبيحَ ، والتَّكِيرَ، كما يُلْهُمُونَ النَّفَسَ (٢) . طريق ثالثة عن جابر رضي الله عنه قال أحمد : حدّثنا الْحَكُمُ بنُ نَافِع، حدّثنا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن (٣) صفْوانَ بنِ عَمْرو، عنْ ماعِزِ الثَّميمي، عنْ جابِرِ بنِ عِبْدِ اللهِ، قالَ: سُئِلَ النَّبيُّ وَهَ: أيأكلُ أهْلُ الْجَنَّةِ؟ قالَ: ((نعمْ، وَيَشْرَبُونَ، ولا يَبُولُونَ فيها ، ولا يتغوَّطُونَ، ولا يَتَنَخَّمُون، إنما يكونُ ذلكَ جُشاءً ورَشحاً ، كرَشحِ المِسْكِ، ويُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْميدَ كما تُلهَمون النَّفَس(٤) . طريق رابعة عن جابر رضي الله عنه قالَ الْحَافظ أبو بَكْرٍ البزّار في (( مُسْنَدِهِ »: حدّثنا القَاسمُ بنُ مُحمَّدٍ بنِ يَحْتَى المروزِي ، حدّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ عُثْمانَ بنِ جَبلةَ، وهُوَ يُعْرفُ بِعَبْدان، حدّثنا أبو حَمْزَ السُّكّريّ(٥) ، عنِ الأعْمَشِ، عنْ أبي صَالِحِ، عنْ جابر [ بنِ عَبْدِ اللهِ]، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ لَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، ولا يتغَوَّطُونَ ولا يمتخطون، يُلْهِمُون التَّسبيحَ والحمْدَ، كما يُلْهمونَ النَّفَسَ، يكُونُ طَعامُهُمْ وَشَرَابُهُمْ في مسلم : كرشح . (١) (٢) رواه أحمد في المسند (٣١٦/٣) ومسلم رقم (٢٨٣٥) (١٨) و(٢٠). (٣) هذه الزيادة مقحمة، ليست في المسند ، وهي في مسند الشاميين للطبراني من طريق عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش . (٤) رواه أحمد في المسند (٣٥٤/٣) وليس في سنده ابن عياش، وإسناده ضعيف لجهالة ماعز التميمي ، ولكن للحديث شواهد وطرق یقوی بها . (٥) في (آ) : اليشكري ، وهو خطأ . ٤٦٦ ذكر أول طعام يأكله أهل الجنة بعد دخولهم جُشاءً كَرِشْحِ الْمِسْكِ)) قال البزّارُ: وَيُروى هَذَا عنِ الأعْمشِ، عن أبي سُفْيَانَ، ولمْ يصحَ سَمَاعُه مِنْهُ، وسَمَاعُه من أبي صَالِح صحيحٌ . أحاديث أُخر شتى قال الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ : حدّثنا خَلَفُ بنُ خَليفَةَ، عن حُمَيْدِ الأعْرَج ، عن عبد الله بن الحارث ، عَنْ عَبْدِ اللهِبن مَسْعُودٍ، قال: قال لي رسولُ الله ◌ِّهِ: ((إنَّكَ لَتَنْظُرُ إلى الطَّرِ فَتَشْتَهيه، فَيَخِرُ بَيْنَ يَدَيْكَ مَشْوياً (١) . وقال [الإمام أحمد]: حدّثنا عَبْدُ الْمَلك بنُ عَمْرو، عَنْ فُلَيْحِ، عنْ هِلال بْنِ عَلَيّ، عنْ عَطاء بن يَسَار، عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، قال يوماً وَهُوَ يُحَدِّثُ وعِنْدَهُ رَجُلٌ منْ أهْلِ البادية: ((إن رجلاً من أهل الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ عزَّ وجلَّ في الزَّرْعِ، فقالَ له رَبُّه سبحانه: أَلَسْتَ فيما شِئْتَ ؟ قال : بَلَى، ولكني أحبُّ أَنْ أَزْرِعَ)) قال: ((فَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُه، وَاسْتوَاؤُهُ، واسْتِخْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ)) قال: ((فَيَقُولُ [لَهُ ] رَبُّهُ عزَّ وجلَّ: دُونكَ يا ابْنَ آدَمَ، فإنَّهُ لا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ)) قال : فقالَ الأعرابي: واللهِ ما تَجِدُ هذا إلا قُرَشِيّاً أَوْ أَنْصَارياً، فإنَّهُمْ أصْحابُ زَرْعٍ، فأمّا نَحْنُ فَلَسْنا بِأصحابِ زرع. قال: فَضَحِكَ رسولُ الله ◌ِهَ. ورواه البُخاريّ منْ حديث أبي عَامِرِ العَقَديِّ عبدِ الملكِ بن عَمْرٍو، بِهِ(٢) . ذكر أول طعام يأكله أهل الجنة بعد دخولهم الجنة رَوَى الإمام أحمدُ عن إسماعِيلَ بن عُلَيَّةَ، عِنْ حُمَيْدٍ ، وأخْرَجِهُ البُخاريُّ مِنْ حَديثِهِ ، عِنْ أَنَسٍ : أَنَّ عَبْدِ اللهِينَ سَلامِ سَألَ رسول الله وَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدينَةَ عن أشياء، منها: وما أوَّلُ طَعام يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجِنَّةِ ؟ فقال: ((زيَادَةٌ كَبِد حُوتٍ )(٣) . وفي ((صَحيحٍ مُسْلِم)) منْ رِوَايةِ أبي أسمَاءَ، عَنْ ثَوْبانَ: أنَّ يَهُودياً سَأَلَ رسولَ اللهِ ◌ّهِ قالَ: فمَا تُحْفَتُهُمْ حينَ يدخُلُونَ الْجِنَّةَ؟ قالَ : ((زَيادَةُ كِدِ الْحُوتِ » قالَ: فمَا غِذَاؤُهُمْ على إثرها ؟ قال : ((يُنْحَر لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الذي يَأْكلُ منْ أَطْرَافِها)) قال: فما شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قالَ: ((منْ عَيْن ﴿ نُمَّى سَلَيِلًا﴾ قال: صَدَقْتَ(٤). (١) رواه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) رقم (٢٢) وإسناده ضعيف . (٢) رواه أحمد في المسند (٥١١/٢) والبخاري (٢٣٤٨). (٣) رواه أحمد في المسند ( ١٨٩/٣) والبخاري (٣٣٢٩). (٤) رواه مسلم رقم (٣١٥). ٤٦٧ ذكر أول طعام يأكله أهل الجنة بعد دخولهم وفي ((الصَّحيحينِ))، منْ حَديث عَطاء بنِ يَسَارٍ، عنْ أبي سَعيدٍ، قال: قال رسول الله وَلِيمٍ: (( تَكونُ الأرْضُ يَوْمَ القِيَامَةِ خُبزةً واحِدَةً ، يَتَكَفَُّها [الْجَبَّارُ] بيدِهِ، كما يَتَكَفَّأْ أحَدُكُمْ خُبِزَتَهُ في السَّفَرِ ، نُزْلًا لأَهْلِ الْجَنَّةِ)) فأتى رَجُلٌ منَ الْيَهُودِ فقالَ: بَارَكَ الرَّحْمِنُ عَلَيْكَ يا أبا القاسم ، ألا أُخْبِركَ بنزُلِ أهْلٍ الْجَنَّةِ يومَ القيامةِ؟ قالَ: ((بَلَى)) قالَ: تَكُونُ الأرْضُ خُبزةً واحدَةً يَومَ القِيَامَةِ، ثمَّ قالَ: ألا أُخْبرُكَ بإِدَامهمْ؟ قالَ: ((بَلَى)) قالَ: إِدَامُهُمْ بالامُ، ونُونٌ، قالَ: ((ومَا هَذَا؟)) قالَ: ثورٌ ونُون، يَأْكلُ منْ زَائدةٍ كَبِدِهِما سَبْعُونَ ألف١ً) . وقال الأعمشُ ، عنْ عَبْد اللهِ بن مُرّة ، عن مَسْرُوقٍ ، عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، في قوله تعالى : يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (أَ خِتَلُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٥ -٢٦]، قال: الرَّحيقُ: الْخَمْرُ، ﴿مَخْتُورٍ﴾ يَجِدُونَ عَاقبتَها رِيحَ المِسْكِ(٢). وقال سُفْيَانُ ، عنْ عَطاء بنِ السَّائب، عن سَعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في قوله ﴿ وَمِنَابُهُم مِن تَسْنِيمٍ ﴾ [المطففين: ٢٧] قال: التسنيم: أشْرَفُ شَرَابِ أهْلِ الْجَنَّةِ، يَشْرَبُهُ الْمُقَرَّبُونَ صِرْفاً، ويُمْزَجُ منه لأصحاب اليمين . قلت: وقدْ وصَفَ اللهُ خَمْرِ الْجَنَّةِ بصفاتٍ جَمِيلةٍ حَسَنةٍ لَيْسَتْ في خُمُور الدُّنيا القَذِرةِ ، فَذَكَر أنَّها أنْهارٌ جَاريةٌ كما قال تعالى: ﴿ وَهَرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِِّشَرِبِنَ وَنْهَرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفَّىٌ﴾ [محمد: ١٥] فهي أنْهارٌ جَارِيَةٌ مُسْتَمِدَّةٌ منْ عُيُونٍ تَنْبُعُ منْ تَحْتِ جبال المِسْكِ، ولَيْسَتْ مُعْتَصرةً بأرجل الرِّجَالِ الأراذِل في أسْوَأ الأحْوالِ ، وَذَكرَ أنّها لَذّةٌ لِلشّاربينَ، وليست كخَمْر الدُّنْيًا منْ كراهَةِ الطّعم، وَسُوء الفِعْلِ في العَقْلِ ، ومَغْصِ البَطْنِ، وَصُداعِ الرَّأْسِ ، فَقَدْ نزَّه الله تعالى أهل الجَنَّةِ عنْ ذلِكَ كُلِّهِ ، ونزَّه خمرها أن يكون فيه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (٢) ◌َضَآءَ لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَاهُمْ عَنْهَا يُتْرَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٧] ﴿بَيْضَآءَ﴾ أيْ حَسَنِ الْمَنْظَرِ ﴿لَذَّةٍ لِلشَّرِبِينَ﴾، طَيِّبة الطَّعْمِ ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ والغَوْل وَجَعُ الْبَطْنِ، ﴿وَلَهُمْ عَنْهَا يُتَّقُونَ﴾ أي لا تُذْهِبُ عُقُولَهُمْ، وذَلِكَ أنَّ الْمَقْصُودَ منَ الخَمْرِ إنّما هُوَ اللّذّةُ المُطْرِبَةُ، وَهيَ الْحالةُ المُبْهِجَةُ الّتي يَحْصُلِ بِهَا سرُورُ النَّفْسِ ، وهَذَا حَاصلٌ في خَمر الجَنَّةِ ، فأمَّا ذَهابُ العَقْلِ بِحَيْثُ يَبْقَى شَاربُهَا كالحَيَوانِ والمجنون، فهَذا نَقْصٌ ، إنّمَا يَنْشأُ عنْ خَمْرِ الدُّنْيا ، فأمَّا خَمْرُ الْجَنّةِ ، فَلا تُحْدِثُ لشاربها شيئاً من هذا وإنّمَا تُحدث الشُّرُور وَالانْتِهاج ، ولهذا قال تعالى: ﴿ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنَفُونَ﴾ أيْ تُنْزَفُ عُقُولُهُمْ، فَتَذْهَبُ بِالْكُلِّيةِ بسبب شُرْبِها. وقال في الآية الأخرى: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌّ تُخَلَُّونَ (٦) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيِقَ وَكَأْسِ مِنِ مَّحِينٍ (١) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا (١) رواه البخاري رقم (٦٥٢٠) ومسلم رقم ( ٢٧٩٢). (٢) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٣٦١). ٤٦٨ لباس أهل الجنة فيها وحليتهم وصفات ثيابهم يُعْرِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ -١٩] أيْ لا تُورِثُ لهُمْ صُداعاً في رؤوسهم، ولا تُنْزِفُ عُقُولَهُمْ. [ وقال في الآية الأخرى: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ (يَ خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَافِسُونَ وَمِنَ لِبُهُ مِن تَسْفِيمٍ (﴿يَ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٥ -٢٨]]. وَقَدْ ذَكَرْنا في ((التَّفْسِيرِ)) عن عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ : إنَّ الْجَمَاعَةَ مِنْ أهْلِ الجَنَّهِ لَيَجْتَمِعُونَ على شَرَابِهِمْ كما يَجْتَمِعُ أهْلُ الدُّنْيَا، فَتَمُ بهم السَّحَابةُ، فتقول: ما تريدون أن أُمطركم، فلا يَشاؤونَ شَيْئاً إلّا أَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ، حتَّى إنَّ مِنْهُمْ منْ يَقُولُ: أمْطِرِينا كَواعِبَ أتْراباً، فتُمْطِرُهُمْ كَوَاعِبَ أَتْرَابا١ً) . وتقدَّمَ أنّهُمْ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ شَجَرَةٍ طُوبِى، فَيَذْكُرُونَ لَهْوَ الدُّنْيا، [وهُوَ الطَّرَبُ]، فَيَبْعَثُ اللهُ ريحاً مِنَ الجَنَّةِ فَتُحَرِّكُ تِلْكَ الشّجَرَةَ بكلِّ لَهْوِ كانَ في الدُّنْيا . وفي بَعْضِ الآثَارِ : إنَّ الْجَماعةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّهِ لَيَجْتَازُونَ وهُمْ رُكْبَانٌ [ سائرون] صفّاً واحداً ، فلا يمرُّون بشجرة من أشجار الجنة ، إلا تنخَّت عن طريقهم [ لئلا تتلم صفهم وتُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ] ، وتتحفهم من ثمرها، وهَذا كُلُّهُ منْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَرَحْمَتِهِ بِهِمْ، فَلَهُ الْحَمْدُ والمِنَّهُ، وذلك قوله: ﴿رَأَنْتَ غَمَّ وَأَيْتَ ضِيَا وَمُلَكَاكِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]. والأكْوابُ هيَ الكِيزانُ الَّتي لا عُرَى لها ولا خَرَاطيمَ ، والأباريقُ [ بِخلافِها] لها عُرى وخراطيم ، والْكأسُ هُوَ الْقَدَحُ فِيهِ الشّرابُ، وقال الله تعالى: ﴿وَكْسَا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] أيْ ملأى مُتْرَعةً، لَيْسَ فيها نَقْصٌ، ﴿لَّا يَسَمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا كِذَّبًا﴾ [النبأ: ٣٥] أيْ لا يَصْدُرُ مِنْهُمْ على شَرَابِهِمْ شَيْءٌ مِنَ اللَّغِ، وهُوَ الكلامُ السَّاقطُ التّافِهُ، ولا تَكْذِيبٌ لِبَعْضِهِمْ بَعْضاً، كما يَصْدُرُ مِنْ شَرَبَةِ الدُّنيا ، كما قال تعالى : ﴿ لَّا يَسْمَعُونَ فِيَهَا لَغْوَاْ إِلََّ سَلَمَاْ﴾ [مريم: ٦٢] وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأِْيمًا (٤) إِلَّا قِلًا سَلَمَا سَلَمًا﴾ [الواقعة: ٢٥ -٢٦]، وقال: ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيَهَا لَغِيَّةٌ﴾ [الغاشية: ١١]. وثبت في ((الصَّحيحين)) عن حُذَيْفةَ، قال: قال رسولُ الله ◌ِ﴿: (( لا تَشْرِبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ، ولا تَأْكُلُوا في صِحَافها، فإنّها لهم في الدُّنْيا ولكم في الآخرة (٢) . ذِكْر لباس أهل الجنة فيها وحِلْيتهم وصفات ثيابهم نسأل الله من فضله قال الله تعالى: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقِّ وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِقَّةٍ وَسَقَنْهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا لَهُورًا (٦) إِنَّ هَذَا كَانَ (١) ذكره المؤلف في سورة النبأ عند قوله تعالى: ﴿وَكَوَاحِبَ أَزْرَابًا﴾ [ النبأ: ٣٣] عن أبي أمامة، لا عن ابن مسعود. (٢) رواه البخاري رقم (٥٤٢٦) ومسلم (٢٠٦٧) . ٤٦٩ لباس أهل الجنة فيها وحليتهم وصفات ثيابهم لَكُمْ جَزَآءُ﴾ [الإنسان: ٢١]، وقال تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُوّْ وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴿ أُوْلَكَ لَهُمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَخْنِمُ آلْأَنْهَرُ يُحَلَوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِكِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [ الكهف: ٣٠ - ٣١]. وَقَدْ ثَبَتَ في ((الصَّحيحين)) عِنْ رسولِ اللهِ وَ أَنّهُ قال: ((تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوضوءُ (١) . وقال الحسَنُ البَصْرِيُّ : الْحُلِيُّ في الْجَنَّةِ على الرِّجالِ أحْسنُ مِنْهُ على النِّساءِ . وقال ابنُ وَهْبٍ : حدّثني ابْنُ لَهِيعَةً، عنْ عُقَيَلِ بنِ خَالِدٍ ، عن الحَسَنِ ، عن أبي هُرَيرةَ : أنَّ أبَا أُمَامَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رسولَ اللهِهِ حَدَّثَهُمْ، وَذَكَرَ حَلْيَ أهْلِ الْجَنَّةِ، قالَ: ((مُسَوّرُونَ بالذهبِ والفِضّةِ ، مُكَلّلُونَ بالدُّرِّ، عَلَيْهِمْ أكاليلُ منْ دُرِّ وَيَاقُوتٍ مُتَواصِلةٌ، وَعَلَيْهِمْ تَاجٌ كَتَاجِ الْمُلُوكِ، شَبَابٌ جُزْدٌ مُكَخَّلُونَ (٢) . وقال ابنُ أبي الدُّنْيًا: حدّثنا أحمدُ بنُ مَنيع، حدّثنا الْحسنُ بنُ مُوسى، [ حدّثنا ابن لهيعة]، حدّثنا يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ ، عن دَاوُدَ بنِ عَامِرِ بنَ سَعْدِ بن أبي وقّاصٍ ، عن أبيه ، عن جَدِّهِ ، عنِ النبيِّ وَ﴿ قال: ((لَوْ أنَّ رَجُلاً مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ الطَّلَعَ فَبَدَا سِوَارُهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشّمْسِ، كما تَطْمِسُ الشّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ ٣٤). وقال الإمام أحمد: حدّثنا يَحْتَى بنُ إسْحاقَ، أنبأنا حَمَّادُ بنُ سَلمةَ، عنْ ثابتٍ ، عنْ أبي رَافِعٍ ، عِنْ أبي هُرَيرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مِنْ يَدْخُلِ الْجَنَّةِ يَنْعَمْ، لا يَبْأْسُ، ولا تَبْلَى ثِيَائَةٌ ، ولا يَفْنَى شَبَابُه، في الْجَنَّةِ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنَّ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ)) . وأخرجهُ مُسْلِمٌّ منْ حديثِ زُهَيْرِ بن حَرْبٍ، عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن مَهْدِيّ، عن حَمَّادِ بن سَلَمة، إلى قوله : (((لا تَبْلَی ثِیابُه ، ولا يَفْنی شَبَابُه (٤) . وقال أحمد : حدّثنا عليّ بنُ عَبْدِ اللهِ، حدّثنا مُعاذُ بن هِشَامٍ ، حدّثنا أبي، عن قَتَادَةَ ، عن (١) رواه مسلم رقم ( ٢٥٠) وليس عند البخاري . (٢) رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) ( ٢٦٧). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٢٥) وأخرجه أحمد في المسند (١٧١/١) والترمذي رقم (٢٥٣٨) من طريق ابن المبارك عن ابن لهيعة به ، وهو حديث حسن . (٤) رواه أحمد في المسند (٣٦٩/٢)، ومسلم رقم (٢٨٣٦) . ٤٧٠ لباس أهل الجنة فيها وحليتهم وصفات ثيابهم خِلاَسٍ، عن أبي رَافِعٍ، عن أبي هُرَيْرةَ: أَنَّ نَبِيَّ اللهَِّ قال: ((لِلْمُؤْمنِ زَوْجتانِ، يُرَى مُخّ سُوقهمَا مِنْ وَرَاء ثيابهما (١) . وقال الطبرانيّ: حدّثنا أحمدُ بنُ عَليّ(٢)، والْحَسنُ بنُ عَلَيّ الفَسَوِي، قالا: حدّثنا سَعيدُ بنُ سُليمانَ ، حدّثنا فُضَيْلُ بنُ مَرْزُوقٍ ، عن أبي إسْحاقَ ، عن عَمْرو بن مَيْمُونٍ ، عن عَبْدِ اللهِ، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((أوَّلُ زُمْرَةٍ يَدْخُلونَ الْجَنَّةَ كأن وُجُوهَهُمْ ضَوْءُ القَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزّمْرَةُ الثَّانِيةُ على لَوْنٍ أحْسَنِ كَوْكَب دُرِّيٍّ في السَّمَاء ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتانِ منَ الْحُورِ الْعِينِ ، على كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ خُلَّةٌ ، يُرى مُخّ سوقِهما منْ وَراءِ لُحُومِهما وحُلَلِهِما، كما يُرَى الشّرَابُ الأحْمَرُ في الزُّجَاجَةِ الْبَيْضاءِ ». قال الضياء : هَذا عِنْدي على شَرْطِ الصَّحيحُ(٣). وقال أحمدُ : حدّثنا يُونسُ بنُ محمَّدٍ، حدّثنا الْخَزْرِجُ بنُ عُثْمانَ السَّعْدِيّ، حدّثنا أبو أيُّوبَ مَوْلّى لِعُثْمان بنِ عَقَّنَ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ الله ◌َ: ((قِيد سَوْطِ أحدِكُمْ منَ الْجَنّةِ خَيْرٌ منَ الدُّنْيَا، ومِثْلِهَا مَعَها، وَلَقَابُ قَوْسِ أحدِكم منَ الجَنّةِ خيْرٌ منَ الدُّنْيَا وَمِثْلِها مَعَها، وَلَنصيفُ امْرأةٍ منَ الْجَنَّةِ خيرٌ منَ الدُّنيا ومِثْلِها مَعَها)) قال: قُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ، وما النَّصيفُ؟ قال : الخِمَارُ. قُلْتُ: الخَزْرَجُ بنُ عُثْمان البَصْرِيُّ تَكَلَّموا فيهِ، وَلكِن لهُ شاهدٌ في الصَّحيح، كما تقدَّمَ في ((صحيح البخاريّ)) عنْ أنَسٍ، عنِ النبيِّ وَ ﴿ه، وَفيهِ: ((وَلَنصيفُهَا)) يَعْني خِمَارَهَا ((خَيْرٌ منَ الدُّنْيًا وَمَا فيها)(٤) . وقال حَرْملةُ، عنِ ابْنِ وَهْبٍ : حدّثنا عَمْرُو: أنَّ دَرَّاجاً أبَا السَّمْحِ حدَّثَهُ، عن أبي الْهَيْثمِ ، عن أبي سَعيدٍ الْخُذْريّ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَكَئْ سَبْعينَ سنةً قبْلَ أنْ يَتَحَوَّلَ ، ثُمَّ تَأتيهِ امْرأةٌ فَتَضْرِبُ على مَنْكِبَيْهِ ، فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّها أصْفَى مِنَ المِرآةِ ، وإنَّ أدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها لَتُّضِيءُ ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَرُدُّ عليها السّلامَ وَيَسألُها : منْ أنْتِ ؟ فتقُولُ : أنا المَزيدُ، وإنّهُ لَيَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْباً أَدْناهَا مِثْلُ النُّعْمالُ(٥) مِنْ طُوبَى، فَيُنْفِذُهَا بَصَرهُ حتّى يَرَى مُخْ ساقِها مِنْ وَرَاءِ ذَلِك، وإن عَلَيْهم التِّيجانَ، وإِنَّ أْنَى لُؤْلُؤةٍ عَليْها لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرقِ وَالْمَغْربِ » . ورواه أحمدُ عنْ حسنٍ ، عن ابْنِ لَهِيعَةَ، عن دَرَّاجِ، به بطُولِه (٦) . (١) رواه أحمد في المسند (٣٨٥/٢) وإسناده صحيح. كذا في (أ): أحمد بن علي، والذي في ((معجم الطبراني الكبير)): أحمد بن يحيى . (٢) رواه الطبراني في «الكبير» (١٠٣٢١) أقول: فيه عنعنة أبي إسحاق ، وفضيل بن مرزوق صدوق يهم، ولكن (٣) للحدیث شواهد یقوی بها . رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٨٣) وشاهده في البخاري رقم (٦٥٦٣). (٤) (٥) أي مثل شقائق النعمان . (٦) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٧٥) وإسناده ضعيف . ٤٧١ لباس أهل الجنة فيها وحليتهم وصفات ثيابهم وقال ابنُ وَهْبٍ : أخْبرني عَمْرو بنُ الحارث ، عن أبي السَّمْحِ، عن أبي الْهَيْثَم ، عن أبي سَعيدٍ : أنَّ رَسُولَ اللهِوَ ثَلا قوله: ﴿ جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيَهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [ فاطر : ٣٣] فقال: ((إنَّ عَليهم القِيجَانَ، إنَّ أدْنى لُؤلُؤةٍ منْها لتُضيءُ ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)) . وقد روى الترمذي منه ذكر التيجان ، من حديث عمرو بن الحارث(١). وروى الإمامُ أحمد عن عَبْد الرَّحْمن بنِ مَهْدِيّ، عنْ محمّدٍ بن أبي الوَضَّاحِ ، عن الْعَلاءِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ رَافِعٍ، عنْ حَنانِ بنِ خارجة السُّلمِيّ، عن عبد اللهِ بن عَمْرو، قال: جَاءَ رجُلٌ إلى النبيِّ وَه فقال : يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْنا عَنْ ثِيَابِ أهْلِ الْجَنَّةِ: خَلْقاً تُخْلَقُ، أَمْ نَسْجاً تُنْسِجُ؟ فَضَحِك بَعْضُ القَوْم، فقال رسولُ اللهِوَّمَ: ((ممَّ تَضْحكُون؟ منْ جَاهِلٍ يَسْألُ عَالِماً؟)) ثمَّ أَكَبَّ رسولُ اللهِ وَله، ثمَّ قال: (( أيْنَ السَّائلُ؟)) قال: ها هو ذا أنا يا رسولَ الله، قال: (( لا، بلْ تَشَفَّقُ عَنْها ثَمَرُ الْجَنَّةِ)) ثلاثَ مَرَّاتٍ . ورواهُ أحمدُ أيضاً عن أبي كامِلٍ ، عنْ زيَاد بن عَبْدِ الله بن عُلاثَةَ القَاصِّ أبي سَهْلٍ ، عن العَلاء بن رَافِعٍ ، عنِ الفَرَزدقِ بنِ حَنالٍ(٢)، عنْ عَبْدِ اللهِبن عَمْرو بن العَاصِ ... فذكر نحوه(٣) . وفي حديث دَرَّاجِ ، عن أبي الْهَيْثمِ ، عن أبي سعيدٍ ، أن رجلاً قال : يا رسولَ الله، وما طُوبى ؟ قال: ((شَجرةٌ فِي الْجَنَّةِ مَسيرةُ مِئَةٍ سَنَةٍ، ثِيابُ أهْلِ الْجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِها (٤) . وقال أبُو بَكْر ابن أبي الدُّنْيا: حدّثني محمّد بنُ إدريسَ الْحَنْظَلَيّ، حدّثنا أبو عُتْبَة، حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بنُ عَيَّاش، عن سَعيدٍ بن يُوسُفَ، عن يَحْيَى بن أبي كثيرٍ، عنْ أبي سَلَّم الأسْوَدِ ، سَمِعْتُ أبَا أُمَامَةَ، عنْ رسولِ اللهِوََّ قال: (( ما منْكُمْ مِنْ أحْدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةِ إلَّ انْطُلِقَ بهِ إلى طُوبَى، فَتَفَتَّحُ لهُ أكْمَامُهَا عن ألوان الثياب، يَأْخُذُ منْ أَيِّ ذلِكَ شاء، [ إن شاءَ] أبْيَضَ، وإن شاء أحمر، وإن شاءَ أَخْضَرَ ، وإنْ شاءَ أصْفَرَ ، وإنْ شَاءَ أسْودَ ، مِثلَ شَقَائقِ النُّعْمانِ، وَأْرَقُّ، وأحسن)). غريبٌ حسنٌ(٥). وقال ابنُ أبي الدُّنْيا: حدّثنا سُوَيْدُ بنُ سعيدٍ، حدّثنا عَبْدُ رَبِّه بنُ بَارِقٍ الْحَنفيُّ، عن خَالِهِ الزُّمَيْلِ : أنَّهُ سمِعَ أباه ، قال : قُلتُ لابْن عِبَّاسٍ: ما حُللُ أهْلِ(٦) الْجَنَّةِ؟ قال: فَيْهَا شَجَرةٌ فيها ثمر كأنَّهُ (١) رواه الترمذي رقم (٢٥٦٢) وإسناده ضعيف . (٢) في الأصول: حيَّان، والصواب: حنان بن خارجة، كما سبق في السند قبله، أخطأ في تسميته ابن علاثة . (٣) رواه أحمد فى المسند (٢٢٤/٢) و(٢٠٣) وإسناده ضعيف. (٤) رواه أحمد في المسند ( ٧١/٣) وإسناده ضعيف . (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (١٤٩) أقول: سعيد بن يوسف الرحبي ، ضعيف . (٦) في (أ) : ما أرض الجنة . ٤٧٢ صفة فرُش أهل الجنة الرُمَّانُ، فإذا أرَادَ وَلِيُّ الله ◌ُسْوَ انْحَدَرَتْ إليْهِ مِنْ غُصْنِها، فَانْفَلَقَتْ عَنْ سَبْعِينَ حُلّةً، ألواناً بَعْدَ أَلْوَان ، ثمَّ تنطبق، فَتَرْجِعُ كما كانَتْ . وتَقَدَّمَ عنِ الثَّوْرِيّ ، عن حمَّدٍ ، عن سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ ، عن ابن عبّاسٍ أنّهُ قالَ : نَخلُ الجنة جُذُوعُها مِنْ زُمُرُدٍ أَخْضَرَ، وكرَبها منْ ذَهَبٍ أحمرَ ، وسَعَفْهَا ◌ُسْوةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ ، منْها مُقَطَّعَاتُهُمْ وخُلَلُهُمْ. صفة فرش أهل الجنّة فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴾ قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَى فُرُئِرٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍّ وَحَنَى الْجَنََّيْنِ دَانٍ [® [ الرحمن : ٥٤ ] . فإذا كانت البَطائنُ منْ إسْتَرقٍ، فما الظن بالَّهَائر، قاله ابن مسعود. وقال تعالى: ﴿ وَفُرٍُ [ الواقعة : ٣٤ ] . مَّرْفُوعَةٍ وَرَوى أحمدُ والتِّرْمذيُّ منْ حديثِ دَرَّاجٍ، عن أبي الهَيْثَمِ، عن أبي سَعيدٍ: أنَّ رسولَ اللهِلَه، قال: ﴿ وَفُرٍُ قَرْفُوعَةٍ ﴾ قال: (( وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِه، إنَّ ارْتِفَاعَهَاَ لكمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وإنَّ ما بَيْن السَّماءِ وَالأرْضِ مَسيرَةُ خَمْسِمِئَةٍ عَامٍ )) ثم قال: غريبٌ، لا نعْرِفُهُ إلّ منْ حديثِ رِشِدينَ ، يَعْني عنْ عَمْرو بن الْحَارِث ، عنْ دَرَّاج . قلتُ : وقد رواه حَرْملةُ ، عن ابن وَهْبٍ ، ثمَّ قال التّزْمِذِيّ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ الْعِلْمِ في تفسيرِ هذا الحديثِ : إنَّ مَعْناهُ: الفُرُشُ في الدَّرَجَاتِ ، وَبَيْنَ الدَّرَجاتِ كما بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ . قلت : وممَّا يُقَوِّي هذا ما رواهُ عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ ، عن عَمْرٍو ، عن دَرَّاجِ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سَعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﴿ه في قوله: ﴿وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ﴾ قال: ((مَا بَيْنَ الفِرَاشَيْنِ كما بَيْنَ السَّماء والأرضِ)). وهَذَا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظً(١) . وقال حمَّادُ بنُ سَلمةَ ، عن عليّ بنِ زَيْدٍ، عن مُطَرِّفِ بن عَبْدِ اللهِ بن الشِّخِّيرِ ، عن كعْبِ الأخْبَارِ ، في قوله تعالى: ﴿وَفُرْشِ مَّفُوعَةٍ﴾ قال: مَسيرةُ أربعينَ سَنَّةً، يَعْني أنَّ الفُرُشَ في كل مَحلِّ ومَوْطنٍ مَوْجُودةٌ مُهَيَّةٌ لاخْتِمَالِ الاخْتِيَاج إليْها في ذلك المَوْضع، كما قال تعالى: ﴿فِيَهَا عَيْنٌّ جَارِيَّةٌ (١) فِهَا سُرُرٌ مَّفُوعَةٌ () وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ () وَرِقُ مَصْفُوفَةٌ لِي وَزَرَابِقُ مَبِّئُوتَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢ - ١٦] أي النَّمَارِقُ وَهِيَ المَخاذُ مَصْفُوفةٌ في كلِّ مَكانٍ يَليقُ بها ، لاختِمالِ الاخْتِيَاجِ إلَيْها في ذلك المكان ، وكذا الزَّرَابِيُّ - وَهِيَ البُسُط الْجِيَادُ المفتخرة - مَبْثُوثةٌ هاهنا وهَاهُنا، في أماكِنِ الْمتنزَّهات منَ الْجَنَّةِ، كما قال تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَ (١) رواه أحمد في المسند (٧٥/٣) والترمذي رقم (٢٥٤٠) ورواه ابن حبان (٧٤٠٥) من طريق حرملة ، والبيهقي في (( البعث والنشور)) (٣٤٢) من طريق ابن وهب ، وهو حديث ضعيف . ٤٧٣ صفة الحور العين وبنات آدم رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ﴾ [الرحمن: ٧٦] والعَبَاقرُّ هي عِتاقُ الْبُسُطِ، أَيْ جِيادُهَا وَخِيارُها وحِسَانُها ، وهي بسط الجنة ، لا الدنيا، وَقَدْ خُوطِبَ العَرَبُ بما هُوَ معروف عِنْدَهُمْ، وفي الجنة ما هو أحْسنُ وأجمل وأبهى وأعْظَمُ ممَّا في النُّفُوسِ وَأجلُّ، منْ كلِّ صِنْفٍ ونَوْعٍ منْ أصناف المَلاذٌ، وأجناس الأشياء كلها ، وألذُّ في المَناظِرِ والنفوس . وَالنَّمَارِقُ : جَمْعُ نُعْرُقةٍ بِضِمِّ النُّونِ، وحُكِيَ كِسْرُها، وهي الوَسَائِدُ ، وَقِيلَ: الْمَساندُ ، وَقَدْ يَعُمُّها اللّفْظُ. وَالزّرَابِيُّ: البُسُطُ . وَالرَّفْرَفُ: قيلَ : رياضُ الجَنَّةِ ، وما يكون على شاطىء الأنهار من النبات والأزهار ، وقيلَ: ضَرْبٌ منَ الثَّابِ . والعَبْقَريُّ: جِيادُ البُسُطِ ، وقيل غير ذلك، والله أعلم . صفة الحور العين ، وبنات آدم وشرفهن وفضلهن عليهن وكم لكل واحد منهن ) فَبِأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هِجْ فِهِنَّ ٥٤ قال الله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرُئٍِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَحَنَى الْجَنََّيْنِ دَانٍ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌ ﴿ فَبِأَِ ءَالَاءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٥٤ - ٥٧] وقال تعالى: فِهِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ ﴿ فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَنِ ﴿يَ حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ (٣) فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّ بَانِ هَ لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْهُ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٦) فَأَِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَّذِّبَنِ﴾ [الرحمن: ٧٠ -٧٥] وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ [ البقرة: ٢٥] أيْ منَ الْخَيْضِ وَالنُّفَاسِ، وَالبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالبُصَاقِ، والمخاط، فلا يَصْدُرُ مِنْهُنَّ أذىّ أبداً، وكذلك طَهُرَتْ أخلاقهن وألفاظهن وقلوبهن . وقال عَبْدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ : حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا قَتادةُ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سَعيدٍ ، عن النَّبيِّ وَجِ: ﴿فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: ((منَ الْخَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالنّجَاسَةِ، وَالبُصَاقِ)(١) . وقال أبو الأخْوَصِ عِنْدَ قَوْلهِ: ﴿ حٌُّ مَّقْصُورَاتٌ فِ اَلِيَامِ﴾ قال: بَلَغْنا فِي الرِّوَايَةِ أَنّ سَحَابَةً مَطَرَتْ مِنَ العَرش ، فَخُلِقْنَ مِنْ قَطَراتِ الرَّحْمَةِ ، ثمَّ ضُرِبَ على كلِّ وَاحِدَة منهن خَيْمةٌ على شاطىء الأنْهارِ ، وسَعَةُ الخيمة أرْبَعُونَ ميلاً ، وَلَيْسَ لها بَابٌ، حتَّى إذا حَلَّ وَلِيُّ اللّهِ بِالْخَيْمَةِ انْصَدَعَتِ الْخَيْمةُ عن باب لِيَعْلَمَ وَلِيُّ اللهِ أنَّ أبْصَارَ الْمَخْلوقينَ منَ الملائكةِ وَالخَدم لم تنظر إليها ، فهُنَّ مقصورات عن إيصَارِ المخلوقين . وقال تعالى: ﴿وَحُرُ عِينُ (٦) كَأَمْثَلِ اللُُّلُوِ الْمَكْتُنِ ( جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [ الواقعة: ٢٢ -٢٤] وقال في الآية الأخرى: ﴿كَهُنَّ بَيَضُْ مَّكْتُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] قيل: إنّهُ بَيْضُ الَّعَام الْمَكْنُون في الرمْلِ، وهُوَ (١) رواه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٦٣) من طريق ابن المبارك. ٤٧٤ صفة الحور العين وبنات آدم عِنْد العَرَبِ أَحْسَنُ أنواع البيض ، وقيلَ : المرادُ بهِ اللُّؤلؤْ قَبْلَ أنْ يَبْرُزَ مِنْ صَدَفِهِ ، وقال تعالى : ﴿ وَفُرْشِ مَّرْفُوعَةٍ ﴿ إِنَّا أَنْشَأْتَهُنَّ إِنشَاءُ (وَ لَمَلْنَهُنَّ أَبْكَرًا (يَ عُرْبًا أَتْرَابًا (ج) لِّأَصْحَبِ اَلْيَمِينِ﴾ [ الواقعة: ٣٥ - ٣٨] أي ﴿إِنَّا أَنَشَأْتَهُنَّ﴾ بعْدَ الكِبَرِ وَالعَجْزِ وَالضَّعْفِ فِي الدُّنْيَا، فَصِرْنَ في الجَنَّةِ شَبَاباً ﴿أَبْكَارًا ﴿ عُرْبًا ﴾ أيْ مُتَحَبِّبَاتٍ إلى أزواجهن، وقيل المراد به : الغَنِجة، وقيل: الشَّكِلة . والآية تعمُّ هذا كله وأضعافه أَقْرَابًا﴾ أي في عمر واحد ، لا يزدن ولا ينقصن بل هن في سن واحدة . وقال الطَّبرانيُ: حدّثنا بكرُ بنُ سَهْلِ الدِّمْياطيّ، حدّثنا عَمْرُو بنُ هَاشِمِ البَيْرُوتِيّ، حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ أبي كريمةَ ، عن هِشَامِ بنِ حَسَّان ، عن الحسن ، عنْ أُمِّهِ ، عن أُمِّ سَلَمَةَ قالت : قلتُ : يا رسولَ اللهِ، أخْبِرْني عنْ قَوْلِ اللّه تعالى: ﴿ وَحُورُ عِينٌ﴾ قال: ((﴿وَحُورُ﴾ بيضٌ ﴿عِنُ﴾ ضِخام العُيُونِ شُفْرٍ(١) الْحَوْراء، بمنزِلة جَنَاحِ النّسْرِ)) قلتُ: يا رسول الله أخْبِرْني عنْ قوله تعالى : كَأَمْثَلِ اللُُّلُِّ الْمَكْتُونِ﴾ قال: ((صَفاؤُهُنّ صَفاءُ الدُّرِّ الّذي في الأصْدَافِ الَّذِي لم تَمسَّهُ الأيْدِي)». قلتُ: يا رسول الله أخبرني عن قوله: ﴿فِهِنَّ خَيَْتُّ حِسَانٌ﴾ قال: (( خيرات الأخلاق ، حسان الوجوه )) قلتُ: يا رسولَ الله، أخْبرْني عن قوله: ﴿كَأَنَهُنَّ بَيَضُ مَّكْنُونٌ﴾ قال: ((رِقْتُهُنّ كِرِقّةِ الحِلْدِ الذي يكون في دَاخِلِ البَيْضَةِ ممّا يلي القِشْرَةَ، وَهُوَ الْغِرْقئْ)). قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْني عن قَوْلِهِ ﴿ عُرْبً أَتَابًا﴾، قال: ((مُنَّ اللَّواتي قُبِضْنَ في دَارِ الدُّنْيا عَجائِزَ رُمْضا٢ً) شُمْطاً، خَلَقَهُنَّ الله بَعْدَ الكِبَرِ، فَجَعَلُهُنَّ عَذَارَى ﴿عُرْبًا﴾ مُتَعَشِّقَات مُحَيَّاتٍ إلى أزواجهن ﴿أَتْرَابًا ﴾ على مِیلادٍ وَاحِدٍ)). قلت : يا رسولَ اللهِ، نِسَاءُ الدُّنْيَا أفْضِلُ، أم الْحُورُ العِينُ؟ قالَ: ((بَلْ نِساءُ الدُّنيا أفضلُ منَ الحُورِ العينِ ، كَفَضْلِ الظُّهارةِ على البِطَانَةِ » . قلت : يا رسولَ الله، بماذا؟ قال: ((بِصَلاتِهِنَّ وَصِيامِهِنَّ، وعِبَادَتِهِنَّ اللهَ، أَلْبسَ اللهُ وجُوهَهُنَّ النُّورَ ، وَأَجْسَادَهُنَّ الْحَرِيرِ، بِيضُ الألْوانِ، خُضْرُ الثِّيَابِ، صُفْرُ الْحَلْي، مَجَامِرُ هُنَّ الدُّرُ، وَأَمْشَاطُهُنَّ الذَّهَبُ، يَقُلْنَ : نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فلا نَمُوتُ ، ونَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا نَبْأس ، ونَحْنُ المُقيمَاتُ فَلا نَظْعَنُ أبداً ، ألا ونَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلا نَسْخَطُ أبداً، طُوبى لِمَنْ كُنَّا لَهُ، وكانَ لَنَا)). قلتُ : يا رَسُول اللهِ، المَرْأةُ مِنَّا تَتَزَوَّجُ الزَّوْجَيْنِ، وَالثَّلاثةَ، وَالأرْبَعَةَ، ثمَّ تَمُوتُ، فتدخْلُ الْجِنَّةَ، ويدْخُلُونَ مَعَها، منْ يَكُونُ زَوْجُها؟ قال: (( يا أُمَ سَلَمة، إنَّها تُخَيَّرُ فَتَخْتارُ أحْسَنُهُمْ خُلُقاً ، (١) الشُّفر : المراد به حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر. (٢) جمع رمضة ، وهي المرأة التي تحك فخذها بفخذها الأخرى . ٤٧٥ صفة الحور العين وبنات آدم تقُولُ: يا رَبِّ، إنَّ هَذا كانَ أحْسَنَهُمْ مَعي خُلُقاً فِي دَار الدُّنْيَا، فَزَوَّجنيهِ. يا أُمّ سَلَمَةَ، ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرةِ﴾(١) . وقالَ (محمد بن عثمان(٢) بنِ أبي شَيْبَةَ: حدّثنا أحمدُ بنُ طارقٍ، حدّثنا مَسْعدةُ بنُ الْيَسَعِ ، حدّثنا سَعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، عنْ قَتادةَ، عنْ سَعيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عِنْ عَائِشَةَ: أنَّ رسولَ اللهِوَهِ أَتَتْهُ عَجُوزٌ منَ الأنْصَارِ ، فقالت: يا رسولَ الله ادْعُ الله أنْ يُدْخِلْنِ الْجَنَّةَ، فقال: ((إِنَّ الْجَنَّةَ لا يَدْخُلُها عَجُوزٌ ))، فَذَهَبَ رسولُ اللهِ وَّرَ فَصَلَّى، ثمَّ رَجعَ إلى عائشةَ، فقَالت: لَقَد لَقِيتْ مِنْ كَلَمتك مَشَقَّةً وشِدَّةً، فقالَ: ((إنَّ ذَلِكَ كَذلكَ، إنَّ الله إذا أَدْخَلهنَّ الْجِنَّة حوَّلَهُنَّ أبْكاراً)(٣) . وتقدّم في حَديثِ الصُّورِ فِي صِفَةِ دُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ، قال: فَيَدْخُلُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعينَ زَوْجةً، سبعين ممَّا يُنْشىءُ اللهُ عِزَّ وجلَّ، وثِنْتين منْ وَلَدِ آدَمَ ، لَهُما فَضِلٌ علَى منْ أنْشأ الله ؛ بِعَبَادِهِمَا اللهَ في الدُّنْيا ، يَدْخُلُ على الأولى مِنْهُما في غُرْفةٍ مِنْ يَاقُوتَة، على سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ ، مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلِ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجاً مِنْ سُنْدُسٍ وإِسْتَبَرَق، وإِنَّهُ لَيَضِعُ يَدَهُ بَيْن كَتِفَيْها، ثمّ يَنْظُرُ إلى يَدِهِ مِنْ صَدْرِهَا، مِنْ وَراءِ ثِيَابِهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَها، وإِنَّهُ لَيْنُظُرُ إلى مُخِّ سَاقِها كما يَنْظُرُ أحَدِكُمْ إلى السِّلْكِ في قَصَبَةِ الْيَاقُوتِ ، كَبِدُهُ لها مرآةٌ ، وَبِدُها لهُ مرآةٌ، فَبَيْنما هُوَ عِنْدِها لا يَمَلُّها ولا تَمَلُّهُ، ولا يأتِيهَا مَرَّةً إِلَّ وجَدَها عَذْرَاء ما يَفْتُرُ ذَكَرُهُ، ولا يَشْتَكِي قُبُلُهَا، إلَّ أنَّه لا مَنيَّ ولا مَنِيَّةً، فَبينما هُوَ عندها إذْ نُودي: إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لا تَمَلُّ، ولا تُمَلُّ، إلَّ أنَّ لَكَ أزواجاً غيْرَها، فَيَخْرُجُ فَيَأْتِيهنَّ وَاحدةً ، واحدةً ، كُلَّمَا جَاءَ وَاحِدةً، قالت: واللهِ ما في الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْكَ، وما في الجَنَّةِ شيء أحَبُّ إليَّ مِنْكَ)) . وَلهذا الْحَديثِ شَوَاهِدُ منْ وُجوهٍ كثيرةٍ، تَقَدَّمَتْ ، وسيأتي إن شاء الله تعالى وبه الثقة . وتَقَدَمَ الْحَديثُ الَّذي رَواه الإمامُ أحمدُ منْ حَديثِ أشعث الضرير ، عنْ شَهْرِ بن حوشبٍ ، عنْ أبي هُرَيْرةَ، عن النبيِّ وَِّ وفيه: ((وإنَّ لهُ منَ الْحُورِ الْعِينِ لاثْنَيْنِ وَسَبْعينَ زوجةٌ سِوَى أَزْواجِه من الدُّنْيا، وإِنَّ الْوَاحِدة مِنْهُنَّ لَيَأْخُذُ مَفْعَدُها قَدْرَ ميلٍ منَ الأرْضِ ،(٤) . وقالَ حَرْملةُ ، عن ابن وَهْبٍ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو: أنَّ دَرَّاجاً أبا السَّمْحِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي الْهَيْئِمِ ، عَنْ أبي سَعيدٍ، عن النبيِّ ◌َّهِ، قال: ((أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزلةَ الَّذي لهُ ثمَانُونَّ ألفَ خادِمٍ ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ (١) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) ( ٢٣/ ٨٧٠) وفي سنده سليمان بن أبي كريمة ، ضعفه أبو حاتم . وقال ابن عدي : عامة أحاديثه منكرة . ولا يعرف إلا بهذا السند . (٢) في الأصول : أبو بكر . (٣) رواه الطبراني في «الأوسط)) رقم (٥٥٤٥) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة - لا عن أبي بكر بن أبي شيبة - عن أحمد بن طارق به ، وإسناده ضعيف ، ولكن له شواهد يقوى بها . (٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٥٣٧) وإسناده ضعيف . ٤٧٦ صفة الحور العين وبنات آدم زوجةً، وتُنْصبُ له قُّةٌ مِنْ لُؤْلُقٍ وزَبْرَ جَدٍ ويَاقُوتٍ، كما بَيْنِ الْجَابَةِ وَصَنْعَاءَ )). وَأَسْندهُ أَحْمَدُ عَنْ حَسَنٍ ، عَنْ ابن لَهِيعَةَ، عنْ دَرَّاجِ ، به، ورواه الترمذيُّ عَنْ سُوَيْدٍ بن نَصْرٍ ، عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ ، عَنْ رِشْدِينَ، عَنْ عَمْرِو بن الحَارِث ... ، فذكره بإسناده نَحْوَهُ(١). وقال محمدُ بن جَعْفر الفريابيُّ: حدّثنا أبو أيُّوبَ سُلَيمانُ بنُ عبد الرَّحْمنِ ، حدّثنا خالدُ بنُ يزيدَ بن أبي مالِكِ، عن أبيه، عَنْ خالِدِ بن مَعْدَانَ، عَنْ أبي أَمامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ، قال: ((ما مِنْ عَبْدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّ وَيُرَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجةٌ، ثنتين منَ الحورِ العِينِ ، وسبعين منْ أهْلِ مِيرَائِهِ منْ أهْلِ الدُّنْيا، لَيْسَ منهنَّ امرأةٌ إلا ولَها قُبُلٌ شَهِيٌّ، ولَهُ ذَكَرٌ لا يَنْني)). وهذا حَديثٌ غَرِيبٌ جدّاً، والْمَحْفوظُ - كما تقدَّم - خِلافُه، وهو اثنتان من بنَاتِ آدَمَ ، وسَبْعونَ منَ الْحُورِ الْعِين ، فالله أعلم . وخَالِد بن يزيد بن أبي مَالكِ هَذَا تَكلَّم فيه الإمام أحمدُ ، وَيَحْيَى بنُ مَعين، وغيْرُهُما، وضعَّفُوه ، ومِثْلُهُ قَدْ يَغْلَطُ ، ولا يُتْقِنُ . ورَوَى أحمدُ ، والتِّرْمذيُّ، وصحَّحَهُ ، وابنُ مَاجَهْ، منْ حديثِ بَحيْر بن سَعْدٍ ، عن خالد بن مَعْدَانَ، عن المِقْدَام بن مَعْديكرِبَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّ للشَّهيدِ عند الله لَستَّ خِصالٍ ، يُغْفِرُ لَهُ عِنْدَ أوَّلِ دُفَعة من دمه، ويَرَى مَقْعدَهُ في الجَنَّةِ ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإيمانِ ، ويُجارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ ، وَيَأْمنُ منَ الفَزَعِ الأكْبَرِ ، وَيُوضَعُ على رأسِه تَاجُ الوَقَارِ ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خيْرٌ منَ الدُّنْيا وما فِيها، ويُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زْجَةٌ منَ الحُورِ العِين، ويَشْفعُ في سبعينَ إنساناً مِنْ أَقَارِبِهِ)(٢). فأمَّا الحديثُ الَّذِي رواهُ مُسْلمٌ في ((صحيحِهِ)): حدّثني عَمرو النّاقدُ، وَيَعْقُوبُ بنُ إِبْرَاهيمَ الدَّوْرقِيُّ جَميعاً، عن ابنٍ عُلَيَّةَ، واللّفظُ لَيَعْقُوبَ، قال: حدّثنا ابنُ عُلَيَّة، حدّثنا أيُوبُ، عن محمّدٍ ، قال: إمَّا تَفَاخَرُوا، وإمَّا تَذَاكَرُوا: الرِّجَالُ أَكْثِرُ فِي الْجَنَّةِ أم النِّساءُ؟ فقال أبو هُرَيرةَ : أَلَمْ يَقُلْ أَبُو القَاسمِ وَه: ((إن أوَّلَ زُمْرَةٍ تدخل الْجَنَّةَ على صُورةِ القمَرِ ليلةَ البَذْرِ، وَالَّتِي تَليها على أضْوَإِ كَوْكبٍ دُرُيّ فِي السَّماءِ ، لِكلِّ امْرِيْ مِنْهُمْ زوْجَتانِ اثْتَانِ ، يُرى مُخُّ سُوقِهِما منْ وَرَاءِ اللّحْمٍ، وما في الْجَنَّ أَغْزَبُ » . وفي ((الضَّحيحين)) منْ رِوايةِ همَّامٍ، عن أبي هُرَيرةَ، نَحْوُ!(٣) . فالمرادُ منْ هذا أنَّ هَاتَيْنِ منْ بناتِ آدَمَ ، وله غيرهما منَ الحُورِ العِينِ ما شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ ، كما تَقَدَّمَ تفصيلُ ذلك آنِفاً ، واللهُ أعلمُ . (١) رواه أحمد في المسند (٧٦/٣) والترمذي رقم (٢٥٦٢) وإسناده ضعيف. (٢) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٣١) والترمذي ( ١٦٦٣) وابن ماجه (٢٧٩٩) وهو حديث حسن . (٣) رواه مسلم (٢٨٣٤) والبخاري (٣٢٤٥). ٤٧٧ صفة الحور العين وبنات آدم [ وهذه الأحاديثُ لا تُعارضُ ما ثبتَ في (( الصّحيحينِ)): ((وَاطَّلَعْتُ في النَّارِ فَرَأيِتُ أكْثَرَ أهْلِها النِّساء)(١) ] إذْ قَدْ يكُنَّ أكْثَرَ أهْلِ الْجِنَّةِ، وأكْثَرَ أهْلِ النَّارِ، [ أو قد يكن أكثر أهل النار ] ثمَّ يَخْرُجُ منْ يَخْرُجُ مِنْهُنَّ من النَّارِ بِالشَّفَاعَاتِ ، فَيَصِرْنَ إلى الجنَّةِ، حتَّى يَكُنَّ أكْثَرَ أهْلِها ، والله أعلم . وتقدَّمَ ما رَواهُ أحمدُ منْ طريقِ خِلاسٍ، عنْ أبي رَافعٍ، عنْ أبي هُريرةَ، أنَّ رسولَ الله ◌ِوَِّ قال: ((لِلْمُؤمنِ زوْجتانِ، يُرى مُخّ سُوقِهما منْ وَراءِ ثيابهما)(٢) . وفي حديثِ دَرَّاجٍ، عن أبي الهَيْثَمِ، عن أبي سَعيدٍ مَرْفُوعاً: ((إنَّ الرّجُلَ من أهل الجنَّةِ لَيَتَّكِىءُ سبْعينَ سنةً قبلَ أنْ يَتْحَوَّلَ ، ثمّ تأتيهِ امْرأةٌ فتضْرِبُ على مَنْكِبَيْهِ، فينظر وَجْهَهُ في خدِّهَا أَصْفَى منَ المِرآةِ، وإنّ أدنى لُؤْلُؤةٍ عَلَيْها لَتُضِيءُ ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ ، فيرُدّ السَّلامَ ويسألها : مِنْ أنْتِ ؟ فتقولُ: أنا العَزِيدُ ، وَإنَّهُ لَيَكُونُ عَليْها سبْعُون ثَوْباً، [أذْنَاها] مثْلُ النُّعْمَانِ مِنْ طُوبَى، فيُنْفِذُها بَصَرهُ، حَتّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ ذلك)). ورواه أحمد في ((المسند(٣). وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا أبو النَّضْرِ، حدّثنا محمدُ بنُ طَلْحَة، عن حُمَيْدٍ ، عن أنسٍ : أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((لَغَذْوةٌ في سبيلِ اللهِ أوْ رَوْحةٌ ، خيْرٌ منَ الدُّنْيَا وما فيهَا، ولَقَابُ قَوْسِ أحَدِكم ، أوْ مَوْضِعُ قِدِّهِ) يَعْنِي سَوْطَهُ (( منَ الجنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا، ولَوِ الطَّلَعَتِ امْرأةٌ منْ نساء أهْلِ الجَنَّةِ إلى الأرْضِ لَمَلَأَتْ ما بَيْنَهُمَا ريحاً، ولَطَاب ما بَيْنَهُمَا، وَلَنَصيفُها على رَأْسِها خيرٌ منَ الذُّنْيا وما فيها ». رواهُ البُخاريُّ منْ حديث إسماعيل بنِ جَعْفرٍ، وأبي إسْحاقَ ، كِلاهُما عن حُمَيْد، عن أنس ، بمثْلِهِ . وقد تقدَّمَ بتمامِهِ في أوَّلِ صِفةِ الجَنّةِ ، وَعِنْدِ البُخاريّ: ((ولوْ أنَّ امْرَأةً منْ نِسَاءِ أهْلِ الجَنَّةِ اطّلعَتْ إلى الأرْضِ لأضاءَتْ ما بَيْنِهُما، وَلَمَلَتْ ما بَيْنَهُما ريحاً، وَلَنَصِيفُها على رأسِها خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيها (٤) . وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا: حدّثنا بِشْرُ بنُ الوليد، حدّثنا سَعِيدُ بنُ زَرْبِيٍّ، عن عَبْدِ الْمَلِكِ الْجَوْنيّ، عن سعيدٍ بن جُبَيْرٍ ، عن ابنِ عبَّاسٍ ، قال: لو أنَّ حَوْراءَ أخْرَجَتْ كَفَّها بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ لافْتَنَ الخلائقُ بِحُسْنِها، ولو أخْرَجَتْ نَصِيفَها لكانَتِ الشّمْسُ عِنْدَ حُسْنِها مِثْلِ الفَتَيلةِ في الشّمْسِ لا ضَوْءَ لها، ولوْ أبْرَزَتْ وَجْهها لأضاءَ حُسْنُها ما بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ(٥) . (١) رواه البخاري (٦٤٤٩) ومسلم (٢٧٣٧). (٢) رواه أحمد في المسند (٣٨٥/٢) وهو حديث صحيح . (٣) رواه أحمد (٧٥/٣) وإسناده ضعيف . (٤) رواه أحمد في المسند (١٤١/٣) والبخاري (٢٧٩٦) و(٦٥٦٨). (٥) إسناده ضعيف ، سعيد بن زربي منكر الحديث . ٤٧٨ صفة الحور العين وبنات آدم وذكر ابْنُ وَهْبٍ ، عن محمدِ بن كَعْب القُرَظِيّ: أنّهُ قال: وَاللهِ الّذِي لا إلهَ إلّا هُوَ، لوْ أنَّ امْرأةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ أَطْلَعتْ سِوَارَها منَ العَرْشِ لأَطْفَأَ نُورُ سِوَارها نُورَ الشَّمْسِ وَالقَمرِ ، فَكَيْفَ المُسَوَّرَةُ به ؟ وإن أخْلَقَ ثوب تَلْبَسُه لخير من الدنيا وما فيها، وإن زوجها عليه مِثلُ ما عَلْيها منْ ثِابٍ وَحُلِيّ . وقال أبو هريرة: إنَّ في الجَنَّةِ حُوراً يُقالُ لها : العيناء، إذا مَشَتْ مَشَى حَوْلها سَبْعُونَ ألف وَصيفٍ، وهي تقول: أَيْنُ الآمِرُونَ بالْمِعْرُوفِ، وَالنّاهُونَ عنِ المُنْكَرِ. أوْرَدَهُما القُرطبيُّ . وقال الطبرانيُّ: حدّثنا أحمدُ بنُ رِشْدينَ، حدّثنا علي بن الحسن بن هارُونَ الأنْصاريّ ، حدّثني اللّيْثُ ابنُ بِنتِ اللّيْثِ بن أبي سُلَيْم ، حدّثتني عائشة بنت يونس امرأة الليث بن أبي سُلَيم ، عن ليث بن أبي سُلَيم، عن مُجاهدٍ، عن أبي أمامة، عن النبيِّ بَّه قال: (( خُلِقَ الْحُورُ العينُ منَ الزّغْفَرانِ)). وهذا حديثٌ غريبٌ(١) . وقد رُوي مثل هذا عن ابن عبّاسٍ وَغَيْرِهِ منَ الصَّحابَةِ وَالتَّابعينَ من قولهم . وفي مَرَاسيل عِكْرَمةً: إنَّ الْحُورَ العِينَ ليدعون لأَزْوَاجِهِنَّ وَهُمْ في الدُّنيا ، يَقُلْنَ: اللّهمَّ أعِنْهُ على دِينكَ، وَأَقْبِلْ بِقَلْبِهِ إلى طاعَتِك (٢)، وبَلِّغْهُ إلينا بِعِزِّكَ، يا أرْحَمَ الرَّاحمين(٣). وفي (( مُسْنَد الإمام أحمد )) من حديث كثير بن مُرَّة، عن معاذ مرفوعاً: (( لا تُؤْذي امْرأةٌ زوجَها في الدُّنيا إلّا قَالت زَوْجتُهُ منَ الْحَورِ العِين: لا تُؤْذِيهِ قاتَلَكِ الهُ، فإنّما هوَ عِنْدَكِ دَخيلٌ يُوشِكُ أنْ يُفارقَكِ إلينا)). ورواه ابن أبي الدنيا عن داود بن عمرو الضبي ، عن إسماعيل بن عياش ، عن بحير بن سعد ، عن خالد بن معدان ، عن كثير بن مرة، عن معاذ بن جبل، عن النبي ◌َّو ... فذكر الحديث(٤). وفي (( معجم الطبراني)) من طريق موسى الصغير، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن سعيد بن عامر بن حِذْيَم، أنه تصدَّق بعشرة آلاف درهم في يوم، فعاتبتْهُ امرأتُه في ذلك، فقال: سمعت رسول اللهِ وَ﴿ يقول: ((لو أن حوراء أطلعت إصبعاً من أصابعها، لوجَدَ ريحها كُلّ ذي رُوحٍ )) ثم قال : فأنا أَدَعُهِنَّ لَكُنَّ؟ لا واللهِ، لأَنْتُنَّ أحقُّ أن أدعكُنَّ لَهُنَّ(٥) . ومن حديث مالك بن دينار، عن شَهْرٍ ، عن سعيد بن عامر مرفوعاً: « لو أن امرأةً من نساء أهل (١) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٢٩٠). في (آ) : واقبل تقلُّبه إلى طاعتك . (٢) (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٣١١). (٤) رواه أحمد في المسند (٢٤٢/٥) وابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٣١٠) وهو حديث صحيح. (٥) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) رقم (٥٥١١). ٤٧٩ غناء الحور العين الجنةِ ، أشرفت على أهل الأرض، لملأتِ الأرضَ ريح مسك، ولأذهبتْ ضوءَ الشمسِ والقمر(١) . ما ورد من غناء الحور العين في الجنة روَى التِّرْمذيُّ وغيرهُ منْ حديث عَبْدِ الرَّحمن بن إسْحَاقَ ، عنِ النُّعْمانِ بن سعْدٍ ، عن علي ، قال : قال رسولُ اللهِ وَّمَ: ((إنَّ في الجنَّةِ لمُجْتَمعاً لِلحُورِ العينِ، يُرَفِّعْنَ أصواتاً لم يَسْمع الخلائقُ بِمِثْلِها ؛ يَقُلُنَ : نحْنُ الخَالدَاتُ فلا نَبيد، ونَحْنُ النَّاعماتُ فلا نَبْأَس، ونحنُ الرَّاضِيَاتُ فلا نَسْخَط، طُوبِى لِمَنْ كانَ لنا وكُنَّا لهُ)). قال التّزْمذيّ: وفي البابِ عن أبي هُرَيرةَ ، وأبي سعيدٍ، وأنس، وحديثُ عليٍّ غريبٌ(٢) . ورَوى ابن أبي ذِئْبٍ ، عن عَوْنِ بنِ الخَطَّابِ بن عَبْدِ اللهِ بن رافع(٣) ، عن ابنٍ لأنسِ بن مالكِ ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وََّ: ((إنَّ الْحورَ يُغَنِّينَ في الجَنّةِ: نحْنُ الجَوارِي الْحِسَان، خُلِقْنَا لأَزْوَاجِ كرام (٤) . وقال الطَّبرانيّ : حدّثنا أبو رِفَاعة، عُمارةُ بنُ وَثيمةَ بن مُوسى بن الفُراتِ المِصْريّ ، حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ ، حدّثنا محمدُ بنُ جَعْفرِ بنِ أبي كثيرٍ ، عَنْ زَيْدِ بن أسْلَمَ ، عن ابن عُمَر ، قال : قال رسول اللهَ وَّمَ: ((إنَّ أزْوَاجَ أهلِ الجنّةِ لِيُغَنِينَ أزْوَاجَهُنّ بأحْسَنِ أصْوَاتٍ سَمِعَها أحدٌ قَطُ، إنَّ ممّا يُغَنِّينَ به : نحْنُ الْخَيْراتُ الْحِسَان، أزْوَاجُ قَوْمِ كِرَام ، يَنْظُرْنَ بِقُرَّة أعيان . وإنّ ممّا يُغنِّينَ به : نحنُ الخالِداتُ فلا نَمُثْنَهُ ، نحنُ الآمناتُ فلا نَخَفْنَهُ ، نحْنُ المُقيماتُ فلا نَظْعَنَّه (٥) . وقال اللَّيْثُ بنُ سعْدٍ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ(٦)، عن الوليدِ بن عَبْدَةَ، قال: قال رسول الله وَّه لِجِبْريلَ: ((قِفْ بي على الْحُورِ العينِ)) فَأَوْقَفَهُ عَلَيْهِنَّ، فقالَ: ((منْ أنْتُنّ؟)) قُلْنَ: نحنُ جَوَارِي قَوْمٍ حَلُوا فَلَمْ يَظْعَنُوا، وشَبُوا فَلَمْ يَهْرَمُوا، ونُقُوا فلمْ يَدْرَنُو(٧) . وقال القُرْطبيّ بَعدَ ما أوْرَدَ الحديثَ المُتَقَدِّم في غِناءِ الْحُورِ العِينِ: وقالت عائشةُ: إنّ الْحُورَ العِين (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) رقم (٥٥١٢) وفي إسناده ضعف. (٢) رواه الترمذي رقم (٢٥٦٤) وإسناده ضعيف . (٣) في (أ) : نافع ، وهو خطأ . (٤) رواه الطبراني في (( الأوسط )) رقم ( ٦٤٩٧) وهو حديث حسن. (٥) رواه الطبراني في ((الأوسط)) رقم (٤٩١٧) والصغير (٧٣٤) وهو حديث حسن. أقول: وفي الأصول بعده : ونحن الشابات فلا يهرمنه ، ونحن الشاكرات فلا يكفرنه ، ولم نرها في مصادر التخريج . (٦) في (أ): زيد بن أبي حبيب ، وهو خطأ . (٧) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٣٠١) وإسناده ضعيف. ٤٨٠ ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم إذا قُلْنَ هذهِ المَقالةَ، أجَابَهُنَّ المُؤْمِناتُ منْ نِساءِ أهْلِ الدُّنيا : نحنُ المصَلِّياتُ وما صَلَّيْتُنْ، ونحنُ الصَّائماتُ وما صُمْتُن ، ونحنُ المتَوَضِّئاتُ وما تَوَضّأْتُن، ونحنُ المتَصدِّقاتُ وما تصدّقْتنّ. قالت عائشةُ : فغلبنهنَّ ، والله أعلمُ . هكذا ذكره في ((التذكرة))، ولم يعْزُه إلى كتاب، والله أعلمُ . وروى ابن أبي الدنيا عن الزهري : إن في الجنة لشجرا١ً) حملُه اللؤلؤ والزبرجد ، تحته جوارٍ ناهدات ، يتغنّين بالقرآن ، يقلن : نحن الناعمات فلا نبؤُس ، ونحن الخالدات فلا نموت ، ونحن المقيمات فلا نظعن ، فإذا سمع ذلك الشجر ، صفق بعضه بعضاً، فأجبْنَ الجواري ، فلا يُدرى أأصوات الجواري أحسن، أم أصوات تصفيق الشجر(٢). وفي حديث خالد بن يزيد : في صدر إحداهن مكتوب : أنتَ حِبِّي وأنا حِبُّكَ ، انتهت نفسي عندك ، فلا ترى عيناي مثلك(٣). وعن يحيى بن أبي كثير قال : إن الحور العين يتلقَّينُ(٤) أزواجهن عند أبواب الجنة ، فيقلن: طالما انتظرناكم ، فنحن الراضيات فلا نسخط ، والمقيمات فلا نظعن ، والخالدت فلا نموت . بأحسن أصوات (٥). ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم من غير مني ولا أولاد إلا إن شاء أحدهم الولد قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ اَلْيَوْمَ فِ شُغُلٍ فَكِهُونَ (٩) هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ فِ ظِلَلٍ عَلَى الْأَرَّابِكِ مُتَكِمُونَ (٥) لَمْ فِيَهَا فَكِهَةٌ وَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٩) سَلَمْ قَوْلاً مِّن رٍَّ تَّحِيمٍ﴾ [ يس: ٥٥ -٥٨]. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاس، وغيرُ واحدٍ، ( شغلهم) اقْتِضاض الأبكارِ ، وقال تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ (@ فِ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٥َ يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّقَبِلِينَ (@َ كَذَلِكَ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ (٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْنَ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىّ وَزَوَّجْنَھُم ◌ُورٍ عِينٍ وَوَقَتْهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٤ _ ٥٥]. في (أ) : لشجرة . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦١). (٢) (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦٢). في (أ) : يتقلبن . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٢٦٨). (٥)