Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
شفاعة الأعمال الصالحة لصاحبها
الحَسنِ بن الحُسَيْن بن منصور، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجيّ ، حدّثنا
محمد بن أبي بكر المُقَدّمِيّ ، حدّثنا عليّ بن أبي سَارَةَ ، عن ثَابتِ البُنَانيِّ ، عن أنس بن مالك، أن
رسول الله وَ﴿ قال: ((إنَّ رَجُلاً منْ أهْلِ الْجَنَّةِ يُشْرفُ يَوْمَ القِيامةِ على النّارِ ، فَيُناديهِ رَجل منْ أهْلِ
النار ، فيقول : يا فلان ، هل تعرفني ؟ فيقول : لا ، والله ما أعرفك، منْ أنْتَ ؟ فيقول : أنا الذي
مَرَزْتَ بي في الدُّنيا فاسْتَسْقَيْتَنِي شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ فَسَقَيْتُكَ ، قال : قَدْ عَرَفْتُ ، قال : فاشْفَعْ لي بهَا عِنْدَ
رَبِّكَ)) قال: ((فَيَسْألُ اللهَ عزَّ وجلَّ، فَيَقُولُ: يا رب إنِّي أشْرَفْتُ على النَّارِ فَنَادَاني رَجُلٌ منْ أَهْلِها ،
فقال : هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قُلْتُ : لا والله، ما أعرفك، منْ أنْتَ؟ قال : أنا الّذي مَرَرْتَ بي في الدُّنيا
فَاسْتَسْقَيْتَنِي شَرْبَةً مِنْ ماءٍ ، فَسَقَيْتُكَ فاشْفَعْ لي عِنْدَ ربِّكَ، فَشَفِّعْني فيه، فَيُشَفِّعه اللهُ، فَيَأْمُرُ اللهُ بهِ
فُيُخْرِجُ منَ النَّارِ))(١) .
أنبأنا أبو طالب طاهرٌ الفقيه ، أنبأنا أبو عبد الله الصفّار الأصْبَهَانيّ، حدّثنا أبو قَبِيصَةَ، محمّد بن
عبد الرحمن بن عُمارَة بن القَعْقَاعِ الضَّبِّيُّ الأَصْبَهانيُّ البَغْدَاديّ ، حدّثنا أحمدُ بن عِمْرَان الأخنسيُّ ،
سمعتُ أبا بكر بن عيَّاشٍ [ جار ابنَ هارون يُحدِّثُ ]، عن سُلَيْمانَ التَِّمِيُّ(٢)، عن أنس بن مالك، قال :
قال رسولُ الله ◌َّهُ: ((يَجْمعُ اللهُ أهْلَ الْجَنَّةِ صُفُوفاً، وَأهْلَ النارِ صُفُوفاً، فَيَنْظُرُ الرَّجُلُ منْ صُفُوفِ أهْلٍ
الثَّارِ إلى رَجُلٍ مِنْ صُفُوفِ أهْلِ الْجِنّةِ ، فَيَقُولُ: يا فُلانُ، مَا تَذْكُرُ يَوْمَ اصْطَنَعْتُ إلَيْكَ فِي الدُّنْيًا
مَعْرُوفَاً؟ فَيَقُولُ: يا رَبِّ إنَّ هَذَا اصْطَنَعَ إليَّ في الدُّنْيَا مَعْرُوفاً، فيُقالُ: خُذْ بِيَدِهِ، وَأدْخِلْهُ الْجَنّةَ)) قال
أنس: أشْهدُ لسمعتُ رسولَ الله وَّهِ يَقُولُهُ. قال: وكذا رواه السَّمعاني، عن أحمد بن عِمْران ، والله
أعلمُ(٣) .
حديث فيه شفاعة الأعمال لصاحبها عند الله يوم القيامة
قال عبدُ الله بن المبارك : حدّثنا رِشدِينُ بنُ سَعْد، عن حُيَيّ ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ ، عن
عبد الله بن عمرو، قال: ((إنَّ الصِّيامَ والقُرآن لَيَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ)) قال: ((يقول الصِّيامُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ
الطَّعامَ، وَالشَّرابَ، وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْني [فِيه]، ويَقُولُ القرآن: مَنَعْتُهُ النّوْمَ باللّيْلِ فَشَفِّعْني
فِيهِ ))(٤) .
(١) ورواه أبو يعلى في مسنده (٤٢١٢) من طريق جعفر، به، و(٣٤٩٠) من طريق ابن أبي سارة ، وهو متروك .
(٢) فى الأصول: يحدث صالحاً خازن (بياض) عن سليمان، والتصحيح من ((تاريخ بغداد)) (٤/ ٣٣٢).
(٣) رواه الخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (٣٣٢/٤) وإسناده ضعيف .
(٤) وإسناده ضعيف. ولكن أخرجه أحمد في مسنده مرفوعاً (١٧٤/٢) والطبراني في الكبير (٨٨/١٣) والحاكم
(٥٥٤/١) وهو حديث صحيح .

٤٢٢
شفاعة الأعمال الصالحة لصاحبها
ورَوى نُعَيْمُ بنُ حمَّاد ، عن إبراهيم بن الحَكم بن أبان ، عن أبيه ، عن أبي قلابةَ ، قال : كان ابنُ
أخي يَتَعاطَى الشَّرابَ، فمَرِضَ، فَبَعَثَ إليَّ لَيْلاً أنِ الْحَقْ بِي، فَأَتَيْتُهُ، فَرَأيْتُ أَسْوَدَيْنِ قَدْ دنوا مِنْهُ ،
فقلتُ : إنَّا للهِ وإنا إليه راجعون، هَلَكَ ابنُ أخي، فاطَّلَع أبْيَضانِ مِن الكُوَّةِ الّتي في البَيْتِ ، فقال
أحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْزِلْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَزَلَ تَنَخَّى عَنْهُ الأسْوَدَانِ، فَشَمَّ فَاهُ، فقال: ما أرى فيه ذِكْراً، ثمَّ
شَمَّ بَطْنَهُ، فقال: ما أرى فيه صياماً ، ثُمَّ شَمَّ رِجْلَيْهِ فقال: ما أرى فيهما صَلاةً، فقال له صاحبه : إنَّا
للهِ وَإِنَّا إليْهِ رَاجِعُونَ، رَجُلٌ مِنْ أُمَّةِ مُحمَّدٍ وَّهِ لَيْسَ لَهُ منَ الْخَيْرِ شَيْءٌ؟ وَيُحَكَ، عُدْ فَانْظُرْ، فَعادَ فنظر
فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً. فنزلَ الآخَرُ ، فَشَمَّ، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً، ثُمَّ عَادَ ، فإذَا فِي طَرَفِ لِسَانِهِ تَكْبِيرةٌ فِي سَبِيلٍ
اللهِ، قَالَها ابْتَغَاءَ وَجْهِ اللهِ بِأَنْطاكيةَ، فَقَبِضُوا رُوحَهُ، فَشَقُوا فِي البَيْتِ رَائحَة المِسْكِ، وَشَهِدَ النّاسُ
جَنَازَتُهُ . حديثٌ غريبٌ جدّاً .
قال العلامة أبو [عبد الله] محمد القُرْطبيّ في ((التذْكِرَة)): وخرّج أبو القاسم إسحاق بن
إبراهيم بن محمّد الخُتَّليّ في كتاب ((الدِّيباج))، له : حدّثنا أحمد بن أبي الحارث ، حدّثنا
عبد المجيد بن أبي رؤَّاد ، عن معمر بن راشد ، عن الْحكم بن أبانٍ ، عن عِكرَمَةَ ، عن ابن عبّاس ،
قال : قال رسول الله وَله: ((إذا فرغ اللهُ منَ القضاء بَيْنَ خَلْقِهِ، أَخْرَجَ كِتاباً منْ تَحْتِ العَرْشِ: إن
رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وأنا أرحمُ الرَّاحِمينَ )) قال: ((فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مثلَ أهْلِ الْجَنَّة -)» أو [ قال]:
((مِثْلِي أهْلِ الْجَنَّةَ)) قال: وأكثر ظنِّي أَنَّهُ قال: ((مِثْلَ أهل الجنَّة - مكتوب بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ: عُتَقَاءُ اللهِ﴾(١).
وروى الترمذيُّ، عن أنس، مرفوعاً: ((يقول الله تعالى: أخْرِجُوا منَ النَّارِ منْ ذَكَرَنِي يَوْماً ، أوْ
خَافَني في مَقامٍ )) وقال : حسن غريب(٢) .
وله عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ قال: ((إنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهمَا، فقال
الرَّبُّ تَعالَى: أخْرِجُوهما، فلمَّا أُخْرِجَا قالَ لَهُمَا: لأيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ فقالا: فَعَلْنَا ذَلِكَ
لِتَرْحمَنا، قالَ : إنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أنْ تَنْطَلِقَا، فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُما مِنَ النَّارِ ، فَيَنْطَلِقَانِ فَيُلْقِي
أحَدُهُما نَفْسَهُ فَيَجْعَلُها عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلاماً، وَيَقُومُ الآخَرُ، فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالى:
ما مَنَعَكَ أنْ تُلْقِيَ بِنَفْسِكَ، كما ألْقَى صَاحِبُّكَ؟ فيقول: رَبِّ إنِّي لأَرْجُو ألّا تُعيدني فيهَا بَعْدَ
ما أخْرَجْتني منها، فيقُولُ الرّب: لَكَ رَجاؤُكَ، فَيَدْخُلانِ الْجِنَّةَ جَميعاً برحْمَةِ اللهِ)(٣) .
(١) وفي إسناده ضعف .
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٥٩٤) وإسناده ضعيف .
(٣) رواه الترمذي رقم (٢٥٩٩)، وهو ضعيف أقول : يغتفر رواية الحديث في فضائل الأعمال عند البعض
بشروط، كما قال الحافظ ابن حجر: ١ - ألا يشتد ضعفه. ٢ - أن يندرج تحت أصل معمول به. ٣ - ألا يعتقد
عند العمل به ثبوته ، بل يعتقد الاحتياط .

٤٢٣
أصحاب الأعراف
في إسناده ضَعْفٌ لِحَالِ رِشْدينَ بْنِ سَعْدٍ، عن ابنِ أنْعُم، وَهُمَا ضَعيفَانِ ، وَلكنْ يُغْتَفَرُ رِوَايَةُ هَذَا
فِي هَذَا الْبَابِ لأنه مِنَ التَّرْغيبِ وَالتّزْهِيبِ ، واللّهُ أَعْلَمُ .
وقال عبدُ الله بن المبارك : حدّثنا رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ ، حدّثنا أبو هانىءِ الْخَوْلانيُّ، عن عَمْرٍو بن
مَالِكِ الجَنْبِيِّ: أنَّ فضالةَ بن عبيد، وعُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ حَدَّثَاهُ: أنَّ رسولَ الله وَّه قال: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ
القِيَامَةِ، وَفَرَغَ اللهُ منْ قَضَاءِ الْخَلْقِ فَيَبْقَى رَجُلان، فَيُؤْمَرُ بِهِمَا إلى النّارِ ، فَلْتَفِتُ أحَدُهُما، فيقُولُ
الْجَبَّارُ: رُدُوهُ، فَيَرُدُّونَهُ، فيقُولُ له: لِمَ الْتَفَتَّ؟ فَقُولُ: كُنْتُ أزجُو أنْ تُدْخِلَني الجَنَّةَ ، فَيُؤْمَرُ بهِ إلى
الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُ: لَقَدْ أعْطَاني رَبِّي حتَّى لوْ أَنِّي أَطْعَمْتُ أهْلَ الْجَنّةِ مَا نَقَصَ ذَلِكَ ممَّا عِنْدِي شَيْئاً)) وَكانَ
رسولُ الله ◌َّهِ إذا ذَكَرَهُ يُرَى الشُّرُورُ فِي وَجْهِهُ(١).
فصل
في أصحاب الأعراف
قال الله تعالى: ﴿ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَغْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلَّ بِيمَئِهُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَمُّ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْ خُلُوهَا
وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٢٦) ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبَصَرُهُمْ نِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ اَلََّلِينَ ... ﴾ الآيات [ الأعراف: ٤٦ -
٤٧ ] قال ابن عباس وغيره : الأعْرافُ : سورٌ بين الجَنّةِ وَالنَّارِ وعليه رجال يعرفون أهل الجنة وأهل
النار. وقال الشعبيّ، عن صِلَة بن زُفَر، عن حُذَيفَةَ، قال : أصْحَابُ الأعْرَافِ قَوْمٌ تَجَاوَزَتْ بِهِمْ
حَسَنَاتُهُمْ عن دخول النّار، وَقِصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئَاتُهُمْ عَنِ الجَنّةِ ﴿﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ نِلِقَاءَ أَصْحَبِ النَّارِ قَالُوا رَبَّا لَ
تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْرِ اَلَِّينَ﴾ فَبَيْنما هُمْ كَذَلك، إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عزَّ وجلَّ، فقال: قومُوا فادْخُلُوا الجَنَّةَ،
فإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ)). رواه البيهقيُّ(٢) من وجه آخر عن الشعبيّ ، عن حُذيفةَ مرفوعاً ، وفيه نظر .
وقال سُفْيانُ الثّوْريّ، عن حَبيبِ بن أبي ثَابتٍ ، [ عن مجاهد ]، عن عبد الله بن الحارث بن
نَوْفَل، قال: أصْحابُ الأَعْرَافِ رِجَالٌ تَسْتَوِي حَسَناتُهُمْ، وسَيِّئَاتُهُمْ، فَيُذْهبُ بهمْ إلى نَهْرِ يُقالُ لَهُ:
الْحَيَاةُ، تُزْبتُه وَرْدٌ وَزَعْفَرَانٌ، وحَافَتَهُ قَصَبٌ مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّل باللُّؤْلُؤْ، فَيَغْتَسِلُونَ فيه [فَبْدُو في
نُحُورِهِمْ شَامَةٌ بيضاء، ثُمَّ يَغْتَلُونَ] فَيَزْدَادُونَ بَيَاضاً، ثُمَّ يقال لَهُمْ: تَمَنَّوْا مَا شِئْتُمْ، فَيَتَمّنونَ
ما شاؤوا ، فيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ ما تَمَنَّيْتُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَأُولَئِكَ مَسَاكِينُ أهلِ الْجِنّةِ(٣) .
(١) رواه ابن المبارك في ((مسنده)) رقم (١١٠) وفي ((الزهد)) (٤٠٩ - زوائد نعيم) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (١٠٩ و١١١) ومن وجه آخر عن الشعبيّ، عن حُذَيْفَةَ مرفوعاً .
(٣) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (١٢٠).

٤٢٤
ذكر آخر من يخرج من النار
وقد وَرَدَتْ أحاديثُ فِيهَا غَرَابٌ فِي شَأْنِ أَصْحَابِ الأعْرَافِ، وَصِفَاتِهِمْ، تَرَكْنَاهَا لِضَعْفِهَا ، والله
أعلم .
ذکر آخر من یخرج من النار
ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ نَاساً قالُوا لِرسولِ اللهِ وَّهِ: يا رسولَ الله، هَلْ
نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فقالَ رسولُ اللهِ بِّهَ: ((هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ القمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟)) قالوا: لا،
يا رسولَ الله، قال: ((هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ؟)) قالوا: لا، قال: ((فإنَّكُمْ
تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ. يَجْمعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مِنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فلْيَتَبِعْهُ، فَتَبِعُ مِنْ كَانَ يَعْبُدُ
الشَّمْسَ الشَّمْسَ ، وَيَتَّعُ مِنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ الْقَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مِنْ كَان يَعْبُدُ الطّوَاغيتَ الطَّوَاغيتَ، وَتَبْقَى
هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوها، فَيَأْتِيهم اللهُ تبارك وتعالى في صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُون، فيقُولُ: أَنَا
رَبُّكُمْ، فِيقُولُونَ: نَعُوذُ باللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حتّى يأتينا رَيُّنَا، فإذا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْناهُ ، فَيَأْتِيهمُ اللهُ في
صُورِهِ التي يَعْرِفُونَ، فيقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فيقُولُونَ: أَنْتَ رَيُّنا، فيتّبِعُونَهُ، وَيُضرَبُ الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْرَيْ
جَهَنَّمَ ، فأكُون أنا وأمتي أوَّلَ منْ يُجيزُ ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئذٍ إلَّ الرُّسُلُ، وَدَغْوَى الرُّسُلِ يَوْمئذٍ: اللّهُمَّ
سَلَّم، سَلِّمْ، وفي جَهَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعدَانِ، هَلْ رَأيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟» قالوا : نَعَمْ،
يا رسول الله، قال: «فإِنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يَعْلم قَدْرَ عِظَمِهَا إلَّ الله تَعَالَى، تَخْطَفُ
النّاسَ بأعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُجَازَى حَتّى يَنْجُو، حَتّى إذَا فَرَغَ اللهُ منَ الْقَضاءِ بَيْنَ
العِبَادِ، وأَرَادَ أنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ أَرَادَ منْ أهْلِ النّارِ ، أمَرَ الْمَلائكةَ أنْ يُخْرِجُوا منَ النّارِ مِنْ كَانَ
لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ أنْ يَرْحَمَهُ مِمَنْ يَقُولُ: لا إلهَ إلَّ اللهُ، فيَعْرِفونَهُم في النّارِ ، يَعْرِفُونَهُمْ
بِأَثَرِ السُّجُودِ ، تَأْكُلُ النّارُ مِنِ ابْنِ آدَمَ إلَّ أثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ على النَّارِ أنْ تَأْكُلَ أثَرِ السُّجُودِ،
فَيُخْرَجُونَ منَ النَّارِ قَدِ امْتَحِشُوا ، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَاءِ الْحَيَاةِ فَيَنْتُونَ [مِنْهُ] كما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلٍ
السَّيْلِ، ويَفْرُغُ اللهُ منَ القَضَاء بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ على النّارِ، وَهُوَ آخِرُ أهْلِ النَّار
دُخُولًا إلى الْجَنّةِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، اصرفْ وَجْهي عنِ النَّارِ، فإنَّهُ قد قَشَبني (١) رِيحُهَا، وأحْرَقني
ذَكَاؤُهَا٢) فَيَدْعُو اللهَ ما شاء أنْ يَدعُوَه، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ: هَلْ عَسَيْتَ إنْ أعْطيتك ذَلِكَ [ أنْ ] تَسْألَني
غَيْرَهُ؟ فيقُولُ: لا أسْألُك غيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَائِيقَ ما شَاء ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عنِ النَّارِ ، فإذا
أقْبَلَ على الْجَنَّةِ ورآها سكَتَ ما شَاءَ اللهُ أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أيْ رَبِّ قَدِّمْني إلى بَابِ الْجَنَّةِ ، فيقُولُ
اللهُ : أَلْيسَ قدْ أعْطَيْتَ عُهُودَكَ ومَوَاثِيقَكَ ألّا تسْألَني غَيْرَ الّذِي أُعْطيتَ؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، مَا أغْدَرَكَ !
(١) آذاني.
(٢) شدة لهبها .

٤٢٥
ذكر آخر من يخرج من النار
فيقولُ : أَيْ رَبِّ، وَيَدْعُو اللّهَ حتَّى يَقُولَ لهُ : فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ أعطيتك ذلك أنْ تَسْأَلَني غيرَه ؟ فيقول :
لا، وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ منْ عُهُودٍ ومَوَاثيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إلى بابِ الْجِنَّةِ، فإذا قامَ على بَابِ الْجَنَّةِ
انْفَهَقَتْ(١) لهُ الجَنَّةُ فَرَأى ما فيها منَ الخَيْرِ، وَالسُّرُور، فَيَسْكُتُ ما شاءَ اللهُ أنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ : أَيْ
رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ ، فيقولُ الله تعالى: أَلَيْسَ قَدْ أعْطَيْتَ عُهُودكَ ومَوَاثِيقَكَ أَلَّا تَسْأَلَنِي غَيْرَ ما أُعْطِيتَ ،
وَيْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ، ما أغْدَرَكَ! فيقول: يا رَبِّ لا أكُونُ أشْقَى خَلْقِكَ، فلا يَزَالُ يَدْعُو الله تَعالى، حَتَّى
يَضْحَكَ اللهُ منه، فإذا ضَحِكَ [اللهُ] مِنْهُ قال: ادْخُلِ الجَنَّةَ. فإذا دَخَلَها قال اللهُ له : تَمِنَّهُ. فَيَسْألُ الله
وَيَتمنَّى، حتَّى إنَّ اللهَ لَيُذكِّرُهُ منْ كذا وكذا ، حتَّى إذا انْقَطَعتْ بِهِ الأمَانِيّ، قال الله: لكَ ذلِكَ ومِثْلُهُ
مَعَهُ )).
قال عطاء بنُ يَزِيدَ : وأبو سعيدِ الخُدْريُّ مَعَ أبي هُرَيْرَةَ لا يَرُدُّ عَليْهِ شَيْئاً منْ حَديثِهِ ، حتَّى إذا حدَّثَ
أبُو هُرَيْرَةَ: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ لِذَلِكِ الرَّجُلِ: ((وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) قالَ أَبُو سَعيدٍ: ((وَعَشرةُ أَمْثَالِهِ معه))
يا أبا هُرَيْرَةَ .
قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إلَّا قولَهُ: ((ذلكَ لك ومِثْلُهُ مَعَهُ)) فقال أبو سعيدٍ: أشْهَدُ أنَّ حَفِظْتُ
مِنْ رسولِ الله ◌ِّيِ قولَهُ: ((ذلكَ لكَ وَعَشرةُ أمْثَالِهِ» .
قالَ أبو هُرَيْرَةَ: ((وذلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهْلِ الْجِنَّةِ دُخُولًا الجَنَّة )).
هذا لفظُ مسلم .
ثم ساقه من طريق عبد الرزّاق ، عن مَعْمر ، عن هَمَّامٍ ، عن أبي هريرةٌ(٢) . ثم أورد الحديث من
رواية عطاء بن يَسَارٍ ، وغيره ، عن أبي سَعيدٍ، فساقه بطُولِه نحوه، وفيه: أنَّهُ يُعْطى ذلك وعَشَرَة
أمثالِهِ ، وفي بعض سياقاته : أنّهُ ينتقل مِنَ النَّارِ إلى بَابِ الجَنَّةِ فِي ثَلاثِ مَرَاحِلَ، كلُّ مَرْحلةٍ يَجْلسُ
تَحْتَ شَجَرَةٍ، كلُّ وَاحِدَةٍ هي أحْسَنُ مِنْ أُخْتِهَا الَّتِي قَبْلَهَا(٣) .
وكذلك رواه مسلم أيضاً، من حديث ابن مسعود ، وفيه: ((وعَشَرَةُ أمْثالِهِ)) كما حَفِظَهِ أبو سَعيدٍ ،
والله سبحانه وتعالى أعظم وأكرم وأرأف وأرحم .
وهكذا رواه البخاريّ ، عن ابن مسعود ، فقال : حدّثنا عُثْمَانُ بنُ أبي شَيْبَةَ، حدّثنا جَرِيرٌ، عن
منصور، عن إبراهيم، عن عَبِيدَةً، عن عَبْدِ الله بن مسعود قال: قال رسول اللّهِوَّهِ: ((إنِّي لأَعْلَمُ آخرَ
أهْلِ النَّارِ خُرُوجاً مِنْها، وَآخِرِ أهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُل يَخْرُجُ منَ النَّارِ حَبْواً، فَيَقول اللهُ له: اذْهَبْ
(١) أي انفتحت واتسعت .
(٢) رواه مسلم رقم (١٨٢) ومعمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٨٥٦).
(٣) رواه مسلم رقم ( ١٨٣ و١٨٨).

٤٢٦
ذكر آخر من يدخل الجنة
فاذخُلِ الجَنَّةِ، فَيَأْتِيهَا، فَيُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها مَلأَى، فَيَرْجِعُ، فيقُولُ: يا رَبِّ، وَجَدْتُها مَلأَى، فيقُولُ :
اذْهَبْ ، فَادْخُلِ الْجِنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إليْهِ أَنَّهَا مَلَأَى، فَيَرْجِعُ، فيقُولُ : يا رَبِّ، وَجَدْتُها مَلأى،
فيقُولُ : اذْهَبْ ، فَادْخُلِ الْجِنَّةِ ، فإنّ لك مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا، أوْ إنَّ لك مِثْل عَشَرَةِ أمْثَالِ الدُّنْيا ،
فِيَقُولُ: أَتَسْخرُ بي أوْ تَضْحِكُ مِنِّي، وأنْتَ الْمَلِكُ؟)) فَلَقَدْ رَأيْتُ رسول الله وَ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ
نَوَاجِدُهُ، وَكانَ يُقالُ: ذَلِكَ أدْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَهُ(١).
فصل
روى الدّار قطنيّ في كتابه ((الزّواة عن مالك)) والخطيب البغداديّ، من طريقٍ غَريبةٍ، عن عبد الملك
ابن الْحَكَم: حدّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمَر، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن آخِرَ منْ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنة، يُقَالُ لَهُ: جُهَيْنَةٍ، فَيَقُولُ أهْلُ الْجَنَّةِ: عِنْدَ جُهِيْنَةَ الْخَبرُ اليَقينُ ، سَلُوهُ : هَلْ بَقِيَ
في النار أحدٌ من الخلائق؟)). وَهَذا الْحَديثُ لا تَصِحّ [نِسْبَتُهُ] إلى الإمامِ مالِكِ، لِجَهَالةِ رُوَاتِهِ عنه ،
وَلَوْ كانَ مَحْفُوظاً مِنْ حَديثِهِ لَكانَ في كُبِهِ الْمَشْهُورِةِ عَنْهُ، كـ(المَوَطَّأ)) وَغَيْرِهِ مِمّا رواه عنه الثِّقَاتُ.
والْعَجبُ أنَّ القُرْطبيّ ذكره في ((التَّذكرة))، وجزم به، فقال: قال ابنُ عمر: قال رسولُ اللهِ وَةِ: ((آخرُ
مِنْ يَدْخُلُ الْجِنَّةَ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، يُقالُ لَهُ: جَهَينَةُ، فيقُولُ أهْلُ الْجِنَّةِ: وَعِنْدَ جُهَيْنَ الْخَبرُ الْيَقينُ)(٢).
وكذلك ذكره السُّهَيْلِيّ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ، وحَكى السُّهَيْلِيّ قولًا آخر : أنّ اسْمَه هَنَّاد ، فالله أعلم .
وقال مُسلم : حدّثنا مُحمّدُ بنُ عبد الله بن نُمَيْر، حدّثنا أبِي، حدّثنا الأعْمَشُ، عن المَعْرُورِ بن
سُوَيْدٍ ، عن أبي ذَرّ ، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إِنِّي لِأعْلَمُ آخِرَ أهْلِ الجنَّةِ دُخُولَا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أهْلٍ
النَّارِ خُرُوجاً مِنْهَا: رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيُقالُ: اعرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ
كِبَارَها، فَتُعْرضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ، فيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كذا وكذا، كذا وكذا، وعَمِلْتَ يَوْمَ كذا
وكذا، كذا وكذا، فيقول : نَعَمْ، لا يَسْتَطيعُ أنْ يُنْكِرَ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كِبَارِ ذُنُوبِهِ أنْ تُعْرضَ عَلَيْهِ ،
فيُقالُ لهُ: فإنَّ لك مَكانَ كلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَقولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أشْيَاءَ لا أَرَاهَا هَاهُنا! )) فَلَقَدْ رَأَيْتُ
رسولَ اللهِ﴿ ضَحِكَ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُ(٣).
وقال الطبرانيّ: حدّثنا عبدُ الله بنُ سعد(٤) بن يخَى الرَّقِّيُّ، حدّثنا أبو فَرْوةَ يَزِيدُ بنُ محمّد بن
(١) رواه مسلم رقم (١٨٦) والبخاري ( ٦٥٧١).
(٢) قال الدارقطني بعدما رواه : هذا الحديث باطل.
(٣) رواه مسلم رقم (١٩٠) .
(٤) في الأصول : عبد الله بن سعيد ، والتصحيح من كتب الرجال .

٤٢٧
ذكر آخر من يدخل الجنة
سِنَانِ الزُّهاويُّ، حدّثني أبي، عن أبيه، حدّثني أبو يَحْيَى الكَلاعِيّ، عن أبي أُمَامَةَ، قال : قالَ
رسولُ اللهِ وَّةُ: ((إنَّ آخِرَ رَجُلٍ يَدخُلُ الْجِنَّةَ رَجُلٌ يَتَقَلَّبُ على الصِّرَاطِ ظهْراً لِبَطْنٍ، كالْغُلامِ يَضْرِبُهُ
أَبُوهُ ، وهُوَ يَفِرُّ مِنْهُ، يَعْجِزُ عَنْهُ عَمَلُهُ أنْ يَسْعَى، فيقُولُ: يا رَبِّ بَلِّغْ بِي الْجَنَّةَ وَنَجِّنِي مِنَ النَّارِ ،
فيُوحي اللهُ إليْهِ : عَبْدي، إنْ أنا نَجَّيْتِكَ مِنَ النَّارِ، وَأَدْخَلْتُكَ الجَنَّةَ، أَتَعْترِفُ لي بِذُنُوبِكَ وَخَطاياكَ ؟
فِيَقُولُ العَبْدُ : نَعَمْ يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ وَجلالِكَ، إنْ نَجَيْتَنِي من النَّارِ لأَعْتَرِفَنَّ لكَ بِذُنُوبِي وَخَطاياي ،
فَيَجُوزُ الجِسْرَ ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ فيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ: لئنِ اعْتَرَفْتُ لهُ بِذُنُوبِي وَخَطاياي لَيَرُذَّنِي فِي النَّارِ ،
فيُوحي اللهُ إليْهِ : عَبْدي ، اغْتَرِفْ لي بِذُنُوبِكَ وَخَطاياكَ أَغْفِرْها لك، وَأُدْخِلْكَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ :
لا وَعِزَّتِكَ وَجَلالِكَ، ما أذْتَبْتُ ذَنْباً قطُ، ولا أخطأْتُ خَطِيئَةً قطُ، فيُوحِي اللهُ إليْهِ : إِنَّ لِي عَلَيْكَ
بَيِّنَةً، فَيَلْتَفِتُ يميناً وشِمَالًا، فلا يَرَى أحداً، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أرِنِي بَيَِّتَكَ، فَيَسْتَنْطِقُ اللهُ جَلْدَهُ
بالمُحَقَّراتِ ، فإذا رَأى ذلِكَ العَبْدُ يَقُولُ: يا رَبِّ، عِنْدِي وَعِزَّتِكَ العَظائِمُ، فيُوحِي اللهُ إليْهِ ، عَبْدي أنا
أعْرَفُ بها مِنْكَ، اعْتَرِفْ لي بِهَا أغْفِرْها لك وَأُدْخلكَ الجنَّةَ، فَيَعْتَرفُ العَبْدُ بِذُنُوبِهِ، فَيُدْخِلُه الجَنَّةَ)) ثمَّ
ضَحِكَ رسولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، يَقُولُ: ((هَذا أدْنى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلةً، فَكَيْفَ بِالَّذِي
فَوْقَهُ (١) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا حسن بن موسى، حدّثنا سلاّمٌ، يعني ابنَ مِسكين ، عن أبي ظِلال ،
عن أنس بن مالك، عن النبيّ وَّ قال: ((إنَّ عَبْداً في جَهَّمَ لَيُنادي ألْفَ سنةٍ: يا حَنَّنُ، يا مَنَّانُ))
قال : ((فيقُولُ الله لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَأَتْني بِعَبْدي هذا، فَيَنْطَلقُ جِبْرِيلُ فَيَجِدُ أهْلَ النَّارِ مُنْكَبِّينَ يَيْكُونَ ،
فَيَرْجِعُ إلى رَبِهِ ، فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ: اذهب فأُتِني بهِ ، فإنَّهُ في مَكَانٍ كذا وكذا ، فَيَجِيءُ بِهِ ، فَيُوقِفُهُ على
رَبِّه فيقُولُ لهُ : يا عَبْدِي، كَيْفَ وَجَدْتَ مَكانَكَ ومَقيلَكَ؟ فيقول : يا ربِّ، شَرَّ مَكانٍ، وشَرَّ مَقيلٍ ،
فيقُولُ: رُدُّوا عَبْدي، فيقُولُ: يا رَبِّ، ما كُنْتُ أزْجُو إذْ أخْرَجْتني مِنْها أنْ تَرُدَّني فيهَا، فَيَقُولُ: دَعُوا
عَبْدي)) . انفرد به أحمد(٢).
وقال الإمامُ أحمدُ: [ حدّثنا عفان]، حدّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمة، حدّثنا ثابتٌ وأبو عِمْرَان الجَوْنيّ ،
عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله بَّهِ قال: ((يَخْرُجُ أَرْبَعَةٌ منَ النَّارِ -)) قال أبو عِمْرانَ: ((أرْبَعَةٌ)) وقال
ثابت : ((رَجُلانِ - فَيُعْرَضُونَ على اللهِ عزَّ وجلَّ ثمَّ يُؤْمرُ بهم إلى النَّارِ، فَيَلْتفتُ أحَدُهُمْ فِيَقُولُ : أيْ
رَبِّ، قَدْ كُنْتُ أرْجُو إِذْ أَخْرَجْتني مِنْها ألّا تُعيدَني فِيها، فَيُنَجِّيهِ اللهُ منها)) . وهكذا رواه مسلم من
حديث حمّاد بن سَلَمة، به (٣) .
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٧٦٦٩) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه أحمد في المسند ( ٢٣٠/٣) وإسناده ضعيف.
(٣) رواه أحمد في المسند (٢٨٥/٣) ومسلم (١٩٢).

٤٢٨
خلود الكافرين في النار وحديث ذَبْح الموت
وقال عبد الله بن المبارك : حدّثني رِشْدينُ بنُ سَعْدٍ ، حدّثني ابنُ أنعُم، عن أبي عُثْمانَ: أنَّهُ حَدَثَه
عن أبي هُرَيرةَ، عن رسولِ اللهِ بَّهَ، قال: ((إنّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخلَ النَّارَ يَشْتَدُّ صِيَاحُهُمَا، فقال الربّ
جلَّ جَلالُهُ: أخْرِجُوهُما، فَأُخْرِجَا، فقال لهما : لأيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُما؟ قالا: فعَلْنَا ذَلِكَ
لِتَرْحمَنا، قالَ: رَحْمتي لَكُمَا أنْ تَنْطِلقا فتُلْقيا أنْفُسكُما حَيْثُ كُنْتما منَ النَّارِ)) قال: ((فَيَنْطَلِقَانِ ، فَيُلْقِي
أحَدُهما نَفْسَهُ، فيجْعَلُها اللهُ عليه بَرْداً وسَلاماً، ويَقُومُ الآخَرُ ، فلا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ
تَعالى : ما منَعَكَ أنْ تُلْقِيَ نَفْسكَ، كما ألْقَى صَاحِبُك؟ فيقول: رَبِّ إنِّي أرجوكَ ألّا تُعيدَني فيها بعدَ
ما أخْرَجتني مِنْها، فيقُولُ الرَّبُّ: لكَ رَجاؤُكَ، فَيَدْخُلانِ جَميعاً الجَنَّةَ برِحْمَةِ الله عزَّ وجلَّ (١).
وذكر بِلالُ بْنُ سَعْدٍ في خطبته: أنَّ الله تعالى إذا أمَرَهُما بالُّجُوعِ إلى النَّارِ يَنْطَلقُ أحَدُهما في
أغْلالهِ وَسَلامِلِه حتَّى يَقْتَحمَهَا، ويتلكَأُ الآخَرُ، فَقُولُ اللهُ تَعالى للأوَّلِ: ما حَمَلكَ على ما صَنَعْتَ ؟
فيقول : إنِّي خَبَرت منْ وَبَالِ مَعْصيتِك ما لمْ أكُنْ أَتَعَرَّضُ لِسَخْطِكَ ثَانياً، ويَقُولُ لِلآخَرِ : ما حملك
على أن تلكَّأت؟ فيقول : حُسْنُ ظَنِّي بكَ إذْ أخْرَجتني منْها ألّا تُعيدَني إليْهَا، فَيَرْحَمهُما اللهُ تَعَالى ،
وَيُدْخِلُهُمَا الجَنَّةَ .
فصل
إذا خرج أهْلُ المَعاصي من النار ، فَلَمْ يَبْقَ فيهَا غَيْرُ الكافرين ، فإنهم لا يَمُوتُونَ فِيها ولا يَحْيَوْنَ ،
ولا خُرُوجَ لَهُمْ مِنْها ، ولا مَحيدَ لَهُمْ عنها ، بلْ هُمْ خَالِدُونَ فيها أبداً، وَهُم الَّذِينَ حَبَسهُمُ القُرآنُ ،
وَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْخُلُودِ ، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّلَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا ﴾ [ الجن :
٢٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ لَعَنَ الْكَفِرِينَ وَأَعَدَّلَهُمْ سَعِيرًا يَ خَلِينَ فِيهَا أَبْدَأَ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [ الأحزاب:
(٦٤ - ٦٥] وقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا
إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ -١٦٩].
فهذه ثلاثُ آياتٍ ، فيهنّ الحكمُ عَلَيْهِمْ بالخُلودِ في النار أبداً، ليس لَهُنَّ رَابعةٌ مِثْلُهنَّ في ذلك ،
وأما قوله تعالى: ﴿ قَالَ النَّارُ مَثْوَنَكُمْ خَلِينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وقوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِبَهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ ﴿ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبِّكَ إِنَّ رَبَّكَ
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [ هود: ١٠٧].
فقد تكلّم ابنُ جرير وَغَيْرُه منَ المُفسّرين على هذه الآية بكلام يطول بَسْطه، وجَاءَتْ آثارٌ عن
(١) رواه ابن المبارك في ((مسنده)) رقم (١١١) و((الزهد)) (٤١٠ - زوائد نعيم) ومن طريقه خرجه الترمذي رقم
(٢٥٩٩) وهو ضعيف . وقد تقدم .

٤٢٩
خلود الكافرين في النار وحديث ذَبح الموت
الصّحابة غَريبةٌ ، وورَدَتْ أخبارٌ عجيبةٌ، وللكلام على ذلك مَوْضِع آخرُ لَيْسَ هذا مَوْضعُه ، والله
أعلم ، وأحكم وأكرم .
وقد قال الإمام أحمد : حدّثنا إبراهيمُ بنُ إسحاق ، حدّثنا ابنُ المبارك ، عن عمر بن محمّد بن
زيد، حدّثني أبي، عن ابن عمر، قال: قال رسولُ الله ◌َّةِ: ((إذا صَارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الْجِنَّةِ، وأهْلُ
النَّارِ فِي النَّارِ، جيءَ بالمَوْتِ حتَّى يُوقَفَ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّار، ثمَّ يُذْبَحُ، ثمَّ يُنادي مُنَادٍ : يا أهْلَ الجَنَّةِ
خُلُودٌ ولا مَوْتَ ، ويا أهْلَ النَّارِ خُلودٌ ولا مَوْتَ، فَازْدَادَ أهْلُ الجنّةِ فَرَحاً إلى فَرَحِهِمْ ، وَازْدَادَ أهْلُ النَّارِ
حُزْناً إلى حُزْنِهِمْ)) .
وهكذا رواه البخاريّ ، عن مُعاذ بن أسَدٍ ، عن عبد الله بن المُبارك، به ، مثلَه(١).
وقال أحمدُ : حدّثنا غَسّان بنُ الرَّبِيع؛ موصلي، حدّثنا حمّاد بنُ سَلَمة، عن عاصم بن بَهْدَلةَ ، عن
أبي صَالِح، عنْ أبي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِِّ قال: ((يُؤْتِى بِالمَوْتِ كَبْشاً أغبر(٢)، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ
وَالنَّارِ ، فَيُقالُ: يا أهْلَ الْجِنَّةِ ، فَيَشْرَئُونَ، وَيَنْظُرُونَ، ويُقالُ: يا أهْلَ النَّارِ ، فَيَشْرَئُونَ، ويَنْظُرُونَ،
ويُرَوْنَ أن قَدْ جَاءَ الفَرَجُ، فَيُذْبِحُ ، فيُقالُ: خُلودٌ ولا مَوْتَ)). وهذا إسناد غريب من هذا الوجه(٣).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا يزيدُ وابن نُمَيْرٍ، قالا: حدّثنا محمد بنُ عمرو، عن أبي سَلَمة، عن
أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِوَلَهَ: « يُؤْتِى بالمَوْتِ يَوْم الْقِيامَةِ فَيُوقَفُ على الصِّرَاطِ، فيُقالُ: يا أهْلَ
الْجَنَّةِ، فِيطَّلِعُون خَائِفِينَ وَجِلينَ أنْ يُخْرجوا-)) وقال يزيد: ((أنْ يَخْرُجُوا - منْ مَكَانِهِم الَّذِي هُمْ فِيهِ ،
فيُقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قالوا: نعم، رَبَّنا ، هذا الموتُ، ثمَّ يُقالُ: يا أهْلَ النَّارِ ، فيطَّلِعُونَ فَرَحينَ،
مُسْتَبْشِرِينَ أنْ يُخْرَجُوا مِنْ مَكانِهِمُ الَّذِي هُمْ فيهِ ، فيُقالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ قالوا : نعم ، هذا المَوْتُ،
فَيُؤْمر به فَيُذْبح على الصِّراطِ ، ثمَّ يُقالُ لِلْفَريقين كِلَيْهما: خُلُودٌ فيما تَجِدُونَ، لا مَوْتَ فيه أبداً)).
إسناده جيّد قَويّ على شرط الصحيح ، ولم يُخْرِجْهُ أحدٌ منْ هذا الوجه(٤) .
وقال البزّار: حدّثنا بِشْرُ بن آدم، حدّثنا نافعُ بنُ خالدِ الطَّاحي، حدّثنا نُوحُ بنُ قَيْس الطَّاحِي، عن
أخيه خالد بن قيس، عن قتادةً، عن أنس، عن النبيّ وَّهِ، قال: ((يُؤْتَى بالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ فيُوقفُ
بَيْنَ الْجَنّةِ وَالنّارِ ، فَيُذْبِحُ، فَيُقالُ: يا أهْلَ الْجَنَّةِ، خُلودٌ ولا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ خُلودٌ ،
(١) رواه أحمد فى المسند (١١٨/٢) وابن المبارك في ((الزهد)) (٢٨٠ - زوائد نعيم) والبخاري (٦٥٤٨).
(٢)
في نسخة ((مسند الإمام أحمد)» طبع مؤسسة الرسالة: كبشاً أغثر، في لسان العرب (٧/٥) أي ليس بأحمر ولا
أسود ولا أبيض . وفي النهاية (٣٤٢/٣) هو الكدر اللون كالأغبر والأربد .
(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٢٠ )، وهو حديث صحيح ، يشهد له الذي بعده .
(٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٦١).

٤٣٠
ذكر صفة الجنة
ولا مَوْتَ)) ثمّ قالَ البزّارُ: لا نعلَمُه يُزْوَى عن أنسٍ إلّا منْ هذا الوجه، والله سبحانه أعلمُ(١).
ذكر صفة الجنة وما فيها من النعيم المقيم الدائم على الأبد
لا يفنى ولا يضمحل ولا يبيد أبداً ، بل كلما له في ازدياد وبهاءٍ وحُسنٍ
نسأل الله سبحانه الجنة ، ونعوذ به من النار
قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَابِرٌ وَظِلُهَا﴾ [الرعد: ٣٥] والمنقطع ولو بعد ألوف من السنين ليس بدائم.
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَالَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] والمنقطع ينفد .
وقال تعالى: ﴿ مَا عِندَكُمْ يَنَفَدِّ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ﴾ [ النحل: ٩٦].
فأخبر أن الدنيا وما فيها ينفد ، وما عند الله باقٍ لا ينفد ، فلو كان له آخِرٍ ، لكان ينفَد ، كما ينفَد
نعيم الدنيا .
وقال تعالى: ﴿ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق: ٢٥] أي غير مقطوع، قاله طائفة من المفسرين ، غير
مقطوع ، ولا منقوص ، ومنه المنون ، وهو قطع عمر الإنسان . وعن مجاهد : غير محسوب، وهو
مثل الأول ، لأن ما ينقطع محسوب مقدَّر ، بخلاف ما لا نهاية له .
ذكر ما ورد في عدد أبواب الجنَّة واتساعها وعظمة جنَّاتها
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًّا حَقَّى إِذَا جَآءُ وهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَفَتُهَا
سَلَمُ عَلَيَكُمْ ◌ِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ (٣) وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَمُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَأُ مِنَ الْجَنَّةِ
حَيْثُ نَشَاءُ فَيَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣ - ٧٤]. وقال تعالى: ﴿ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمِ مِن كُلِّ بَابٍ ( سَلَم
عَلَيْكُمْ بِمَا صَبِّرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
وقد تقدّم أنّ المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الْجنّةِ وَجَدُوهُ مُغْلقاً، فَيَسْتشفعُونَ اللهَ تَعالى لِيُفتح لهم
بمحمد، فيأتي باب الجنة، ثم يُقعقع حلْقة الباب، فيقُولُ الْخَازِنُ : منْ أنت ؟ فيقولُ : محمّد ،
فِيَقُولُ : بِكَ أُمِرْتُ ألّا أفْتَحَ لأحَدٍ قَبْلَكَ .
وثبت في الصحيح أنَّهُ أوَّلُ شَافِعٍ في الجَنّةِ(٢) وأوَّلُ منْ يُقَعْقِعُ بَابَ الْجَنَّهِ(٣)
(١) رواه البزار (٣٥٥٧ - كشف الأستار ) وهو حديث حسن.
(٢) رواه مسلم (١٩٦).
(٣) رواه الترمذي (٣١٤٨) وهو حديث صحيح .

٤٣١
ذكر ما ورد في عدد أبواب الجنة واتساعها وعظمة جناتها
وسيأتي في الحديث أيضاً: ((مِفْتَاحُ الْجَنّةِ لا إلهَ إلَّ اللهُ)(١).
وروى الإمامُ أحمدُ ، ومسلم، وأهل السنن ، من رواية عُقْبَةَ بنِ عامِر ، وغيره ، عن أمير
المؤمنين عمر بن الخطّاب، رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله وَّةِ: (( منْ تَوَضّأ فَأَحْسَنَ الوُضوءَ ،
ثمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ فقالَ: أشْهدُ أنْ لا إلهَ إلّ اللهُ وَحْدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، فُتِحِتْ لَهُ أبوابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانيَة يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءً)(٢).
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حدّثنا بِشرُ بن المفضّل(٣)، حدّثنا عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاق،
عن أبي حازم، عن سَهْل بن سَعْد، قال: قال رسولُ اللهِوَّةِ: ((إنَّ فِي الْجَنَّةِ بَاباً يُدْعى الرَّيَّانَ ، يُقالُ
يَوْمَ القِيَامَةِ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فإذَا دَخَلوهُ أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ غَيْرُهُمْ)) قال بِشْرٌ: فَلَقَيتُ أبا حَازِمٍ فَسَأَلْتُهُ ،
فَحَدّثني بهِ ، غَيْرَ أَنِّي لِحَديث عَبْدِ الرَّحْمن أحْفَظُ(٤).
وقال الطبرانيّ: حدّثنا يحيى بنُ عُثْمانَ، حدّثنا سعيدُ بنُ أبي مَرْيم، حدّثنا أبو غَسَّان ، عن
أبي حازم، عن سَهلِ بنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَهَ قال: ((في الجنَّةِ ثَمانيةُ أبوابٍ، بَابٌ مِنْهَا يُسمَّى
الزَّكَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إلَّ الصَّائِمُونَ)) . وقد رواه البخاريّ، عن سعيد بن أبي مريم، به ، ورواه أيضاً
مسلم ، من حديث سُلَيْمان بن بِلالٍ ، عن أبي حازم ، سَلَمة بن دِينارٍ ، عن سَهْلٍ ، به(٥) .
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا عبدُ الرزّاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهريّ ، عن حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن
أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((منْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ مَالِهِ في سَبيلِ اللهِدُعيَ من أبواب الجنة ، وللجنة
ثمانية أبواب ، فمن كان من أهل الصلاة دعي منْ بَابِ الصَّلاة، ومَنْ كانَ منْ أهْلِ الصِّيَّامِ دُعي منْ بابِ الرَّيَّان ،
ومنْ كانَ منْ أهْلِ الصَّدَقَّةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ، ومنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعيَ مَنْ بابِ الجِهَادِ » فقال
أبو بكر : يا رسولَ اللهِ ما على أحَدٍ مِنْ ضَرُورةٍ دُعيَ مِنْ أَيُّهَا دُعِيَ؟ فَهَلْ يُدْعى منْها كُلِّها أحدٌ ، يا رسولَ الله ؟
قال: ((نَعم، وأرجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)). وأخرَجَاهُ في ((الصَّحيحيْن)) من حَدِيث الزهريّ، به ، ولهما من
حديث شَيْبَانَ، عن يَحْيَى بن أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر، مثله(٦).
(١) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٣٥٦/٤) وأحمد في المسند (٢٤٢/٥) وإسناده ضعيف، ولكن له شواهد
بمعناه ، فهو حسن .
(٢) رواه أحمد في المسند (١٤٥/٤) ومسلم رقم (٢٣٤) وأبو داود (١٦٩) والنسائي (١٩٢/١ - ١٩٣)
والترمذي ( ٥٥ ) وابن ماجه ( ٤٧٠ ) .
(٣) في الأصول : الفضل ، وهو خطأ .
(٥) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٧٩٥) والبخاري (١٨٩٦) ومسلم ( ١١٥٢).
(٤)
رواه أحمد في المسند (٣٣٣/٥) وهو حديث صحيح .
(٦) رواه أحمد في المسند (٢٦٨/٢) ومعمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٠٥٢) والبخاري
(١٨٩٧) و(٢٨٤١) ومسلم (١٠٢٧) (٨٥ ,٨٦) وابن أبي عاصم في الجهاد (٩٦).

٤٣٢
ذكر ما ورد في عدد أبواب الجنة واتساعها وعظمة جناتها
وقالَ عبد الله بن الإمام أحمد: حدّثنا مُحمّد بنُ عبد الله بن نُمَيْر، حدّثنا إسحاق بن سُلَيْمان ،
حدّثنا حَرِيز١ٌ) بن عُثْمانَ، عن شُرحبيلَ بن شُفْعَةَ، قال: لَقيني عُثْبةُ بنُ عَبْدِ السُّلَميُّ قال : سَمِعْتُ
رسول الله وَ﴿ يقولُ: ((ما مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوقَّى لَهُ ثَلاثَةَ منَ الوَلَدِ لمْ يَبْلُغُوا الْحَنْثَ إلا تَلَقَّوْهُ من أبْوَابِ الْجَنَّةِ
الثَّمَانِيَةِ منْ أَيُّها شاءَ دخل)). ورواه ابن ماجه، عن ابن نُمَيْر أيضا٢ً) .
وروى البيهقيّ من حديث الوليد بن مُسلم، عن صَفْوَان بن عمرو، عن أبي المُثَنَّى المليكي(٣):
أنّهُ سمع ◌ُتْبَةَ بن عَبْدِ السُّلَمَيّ، عن النبيّ ◌َّ﴿ه في حديثٍ ذكره في قِتَال المُخْلِص، والمُذْنِب ،
والمُنَافِقِ، قال فيه: ((وَالجَنَّةِ ثَمَانية أبوابٍ، وإنَّ الشَّيْفَ مَخَّاءٌ للذُّنُوبِ، ولا يمحو النّفاق ... ))
الحديث بطوله(٤) .
وتقدّم الحديث المتفق عليه ، [ من حديث أبي زُرْعَةَ ] ، عن أبي هريرة ، في حديث الشفاعة ،
قال فيه: فيقولُ اللهُ: يا مُحمّد، أدْخِلْ منْ لا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ أُمَتِكَ منَ الْبَابِ الأيْمَنِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ
النَّاسِ في سائر الأبْوَابِ (( وَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ ما بَيْن المِصْرَاعينِ منْ مَصَاريعِ الْجَنَّةِ وما بين
◌ِضَادَتِي الْبَابِ ، لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَر ، أو كما بَيْنَ مَكَّةَ وَيُصْرَى (٥) .
وفي ((صحيح مسلم))، عن خالد بن عُمَيْرِ العَدَوِيّ: أنَّ عُتْبَة بن غَزْوان خَطَبَهُمْ، فقال بَعْد حَمْدٍ
الله، وَالثَّناء عليه: أمَّا بَعْدُ، فإنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصُرْ(٦)، ووَلَّتْ حَذَّا(٧) وإنما بقي منها صُبَابة
كصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصابُها صاحبُها، وإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ منْها إلى دارٍ لا زَوالَ لَهَا، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرٍ
ما بِحَضْرَتَكُمْ ، فإنّه قدْ ذُكِرَ لَنَا أنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شفير جَهَنَّمَ ، فَهْوِي فيهَا سَبْعِينَ عَاماً لا يُذْرِكُ لَها
قَعْراً، وَوَاللهِ لَتُمْلأنَّ، أفَعَجِبْتُمْ؟ ولَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنّ ما بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسيرَةُ أزْبَعينَ
سَنَةً، وَلَيَأْتِينَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وهو كَظيظٌ منَ الزُّحَامِ، ولقد رأيتُني سابع سبعة مع رسول الله بصير مالنا طعام
إلا ورق الشجر ، حتى قَرِحت أشداقنا ، فالتقطتُّ بُردةً فشققتُها بيني وبين سعد بن مالك ، فاتزرتُ
بنصفها، وأنَّزر سعد بنصفها ، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميراً على مصر من الأمصار ، وإني
(١) في الأصول : جرير ، وهو خطأ .
(٢) رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زياداته على أبيه (٤/ ١٨٣، ١٨٤) وابن ماجه (١٦٠٤ ) وهو حديث حسن .
(٣) وهو الأملوكي .
(٤) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٥٧) ورواه أحمد في المسند (٤/ ١٨٥ - ١٨٦) من طريق صفوان بن
عمرو ، به ، وهو حديث حسن .
(٥) رواه البخاري رقم (٤٧١٢) ومسلم رقم (١٩٤).
(٦) الصرم : الانقطاع والانقضاء .
(٧) أي خفيفة سريعة .

٤٣٣
ذكر ما ورد في عدد أبواب الجنة واتساعها وعظمة جناتها
أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيماً ، وعند الله صغيراً ، وإنها لم تكن نبوة قط ، إلا تناسخت حتى
يكون آخر عاقبتها مُلكاً، فستخبُرُون وتجرّبون الأمراء بعدي(١).
وفي (( المسند)) من حديث حمّاد بن سَلَمَةَ، عن الجُرَيْريّ، عن حَكيم بن مُعَاويةَ ، عن أبيه ، أنَّ
رسولَ اللهِوَِّ قال: ((أنْتُمْ آخر الأمم، وأكْرَمُها على اللهِ، وما بَيْنَ مِصْرَاعينٍ منْ مَصَاريعِ الْجَنَّةِ مَسِيرةٌ
أزْبَعِينَ عَاماً ، وَلَيأْتِينَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَإِنَّه لكَظيظٌ )) .
ورواه البيهقيّ من طريق عليّ بن عاصمُ(٢) ، عن سَعيدِ الجُرَيْريّ، عن حَكِيم بن مُعَاويةَ ، به ،
وقال : ((مَسيرةُ سَبْعٍ سِنِينَ (٣) .
وقال يعقوب بن سُفْيَانَ : حدّثنا الفضل بنُ الصَّبَّاح، أبو العبّاس، حدّثنا مَعْنُ بنُ عِيسى، حدّثنا
خالدُ بن أبي بَكْر بن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْد اللهِبْنِ عمر، عنْ سالِمِ بْن عَبْدِ اللهِ، عن أبيه ، قال : قال
رسولُ اللهِ وَهُ: ((بابُ أُمَّتي التي تَدْخُلُ مِنْهُ الجَنَّةَ عَرْضُه مَسيرةُ الرَّاكِب المُجوِّدِ ثَلاثاً، ثمّ إنَّهُمْ
لِيُضْغَطُونَ(٤) عَلَيْهِ حتَّى تَكَادَ مَناكِبُهُمْ تَزُولُ)) . وقد رواه الترمذي من حديث خالد هذا، ثم قال:
وسألتُ مُحمّدَ بن إسماعيل البخاريّ عن هذا الحديث ، فلم يَعْرفْه ، وقال : لخالد بن أبي بكر مَناكيرُ
عن سالم(٥) . قال البيهقيّ: وحديثُ عُثْبةَ بنِ غَزْوانَ: (( أرْبَعِينَ سَنةً)) أصحُ .
وروى عبد بن حُمَيد في ((مسنده)) عن الحسن بن موسى الأشيب ، عن ابن لهيعة ، عن دَرَّاجِ ، عنْ
أبي الهَيْثَمِ ، عنْ أبي سَعيدٍ ، عن رسولِ اللهِ وَّهِ، قال: ((إنَّ ما بَيْنَ مِصْرَاعينٍ في الْجَنَّةِ لَمسيرةٌ أزْبَعينَ
سنةً (٦) .
فأمَّا حَدِيثُ لَقَيطِ بنِ عَامِرٍ: أَنَّ رسولَ اللهِ لَه قال: ((إنَّ لِلنَّارِ سَبْعةَ أبْوَابٍ ما منهن بَابانِ إلَّ يَسيرُ
الرَّاكِبُ بَيْنَهُما سَبْعينَ عاماً)) وكذلك قال في بُعد ما بين أبواب الجنة، فهو حديثٌ مَشْهُورُ(٧) وحَمَلهُ
بَعْضُ العُلْمَاءِ على بُعد ما بين الباب إلى الباب الآخر ، لا على ما بين المصراعين اللذَين في باب
(١) رواه مسلم رقم ( ٢٩٦٧) .
(٢) في الفاسية : علي بن أبي عاصم .
رواه أحمد في المسند (٣/٥) والبيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٦٣) وإسناده حسن .
(٣)
(٤)
في الأصول : ليضطغطون .
(٥) رواه الترمذي رقم (٢٥٤٨) وإسناده ضعيف .
(٦) رواه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) رقم (٩٢٤) وأخرجه أحمد في المسند (٢٩/٣) من طريق الحسن
ابن موسى به ، وإسناده ضعيف ، ولكن للحديث شاهد من حديث معاوية بن حيدة السابق يقوى به .
(٧) رواه أحمد في المسند (٤/ ١٣ - ١٤) قال المصنف عنه فيما سبق : حديث غريب جداً، وألفاظه في بعضها
نكارة .

٤٣٤
ذكر ما ورد في عدد أبواب الجنة واتساعها وعظمة جناتها
واحد ، بل الباب يدور في طول الجدار ، كما يدور حول صدور البلد إلى الباب الآخر ، لئلا يعارض
ما تقدم ، [ والله أعلم ] .
وقد ذكر القرطبي وادّعى: أنَّ لِلْجِنَّةِ ثَلاثةَ عشر باباً، ولَكنْ لم يُقمْ على ذلِكَ دَليلاً قوياً أكْثَرَ مِنْ أنَّهُ
قال: وَممَّا يَدُلُّ عَلى أنَّها أكْثَرُ مِنْ ثَمانيةٍ، حَديثُ عُمر: ((منْ تَوضَّأ فقالَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ)) وفي
آخِرِهِ قال: ((فُتْحَ لَهُ منْ أبوابِ الجَنَّةِ ثَمانيةُ أبوابٍ يَدْخُلُ منْ أَيُّها شَاءً». أخرجه الترمذيّ، وغيره(١) .
قال: ورَوى الآجُرِّيُّ في كتاب ((النصيحة)) عن أبي هُرَيْرة مرفوعاً: ((إن في الجنَّةِ باباً يُقالُ لهُ:
بابُ الضُّحَى، يُنادي منادٍ : أيْنَ الَّذين كانوا يداومُونَ على صلاة الضُّحى، هَذا بَابُكُمْ فَادْخُلُوا (٢)
قال: وقالَ الترمذي الحكيم (٣) أبو عبد الله: أبوابُ الجَنَّةِ منْها بابُ مُحمَّد ◌َه، وهو بابُ الشَّوبةِ،
وبابُ الصَّلاةِ، وبَابُ الصَّوْمِ، وبابُ الزَّكاةِ، وبابُ الصَّدقةِ، وبَابُ الْحَجِّ، وبابُ العُمْرَةِ ، وبابُ
الجهادِ، وبابُ الصَّلَةِ، وزادَ غيرُه : بابَ الكاظمينَ، وبابَ الراضينَ ، والبابَ الأيمن الذي يَدْخُل مِنْهُ
الَّذِين لا حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وجَعَلَ القُرْطبيُّ البَابَ الّذي عرضه مَسيرَةُ ثَلاثَة أيَّامٍ، للرَّاكِب المُجوِّد ، كما
وَقَعَ عِنْدَ الترمذيّ(٤) باباً ثالثَ عَشر ، فالله أعلم .
وقالَ الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ: حدّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، عن عبد اللهِبن عَبْد الرَّحْمن بن أبي حُسَيْن، عن
شَهْر بنِ حَوْشَب، عن مُعاذٍ بن جَبَلٍ، قال: قال رسول اللهِ وَله: ((مِفْتَاحُ الجَنَّةِ شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلا
الله٥).
وفي «صحيح البُخاريّ)) قالَ: وَقيل لِوَهبٍ بن مُنَّه: أَيْسَ لا إلهَ إلَّ اللهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ ؟ قال :
بلى ، وَلَكِن إِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحِ لَهُ أسنانُ فُتْحَ لَكَ، وإلَّا لَمْ يُفْتَح لكَ(٦) يَعْني: لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَعَ التَّوْحيد
أعمالٌ صَالِحةٌ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ المُحَرَّماتِ ، والله أعلم .
وتقدم في حديث علي قال : يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا انتهوا إلى أول باب من
أبوابها وجدوا عنده شجرة ... وذكر الحديث(٧).
(١) رواه الترمذي رقم (٥٥) بلفظ: ((فتحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل من أيُّها شاء)) ورواه مسلم رقم
( ٢٣٤ ) .
(٢) ورواه الطبراني في (( الأوسط)) رقم (٥٠٦٠) وإسناده ضعيف.
(٣)
في (أ) : الحلبي ، وفي الفاسية : الحليمي .
(٤)
رواه الترمذي رقم (٢٥٤٨) وإسناده ضعيف .
(٥) وأخرجه أحمد في المسند (٢٤٢/٥) من طريق ابن عياش به ، وإسناده ضعيف .
(٦) علقه البخاري قبل الحديث (١٢٣٧) ووصله البخاري في التاريخ، وأبو نعيم في ((الحلية )) من طريق محمد بن
سعيد بن رُمَّانة عن أبيه ، قيل لوهب ... فذكره .
(٧) رواه أبو القاسم البغوي في (( الجعديات)) رقم (٢٥٠٨) وإسناده ضعيف .

٤٣٥
ذكر تعداد محالّ الجنة وارتفاعها واتساعها
ذكر تعداد محالّ الجنة وارتفاعها واتّساعها
(جَ فَبِأَِ ، اَلَاءِ رَبَّكُمَا
قال الله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، جَّثَانِ ﴿ فَأَيِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴿ ذَوَاتَآ أَقْنَانٍ
تُكَذِّبَانِ (ِ فِهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴿ فَأَتِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ فِهِمَا مِن كُلِّ فَكِهَةٍ زَوْجَانِ ﴿ فَأَِّ ءَ الَآءِ رَبَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ي مُتَّكِينَ
◌َ فِنَّ قَصِرَتُ الطَّرْفِ لَوْ يَطْمِنْهُنَّ إِسْرُ قَبْلَهُمْ وَلَا
عَلَى فُرُتِ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفٍ وَحَنَى الْجَنَّنَيْنِ دَانٍ ﴿ فَأَمِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
◌َآَنٌّ (@َ فَبِأَِّ ءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ
◌َ فَأَمِّ ءَالَآءِ رَیَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا
أَفَِّ ءَاَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ﴿ وَمِن دُونِمَا جَنََّانِ ﴿ فَأَتِّءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
اُلْإِحْسَنُ
( مُدْهَآَ مَنَانِ ﴿ فَبِأَمِّءَ الَآءِ
رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ
فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّا خَتَانِ ﴿﴿ فِأَيِّ ءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أَ
◌ِ فِهِمَا فَكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
أَفَبَقِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا
أَلَوْ
ج فِنَّ خَيْرَتُّ حِسَانٌ ﴿ فَأَقِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا تُكَّذِّبَانِ ﴿ حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِى الْخِيَامِ ﴿ فَأَتِّءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (
مُكَذِّبَانِ
يَطَمِتْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَنٌّ (٦) فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَّذِّبَنِ (﴿ مُتَّكِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ ﴿ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَّكُمَا
تَكَذِّبَانِ الثََّ نَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٤٦ -٧٨].
وَثَبتَ في (( الصحيحين)) منْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بنِ عَبْدِ الصَّمَدِ ، عن أبي عِمْرَان الجَوْنيّ ، عن
أبي بَكْرِ بنِ أبي مُوسى الأشْعَريّ، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله وَِّ قال: (( جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبِ آَنِيَتُهُمَا ،
ومَا فِيهمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّة آنِيَتُهُمَا، ومَا فيهما، وما بَيْن الْقَوْمِ، وَبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى ربِّهِمْ عزَّ وجلَّ
إلَّ رِدَاءُ الْكِبْرِياءِ على وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ(١).
وروى البَيْهقيُّ من حديث مؤمَّلٍ بن إسماعيلَ ، عنْ حَمَّادِ بنِ سَلَمَةً ، عن ثابتٍ ، عن أبي بَكْر بن
أبي موسى، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله وَّه قال: (( جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ للسَّابِقِينَ، وَجَتَّانِ مِنْ وَرِقٍ
لأصْحَابِ اليَمِين(٢) .
وقال البُخاريّ : حدّثنا قُتَبَةُ، حدّثنا إسماعيلُ بنُ جَعْفٍ ، [عن حميد ]، عن أنس بن مالك: أنَّ
أُمَّ حارثة، أتَتْ رسولَ اللهِ وَّهِ، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبُ (٣) ، فقالت :
يا رسول الله، قَدْ عَلِمْتَ موقع حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فإنْ كانَ في الجَنَّةِ لَمْ أبْكِ عليه، وإلَّ سَوْفَ تَرَى
ما أصْنَعُ، فقال لها: ((أهَبِلْتِ؟ أجَنَّةٌ وَاحِدٌ هي؟! أم جَنَّات كثيرة ، وَإِنّه في الْفِرْدَوْسِ الأعْلَى)» ،
وَقالَ: ((غُدْو٤ٌ) في سَبِيلِ اللهِ أوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ منَ الدُّنْيا وما فيها، وَلَقَابُ قَوْسِ أحَدِكُمْ أوْ مَوْضعُ قَدَمٍ
(١) رواه البخاري رقم (٤٨٧٨) ومسلم (١٨٠).
(٢) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٢٤٢) وإسناده ضعيف، فيه مؤمل بن إسماعيل: صدوق سيِّىء الحفظ.
(٣) أي لا يعرف راميه .
(٤) في (آ) : غزوة .

٤٣٦
ذكر تعداد محالّ الجنة وارتفاعها واتساعها
مِنَ الجِنَّةِ خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيهَا، وَلَوْ أنَّ امْرأةً منْ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنَّةِ الطَّلَعَتْ إلى (١) الأرْضِ لأضَاءَ لها
ما بَيْنَهُمَا ، وَلَمَلَأتْ ما بَيْنِهُما رِيحاً، وَلَنصيفُها - يعني خِمَارَها - خيْرٌ منَ الدُّنيا وما فيها (٢) .
وفي رواية عن قَتَادة أنّه قال: ((الفِرْدَوْسُ رَبْوةُ الْجَنَّةِ، وَأَوْسَطُهَا وأفْضَلُها (٣).
وقد رواه الطبرانيّ من حديث سَعيدٍ بن بَشيرٍ ، عن قتادة ، عن الحَسَنِ ، عن سمرةَ مَرْفوعاً؛).
قال الله تعالى: ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَحَتُ الْعُلَى﴾
[طه: ٧٥] وقال تعالى: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَاُلْأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الحديد: ٢١].
وقال الإمام أحمد : حدّثنا أبو عامر ، حدّثنا فُلَيْح ، عن هِلالِ بن عَلَيّ ، عن عبد الرحمن بن
أبي عَمْرةَ، عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ نََّ: ((منْ آمَنَ باللهِ وَرَسُولِهِ، وأقامَ الصَّلاةَ، وَصَامَ رمَضَانَ،
فَإِنَّ حَقّاً على الله أنْ يُدْخِلَهُ الْجِنَّةَ، هاجَرَ في سَبيلِ الله، أوْ جَلَسَ في أرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا)) قالوا :
يا رسول الله، أفلا نُخبرُ النّاسَ؟ قال: ((إنَّ في الجنَّةِ مئةَ دَرَجةٍ أعَدّها اللهُ عِزَّ وجلَّ لِلْمُجاهدينَ فِي
سَبِيلِهِ، بَيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنِ كما بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ ، فإذا سَألْتُمُ اللّهَ فاسألوه الفِرْدَوْسَ ، فإنَّهُ وَسَط
الْجَنّةِ ، وَأَعلَى الجَنَّةِ، [وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمنِ ]، ومنه تُفَجَّرُ [أو تَفَجَّرَ أَنْهَارُ الْجَنّة]))، [ شكَّ
أبو عامر ] .
ورواه البخاريّ عن إبراهيم بن المُنذرِ ، عن مُحمّد بن فُلَيْح ، عن أبيه، بمعناه(٥) .
وقال أبو القاسم الطبرانيّ: حدّثنا عليّ بنُ عبد العزيز، حدّثنا [ أبو] هَمَّام الدلّال، حدّثنا
هِشَامُ بنُ سَعْدٍ ، عن زَيْدِ بن أسلَمَ ، عن عطاء بنِ يَسارٍ ، عن مُعاذٍ بن جَبَل ، قال: سَمِعْتُ
رسولَ اللهِّه يَقول: ((مَنْ صَلّى هَؤُلاءِ الصَّلَوَاتِ الْخَمسِ، وَصَامَ رَمَضَانَ)) لا أدري أذكَرَ زَكَاةٌ ، أَمْ
لا؟ (( كانَ حَقّاً على اللهِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، هاجر أوْ قَعَدَ حَيْثُ وَلَدتهُ أمُّهُ » قلت: يا رسول الله، ألا أخْرُجُ
فأُوذِرٌ(٦) النَّاسَ؟ فقال: ((لا، ذَرِ النَّاسَ يَعْمِلُونَ، فإنَّ الجَنّةَ مِنَّةُ دَرَجةٍ، بَيْنَ كلّ دَرَجَتَيْنِ مِنْها مِثْل
(١) في (أ): في .
رواه البخاري رقم ( ٦٥٦٧) و(٦٥٦٨ ).
(٢)
(٣) رواه الترمذي رقم (٣١٧٤) وهو حديث صحيح .
(٤) رواه الطبراني في الكبير (٦٨٨٦) وإسناده ضعيف .
رواه أحمد في المسند (٣٣٥/٢) والبخاري رقم (٧٤٢٣).
(٥)
(٦) في الأصول : فآذن .

٤٣٧
ذكر تعداد محالّ الجنة وارتفاعها واتساعها
ما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، وأعْلَى دَرَجَةٍ مِنْهَا الفِرْدَوْسُ، وَعَلَيْها يَكونُ العَرْشُ، وَهيَ أوْسَطُ شَيْءٍ في
الْجَنَّةِ ، وَمِنْها تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجِنَّةِ، فإذا سَأَلْتُمُ اللهَ فاسألوه الفِرْدَوْسَ )) . وهكذا رواه الترمذِيّ عن قُتَيْبةَ،
وأحمد بن عَبْده(١)، عن الذَّرَاوَزْدي، عن زَيْدِ بنِ أسْلَم ، به، وأخرجه ابن ماجه عن سويد ، عن
حفص بن ميسرة ، عن زيد ، مختصر(٢) .
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا عَفَّان، حدّثنا هَمَّامٌ، حدّثنا زَيْدُ بْنُ أسْلَم، عن عَطَاءِ بنِ يَسَارٍ ، عن
عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ، عن النبيّ ◌َه، قال: ((الْجِنَّةُ مِئَةُ دَرَجةٍ، ما بَيْنَ كلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسيرة مئةٍ عامٍ )) وقال
عَقَّان: (( كما بَيْنَ السماء والأرض، والفردوس أعلاها دَرَجةً، ومنها تَخْرُجِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، وَالعَرْشُ
مِنْ فَوْقِها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفِرْدَوْسَ)). ورواه الترمذيُّ، عن أحمد بن مَنِيع ، عن يزيد بن
هارون ، عن همَّامٍ بِن يَحْيَى ، به(٣).
قلت : ولا تكون هذه الصفة إلَّ في المُقَبَّب، فإنَّ أعلى القُبَّةِ هو أوْسَطُها، فالْجَنَّةَ والله أعلمُ
كذلك .
وقال أبو بكر بن أبي داود : حدّثنا أحمد بنُ سِنَانٍ، حدّثنا يَزِيدُ بنُ هَارُون ، حدّثنا شَريكٌ ، عن
محمّد بن جُحَادةَ، عن عَطاءٍ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((الجَنّةُ منَةُ دَرَجةٍ ، ما بَيْنَ
كلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسيرَةُ خَمْسِمِئَةٍ عامٍ (٤) .
ورواه الترمذيّ، عن عبَّاس العَنْبريّ، عن يزيد بن هارون ... فذكره، وعنده: (( ما بَيْنَ كلِّ
دَرَجَتَيْنِ منَةُ عامٍ )) وقال : هذا حديث حسن صحيح(٥).
وقال الحافظ أبو يَعْلَى: حدّثنا زُهَيْرٌ، حدّثنا حسن، عن ابن لَهِيعَةَ، حدّثنا دَرَّاجٌ ، عن
أبي الهَيْثم، عن أبي سَعيدٍ: أنَّ رسولَ اللهِّهِ قال: ((الْجَنَّ مِنَّهُ دَرَجةٍ، لَوْ أنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا في
إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعتهمْ)) . رواه الترمذيّ عَنْ قُتَيَِّةَ، عن ابن لَهِيعَةَ. ورواه أحمد أيضا٦ً) .
(١) في (آ) : عبد الله ، وهو خطأ .
(٢) رواه الطبراني في (( المعجم الكبير)) (٢٠/ ٣٢٧) والترمذي رقم (٢٥٢٩) وابن ماجه (٤٣٣١) وهو حديث
صحيح .
(٣) رواه أحمد في المسند (٣١٦/٥) والترمذي بعد الحديث (٢٥٣١) وهو حديث صحيح .
(٤) رواه أبو بكر بن أبي داود في ((البعث والنشور)) (٦١) وإسناده ضعيف.
(٥) رواه الترمذي رقم (٢٥٢٨) وهو حديث صحيح بلفظ ((ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض)).
(٦) رواه أبو يعلى رقم (١٣٩٨) والترمذي (٢٥٣١) وأحمد في المسند (٢٩/٣) وإسناده ضعيف.

٤٣٨
ذكر ما يكون لأدنى أهل الجنة وأعلاهم منزلة
ذكر ما يكون لأدنى أهل الجنة منزلة
وأعلاهم من اتساع المُلك العظيم ، والنعيم المقيم
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَنْتَ نَعِيمًا وَمُلْكَا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠].
وقد تقدّم في حديث ابن مسعود، في آخِرٍ منْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ: أنَّ اللهَ يقول له: (( أمَا تَرْضَى أنْ
يَكُونَ لَكَ مِثْلُ الدُّنْيَا، وَعَشَرَةُ أمْثَالِهَا (١) وكذلك في غيره من الأحاديث الصحيحة .
وقال الإمام أحمد: حدّثنا حُسَيْنُ بنُ مُحمَّدٍ ، حدّثنا إسْرَائيلُ، عن تُوَيْر هو ابن أبي فَاخِتَةً ، عن
ابن عمر، رفعه إلى النبيِّ وََّ قال: ((إنَّ أدْنَى أهْلِ الجنّةِ مَنْزِلَةً الّذي يَنْظُرُ إلى جِنانِهِ وَنَعيِهِ،
وَخدَمِهِ ، وَسُرُرِهِ، مَسِيرَة أَلْفِ سَنةٍ ، وَإِنَّ أَكْرَمَهُمْ على اللّهِ مِنْ يَنْظُرُ إلى وَجْهِهِ(٢) غُدْوةً وَعَشِيَّةٌ)) ثُمَّ تَلا
هذه الآية: ﴿وُجُوهٌ يَؤْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (﴿ إِلَى رَّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ و٢٣]٣).
وقال أيضاً: حدّثنا أبو مُعاويةَ، حدّثنا عَبْدُ المَلِك بن أبجر(٤)، عن ثُوَيْرِ بن أبي فَاخِتَةً ، عن ابن
عمر، قال: قال رسولُ الله ◌ِِّهِ: ((إنَّ أدْنَى أهْلِ الجنَّةِ مَنْزِلةٌ لَيَنْظُرُ في مُلْكِ ألْفَيْ سنةٍ يرى أقصاه كما
يرى أذناهُ، يَنْظُرِ أَزْ وَاجَه، وَخَدمَهُ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةٌ لَيَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللهِ تَعَالى كلَّ يَوْمٍ مَرّتَيْنِ)) .
ورواه التِّزْمذيُّ، عن عَبْدِ بن حُمَيْد ، عن شَبابةٌ(٥) ، عن إسرائيل، عن ثُوَيْرٍ ، به ، قال : وَقَدْ رُوِيَ
مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عن إسرائيل ، عن ثُويْرٍ ، عن ابن عمر ، مرفوعاً، قال : ورواه الثَّوْريّ ، عن تُوَيْرٍ ،
عن مُجاهدٍ ، عن ابن عمر قَوْلَه. قال: ورواه عَبْدُ المَلِكِ بنُ أنْجَر ، عن تُوَيْرٍ ، عن ابن عمر موقوفاً،
كذا قال(٦).
وقد تقدّم رواية أحمد لهذه الطريق مرفوعاً .
وروى مسلم ، والطبرانيّ - وَهَذَا لَفْظُهُ - منْ حَدِيث سُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ، حدّثنا مُطَرِّفُ بن طريف ،
وعبدُ المَلكِ بنُ سَعيدٍ بن أبْجَر ، عن الشعبيّ ، عن المُغيرة بن شُعْبةَ، رَفَعه ابن أبجَرَ ، ولَمْ يَرْفَعْهُ
مُطَرِّف، قال : وقال موسى : يا رَبِّ، أخْبِرْني عنْ أهْنَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزلةٌ، قال: نعم، هُوَ رَجُلٌ
(١) رواه البخاري رقم (٦٥٧١) ومسلم رقم ( ١٨٦).
(٢) أي إلى وجه الله تعالى.
(٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ٦٤) وإسناده ضعيف .
في (أ): ابن الحر ، وهو خطأ .
(٤)
في (أ) : عبد الله بن شبابة .
(٥)
(٦) رواه أحمد في المسند (١٣/٢) والترمذي (٢٥٥٣) وإسناده ضعيف ، في الموقوف والمرفوع.

٤٣٩
ذكر غرف الجنة وارتفاعها وعِظَمها
يَجِيءُ بَعْدَما نَزَلَ النّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وأخذُوا أَخَذَاتِهِمْ، فيقال له : ادْخُلِ الْجِنَّةَ، فيقول : يا رَبِّ ،
وكَيْفَ أدْخُلُها وقدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ، وأخذُوا أَخَذَاتِهِمْ؟ فيقولُ: أَمَا تَرْضَى أنْ يَكُونَ لكَ مِثْلُ
ما كانَ لِمَلِكِ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيا؟ فيقولُ: رضيت ربِّ، فيقول: إنَّ لَكَ مِثْلَهُ وَمِثْلَهُ، وعقد سفيان أصَابعَهُ
الخَمْسَ ، فيقولُ : رَضيتُ رَبِّ، فيقولُ: فإنَّ هَذَا لَكَ ومَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ، فيقولُ :
رَضيتُ رَبِّ، قالَ موسى: يا رَبِّ ، فأخبرني عن أعْلَى أهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلةً، قال: نعم، أولَئِكَ الَّذينَ
أُرَدْتُ ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْهُمْ ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْها، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ ، وَلَمْ تَسْمَعْ أذُنٌّ ،
وَلَمْ يَخْطُرْ على قَلْبٍ بَشَرٍ ، وَمِصْداقُ ذلك في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]١).
وثبت في ((الصحيحين))، واللفظ لمسلم، من حديث الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ◌َل
قال : ((قال اللهُ عزَّ وجلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبَادي الصَّالحينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنُ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ
على قَلْبٍ بَشَرٍ ، مِصْدَاقُ ذَلِكَ في كتابِ الله تَعَالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُمْ مِن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧])(٢)
وقال الإمامُ أحْمَدُ: حدّثنا هارون بنُ مَعْرُوفٍ، حدّثنا ابنُ وَهْبٍ ، حدّثني أبو صَخْرٍ(٣): أنَّ
أبا حَازِمٍ حَدَّثَهُ، قال: سَمِعْتُ سَهْلَ بن سَعْدٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ مِنْ رسولِ اللهِ﴿وَ مَجْلساً وَصَفَ فِيهِ
الْجَنَّةَ، حَتَّى انْتَهَى، ثمَّ قالَ في آخِرٍ حَدِيثِهِ : (( فيها مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على
قَلْبٍ بِشَر))، ثم قرأ هذه الآية: ﴿نَتَجَافَ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ
يُنْفِقُونَ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ و١٧]. ورواه مسلم عَنْ
هارون بن مَعْرُوفٍ(٤) .
ذكر غرف الجنّة ، وارتفاعها ، وعظمها
نسأل الله من فضله المبسوط على خلقه في الدنيا والآخرة
قال الله تعالى: ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ لَهُمْ عُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَخْنِهَا الْأَنْهَرِّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخلِفُ اللّهُ
اَلْمِيعَادَ﴾ [الزمر: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَاِمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) رواه مسلم رقم (١٨٩) والطبراني في ((الكبير)) (٩٨٩/٢٠).
(٢) رواه البخاري (٣٢٤٤) و(٤٧٧٩) ومسلم رقم (٢٨٢٤).
(٣) في الأصول : ابن صخر ، وهو خطأ .
(٤) رواه أحمد في المسند (٣٣٤/٥) ومسلم رقم (٢٨٢٥).

٤٤٠
ذكر غرف الجنة وارتفاعها وعِظمها
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَنُوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَاأَ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ [ العنكبوت: ٥٨].
وقال: ﴿أُوْلَتِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَاتَحِيَّةُ وَسَلَمًا﴾ [الفرقان: ٧٥].
وثبت في «الصحيحين)) واللفظ لمسلم، من حديث مالك، عن صَفْوانَ بن سُلَيْم ، عن عطاء بن
يَسارٍ، عن أبي سَعيدٍ الْخُذْريّ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّه قال: ((إنَّ أهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ
كما يَتَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ، [أو ] المَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ ما بَيْنَهُمْ)) قالوا :
يا رَسُولَ اللهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لا يَبلُغُهَا غَيْرُهُمْ؟ قال: ((بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ
وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ (١) .
وفي ((الصحيحين)) أيضاً من حديث أبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أنَّ رَسُولَ اللهِ لَه قالَ: ((إنَّ
أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرْفَةَ فِي الجَنَّةِ كما تَتَرَاءَوْنَ الكُوكَبَ في أُفُقِ السَّمَاءِ(٢) .
وقال أحمد : حدّثنا فَزَارَةُ، أَخْبَرَنِي فُلَيْحِ، عَنْ هِلالٍ، يَعْني ابْنَ عليّ، عن عَطاءٍ ، عن
أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ وَه قالَ: ((إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَزَاءَوْنَ في الجنّةِ كما تَرَاءَوْنَ أَوْ تَرَوْنَ الكَوْكَبَ
الدُّرِّيَّ الغابر في الأفُقِ الطَّالِعِ في تَفَاضُلِ الدَّرَجَاتِ)) قالوا: يا رَسُولَ اللهِ، أُولَئِكَ النّبيُّونَ ؟ قال :
((بَلَى، وَالّذِي نَفْسي بِيَدِهِ، وَأَقْوامٌ آمَنُوا باللهِ، وَصَدَّقُوا المُرْسَلينَ )). قالَ الحَافِظُ الضِّيَاءُ: وَهَذَا على
(٣)
شَرْطِ الْبُخَارِيّ(٣) .
وقال أحمد : حدّثنا عليّ بنُ عَيَّاشٍ ، حدّثنا محمدُ بنُ مُطَرِّفٍ، حدّثنا أبو حَازِمٍ ، عن أبي سَعيدٍ
الخُذْرَيّ قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: ((إِنَّ المُتَحَابِينَ في الله لَتُرَى غُرَفُهُمْ في الجنّةِ كَالْكَوْكَبِ الطَّالِعِ
الشرقيِّ أو الغربِيِّ، فَيُقالُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَيُقَالُ: هَؤُلاءِ المُتَحَابُونَ في اللهِ عزَّ وجلَّ(٤) .
وفي حَديثِ عَطِيَّةٍ ، عَنْ أبي سَعيدٍ مَرْفُوعاً: ((إنَّ أهْلَ عِلَيِّين لَيَرَاهُمْ مَنْ سِوَاهُمْ كما تَرَونَ الكَوْكَبَ
فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنْ أَبَا بَكْرٍ وعمر منهم، وأنْعَما٥) )(٦) .
(١) رواه البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١).
(٢) رواه البخاري (٦٥٥٥) ومسلم (٢٨٣٠).
(٣) رواه أحمد في المسند (٣٣٩/٢) أقول: فزارة ، فيه نظر ، ولكنه توبع ، وفليح ، فيه كلام ، والحديث صحيح
بطرقه وشواهده .
رواه أحمد في المسند (٨٧/٣) وإسناده ضعيف ، أبو حازم لم يسمع من أبي سعيد الخدري.
(٤)
(٥)
أي زادا وفضلا .
(٦) رواه أحمد فى المسند (٣/ ٢٧) وأبو داود رقم (٣٩٨٧) والترمذي (٣٦٥٨) وابن ماجه (٩٦) وإسناده ضعيف
وقد صح بلفظ ((إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم ... )) رواه البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١).