Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب
عنده في هذه الرواية: ((يتطيَّرون)). وقال الحافظ الضياءُ: وقد رُوي عن عمرانَ من غير طريق (١).
حدیث آخر
قال أحمد : حدّثنا رَوْحُ بنُ عبادة ، حدّثنا ابن جُرَيْج، أخبرني أبو الزُّبَيْر : أنّه سمع جابر بن
عبد الله قال: سمعتُ رسول الله وَ لَه ... فذكر حديثاً، وفيه: ((فتنجو أوّل زُمْرةٍ، وُجوههم كالقمر
لَيَّةَ البَدْر، سبعون ألفاً لا يُحاسبُونَ، ثم الذين يَلُونهم كأضْوأ نجْمٍ في السماء » كذلك ، وذكر بقيَّته .
ورواه مسلم، من حديث رَوْح، ولم يَرْفَعْهُ، وقد روَى البزَّار عن عمر بن إسماعيل بن مُجَالِدٍ ،
عن أبيه ، عن جدّه، عن الشَّعْبي، عن جابر بن عبد الله، عن النبيِّ وَّه، نحو الذي قبله سواء (٢).
حدیث آخر
قال البزّارُ : حدّثنا محمد بن مِرْداس ، حدّثنا مبارك، عن عبد العزيز بن صُهَيْبٍ، عن أنس ،
عن النبيِّ وَّر، أنّه قال: (( سبعون ألفاً من أمّتي يَدْخُلون الْجَنَّةَ بغير حساب، هُمُ الَّذين لا يَكْتَوون،
ولا يَسْتَرِفُون، ولا يَتَطَيِّرُونَ، وعلى ربِّهم يتوكلون)(٣) .
حدیث آخر
قال البزّار : حدّثنا محمد بن عبد الملك، حدّثنا أبو عاصم العبّاداني، حدّثنا حُمَيْدٌ، عن أنس ،
قال: قال رسول الله وَّر: ((يدخل الجنَّة من أمّتي سبعون ألفاً، مع كلِّ واحدٍ من السبعين ألفاً سبعون
ألفاً)(٤) وهذا يحتمل أن يكون مع كلّ واحدٍ من الألوف ، ويَحْتملُ أنْ يكونَ مع كُلِّ واحدٍ من الآحاد ،
وهو أشمل ، وأكثر .
وقد قال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا مَعْمر، عن قَتَادَةَ ، عن أنس ، أو عن النضر بن
أنس ، عن أنس، قال: قال رسول الله وَّر: ((إنَّ الله عزَّ وجلَّ، وعدني أنْ يُدْخِلَ الجَنَّةَ من أمَّتي
أربعمئة ألف)) فقال أبو بكر رضي الله عنه: زِدْنا يا رسول الله، قال: ((وهكذا)) وجمع كفّيه، فقال:
زدنا يا رسول الله، قال: ((وهكذا)» فقال عمر: حَسْبُك يا أبا بكر ، فقال أبو بكر : دَعْني يا عُمر ،
(١) رواه الطبراني في الكبير (٤٢٧/١٨) ومسلم رقم (٢١٨).
(٢) رواه أحمد في المسند (٣٨٣/٣) ومسلم رقم (١٩١) والبزار رقم (٣٥٤١) ((كشف الأستار)).
(٣) رواه البزار رقم (٣٥٤٥ - كشف الأستار ) وفيه مبارك أبو سحيم ، وهو متروك، ولكن للحديث شواهد بمعناه ،
فهو بها حسن .
(٤) رواه البزار (٣٥٤٧ - كشف الأستار) وإسناده ضعيف ، ولكن له شواهد منها رواية أبي يعلى الآتية .

٣٢٢
ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب
وما عليك أن يُدْخِلنا اللهُ عزَّ وجلَّ الْجَنَّة كُلَّنا؟ فقال عمر: إنّ الله عزَّ وجلَّ إن شاء أدخَل خلْقَه الْجَنَّة
بكفِّ واحدٍ. فقال النبيُّ نَّهِ: ((صَدَقَ عُمر(١).
طريق أخرى عن أنس رضي الله عنه
قال الحافظ أبو يَعْلى : حدّثنا محمد بن أبي بكر ، حدّثنا عبد القاهر بن السرِيّ السُّلمِيّ ، حدّثنا
حُمَيْدٌ، عن أنس، عن النبي ◌ََّ قال: ((يدخُل الجنَّة من أمَّتي سبعون ألفاً))، قالوا : زِدْنا
يا رسول الله، قال: «لِكُلِّ رَجُلٍ سبعون ألفاً »، قالوا: زِدْنا [ يا رسول الله]، وكان على كَثيبٍ فحَثَی
بِيَدِيْهِ ، قالوا : زِذْنا يا رسول الله، فقال: وهكذا، وحَثى بِيَدِهِ ، قالوا: يا نبيَّ اللهِ، أَبْعَدَ اللهُ منْ دَخَلَ
النَّارَ بَعْد هذا)). قال الحافظ الضياء: لا أعْلَمهُ رُوي عن أنس إلَّ بهذا الإسناد. وقد سُئلَ ابنُ مَعين
(٢)
عن عبد القاهر ، فقال : صالحٌ
حدیث آخر غریب
قال الطبرانيّ : حدّثنا محمد بن صالح بن الوليد النَّرْسِيّ، ومحمد بن يحيى بن مَنْدَةَ الأصْبَهاني ،
قالا : حدّثنا أبو حفص عمرو بن عليّ، حدّثنا مُعاذُ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة ، عن
أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عُمَير، عن أبيه ، عن النبيّ ◌َّهِ، قال: ((إنَّ الله تعالى وَعَدني أنْ
يُدْخِلَ من أمّتي ثلثمئة ألفِ الجَنَّةَ)) فقال عُمَيْر : يا رسول الله، زِدْنا، فقال: وهكذا بِيَدِه ، فقال
عُمَير : يا رسول الله ، زِدْنا، فقال عُمر: حَسْبُك يا عُمَيْر ، فقال : ما لنا ولك يا ابن الخطاب ، وما
عليك أن يُدْخِلَنَا اللهُ الجَنّة؟ فقال عمر: إنَّ اللهَ إنْ شاء أدْخَل النَّاسَ الْجَنّةَ بحَفْنةٍ أو بحَثْيةٍ واحدةٍ ، فقال
رسول الله بٍَّ: ((صدق عُمر)). قال الحافظ الضِّياءُ: لا أعرف لعُمَيْر حديثاً غيرَه(٣).
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبي شَيْبَة: حدّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاش، سمعت محمد بن زياد، يُحدِّثُ عن
أبي أُمَامةَ الباهليّ، عن النبيّ نَّه (ح) وقال الطبرانيّ: حدّثنا أحمدُ بن المُعلَّى الدِّمَشْقِيّ، والحُسَيْنُ بن
إسحاق النُّسْتَرِيّ، قالا : قال هِشَامُ بن عَمَّار : حدّثنا إسماعيلُ بن عَيَّاش ، أخبرني محمد بن زياد ،
(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ١٦٥) ومعمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق (٢٠٥٥٦) وهو حديث
صحيح .
(٢) رواه أبو يعلى رقم ( ٣٧٨٣) وهو حديث حسن .
(٣) رواه الطبراني في الكبير (١٢٣/١٧) وفي إسناده ضعف .

٣٢٣
ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب
قال: سمعت أبا أَمَامةً، يقول: سمعتُ رسولَ الله وَّه يقول: ((وعدني ربِّي أن يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي
سبعينَ ألفاً ، مع كلّ ألف سبعين ألفاً لا حساب عليهم ، ولا عذاب ، وثلاث حثياتٍ من حَثَاتٍ رَبّ
عزَّ وجلَّ)) . واللفظ لابن أبي شَيْبَةَ، وليس عند الطبرانيّ: ((مع كل ألف سبعين ألفاً(١) .
طريق أخرى عنه
قال أبو بكر بن أبي عاصم : حدّثنا دُحَيْم ، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا صَفْوانُ بن عمرو ، عن
سُلَيْم بن عامر، وأبي(٢) اليَمانِ الهَوْزَنيّ، عن أبي أمامة، عن رسول الله وَ ◌ّر، قال: ((إنَّ اللهَ وَعدَني
أن يُدْخِلَ الْجنَّةَ من أمَّتي سبعين ألفاً بغير حساب)) قال يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمَّتك
يا رسول الله إلَّ مثلَ الذُّبَابِ الأصْهَبِ في الذِّبَّن، فقال رسول الله وََّ: ((فإنَّ اللهَ قد وَعدني سَبْعينَ ألفاً
مع كُلِّ ألف سبعينَ ألفاً ، وزادني ثلاثَ حَثَيَاتٍ )) . قال الضياء: رِجَالُهُ رِجالُ الصحيح ، إلّ الهوْزَنِيّ ،
واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، وما علمتُ فيه جَرْح٣ٌ) .
حدیث آخر
قال الطبرانيّ : حدّثنا أحمد بن خُلَيْد، حدّثنا أبو تَوْبَة، حدّثنا معاوية بن سَلّم ، عن زيد بن
سَلام : أنّه سمع أبا سلام ، يقول : حدّثني عامر بن زيد البِكَاليّ: أنّه سمع عُتْبَةَ بن عَبْدِ السُّلميّ ،
قال: قال رسول الله وَله: ((إنّ رَبّي وعدني أن يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمتي سَبْعِينَ ألفاً بغير حساب، ثم
[ يَشْفَع ] كلُّ ألف لسبعين ألفاً، ثم يَخْثي رَبِّي تعالى بكفَّيْهِ ثَلاثَ حَئياتٍ)) فكبّر عمر ، وقال : إنّ
السبعين الأُولى، يُشَفِّعُهم [اللهُ] في آبائهم، وأبنائهم، وعَشائرِهم، وأرجو أن يَجْعَلني اللهُ في أحدٍ
الحَثَيَاتِ الأوَاخر . قال الحافظ الضياء : لا أعلمُ لِهذَا الإسناد عِلَّة، والله أعلم(٤) .
حدیث آخر
قال الإمامُ أحمد : حدّثنا يحيى بن سَعِيد، حدّثنا هِشامٌ يعني الدَّسْتُوائيّ، حدّثنا يحيى بن
أبي كثير، عن هِلاَل بن أبي مَيْمونةَ، عن عطاء بن يسار ، أنَّ رِفَاعَةَ الْجُهَنيّ حَدّثه ، قال : أقبلنا مع
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ١١٧٦٠) والطبراني في الكبير (٧٥٢٠) وأخرجه ابن ماجه (٤٢٨٦) عن
هشام بن عمار ، وهو حديث صحيح .
(٢)
في الأصول : عن أبي اليمان .
رواه ابن أبي عاصم في السنة رقم ( ٥٨٨ ) وهو حديث صحيح .
(٣)
(٤) رواه الطبراني في الكبير (٣١٢/١٧) وهو حديث حسن .

٣٢٤
ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب
رسول الله وَ ﴿ه، حتّى إذا كُنّا بالكَديد أو قال: بقُدَيْدٍ، فذكر حديثاً فيه: ثم قال: ((وعدني رَبِّي
عزَّ وجلَّ أن يُدْخِلَ الجنَّةَ من أُمَّتي سبعين ألفاً ، بغير حساب ، وإني لأرجو ألّا يدخلوها حتى تبوؤُوا
أنتم، ومن صَلَح من أزْواجِكُم وذَرَارِيكم مَساكِنَ في الْجَنَّةَ)). ورواه يعقوبُ بن سفيان، عن آدم بن
أبي إياس ، عن شَيْبانَ ، عن يحيى بن أبي كثير ، به ، قال الحافظ الضياء : هذا عندي على شرط
الصحيح ، والله أعلم(١) .
حدیث آخر
قال الطبرانيّ: حدّثنا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق (٢) الحِمْصي، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدّثني
أبي، عن ضَمْضَم بن زُرعة ، عن شُرَيح بِن عُبَيد، عن أبي أسماء الرَّحَبيّ ، عن ثَوْبان قال: سمعت
رسول الله وَ﴿ يقول: ((إنَّ رَبّي وعدني من أُمَّتي سبعين ألفاً لا يحاسَبُونَ، مع كُلِّ ألف سبعون ألفاً )(٣) .
حدیث آخر
قال الطبرانيّ : حدّثنا أحمد بن خُلَيْد، حدّثنا أبو تَوْبَة، حدّثنا معاوية بن سَلام، عن زيد بن
سَلَّم: أنه سمع أبا سَلاَّم ، يقول : حدّثني عبد الله بن عامر : أن قَيْساً الكِنْديّ حدَّثه : أن أبا سعيد
الأَنْماريّ(٤) حَدّثه، أن رسول الله وَِّ قال: ((إنَّ رَبِّي عزَّ وجلَّ وعدني أن يُدْخِلَ الجنة من أمتي سبعين
ألفاً بغير حساب ، ويَشْفَعَ كُلُّ ألفٍ لسبعين ألفاً، ثم يَحْثِي رَبِِّي ثَلاثَ حَثَيَاتٍ بِكَفَّيْه)) قال قيس : فقلت
لأبي سعيد: أنت سمعتَ هذا من رسول اللهَوَّ قال: نعم بأُذُنَيَّ، ووعاه قلبي. قال أبو سعيد: فقال
رسول الله وَهُ: ((وذلك إن شاء الله يَسْتَوْعبُ مُهَاجِري أمّتي، ويُوفِّي اللهُ بَقِيَّتَه من أغْرَابنا)) قال
الطبرانيّ : لم يُزْوَ عن أبي سعيد الأنماريّ إلّا بهذا الإسناد ، تفَّد به معاوية بن سَلَّم .
وقال الحافظ الضياء : وقد رواه محمد بن سَهْل بن عسكر ، عن أبي تَوْبَة الرَّبيع بن نافع ،
بإسناده، قال أبو سعيد: فحُسِبَ [ذلكَ] عند رسول الله وَّه، فبلغ أرْبَعَةَ آلافِ ألفِ ألفٍ وتسعمئةٍ(٥)
(١) رواه أحمد في المسند (١٦/٤) وابن ماجه رقم (٤٢٨٦ ) وهو حديث صحيح .
(٢) في (آ): زريق ، وفي الفاسية : زبزيق ، وهما خطأ.
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٤١٣) وفي إسناده ضعف ، ولكن للحديث شواهد بمعناه يقوى بها .
في المعجم الكبير : أبا سعد الأنصاري ، وأورده عنه الهيثمي وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، إلا أنه
(٤)
قال في الأوسط: أبو سعيد الأنماري، ويقال له: أبو سعيد الخير الأنماري ، قال الحافظ في ((الإصابة)) فمن
هذا الاختلاف يتوقف في الجزم بصحة هذا السند .
(٥) في بعض النسخ : سبعمئة .

٣٢٥
ذكر من يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب
ألف، قال: فقال رسول الله وَّه: ((إنّ ذلك يَسْتَوْعبُ إن شاء الله مُهَاجري أمَّتي) (١).
حدیث آخر
قال البزّار : حدّثنا محمود بن بكر ، حدّثنا أبي ، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عَطِيَّة ، عن
أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: قال رسول الله وَّةِ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّة من أمَّتي سبعونَ ألفاً لا حسابَ عليهم))
فقام عُكَّاشةُ فقال يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يَجْعَلني منهم، فقال: ((اللهم اجعله منهم)) فقال رجل
آخر: ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم ، قال: ((اللهمّ اجعلْهُ منهم)) فسكت القوم ، ثم قال بعضهم لِبَعْضٍ :
لو قُلْنا: يا رسول الله، ادعُ اللهَ أن يَجْعَلَنا منهم، قال: ((سَبقكمْ بها عُكَّاشةُ وصاحِبُه، أما إنَّكُمْ لو
قلتم لقلتُ، ولو قلتُ لوَجَبَتْ)(٢) .
حدیث آخر
رواه البيهقي في كتاب (( البعث والنشور )) من حديث الضَّحاك بن نبراس
حدّثني ثابتُ بنُ أسلم البُنَانِيّ، عن أبي يَزيد المَدينيّ ، عن عمرو بن حزم الأنْصاريّ ، قال :
تَغَيّب عَنَّا رسولُ اللهِ وَِّ ثلاثاً، لا يخرُج إلّا لِصَلاةٍ مكتوبة، ثم يَرْجِعُ. فلمَّا كان يوم الرابع خرج
إِلَيْنا، فقلنا : يا رسول الله احْتَبَسْتَ عنّا، حتَّى ظَنَنَّا أنّه قد حدث حدَثٌ؟ فقال: ((إنّه لم يَحْدُث إلّا
خير ، إنّ ربِّي عزَّ وجلَّ وعدني أنْ يُدْخِلَ الْجنَّة من أمَّتي سبعين ألفاً لا حساب عليهم ، وإنِّي سألتُ ربّي
في هذه الثلاثة الأيام المزيد فوجدتُ رَبِّي واجداً ماجداً كريماً ، فأعطاني مع كلّ واحدٍ من السبعين ألفاً
سَبْعِينَ ألفاً)) قال: ((قلت : يا رَبّ، وتبلُغ أُمَّتي هذا؟ قال: أُكْمِلُ لكَ العَدَدَ من الأعراب)).
الضحّاك هذا قد تَكَلَّموا فيه ، وقال النسائي : متروك .
وتقدّم في أحاديث الحوض من حديث سعيد، عن خُذَيْفَة، عن النبيّ بَّ في حديث طويل كما
تقدّم، وفيه : ((وَبَشَّرَني أنّ مَعي سبعينَ ألفاً، مع كُلِّ ألفٍ سبعون ألفاً ليس عليهم حِساب)). رواه
أحمد(٣) .
وذكر ابن الأثير في ترجمة عامر بن عُمَيْر، وكان قد شهد حَجَّةَ الوداع، قال: قال رسول الله وَله:
(( إِنِّي وَجَدْت رَبِّي ماجِداً أعْطَاني سَبْعينَ ألفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بغير حساب، مع كلّ واحدٍ سبعونَ
(١) رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط )) رقم (٤٠٦).
(٢) رواه البزار (٣٥٥٠ - كشف الأستار ) وإسناده ضعيف .
(٣) رواه أحمد في المسند (٣٩٣/٥) وإسناده ضعيف بطوله ، لكن هذه الجملة لها شواهد كما تقدّم .

٣٢٦
كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير
ألْفاً، فقلت : إنّ أُمَّتي لا تبلغ هذا؟ فقال: أُكْمِلُهم لك من الأعراب)) قال : رواه ثابتٌ البُنَانيّ، عن
أبي يزيد المَدنيّ، عنه(١) .
حدیث آخر
قال الطبرانيّ : حدّثنا هاشمُ بن مَرْتَد الطبرانيّ ، حدّثنا محمد بن إسماعيل بن عيَّاش، حدّثنا أبي ،
حدّثني ضَمْضَمُ بن زُرعةَ، عن شُرَيْح بن عُبَيْد، عن أبي مالك، قال: قال رسول الله وَله: (( أما
والّذي نفس محمَّد بيده لَيَبْعَثنَّ اللهُ منكم يومَ القيامة إلى الْجِنّة مِثلَ اللّيْلِ الأسْود زُمْرةً جميعها يَخْبِطُونَ
الأرضَ، تقول الملائكةُ: لَمَا جاء مع محمدٍ أكثر مِمَّا جاء مع الأنبياء (٢) .
ذكر كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب ، وما إليه أمرهم يصير
ففريق في الجنة ، وفريق في السعير
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْخَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرِّ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [ مريم: ٣٩] وقال تعالى:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَنَفَرَّقُونَ (﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ () وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِ الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٤ - ١٦]. وقال تعالى:
[﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِى يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِّ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [ الروم: ٤٣]]. وقال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَيِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٤) وَرَى كُلَّ أُمَِّ جَائِيَّةٌ كُلُّأُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُمُتَعْمَلُونَ (﴿] هَذَا كِتَبُنَا
يَطِقُ عَلَيْكُمْ يَلْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٢) فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَتِ فَيُدْ خِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهٍ، ذَلِكَ هُوَ
الْفَوْزُ الْمُبِينُّ ◌َّ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُمْ قَوْمَا تُجْرِمِينَ (بَ) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا
رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ ﴿ ﴿ وَبَدَا لَمْ سَيْئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َّا كَانُواْ بِهِ،
يَسْتَهْزِعُونَ (٥) وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَفسَنْكُمْ كَا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِن نَّصِرِينَ ﴿) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ أَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا
وَغَرَّتْكُ الْمَةُ الدُّنْيَأْ فَالْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ (٦) فَلَّهِ اَلْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَلَهُ
الْكِبْرِيَةُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٢٧ -٣٧]. وقال تعالى: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ
رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحَِّ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِأَلْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢) وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا أَلَمَّ يَأْتِكُمْ
(١) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠/ ٤١٠) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شيخ
الطبراني . أقول : وشيخه هاشم بن مرثد الطبراني ، ضعيف .
(٢) رواه الطبراني في الكبير (٣٤٥٥) وإسناده ضعيف، وفي حاشية الفاسية : آخر الجزء الثاني من خط المؤلف .

٣٢٧
كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير
رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى
﴿ قِيلَ ادْخُلُواْ أَنْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلىَ
اُلْكَفرِينَ
وَقَالُواْ
الْجَنَّةِ زُمَرًّاً حَتَّى إِذَا جَاءُ وهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا سَلَمُّ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَلِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءٍ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ الَّ
وتَرَى الْمَلَبِكَّةَ
حَآَفِينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزمر: ٦٩ - ٧٥].
وذكر أن هؤلاء سيقوا إلى الجنة، وهؤلاء [ سيقوا] إلى جهنم بعد [ موقف ] الحساب [ وانصرافهم
ـَ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِىِ النَّارِ لَهُمْ فِهَا
عنه ] وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُّ إِلَّا بِإِذْنِهٍ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌ وَسَعِيدٌ
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا
زَفِيْرٌ وَشَهِيقُ جَ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبِّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدٌ ﴾
فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَاَلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ ﴾ [ هود: ١٠٥ - ١٠٨]. وقال
تعالى: ﴿ وَثُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [ الشورى: ٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُت
لِيَوْمِ الْجَمْعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ وَمَن يُؤْمِنُ بِلَهِ وَيَعْمَلْ صَِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِتَائِهِ، وَيُدْرِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ خَالِدِينَ فِيهَا
أَبَدًّا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيَهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾
[ التغابن: ٩ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿يَوَمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٢﴾ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَتَّمَ وِرْدًا
لَّا
يَمْلِكُونَ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٥ -٨٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوهٌ
فَأَمَّا الَّذِينَ أَسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿ وَمَّا الَّذِينَ أَنْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى
رَحْمَةِ اَللَّهِّهُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧].
والآيات في هذا كثيرة جداً ، ولنذكر من الأحاديث ما يُناسب هذا المقام ، وهي مشتملة على
مقاصدَ كثيرةٍ غيرِ هذا الفصل ، وسَنُشير إليها .
وقال ابن أبي الدُّنيا : حدّثنا محمد بن عُثْمان العِجْليّ، حدّثنا أبو أسامةَ، عن مالك بن مِغْوَل ،
عن القاسم بن الوليد في قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا جَمَتِ الطَّمَةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]. قال: حين سيق أهلُ
الجنَّة إلى الْجَنَّة، وأهلُ النَّار إلى النار .
إيراد الأحاديث في ذلك
قال البخاريّ : حدّثنا أبو اليمان ، أخبرنا شُعَيْبٌ ، عن الزهريّ ، أخبرني سَعيد ، وعطاء بنُ يَزِيد،
أنّ أبا هريرة أخبرهما، عن النبيِّ وَل ◌ِ (ح) وحدّثني محمود، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمر، عن
الزهريّ ، عن عطاء بن يزيد اللَّيْنِيّ ، عن أبي هريرة ، قال : قال أُناس : يا رسول الله ، هَلْ نَرَى رَبّنا
يوم القيامة؟ فقال: ((هل تُضارُّون في رؤية الشمس ليس دُونها سَحابٌ؟)) قالوا : لا ، يا رسول الله،
قال : ((هل تُضارُّونَ في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟)) قالوا: لا ، يا رسول الله ، قال :

٣٢٨
كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير
((فإنّكُمْ تَرَوْنهُ يَوْمَ القيامة كذلك، يجمعُ الله الناسَ فيقول: من كان يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتَبَعُ من كان
يَعْبُد الشمس الشمس ، ويتبعُ منْ كانَ يَعْبُدُ القَمرَ القَمَرِ، ويَتبعُ منْ كان يعبُدُ الطواغيت الطّواغيتَ ،
وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول : أنا رَبّكم ، فيقولون:
نعوذُ بالله منك ، هذا مكانُنَا حتّى يَأْتينا رَبُّنا، فإذا جاء رَبّنا عرفناه ، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون،
فيقول: أنا رَيُّكم، فيقولون: أنْتَ رَبُّنَا، فيتبَعُونه ويُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّم)) قال رسول الله وَهُ: ((فأكونُ
أنا وأمتي أوَّلَ منْ يُجيزُ، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودُعاءُ الرُّسُل يومئذٍ: اللهمّ سَلِّم سَلِّم، وفيه
كلاليبُ مثل شَوْكُ السَّعْدان، أما رأيتم شَوْك السّعْدان؟)) قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: ((فإنَّها
مثلُ شَوْك السّعْدانِ ، غيرَ أنّها لا يَعْلمُ قَدْر عِظَمها إلا الله تعالى، فتخْطَفُ النَّاسَ بأعمالهم ، فمِنْهُمْ
المُوبَقُ بعَمله، ومنهمُ الْمُخَردل(١) ، ثم ينجو، حتَّى إذا فرغ اللهُ من القضاء بَيْن عباده ، وأراد أن
يُخْرِجَ من النار منْ أراد أن يُخرجه، ممَّنْ كانَ يَشْهدُ أنْ لا إله إلا الله، أمر الملائكة أنْ يُخْرِجُوهم،
فَيَعْرِفُونَهم بعَلامَةِ آثارِ السّجود ، وحرَّم الله على النار أن تَأْكُلَ منِ ابن آدمَ أثَر السجود ، فيُخْرِجُونهم قد
امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عليهم ماءٌ، يُقال له: ماءُ الحياة، فَيَنْبُتُونَ نباتَ الحِبَّةِ في حَميل السَّيْلِ، ويَبْقَى
رَجُلٌ مُقْبِلٌ بوجْهه على النار ، فيقول: يا رَبّ، قد قشَبَنِي(٢) ريحُها، وأحرقني ذكاؤها٣) ، فاصرف
وَجْهِي عن النار، فلا يزالُ يدعُو اللهَ فيقول : لعلّك إنْ أعْطيتُك ذلك تَسْألني غَيْرَه؟ فيقول : لا ،
وِزّتِكَ لا أسألُكَ غيرَه، فَيَصْرِفُ وَجْههُ عنِ النار ، ثم يقول بعد ذلك: يا رَبّ ، قَرَّبْني إلى بَابِ
الْجِنَّة، فيقول: ألَيْسَ قد زَعَمْتَ ألّا تَسْأَلَني غيرَه؟ ويْلَكَ يا ابن آدم، ما أغْدَركَ ، فلا يزال يَدْعو ،
فيقول : لَعليّ إن أعطيتُك ذلك تسألني غيرَه؟ فيقول: لا ، وِزَّتِكِ، لا أسألُكَ غيرَه، فيُعْطي اللهَ من
عُهودٍ ومَواثِيقَ الَّ يسَأَلَهُ غيرَه، فيُقَرّبه إلى باب الجنَّة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أنْ يَسكُتَ ،
ثمَّ يقول : رَبّ أَدْخلْنِي الْجِنّة، فيقول: أولَيْسَ قد زَعَمْتَ ألّا تَسألني غيرَه؟ وَيْلَكَ يا ابن آدم،
ما أغْدَرَك! فيقول : يا رَبِّ، لا تَجْعَلني أشْقَى خَلْقِكَ، فلا يزال يدعو اللهَ حتى يضْحَكَ الله منه ، فإذا
ضَحِك منه أَذِنَ له بالدخول فيها ، فإذا دَخَلَ فيها قيل له : تَمَنَّ [منْ كذا]، فيتمنّى ، ثم يقالُ له : تمنَّ
من كذا، فيتمَنَّى ، حتّى تَنقطع به الأماني ، فيقول: هذا لك، ومثلُه معه))، قال أبو هريرة : وذلك
الرجل آخرُ أهْلِ الْجَنَّةَ دُخُولاً الْجَنّة. قال: وأبو سعيد الخُدْرُّ جالسٌ مع أبي هريرة لا يُغَيِّر عليه شيئاً
من حديثه، حتى إذا انتهى إلى قوله: ((هذا لك ومثله معه))، قال أبو سعيد: سمعتُ رسول الله وَيل
يقول: ((هذا لك وعَشَرةُ أمثاله))، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا: ((ومثله معه)). وهكذا رواه
(١) المخردل : المصروع المطروح في النار .
(٢) أي آذاني.
(٣) أي التهابها .

٣٢٩
كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير
البخاريّ من حديث إبراهيم بن سَعْدٍ ، عن الزهريّ ، به ، وزاد : فقال أبو سعيد : أشْهَدُ أنِّي حَفِظتُ
من رسول اللهَ وَّل قوله: ((ذَلِكَ لكَ وعَشَرةُ أمثاله)(١). وهذا الإثباتُ من أبي سعيد مُقَدَّمٌ على ما لم
يَحْفَظه أبو هريرة ، حتى ولو نفاه أبو هريرة قدَّمنا إثباتَ أبي سعيد، لمَا معه من زيادة الثَّقَةِ المقبولةِ ،
لا سيَّما وقد تابعه غيرُه من الصحابة ، كابن مسعود ، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى .
وقال البخاريّ: حدّثنا يحيى بن بُكَيْرِ ، حدّثنا اللَّيثُ ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هِلال،
عن زيد ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخُدْريّ ، قال : قلنا : يا رسول الله ، هل نرى رَبَّنا ؟
قال: ((هل تضارُّونَ في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر إذا كانت صَحْواً؟)) قلنا: لا، قال: ((فإنكم
لا تُضارُونَ في رؤية ربكم إلا كما تُضارُونَ في رؤيتهما)» قال: ((ثم ينادي مُنادٍ: لِيَذْهبْ كلُّ قومٍ إلى
ما كانوا يعبدون، فيذهب أصحابُ الصليب مع صليبهم، وأصحابُ الأوثان مع أوثانهم ، وأصحابٌ كُلِّ
آلهةِ مع آلهَتِهِمْ، حتّى لا يَبْقَى إلا منْ كان يَعْبُد اللهَ مِنْ بَرِّ أوْ فَاجِرٍ، وغُبَّرات (٢) من أهل الكتاب، ثم يُؤتى
بجهنم تُعرض كأنها سراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عُزَيراً ابنَ الله، فيقال لهم:
كَذَبْتُمْ، لم يكن لله صاحِبَةٌ، ولا وَلَد، فما تريدون؟ قالوا: نُريد أن تَسْقِيَنا)) قال: ((فيقال: اشْرَبُوا،
فيَاقَطُونَ في جهنّم، ثم يقال للتّصارى : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كُنَّا نَعْبُدُ المسيحَ ابنَ اللهِ،
فيُقال لهم : كذبتم، لم يكن لله صَاحبةٌ ولا وَلَدٌ، فيقال : ما تريدون؟ فيقولون : نريد أن تسْقينا،
فيُقال: اشربوا ، فيَتَساقطُونَ فيها حَتَّى لا يَبْقَى إلا من كان يَعْبُدُ اللهَ تعالى منْ بَرِّ أو فَاجِرٍ ، فيقال لهم:
ما يُجلسكم وقد ذهب الناس ، فيقولون : إن لنا إلهاً كنا نعبده فارقنا الناس ونحن أحوجُ منّا إليه اليوم ،
وإنَّا سَمعنا مُنادياً يُنادي: لِيَلْحِقْ كُلُّ قَوْم بما كانوا يعبدون، وإنّنا نَنْتظرُ رَبَّنَا عزَّ وجلَّ ، قال : فيأتيهم
الجَّارُ عزَّ وجلَّ في صورةٍ غيرِ صورته التي رَأوْهُ فيها أوَّل مَرَّة، فيقول: أنا رَبُّكُمْ، فيقولون : أنْتَ
رَيُّنا، ولا يُكَلِّمُه [ يومئذ] إلّا الأنْبياء، فيقال : هل بينكم وبينه علامة تعرفونها بها ، فيقولون: الساقُ،
فيَكْشِفُ عن ساقِهِ فَيَسْجُد لَهُ كُلُّ مُؤْمن ، وَيَبْقى منْ كان يَسْجُد للهِ رِياءٌ وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْما يَسْجُدَ ،
فيعودُ ظَهْرُه طَبَقاً وَاحِداً، ثم يُؤْتِى بالجِسْر فيُجعل بَيْنَ ظَهْريْ جَهَّم)) قلنا: يا رسول الله ، وما الجِسْر؟
قال: ((مَدْحضةٌ مَزِلَّة، عليه خَطَاطِيفُ وكَلاليبُ، وحَسَكَةٌ مُفْلطَحةٌ لها شَوْكَةٌ عَقيفةٌ(٣) تكونُ بِنَجْدٍ،
يُقالُ لهَا: السَّعْدانُ، المؤمنُ عليها كالطَّرْف، وكالبرق، وكالرّيح، وكأجاويدِ الْخَيْلِ، والرِّكاب ، فناج
مُسَلّم، وناج مَخْدُوش، ومكدوس(٤) في نار جهنم ، حتى يَمُرّ آخِرُهم، يُسْحَبُ سَحْباً، فما أنتم بأشدٌّ
(١) رواه البخاري ( ٦٥٧٣) و(٧٤٣٧).
غُبَّرات ، جمع غُبَّر ، وغُبَّر ، جمع غابر ، وهو الباقي .
(٢)
(٣) أي معقوفة وملويَّة .
(٤) أي مدفوع .

٣٣٠
كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير
لي مُناشدةً في الْحَقِّ ، قد تَبيَّن لكم من المؤمنين يَوْمئذٍ للجَبَّار ، إذا رأوا أنَّهم قد نَجَوْا ، في إخوانهم ،
يقولون : رَبّنا إخوانُنا كانوا يُصلُّون مَعَنا، ويَصُومُون مَعَنا، ويَعْمَلونَ مَعَنا؟ فيقول الله تعالى :
اذهبوا، فمن وجدتُمْ في قلبه مِثْقال دينار من إيمان فأخرجُوهم، ويُحَرِّمُ الله صُوَرَهم على النار،
[فيأتونهم] وبعضهم قد غاب في النار إلى قدميه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخْرِجُونَ منْ عَرفُوا، ثم
يعودون، فيقول: اذْهَبُوا فمنْ وجدْتُمْ في قلبه مِثْقالَ نِصْف دينارٍ ، فأخْرِجُوه ، فيُخْرِجُون منْ عَرفُوا .
ثم يَعُودون ، فيقول: اذْهبُوا فمنْ وَجَدْتُم في قلبه مِثْقَال ذَرَّةٍ من إيمان فأخرجوه، فيُخْرِجُونَ مِنْ عَرفُوا ،
قال أبو سعيد: فإن لم تُصَدّقوني، فاقرؤوا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةٌ يُضَعِفْهَا ﴾
[ النساء: ٤٠] فَيَشْفعُ الشَُّّون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبّارُ عزَّ وجلَّ: بقِيَتْ شَفَاعَتي،
فيَقْبِضُ قَبْضةً، فيُخْرِجُ أقواماً قد امْتَحْشُوا فِيُلْقَوْنَ فِي نَهْرٍ بأفواهِ الجنَّة، يقال له: نهر الحياة، فَيَنْبُتُونَ
في حافَتيه كما تنبت الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيْلِ ، قد رَأيْتُموها إلى جانب الصّخْرَةِ ، وإلى جانب الشَّجَرَةِ ،
فما كانَ إلى الشمس منها كان أخضرَ ، وما كان منها إلى الظِلِّ كانَ أبيضَ ، فَيَخْرِجُون كأنَّهم اللؤلؤُ ،
فيُجْعلُ في رقابهم الخواتيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجنَّةَ، فيقول أهلُ الجَنَّةُ: هؤلاء عُتقاءُ الرَّحْمنِ، أدخَلَهُم
الجنة بِغَيْرِ عملٍ عَمِلُوه ، ولا خَيْرٍ قَدّموه ، فيقال لهم: لكُمْ ما رأيتُم ومِثلُه معه(١).
وقال مسلم : حدّثنا عُبَيد الله بن سعيد، وإسحاق بن منصور، كلاهما عن رَوْح، قال عُبَيْدُ الله :
حدّثنا رَوْحِ بنُ عُبَادَةَ القَيْسيّ ، حدّثنا ابن جُرَيْج ، أخبرني أبو الزُّبَيْر : أنّه سمع جابر بن عبد الله يسأل
عن الورود ، فقال: نجيءُ نحنُ يوم القيامة عن كذا وكذا - انظر: أيْ ذلك فوق الناس (٢) - قال: فَتُدْعى
الأمم بأوثانها، وما كانت تَعْبُد، الأول فالأول، ثمَّ يأتينا رَبُّنا بعد ذلك فيقول: من تنتظرون ؟ فيقولون :
ننتظر رَبّنا، فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولون: حتَّى نَنْظُرَ إليكَ، فَيَتَجَلَّى لهم، يَضْحَكُ)) قال: ((فينطلق
بهم، ويَتَّعُونه، ويُعْطِى كلّ إنسان منهم منافقٍ ، أو مؤمنٍ نُوراً، ثم يتّبعونه . وعلى جسر جَهنّم
كَلالِيبُ، وحَسَكٌ، تَأْخُذُ منْ شاءَ اللهُ، [ثم] يُطْفأ نور المُنافقين، ثم يَنْجو المؤمنون، فَتَنْجو أوَّلُ زُمْرةٍ،
وجوهُهُم كالقمر ليلة البدر، سَبْعُونَ ألفاً لا يُحاسَبُونَ، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، كأضْوأْ نَجْم في السماء ، ثم
(١) رواه البخاري رقم ( ٧٤٣٩) .
(٢) جاء في ((شرح صحيح مسلم)) للإمام النووي (٣٦٩/١) طبع دار العلوم الإنسانية بدمشق ما نصه: ((هكذا وقع هذا
اللفظ في جميع الأصول من ((صحيح مسلم)) واتفق المتقدمون والمتأخرون على أنه تصحيف وتغيير واختلاط في
اللفظ. قال الحافظ عبد الحق في كتابه: هذا الذي وقع في ((كتاب مسلم)) تخليط من أحد الناسخين، أو كيف
كان. قال القاضي عياض: هذه صورة الحديث في جميع النسخ، وفيه تغيير كثير وتصحيف، قال: وصوابه:
نجيء يوم القيامة على كوم، هكذا رواه بعض أهل الحديث، وفي كتاب ابن أبي خيثمة من طريق كعب بن مالك:
((يحشر الناس يوم القيامة على وتلُّ وأَمتي على وتلِّ)). وذكر الطبري من حديث ابن عمر: فيرقى هو - يعني
محمداً - وأمته على كوم فوق الناس. وانظر بقية كلامه عليه هناك.

٣٣١
كيفية تفرق العباد عن موقف الحساب وما إليه أمرهم يصير
كذلك ، ثم تَحلّ الشَّفَاعةُ، فيشفعون، حتَّى يخرُج من النار منْ قال : لا إله إلا اللهُ، وكان في قلبه من
الْخَيْرِ ما يَزِنُ شَعيرةَ، فَيُجْعَلُونَ بِغِناءِ الْجِنَّة، ويَجعْلُ أهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُونَ عليهم الماءَ، حتَّى يَتْبُوا نَبَاتَ
الشَّيْءٍ في السَّيْل، وَيَذْهبُ حُراقُه ثم يَسألُ حتَّى تُجْعلَ لَهُ الدُّنيا، وعَشَرةُ أمثالها معها١) .
وقال مسلم : حدّثنا محمد بن طَريف بن خَلِيفَة البَجَليّ ، حدّثنا محمد بن فُضَيْل ، حدّثنا أبو مالك
الأشْجَعيّ ، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ، وأبو مالك، عن رِبْعيٍّ، عن حُذَيْفَةَ ، قالا: قال
رسول الله ريه: (( يَجْمَعُ اللهُ تعالى الناس، فيقوم المؤمنون حين تُزْلَفُ لَهِمُ الْجنّة، فيأْتُون آدمَ،
فيقولون : يا أبانا ، استفتح لنا الجنَّة ، فيقول : وهل أخرجكم من الجنَّةِ إلّ خطيئةُ أبيكم آدم ؟ لستُ
بصاحب ذلك، اذْهَبُوا إلى ابني إبراهيم، خليلِ اللهِ)) قال: ((فيقول إبراهيم عليه السلام : لست
بصاحب ذلك ، إنّما كنتُ خَليلاً من وراءَ وراءَ ، اغْمِدوا إلى موسى الذي كلمه الله تكليماً ، فيأتون
موسى عليه السلام فيقول : لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى ، كلمة الله ورُوحه ، فيقولُ عيسى
*: لستُ بصاحب ذلك، اذهبوا إلى محمد فيأتون محمداً وَ ﴿ه فيقوم ويُؤْذَن له، وتُرْسلُ الأمانةُ
والرَّحِمُ، فَيَقُومانِ جَنَبَتَي الصِّراطِ يميناً وشمالاً، فَيَمرُّ أوَّلُكُم كَالْبَرْقِ)) قال: قلت: بأبي أنْتَ وأمِّي ،
أيُّ شيءٍ كمَرِّ البرق؟ فقال: ((ألم تَرَوْا إلى البرق، كيفَ يَمُرّ، ويَرْجعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ ؟ ثُمّ كَمَرٌ
الريح، ثم كمَرُّ الطَّيْرِ، وشَدِّ الرجال(٢)، تجري بهمْ أعمالُهم، ونبيكم قائم على الصراط ، يقول :
رَبِّ سلِّمْ سلِّمْ ، حتّى تَعْجِزَ أعمالُ العِباد ، حتى يَجِيء الرَّجُلُ فلا يستطيع السَّيْر إلّا زَحْفاً)»، قال:
((وفي حافَتي الصِّراط كَلاليبُ مُعلَّقَةٌ مأمورةٌ تَأْخُذُ مِنْ أُمِرَتْ به، فمَخْدوشٌ نَاجٍ ، ومكدوس في النار »
والذي نَفْسُ أبي هريرة بيده ، إنَّ قَعْرَ جَهنَّم لَسَبِعُونَ خريفا٣ً) .
وقال ابن أبي الدنيا: حدّثنا أبو خَيْئمة، حدّثنا عفَّانُ بن مسلم، حدّثنا حمَّادُ بن سَلَمة ، عن
عليّ بن زيد، عن عُمَارة القرشيّ، عن أبي بُرْدً، عن أبي موسى الأشْعَريّ ، قال: قال
رسول الله ◌َّهُ: ((يَحْشُرُ اللهُ الأممَ في صعيدٍ واحدٍ، فإذا أراد أن يَصْدَعَ بَيْنَ خَلْقِهِ مَثَّلَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما كانُوا
يَعْبُدُون، فَيَتَبِعُونَهُمْ حتى يُقْحَمُونهم النار ، ثم يأتينا ربّنا ، ونَحْنُ في مكان رفيعٍ ، فيقول : ما أنتم ؟
فنقول : نحنُ المسلمون ، فيقول : ما تَنْتَظرون؟ فنقول : ننتظر رَبَّنا ، فيقول : هل تعرفونه إن
رأيتموه ؟ فنقول: نعم، فيقول: وكيف تعرفونه ولمْ تَرَوْهُ؟ فنقول: إنه لا عَدْل لهُ، فيتَجَلَّى لَنَا
ضاحِكاً، فيقول: أبشرُوا مَعْشَرَ المُسلمين، فإنَّه ليس منكم أحدٌ إلا قد جَعَلْتُ مكانَهُ في النّار يَهُودياً ،
أو نَصْرانيّاً ».
(١) رواه مسلم رقم (١٩١).
(٢) شد الرجال : أي جريهم وسرعتهم في العدو .
(٣) رواه مسلم رقم (١٩٥).

٣٣٢
ذكر الصراط
وهكذا رواه الإمام أحمد ، عن عبد الصمد ، وعفّان ، عن حمَّاد بن سَلَمة ، به مثله، ولم يخرجه
أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه (١) ولكن روى مسلم من حديث سعيد بن أبي بُرْدً وعونٍ بن
عبد الله بن عُتْبة، عن أبي بُرْدة، عن أبيه أبي موسى الأشعريّ، عن رسول الله وَ لَه: أنّه قال:
((لا يموتُ رجلٌ مُسلم إلا أدخَلَ اللهُ مكانَه النَّارَ يَهُوديّاً أو نَصْرَانيّاً)(٢).
فصل
في ذكر الصراط ، غير ما ذكر آنفاً من الأحاديث الصحيحة
ثم ينتهي الناس بعد مُفارقتهم مكانَ الموقف إلى الظُلمة التي دُونَ الصِّراط ، وهو جسر على جهنّمَ
كما تقدّم عن عائشة: أن رسولَ اللهِ وَ طَرَ سُئل: أين يكون الناسُ يوم تُبَدَّلُ الأرْضُ غيرَ الأرض
والسموات؟ فقال: ((هم في الظُلْمةِ دون الْجِسر)(٣) .
وفي هذا الموضع يميز المنافقون عن المؤمنين ، ويتخلّفون عنهم ، ويَسْبقُهم المؤمنون ، ويُحالَ
بينهم وبينهم بسُورٍ يَمْنَعُهُمْ منَ الوصول إليهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ
يَوْمَ يَقُولُ اُلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ
أَيْدِيِهِمْ وَبِأَنْفَتِ بُشْرَئِكُمُ الْيَوْمَ جَنَّتٌ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَالِدِينَ فِيَأْ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْظُرُونَا نَقْنَِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ آَرْجِعُواْ وَرَآَكُمْ فَالْتَمِسُوْ نُورَّ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِئُ فِهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
الْعَذَابُ ﴿ يُنَادُونَهُمْ أَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ حَّى جَآءَ أَمْرُ اَللَّهِ وَغَزَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُوُ (١٦) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَنَّكُمُ النَّارِ هِىَ مَوْلَنَكُمْ وَيِنْسَ الْمَصِيرُ﴾ [ الحديد: ١٢-١٥].
وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَلِّ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَثْمِمْ
لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّاًّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ التحريم: ٨].
وقال الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ رحمه الله، في كتاب ((الأفراد )) : حدّثنا محمد بن مخلد بن
حقْص، ومحمد بن أحمد المَطِيري(٤) ، قالا : حدثنا محمد بن حمزة بن زياد الطُّوسيّ ، حدّثنا أبي ،
حدّثنا قَيْس بن الرَّبيع، عن عُبَيْدِ المُكتِب، عن مُجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَليار :
((جهنَّم مُحيطةٌ بالدُّنيا [والجنة من ورائها]، ولذلك صار الصراط على جهنم طريقاً إلى الجنة)). ثم
قال : غريب من حديث مُجاهد عن ابن عمر ، لم يَرْوه عن عُبَيْد المُكْتب ، غيرُ قَيْس وتفرَّد به حمزة بن
زياد ، عنه .
(١) رواه أحمد في المسند (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨) عن حسن بن موسى وعفان ، وإسناده ضعيف .
(٢) رواه مسلم رقم ( ٢٧٦٧) .
(٣) رواه مسلم رقم (٣١٥) من حديث ثوبان بلفظه، وروي عن عائشة بمعناه .
(٤) في (آ) : المطري.

٣٣٣
ذكر الصراط
وقال البيهقيّ : حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا محمد بن صالح بن هانئ ، والحسن بن
يعقوب ، وإبراهيمُ بن عِصْمة ، قالوا : حدثنا السَّريُّ بنُ خُزَيْمَةَ ، حدّثنا أبو غَسَّان مالك بن إسماعيل
النَّهْديُّ، حدّثنا عبد السلام بنُ حَرْب ، حدّثنا يزيدُ بن عبد الرحمن ، أبو خالد الدّالانِيُّ، حدّثنا
المِنْهالُ بن عَمْرو ، عن أبي عُبَيْدة، عن مسروق، عن عبد الله [ بن مسعود ] قال: ((يَجْمعُ اللهُ الناسَ
يوم القيامة فينادي مُنادٍ : يا أيُّها الناس ، ألَمْ تَرْضَوْا من رَبِّكم الذي خلقكم ، وصَوّركم ، ورزقكم أن
يُؤَلِّيَ كلَّ إنسانٍ منكم منْ كانَ يَتَولَّى في الدنيا؟)) قال: ((فَيُمثَّل لِمَنْ كان يَعْبُد عُزيراً شَيْطانُ عُزَيْرٍ ،
حتَّى تُمَثَّل لَهُمُ الشَّجَرةُ والعُودُ والْحجَرُ وغير ذلك، ويَبْقَى أهْل الإسلام جُنوماً ، فيقال لهم: ما لكم
لم تَنْطلقوا، كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنَا رَبّاً ما رأيناه بَعْدُ)) قال: ((فيقال: فبِمَ تعرفون رَبَّكم
إنْ رأيتموه؟ قالوا: بَيْننا وَبَيْنَهُ عَلامةٌ [إنْ رَأْيِناهُ عَرَفناهُ ] قيل: وما هي؟ قالوا: يَكْشفُ عن سَاقٍ))
[ قال: ((فيكشف عند ذلك عن ساق])) قال: ((فيَخرُّ منْ كانَ يَعْبُدُهُ ساجداً ويبقَى قومٌ ظهورهم
كصَياصي البَقَر ، يُريدون السجود فلا يستطيعون، ثم يُؤْمَرُونَ فَيَرفَعُون رؤوسهم ، فيُعْطَوْنَ نُورَهم على
قَدْر أعمالهم)) قال : ((فمِنهم منْ يُعْطَى نُوره مثل الْجَبَل بَيْن يَدَيْه ، ومنهم منْ يُعْطى نورَه فوق ذَلك ،
ومنهم من يُعْطَى نُورَه مثلَ النّخْلَةِ بِيَمِينِهِ ، ومنهم يُعْطِى [ نوره ] دُونَ ذلك بيمينه، حتّى يكُونَ آخِرُ من
يُعْطى نورَه على إبهام قَدَمِهِ ، يُضيءُ مَرَّةً وَيَطفأُ مَرَّةً، إذا أضاء له قدَّم قدَمه، وإذا طَفىْ قامَ )) قال :
((فَيَمُزُّونَ على الصِّراط، والصراط كحَدِّ السيف، دَحْضٌ مَزَلّةٌ، فيقال لهم: امضُوا عليه على قدر
نوركم ، فمنهم من يَمُرّ كانقضاض الكوكب ، ومنهم من يَمُرّ كالريح ، ومنهم من يَمُرّ كالطَّرْف ، ومنهم
من يمُّ كَشَدّ الرَّجُل، ومنهم مَنْ يَرْمُلُ رَمَلاً، فَيَمرّون على قدر أعمالهم، حتّى يَمُرّ الذي نورُه على
إبهام قدمه ، تَخْرُ [يَد ] وَتَعْلَقُ يَدٌ، وتَخرُ رِجْلٌ، [وتعلَق، رِجْلٌ وتُصيبُ جَوانبهُ النَّارُ)) قال:
((فيَخْلصُون، فإذا خَلَصُوا قالوا : الحمدُ للهِ الذي نَجَّانا مِنكِ بَعْد الّذي أرانَاكِ، لقد أعطانا اللهُ ما لمْ
يُعْطِ أحداً)) .
قال مسروق : فما بلغ عبدُ الله هذا المكان من هذا الحديث إلَّ ضحك ، فقال له رجل :
يا أبا عبد الرحمن ، لقدْ حَدّثْتَ بهذا الحديث مِراراً، كُلَّما بَلَغْتَ هذا المكانَ مِنْ هذا الحديث
ضَحِكْتَ؟ فقال عبد الله: سمعتُ رسولَ الله وَيهِ يُحدِّثُه مِرَاراً، فما بَلَغ هذَا المكانَ منْ هَذا الحديث إلّ
ضحكَ، حتى تَبْدُوَ لَهَواتُه، ويَبْدُو آخِرِ ضِرْس منْ أضْرَاسِهِ ، لقول الإنسان : أتَهزأ بي وأنْتَ رَبُّ
العالمين؟ فيقول: ((لا ، ولكنِّي على ذَلِك قادِرٌ )) .
قال البيهقيّ : هكذا وجدتُه في كتابي .
وقد رواه غيرُه ، فذكر آخِرَ من يَدْخُلِ الْجَنَّة، وقوله [تعالى له]: يا ابن آدم، أيُرْضيكَ أنْ

٣٣٤
ذكر الصراط
أَعْطيكَ الدُّنْيا ومِثْلَها مَعَها ؟ فيقول : أتهزأ بي وأنْتَ رَبُّ العالمين [ قال ابن مسعود : فيقول الله
سبحانه : لا ، ولكني على ذلك قادر ](١).
وقد أورده البَيْهقيُّ بعد هذا من حديث حمّاد بن سَلَمةَ ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن
مسعود ... فذكره موقوفاً .
وقال البيهقيّ : حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو العباس ، محمد بن يعقوب ، حدّثنا محمد
ابن إسحاق ، حدّثنا منصور بن أبي مُزاحم ، حدّثنا أبو سعيد المُؤَدِّب ، عن زياد النُّمَيريّ ، عن أنس بن
مالك : سمعتُ النبيَّ وَّهِ يقول: ((الصِّراطُ كحَدّ الشَّعْرَةِ، أو كَحدِّ السَّيْف، وإنَّ الملائكةَ يُنَّجُونَ
المُؤْمنينَ والمُؤْمنات ، وإنّ جِبْرِيلَ عليه السلام لآخذٌ بحُجْزَتِي، وإنِّي لأقول : يا رَبِّ سلِّم، سَلِّم ،
فالزالُونَ، والزالَّاتُ يَوْمئذٍ كَثِيرٌ)) ، ثمّ روى البيهقيّ من حديث سعيد بن زَرْبِيّ، عن يزيد الرَّقاشيّ،
عن أنس ، مرفوعاً، نحو ما تقدّم بأبسط منه، وإسناده ضعيف ، ولكن يَتَقَوَّى بما قبله ، والله أعلم .
وقال الثوري : عن حُصين ، عن مجاهد ، عن جُنادَةَ بن أبي أُمَيَّة ، قال : إنكم مكتوبون عند الله
بأسمائكم ، وسِيماكُمْ، وحُلاكُمْ، ونَجْواكُمْ ، ومَجالِسكُمْ ، فإذا كان يومُ القيامة قيل : يا فلان ، هذا
نُورُك، يا فلان، لا نورَ لك، وقرأ: ﴿ يَسْعَى ثُورُهُم بَيْنَ أَبْدِهِمْ وَبِأَتْمَتِهِمِ﴾ [الحديد: ١٢] وقال الضحّاك:
ليس أحدٌ إلّا يُعْطَى يومَ القِيَامَةِ نُوراً، فإذَا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ طَفى نُورُ المُنافقين، فلمّا رأى ذلك
المؤمنون أشْفَقُوا أنْ يَطْفَأَ نُورُهم، كما طَفِئ نورُ المُنافقين فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَأَغْفِرْ لَنَّأَّ إِنَّكَ عَلَى
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨].
وقال إسحاق بن بِشْر أبو حُذَيْفةً : حدّثنا ابنُ جُرَيْج ، عن ابن أبي مُليْكةَ ، عن ابن عباس ، قال :
قال رسول الله وَلجر: ((إنَّ الله يَدْعو الناسَ يوم القيامة بأسمائهم سَتْراً منه على عباده، فأمَّا عند الصراط
فإنَّ اللهَ يُعْطِي كُلَّ مؤمنٍ نُوراً، وكُلَّ مُنافقٍ نُوراً، فإذا اسْتَوَوْا على الصراط سَلَب اللهُ نورَ المُنافقين ،
والمنافقات ، فقال المنافقون والمنافقات للمؤمنين: ﴿ أَنْظُرُونَا نَفَْيِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وقال
المؤمنون: ﴿ رَبََّا أَتْمِمْ لَنَا نُرَنَا﴾ [التحريم: ٨] ولا يذكر عند ذلك أحدٌ أحداً)(٢).
وقال ابن أبي حاتم : حدّثنا أبو عُبَيْد الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمِّي ، أنبأنا يزيد بن
أبي حَبيب (٣)، عن سعد بن مسعود: أنّه سمع عبد الرحمن بن جُبَيْر، يُحدّث أنّه سمع أبا الدّرداء،
وأبا ذَرّ يُخْبران، عن النبيّ ◌َ ◌ّه قال: ((أنا أوّلُ منْ يُؤْذَنُ لهُ يوم القيامة في السجود، وأوَّلُ منْ يُؤَذنُ له في
(١) رواه مسلم رقم ( ١٨٧).
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١١٢٤٢)، وإسحاق بن بشر أبو حذيفة، متروك .
(٣) فى هذا الإسناد تخليط ، فإن الحافظ عبد الله بن وهب لم يدرك يزيد بن أبي حبيب .

٣٣٥
ذكر الصراط
رفع رأسه ، فأنْظُر مِنْ بين يديّ ، ومنْ خَلْفي ، وعن يميني ، وعن شمالي ، فأعرف أمّتي من بين
الأمم )) فقال له رجل : يا رسول الله كيف تَعْرفُ أمَّتكَ من بين الأمم ما بَيْنَ نوح إلى أمَّتك ؟ قال :
((أعرفهم، مُحجَّلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحدٍ من الأمم غيرِهم ، وأعرفهم يُؤْتَون كُتُبُهمُ
بأيمانهم ، وأعرفهم بسيماهم ، ووجُوهم، وأعرفُهم بنُورِهم يَسْعَى بين أيديهمْ وذُرِّيّتهمْ)).
وقال ابن أبي حاتم : [حدّثنا أبي]، حدّثنا عَبْدةُ بن سُلَيْمانَ، حدّثنا ابن المبارك ، حدّثنا
صفوان بن عمرو ، حدّثني سُلَيْم بن عامر ، قال: خرجنا على جنازةٍ في باب دِمَشْقَ ، ومعنا أبو أُمامةَ
البَاهليّ ، فلمّا صُلِّيَ على الجنازة، وأخذُوا في دَفْتها، قال أبو أُمَامة: أيُّها الناس، إنّكم قد أصْبَحْتُمْ
وأَمْسَيتُم في منزلٍ ، تَقتسمون فيه الْحَسَناتِ والسَّيئاتِ ، وتُوشكونَ أن تَظعَنُوا منه إلى مَنْزِلٍ [ آخر ]،
وهو هذا، يُشيرُ إلى القبر، بَيْت الوحدة، وبَيْت الظُّلْمة، وبيْت الدُّودِ، وَبيت الضِّيق، إلا ما وسَّع
الله سبحانه ، ثم تَنتقِلُون منه إلى مَوَاطنِ يَوْم القيامة ، فإنكم لفي بعض تلك المواطن حتى يَغْشَى الناسَ
أمرٌ من أمر الله، فَتبيضُّ وُجُوه، وتَسْودّ وجوه، ثم تَنْتقلُونَ منه إلى منزل آخر، فَيَغْشَى الناسَ ظُلْمةٌ
شَديدةٌ، ثم يُقْسَمُ النور، فيُعْطَى المؤمن نُوراً، ويُتْرِكُ الكافر، والمنافق، لا يُعْطَيانِ شيئاً ، وهو المثَلُ
الذي ضَرَبَهُ اللهُ في كتابه: ﴿وَمَن لَّ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًّا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴾ [ النور: ٤٠] ولا يَسْتضيءُ الكافرُ،
والمنافق، بنور المؤمن كما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمَى بِبَصَرِ البَصِير، ويقول المنافقون ﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا
نَقْنَبِسْ مِن نُوْرِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ وَرَآَكُمْ فَالْتَِّسُوا نُورًا ﴾ [الحديد: ١٣] وهي خُدْعُ اللهِ التي خَدَع بها المُنافقين، حيث قال:
﴿ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] فيرجعون إلى المكان الذي قُسم فيه النُّور، فلا يجدون
شيئاً ، فَيَنْصرفون إليهم، وقد ضرب ﴿يَتِنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاطِنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ... ) الآية
[الحديد: ١٣] يقول سُلَيْم بن عامر: فما يزال المنافق مُغْترّاً حتى يُقْسم النور، ويَمِيزَ اللهُ بين المؤمن
والمنافق (١).
وقال ابن أبي حاتم : [ حدّثنا أبي]، حدّثنا يحيى بنُ عُثْمان، حدّثنا أبو حَيْوةَ، حدّثنا أرْطَاةُ بنُ
الْمُنْذر، حدّثنا يوسف بن الحجّاج ، عن أبي أمامة ، قال : تبعث ظُلْمةٌ يوم القيامة ، فما منْ مؤمن ،
ولا كافر ، يرى كفّه حتى يَبْعَثَ اللهُ النُّورَ إلى المؤمنين ، على قدر أعمالهم ، فَيَتْبَعُهُم المنافقون ،
فيقولون للمؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَفْتَيِسْ مِن ذُوِكُمْ﴾(٢).
وقال الحسن ، وقتادة، في قوله تعالى: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابُ بَاِتُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ مِن قِبَلِهِ
اُلْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣] قالا: هو حائط بين الجَنّة والنار، وقال ابن أسْلَم: هو الذي قال الله:
(١) وهو حديث صحيح .
(٢) وإسناده ضعيف .

٣٣٦
ذكر الصراط
وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦]. وهذا هو الصحيح، وما رُوي عن عبد الله بن عمرو ، وكَعْب
الأحبار : عن كُتب الإسرائيليِّين ، أنّه سورُ بَيْتِ المقدس ، فضعيف جدّاً، فإنْ كان أراد المُتكلّم بهذا
ضَرْب مِثَالٍ وَتَقْرِيباً للمُغَيَّبِ بالشاهد ، فقَريبٌ ، ولعله مرادهما، والله أعلم .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثني الرَّبيعُ بن ثعلب ، حدّثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن مُطْعِم بن
المِقْدام الصَّنْعانيّ ، وغيره ، عن محمَّد بن واسع ، قال : كتب أبو الدَّرداء إلى سَلْمان: يا أخي، إيّاكَ
أن تَجْمع من الدُّنيا مالا تُؤدِّي شُكْرَه، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ وَهَ يقول: ((يُجاء بصاحب الدُّنيا أطاعَ
اللهَ فيها، ومالُهُ بَيْن يَدَيْه كلّما تَكَفّأْ بِهِ الصراط قال له مالُهُ: امْضٍ، فقدْ أَذَّيْتَ حَقَّ اللهِ فِيَّ)) قال: (( ثم
يُجاءُ بصَاحب الدُّنيا الذي لم يُطع اللهَ فيها، ومالهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كُلَّمَا تَكَفَّأْ بِهِ الصِّراطُ ، قال له ماله :
ألا أدّيْتَ حَقَّ اللهِ فِيَّ ؟ فلا يزال كذلك حتى يَدْعو بالوَيْل والنُور)(١) .
وعن عُبَيْد بن عُمَيْر أنّه كان يقول : أيُّها الناس، إنّه جسرٌ مَجْسُور أعلاه دَحْض مَزَلّة، مرَّ الأولُ
فنجا، ومَّ الآخِرُ ، فناج ومخدوشٌ، والملائكةُ على جَنَبَاتِ الْجِسْر يقولون : رَبِّ سلّم سَلِّم ، قال :
وإنَّ الصّراط مثلُ السَّيْفَ، على جِسر جَهنّم ، وإنَّ عليه كَلالِيبَ وحَسَكاً ، والذي نفسي بيده إن تلك
الكلاليب والحسك لأعرف بالمارِّين عليها ومن تأخذه منهم ومن تخدشه من الرجل بصاحبه وصديقه .
والذي نفسي بيده إنّه لَيُؤخذُ بالكَلُّوب الواحدِ أكْثَرُ من ربيعةَ ، ومُضَر . رواه ابن أبي الدنيا .
وعن سعيد بن أبي هلال ، قال : بلغنا أنّ الصِّراط يومَ القيامة وهو الجِسْرُ يكون على بَعْضِ الناس
أدقّ من الشّعر ، وبَعْضِ الناس مِثْلَ الوادي الواسع . رواه ابن أبي الدُّنيا . وهذا الكلام صحيح إن شاء
الله .
وقال غيره : بلغني أن الصراط إنما يراه أدقّ من الشَّعْرة، وأحدَّ من السيف ، الهالك الذي ليس
بناجٍ ، ويكون على بعض الناس أوسع من القاع والميدان المتَّسع ، يمضي عليه كيف شاء .
وقال ابن أبي الدنيا أيضاً : حدّثنا الخليلُ بن عمرو، حدّثنا ابن السَّمَّاك الواعظ الزاهد ، قال :
بلغني أنّ الصِّراط ثلاثةُ آلاف سنةٍ ، ألفُ سنةٍ يصعد الناس عليه ، وألفُ سنة يَسْتوي الناسُ على ظهره ،
وألف سنة يَهْبطُ الناس .
وقال آخر : مَنْ وسَّع على نفسه الصراط في الدنيا، ضاق عليه صراط الآخرة، ومن ضيَّق على
نفسه الصراط في الدنيا ، وسّع له الصراط في الآخرة .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا علي بن الْجَعْد، حدّثنا شَريكٌ، عن أبي قتادةَ ، عن سالم بن
(١) وفي إسناده ضعف .

٣٣٧
ورود الناس جهنم
أبي الْجَعْد، قال: إن لِجَهنّم ثَلاثَ قَناطرَ، قنطرة عليها الأمانة، وقنطرة عليها الرَّحِم، وقنطرة اللهُ
عليها ، وهي المِرْصادُ، فمن نجا من هاتين لم ينجُ من هذه، ثم قرأ: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ ﴾
[ الفجر : ١٤ ] .
وقال عبيد [الله] بن العَيْزارِ: يُمَدُّ الصِّراطُ يوم القيامة بين الأمانة، والرَّحِمِ ، ويُنادي مُنادٍ :
ألا من أدَّى الأمانةَ، ووَصَل الرَّحِمَ ، فَلْيَمضِ آمناً غيرَ خائف . رواه ابن أبي الدنيا .
وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة الفضيل بن عياض قال : بلغني أن الصراط مسيرة خمسة عشر
ألف سنة ، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف استواء على ظهره، وخمسة نزول، وهو أدقُّ من
الشَّعَر ، وأحدُّ من السيف ، على متن جهنم ، لا يجوزه إلا كل ضامر مهزول من خشية الله سبحانه ، ثم
یبکي الفضیل رحمه الله .
وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا محمد بن إدريس، حدّثنا أبو تَوْبة الرَّبيعُ بن نافع الْحَلبيّ ، حدّثنا
مُعاويةُ بن سَلَّم ، عن أخيه زيد بن سَلام: أنه سمع أبا سَلّم ، حدّثني عبدُ الرحمن ، حدّثني رجل من
كِنْدَة ، قال : دخلتُ على عائشةَ ، وبيني وبينها حجابٌ ، فقلت : إنّ في نفسي حاجةٌ لم أجد أحداً
يشفيني منها ، قالت : ممّنْ أنت ؟ قلت : من كِنْدة ، قالت : منْ أيِّ الأجناد أنت ؟ قلت : من أهل
حِمْص، قالت: ماذا حَاجَتُك؟ قلت: أَحَدَّثَكِ رسولُ اللهِ وَِّ: أنّه سيأتي عليه ساعةٌ يوم القيامة
لا يَمْلكُ فيها لأحدٍ شَفاعةً ؟ قالت : نعم ، لقد سألتُه عن هذا، وأنا وهو في شِعارٍ واحد ، فقال :
((نعم ، حين يُوضَعُ الصِّراطُ لا أمْلِكُ لأحدٍ شيئاً حتّى أعلمَ أيْنَ يُسْلَكُ بي، وحين تَنْيَضُ وجوهُ وتَسْودٌ
وُجوهٌ، حتَّى أَنْظُرَ ما يُفْعلُ بي، وعند الجسر حتى يَسْتَحدَّ وَيَسْتَحرَّ)) قلت: وما يستحدُّ ويستحرُ؟
قال : ((يَسْتحدّ حتى يكونَ مثلَ شَفْرَةِ السَّيْفِ، ويستحرُ حَتَّى يكون مثل الْجَمْرة، فأمّا المؤمن ، فيُجيزُ
لا يَضُرّه، وأما المنافق فيتعَلّقُ حتى إذا بلغ أوْسَطه حَزَّ فِي قَدَمَيْهِ، فيهوي بيديه إلى قدميه)) قال: ((هل
رأيتِ من يَسْعى حَافياً فتأخذُه شَوْكةٌ حتى تكاد تُنْفِذُ قَدَمَيْهِ ؟ فإنّه كذلك يهوي بيده ورأسه إلى قدميه ،
فَتَضْرِبِهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِه، وقَدَمَيْه، فيقْذَفُ به في جهَنّم يَهْوي فيها مِقْدَارَ خَمسينَ عاماً)»
فقلت: ما يَثْقُلُ الرَّجُلُ، قالت: بل يثقْل ثِقَلَ عَشْرِ خَلِفاتٍ (١) سِمَانٍ، فَيَوْمئذٍ ﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ
فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْدَاءِ﴾ [ الرحمن: ٤١]. غريب.
فضل
قال الله تعالى: ﴿ فَوَرَيِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَطِينَ ثُمَّ لَتُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِئِيًّا (٧) ثُمَّ لَنَفْرِعَرَجَ مِن كُلِّ
(١) الخَلِفات، جمع خَلِفة ، وهي الناقة الحامل.

٣٣٨
ورود الناس جهنم
شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِنْيَا (٢) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا () وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا
ثُمَّ ◌َُِّى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِئِيًّا﴾ [مريم: ٦٨ - ٧٢] أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أنّه سيجمعُ بني
آدم مما كان يطيع الشياطين ويعبدها مع الله عزَّ وجلَّ، ويطيعها فيما تأمره به من معاصي الله عزَّ وجلَّ ،
فإن طاعة الشياطين هي عبادتها ، فإذا كان يوم القيامة جمع الشياطين ومن أطاعهم ، وأحضرهم حَوْل
جهنّم جئياً، أي جُلُوساً على الرُّكَب، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلّ أُمٍَّ جَائِيَّةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَّ إِلَى كِنَبِهَا﴾
[الجاثية: ٢٨] وعن ابن مسعود: قِياماً، وهمْ يُعاينُون هَوْلها، وبَشاعة منظرها، وقد جَزموا أنّهم
دَاخلُوها لا محالةَ، كما قال تعالى: ﴿ وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾
[الكهف: ٥٣ ] وقال تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]
وقال تعالى: ﴿إِذَا رَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا (١) وَإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْاْ هُنَالِكَ
ثُبُورًا ﴿ لَّا نَدْعُوْ اَلْيَوْمَ ثُبُورًا وَحِدًا وَأَدْعُواْ ثُبُورًا كَثِيرً ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ
لَهُمْ جَزَاءُ وَمَصِيرًا (﴿ لَُّمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَلِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَّسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٢ - ١٦]. قال
تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ لَا ثُمَّ لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿﴿ ثُمَّ لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيٍِ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [ التكاثر: ٦ -٨].
ثم أقسم تعالى أنَّ الخَلْقِ كُلَّهم سَيرُدُون جَهَنّم، فقال تعالى: ﴿ وَإِن مِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا
مَّقْضِيًّا﴾ [ مريم: ٧١] قال ابن مسعود: قَسَماً وَاجباً .
وفي (( الصحيحين)) من حديث الزهريّ ، عن سعيد بنِ المُسيّب ، عن أبي هريرة ، أنّ
رسول الله وَّ قال: ((منْ ماتَ لَه ثلاثةٌ منَ الولدِ لم تمسَّه النار إلا تحلّةَ القَسَم)( ١).
وروى الإمامُ أحمد ، عن حسن ، عن ابن لَهيعة ، عن زَّان بن فائد ، عن سهل بن مُعاذ بن أنس ،
عن أبيه: أنَّ رسول الله وَّهِ قال: (( منْ حَرَسَ منْ وراءِ المُسْلمين مُتطوعاً لا بِأجْرِ سُلْطَانٍ ، لم يرَ النارَ
بعَيْنِيه إلّا تحِلَّةِ القَسَم)) قال الله تعالى: ﴿ وَإِن ◌ِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ ... وذكر تمام الحديث(٢).
وقد اختلف المفسّرون في المراد بالورود ما هو ؟ والأظهرُ كما قرّناه في ((التفسير)) أنّه المرور
على الصراط، والله أعلم، كما قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَُّجِى الَّذِينَ آَتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيَهَا جِئِيًّا﴾ [ مريم: ٧٢].
وقال مجاهد: الحُمَّى حظُ كلِّ مؤمنٍ منَ النار ، ثم قرأ: ﴿ وَإِنِ يِّنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [ مريم: ٧١].
ج
وقد روى ابن جرير في ((تفسيره)) حديثاً يُشبه هذا، فقال : حدّثني عِمْرانُ بنُ بِكَّار الكَلاعيّ ،
حدّثنا أبو المُغيرة ، حدّثنا عبد الرحمن بنُ يزيد بن تميم ، حدّثنا إسماعيلُ بن عبيد الله ، عن
(١) رواه البخاري رقم (٦٦٥٦) ومسلم (٢٦٣٢) بلفظ: ((لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسّه النار
إلا تحلّة القسم )) .
(٢) رواه أحمد في المسند ( ٤٣٧/٣ و٤٣٨) وإسناده ضعيف .

٣٣٩
ورود الناس جهنم
أبي صالح ، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله وَ ◌ّل يعودُ رَجُلاً من أصْحابِهِ وَعِكاً، وأنا معه ، ثم
قال: ((إنَّ الله تعالى يقول: هي ناري أُسَلِّطُها على عبدي المُؤمن لتكون حَظّهُ من النَّارِ في الآخرة)).
وهذا إسناد حسن(١) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا عبد الرحمن ، عن إسرائيل ، عن السُّدِّيّ ، عن مُرة ، عن عبد الله بن
ج
مسعود ﴿ وَإِنِ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قال رسول الله وَّر: ((يَرِدُ الناسُ [النارَ]، كلُّهم، ثُمَّ
يَصْدُرونَ عنها بأعمالهم)) . وهكذا رواه الترمذي من حديث إسرائيل ، عن السُّدّيّ ، به ، مرفوعاً، ثم
رواه من حديث شُعْبَة ، عن الشُّديّ ، به ، فوقَفه(٢) .
وهكذا رواه أسْباطٌ عن الشُّدِّيّ ، عن مُرَّةَ، عن ابن مسعود ، قال : يرد الناس جميعاً الصراط ،
وورُودهم قيامُهم حَوْلَ النار ، ثم يَصْدُرون عن الصِّراطِ بأعْمالِهِمْ، فمنهم منْ يَمُرّ كمَرّ البرْقِ ، ومنْهُمْ
مِنْ يَمُزُّ مِثْلَ الرِّيح ، ومنهم من يَمُرُّ مثل الطير ، ومنهم من يمُؤُ كأجْوَدِ الخَيْل ، ومنهم من يَمُر كأجْودِ
الإبل ، ومنهم من يمُرّ كعَدْوِ الرَّجُلِ، حتَّى إنَّ آخِرَهُم مَرّاً رَجُلٌ نورُه على موضع إبهامَيْ قَدَميه ، يَمُرّ
يَتَكفّأُ به الصِّراطُ، والصراط دَخْضٌ مَزِلَّةٌ عليه حَسَكٌ كحَسَكِ القَتاد ، حافتاه ملائكةٌ معهم كلاليبُ من
نارٍ يَخْتطفُون بها الناس ... )) وذكر تمام الحديث . وله شواهد مما مضى، ومما سيأتي إن شاء
الله تعالى .
وقال سفيان الثوريّ ، عن سلمةَ بن كُهَيْل ، عن أبي الزّغْراء ، عن ابن مسعود، قال: يأمُرُ اللهُ
بالصِّراط فَيُضْرَبُ على جهنّم ، فيَمُرّ الناس عليه على قَدْرِ أعمالهم ، أوَّلُهمْ كلْمحِ البَرْقِ ، ثم كمَرّ
الرّيح، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك ، حتى يَمُرّ الرَّجُلُ سَعْياً، حتى يمُّ الرَّجلَ ماشياً، ثم يكون
آخرُهُمْ يَتَلبَّطُ على بَطنه، ثم يقول: يا رَبّ، لِمَ أبطأتَ بي؟ فيقول: لم أُبْطئ بك، إنما أبطأ بكَ
عملُك .
ورُوي نحوهُ من وجهٍ آخرَ عن ابن مسعود مرفوع٣ً) والموقوف أصحّ ، والله أعلم .
وقال الحافظ أبو نَصْر الوائليُّ في كتاب (( الإبانة)»: أخبرنا محمد بن محمد بن الْحَجَّاج ، أنبأنا
محمد بن عبد الرحمن الرَّبّعيّ، حدّثنا عليّ بنُ الحُسَيْن، أبو عُبَيْد(٤) ، حدثنا زكريّا بنُ يحيى
أبو السُّكَين، حدّثنا عبدُ الله بنُ صالح، حدّثنا أبو هَمَّامِ القُرَشيّ، عن سُليمان بن المُغيرة ، عن
(١) أقول: في سنده عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)).
(٢)
رواه أحمد في المسند (٤٣٥/١) والترمذي (٣١٥٩) و(٣١٦٠) وهو حديث حسن.
(٣) رواه الطبراني في الكبير ( ٩٧٦٣) مرفوعاً .
(٤) في (آ) : أبو عبيد الله ، والتصحيح من كتب الرجال .

٣٤٠
ورود الناس جهنم
قَيْس بن مُسْلم، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: قال [لي ] رسول الله وَّهُ: ((علِّم الناسَ سُنَّتِي
وإن كرهوا ذلك، وإنْ أحببتَ ألّا تُوقَف على الصراط طَرْفة عين حتّى تَدْخُلِ الْجَنّة فلا تُحْدِثَنَّ في ذاتٍ
الله تعالى حَدَثاً برَأْيك)) ثم قال: وهذا غريب الإسناد، والمَتْن حسن(١) أورده القرطبيّ.
ورواه الضياء في تعاليقه بزيادة في متنه على ما ذكره القرطبي .
وقال الحسن بن عرفة : حدّثنا مَرْوانُ بن معاوية، عن بكَّار بن أبي مَرْوانَ ، عن خالد بن مَعْدَانَ ،
قال : قال أهل الجنّة بعدما دخلوا الجنّة: ألم يَعِدْنا رَبُّنا الورُود على النار ؟ فيقال : قد مَرَرْتُمْ عليها
وهي خامِدَةٌ .
وقد ذهب آخرون إلى أن المُراد بالورُود الدّخول فيها ، قاله ابنُ عباس ، وعبدُ الله بن رَوَاحة ،
وأبو مَيْسَرة ، وغيرُ واحد .
وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا سُليمانُ بن حَرْب ، حدّثنا غالبُ بن سُليمانَ ، عن كثير بن زياد
البُرْساني ، عن أبي سُميَّة ، قال: اختلفنا في الورود ، فقال بعضُنا: لا يدخُلها مؤمن ، وقال بَعْضُنا :
يدخلونها جَميعاً ، ثم يُنَجِّي اللهُ الّذين اتّقوا، فلقيتُ جابر بن عبد الله ، فقلت له : إنّا اختلفنا في
الورود ، فقال : يردونها جميعاً، وقال سليمان مرة : يدخلونها جميعاً، فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه
وقال: صُمَّتا، إن لم أكُنْ سمعتُ رسولَ الله وَ لَهيقول: ((لا يَبْقَى بَرّ ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على
المؤمن بَرْداً وسَلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إنَّ للنار ضجيجاً من بَزْدِهم، ﴿ ثُمَّ تَُجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ
وَنَذَرُ الَّلِمِينَ فِهَا حِيًا﴾ [ مريم: ٧٢])). لم يخرجوه في كتبهم، وهو حسن (٢).
وقال أبو بكر أحمد بن سَلْمال(٣) النجّاد: حدّثنا أبو الحسن ، محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة
السَّليطي، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد ، البُوشَنْجيّ، حدّثنا سُلَيْمُ(٤) بن منصور بن
عمَّار، حدّثنا أبي منصور بن عمَّار، حدّثني بشير(٥) بن طَلْحة الجذامي(٦)، عن خالد بن دُرَيْك ، عن
يَعْلى بن مُنيَةَ، عن رسول اللهِ وَّيَ قال: ((تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ
نُورُك ◌َلَهَبي )) . وهذا حديث غريب جداً .
(١) أقول: في سنده أبو همَّام القرشي ، قال يحيى: كذاب ، وقال أبو حاتم : ذاهب الحديث ، وذكره ابن الجوزي
في الموضوعات رقم ( ٥١٣ ) .
(٢) رواه أحمد في مسنده (٣٢٩/٣) أقول: وفي إسناده أبو سمية ، وهو مجهول .
(٣)
في (أ) : سليمان ، وهو خطأ.
في (أ) : سليمان.
(٤)
(٥)
في الأصول : بشر .
(٦) في الأصل : الحرامي .