Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
ذكر أن يوم القيامة يكون يوم الجمعة
قال : وأهولُ أسمائه ، وأبشع ألقابه : يومُ الخلود ، وما أدراك ما يومُ الخلود ، يوم لا انقطاع
لِعِقَابِهِ ، ولا يُكْشَفُ فيه عن كَافرٍ ما بِهِ ، فنعوذُ بالله ، ثم نعوذ بالله من غضبه وعقابه وبلائه ، وسوء
قضائه ، برحمته وكرمه وجوده وإحسانه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ذكر أن يوم القيامة ، هو يوم النفخ في الصور
لبعث الأجساد من قبورها ، وأن ذلك يكون في يوم الجمعة
وقد ورد في ذلك أحاديث . قال الإمام مالك بن أنس ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عن
محمد بن إبراهيم ، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وََّ: (( خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيه
الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فِيه خُلقَ آدَمُ ، وفِيهِ أَهْبِطَ ، وفيه تِيب عليه ، وفيه مات ، وفيه تقومُ الساعة ،
وما من دابّة إلّ وهي مُصِيخَةٌ(١) يوم الجمعة من حين تُصبحُ حتّى تَطْلُعَ الشمس، شَفْقاً مِنَ السَّاعَةِ ، إلّا
الجنّ، والإنس ، وفيها ساعة لا يُصَادِفُها عَبْدٌ مسلم، وهو يصَلّ يَسْألُ الله شيئاً إلّا أعطاه إياه)).
ورواه أبو داود واللفظ له ، والترمذيّ من حديث مالك، وأخرجه النسائيّ عن قُتَيْبَةَ ، عن بكر بن
مُضر، عن ابن الهاد ، به نَحوه وهو أتمُ(٢) .
وقد روى الطبرانيُّ في (( مُعْجَمه الكبير)) من طريق آدم بن عليّ، عن ابن عمر مرفوعاً: ((ولا تَقُومُ
الساعَةُ إلّا في الأذانِ )) قال الطبراني: يعني أذانَ الفَجْرِ يوم الجمعة.
وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعيّ في (( مُسْتَدِهِ)): حدّثنا إبراهيمُ بن محمد ، حدثني موسى بن
عُبَيْدة ، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن عبيد الله بن عُمَيْر : أنّه سمع أنس بن مالك
يقول: أتى جبريلُ بمرآةٍ بَيْضَاءَ فيها نُكْتَةٌ سوداء إلى النبيّ وَِّ، قال النبي: ((ما هذه؟)) قال: ((هذه الجُمُعَة
فُضِلْتَ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فالنَّاسُ لَكُمْ فِيهَا تَبَعُ ، اليَهُودُ ، والنصارى، ولكم فيها خَيْرٌ، وفيها ساعةٌ
لا يُوافقُها عَبْدٌ مُؤْمِن يدعو الله بخَيرٍ إلا استُجِيبَ له، وهو عندنا يومُ المَزِيد)). فقال النبي ◌َّر:
((يا جبريل وما يومُ المَزِيد؟)) فقال: ((إنّ رَبَّك اتَّخذَ في الفِرْدَوْسِ وَادِياً أفْتَحُ(٣) فيه كثُبُ المِسْك، فإذا
كانَ يومُ الجُمعة أنْزَل اللهُ ما شَاءَ مِنْ الملائكة ، ونزل على كرسيّه وحفَّ حَوْلَهُ مَنابِرَ مِنْ نُورٍ ، عَلِيهَا
مَقَاعِدُ النِّّينَ، وحَفَّ تِلْكَ المَنابِرَ بمَنابِرَ منْ ذهبٍ مُكَلَّلةٍ بالياقوتِ والزبرجد، عليها الشُّهَدَاءُ،
(١) أي مصغية مستمعة.
(٢) ((الموطأ)) (١٠٨/١) وأبو داود رقم (١٠٤٦) والترمذي (٤٩١) والنسائي (١١٣/٣ - ١١٥) وهو حديث
صحيح .
(٣) أَفْيَح ، أي واسع .

٢٠٢
ذكر أن يوم القيامة يكون يوم الجمعة
والصّدِّيقُونَ، فَجَلَسُوا مِنْ ورائهم، على تلك الكُتُب، فيقول الله تعالى: أنا رَبِّكُمْ، قد صَدَقْتُكُم
وعدي ، فَسَلُونِي أُعْطِكُمْ، فيقولون: رَبّنا ، نسألك رِضوَانك، فيقول : قد رَضيتُ عنكم ولكم عليّ
ما تَمَّيْتُمْ، ولدَيَّ مَزِيدٌ، فهِمْ يُحِبُّونَ يومَ الجُمُعة لما يُعْطِيهِمْ فِيهِ رَبُّهُمْ من الخير ، وهو اليومُ الذي
استوى فيه رَبَّكُم على العرشِ، وفيه خَلَقَ الله آدمَ ، وفيه تقوم الساعة .
ثم رواه الشافعيّ عن إبراهيم بن محمد أيضاً : حدّثني أبو عِمْران إبراهيم بن الجَعْد ، عن أنس
شبيهاً به"، قال: وزاد فيه أشياءَ، قلت: وسيأتي ذِكرُ هذا الحديث إن شاء اللهُ تعالى في صِفَة الجَنَّةِ
بِشَواهِده وأسانِيدِه، وبالله المُسْتَعَالُ(١).
وقال الإمام أحمد بن حنبل : حدّثنا حُسَيْنُ بن علي الجُعْفِيّ ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ،
عن أبي الأشعث الصَّنْعانيّ، عن أوس بن أوس الثَّقَفيّ، قال: قال رسول الله#: ((مِن أفضل
أيّامكم يومُ الجمعة، فيه خُلِقَ آدَمُ، وفيه قُبِضَ، وفيه النَّفْخَةُ، وفيه الصَّعْقَةُ، فأكثروا عليّ من الصلاة
فيه، فإنّ صلاتكم مَعْروضَةٌ عليّ)) فقالوا: يا رسول الله، وكيف تُعْرَض عليك صلاتنا وقد أرَمْتَ
- يعني بَليتَ -؟ قال: ((إنَّ الله حَرّمَ على الأرض أنْ تَأْكُلَ أجْسَادَ الأَنْبياءِ». ورواه أبو داود ،
والنّسائيّ، وابن ماجه، من حديث الحسين بن علي الجُعْفِيّ مثله ، وفي رواية لابن ماجه : عن
شدّاد بن أوس، بدل ((أوس بن أوس)) قال شيخنا: وذلك وَهْمُ (٢) .
وقال الإمام أحمد أيضاً : حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ، حدثنا زُهيْر ، يعني ابن محمد ،
عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل ، عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاريّ، عن أبي لُبَّابةُ(٣) بن عبد المُنْذِر :
أنّ رسول الله﴿ قال: ((سَيِّدُ الأيّام يوم الجُمُعةِ، وأعظمُها عِنْدَهُ، وأعظمُ عِنْدَ اللهِ عز وجل مِنْ يَوْم
الفِطْرِ، ويَوْمِ الأَضْحَى، وفيه خمسَ خِلاَل: خَلَقَ اللهُ فيه آدَم، وأهْبَطَ الله فيه آدَم إلى الأرض ، وفيه
توفّى اللهُ آدَمَ، وفيه سَاعة لا يَسْأل العَبْدُ فِيهَا شيئاً إلّا آتاه اللهُ إيّاه، ما لم يَسْأَل حَراماً، وفيه تقومُ
الساعةُ، ما مِنْ ملَكِ مُقَرَّبٍ، ولا سَماءِ ، ولا أرْضٍ، ولا رياح، ولَ جِبَال، ولا بحر، إلا وهُنّ
يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ)). ورواه بن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شَيْئَة ، عن يحيى بن أبي بُكَيْرٍ ، عن
زهير ، به(٤) .
(١) رواه الشافعي في مسنده (٣٧٤ و٣٧٥) - ((ترتيب مسند الإمام الشافعي))، ورواه أيضاً ابن أبي الدنيا ، والطبراني
في (( الأوسط)) رقم (٦٧١٧) والبزار (٣٥١٩)، وإسناده ضعيف، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده.
(٢) رواه أحمد في المسند (٨/٤) وأبو داود (١٠٤٧) والنسائي (٩١/٣ - ٩٢) وابن ماجه (١٦٣٦) و (١٠٨٥)
وهو حديث صحيح .
(٣) في الأصول : عن أبي أمامة ، وهو خطأ.
(٤) رواه أحمد في المسند ( ٣/ ٤٣٠) وابن ماجه (١٠٨٤) وابن أبي شيبة ( ٢/ ١٥٠) وهو حديث حسن .

٢٠٣
ذكر أن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رسول الله الخالق
وقد روى الطبرانيّ، عن ابن عمر مرفوعاً: ((إنّ الساعةَ تَقُوم وَقْتَ الأذانِ لِلْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ ».
وقد حكى أبو عبد الله القُرطبيُّ في (( التذكرة)) : أن قيام الساعة يوم جمعةٍ للنصف من شهر
رمضانَ . وهذا غريبٌ یحتاجُ إلى دليل .
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدثنا أحمد بن كثير ، حدّثنا قُرْط بن حُرَيْث ؛ أبو سَهْل ، عن رجلٍ
من أصحاب الحسن ، قال : قال الحسنُ: يومان وَلَيْلَتانِ لم يَسْمَعِ الخَلائِقُ بِمِثْلِهِنّ قطُ، لَيْلَةٌ تبيتُ مع
أهل القبور ، ولم تَبِتْ لَيلةٌ قَبْلَها مثلها ، وَلَيْلةٌ صَبِيحَتُها تُسْفِرُ عنَ يَومِ القِيامة ، وَيومٍ يَأْتِيك البَشِيرُ من
الله تعالى : إمّا بالجَنَّةِ وإمّا بالنار، ويومُ تُعْطئ كِتَابك إمّا بِيَمينك، وإمّا بِشمالِك. وكذا رُوي عن
عامر بن قَيْس ، وهَرِم بن حَيّان ، وغيرهما : أنّهم كانوا يستعظمون الليلة التي يُسْفِرُ صبيحتُها عَنْ يَوْم
القِيَامةِ .
وقال ابن أبي الدُّنْيا : حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير العَبْدِيّ ، حدّثني محمد بن سابق ، حدثنا
مالك بن مِغْوَل ، عن جُنَيد ، قال: بينما الحسن في يوم من رجبٍ في المسجد ، وفي يده قُلَيْلَةٌ، وهُوَ
يَمَصُّ ماءَها؛ ثمَّ يَمُتُّه في الحصا ، إذ تَنَفْس تَنَُّساً شديداً، ثم بكى، حتّى أَزْعِدَ مَنْكِباهُ، ثمّ قال:
لو أن بالقلوب حياة ؟ لو أنّ بالقلوب صلاحاً؟ لأبكيتكم من ليلةٍ صَبِيحَتُها يوم القيامة، أي ليلة تمخَّضُ
عَنْ صَبِيحَة يوم القيامة ، ما سمع الخلائقُ بِيومٍ قَطُّ أكثرَ حزناً ولا أكثر نادماً ولا أكثر باكياً ، ولا أكثر
متحسِّراً من يوم القيامة .
ذِكر أن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة
رسول الله ټپڼ
قال مُسلم بن الحجّاج : حدثني الحكّمُ بن موسى ، أبو صالح ، حدثنا مِقْلٌ ، يعني ابن زياد ، عن
الأوزاعيّ، حدثني أبو عمّار، حدثني عبد الله بن فَؤُّوخ، حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ◌َ انٍ:
((أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأول مَنْ يَنَشقّ عَنْهُ القَبْر، وأول شافِعٍ، وأول مُشَفّع(١).
وقال هُشَيْم ، عن علي بن زَيْد، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ◌ِ *: « أنا
سَيِّد ولد آدَم يومَ القيامة ولا فَخْر ، وأنا أوَّلُ مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الأَرْضُ يَوْمِ القِيَامة ولا فَخْر ، وأنَا أول شَافع
يَوْمَ القِيامة ولا فَخْر (٢) .
(١) رواه مسلم في «صحيحه)) رقم (٢٢٧٨).
(٢) رواه ابن ماجه رقم (٤٣٠٨) وفي سنده علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف ، ولكنه حديث صحيح بطرقه
وشواهده .

٢٠٤
ذكر أن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رسول الله المثالي
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا حُجَيْن بن المُثَنَّى ، حدثنا عبد العزيز بن
عبد الله بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن الفَضْل الهاشمي ، عن عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة ،
قال: قال رسول الله وَجَ: ((يُتْفَخُ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء
الله، ثم يُنفخ فيه أخرى ، فأكونُ أَول مَنْ بُعِثَ ، فإذا موسَى آخِذٌ بالعَرْش، فلا أذرِي أَحُوسِبَ بصَعْقَتِهِ
يَوْم الطُّورِ، أو بُعِثَ قَبْلِي؟)). وهو في ((الصحيح)) بقريب من هذا السياق(١).
والحديث في ((صحيح مسلم)): ((أنا أوّل مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشا٢ً) بِقَائِمةِ
العَرْشِ، فلا أَدْرِي أَفَاقَ قبلي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُور؟ ٣٤) . فذِكْرُ مُوسى في هذا السياق فيه نظر ،
ولعله من بعض الرواة ، دَخَل عليه حديثٌ في حديث . فإن الترديد هاهنا فيه لا يظهر . لا سِيَّما قوله :
(أم جُوزِي بَصَعْقة الطُور)).
وقال ابن أبي الذُّنا : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا سُفْيانُ، هو ابن عُنَيْنَةَ ، عن عمرو ، هو
ابن دينار ، عن عطاء وابنٍ جُدْعَانَ، عن سعيد بن المُسَيَّب ، قال : كَانَ بين أبي بكر ، وبين يَهُودِيّ
مُنَازَعٌ، فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على البَشَر، فَلَطَمَه أبو بكر، فأتى اليهوديُّ
رسولَ اللهِ ◌َّه، فقال له رسولُ الله ◌ِ﴾: ((يا يَهُوديّ، أنا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَزْضُ، فأجِدُ مُوسَى
مُتَعَلِّقاً بِالْعَرْشِ، فلا أَدْرِي هَلْ كَانَ قَبْلِي، أَوْ جُوزِي بالصَّعْقَة)) . وهذا مرسل من هذا الوجه ،
والحديث في ((الصحيحين (٤) من غير وجه ، بألفاظ مختلفة، وفي بعضها®) : أن اللاطم لهذا
اليَهُودي إنما هو رجلٌ من الأنصار ، لا الصدِّيقُ ، فالله أعلم .
ومن أحسنها سياقاً : (( إذا كان يَوْمُ القِيَامة فإن النَّاس يَصْعَقُونَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فأجِدُ
مُوسى بَاطِشاً بِقَائِمةٍ مِنْ قَوائِم العَرْشِ، فلا أدْرِي أَصَعِقَ فأفَاقَ قَبْلِي ، أَمْ جُوزي بَصعقة
الطُور (٦) ، وهذا كما سيأتي بيانه يقتضي أن هذا الصَّعْقَ يكونُ في عَرَصَات القِيامةِ ، وهو صَعْقٌ
آخرُ غيرُ المذكور في القرآن ، وكأنّ سَبَبَ هذا الصعق في هذا الحديث ، يعني تَجَلِّي الرب
(١) رواه بنحوه البخاري رقم (٢٤١١) من حديث أبي هريرة، وبنحوه رقم (٢٤١٢) و(٣٣٩٨) من حديث
أبي سعيد الخدري .
(٢) أي متعلقاً بقوة .
(٣) انظر ((صحيح مسلم)) رقم (٢٢٧٨) ورقم (٢٣٧٣) (١٦٠) وانظر البخاري رقم (٢٤١١) و(٣٤٠٨) ورقم
(٦٥١٧) فالحديث ملفق من حديثين كما ذكر المؤلف رحمه الله .
(٤) انظر تخريج الحديث الذي قبله .
(٥)
انظر ((صحيح مسلم)) رقم ( ٢٣٧٣) (١٥٩).
(٦) هو بمعنى الأحاديث التي قبله .

٢٠٥
ذكر أن أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة رسول الله ملية
تعالى، إذا جاء لفَضْل القَضَاءِ فَيَصْعَقُ النَّاسُ كما خرَّ موسى صَعِقاً يوم الطُّور ، والله أعلم .
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ،
عن الحسن، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((كأَنِّي أَراني أَنْفُضُ رأْسي من التُّرابِ، فَألتَفِتُ ، فلا أرى
أحداً إلا مُوسى مُتَعَلِّقاً بالْعَرْش، فلا أدري أممن استَشْنى اللهُ أَلَا تُصيبهُ النَّفْخَةُ، أم بُعِثَ قبلي؟)).
وهذا مرسل أيضاً ، وهو أضعف .
وقال الحافظ أبو بكر البَيهَقِي : حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو سعيد بن أبي عمرو ، قالا :
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّغَانيُّ ، حدثنا عمرو بن محمد
الناقد ، حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا موسى بن أعين ، عن مَعْمَر بن راشد ، عن محمد بن عبد الله
ابن أبي يعقوب، عن بشر بن شَغَاف، عن عبد الله بن سَلاَم، قال: قال رسول الله وَّةِ: ((أنا سَيِّدُ
ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ، وأنا أول شافع ومشفَّع ، بيدي لواء
الحمد ، تحتي آدم ، فمن دُونَه )). لم يخرجوه ، وإسناده لا بأس به .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا أبو سلمةَ المَخْزُومي ، حدثنا عبد الله بن نافع ، عن عاصم بن
عمر ، عن أبي بكر بن عمر بن عبد الرحمن ، عن سالم بن عبد الله . وقال غير أبي سلمة : عن
ابن عمر، قال: قال رسول الله وَله: (( أنا أولُ مَنْ تَنْشَق عنه الأرضُ، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم
أَذْهَبُ إلى أهل البَقِيع، فَيُحْشَرونُ مَعِي ثم أنْتظرُ أهْلَ مَكَّةَ فَيُحْشَرون معي، فأُحْشَرُ بين الحَرَمَيْن(١).
وقال أيضاً : حدثنا الحكمُ بن موسى ، حدثنا سعيدُ بن مَسْلَمة ، عن إسماعيل بن أمية ، عن
نافع ، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله وَّهر المسجد، وأبو بكر عن يمينه ، وعمر عن يساره ،
وهو مُتَّكِىءٌ عليهما، قال: ((هكذا تُبُعَثُ يَوْمَ القيامةِ)(٢) .
وقال ابن أبي الدُّنيا : حدثني محمد بنُ الحُسَيْن ، حدثنا قُتَنِيَّةُ بن سعيد ، حدثنا الليثُ بن سَعد ،
عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نُبيه بنِ وَهْب : أن كَعْب الأحبار قال : مَا مِنْ فَجْرٍ
يَطْلُعُ إلا نَزَل سَبْعُون ألفاً من الملائكة، حتى يحقُوا بالقَبْرِ، يضْربون بأجنِحَتهمْ، ويُصَلُّون على النبي
وَ﴿، حتى إذا أمسوا عَرَجُوا، وَهَبَطِ مِثْلُهُمْ فصَنَعُوا مِثْل ذلك، حتى إذا انشقت الأرضُ خرج ◌َّ في
سبعين ألفاً من الملائكة يُوفُّرونه بَلِهِ .
وأخبرنا هارون بن عمر القرشي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا مروان بن سالم، عن
(١) أخرجه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) رقم (١٥٢٧) من طريق ابن نافع، وضعفه بابن نافع وعاصم بن
عمر .
(٢) ورواه الترمذي ( ٣٦٦٩) وابن ماجه (٩٩) من طريق ابن مسلمة به ، وهو حديث ضعيف .

٢٠٦
ذکر بعث الناس حفاة عراة غرلا وذکر أول من یکسی يومئذ من الناس
يونس (١) بن سيف، قال: قال رسول الله بَل: ((يُخْشر الناس رِجالاً، وأَحشرُ راكباً على البُراقِ،
وبلال بَيْن يَدَيَّ على نَاقةٍ حمراءَ، فإذا بَلَغْنَا مَجْمَع الناس ، نَادَى بلال بالأذان ، فإذا قال : أشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ، أشهدُ أن محمداً رسول الله، صدّقه الأولُون والآخرون)). وهذا مرسل من هذا الوجه .
ذکر بعث الناس
حُفَاةً عُرَاةً غُزْلَ(٢) ، وذكر أول من يُكْسَى يومئذ من الناس
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بَقِيَّةُ ، حدثنا الزبيدي ، عن الزهري ، عن
عُروة، عن عائشة: أن رسول الله (وَ ل﴿ل قال: ((يُبْعَثُ الناس يوم القيامة حُفَاةً عُراةً غُرْلًا)) قال: فقالت
عائشة: يا رسول الله، فكيف بالعَوْرَات؟ فقال رسول الله وَهُ: ((﴿لِكُلِّ آمْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ
[ عبس ])) .
وأخرجاه في (( الصحيحين)) من حديث حاتم بن أبي صغيرة ، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة ، عن
القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة بنحوه(٣) .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا شُعْبةُ، حدثنا المُغيرةُ بن النُّعمان شَيْخٌ من النَّخَع ،
قال : سمعتُ سعيد بن جُبَير يحدِّث، قال: سمعتُ ابنَ عباس، قال: قام فينا رسولُ الله ◌َِله
بموعظة ، فقال: (( يا أَيُّها الناس، إنكم محشورون إلى الله حُفَاةً عُراةً غُرْلًا، ﴿ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ ﴾ [الأنبياء] ألا وإنّ أَوَّل الخَلْقِ يُكْسَى يَوْم القِيامة إبراهيمُ ، وَإِنه
سَيُجَاءَ بِأُناسٍ مِنْ أُمَّتي، فيؤخذ بِهِمْ ذات الشمال فَلأَقُولَنَّ: أصحابي، فَلَيُقالنَّ لي : إنك لا تَدْرِي
ما أَحْدَثُوا بَعْدَك ، فلأقُولَنَّ كما قال العَبْدُ الصالحِ: ﴿ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمٌّ فَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ
. ) إلى قوله: ﴿اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة]، فيقال: إن
اُلَّقِيبَ عَلَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ
هؤلاءِ لم يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم مُنْذُ فارقتَهُم)) أخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث شُعْبةَ .
ورواه أحمد ، عن سفيان بن عيينةَ - وهو في (( الصحيحين )) من حديثه - عن عمرو بن دينار ، عن
سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عباس ، مرفوعاً: ((إنكم محشورون إلى الله عز وجلّ حُفَاةً عُراةً غُزْلًا )).
ورواه البيهقي من حديث هلال بن خبّاب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ
قال: ((تُحْشَرُون حُفَاةً عُراةً غُرلًا)) فقالت زوجته: أَيَنْظُر بَعْضُنَا إلى عَوْرَة بعْضٍ ؟ فقال:
(١) في الأصول: يوسف.
(٢)
جمع أغرل ، وهو الأقلف الذي لم يختتن .
(٣) رواه أحمد في المسند (٨٩/٦ - ٩٠) والبخاري (٦٥٢٧) ومسلم (٢٨٥٩).

٢٠٧
ذكر بعث الناس حفاة عراة غرلا وذكر أول من يكسى يومئذ من الناس
(( يا فُلانةُ، لَكُلِّ امْرىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شأنٌ يُغنيه(١) .
وقال الحافظ أبو بكر البَيْهقِيّ : حدّثنا أبو بكر أحمد بن الحَسن القاضي ، وأبو سعيد محمد بن
موسى ، قالا : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّوريّ ، حدثنا
مالك بنُ إسماعيل ، حدّثنا عبد السلام بن حرب ، عن أبي خالد الدَّالَانِيّ ، عن المِنْهال بن عمرو ، عن
عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة ، قال: يُحْشَرُ الناسُ حُفَاةً عُراةً غُرلًا قياماً أربعين سَنَة شَاخِصةً
أبصارُهُمْ إلى السماء ، قال: فَيُلْجِمُهم العَرَقُ مِنْ شِدَّةِ الكَربِ ، ثم يقال: اكسوا إبراهيمَ، فَيُكْسى
قُبْطِيَّتَيْنِ(٢) مِن قَبَاطِيِّ الجَنَّةِ ، قال: ثم ينادى لمُحمّد ◌ََّ فيفجرُ له الحوض ، وهو ما بين أيلة إلى
مكة . قال : فيشربُ وَيغتَسِلُ، وقد تقطّعت أعناقُ الخلائق يَوْمئذٍ من العَطَش، قال : ثم قال
رسول الله وَّ: ((فَأُكْسَى من حُلَلِ الجَنَّةِ فَأَقُوم عن)) - أو ((على - يَمِين الكُرْسِيِّ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الخَلائِقِ
يَقُومُ ذَلِك المَقَامَ يَوْمئذٍ غيري، فيُقال: سَلْ تُعْطَ، واشفع تشفع))، فقام رجل، فقال: أَتَرْجُو
لِوَالدَيْك شيئاً؟ فقال: ((إني شافع لهما، أُعْطِيتُ أو مُنِعتُ، ولا أرجو لهما شيئاً)). قال البَيْهِيّ:
قد يكون هذا قبل نزول النهي عن الاستغفار للمشركين ، والصلاة على المنافقين(٣).
وقال القُرطبيّ : وروى ابن المبارك ، عن سُفيان ، عن عمرو بن قيس ، عن المِنْهال بن عمرو ،
عن عبد الله بن الحارث ، عن عليّ قال: أوَّلُ مَنْ يُكْسَى الخَليل قُبطيتين، ثم محمد حُلَّةَ حِبَرَةٍ ، عن
يمين العرش (٤) .
وقال أبو عبد الله القُرطبيّ في كتاب ((التذكرة)): وروى أبو نُعَيْم الحافظ ، يعني الأصبهانيّ ، من
حديث الأسود، وعَلْقَمةَ، وأبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، أنّ رسول الله وَّه قال: ((أَوَّلُ مَنْ
يُكْسَى إبراهيم عليه السلام، يقول الله تعالى: اكسُوا خَلِيلِي، فُيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ(٥) بَيْضَاوَيْن، فَيَلْبَسُهمَا ،
ثم يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ العَزْش، ثم أُوتَى بِكُسْوَتِي ، فَأَلْبَسُها فأقومُ عن يمينه قياماً لَا يَقُومُه أحَدٌ غَيْرِي يَغْبِطُني
فيه الأولون والآخرون (٦) .
(١) رواه أحمد في المسند (١/ ٢٥٣ و٢٢٣) والبخاري رقم (٤٦٢٥) و(٦٥٢٤) ومسلم (٢٨٦٠).
(٢) قبطيتين: تثنية قبطية: بضم القاف ، نسبة إلى قبط مصر على غير قياس وقد تكسر ، وهي ثياب مصرية ، كانت
مشهورة بجودتها وحسنها عند العرب ، والمراد يلبس على هيئة القبطيّتين من ثياب الجنة ، أو يلبس ثوبين جميلين
من ثياب الجنة .
(٣)
وفي إسناده ضعف .
أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٦٤ - زوائد نعيم ).
(٤)
(٥) الريطة : الملاءة .
(٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٨/٤ - ٢٣٩).

٢٠٨
ذكر بعث الناس حفاة عراة غرلًا وذكر أول من يكسى يومئذ من الناس
قال القرطبيّ : وقال الحَلِيْمِي في (( منهاج الدين )) له: ورَوى عبّاد بن كَثِيرٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جابر
قال : إنّ المؤذِّنِينَ والملِّين يخرجون يوم القيامة من قبورهم، يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ ، ويلَِّي المُلَبِّي، وأَوَّل
مَنْ يُكْسَى مِنْ خُلَل الجَنَّةِ إبراهيمُ، ثم محمد، ثم النَّبُّونَ، ثم المُؤَذِّنُونَ ... )) وذَكَر تمامه(١).
ثم شرع القُرْطُبيّ يذكر المناسبة في تقديم إبراهيم الخليل عليه السلام في الكسوة يومئذ : من ذلك
أنه أوّلَ من ◌َبِس السَّرَاوِلَ مُبَالَغَةً في شدة الحياء والسِّتر ، وأنّه جُرِّد يَوْم أَلْقِيَ في النَّارِ ، والله أعلم .
وروى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أُوَيْس : حدّثني أبي ، عن محمد بن أبي عَيّاش ، عن
عطاء بن يَسارٍ، عن سَوْدَةَ زَوْج النبِّ بَ ﴿ قالت: قال النبي ◌ََّ: (( يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُراةً غُزْلَا، قَدْ
أَلْجَمَهُمُ العَرَقُ، فَبَلَغْ شُحُومَ الآذان)»، قلت: يا رسول الله واسوءتاه ينَظُر بَعْضُنا إلى بَعْض ؟! قال :
((يُشْغَلُ الناسُ عَنْ ذَلِك، لكلِّ امرىءٍ مِنْهُمْ يَوْمئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)). إسناده جَيّد، وليس هو في ((المُسنَدَ))
ولا في الكتب(٢) .
وقد قال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدّثنا سَعِيدُ بِنُ سليمان ، عن عبد الحميد بن سليمان ، حدّثني
محمد بن أبي موسى، عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سَلَمة، قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقول :
((يُحْشَرِ النَّاسُ حُفَاةً عُراةً، كما بدؤوا)) قالت أم سلمة: يا رسول الله، هل ينظُرُ بعضُنَا إلى بَعْض ؟!
قال: ((شُغِلَ النَّاسُ))، قلت: وما شَغَلَهُمْ؟ قال: (( نَشْرُ الصُّحُفِ فِيها مَثَاقِيلُ الذَّرّ، وَمَثاقِيلُ
الخردَلِ (٣) .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدّثنا عمر بن شبَّة، حدّثنا الحُسين بن حَفْص ، حدثنا سفيان ،
يعني الثوريّ، عن زُبَيدٍ، عن مُرَّةَ، عن عبد الله قال: قال رسول الله بَّهِ: ((إنكم محشورون حُفَاةً
عُراةً غُولاً))، قال البزار : أحْسَبُ أن عمر بن شبة غَلِط فيه، فدخل عليه متن حديث في إسناد
حديث ، وإنما هذا الحديث عن سفيان الثَّوْرِيِّ، عن مُغِيرة بن النُّعمان ، عن سعيد بن جُبَيْر ، عن
ابن عباس ، قال : وليس لسفيان الثوري عن زُبَيدٍ ، عن مرَّةَ، عن عبد الله بن مسعود حديث مُسْنَدٌ ،
وهكذا رواه ابن أبي الدُّنيا، عن عمر بن شبَّة به ، مثله، وزاد: (( وأول مَنْ يكسى يوم القيامة إبراهيم
عليه الصلاة والسلام (٤) .
(١) وإسناده ضعيف .
(٢) ورواه الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي أويس به في ((المستدرك)) (٥١٤/٢ - ٥١٥) وصححه، ووافقه الذهبي.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١١٩) ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٨٣٧) عن طريق سعيد بن سليمان
به ، وإسناده ضعيف .
(٤) رواه البزار رقم (٣٤٢٨ - كشف الأستار) وابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ( ١١٨).

٢٠٩
ذکر بعث الناس حفاة عراة غرلا وذکر أول من یکسی يومئذ من الناس
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا أبو عمارٍ الحُسينُ بن حُرَيْث ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن
عائذ بن شُرَيْح، عن أنس قال: سألتْ عائشةُ رسول الله وَلِّ، فقالت: يا رسول الله، كيف يُحْشَرُ
الرِّجالُ؟ فقال: ((حُفَاةً عُراةً)) ثم انتظرت سَاعَةً، ثمّ قالت: يا رسول الله، كيف يُحْشَرُ النِّسَاءُ؟
قال: ((كذلك حُفَاةً عُراةً)). قالت: واسوأتاه من يوم القيامة، قال: ((وعن أيِّ ذلك تسألين ؟ إنه قد
نزلت عليَّ آيَةٌ لَا يضرُّكِ كَانَ عَلَيْكِ ثيابٌ أَمْ لا))، قالت: أي آيةٍ يا رسول الله؟ قال: ((﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ
يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ (تَ﴾ [عبس: ٣٧])(١).
وقال الحافظ أبو يَعْلَى الموْصِليّ: حدثنا رَوْحُ بن حاتم، حدثنا هُشَيْم، عن الكوثر، وهو
ابن حكيم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَّه: ((يُحْشَرُ الناسُ كما وَلَدَتْهُمْ أُمَّهاتُهُمْ
حُفَاةً عُراةً غُرلًا)) فقالت عائشة: والنساءُ بأَبِي أَنْتَ وأُمّي؟ فقال: (( نعم)) فقالت: واستوأتاه ! فقال
رسول الله وَرُ: ((وَمِنْ أَيِّ شيْءٍ عَجِبْت يَا بِنْتَ أَبِي بكر))؟ فقالت: عَجِبْتُ من حديثك: يُحْشَرُ
الرِّجالُ والنِّساءُ حُفَاةً عُراة غُرلَا يَنْظُر بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ ، قال: فَضربَ على منكِها، فقال: (( يا بِنْتَ
أبي قُحَافَةَ، شُغِلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّظر، وسمَوا بأبصارهم إلى السماء موقوفون أربعينَ سَنَةً
لا يأكلون ، ولا يشربون، شاخصين بأبصارهم إلى السماء أربعينَ سنةً، فمنهم من يبلع العرقُ قَدَمَيْه ،
ومنهم من يبلغ ساقيه ، ومنهم من يبلغ بَطْنَه ، ومنهم من يُلْجِمُه العَرَقُ من طُول الوقوف ، ثم يترحم الله
من بعد ذلك على العباد ، فيأمر الملائكة المقرّبين ، فيحملون عرشه من السموات إلى الأرض حتى
يوضع عرشه في أرض بَيْضاءَ لم يُسْفَكْ عليها دم ، ولم تُعْمل فيها خطيئة، كأنها الفِضَّةُ البَيْضَاءُ ، ثم
تقوم الملائكة حافِين مِنْ حَوْل العَرْش ، وذلك أوَّل يوم نظَرَتْ فيه عين إلى الله تعالى ، فيأمرُ منادِياً
فينادِي بِصَوْتٍ يسمعُه الثَّقَلان الجِنُّ والإنس : أيْنَ فُلاَنُ ابنُ فُلانٍ ، أين فُلاَنُ ابنُ فُلانٍ ، فَيَشْرَئِبُّ النَّاسُ
لذلك الصوت ، ويخرج ذلك المنادى من الموقف ، فَيُعرّفُه اللهُ النَّاسَ، ثمَّ يقال: تُخْرَجُ مَعَهُ حَسناته ،
فُيُعرِّفُ اللهُ أهلَ الموقف تلْكَ الحَسَنَاتِ ، فإذا وقف بين يدي ربّ العالمين ، قيل: أيْنَ أصحابُ
المظالم؟ فيجيؤون رَجُلاً رَجُلاً، فيقال له : أظَلَمْتَ فُلاناً كذا وكذا، فيقول : نعم ، يا رَبّ ، فذلك
اليومُ الذي تَشْهَدُ عليهم أَلْسِنَتُهُمْ وأَيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون، فتؤخَذُ حَسَنَاتُه، فُتَدْفَعُ إلى مَنْ
ظلمه، يوم لا دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إلّا أَخْذٌ مِنَ الحَسَنَاتِ ، وَرَدٌّ من السَّيئات، فلا يزالُ أهل المظالم
يَسْتَوْفُونَ مِنْ حَسَنَاتِهِ حَتّى لا تَبْقَى لَهُ حَسنَةٌ، ثم يقومُ مَنْ بِقي، مِمَّنْ لم يأْخُذْ شَيْئاً، فيقولون: ما بَالُ
غَيْرِنا استوفَى ، وبَقِينَا؟ فيقال لهم : لا تَعْجَلُوا ، فيؤخذُ من سَيِّئاتهم فُتْرَدّ عليه، حتّى لا يبقى أحد
ظَلَمَهُ بِمَظْلِمَةٍ ، فَيُعَرِّفُ اللهُ أهلَ الموقف أجمعين ذلك ، فإذا فرغ من حسابه قيل : ارجع إلى أُمّكَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١١٦)، وإسناده ضعيف.

٢١٠
ذکر بعث الناس حفاة عراة غرلا وذكر أول من یکسی يومئذ من الناس
الهَاويةِ ، فإنّه لا ظُلْمَ اليوم ، إنّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ ، ولا يَبقى يومئذ مَلَكٌ ولا نَبِيِّ مُرْسَلٌ ، ولا
صِدِّيقٌ، ولا شَهيدٌ، ولَا بَشرٌ، إلّ ظَنَّ بما رَأى من شِدّة الحساب أنّه لا يَنْجُو، إلّ منَ عَصمهُ
اللهُ تعالى .
هذا حديث غريب من هذا الوجه ، ولبعضه شاهد في ((الصحيح)) ، كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء
الله تعالى .
وقال الطبرانيُّ : ثنا الحسينُ بن إسحاقَ النُّتَرِيُّ، ثنا محمد بن أبانٍ الواسطيُّ ، ثنا محمدُ بن
الحسنِ المُزَنِيُّ، عن سعيدِ بنِ المَرْزُبان أبي سعدٍ ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن الحسن بن عليٍّ ،
قال: قال رسول الله وَّه: ((يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيامَةِ حُفَاةً عُرَاةً)). فقالت امرأةٌ: يا رسول الله،
فكيفَ يرَى بعضُنا بعضاً؟ قال: ((إِنَّ الأَبْصَارَ شَاخِصَةٌ)) . ورفع رأسَه إلى السماءِ، فقالتْ:
يا رسولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يستُرَ عَوْرَتِي. [ قال]: ((اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَتَهَا)(١).
قال البيهقي : فأما الحديث الذي حدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق
ابن الخراسانيّ العَدْلُ، حدّثنا محمدُ بن الهيثَم القاضي ، حدّثنا ابن أبي مَرْيم ، حدّثنا يحيى بن أيُّوبَ ،
عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سَلَمَة ، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ : أنّه لما حضره الموت
دعا بثيابٍ جُدُدٍ، فَلِسَها، ثم قال: سَمِعْتُ رسول الله وَّل يقول: ((إنّ المسلمَ يُبْعَثُ في ثيابه التي
يَمُوت فيها)). فهذا حديث رواه أبو داود في كتاب ((السنن))، عن الحسن بن عليّ، عن ابن أبي مريم(٢).
ثم شرع البيهقيّ يُجيب عن هذا الحديث لمعارضته الأحاديثَ المتقدّمة في بعث الناس حُفَاةً عُراةً
غُزْلًا ، بثلاثةِ أجْوِبةٍ :
أحدها : أنّها تَبْلى بعد قيامهم من قبورهم ، فإذا وافَوُا الموقف يكونون عُرَاةً ، ثم يُكْسَوْنَ منِ ثِيَاب
الجَنّة .
الثاني : أنّه إذا كُسِيَ الأنبياءُ ثم الصدِّيقُونَ، ثم مَنْ بعدهم على مراتبهم ، فتكونُ كُسْوَةٌ كُلِّ إنسانٍ
من جِنْس ما يَمُوتُ فيه ، ثم إذا دَخَلُوا الجَنَّةَ أُلْبِسُوا من ثِيَابِ الجَنّة.
الثالثُ : أن المراد بالثياب هاهنا الأعمال ، أي يُبْعَثُ في أعماله التي مات فيها من خير أو شَرِّ .
﴾ [المدثر ] قال
قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] وقال: ﴿ وَتِيَابَكَ فَطَّهِرْ !
قتادة : عَمَلَكَ فَأَخْلِصْهُ .
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٧٥٥) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه أبو داود (٣١١٤) بنفس سند البيهقي، وليس عن الحسن بن علي عن ابن أبي مريم كما ذكر المصنف
والحاكم (٣٤٠/١) وهو حديث حسن، ولفظه في أوله: ((إن الميت يبعث ... )).

٢١١
ذكر شيء من أهوال يوم القيامة
ثم اسْتَشْهَدَ البَيهَقِيّ على هذا الجواب الأخير بما رواه مسلم ، من حديث الأعمش ، عن
أبي سُفْيانَ، عن جابر، قال: قال رسول الله وَّه: ((يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ على مَا مَاتَ عَلَيْهِ)(١).
قال: وروينا عن فَضالةَ بنِ عُبَيْد عن رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ: أنّه قال: (( مَنْ ماتَ على مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِه
المراتِب بعثَ عَلَيْهَا يَومِ القِيامَة )(٢).
وقد قال أبو بكر بن أبي الدنيا : أخبرنا أحمدُ بنُ إبراهيم بن كثير ، حدثنا زيدُ بن الحُبَابِ ، عن
معاوية بن صالح ، أخبرني سعيد بن هانئ ، عن عمرو بن الأسود ، قال : أوصاني مُعاذ بامرأته ،
وخرج ، فماتت ، فدفَنّاها ، فجاءنا وقد رفَعْنَا أَيْدِيَنا مِن دَفْنِها ، فقال : في أيّ شَيْءٍ كَفَّنْتُموها ؟ قلنا :
في ثيابِها ، فأمر بها فَنُبِشَتْ، وكَفَّنهَا في ثيابٍ جُدُدٍ، وقال: أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فإنّهم يُحْشَرُون
فِيهَا(٣) .
وقال أيضاً: حدّثني محمد بن الحُسَيْن، حدّثنا يحيى بن إسحاق، [ أخبرنا إسحاق ] بنُ سيّار بن
نصر ، عن الوليد بن أبي مروان(٤) ، عن ابن عباس، قال: يُحْشَرُ الموتَى في أكفانهم(٥) .
وكذا روي عن أبي العَالية (٦) .
وعن صالح المُرِّيّ ، قال : بلغني أنّهم يخرجون من قبورهم في أكفانٍ دَسِمَةٍ ، وأبدَانٍ بَالِيَةٍ ،
مُتَغَيَِّةٌ وجوهُهم ، شعَثَةٌ رؤوسُهُم ، نَهِكَةٌ أَجْسامُهُمْ، طائرة قلوبهم من صدورهم وحناجرهم ،
لا يَدْرِي القوم ما مَوْئِلُهُمْ إلا عِنْد انصرافهم من الموقف، فمُنْصَرَفٌ بِه إلى الجنة ، ومنصرَف به إلى
النَّارِ ، ثم صاح بأعلى صوته: يا سوء مُنْصَرَفَاهُ إِنْ أنْتَ لَمْ تَغَمَّدْنَا مِنْك بِرَحْمَةٍ واسعةٍ ، لِما قَدْ ضاقَتْ
صدُورنا من الذُّنُوبِ العِظام ، والجرائم التي لا غافر لها غَيْرُك .
ذكر شيء من أهوال يوم القيامة
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَيِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (٢) وَأَنْشَقَتِ السَّمَاءُ فَعِىَ يَوْمِذٍ وَاهِيَةٌ () وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَابِهَا وَيَعْلُ عَشَ رَبِّكَ
(١) رواه مسلم رقم ( ٢٨٧٨) .
(٢) رواه أحمد في المسند (١٩/٦) وهو حديث صحيح .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٠٩) ويغني عن هذا الحديث قوله مّهي: ((إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن
كفنه إن استطاع )) رواه مسلم رقم (٩٤٣ ) .
(٤)
في الأصول : ابن أبي ثروان .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١١٠).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١١١).

٢١٢
ذكر شيء من أهوال يوم القيامة
﴾ [الحاقة: ١٥ -١٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَسْتَمِعْ يَوْمَ بُنَادِ
أَيَوْمِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُرْ خَافِيَةٌ (
فَوْقَهُمْ يَوْمَذٍ تَنِيَّةٌ
الْمُنَادِ مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ (١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِآلْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوِجِ (٤) إِنَّا نَحْنُ نُحِ، وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٢) يَوْمَ تَشَقَّقُ
﴾ [ ق ] .
اُلْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٦) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْحِجَالُ
وقال تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا (!
﴾ [ المزمل ] .
كَبِيبًا مَّهِيلًا ( ... ) إلى قوله: ﴿كَانَ وَعْدُمُ مَفْعُولًا
وقال تعالى: ﴿ وَبَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَن ◌َّْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النََّارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْتَهُمَّ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَِّ اللَّهِ وَمَا كَانُوا
[ يونس: ٤٥] قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَرِزَةٌ وَحَشَرْنَهُمْ فَلَمْ تُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا
مُهْتَدِينَ (هِ
٤١
وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِثْتُمُونَا كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن ◌َّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا (١) وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَرَى الْمُجْرِمِنَ
مُشْفِقِينَ مِقَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِّلَثَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنهَأْ وَوَجَدُ واْمَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلَا
﴾﴾ [الكهف : ٤٧ - ٤٩ ] .
يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا!
وقال تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَّدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
بِسَمِينِهِ، سُبْحَتَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ () وَنُفِخَ فِ الضُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ
فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ () وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِّءَ بِالنَِّنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم
﴾ [ الزمر: ٦٧ - ٧٠ ] . وقال تعالى:
بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ
ا فَمَن نَقُلَتْ مَوَزِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ
فَإِذَاتُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَا أَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَقَسَآءَ لُونَ ﴾
[ المؤمنون: ١٠١ - ١٠٣ ] .
خَقَّتْ مَوَزِئُهُ فَأُوْلَِّكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِ جَهَنَّمَ خَلِدُونَ
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَلْهْلِ [٥] وَتَكُونُ اَلْجِبَالُ كَلْعِهْنِ ﴿ وَلَا يَسْتَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا لِ
◌َهُمْ يَوَدَّ
أَوَفَصِيَتِهِ الَّتِى تُثْوِ [®) وَمَن ◌ِ الْأَرْضِ ◌َمِيعًا ثُمَّيُجِهِ
الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِلٍ بِبَنِيهِ ﴿﴿ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ أ
أكَلآّ
إِنَّهَا لَظَى {يَ نَزَّاعَةٌ لِلشَّوَى (١) تَدْعُواْ مَنْ أَذْبَرَ وَتَوَلَّى (٧)] وَجَمَعَ فَأَوْعَ زِينَ﴾ [المعارج: ٨ -١٨].
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَتِ الصََّّةُ (ثَ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرَّهُ مِنْ أَخِيهِ ◌ِيَ وَأَمِّهِ، وَأَبِهِ ﴿٣] وَصَحِبَتِهِ، وَبِهِ ﴿بَ لِكُلِّ آمْرٍِ مِنْهُمْ يَوميدٍ
شَأْنٌ يُغْنِهِ الْ وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿يَ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (*) وَوُجُوهُ يَؤْمَيِذٍ عَلَيْهَا غَبَةٌ ﴿١٤) تَرْهَقُهَا قَرَةُ (١) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
◌َ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ اَلْإِنِسَنُ مَا سَعَى (٦) وَبُرِزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى
[عبس: ٣٣ - ٤٢]. وقال تعالى:
فَأَمَّا مَن طَغَىّ
١) وَءَاثَرَ الْحَوَةَ الدُّنيا
٤َ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى ◌َ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ لِ﴾
فَإِنَّ
اٌلْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى ◌ِلَ يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرْسَهَا (٤) فِيَمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَ (٤٢) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَنَهَا (٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَتِهَا و
كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلََّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَهَا (٦َ﴾ [النازعات: ٣٤ -٤٦].
وَجِأْىَّ يَوْمَيِذٍ بِجَهَنَّدٌ يَوْمِهِدٍ
وَجَاءَ رَبُّكَ وَاَلْمَلَكُ صَفَّا صَقَّاً !
وقال تعالى: ﴿كَلََّّ إِذَا دُكَتِ الْأَرْضُ ◌َ
يَتَذَ كَرُ الْإِنسَنُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَىِ ﴿ يَقُولُ يَلَيَّتَنِ قَدَّمْتُ لِيَاتِ (٨) فَيَؤْمَيِذٍلَّا يُعَذِّبُ عَذَابُ أَحَدٌ [﴿ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ
٢٦

٢١٣
ذكر شيء من أهوال يوم القيامة
﴾ [الفجر: ٢١ - ٣٠]. وقال
يَأَُّهَا النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّةُ (٦) أَرْجِعِيّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةٌ [٢] فَادْ خُلِ فِ عِبَدِى ◌ِيَّ وَأَدْخُلِ جَنَّى
تُشْقَى مِنْ عَيْنٍ
تَصْلَى نَارًا حَامِيَةٌ
تعالى: ﴿ هَلْ أَتَنِكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَشِعَةُ ( عَامِلَةٌ نَصِبَةٌ
ءَانِيَةٍ ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامُّ إِلَّا مِن ضَرِيعِ ﴿ لَّا يُسْمِنُ وَلَ يُغْنِى مِنْ جُوعِ ® وُجُوهٌ يَؤَمَيِذٍ نَاعِمَةٌ ﴿٨َ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِ جَنَّةٍ
عَالِيَةٍ (٥َ لَّا تَسْمَعُ فِيَهَا لَغِيَةُ (١) فِيَهَا عَيْنٌ جَارِيَّةٌ (١) فِيَهَا سُرٌ مَّرْفُوعَةٌ [٧] وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ (٦) وَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (٢) وَزَرَابِتُ مَبَثُونَةٌ ﴾
[الغاشية: ١ - ١٦]. وقال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿ لَيْسَ لِوَقْعَنِهَا كَذِبَةُ (٥ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴿ إِذَا رُحَّتِ الْأَرْضُ
رَجَّا أَ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسَّا أَ فَكَانَتْ هَبَآءُ مُثْبَثًا ﴿ وَكُنْتُمْ أَزْوَجَا ثَلَاثَةٌ ﴿ فَأَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَبُ اٌلْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحَبُ
إلى قوله :
فِي جَنَتِ النَّعِيمِ
١١
أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّنَ
١٠
وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ
اَلْشِئَمَةِ مَآ أَصْحَبُ اَلَشْئَمَةِ
﴾ [الواقعة: ١ - ٥٦]. ثُمَّ ذَكَر فيها سبحانه جزاء كلٌّ من هذه الأصناف الثلاثة ، كما
﴿ هَذَا نُزُلُمْ يَوْمَ الِدِينِ!
ذكر ما يُبَشَّرُون به عند موتهم واحتضارهم في آخرها ، كأن الإنسان يشاهد ذلك مشاهدة .
وقال تعالى: ﴿ فَتَوَّلَ عَنْهُمُ يَوْمَ يَدْعُ الذَّاعِ إِلَى شَىْءٍ ذُكُرٍ أَ
• الآيات ، وقال في آخرها
...
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُّ (9) ... إلى آخر السورة [ القمر
وقال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُّ وَبَرَزُواْلِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِدٍ
ـ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىْ وُجُوهَهُمُ النَّارُ ◌َ لِيَجْزِىَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ
◌ُقَرَّبِينَ فِ الْأَصْفَادِ [®
[ إبراهيم : ٤٨ - ٥١ ] .
a
سَرِيعُ الْحِسَابِ
وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَحَتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْفِى الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، لِيُذِرَ يَوْمَ النَّلَاقِ (3) يَوْمَ
هُمْ بَشِرُونٌّ لَا يَخْفَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَىْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِّ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ( ألْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَاظَلَمَ
اَلْيَوْمُ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿ وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْخَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلِّمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعِ
يُطَاعُ ﴿ يَعْلَمُ خَبِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِى الصُّدُورُ () وَاللّهُ يَقْضِى بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ١٥ -١٩].
خَلِينَ فِيَّةٍ وَسَآءَ لَهُمْ
وقال تعالى: ﴿ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا يَ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًّا لا
﴾ الآيات إلى قوله ﴿ فَلَ يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا
.
٢٠
يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمْلًا ﴿ يَوْمَ يُفَخُ فِىِ الصُّورِّ وَتَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيِذٍ زُرْقًا !
هَضْمَا ﴾ [ طه: ٩٩ - ١١٢].
وقال تعالى: ﴿ يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِمَا رَزَقْنَكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ
[ البقرة : ٢٥٤ ] .
٢٥
وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ الَّلِمُونَ (
وقال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
[ البقرة: ٢٨١ ] .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ ... ) الآية [ آل عمران: ١٠٦].
وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلَ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ... ) الآية [آل عمران: ١٦١].

٢١٤
ذكر شيء من أهوال يوم القيامة
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَآءُ يَوْمَيِذٍ فَهُمْ لَا
وقال تعالى : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ
﴾ [ القصص: ٦٥ - ٦٦ ] .
يَتَسَآءَ لُونَ لِ
﴾ [ المرسلات : ٣٥ -
وقال تعالى: ﴿ هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ قَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَغَنَذِرُونَ ﴿ وَبِلٌ بَوَمَيِّدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
٣٧]. قال ابن عباس : أي لا ينطقون بحجة تنفعهم .
فأما قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَهُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِنَامَا كُنَّا مُشْرِكِينَ إِيَ أَنْظُرْ كَيّفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا
﴾ [ الأنعام: ٢٣ - ٢٤] .
كَانُواْ يَفْتَرُونَ ()
وكذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ حَمِيعًا فَعْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىْءٍ أَلَّ إِنَهُمْ هُمُ
اَلْكَذِبُونَ ﴾ [ المجادلة: ١٨].
فهذا يكون في حال آخر ، كما قال ابن عباس في جواب من سأله عن ذلك ، كما ذكره البخاري
عنه ، وكذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ (١٦) قَالُواْ إِنَّكُتِ كُمْتَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (﴿ قَالُواْ بَل لَّمْتَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ () وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّنِ سُلْطَانٍ بَلْ كُمْ قَوْمًا طَخِينَ ﴿ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَيِناً إِنَّا لَا بِقُونَ (٢َ فَأَغْوَمِنَكُمْ إِنَّا كُنََّ غَوِينَ
٣١
فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِلْمُجْرِمِينَ ﴿ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَآ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ يَسْتَكْبُونَ
﴾ الآيات إلى قوله :
بََّ جَآءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
وَيَقُولُونَ أَبِنَّا لَتَرِكُوْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعٍِ تَجْنُونٍ
﴾ [ الصافات: ٢٧ _ ٧٥ ] .
﴿ وَلَقَدْ نَادَ نَا نُوٌ فَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ
والآيات في ذكرٍ يوم القيامة وأهواله كثيرة جداً ، مثل الآيات التي في آخر سورة هود: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَآَيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُوٌ ﴿ وَمَا نُؤَخِرُهُ: إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لَا
تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّ ◌ِإِذْنِهٍ، فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ (
خَلِدِينَ فِيهَا مَا
◌َ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقُ (
٤َ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتٍ
دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (
السَمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءَ غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ [ هود: ١٠٣ - ١٠٨ ] أي غير مقطوع، وكذلك سورة ﴿عم
يتساءلون﴾ وسورة ﴿إذا الشمس كورت﴾ وسورة ﴿إذا السماء انفطرت﴾ وسورة ﴿إذا السماء
انشقت﴾ وسورة ﴿المطففين﴾ بكمالها، وسورة ﴿المرسلات﴾ و﴿ النازعات﴾ وسورة ﴿هل أتى
على الإنسان﴾ وسورة ﴿والسماء ذات البروج﴾ و﴿ إذا زلزلت﴾ وآخر ﴿العاديات﴾ و﴿القارعة)
وآخر ﴿ ألهاكم التكاثر﴾ و﴿ الهمزة﴾.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا عبد الله بن بحير(١) الصنعاني القاصُّ: أن عبد الرحمن
ابن يزيد الصنعاني أخبره أنه سَمِع ابن عمر يقول: قال رسول الله وَّهِ: ((مَنْ سَرَّه أَنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمٍ
القِيَامَةِ [ كأنه ] رأي عين، فليَقْرأْ: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾ و ﴿ إِذَا السَّمَاءُ أَنْفَطَرَتْ﴾ و﴿ إِذَا السَّمَةُ أَنْشَقَّتْ﴾
(١) في الأصول : يحيى .

٢١٥
ذكر الأحاديث والآثار الدالة على أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور الكبار
وأحْسَبُه قال : وسورة هود ، وكذا رواه الترمذي عن عباس العنبري عن عبد الرزاق ، به .
ورواه أحمد ، عن إبراهيم بن خالد ، عن عبد الله بن بحير ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، من أهل
صنعاء ، وكان أعلم بالحلال والحرام من وهب بن مُنَبِّه ، عن ابن عمر ... فذكر نحوه(١) .
وفي الحديث الآخر: (( شَيِّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها)(٢).
والآيات في هذا كثيرة جداً في أكثر سور القرآن العظيم ، وقد ذكرنا في كتابنا ((التفسير)).
ما يتعلق بكُلِّ آيةٍ مِنْ هَذِه الآيات الدّالّةِ على صِفَةِ يَوْمِ القِيَامَةِ مِنَ الأَحادِيثِ والآثارِ المُفَسِّرةِ لِذَلك .
ذكر الأحاديث والآثار الدَّالَّة على أهوال يوم القيامة وما يكون في ذلك اليوم من الأمور
الكبار والشدائد وما فيه من المغفرة والرحمة والرضوان والجِنان والنِّيران
قال الإمام أحمد : حدّثنا أحمد بن عبد الملك ، حدّثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء ، حدّثنا نافع
أبو غالب الباهليّ، حدّثني أنس بن مالك، قال: قال رسول الله وَ لَه: ((يُبعثُ الناسُ يومَ القيامة
والسماء تَطُشُّ عليهم)). تفرّد به أحمد، وإسناده لا بأس به(٣).
وفي معنى قوله بََّ: ((تَطِشُّ عليهم)) احتمالان: أحدهما أن يكون ذلك من المطر، أي: تمطر
عليهم ، كما يقال : أصابهم طَشرٌّ من مَطَر، وهو الخفيف منه ، والثاني : أن يكون ذلك من شدّة
الحرّ، وهو الأقرب، والله أعلم، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونٌّ (٤) لِيَوْمْ عَظِيمٍ (® يَوْمَ
﴾ [المطففين: ٤ -٦]، وقد ثبت في ((الصحيح)) ((أنهم يقومون في الرشح، أي
يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ
في العَرَق إلى أنصاف آذانهم)(٤) . وفي الحديث الآخر أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم ، كما
تقدم، وفي حديث الشفاعة كما سيأتي : أن الشّمس تُدْنَى من العباد يوم القيامة ، فتكون منهم على
مسافة ميل ، فعند ذلك يَعْرَقُونَ بحسب أعمالهم .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا قُتَّيِيةُ ، حدّثنا عبد العزيز بن محمد ، عن ثور ، عن أبي الغيث ، عن
أبي هريرة: أنّ رسول الله بَّه قال: ((إنّ العَرَقَ يَوْمَ القيامة لَيَذْهبُ في الأرض سبعين باعاً، وإنّه لَيبلغ
(١) رواه أحمد في المسند (٢٧/٢) و(٣٧) والترمذي رقم (٣٣٣٣) وهو حديث حسن.
(٢) رواه بهذا اللفظ الطبراني (١٧/ ٧٩٠) من حديث عقبة بن عامر، ورواه الترمذي في ((الشمائل)) (٤٢) والبغوي
في (( شرح السنة)) رقم (٤١٧٦) من حديث أبي جحيفة وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده ، ورواه الترمذي
رقم (٣٢٩٧) بلفظ: ((شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت)) والبغوي
في (( شرح السنة )) رقم (٤١٧٥) من حديث ابن عباس ، وهو حديث صحيح .
(٣) رواه أحمد في المسند (٢٦٦/٣ - ٢٦٧) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده .
(٤) رواه البخاري رقم (٦٥٣١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

٢١٦
ذكر الأحاديث والآثار الدالة على أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور الكبار
إلى أفواه الناس، أو إلى آذانهم)) شكّ ثَوْرٌ أَّهُما قال، وكذا رواه مسلم عن قُتَيبة ، وأخرجه البخاري
عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن سليمان بن بلال ، عن ثور بن زيد ، عن سالم أبي الغَيْث ، عن
أبي هريرة، عن رسول الله وَ ل مثله(١).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا الضحاك بن مَخْلد، عن عبد الحميد بن جعفر ، حدثني أبي ، عن
سعيد بن عُمَير الأنصاريّ ، قال : جلستُ إلى عبد الله بن عمر ، وأبي سعيد الخدريّ ، فقال أحدهما
لصاحبه : أيَّ شَيءٍ سَمِعْتَ من رسول الله ﴿ يذكرُ أنّه يبلُغ العَرقُ من الناس يَوْمَ القيامة؟ فقال
أحدهما : إلى شَحْمَتِهِ، وقال الآخر: يُلْجِمُه، فخَطّ ابنُ عُمَر، وأشار أبو عاصم بإصْبَعِه من
[ أسفل] شَحْمَةِ أذنيه إلى فيه، فقال: ما أرى ذلك إلا سواء ؛ تفرَّد به أحمد، وإسناده جيّد قويٌ(٢).
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : حدّثنا الحسنُ بن عيسى، حدّثنا ابن المبارك ، حدّثنا عبد الرحمن بن
يزيد بن جابر، حدّثني سُلَيْم بن عامر، حدّثني المِقْدَادُ بن الأسْوَدِ: سَمِعْتُ رسول اللهِوَلَه يقول :
(( إذا كان يوم القيامة أُدْنِيَتِ الشمسُ من العِبَادِ، حتّى تكونَ قِيد مِيل، أو مِيلَيْن)) قال سُليم: لا أدري
أيَّ الميلين أراد، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تُكْحلُ به العين؟ قال: (( فَتَصْهَرُهم الشمسُ ،
فيكونون في العرق بقدر أعمالهم ، فمنهم من يأخذُه العرق إلى عَقِبَيْه، ومنهم من يأخذه إلى رُكْبَتَيْهِ ،
ومنهم من يأخذه إلى حَقْوَيْهٍ(٣) ومنهم من يُلْجمُه إلْجاماً))، قال: فرأيتُ رسولَ اللهِلَ ◌ّهِ يُشيرُ إلى فيه ،
قال: ((يُلْجمُه إلجاماً))، وكذا رواه الترمذي عن سُوَيْد بن نصر عن ابن المبارك وقال : حسن
صحيح ، وأخرجه مسلم عن الْحَكَم بن موسى ، عن يحيى بن حمزة ، عن ابن جابر ، به ، نحو(٤) .
وقال ابن المبارك عن مالك بن مِغْوَل عن عُبَيْدِ اللهِ بن العَيْزَارِ ، قال : إنّ الأقْدَامَ يوم القيامة مثل
النَّلِ في القَزْنِ، والسعيدُ الذي يجد لِقَدَمَيْهِ موضعاً يَضَعُهُما فيه، وإنَّ الشَّمْسَ لَتُدْنَى من رؤوسهم،
حتى يكون بينها وبين رؤوسهم إمَّا قال: مِيلاً، أو مِيلَيْن، ويُزَادُ في حَرّها تِسْعَةً وستين ضِعْفا٥ً).
وقال الوليد بن مُسلم، عن أبي بكر بن سعيد، عن مُغيث بن سُمَّيّ ، قال: تَرْكُد (٦) الشّمْسُ فوقَ
رؤوسهم على أذْرعٍ ، وتُفْتح أبوابُ جهنم فتهُبّ عليهم رياحُها، وسَمُومُها ، ويخرج عليهم نَفَحَاتُها
(١) رواه أحمد في المسند (٤١٨/٢) ومسلم رقم (٢٨٦٣) والبخاري رقم (٦٥٣٢).
(٢) رواه أحمد في المسند (٩٠/٣).
(٣) الحقو : الخاصرة .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٩١) وأحمد في المسند (٣/٦) والترمذي رقم (٢٤٢١) ومسلم
( ٢٨٦٤ ) .
(٥) رواه ابن المبارك في الزهد ( ٣٧٢ - زوائد نعيم).
(٦) أي : تثبت .

٢١٧
ذكر الأحاديث والآثار الدالة على أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور الكبار
حتّى تَجْرِي الأنْهَارُ مِنْ عَرَقِهم ، أنْتَنَ من الجِيَفِ، والصائمون في جنَّاتِهم في ظِلُّ العَرْشُ(١).
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدّثنا محمد بن منصور الُوسي ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ،
حدّثنا الفضل بن عيسى الرَّقَاشيُّ، حدّثنا محمد بن المُنْكَدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ◌ِلـ:
((إنَّ العَرَقِ لَيَلْزَمُ المَرْءَ في المَوْقِفِ حتّى يقولَ: يَا رَبّ إرسالك بي إلى النار أهْون عليّ ممّا أجدُ ، وهو
يَعْلمُ مَا فِيها من شِدّة العذاب)) إسناده ضعيف(٢).
وقد ثبت في ((الصحيح)) عن أبي هريرة: أنّ رسول الله وَّه قال: (( سَبْعَةٌ يُظلُّهُمُ اللهُ في ظلُّه يوم
لا ظلَّ إلّا ظِلُّه)) - وفي رواية: ((إلَّ ظلّ عَرْشه -: إمامٌ عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبُهُ
مُعَلَّقٌ بالمَسْجد إذا خرج منهُ حتى يَعودَ إليه ، ورجل دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ مَنْصبٍ وجمالٍ ، فقال : إنّي
أخافُ اللهَ، ورجلان تَحابًا في الله اجْتَمعا عليه، وتَفَرَّقا عليه، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى
لا تَعْلَمَ شِمَالُه ما أنْفقتْ يَمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه (٣) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا حسن، ويحيى بن إسحاق ، قالا : حدّثنا ابنُ لَهِيعَةَ ، قال : حدّثنا
خالد(٤) بن أبي عمران، عن القاسم [ بن محمد]، عن عائشة، عن رسول الله﴿ أنَّه قال: «أَتَدْرُونَ
من السابقون إلى ظلّ الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((الذين إذا أُعْطُوا
الحَقَّ قَبلُوه، وإذا سُئلوهُ بذلوه، وحَكَمُوا للنّاس كحُكْمِهِمْ لأنفسهم)). تفرّد به أحمد، وإسناده
مقارب ، فيه ابن لَهِيعَة ، وقد تكلَّموا فيه ، وشيخهُ ليس بالمشهور(٥) .
هذا كلّه والناس موقوفون في مقام ضَنْكٍ ضَيِّق، حَرجٍ شديدٍ صعب إلا على من يَسَّرَهُ اللهُ عليه ،
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يُهَوَّن علينا ذلك المقام ، وأن يجعله علينا يسيراً ، برداً
وسلاماً ، ونعوذ بالله من ضيق يوم القيامة . اللهم اجعل لنا مخرجاً من ذلك، ونسألك أن توسّع علينا
في الدنيا والآخرة ، اللهم اجعلنا مع الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين . آمين .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا يزيد ، أخبرنا الأصْبَغُ هو ابن زيد ، عن ثَوْر بن يزيد ، عن خالد بن
مَعْدانَ، حدثني ربيعة هو ابن عمرو الجُرَشِيّ الشاميّ، قال: سألتُ عائشة فقلت: ما كان رسول الله ﴾
يقول إذا قام من الليل؟ وَبِمَ كان يَسْتَفْتحُ الصلاة؟ قالت: كان يُكبِّر عَشراً، ويحمد عشراً، ويهللُ
عشراً، ويستغفر عشراً، ويقول: ((اللهُمّ اغفر لي، واهدني وازْزُقْني)) عشراً، ويقول: ((اللهُمّ إني
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٩٠).
(٢) رواه البزار رقم (٣٤٢٣ - كشف الأستار ).
(٣) رواه البخاري رقم (٦٦٠) ومسلم (١٣١) بقلب في لفظ الشمال.
(٤)
في الأصل : قال حسن حدثنا خالد ، وهو خطأ .
(٥) رواه أحمد في المسند (٦/ ٦٧)، وإسناده ضعيف.

٢١٨
ذكر الأحاديث والآثار الدالة على أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور الكبار
أعوذُ بك من الضيق يوم الحساب)) عشراً. وكذا رواه النسائيُّ في (( اليوم والليلة)) عن أبي داود
الحَرَّانِيّ ، عن يزيد بن هارون بإسناده مثله، وعنده: (( من ضيق المَقَام يوم القيامة)(١).
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني محمد بنُ قدَامة، حدّثني يعقوب بن سَلمَةَ الأحمرُ، سمعتُ ابنَ
السَّمَّاك يقول: سَمعْتُ أبا واعظِ الزاهدَ يقول: يخرجون من قبورهم يتسكَّعونٌ(٢) في الظلمات ألفَ
عام، والأرض يومئذٍ نار كلُّها٣) ، إن أسْعَدَ الناسِ يَومَئذٍ منْ وَجَد لِقَدَميْه مَوْضِعاً؟).
وقال أيضاً: حدثني هارون بن سُفْيَان، حدّثنا ابنُ نُفَيْلٍ، عن النَّضْر بن عَربيّ قال: بلغني أنّ الناس إذا
خَرجوا من قبورهم كان شعارُهم لا إله إلا اللهُ، وكانت أوّل كلمةٍ يقولها بَرُهم، وفاجرُهم: ربَّنا ارْحمْنا٥) .
وحدثتي حمزة بن العباس ، أخبرنا عبد الله بن عثمان ، أخبرنا ابن المبارك ، أخبرنا سفيان ، عن
سليمان ، عن أبي صالح ، قال : بلغني أن الناس يُحشرون هكذا ، ونكس رأسه ووضع يده اليمنى
علی کوعه اليسرى (٦) .
وحدثني عصمة بن الفضل ، حدّثني يحيى بن يحيى ، عن المعتمر بن سليمان ، عن أبيه قال :
سمعتُ سيَّار٧ُ) الشاميَّ قال: يخرجون من قبورهم وكلُّهم مذعورون، فيناديهم مُنادٍ: ﴿يَعِبَادِلَا
خَوْفُ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَآ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] فيطمعُ فيها الخلق فيُتْبِعُها: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِثَايَتِنَا
وَكَانُواْمُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف: ٦٩] فَيأْسُ منها الخلقُ غيرُ أهلِ الإسلامُ(٨).
ورَوى من حديث عبد الرحمن بن زيدبن أسلم ، عن أبيه ، عن ابن عمر ؛ قال : قال
رسول الله وَل: (( ليس على أهل لا إله إلا الله وَخْشةٌ في قبورهم، ولا يَوْمَ نُشُورِهم، وكأنِّي بأهْل
لا إله إلا الله يَنْفُضُون التُّرَاب عن رؤوسهم)) ويقولون: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ﴾ [ فاطر:
٣٤(٩) . قلت: وله شاهد من القرآن العظيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ
أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ﴿ لَا يَسَمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِ مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَلِدُونَ ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ اُلْأَكْبَرُ
(١) رواه أحمد في المسند (١٤٣/٦) والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٧٠٦) وهو حديث صحيح .
(٢)
في هامش (آ) : فيتمعكون .
(٣)
في (آ) ماء كلها .
رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١١٤).
(٤)
رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ( ١٠٣ ).
(٥)
رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٠٤).
(٦)
(٧) فى (أ) يسار.
رواه ابن أبي الدنيا في «الأهوال)) (١٠٥).
(٨)
رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٧٠) ورواه الطبراني في «الأوسط)) (٩٤٧٨) وإسناده ضعيف.
(٩)

٢١٩
ذكر الأحاديث والآثار الدالة على أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور الكبار
وَتَقَّتُهُمُ الْمَلَتَبِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيِّ السّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا
بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَاْ إِنَّا كُنَا فَعِلِينَ﴾(١) [الأنبياء] .
وقال أبو بكر بن أبي الدُّنيا : أخبرنا أبو حفص الصفّار ، حدّثنا جعفر بن سليمان ، حدثنا
إبراهيم بن عيسى اليشكري : بلغنا أنّ المؤمن إذا بُعث من قبره تَلَقّاه ملكان، مع أحدهما دِيباجَةٌ ، فيها
بَرَدٌّ ومِسْك ، ومع الآخر كوبٌ من أكواب الجنَّةِ فيه شراب ، فإذا خرج من قبره خَلَط المَلَك ذلك البرَدَ
بالمِسْكِ فَرَشّهُ عَلَيْهِ وصَبَّ لهُ الآخرُ شَرْبةً، فيناوله إيّاها، فَيَشْرَبُها، فلا يَظْمأ بَعْدَها أبداً، حتَّى يَدخُلَ
الجَنَّةَ، فأما الأشقياءُ، والعياذ بالله، فقال الله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ
◌َْ حَتَّ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَبْنِ
فَرِينٌ (٢) وَإِنَّهُمْ لَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَنَحْسَبُونَ أَنَهُم ◌ُهْتَدُونَ (
فَبِّسَ الْقَرِينُ (٢٤) وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِ الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ [ الزخرف].
وذكرنا في ((التفسير)): أنّ الكافر إذا قام من قبره أخذ بيده شيطانُه، ويلزمَهُ فلا يفارقه ، حتى
يُرْمى بهما في النَّار، وهكذا كل فاجر وفاسق غافل عن ذِكر الله مضيِّع لأمره ، وقال تعالى :
وَحَتْ كُلُّ نَفْسِ مَّعَهَا سَأَبِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] أي مَلَكٌ يَسُوقُه إلى الْمَحْشَرِ، وآخَرُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ بأعمالِه ،
وهذا عامّ في الأبرار والفُجَّار ، وكلُّ بِحَسَبَه ﴿ لَّقَدْ كُنْتَ فِ غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا﴾ أي : أيها الإنسان الغافل عما
خلق له ﴿ فَكَتَفْنَا عَنكَ غِطَآءَ ◌َ فَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] أي: نافذٌ قويّ حادِّ ﴿ وَقَالَ فَرُِ هَذَا مَا لَدَىَّ عَبْدُ ﴾
[ ق : ٢٣] أي : هذا الذي جئتُ به هو الذي وُكِّلْتُ به، فيقول الله تعالى عند ذلك للسائق والشهيد :
﴿ أَلْقِيَا فِ جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِدٍ ﴿ مَتَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْنَدٍ قُرِيبٍ﴾ [ق: ٢٤ - ٢٥] أي: ليس فيه خير ويمنع غيره من
الخير ، ومع ذلك هو مُريب ، أي : هو في شك ورَيْب . ثم انتقل إلى من هو متلبِّس بأعظم من ذلك ،
وقد تجتمع في العبد هذه الأربعة المذمومة المقبوحة التي هي أقبح الخصال ، وأعظمها وأقبحها الشرك
بالله، فقال تعالى: ﴿ الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ... ﴾ الآيات، إلى قوله تعالى:
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ آَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ﴿ وَأُزَّلِفَتِ الْجَنَّهُ لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ... ﴾ الآيات [ق: ٢٦ -٣١].
وقال الإمام أحمد : حدّثنا يحيى هو ابن سعيد القَطّان ، عن ابن عَجْلان، عن عمرو بن شُعَيْب ،
عن أبيه ، عن جدّه، عن النبيّ وَّر قال: ((يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القيامةِ أمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَر الناس ،
يعلوهم كلُّ شيءٍ مِن الصَّغَارِ ، حَتَّى يَدْخُلوا سِجْناً في جَهَنَّمَ ، يقال له: بُولَس فتعلوهم نار الأنْيَارِ(٢)،
فيُسْقَونَ من طينةِ الْخَبَالِ عُصَارَةٍ أَهْلِ النَّارِ)) . ورواه الترمذي والنسائي جميعاً، عن سُوَيْد بن
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (١٠٧) ورواه الطبراني في «الأوسط (٩٤٧٨) وإسناده ضعيف)).
(٢) أي نار النيران.

٢٢٠
ذكر الأحاديث والآثار الدالة على أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور الكبار
نصر، عن عبد الله بن المُبَارَك ، عن محمد بن عَجْلان، به ، وقال الترمذيّ: حسن(١) .
وقال الحافظ أبو بكر البزّار : حدّثنا محمد بن عُثْمان العُقَيْلَيّ ، حدّثنا محمد بن راشد ، عن
محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ في
صُور الذَّرّ، يومَ القيامةِ)) ثم قال: تفرّد به محمد بن عثمان ، عن شيخه(٢) .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب ((أهوال القيامة)): حدّثنا عبدُ الله بن عمر الجُشَمِيُّ، حدّثنا
يحيى بن سعيد، عن هشام، أبنا قَتَادةُ، عن الحسن، عن عمران بن الحُصَيْن: أنّ رسول الله وَ لِّ كان
في بعض أسفاره ، وقد تفاوت (٣) بين أصحابه السيرُ، فرفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ
رَبَّككُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ (®َ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ
﴾ [ الحج ] فلما سمع ذلك
حَمْلٍ خَملَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اَلَّهِ شَدِيدٌ
أصحابُه حَقُّو(٤) المَطيَّ، وعلموا أنّه عند قولٍ يقولُه، فلمّا تَأَشَّبُوا٥) حَوْلَه، قال: «أتدرُونَ أَيَّ يومٍ
ذاك؟ يومَ يُنادَى آدم، يُنَادِيهِ رَبُّه، يقولُ: يا آدمُ، ابْعَثْ بَعْثَ النَّار، قال: يا رَبِّ، ومَا بَعْثُ النَّارِ؟
قال : منْ كلِّ ألف تِسْعُمئةٍ وتِسْعةٌ وتِسْعُونَ إلى النار، وواحدٌ إلى الجَنَّةَ)) قال: فأُبلس (٦) أصحابه ،
حتى ما أوضحُوا بِضَاحِكةٍ، فلما رأى ذلك قال: (( اعملوا، وأبشروا، فوالذي نفسُ: محمَّدٍ بيدِه إنَّكم
لَمَعْ خَلِيقَتَيْن ما كانتَا مع شيءٍ إلّا كَثَّرَتَاهُ: يأُجُوجَ ومأجوجَ ، ومن هلَك من بني آدم ، ومنْ بَني إبليس)»
قال: فَسُرِّي عنهم، ثم قال: (( اعملوا، وأبشروا، فوالذي نفسُ محمد بيده ما أنْتُم في الناس إلّ
كالشامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعير ، أو كالرَّقْمَةِ في ذراع الدَّابة)) وقد رواه الترمذيّ والنسائيّ جميعاً، عن
محمد بن بَشّار ( بُنْدار )، عن يحيى بن سعيد القطّان، به ، وقال الترمذي: هذا حسن صحيح(٧).
فصل
فإذا قام الناس من قبورهم وجدوا الأرض غير صِفَةِ الأرض التي كانوا فيها وفارقوها ، قد دُگَّتْ
جبالُها ، وزالت تِلالُها ، وتغيّرتْ أحوالها ، وانقطعت أنْهارها ، وبادتْ أشجارُها ومساكنها ومدنها
(١) رواه أحمد في المسند (١٧٩/٢) والترمذي رقم (٢٤٩٢) وهو حديث حسن .
(٢) رواه البزار (٣٤٣٠ - كشف الأستار ) وهو حديث حسن.
(٣)
في الأصل : تقارب .
حثوا المطي ، حملوها على الإسراع في السير .
(٤)
(٥)
أي تجمعوا واختلطوا .
أي : أسكتوا، والمُبْلس : الساكت من الحزن أو الخوف ، والإبلاس : الحيرة .
(٦)
(٧) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٢٢) والترمذي (٣١٦٩) والنسائي في ((الكبرى)) (١١٣٤٠) وهو حديث صحيح.