Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ذكر طرق حديث: (( بعثت أنا والساعة كهاتين )) ذكر طرق الحديث الذي روي عن رسول الله صله كلَّ طرفة عين، أنه قال وِِّ: ((بُعِثْتُ أَنَا والساعةَ كِهَاتيْنِ)) رواية أنسِ بنِ مالك ، رضي الله عنه قال الإمام أحمد : حدّثنا أبو المغيرة ، حدثنا الأوزاعيّ ، حدثنا إسماعيل بن عُبَيْد الله ، يعني ابن أبي المهاجر الدمشقي ، قال : قدم أنس بن مالك رضي الله عنه على الوليد بن عبد الملك ، فسأله: ماذا سَمِعْتَ من رسول الله وَ لَهَ يَذْكُر به الساعة؟ قال: سمعتُ رسول اللهِ وَّل يقول: ((أنْتُمْ والساعةُ كَتَيَّنٍ (١) ، تفرد به أحمد من هذا الوجه (٢). طریق أخری عنه قال الإمام أحمد : حدثنا هاشم، حدثنا شُعْبَةُ، عن أبي التّاحِ، وقَتَادَةَ، وحَمْزةَ، وهو ابن عمرو الضَّبيُّ: أنّهم سَمعُوا أنس بنَ مالكِ يقول عن النبي نََّ: ((بُعِثْتُ أنا والساعة هكذا)) وأشارَ بالسبابةِ والوُسْطَى ، وكان قتادة يقول: كفَضْلٍ إحداهما على الأخرى . وأخرجه مسلم من حديث شُعْبَةً عن حمزة الضبيّ هذا، وأبي التياح ، كلاهما عن أنس ، به(٣). طريق أخرى عنه قال الإمامُ أحمد : حدّثنا يَزِيدُ، حدّثنا شُعْبةُ، عن قتادةَ، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ◌َّ قال: ((بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين))، وأشار بالسبّابة والوسْطَى. وأخرجه البخاريّ، ومُسلم، والترمذيّ من حديث شُعْبة به ، وفي رواية لمسلم عن شُعْبَة ، عن قتادة ، وأبي التّاح ، كلاهما عن أنس به ، وقال الترمذيّ : حسن صحيح(٤) . طريق أخرى عنه روَى الإمامُ أحمد ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، عن زياد بن أبي زياد المدني، عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسولَ اللهِ بَله يقول: (( بُعثتُ (١) وفي بعض النسخ: كهاتين، وهما بمعنى واحد، وأراد بهما الإصبعين، كما في الحديث المشهور . (٢) رواه أحمد في المسند ( ٣/ ٢٢٣) وهو حديث صحيح . (٣) رواه أحمد في المسند (٢٢٢/٣) ومسلم رقم (٢٩٥١) (١٣٤). (٤) رواه أحمد في المسند (١٢٤/٣) والبخاري (٦٥٠٤) ومسلم (٢٩٥١) (١٣٣) (١٣٤) والترمذي (٢٢١٤). ١٦٢ ذكر طرق حديث: ((بعثت أنا والساعة كهاتين " وَالساعة كهاتين)) ومدَّ إصبَعَيه السّابة والوُسْطَى. تفرّد به أحمد، وإسناده لا بأس به(١). طريق أخرى عنه قال مسلم في ((صحيحه)): حدّثنا أبو غَسّانَ، مالك بن عبد الواحد، حدّثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُلَيْمانَ ، عن أبيه ، عن مَعْبدَ بن هِلال العَنَزِيّ، عن أنس بن مالك أنّ رَسولَ اللهِ وَ لَه قال: (( بُعثتُ أنا والساعة كَهَاتينِ )). تفرد به مُسلم(٣) . طريق أخرى عنه قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شُعْبةُ ، عن أبي التياح ، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله وَّ قال: ((بُعِثْتُ أنا والساعة كهَاتينٍ)) وبَسطَ إصْبَعَيْهِ السّابةَ والوُسطَى. وأخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث شُعْبَةَ، عن أبي التياح يَزِيدَ بن حُميد - وزاد مسلم : وحمزةً الضبي - عن أنسٍ، به (٣). رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال الإمام أحمد : حدثنا مُصْعَب بن سَلاَّم ، حدّثنا جعفر ، هو ابن محمد بن علي بن الحُسَيْن ، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، قال: خَطَبنا رسولُ الله وَّةِ، فَحِمِدَ الله وَأَثْنَى عليه بما هو أهله ، ثم قال: (( أما بَعْدُ، فإنّ أصْدَق الحَدِيث كتابُ الله، وإنّ أَفْضَل الهَدْي هَذْيُ مُحَمَّدٍ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدثَاتُها، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَاَلَةٌ)) ثُمَّ يَرْفَعُ صَوْتَهُ وَتَحْمَهُ وَجْنَتَاهُ، وَيَشْتَدُّ غَضَبُه إذَا ذَكَرَ الساعةَ كأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، ثم يقول: ((أَتَتْكُم الساعةُ، يُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَة هكَذَا)) وأشار بأصْبَعَيْهِ السََّابَةِ وَالوُسْطَى، ((صَبَّحَتْكُمُ السَّاعَةُ ومسَّتْكم، من ترك مالًا فَلأَهْلِهِ، وَمَنْ تَركَ دَيناً أو ضَياعاً فإليَّ، وعليّ)) وَالضَّيَاعُ: وَلَدُه المسَاكِينُ . وقد رواه مُسلم، والنَّسائي ، وابن ماجه ، من طرق ، عن جعفر بن محمد ، به ، وعند مسلم قال: (( بُعِثْتُ أنا والساعة كهَاتين) (٤) . رواية سهل بن سعد ، رضي الله عنه قال مسلم : حدّثنا سعيد بن منصور ، قال : وحدّثنا قُتَيْبَةُ بنُ سعيد ، واللفظ له ، حدّثنا يعقوب ، (١) رواه أحمد في المسند (٢٣٧/٣). (٢) رواه مسلم ( ٢٩٥١) (١٣٥). (٣) رواه أحمد في المسند (١٣١/٣) والبخاري (٦٥٠٤) ومسلم (٢٩٥١) (١٣٤). (٤) رواه أحمد في المسند (٣/ ٣١٠ - ٣١١) ومسلم رقم (٨٦٧) والنسائي في ((الكبرى)) (١٧٨٦) وابن ماجه (٤٥). ١٦٣ حديث في تقريب يوم القيامة بالنسبة إلى ما سلف من الأزمنة هو ابن عبد الرحمن، عن أبي حازم: أنّه سَمِعَ سَهْلاً يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يُشِيرُ بإصْبَعهِ التي تَلِي الإِبْهامَ، والوُسْطَى، وهو يقول: ((بُعِثْتُ أنا والساعة هكذا)). تفرّد به مسلمٌ(١). رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال الحافظ أبو يَعْلَى الموصلي : حدثنا أبو هشام ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو حَصِينٍ ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِوَّرَ: ((بعثت أنا والساعة كهَاتَّيْنِ)) وضَمَّ إِصْبَعَيْه . وقد رواه البخاري ، عن يحيى بن يوسف ، عن أبي بكر بن عَيّاش ، عن أبي حَصِين ، عُثْمانَ بن عَاصِم، عن أبي صالح، ذَكْوَان، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ِّ، قال: (( بُعِثْتُ أنا والساعة كَهَاتَيْن)». ثم قال البخاري: وتابعه إسرائيل، ورواه ابن ماجه، عن مَنّاد بن السَّرِيِّ، وأبي هشام الرفاعي ، عن أبي بكر بن عَيّاش به ، وقال : وجمع بين إصبعيه (٢) . [ رواية أبي جبيرة بن الضحاك ] وقال أبو بكر بن أبي الدُّنْيَا : حَدثنا أبو مسلم ، عبد الرحمن بن يونس ، حدثنا سُفْيانُ ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قَيْس بن أبي حازم ، عن أبي جَبِيرةَ بن الضّحّاك ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله وَّهُ: ((بُعِثْتُ في نسمِ الساعة)) يقول: حين بَدَتْ في أوّل وَقْتِها. وهذا إسنادٌ جَيّد، وليس هو في شيء من الكتُب ، ولا رَواه أحمد بن حَنْبَل (٣) وإنّما رَوى لأبي جَبِيرةَ حَديثاً آخر في النهي عن التَّنَابُرُ بالألقاب(٤) . حديث في تقريب يوم القيامة بالنسبة إلى ما سلف من الأزمنة قال الإمامُ أحمد : حدّثنا أبو اليَمانِ ، حدّثنا شُعَيْبٌ، عن الزهريّ ، أخبرني سالم بن عبد الله ، أنّ عبد الله بن عَمُرَ قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِّه وهو قائم على المِنِبَر، يقول: ((إنما بقاؤكم فيما سَلَفَ قَبْلَكُمْ من الأُمم ، كما بَيْنَ صلاَةِ العَصرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، أُعطيَ أَهْلُ الثَّورَاةِ الثَّورَاةَ فعملوا بها ، حتَّى إذا انْتَصَّفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطاً قِيرَاطاً، ثم أُعْطِي أهْلُ الإنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فعَمِلُوا به حَتَّى صَلاةِ العَصْرِ [ ثم عجزوا]، فأُعْطُوا قِيراطاً قِيرَاطاً، ثُمّ أُعْطِيتُم القَرْآنَ فعَمِلتُمْ بِهِ حَتَّى غَرَبَت الشَّمْسُ (١) رواه مسلم ( ٢٩٥٠). (٢) رواه البخاري (٦٥٠٥) وابن ماجه (٤٠٤٠). رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٥) والدولابي في ((الكنى)) (٢٣/١) وهو حديث صحيح ، ونسم الساعة (٣) من النسيم ، وهو أول هبوب الريح الضعيفة ، أي بعثت في أول أشراط الساعة وضعف مجيئها . (٤) رواه أحمد في المسند (٢٦٠/٤) والحاكم (٢/ ٤٦٣) والترمذي رقم ( ٣٢٦٨) وهو حديث صحيح . ١٦٤ حديث في تقريب يوم القيامة بالنسبة إلى ما سلف من الأزمنة فَأُعْطِيْتُمْ قِيرَاطَيْن قِيرَاطَيْن، فقال أهْلُ التَّوْراةِ والإِنْجِيل : رَبّنا، هَؤُلَاءِ أَقَلُّ عَمَلاً، وأكْثَرْ أَجْراً ؟ فقال: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ قالوا: لا ، فقال: فذاك فضلي أوتِيه مَنْ أَشاءُ)). وهكذا رواه البخاريّ عن أبي اليمالُ(١) . وللبخاريّ من حديث سُفْيانَ الثوريّ ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله وَ﴾: ((إنّما أَجَلُكُمْ فِي أَجَلٍ مَنْ خَلاَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ، كمَا بَيْن صَلاَةِ العَصْرِ ومَغْرِبِ الشّمْسِ، ومَثَلُكُمْ ومَثَلُ الْيَهُودِ والنّصَارَى ... )) فذكر الحديث بتمامه، وطوله (٢) . طريق أخرى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال الإمامُ أحمد: حدّثنا الْفَضْلُ بنُ دُكَيْنٍ ، حدّثنا شَرِيكٌ، سمعتُ سلَمَةَ بنَ كُهَيلٍ ، يُحَدّث عن مجاهد، عن ابن عمر ، قال : كُنَّا جُلُوساً عند النبيِّ مَ، والشمسُ على قُعَيْقِعانٌ(٣) ، بعدَ العَصْرِ ، فقال: ((ما أعمارُكُمْ في أعْمارِ مَنْ مَضَى إلّا كمَا بَقِيَ مِنَ النَّهارِ، فيما مَضَى مِنْهُ)). تفرّد به أحمد . وهذا إسناد حسن ، لا بأس به(٤) . طريق أخرى عنه قال أحمد : حدّثنا إسماعيل بن عمر ، حدّثني كَثِير بن زيد، عن المطلب بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر : أنّه كان واقفاً بعَرَفاتٍ ، فنظر إلى الشمس، حين تدلَّت مثلَ التُّرْس للغُروب ، فَبَّكَى، واشتدّ بكاؤه ، فقال له رجل عنده : يا أبا عبد الرحمن ، قد وقفتَ معي مراراً فلم تصنع هذا؟! فقال: ذَكَرْتُ رسول الله بِ﴿ه، وهو واقف بمكاني هذا، فقال: ((أيُّها الناس إنّه لم يَبْقَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى مِنْهَا إلّ كِمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا، فيما مضى منه)). تفرّد به أحمد٥ُ) . طريق أخرى عنه قال الإمامُ أحمد: حَدّثنا يُونُس، حدثنا حماد، يعني ابن زَيْد٦) ، عن أيوبَ ، عن نافع ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّه: ((ألا إنّ مَثل آجالكم في آجال الأُمم قَبْلَكُمْ، كما بَيْنَ صلاة رواه أحمد في المسند (١٢١/٢) والبخاري ( ٧٤٦٧). (١) (٢) رواه البخاري (٥٠٢١). قعيقعان : جبل بمكة . (٣) رواه أحمد في المسند (٢/ ١١٥ - ١١٦) أقول : شريك النخعي ضعيف ، ولكن الحديث صحيح بطرقه . (٤) (٥) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٣٣) وإسناده ضعيف، وهو حسن لغيره . (٦) في الأصول : يعني ابن عمر ، وهو خطأ . ١٦٥ حديث في تقريب يوم القيامة بالنسبة إلى ما سلف من الأزمنة العصر إلى مُغَيرِبان١ُ) الشَّمْس)). ورواه البخاريّ عن سُلَيمانَ بن حَرْب عن حمّاد بن زَيْد ، به ، نحوه، بأبْسَط مِنْهُ(٢). وروى الحافظ أبو القاسم الطَّبرَانيُّ، من حديث عَطِيّةِ العَوْفِيّ ، ووَهْب بن كيسان ، عن ابن عمر ، عن النبيّ وَ ل*ّ بنحو ذلك(٣). وهذا كلُّهُ يَدُلّ على أنّ ما بقي من الدنيا بالنِّسْبةِ إلى ما مَضَى منها شيءٌ يَسِيرٌ، لكن لا يَعْلَمُ مِقْدَارَ ما مَضَى منها إلّا اللهُ تعالى، ولا ما بقي إلا الله تعالى، ولكن لها أشراط إذا وُجدت كانت قريبة والله أعلم، ولَمْ يَجِئْ في حديث تَحْدِيدٌ يَصِحّ سَنَّدُه عن المعصوم، حتى يُصَارَ إليه، ويُعْلَمَ نِسْبَةُ ما بَقِي بالنِّسْبة إليه ، ولكنَّه قلِيلٌ جِداً بالنِّسْبةِ إلى الماضي ، وتعيينُ وقت الساعة ، لم يأت به حديث صَحِيح ، بل الآياتُ والأحاديثُ دالَّةٌ على أنّ عِلْمَ ذَلِك ممّا استأثَر اللهُ تعالى به ، دون خَلْقه ، كما سيأتي تقريرُه في أول الجزء الآتي بعد هذا ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة وعليه التكلانُ . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حَنْبَل، رحمه الله في (( مُسْنَدِه)) قائلاً: حدثنا أبو اليمان ، أنبأَنَا شُعَيبٌ، عن الزهريّ، حدّثني سالم بن عبد الله، وأبو بكر بن أبي حَثْمة٤ُ) أن عبد الله بن عمر قال: صلى رسول الله وَلَ صلاة العِشَاءِ في آخرِ حَياتِهِ، فَلَمّا سلم قام ، فقال : (( أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فإنّ على رأسِ مئةٍ سنةٍ منها لا يبقَى مِمَّنْ هو اليومَ على ظَهْرِ الأرض أَحَدٌ )) قال عبد الله: فَوَهَلٌ(٥) الناسُ في مَقَالَةِ رسول الله ◌ِ ◌َّ تِلْك، إلى ما يُحَدِّثُون مِنْ هَذِه الأحاديث ، عن مئةِ سَنَةٍ. وَإِنّما قال النبيُّ ◌َّهُ: ((لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَومَ على ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ )) يريد بذلك أنّه يَنْخَرِمُ ذَلِكَ القرْنُ . وهكذا رواه البخاريّ عن أبي اليمَانِ بسنده ولفظه سواء . ورواه مسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن أبي اليمان الحَكَم بن نافعٍ عن شُعَيْبٍ، به ٦) . فقد فسّر الصحابيُّ المرادَ من هذا الحديث بما فَهِمَهُ، وهو أولى بالفَهْم من كُلِّ أَحَدٍ ، مِنْ أنّه يُريدُ عَلَيْهِ الصلاةُ والسلامُ بذلك أنْ يَنْخَرِمِ قَرْنُه ذَلِكَ، فلا يَبْقَى أحد مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ على وَجْهِ الأرض مِنْ أهْلِ ذلك الزَّمانِ من حين قال هذه المقالة إلى مِئَّةِ سَنةٍ . وقد اختلف العلماءُ ، هل ذلك خاصٌّ بذلك القرن، أو عامّ في كلّ قَرْنٍ أنه لا يبقى أحَدٌ أكْثَرَ مِنْ مئةِ سَنَةٍ ؟ على قولين، والتخصيص بذلك القرن المُعَيّن الأوّلِ أوْلَى، فإنّه قد (١) وقت غروبها . (٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٢٤) والبخاري ( ٢٢٦٨). (٣) أخرجه الطبراني في ((الأوسط )) رقم (٤٩٨) من طريق وهب به ، وهو حديث حسن . (٤) في الأصول : أبو بكر بن أبي خيثمة ، وهو خطأ ، والتصحيح من مصادر التخريج . (٥) أي غلطوا . (٦) رواه أحمد في المسند (١٢١/٢) والبخاري رقم (٦٠١) ومسلم ( ٢٥٣٧). ١٦٦ حديث في تقريب يوم القيامة بالنسبة إلى ما سلف من الأزمنة شُوهِدَ أن بعضَ الناس قد جاوز مئةَ سَنَةٍ ، وذلك طائفة كثيرة من الناس ، كما قد ذكرنا هذا في كتابنا هذا في وفيات الأعيان، فالله أعلم. ولهذا الحديث طرق أخرى عن النبي وَالطهر . رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال أحمد : حدثنا أبو النّضْر، حدثنا المباركُ، حدّثنا الحَسَن ، عن جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله وَ﴿ سُئِلِ عن الساعة قَبْلَ أن يَمُوتَ بِشَهْرٍ، فقال: ((تَسْأَلُوني عن الساعة، وإنّما عِلْمُها عند الله، فوالّذِي نَفْسِي بِيَدِه، ما أعْلَمُ اليومَ نَفْساً يَأْتِي عَلَيْهَا مِنَّةُ سَنَةٍ)) . تفرّد به أحمدُ ، وهو إسناد جيّد حسن، رجاله ثقات، أبو النّضْر هاشمُ بن القاسم، من رجال «الصحيحين))، ومبارَكُ بن فَضَالَةَ، حديثُه عند أهل السُّنَن، والحسنُ بن أبي الحَسن البَصْرِيّ من الأئمّة الثِّقَاتِ الكِبارِ ، وروايتُهُ مُخَرَجَةٌ في الصِّحاح كُلِّها ، وَغيرِها١) . طريق أخرى عن جابر رضي الله عنه قال الإمامُ أحمد : حدّثنا حَجّاج ، قال ابن جريج ، أخبرني أبو الزُّبَيْر : أنّه سمع جابرَ بن عبد الله يقول: سمعت رسول اللّه وَله يقول قَبْلَ أنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: ((تَسْألُونِي عَنِ السَّاعةِ وإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ، وأُقْسِمُ باللهِ ما على الأرض نفسٌ منفوسةٌ اليوم يأتي عليها مئةُ سنةٍ ». وكذا رواه مسلم ، عن هارون بن عبد الله ، وحجّاج بن الشاعر ، عن حَجّاج بن محمد الأعور ، وعن محمد بن حاتم ، عن محمد بن بكر ، كلاهما عن ابن جُرَيْج ، به (٢) . وقال مسلم في ((الصحيح)): باب تقريب قيام الساعةِ . حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةً وأبو كُرَيبٍ ، قالا : حَدّثنا أبو أسامَةَ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان الأعرابُ إذَا قَدِمُوا على رسول الله﴿ سألوه عن الساعة، فنَظر إلى أحْدَث إنسانٍ مِنْهُم، فقال: ((إنْ يعشْ هذا لم يُدْرِكُه الهَرَمُ، قامت عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)). تفرّد به الإمام مُسلم رحمه الله(٣). ثم قال مسلم : حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، حدّثنا يونس بن محمد، عن حمّادِ بن سَلَمة ، عن ثابت، عن أنس: أنّ رَجُلاً سأل رَسُولَ الله ◌ِّهِ: متى تقومُ الساعة؟ وعنده غُلاَمٌ من الأنصار ، يقال له : محمد، فقال رسول الله وَ﴿ه: ((إِنْ يَعِشْ هذا الغلامُ، فعسى أَلَا يُدْرِكَهُ الهَرَمُ حتّى تَقُومَ الساعة)) . تفرّد به مسلم من هذا الوجه . (١) رواه أحمد في المسند (٣٢٦/٣) أقول: فيه سنده ضعف ، وهو حديث صحيح بطرقه. (٢) رواه أحمد في المسند (٣٨٤/٣ _ ٣٨٥) ومسلم (٢٥٣٨). (٣) رواه مسلم ( ٢٩٥٢). ١٦٧ ذكر دنو الساعة وأنها لا تأتي إلا بغتة ولا يعلم وقتها على التعيين إلّ الله تعالى ثم قال مسلم : وحدّثني حَجَاجُ بنُ الشاعر، حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب، حدثنا حمّادٌ ، يعني ابنَ زَيْدٍ ، حدثنا مَعْبَدُ بنُ هِلاَلِ العنَزِي، عن أنس بن مالك: أنّ رَجُلاً سأل النبيَّ بَِّ، قال: متَى تَقُومُ الساعة؟ قال: فسكت النبيُّ رَّه هُنَيهَةً، ثمّ نظرَ إلى غُلاَم بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فقال: ((إنْ عُمِّرَ هذَا، لَمْ يُدْرِكُهُ الهَرَمُ، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ)) قال أنس : ذَاك الغُلامُ من أتْرابِي يومئذ. تفرّد به مسلم أيضاً ، من هذا الوجه . ثم قال مسلم : حدّثنا هارونُ بنُ عبد الله، حدثنا عَقَّانُ بنُ مُسْلم، حدّثنا هَمَّامٌ ، حدّثنا قَتَادَةُ ، عن أنس قال: مَرَّ غُلامٌ لِلمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَكَان مِنْ أَقْراني، فقالَ رَسولُ اللهِوَ: ((إِنْ يُؤَخَّرْ هذَا فَلَنْ يُدْرِكَهُ الهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). ورواه البخاري، عن عمرو بن عاصم، عن هَمَّام، به (١). وهذه الرواياتُ تدلّ على تَعْدادِ هذا السؤال ، وهذا الجواب ، وليس المراد بذلك تحديدَ وَقْتِ الساعة العُظْمَى إلى وَقْتِ هَرَم هذا الغلام المُشارِ إلَيه، وإنّما المراد سَاعَتَهُمْ، وهو انْقِراضُ قَرْنِهِمْ، وَعَصْرِهِم، وأن قُصَارَاهُ تَتَاهَى في مُدَّةِ عُمُرِ ذَلكِ الغُلام، كما تقدّم في الحديث : (( تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ وإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ، وأُقْسِمُ باللهِ مَا على الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ يَأْتِي عَلَيْهَا مِنَّةُ سنةٍ » وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ رِوايةُ عَائِشَةَ رضي اللهُ عَنْها : قَامَتْ عَلَيْكُمْ ساعتكم ؛ وذلك أنَّهُ مَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ في حُكْم القِيَامَةِ، فإنَّ عَالَم البَرْزَخِ قَرِيبٌ مِنْ عَالَمِ يَومِ القِيَامَةِ ، وفيه شَبَةٌ مِنَ الدُّنيَا أيضاً، ولكنْ هُوَ أَشْبَةً بِالآخِرة، ثُمَّ إِذا تَنَاهَتِ المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِلدُّنْيَا، أَمَر اللهُ بِقِيامِ السَّاعَةِ، فَجُمِعَ الأَوَّلُونَ والآخِرُونَ لِمِيقَاتٍ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، كما سيأتي بيانُ ذلك من الكتاب والسنَّةَ، والله سبحانه المستعانُ(٢). ذِكر دُنوّ الساعة واقترابها وأَنها آتيةٌ لا ريب فيها ، وأنها لا تأتي إلّا بَغْتَةً، ولا يعْلَم وقتَها على التعيين إلّا اللهُ تعالى قال الله تعالى: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]. وقال تعالى: ﴿ أَفَ أَمْرُ ﴾ [ الأحزاب ]. وقال اللَّهِ فَلَ تَسْتَعِْلُوهُ﴾ [النحل: ١]. وقال تعالى ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ل تعالى: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿َ لِلْكَفِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٥) مِنَ اللَّهِ ذِى الْمَعَارِجِ ( تَعْرُجُ الْعَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فَأَصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٥) وَتَرَنَّهُ قَرِيبًا (٥) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُمُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ كَمُهْلِ هَ وَتَكُونُ اَلِبَالُ كَأَلْعِهْنِ ﴿ وَلَا يَشَْلُ حَمِيهُ حَمِيعًا (١) يُصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج]. وقال تعالى: ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [ القمر]. وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةٌ مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ (١) رواه مسلم رقم (٢٩٥٣) والبخاري رقم ( ٦١٦٧). (٢) في النسخة (م) في هذا الموضع : آخر الجزء الأول من خط المصنف ، أول الثاني . ١٦٨ ذكر دنو الساعة وأنها لا تأتي إلا بغتة ولا يعلم وقتها على التعيين إلا الله تعالى ﴾ [برس]. وقال تعالى: ﴿كَنَّهُمْ يَوَّمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ٤٥ قَدْ خَسِيرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ٢٧ ﴾ [ النازعات]. وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِىّ أَنزَلَ الْكِشَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانُ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ ( ضُحَهَا يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَآ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِ السَّاعَةِ لَفِى ﴾ [الشورى]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِىِ الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَيٍِ زُرْقًا لِلَ يَتَّخَفَتُونَ يَنْنَهُمْ ضَلَلِ بَعِيدٍ ﴾ [طه ]. وقال تعالى ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لِّئْتُمْ إِلَّا يَوْمًا إِن لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا أ ﴿ قَلَ كُمْ لِثْتُمْ فِىِ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴿ قَالُوْلَبِئْنَا يَوْمًا أَوْ بَعَّضَ يَوْمٍ فَسْتَلِ الْعَآَدِينَ (١) قَلَ إِن لَِّثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ [١] ﴾ [المؤمنون]. وقال تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُنْ سَنَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّ لَا يُحَلَِّهَا لِوَقِهَاَ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِ إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَقْنَّةُ يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا فِيَمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا (٤٦) إِلَى رَبِّكَ [الأعراف]. وقال تعالى: ﴿يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرُسَهَا يَعْلَمُونَ [النازعات]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)] فَلَا يَصُدَّنَّكَ ٤٤ مُنْتَهَنَهَا عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى (٥)﴾ [١]. وقال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللّه وَمَا يَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (﴿ بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّ بَلْ هُمْ فِ شٍَّ مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ (@)﴾ [ النمل]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَبِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [ لقمان ] . ولهذا لمّا سَأَلَ جبريلُ عليه السلامُ رسولَ الله ◌ِّهِ عن الساعة، قال له: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ)) - يعني قد استوى فيها عِلْمُ كُلّ مسؤولٍ وسائلٍ بطريق الأولى والأَخْرَى، لأنّه إنْ كانَت الأَلْف واللَّمُ في المَسْؤول والسائل للعَهْدِ عائدةً عليه وعلى جبريل ، فكلّ أحدٍ ممّن سواهُما لا يَعْلَمُ ذَلِكَ بطريق الأَوْلَى والأَحْرَى، وإنْ كانت للجِنْسِ عَمّتْ بطريق اللفّظِ واللهُ أعلم -. ثم ذكر النبيُّ ◌َّل شيئاً مِنْ أشراط الساعة، ثم قال: ((في خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللهُ، ثُمَّ قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]١)، وقال تعالى: ﴿﴿ وَيَسْتَنَِّئُونَكَ أَحَقُّ هُوِّ قُلْ إِى وَرَبِيَ إِنَّهُ لَحَقِّ وَمَا أَنْتُم ﴾ [يونس). وقال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبٍِّ لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَلِمِ الْغَيْبِّ بِمُعْجِزِينَ لَا يَغْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِىِ كِتَبٍ مُبِينٍ أَ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيرٌ (®َ وَالَّذِينَ سَعَوْ فِى ءَايَتِنَا مُعَجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْرٍ أَلِيمٌ ﴾﴾ [سبأ]. وقال تعالى: ﴿ زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوًا أَنْ لَّنْ يُبْعَثُوْ قُلْ بَى وَرَبِّ لَُعَثُنَّثُم ◌َنْقَوُنَّ بِمَا عَمِلْتُمَّ ﴾ [التغابن ] . وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فهذه ثلاثُ آياتٍ، أمر اللهُ سبحانه رسولَه أن يُقْسِمَ به فيهن على إتيان المَعَادِ ، وإعادة الخلق ، (١) رواه البخاري رقم (٥٠) ومسلم رقم (٩). ١٦٩ ذكر دنو الساعة وأنها لا تأتي إلا بغتة ولا يعلم وقتها على التعيين إلا الله تعالى وجمعهم ليوم لا ريب فيه، ولا رابع لهن مِثْلُهنَّ، ولكن في مَعناهُنّ كثير، قال الله تعالى: ﴿ وَأَقْسَمُواْ ◌ْ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى ◌ِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَا يَبعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوثٌ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ِ ٤٠ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُوْ كَذِبِينَ (٢) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النحل ]. وقال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ﴾ [لقمان]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآَنِيَةٌ (٥)﴾ [غافر]. وقال تعالى: ﴿،َأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَهَا ◌ِجَ رَفَعَ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى آخر السورة [ النازعات: ٢٧ - ٤٦]. سَمْکَھَا فَسَوّنھَا وقال تعالى: ﴿﴿ قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥) أَوْ خَلْقَاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مِن يُعِيدُنَّا قُلِ الَّذِى فَطَرَّكُمْ أَوَّلَ مَرَّوَّ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوْ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَنَسْتَجِيبُونَ يُحَمْدِهِ، وَتَظُنُّونَ إِن لَِّئْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَكْمًا وَصُنَّ مَأْوَنَهُمْ جَهَتٌَّ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا (٨) ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِشَايَئِنَا وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَا أَعِنَا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٥) ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُّ عَلَىّ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَالَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّ كُفُورًا (٢)﴾ [الإسراء]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا خَلَقْنَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ( ... ﴾ إلى آخر السورة [ يس: ٧٧ - ٨٣ ]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعِىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَىَّ أَن يُحْثِىَ الْمَوْقَى بَلَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ( ﴾ [الأحقاف ] . وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٦) وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ قَسِنُونَ () وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُمُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾﴾ [الروم ]. وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَنَّهُ يُحِيِ الْمَوْقَ وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ ءَاتِيَّةٌ لََّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ الْقُبُورِ! ﴾ [ الحج ] . ٧ ثُمَّخَلَقْنَا النُّطْفَةَ ـّ ◌ُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِنِ سُلَلَةٍ مِّن طِينٍ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَمَ ◌َحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَهُ خَلْقَاءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اَللَّهُ أَحْسَنُ ـَ ثُمَّإِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ تُبْعَثُونَ (١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمُ سَبْعَ طَرَّبِقَ وَمَا كُنََّعَنِ أُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَسِتُونَ اُلْخَلِقِینَ اَلْخَلْقِ غَفِلِينَ ﴾ [ المؤمنون ] . فَيَسْتَدِلّ تعالى بإحياء الأرض الميتة على إحياء الأجساد بعد موتها وفنائها ، وتمزّقها ، وصيروتها ١٧٠ ذكر دنو الساعة وأنها لا تأتي إلا بغتة ولا يعلم وقتها على التعيين إلّ اللّه تعالى تُراباً وعظاماً ، ورُفاتاً ، وكذلك يَسْتَدِلّ بِبَدْأَة الخلق على إعادة النشأة الآخرة ، كما قال تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْالْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَبُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقِّ ثُمَّ اللَّهُ يُنِشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾﴾ [العنكبوت]. وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِى نَزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الزخرف]. وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيْتٍ فَأَحَْيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ الْتُّشُورُ ٩ ﴾ [فاطر] وفي الأعراف: ﴿ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْقَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٥١ [ الأعراف ] . وكذلك سورة ﴿ق﴾ من أولها إلى آخرها ، فيها ذكر بعث ونشور، وكذلك سورة الواقعة ، والقرآن كُلُّه طافح بهذا ، ولا تبديل لكلمات الله . [ الإنسان ] وقال تعالى : ٢٨ وقال تعالى: ﴿نَّحْنُ خَلَقْتَهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمِّ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآَ أَمَثَلَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿ كَلَّ إِنَّا خَلَقْتَهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَرِقِ وَالْغَرِبِ إِنَّا لَقَدِّرُونَ (٤٦) ◌َ أَنْ تُبِلَ خَيْرً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوِقِينَ ( [ المعارج]. وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَمِنَا لَمَرْ دُودُونَ فِ الْحَافِرَةِ ﴿ أَءِذَا كُنَّا عِظَمَا تَّخِرَةَ ﴿ قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ( ﴾ [ النازعات ] . فَإِنَّا هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (٧) فَإِذَا هُمْ بِلسَّاهِرَةِ [® وسورة الصافات فيها آيات كثيرة تدل على المعاد ، وكذلك سورة الكهف وغيرها . وقد ذكر الله سبحانه إحياء الموتى وأنه أحيا قوماً بعد موتهم في هذه الحياة الدنيا في سورة البقرة في خمسة مواضع منها : في قصّة بني إسرائيل ، حين قَتل بعضُهم بعضاً لمّا عبدُوا العجل ، في أول [ البقرة ] وفي قصة البقرة : السورة فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة] فإنه أحيا ذلك الميت ﴿ فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُخِى اَللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لما ضربوه ببعضها، وفي قصة: ﴿الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وفي قصة الذي ﴿مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّ يُحِىء هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْتَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ثم أحيا حماره، والقصة معروفة ﴿ فَلَمَّا تَبَّنَ لَمُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ ◌َ﴾ [البقرة] والخامسة قصة إبراهيم عليه السلام والطير ﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْرَهِمُ رَبِّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْى شَىْءٍ قَدِيرٌ اَلْمَوَّْ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنَّ قَالَ بَلَىٌّ وَلَكِن لِيَطْمَيِنَ قَلْبِىّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ ﴾ [ البقرة ] . جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيَاً وَاعْلَمْ أَنَّاللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وذكر تعالى قصة أصحاب الكهف ، وكيف أبقاهم في نومهم ثلاثمئة سنة شمسية ، وهي ثلاثمئة وتسعُ سنين قمرية، وقال فيها: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَاَ ﴾ [ الكهف : ٢١ ] . ١٧١ ذكر زوال الدنيا وإقبال الآخرة فجعل سبحانه ذلك دلالة على إحياء الموتى ، وإتيان الساعة لا ريب فيها ، والله سبحانه أعلم . ذِكر زوال الدنيا وإقبال الآخرة أوّل شيء يطرق أهلَ الدنيا بعد وقوع أشراط الساعة نَفْخَةُ الفَزَع ، وذلك أن الله سبحانه وتعالى يأمر إسرافيلَ فينفخ في الصور نفخةَ الفَزع ، فُيُطَوّلها ، فلا يبقى أحد من أهل الأرض ولا السموات إلّا فزع ، إلّ مَنْ شاء الله، ولا يَسمعُها أحدٌ من أهل الأرض إلّا أصْغَى لِيتاً ورَفَع لِيتاً ، أي رفع صَفْحَةَ عُنقِه ، وأمالَ الأخرى ، يستمع هذا الأمر العظيم الذي قد هال الناس ، وأزعجهم عما كانوا فيه من أمرٍ الدنيا ، وشغلِهم بها ، ووقوع هذا الأمر العظيم . قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يُنفَعُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللّهُ وَكُلُّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ [ النمل ] . ٨٨ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَزَّ السَّحَابِ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىّ أَنْقَنَ كُلَّ شَىءٍ إِنَّهُ خَبِيْرٌ بِمَا يفعلونُ(١) وقال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءٍ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (﴾ [ص]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى التَّاقُورِ ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ (٥) عَلَى الْكَفِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾﴾ [المدثر]. وقال تعالى: ﴿قَوْلُهُ أُلْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ [ الأنعام ] . ثم بعد ذلك بمدَّة يأمرُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ الله تعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق ، فَيَصْعَقُ مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض ، إلّا مَنْ شاء الله ، ثم يأمرُهُ فَيَنْفخ فيه أخرى فيقومُ الناسُ لربّ العالمين. كما قال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِ الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِيخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِهَا وَوُضِعَ ﴿ وَؤُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا اُلْكِتَبُ وَحَِّ بِالنَّبِنَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ الزمر]. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُمْ صَدِقِينَ (٢) مَا يَنْظُرُونَ إِلََّّ صَيْحَةٌ وَحِدَةً نَفْعَلُونَ الآيات، إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا أَسْتَطَاعُواْ مُضِيًّا وَلَا يَزَجِعُونَ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ ٦١ [ يس : ٤٨ _ ٦٧ ] . وقال تعالى: ﴿فَإَِّ هِىَ زَجْرَةٌ وَحِدَةٌ (١) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (١٦﴾ [النازعات] وقال تعالى: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا ﴾ [الكهف ] . وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ ﴾﴾ [القمر] وقال تعالى: ﴿وَنَفْغَ فِ اَلُّورِ تَعْنَهُمْ جَمْعًا ( ﴾ [ المؤمنون ] وقال تعالى : وقال تعالى: ﴿ فَإِذَاتُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَبِذٍ وَلَا يَتَسَاءَ لُونَ ﴾ [ الحاقة ] . فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ نَفْخَةٌ وَحِدَةٌ (١) إلى قوله: ﴿لَّا يَأْكُ: إِلَّ الْخَطِعُونَ (١) هي بالياء على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو ، وابن عامر، وشعبة - بِخُلْفٍ عنهما - ويعقوب . ورواية حفص عن عاصم : تفعلون بالتاء . ١٧٢ ذكر زوال الدنيا وإقبال الآخرة وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِ الصُورِ فَأْتُونَ أَفْوَاجًا لِيَ﴾ الآية [النبأ: ١٨]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِ الصُّورِ وَتَخْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقَاتِ ﴾ [طه: ١٠٢ ] الآيات. وقد قال الإمام أحمد : حدّثنا إسماعيلُ ، حدثنا سُلَيمان التيمي عن أسْلم العِجْلَيّ ، عن بِشر بن شَغَاف، عن عبد الله بن عمرو قال: قال أعرابيّ: يا رسول الله، ما الصُّور؟ قال: (( قَرْنٌ يُنْفَخُ فيه)). ثمّ رواه عن يَحْيِىَ بن سَعِيد القَطَّان، عن سُلَيْمانَ بن طَرْخَانَ الَّيميّ، به ، وأخرجه أبو داود ، والترمذيّ ، والنَّسائيّ، من طُرق، عن سُلَيْمانَ التيمي، عن أَسْلمَ العِجلي به ، وقال الترمذيّ : حسن ، ولا نعرفه إلّا من حديث أسلم العجلي(١) (٢). وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا أَسْبَاطِ ، حدثنا مُطَرِّف ، عن عَطِيَّة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : فَإِذَا يُقِرَ فِ النَّقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، قال: قال رسول الله مَّه: ((كَيْفَ أنعم وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ الْتَّقَمَ القَرْنَ، وحَنَى جَبْهَتَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنفُخُ؟!)) فقال أصحاب رسول الله وَّهِ: يا رسول الله، كيف نَقُول؟ قال: (( قُولُوا: حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيلُ، على الله تَوكلْنَا)). انفرد به أحمد ، وقد رواه أبو كُدَيْنَةَ، يحيى بن المُهَلَّب، عن مُطَرِّف به(٣) . وقال الإمام أحمد : حدّثنا سُفْيانُ، عن مُطرّف، عن عَطِية، عن أبي سَعيد، عن النبيّ ◌َِّر ، قال: ((كيف أَنْعَمُ وقد التقم صاحبُ القَرْنِ القَرْنَ، وحنى جَبْهَتَه، وأصْغَى سَمْعَهُ ينظر متى يؤمر؟!)) قال المسلمون : يا رسول الله، فما نقول؟ قال: ((قولُوا: حَسْبُنا الله ونعْمَ الوكيلُ ، على الله تَوَكَّلنا )). وأخرجه الترمذيّ، عن ابن أبي عمر، عن سُفْيان بن عُيَيْنَةَ، وقال : حسن ، ثم رواه من حديث خالد بن طَهْمَانَ ، عن عَطِيّة ، عن أبي سعيد به ، وحَسَّنه أيضاً . وقال شيخنا أبو الحجاج المِزِّيّ في ((الأطراف)): ورواه إسماعيل بن إبراهيم أبو يَحْيَى التيمي ، عن الأعمش، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد. هكذا قال رحمه الله ، وكذا رواه أبو بكر بن أبي الذُّنيا، في كتاب ((الأهوال))، فقال: حدثنا عُثمانُ بن أبي شَيْئَةَ، حدّثنا جريرٌ، عن الأعمش ، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول الله مَّله: ((كيف أنعم وصاحِبُ الصُّورِ قد الْتَقَمِ الصُّورَ، وحَنَى جَبْهَتَهُ ينتظر مَتَى يؤمر أنْ يَنْفُخَ فينفخ ؟!)) قلنا: (١) كذا قال المصنف هنا، وفي ((جامع المسانيد)) له. والذي في نسخ الترمذي المطبوعة: لا نعرفه إلا من حديث سليمان التيمي . (٢) رواه أحمد في المسند (١٦٢/٢ و١٩٢) وأبو داود (٤٧٤٢) والترمذي (٢٤٣٠) و(٣٢٤٤) والنسائي في الكبرى (١١٤٥٦) وهو حديث صحيح . (٣) رواه أحمد في المسند (٣٢٦/١) وهو حديث حسن . ١٧٣ ذكر زوال الدنيا وإقبال الآخرة يا رسول الله، ما نقول؟ قال: «قولوا: حَسْبُنا الله، ونِعْمَ الوَكِيلُ»١). وقد قال أبو يَعْلَى الموْصِليّ في مُسْندِ أبي هريرة - أبو صالح عن أبي هريرة -: حدثنا أبو طالب ، عبد الجبار بن عاصم(٢) ، حدّثني موسى بن أعْينَ الحرّانيّ، عن الأعمش، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وعن عمران عن عَطِية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وََّ: (( كيف أنعم، أو كيف أنْتُمْ، (شَكّ أبو طالب)، وصاحبُ الصُّورِ قَد الْتَّقَمِ القَرْنَ بفيه وأصْغَى سَمْعَهُ، وَحَتَى جبينه ينتظِرُ مَتَّى يُؤْمَرُ فَينفخُ؟! )) قالوا : يا رسول الله، كيف نقول ؟ قال: ((قولوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ، على اللهِ تَوكلنا )) . وقال الإمام أحمد : حدّثنا أبو معاوية ، حدّثنا الأعمش ، عن سعد الطائيّ ، عن عَطِيّة العَوْفيّ ، عن أبي سَعِيد الخُدْرِيّ، قال: ذكر رسول الله وَ لَه صاحبَ الصُّور، فقال: ((عَنْ يَمِينه جِبريل ، وعن يساره مِيكَائِيلُ، عليهم السلام (٣) . وقال ابنُ ماجه : حَدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ ، حدّثنا عَبّاد بن العوّام ، عن حجّاج ، عن عَطِية ، عن أبي سعيد ، قال: قال رسول الله: ((إنّ صاحِبَي الصُّورِ بأَيْدِيهِمَا)) - أَوْ («في أيْدِيهِما - قَرْنَانِ، يُلاَحِظان النَّظَرَ : مَتَّى يُؤْمرانٍ )(٤) . وقال الإمامُ أحمد: حدّثنا يحيى بنُ سعيد، عن التيميّ، عن أسلم عن أبي مُرَيَّةُ(٥) عن النبي وَّ أو عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ وَّه قال: (( النّفاخان في السماء الثانية، رأْسُ أحدهما بالمَشْرِق ورِجْلاَهُ بالمَغْرب)) - أو قال: ((رأسُ أحدهما بالمغرب، ورجلاه بالمشرق - ينْتَظران مَتَى يُؤْمران يَنْفُخَانِ فِي الصُّورِ فَيَنفخان )) . تفرّد به أحمد، وأبو مُرَيََّ هذا اسمه عبدُ الله بن عمرو العِجْلِيّ ، وليس بالمشهور(٦) ولعل هذين الملَكين، أحدهما إسرافيل وهو الذي ينفخ في الصّور كما سيأتي بيانه في حديث الصُّور بطوله، والآخر هو الذي يَنْقُرُ فِي النَّاقُورِ، وقد يكونُ الصُّور والنّاقُور اسم جِنْسٍ يَعُمُّ أفراداً كثيرةً، أو الألف واللام فيهما للعَهْد، ويكون لكلِّ واحدٍ منهما أَتْبائعٌ يفعلون كفِعْلِه، والله أعلم بالصواب . (١) رواه أحمد في المسند (٧/٣) والترمذي (٣٢٤٣) و(٢٤٣١) وابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) ( ٥٠) وهو حديث صحيح . (٢) في الأصول : عبد الجبار بن صالح . (٣) رواه أحمد في المسند ( ٩/٣) وإسناده ضعيف . رواه ابن ماجه رقم ( ٤٢٧٣) وهو منكر، والمحفوظ بلفظ «صاحب القرن». (٤) ويقال : أبو مراية ، وهو الأكثر . (٥) (٦) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٩٢) وهو ضعيف للشك في إرساله واتصاله ، ولجهالة أبي مرية ، كما أومأ إليه المصنف . ١٧٤ حديث الصور بطولة ونفخاته وقال ابن أبي الدُّنيا : أخبرنا عُبَيدُ الله بنُ جرير ، حدّثنا موسى بن إسماعيل ، حدّثنا عبد الواحد بن زياد، حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن الأصمُ(١) عن يزيد بن الأصَمّ ، قال : قال ابنُ عبّاس : إنّ صاحِبَ الصورِ لَمْ يَطْرِفْ مُنْذُ وُكِّل به ، كَأنَّ عَيْنَّهِ كَوْكَبَانِ دُرِّيّانِ يَنْظُرِ تُجَاهَ العَرْشِ مَخَافة أَنْ يُؤْمَرِ أَنْ يَنْفُخَ فيه ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدٌ إِلَّهِ طَرْفُه(٢) . وحَدّثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر مُشْكُدانةُ(٣) حدثنا مروانُ بنُ معاوية ، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصَمّ، عن يَزِيدَ بن الأصَمّ، عن أبي هريرة، قال: رسول الله وَّ: (( ما أطْرَفَ صاحبُ الصُّورِ مُنذُ وُكِّلٍ به ، مُسْتَعِدٌّ يَنْظُرُ نَحْوَ العَرْشِ مَخَافة أنْ يُؤْمَرَ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْهِ طَرْفُه، كأنّ عَيْنِیه گَوكَبانِ دُرِّيّانِ (٤) . حديث الصور بطوله قال الحافظ أبو يَعْلَى المَوْصِليّ في ((مُسْندِه)): حدّثنا عمرو [بن] الضحّاك بن مَخْلَد ، حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، حدّثنا أبو رافع، إسماعيلُ بن رافع ، عن محمد بن [ یزید بن أبي ] زیاد، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة، قال: حدّثنا رسولُ الله ◌َله وهو في طائفةٍ من أصحابه ، قال: ((إنّ اللهَ تَعالَى لَمّا فَرِغَ مِنْ خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرض خَلقَ الصُّورَ ، فأعطاهُ إِسْرَافيل، فَهُو واضِعُه على فيه شَاخصاً إلى العَرْشِ بِبَصرِه، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ فينفخ))، قال : قلتُ : يا رسول الله، ما الصُّور؟ قال: ((قَرْنٌ))، قلت: كيفَ هُوَ؟ قال: ((عَظِيمٌ))، قال: ((والذي بعثني بالحقّ ، إنَّ عِظَم دَائِرَةٍ فيه كعَرْض السَّمواتِ والأرضِ ، يُنْفَعُ فيه ثَلاَثُ نَفَخَاتٍ ، الأولى نَفْخَةُ الفَزَع ، والثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصّعْقِ، والثالثةُ نَفْخَةُ القِيامِ لربّ العالمين، يأمرُ اللهُ إسرافِيلَ بالنّفْخة الأولى ، فيقول : انْفُخْ نَفْخَةَ الفَزَعَ ، فَيَنفُخُ نَفْخَةَ الفَزَعِ، فَفَزَعُ أهْلُ السَّمواتِ والأرضِ إلّا مَنْ شَاءَ اللهُ، ويأمره تعالى ، ﴾ [ص]، فَيَمُدُّها ويُطيلها، ولا يَفْتُرُ، وهِيَ التي يقول اللهُ: ﴿ وَمَا يَظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّ صَيْحَةُ وَحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ! فَتَسِيرُ الجبالُ سَيْرِ السَّحَابِ، فتكونُ سَرَاباً، وَترتَجُ الأرْضُ بأهْلِها رَجّاً، فتكونُ كالسَّفَيِنِ المُوبَقَةِ(٥) في البَحْر، تضرِبُها الأمواجُ تُكْفَأُ بأَهلِها، كالقِنْديل المُعَلَّق بالعَرْش تُرجَّحُه الأَرواحُ ، ألا وهو الذي (١) اختلفت الأصول في اسمه ، والصواب ما أثبتنا. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الأهوال )) (٥١ ) وهو حديث حسن. (٣) هو لقب عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي ، وهي كلمة فارسية معناها : وعاء المسك . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٤٦) وهو حديث حسن. (٥) الموبقة : أي المحبوسة . ١٧٥ حديث الصور بطوله ونفخاته يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاحِفَةُ (٤) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ثبَّ قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاحِفَةُ الثََّ أَبْصَرُهَا خَشِعَةٌ (٥)﴾ [النازعات]. فَتَمِيدُ بالناس على وجهها، وَتَذْهَلُ المَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الحَوامِلُ، وَيَشِيبُ الوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبةً مِنَ الفَزَعِ، حتّى تَأْتِيَ الأَقْطَارَ، فَتلقَاهَا الملائكة تَضْرِبُ وُجوهَهَا، فَتَرْجِعُ، ثم توَلُّونَ مُدبِرِينَ : مَالَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصمٍ ، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ النَّنَادِ (٣)﴾ [غافر] فبينما هم على ذلك، إذ تصدّعت الأرضُ تَصَدُّعَيْنِ من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، فَرأَوْا أمراً عَظِيماً لم يَرِوا مِثْلَهُ، وأَخَذِهمْ لِذَلِك من الكَرْبِ والهَوْلِ ما اللهُ بِهِ عَلِيمٌ ، ثم تُطْوَى السَّماءُ ، فإذا هِيَ كالمُهْلِ ، ثم انْشَقَّتِ السَّماءُ فانْتَثَرتْ نُجُومُها، وخَسَفَتْ شَمْسُها، وقَمرُهَا . قال رسول الله وَ لّ: ((الأمواتُ لا يَعْلَمونَ بشَيْءٍ مِنْ ذلك)) قال أبو هريرة: يا رسول الله، مَنِ استَثْنِى اللهُ حِينَ يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] قال: ((أولئِكَ الشُّهَداءُ ، إنّما يَصِلُ الفَزَعِ إلى الأحياء وهم أحياءٌ عِنْدَ رَبِّهم يُرْزَقُونَ، فوقَاهُمُ اللهُ فَزَع ذلك اليوم ، وأمنهم منه، وهو عذاب الله يَبْعثُه على شِرار خَلْقه، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَاهُمْ بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٥)﴾ [الحج: ١ -٢]. فيمكثون في ذلك العذاب ما شاء الله سبحانه ، إلا أنه يطولُ، ثم يأمر الله إسرافيلَ ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ ، فَيَصعق أهل السموات ، والأرض ، إلا مَنْ شاء الله، فإذا هم خَمَدُوا ، جاء ملكُ الموت إلى الجبّار تعالى، فيقول: يا رَبّ، مات أهلُ السموات، والأرض ، إلا مَنْ شِئْتَ، فيقول الله تعالى له ، وهو أعلم بمن بقي : مَن بقي؟ فيقول: يا رَبّ، بقيتَ أنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يموت، وبَقِيَتْ حَمَلَةُ عَرْشك ، وبقي جِبْرِيلُ ، ومِيكَائِيلُ ، وبَقِيتُ أنا، فيقول اللهُ عَزَّ وجلّ: لِيَمُتْ جبريلُ، وميكائيلُ ، فيُنْطِقُ سبحانه العرشَ فيقول : يا رب يموتُ جبريلُ، وميكائيل؟! ، فيقول الله سبحانه للعرش : اسكتْ ، إني كتبْتُ الموتَ عَلَى كُلِّ مَنْ كان تَحْتَ عَرْشي ، فيموتان ، ثم يأتي مَلكُ الموت إلى الجبّار عَزّ وجَلّ فيقول : يا رَبّ ، قد مات جبريلُ، وميكائيلُ، فيقول ، وهو أعلم بمن بقي : فَمَن بقي ؟ ، فَيَقُولُ : يَا رَبّ، بَقِيتَ أنت الحَيُّ الذي لا يمُوتُ، وبقِيَ حَمَلةُ عَرْشِكَ، وبقَيِتُ أنا ، فيقول اللهُ تعالى: فَلْيَمُتْ حَمَلةُ عَرْشي، فَيَمُوتُونَ، ثم يأمرُ اللهُ سبحانه العَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ مِنْ إسرافيلَ ، وإسرافيل من جملة حملة العرش، ثم يأتي ملَكُ الموت إلى الجَبّار عَزّ وجَلّ ، فيقول : يا رب قد مات حمَلةُ عَرشِك ، فيقول تبارك وتعالى وهو أعلمُ بِمَن بقِي : فمن بقي ؟ فيقول : يا ربّ ، بقيتَ أَنْتَ الحيّ الذي لا يموت، وبقيتُ أنا، فيقول الله له : أنْتَ خَلْق مِنْ خَلْقِي، خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ ، فَمتْ، فيموتُ ، فإذا لم يبقَ إلا اللهُ - قال ابن أبي الدنيا : ثنا محمدُ بن الحسين ، ثنا يونس بن يحيى الأمويُّ أبو نباتة ، ثنا إسماعيلُ بن ١٧٦ حديث الصور بطوله ونفخاته رافع ، عن محمد بن كعبِ القُرَظيِّ قال: بلغني أنَّ آخرَ مَن يموتُ مِنَ الخلقِ ملَكُ [الموتِ ] ، يقال له : يا ملك الموت، مُتْ مَوْتاً لا تَحْيا بعدَه أبداً. قال: فَيَصْرُحُ عندَ ذلك صرخةً لو سمِعها أهل ﴾ [ غافر ]١). السموات والأرض ، لماتوا فزعاً، ثم يقول تعالى: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمِ لِلَّهِ الْوَحِدِ الْقَهَّارِ الَّ وقد رواه ابنُ أبي الدنيا أيضاً عن إسحاقَ بن إسماعيل ، عن إبراهيم بن عُيَينةً ، عن إسماعيلَ بن رافع ، [ عن محمد بن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمد بن كعب القُرَظِيِّ ]، عن رجلٍ ، عن أبي هريرةَ ، مرفوعاً بهذا٢) . ورواه الحافظ أبو موسى المدينيُّ من طريق محمد بن شعيب بن شَابُورَ ، عن إسماعيلَ بن رافع ، عن محمد بن كعب ، عن أبي هريرة، عن النبيِّينَ﴿ نحو هذا الحديث، وفيه: ((يَا ملَكُ، أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي، خَلْقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ، فَمُتْ، ثُمَّ لا تَحْيَا أَبَداً)). قال أبو موسى: لم يُتَابَعْ إسماعيلُ على هذه اللفظةِ ، ولم يقلْها أكثر الرواةِ - قال : ((فَإِذَا مَاتَ مَلَكُ الْمَوْتِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّ اللهُ الواحدُ الأحدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ وَلَمْ يُولدْ ولم يكن له كفواً أحد، كان آخراً كما كَانَ أَوّلًا، طَوَى السمواتِ والأرضَ ، كطَيِّ السِّجِلّ للكتاب ، ثم دَخَاهُمَا، ثم تَلَقَّفَهُمَا ثَلاثَ مَرّاتٍ، وقال: أنَا الجَّار، ثلاثاً، ثم يَهِمُ بصَوْته: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ أَيَوْمٌ﴾؟ ثلاثَ مَرّاتٍ، فلا يُجِيبُّهُ أَحَدٌ، ثم يقول لنفسه تعالى: ﴿لِلَّهِ الْوَجِدِ الْقَهَّارِ﴾، ويُبَدِّلُ اللهُ الأرْضَ غَيْرَ الأرضِ والسَّمواتِ ، فَيَبْسُطها، ويَسْطَحُهَا، ويَمُدُّها مَذَّ الأديم العُكَاظِيِّ، لا تَرى فيها ◌ِوجَاً ولا أمْتاً ، ثم يَزْجُرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرَةً وَاحِدَةً ، فإذا هُم في مثل هذه المُبدَّلَةِ في مثل ما كانوا فيه من الأولى ، مَنْ كان في بطنها كان في بطنها ، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها ، ثم يُنزل الله عليهم ماءً من تحت العرش ، ثم يأمر الله السَّمَاء أن تُمطرَ ، فتُمْطر أربعين يوماً ، حتّى يكون الماءُ فوقهم اثني عشر ذراعاً ، ثم يأمرُ الله الأجْسَاد أن تنْبُت ◌َنبات الطَرائيت(٣)، أو كَنبات البَفْل، حتّى إذا تكاملت أجسادهم ، فكانت كما كانت قبل الموت ، قال الله تعالى: لِتَحْيَ حَمَلةُ عَرشي، فَيَحْيَون ويأمر الله إسرافيلَ فَيأخذ الصُّورَ ، فَيَضَعُه على فيه ، ثم يقول: لِيَحْيَ جبريل، وميكائيل، فيحيّيَان ، ثم يدعو الله بالأزواح فَيَوْتى بها تَتَوَهَّجُ أرواحُ المسلمين نُوراً، والأخرى ظُلمَةً ، فَيَقْبِضُها جَمِيعاً ، ثم يُلقيها في الصُّور ، ثم يأمر الله إسرافيلَ أن يَنْفُخ فيه نفخَةَ الْبَعْثِ ، فينفخ نفخة البعث فَتَخْرُج الأرواحُ من الصور كأنها النَّحْلُ، قد مَلَأَتْ ما بَيْنَ السماءِ والأرض. فيقول الله تعالى: وعِزَّتي وجَلاَلِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ روح (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٥٨). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأهوال)) (٥٥) وإسناده ضعيف. (٣) الطرائيت : جمع طرثوث ، وهو نبت طري ضعيف كأول ما ينبت من الأرض . ١٧٧ حديث الصور بطوله ونفخاته إلى جَسدها . فتدخُل الأرواحُ في الأرض إلى الأجساد . فتدخُل في الخَيَاشيم ، ثم تمْشِي في الأجساد مَشْيَ السُّمِّ في اللَّدِيغ، ثم تنشَقّ الأرض عنكم ، وأنا أوّل مَنْ تَنْشَق الأرض عنه، فتَخْرُجُون منها سراعاً ﴾ [القمر: ٨] حُفاة عراة غُلفاً غُولًا ، ثم إلى رَبكم تَنْسلون ﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعُ يَقُولُ اَلْكَفِرُونَ هَذَا يَوْمُ عَبِيرٌ تقفون مَوْقفاً واحداً مقدار سَبْعِينَ عاماً ، لا يُنظر إليكم ولا يُقْضَى بينكم ، فتبكون حتّى تَنْقَطع الدموع ، ثم تدمَعُون دماً ، وتَعْرَقُون حتى يَبْلُغَ ذلك منكم أن يُلْجمِكُمْ أو يبلغ الأذْقان، فَتَضِجُون وتقولون : مَنْ يَشْفَعُ لنَا إلى رَبِّنَا لَيَقْضِي بَيْنَا ؟ فيقولون : مَنْ أَحَقُّ بِذَلك من أَبيكم آدم؟ خَلَقه الله بِيَدِه ، وَنفَحْ فيهِ مِنْ رُوحه، وكلَّمَهُ قِبَاء١َ) ، فيأتون آدم ، فيطلبون ذلك إليه ، فيأبى ، فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ، ثم يَستَقْرُونَ الأنبياءَ نِبِيّاً نبِيّاً ، كلما جاؤوا نبِيّاً أبى عليهم)) قال رسول الله وَلَهُ: ((حتّى يأتوني، فأنْطلِقُ، حتّى آتيَ الفَحْصَ، فأخرُ ساجداً)) قال أبو هريرة: يا رسول الله، ما الفحص؟ قال: ((قُدّام العَرْش، حتّى يَبْعَثَ الله إليّ مَلكاً ، فَيَأْخُذَ بِعَضُدِي فَيَرْفَعُنِي ، فيقول لي : يا محمد ، فأقول : نعم ، لبَّيْكَ يا رب، فقال : ما شأنك ؟ وهو أعلم ، فأقول : يا ربّ ، وَعدتني الشَّفَاعة، فَشَفِّعني فِي خَلْقِك، فاقْضِ بَيْنهُمْ، فيقول : شَفَّعتكَ، أنا آتيكم فأقضي بينكم)) قال رسول الله بَّرَ: ((فأرجع، فأقفُ مع الناس ، فبينما نحنُ وقوف، إذْ سَمِعْنَا حِسّاً من السماء شديداً، فنزل أهْلُ السماء الدنيا مِثْلَ مَنْ في الأرض من الجنّ والإنس، حتّى إذا دَنَوْا من الأرض أَشْرَقَتِ الأرضُ بِنُورهم، وأخَذُوا مَصافَّهم ، قلنا لهم : أفيكم ربّنا ؟ قالوا : لا ، وهو آتٍ ، ثم ينزل أهل السماء الثانية ، بمثل مَنْ نَزل من الملائكة، من أهل السماء الدنيا ، ومِثْلٍ مَنْ فيها من الجنّ ، والإنس، حتى إذا دَنَوْا منَ الأرض أشْرَقتِ الأرض بنورهم ، وأخذوا مَصافَّهم ، وقلنا لهم : أفيكُمْ رَبُّنا ؟ قالوا : لا ، وهو آتٍ ، ثم ينزل أهل كل سماءٍ على قدر ذلك من التضعيف حتى ينزلَ الجبّار تبارك وتعالى في ظُلَل من الغَمام والملائكة ، وَيَحْمِلُ عَرْشَه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة ، أقدامهم على تُخوم الأرض السُّفْلَى، والسمواتُ إلى حُجَزِهم، والعَرْش على مَنَاكبهم، لهم زَجَلٌ(٢) من تَسْبِيحهم، يقولون: سُبْحانَ ذي العِزَّة والجَبَروت، سُبْحَان ذي المُلك والمَلكُوت ، سبحان الحيّ الذي لا يموت ، سبحان الذي يميتُ الخلائقَ ، ولا يموتُ، سُبُّوح قُدُّوس ، سبحان ربنا الأعلى ، رب الملائكة والروح ، الذي يميت الخلائق ولا يموت ، فيضع الله تعالى كُرْسَّهُ حَيْثُ يشاءُ من أرضِه، ثم يَهتِف بِصَوْتِهِ فيقول تعالى: يا مَعْشَر الجنِّ والإنس، إني قَدْ أنْصَتُّ لكُمْ مِنْ يومٍ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسْمَعُ قولكم ، وأرى أعمالكم ، فأَنْصتُوا لي اليوم ، إنّما هي أعمالُكُم وصُخَّفكم تُقرأ عليكم، فمن وجد خَيْراً فليحمد الله، ومَنْ وجَدَ غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلّ (١) أي مقابلة . (٢) أي صوت رفيع عال . ١٧٨ حديث الصور بطولة ونفخاته نَفْسَه، ثم يأمر الله جَهَنَّم فَيَخْرِج مِنها عُنُقَ سَاطِعٌ، مُظْلِمٌ، ثم يقول: ﴿﴿ أَمْ أَعْهَذْ إِلَيْكُمْ يَنَبَنِيّءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٤٠) وَأَنِ أَعْبُدُونِيَّ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمُ (٢٦) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ (٢) هَذِهِ، جَهَّمُ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٢٦)﴾ [ يسا أو بها تكذبون (شك أبو عاصم) ﴿وَأَمْتَزُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴿َ﴾ [يس] فَيَمِيزُ اللهُ الناسَ وتَجُو الأمم، يقول الله تعالى: ﴿ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَانِيَةً كُلُّ أُمَةٍ نُدْعَّ إِلَى كِتَبِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَا كُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢)﴾ [الجانية) فيقضي اللهُ بين خلقه، إلّ الثَّقَلَيْن - الإنس، والجِنّ - فيقضي بين الوحوش، والبهائم ، حتّى إنّه لَيُقِيدُ الجَمَاءَ من ذَاتِ القَرْن، فإذا فرغ اللهُ من ذلك ، فلم تَبْقَ تَبِعَةٌ عِنْدَ واحدةٍ لأُخْرى، قال اللهُ لهَا: كُونِي تُرابً، فعند ذلك يقول الكافرُ: ﴿ يَلَيِّنَنِى كُتُ نُرَبًا! [ النبأ ] ثم يَقْضِي اللهُ تعالى بَيْنَ العِبادِ ، فيكونُ أوَّلَ ما يَقْضي فيهِ الدِّماءُ ، ويَأْتِي كُلُّ قَتِيلٍ قُتل في سَبِيلٍ اللهِ، فيأمر اللّهُ مَنْ قُتِلَ فَيَحمِلُ رَأْسَهُ تَشْخُبُ أَوْدَاجُه دماً، فيقول: يا ربّ سَلْ هذا فِيمَ قَتَلِنِي ؟ فيقول تعالى وهو أعلم : فِيمَ قَتَلْنَهُ؟ فيقول: يا رَبّ قَتَلْتُهُ لِتَكُونَ العِزَّةُ لَكَ، فيقول الله: صَدَقْتَ، فَيَجْعَلُ اللهُ تعالى وَجْهَهُ مِثْلَ نُورِ السَّمَواتِ، ثمّ تَسوقه المَلائِكَةُ إلى الجَنَّةِ، ثم يَأْتِي كُلُّ مَنْ كَانَ قُتْل عَلَى غَيْرِ ذَلِك، فيأْمُرُ مَنْ قُتِلَ فَيَحْمِلُ رَأْسَهُ تَشْخُبُ أَوْدَاجُه دماً ، فيقول : يا رَبّ، سل هذا فِيمَ قَتَلَنِي ؟ فيقول وهو أعلم : فِيمَ قَتَلْتَهُ ، فيقول: يا رَبّ، قَتَلْتُهُ لِتَكُون العِزَّةُ لِي، فيقول له : تَعِسْتَ، ثم ما تَبْقَى نَفْسٌ قَتَلَهَا إلَّا قُتِلَ بِهَا، ولا مَظْلِمَةٌ إلَّا أُخِذَ بِهَا، وكان في مَشِيئَةِ الله، إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شَاءَ رَحِمُهُ ، ثُمَّ يَقْضِي اللّهُ بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِهِ حتّى لَا تَبْقَى مَظْلِمَةٌ لِأَحَدٍ عِنْدَ أَحَدٍ إلَّا أَخَذَهَا اللهُ لِلْمَظَلُومِ مِنَ الظَّالِمِ ، حتَّى إِنَّهُ لَيُكَلِّفُ شَائِبَ اللَّبَنِ بالمَاءِ ثُمَّ يَبِيعُه أَنْ يُخَلِّصَ اللَن مِنَ المَاءِ ، فَإِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ ذَلِكَ، نادَى مُنَادٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بَآلِهَتِهِمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ من دون اللهِ، فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ عَبدَ شيئاً مِنْ دَونِ اللهِ ، إلّا مُثِّلَتْ لَهُ آلِهَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُجْعَلُ يَومِئِذٍ مَلَك مِنَ المَلائِكَةِ على صورَةِ عُزَيرٍ ، ومَلَكٌ على صورةِ المسيحِ عِيسَى ابن مريم ، فَيَتْبَعُ هَذَا الَّهُودُ ، وَيَتْبَعُ هذَا النَّصَارى، ثم تقودهم آلِهَتُهُمْ ٩٠ إلى النَّارِ، فهذا الذي يقولُ اللهُ تَعَالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَلِدُونَ [الأنبياء] فإذا لم يَبْقَ إلّ المُؤْمِنون فِيهِمُ المُنَافِقُونَ، جَاءَهُمُ اللهُ فيمَا شَاءَ مِنْ هيئته ، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، ذَهَب النَّاسُ فَالْحَقُوا بَآلِهِتِكُمْ، وما كُنْتُم تَعْبُدُونَ، فيقولون: واللهِ مالَنَا إله إلّا اللهُ، ما كُنَا نَعْبُدُ غَيْرَهُ ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ وهو الله الذي يَأْتِيهِمْ، فَيمكثُ عنهم ما شَاءَ اللهُ أنْ يَمْكُثَ ثمّ يَأْتِهِمْ، فيَقُولُ: يا أيها الناس ذَهَبَ الناسُ، فالحَقُوا بآلِهِتِكُمْ، وما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فيقولون: والله مالَنا إله إلّ اللهُ، وَما كُنّا نَعْبُدَ غَيْرَهُ ، فينصرف عنهم ، وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث عنهم ما شاء الله أن يمكث ، ثم يأتيهم فيقول : يا أيها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وماكنتم تعبدون ، فيقولون : والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ وَيَتَجَلَّى لَهُمْ مِنْ عَظَمِتِهِ مَا يَعْرِفُونَ أنّه رَبُّهُمْ، فَيَخِرُونَ سُجَّداً له على وجُوهِهِمْ، وَيخرُ كُلُّ مُنَافِقٍ على قَفَاهُ، وَيجعَلُ اللهُ سبحانه أصْلاَبَ المنافقين ١٧٩ حديث الصور بطوله ونفخاته كَصَياصي(١) البَقَر، ثم يَأذِنُ اللهُ لَهُمْ فَيْرِفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَيَضْرِبُ اللهُ بالصِّرَاطِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَمّ كَقَدٍّ الشَّعر، أو كعقْدِ الشَّعْرِ، وكحَدِّ السَّيْف، عَلَيْهِ كَلاَلِيبُ وخَطَاطِيفُ، وحسكٌ كحسك السعدان ، دُونَهُ جِسْرٌ دَخْضٌ مَزَلَّةٌ، فَيَمُرّونَ كَطَرْفِ الْبَصَرِ، أَو كَلَمْحِ الْبَرْقِ، أَو كَمرّ الرِّيحِ، أَوْ كَجِيَادِ الْخَيلِ ، أَوْ كَجِيادِ الرِّكَابِ، أَوْ كَجِيَادِ الرِّجَالِ، فَنَاجِ سَالِمٌ، ونَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسُ(٢) على وَجْهِهِ في جَهَنَّم، فَإِذَا أَفْضَى أَهْلُ الجَنَّةِ إلى الجنّةِ، حُبسوا دونها، قالوا: مَنْ يَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبَّنَا فَنَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فيقولون: مَنْ أَحَقٌ بِذَلِك مِنْ أَبِكُمْ آدَمَ ، خَلَقه اللهُ بِيدِهِ ، وَنَفَخْ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ، وَكَلَّمَهُ قِبَلاً ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ، فَيُطلَبُ ذَلِك إليه، فَيَذْكُرُ ذَنْباً وَيَقُولُ: ما أَنَا بِصَاحِبِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِنُوحٍ ، فإِنه أول رُسُلِ اللهِ، فَيُؤْتَى نُوحٌ، فَيُطْلَبُ ذَلِكَ إلَيْهِ ، فَيَذْكُرُ ذَنْباً، ويقول: ما أنا بِصَاحِب ذَلِك، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبِرَاهِيمَ ، فيأتون إبراهيم فَيَطْلُبُونَ ذَلِك إلَيْهِ، فَيَذْكُر ذَنْباً، ويقول: ما أنا بِصَاحِبِكُمْ، ولكن عَلَيْكُمْ بِمُوسَى ، فيأتون موسى فَيَذْكُرُ ذَنْباً، وَيَقُول : ما أنا بِصَاحِبِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ عليكُمْ بِرُوحِ اللهِ وَكَلِمتَهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَم، فيأتون عيسى فيطلبون ذلك إلَيْهِ، فيقول: ما أنا بِصَاحِبِ ذَلِك ، وَلَّكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمّدٍ بَِّ)) قال رسول اللهِ وَّةَ: (( فَيَأْتُونِي وَلِي عِنْدِ رَبِيِّ ثَلاَثُ شَفَاعَاتٍ وَعَدِنِيهِنَّ ، فَأَنطَلِقُ فَآتِي الجَنَّةَ، فَآَخُذُ بَحِلْقَةِ البابِ، فَأَسْتَفْتِحُ ، فَيُفْتَحُ لِي، فَأُحَيًّا، وَيُرَخَّبُ بِي، فإذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَنَظَرْتُ إِلى رَبِيٍّ عَزّ وَجَلَّ خَرَرْتُ لَهُ سَاجِداً، فَأْذَنُ اللهُ لي مِنْ حَمْدِهِ وَتَمْجِيدِهِ بِشَيْءٍ ما أَذِنَ بِهِ لِأَحدٍ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ يقول الله لي: ارْفَعْ رأسَك يا مُحَمّد، وَاشْفَعْ تُشفَّع، وَسَلْ تُعْطَهْ، فإذا رَفَعْتُ رَأْسي قال الله وهو أعلم : مَا شَأْنُكَ ؟ فأقول: يا ربِّ، وَعَدْتَنِي الشَّفَاعَةَ، فَشَفّعِنِي فِي أهل الجَنَّةِ يَدْخُلون الجَنَّةَ، فيقول الله عز وجل: قَدْ شَفَّعْتُك، وَأَذِنْتُ لَهُم في دخول الجنة)) فكان رسول الله وَل يقول: ((والذي بعثني بالحَقّ ما أَنْتُمْ في الدُّنيَا بِأَعْرَفَ بأَزْواجِكُمْ وَمساكِنَكُمْ مِنْ أَهْلِ الجَنّةِ بِأَزْوَاجِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ، فَيَدْخُلُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ على ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً، سبعين مِمَّا يُنْشِىءُ اللهُ، وَثِنْتَيْنِ آدَمِيَّتَيْنِ مِنْ بَنَاتِ آدَم، لَهُمَا فَضْلٌ على مَنْ أَنْشأ اللهُ، بِعِبَادَتِهما اللهَ في الدُّنْيَا، يَدْخُلُ على الأولى منهما في غُرْفَةٍ مِنْ ياقُوتَةٍ ، على سَرِير مِنْ ذَهَب مُكَلَّلٍ بِاللُّؤْلُؤْ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ زَوْجاً مِنْ سُنْدُسٍ ، وَإِسْتَبْرِقٍ، وَإِنَّه لَيَضَعِ يَدَهُ بَيْن كَتفيها، ثُمّ يَنْظُرُ إِلى يده مِنْ صَدْرِهَا مِنْ وَراءِ ثِيَابِهَا، وَجِلْدِهَا ، ولَحْمِها، وَإِنّه لَينْظُرُ إِلى مُخّ ساقها كما يَنْظُرِ أَحَدُكُمْ إلى السِّلْكِ فِي قَصَبَةِ الْيَاقُوَةِ، كَبِدُه لَهَا مِرْآةٌ، وَكَبِدُهَا لَهُ مِرْآَةٌ، فَبَيْنمَا هُوَ عِنْدَهَا لَا يَمِلُّهَا وَلَا تَمَلُّه، لَا يَأْتِيهَا مَرَّةً إِلَّ وَجَدَهَا عَذْرَاءَ مَا يَفْتُرُ ذَكَرُهُ، وَلا يَشْتَكِي قُبُلُهَا، إِلَا أَنَّهُ لَا مَنِيّ وَلا مَنِيَّة، فَبَيْنمَا هُوَ كَذَلِك إِذْ نُودِي : إِنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّكَ لا تَمَلُّ، وَلَا تُمَلّ، إِلّا أَنّ لَكَ أَزْواجاً غَيْرَها، فَيَخْرُجُ فَيَأْتِيهِنَّ وَاحِدَةً، وَاحِدَةً، كلّمَا جَاءَ (١) صياصي البقر، أي قرونها واحدتها صيصِيَة. ((النهاية)) (٦٧/٣). (٢) أي مدفوع . ١٨٠ حديث الصور بطوله ونفخاته وَاحِدَةً قالت: والله ما في الجَنَّةِ شيءٍ أَحْسَنُ مِنْكَ، وَما في الجَنَّةِ شَيْءٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ)). قال: ((وإذا وَقَعَ أهْلِ النَّار في النار ، وقد وقَعَ فِيهَا خَلْقٌ كثير مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ أَوْبَقَتْهِمْ أعْمَالُهُمْ، فِمِنْهُمْ مَنْ تَأَخُذُه النار إلى قَدَمَيْهِ لَا تُجَاوزُ ذَلِكَ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُ جَسَدَهُ كُلَّهُ إلّا وَجْهَهُ، وحَرَّمَ اللهُ صُورَتَهُ على النار)) قال رسول الله ◌ََّ: فأقول: يا رَبِّ، شَفْعِنِي فِي مَنْ وَقَعَ فِي النَّارِ مِنْ أُمَّتِي، فيقولُ اللهُ عَزّ وَجَلّ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ ، فَيَخْرُجُ أولئِكَ حَتى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحد ، ثم يَأْذَنُ اللهُ في الشَّفاعة، فلا يَبْقَى نَبِيٌّ، ولا شَهِيدٌ، إلّا شُفِّعَ، فَيَقُولُ اللهُ عَزّ وَجلَ: أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ زِنَةَ الدِّينَارِ إِيمَاناً، فَيَخْرُجُ أولئِكَ حَتّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحَدٌ ، ثُمَّ يَشْفَعُ من شاء اللهُ فيقول: أَخْرِجُوا مَنْ وَجَدْتُمْ في قَلْبِهِ إيماناً ثُلُثَيْ دِينَارٍ ، ونصف دينار ، وثُلُثَ دِينَارٍ ، وربع دينار ، ثم يقول: وَسُدُسَ دِينَارٍ ، ثمَّ يقولُ: وقيراطاً. ثم يقول: حَبّةً مِنْ خَرِدَل ، فَيَخْرُجُ أَولئكَ حَتَّى لا يَبْقى مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وحَتَّى لا يَبْقَى فِي النَّارِ مَنْ عَملِ الله خَيْراً قَطّ، وحَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ لَهُ شَفَاعَةٌ إلّا شُفِّعَ ، حَتّى إنّ إِبليس لَيَتَطَاوَلُ لِمَا يَرَى مِنْ رَحْمةِ اللهِ سبحانه، رجاء أَنْ يُشْفَعَ لَه ، ثمّ يقول الله عَزَّ وجَلّ : بَقِيتُ أنا، وأَنَا أرْحَمُ الرّاحمِين، فَيُدْخِلُ اللهُ يَدَهُ فِي جَهَنّمَ ، فَيُخْرِجُ مِنْها مَا لَا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ، كأَنَّهُمْ خَشَبٌ مُخْتَرِقٌ ، فَيْثُهم اللهُ على نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الحَيّوان، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِنَّةُ(١) فِي حَمِيل (٢) السَّيْلِ، فمَا يَلي الشمس مِنْها أُخَيْضِرٌ، ومَا يلي الظُّل مِنْها أُصَيْفِرٌ، فَيَنْبُون نَبَاتَ الطَّرَائِيثِ، حَتَّى يُكُونوا أمْثالَ الدَّرْمَكِ(٣)، مكتوبٌ فِي رِقَابِهِمُ: الجَهَنَّمُّونَ، عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجلٌ ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الجَنّة بذلك الكتاب ، ما عملوا خَيْراً قط، فيبقون في الجَنَّة)) . فذِكره إلى هُنَا كانَ في أصْل أبي بَكْر بن المقرئ ، عن أبي يَعْلَى ، رحمه الله تعالى ، هذا حديث مشهور، رواه جماعة من الأئمة في كتبهم، كابن جرير في ((تفسيره))، والطبرانيّ في ((الطِّوالات))، وغيرها، والبَيهَقيّ في كتاب (( البَعْث والنشور))، والحافظ أبي موسى المدينيّ في ((الطُّوالات)) أيضاً ، من طرق متعدّدة ، عن إسماعيل بن رافع قاصّ أَهْلِ المدينَةِ ، وقد تُكُلُّم فيه بسببه ، وفي بعض سياقاته نَكَارَةٌ ، واختلاف ، وقد بيَّنْتُ طُرقَه في جُزْءٍ مُفْرَدٍ . قلت : وإسماعيل بن رافع المديني ليس من الوضّاعين ، وكأنّه جمع هذا الحديث من طرق ، وأماكن متفرّقة ، وساقه سياقةً واحدةً ، فكان يقصُّ به على أَهْلِ المدينة ، وقد حضره جماعةٌ من أعيان الناس في عصره ، ورواه عنه جماعة من الكبار ، كأبي عاصم النّبيل ، والوليد بن مُسلم ، ومكي بن (١) الحِبَّة، بكسر الحاء : بزر ما لا يقتات، مثل بزور الرياحين. (٢) الحميل : ما يحمله السيل من الطين ونحوه . (٣) الدرمك : الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق . وكل ما بُيِّض من طعام.