Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١ خبر عجيب ونبأ غريب جامع في الدجال وغيره والسلام ، معه ، يُنْذِرُ الناسَ منه ، يقول: هذا المسيح الكذّاب فاحذروه ، لعنه الله ، ويُعطيه الله من السرعة ، والخِفّة ما لَا يلحَقُه الدجّال، فإذا قال : أنا ربّ العالمين، قال له الناسُ: كذبتَ ، ويقول اليَسَعُ : صدق الناسُ، فَيَمُرّ بمكة ، فإذا هو بخَلقٍ عظيم ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا ميكائيلُ ، بعثني الله أن أمْنَعَهُ مِنْ حَرَمِه . ويَمُرّ بالمدينة ، فإذا هو بخَلْقٍ عظيم ، فيقول : من أنت ؟ فيقول : أنا جبريلُ، بعثني الله لأمْنَعَه مِنْ حَرمٍ رَسُولِهِ ، فَيَمُرّ الدجّال بمَكة، فإذا رأى مِيكَائِيلَ ولّى هارباً، ويصيح ، فيخرج إليه من مكة منافقوها ومن المدينة كذلك . ويأتي النذير إلى الذين فَتَحوا القسطنطينية ، ومن تألَّف من المسلمين ببيت المقدس أن الدجال قد خرج وخلَفكم في ذراريكم)) قال: (( فيتناول الدجّال ذلك الرجل ، فيقول : هذا الذي يزعُم أني لا أقدِرُ عليه، فاقْتُلُوه، فيُنْشَرُ، ثمّ يقول: أنا أخْيِيه، قم بإذن الله، ولا يأذن بإحياء نَفْسٍ غيرِها، فيقول: أَلَيْسَ قَدْ أَمنُّكَ، ثم أحْبَيْتُكَ، فيقول: الآن قد ازددتُ فِيكَ يَقِيناً، بَشّرِي رسولُ اللهِوََّ أنّك تَقتلني، ثم أُحْيَا بإذن الله، لا بإذنك، فيُوضَعُ على جِلْدِهِ صَفائحُ من نُحَاسٍ ، فلا يَحِيكُ فيه سلاحُهم ، فيقول : اطرحوه في ناري ، فيحوّل اللهُ ذلك الجَبَل على النَّذِيرِ جناناً، فَيَشُكُ الناسُ فيه ، ويُبادر إلى بيت المقدس ، فإذا صَعِد على عَقبَةِ أفِيقَ وقع ظُلْمُه على المسلمين ، فيوتِّرون قِسِيَّهم لقتاله ، فأقواهم من يوتِّر وهو بارك أو جالس، من الجوع والضعف ، ويسمعون النداء : جاءكم الغَوْثُ ، فيقولون : هذا كلامُ رجلٍ شَبْعَان . وتُشْرق الأرضُ بنُورِ رَبِّها ، وَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيمَ ، ويقول : يا معشر المسلمين ، احمدوا رَبَّم وسَبِّحُوه ، فيفعلون، ويُرِيدُون الفِرَارَ، فَيُضَيّقِ اللهُ عليهم الأرض ، فإذا أتوا بابَ لُدّ في نصف ساعةٍ ، فيوافون عيسى ابنَ مريم ، عليه الصلاة والسلام ، فإذا نَظَرَ الدجال إلى عيسى قال: أقم الصلاة ، فيقول الدجّال : يا نَبيّ الله ، قد أُقيمت الصلاة ، فيقول عيسى: يا عدوّ الله، زَعمتَ أنّكِ رَبُّ العَالمين فَلِمَنْ تُصلّي؟ فيضرِبُه بمقرعةٍ في يده فَيَقتُلُه، فلاَ يبقَى أَحدٌ من أنصاره خَلْف شَيءٍ إلّ نادى: يا مؤمن هذا دجّالِيّ فاقْتُلُهُ ... )) إلى أن قال: ((فتَمَتَّعُوا أربعين سَنَةً لا يموتُ أحَدٌ ، ولا يمرَضَ أحدٌ. ويقول الرجلُ لغنمه، ولدوابّه: اذهبُوا فارْعَوْا، وَتمُرّ الماشيةُ بين الزرعين لا تأكلُ منه سُنْبُلَةً والحياتُ والعقاربُ لا تُؤذي أحداً، والسبعُ على أبواب الدُّور لا يُؤذي أحداً ، ويأخذ الرجلُ المُدَّ مِن القمح فيبذُره بلا حِراث، فيجيء منه سَبعمئة مُدّ ، فَيَمْكثُونَ في ذلك كذلك حتى يُكْسَرَ سدُّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، فيخرجون وَيُفْسدُون ما على الأرض ، فيسْتَغِيث الناسُ ، فلا يُسْتجابُ لهم . وأهْلُ طورٍ سَيناء هُم الذين فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِم القُسْطَنْطِينِيةَ، فَيَدْعُونَ فَبْعَثُ اللهُ عليهم دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ ذاتَ قَوائِمَ ، فتدْخُل في آذانِهِمْ فَيُصْبحُون مَوْتى أجمعون ، وتُنْتِنُ الأرضُ منهم، فَيُؤْذُونَ الناس ١٢٢ أحاديث في الدجال بنَتْنِهِمْ ، أَشَدّ من حَيَاتِهِم، فيستغيثون بالله تعالى، فَيَبْعثُ اللهُ رِيحاً يمانية غَبْراء ، فتصيرُ على الناس غَمّاً، ودُخاناً ، وتقع عليهم الزُّكْمة ويُكشَفُ ما بهم بعدَ ثلاث، وقد قُذفت جِيَفُهُم في البَحْر ، ولا يَلْبَثُون إلَّا قَلِيلاً حتى تَطْلع الشمسُ مِنْ مَغْرِبِها، وجفَّت الأقلام، وطُويَت الصحفُ ، ولا يُقْبَلُ من أَحدٍ تَوبةٌ، ويَخِرّ إبليسُ ساجِداً يُنادي: إلهي، مُزني أَنْ أسجُد لِمَنْ شِئْتَ ، ويجتمع إليه الشياطينُ تقول : يا سَيِّدنا، إلى من تَفْزَعُ؟ فيقول: سألتُ رَبِّي أنْ يُنْظِرني إلى يَوْم الْبَعْثِ، وقَدْ طَلَعَت الشمسُ من مَغْربها ، وهذا الوقتُ المعلومُ، وتصير الشياطينُ ظاهرةً في الأرض ، حتى يقول الرجلُ : هذا قَرِيني الذي كان يُغْوِيني، فالحمد لله الذي أخزاه ، ولا يزالُ إبليس ساجداً باكياً ، حتى تَخْرُج الدابّة فتَقْتله وهو ساجد ، ويتمتع المؤمنون بعد ذلك أربعين سنةً لا يتمَّنَّوْنَ شيئاً إلا أُعْطوهُ، وبرز المؤمنون لا يموت مؤمن حتى تتم أربعون سنةً بعد الدابة ، ثم يعود فيهم الموتُ، ويُسرع فلا يبقى مؤمن ، ويقول الكافر : قد كنا مَرْعُوبينَ من المُؤْمنين ، فلم يَبْقَ منهم أحد ، وليس يُقْبَلُ مِنَّا تَوْبَةٌ، فَيَتَهَارَجُونَ في الطُرُقِ كالبهائم ، حتى يَنْكِحَ الرجلُ أنَّهُ في وسط الطريق ، يقوم واحدٌ عنها ، وينزل عليها آخرُ ، وأفضلُهم من يقول: لو تَنَخَيْتُم عن الطريق كان أحْسَنَ ، فيكونون على ذلك، حتى لا يولد أحدٌ من نكاح ، ثم يُعْقِمُ الله النِّساءَ ثلاثين سَنَةً ، إلا الزواني والزانيات ، فإنهن يحبلن ويلدن من الزنى ، ويكونون كلُّهم أولادَ زِنِىّ، شرار الناس ، فعليهم تقوم الساعة)): كذا رواه الطبرانيّ ، عن عبد الرحمن بن حاتم المراديّ ، عن نُعَيم بن حَمَّاد ... فذكره . قال شيخنا الحافظ الذهبي : وهذا الحديث شِئْهُ موضوع ، وأبو عمر مجهول ، وعبد الوهاب كذلك ، وشيخه يقال له : البُنَانِيُ(١) وقد أنبأني شيخنا الذهبي إجازةً ، إنْ لم يكن سَمَاعاً ، أخبرنا أبو الحسين اليُونينيّ ، أخبرنا البهاء عبد الرحمن حضوراً ، أنبأنا عتيق بن صيلا ، أنبأنا عبد الواحد بن عُلوان ، أنبأنا أبو عمرو بن دوست ، حدثنا أحمد بنُ سلمان النجَّاد ، حدثنا محمد بن غالب ، حدثنا أبو سلمة التَّبُوذَكيّ ، حدثنا حماد بن سَلَمة، حدثنا علي بن زيد، عن الحسن، قال: قال رسول الله وَله: ((الدجّال يتناول السحاب، ويخوض البحر إلى رُكْبَتَيْه، ويسبق الشمس إلى مغربها ، وتسير معه الآكامُ طعاماً ، وفي جبهته قَرْنٌ مكسور الطَّرَفِ ، يخرج منه الحَيّات، وقد صوّر في جسده السلاحُ كلَّه، حتى الرمح والسيف والدرّق)) قلت للحسن : يا أبا سعيد ما الدرق ؟ قال : الترس . ثم قال شيخنا : هذا من مراسيل الحسن ، وهي ضعيفة . وقال ابن مَنْدَه في (( كتاب الإيمان)) : حدثنا محمد بن الحسين المديني ، حدثنا أحمد بن مهديّ ، (١) ورواه نعيم بن حماد في ((الفتن)) رقم (١٥٢٧) ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) مختصراً (٥٢١/٤ - ٥٢٢) وقال الذهبي كما هنا: (ذا موضوع، والسلام). ١٢٣ أحاديث في الدجال حدثنا سعيد بن سليمان سَعْدُويه ، حدثنا خَلَفُ بن خَلِيفَة ، عن أبي مالك الأشجعيّ ، عن رِبْعِيّ ، عن حُذَيفة، قال: قال رسول الله وَّمَ: (( أنا أعلمُ بما مع الدجّال منه، معه نهران، أحدهما نار تأجّج ، في عين من يراه ، والآخر ماءٌ أبيض ، فمن أدركه منكم فليُغْمِضْ عينيه ، وَلْيَشْرب من الذي يراه ناراً، فإنه ماء بارد ، وإياكم والآخر ، فإنه فِتْنَة ، واعلموا أنه مكتوب بين عَيْنَيه كافر ، يقرؤه من كتب ، ومن لم يكتب ، وأن إحدى عينيه ممسوحة ، عليها ظَفَرَةٌ ، وأنه يطلع من آخر عُمره على بطن الأُزْدُن على ثَنّة فيقَ ، وكلّ أحد يؤمن بالله واليوم الآخر بِبَطْن الأَزْدُنّ ، وأنه يقتُلُ من المسلمين ثُلُثاً ، ويَهْزِمُ ثلثاً ، ويبقى ثلث ، فيحجز بينهم الليل ، فيقول بعض المؤمنين لبعض : ما تنتظرون أن تَلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربّكم؟ من كان عنده فضل طعام فليعُدْ به على أخيه، وصَلُّوا حتى يَنْفَجِر الفجرُ، وعَجِّلُوا صَلاَتكم ، ثم أقبلوا على عَدوّكم . فلما قاموا يُصَلون ، نزل عيسى ابن مريم عليه السلام ، وإمامهُم يُصَلي بهم. فلما انصرف، قال: هكذا فرِّجوا بيني وبين عدوًّ الله)) قال: ((فيذوب كما يذوبُ المِلْحُ ، فيُسلّط اللهُ عليهم المسلمين ، فيقتلونهم ، حتى إنّ الحجرَ ، والشجرَ ليُنادي : يا عبد الله ، يا مسلم ، هذا يهوديّ فاقتله، ويظهر المسلمون ، فَيَكْسِرُ الصليبَ، ويَقْتُل الخِنْزِير، ويضعُ الجزية . فبينما هم كذلك ، إذ أخرج الله يأجُوجَ ومأجُوجَ ، فيشرب أولهم البُخَيرة ، ويجيء آخرُهم وقد انكشفوا، فما يَدَعُون فيها قَطْرَةً، فيقولون: كان هاهنا أثرُ ماءِ مَرّةً ، ونبيُّ الله وأصحابه وراءهم ، حتى يدخلوا مدينة مِن مدائنٍ فلسطين ، يقال لها : باب لُدّ، فيقولون : ظَهَرْنا على من في الأرض ، فتعالوا نُقاتل مَن في السماء ، فيدعو اللهَ نبيُّه عليه السلام عند ذلك، فيبعثُ الله عليهم قُرِحَةً في حلُوقهم ، فلا يبقى منهم بَشَرٌ ، وتُؤْذي رِيحُهم المسلمين ، فيدعو عيسى عليهم ، فيُرسل الله ريحاً عليهم تقذفهم في البحر أجمعين)). قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبيُّ : هذا إسناد صالح . قلت : وفيه سياقٌ غريب وأشياءُ مُنكرة ، والله أعلم(١) . وقال ابن عساكر(٢) في ترجمة شيخ من أهل دمشق ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ ◌ّهُ: ( هَذَا الأمر فِي قُرَيْشٍ يَليهِ بَؤُهم بِبَرِّهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ بِفَاجِرِهِمْ، حَتَّى يَدْفَعُوهُ إِلَى عِيسى ابنِ مَرْيَمَ)) وفي لفظ: ((بَؤُهُمْ بِرِّهِ، وَفَاجِرُهُمْ بِفُجُورِهِ)) . قال ابنُ عساكر : وهو الأصخُ . (١) رواه ابن منده في ((كتاب الإيمان)) (٩١٨/٣ - ٩١٩). (٢) يعني في ((تاريخ مدينة دمشق)). ذكر نزول عيسى ابن مريم من السماء الدنيا إلى الأرض في آخر الزمان قال تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَنْيَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى سَلٍّ مِنْهُ مَا لَم ◌ِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّ انْبَاعَ الظَّنَّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا [٥َ بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥) وَإِن ◌ِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ ◌ِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًاَ﴾ [ النساء]. قال ابن جرير في ((تفسيره)): حدّثنا ابن بشار، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سُفيان، عن أبي حَصِين ، عن سعيد بن جُبَيْر ، عن ابن عبّاس: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ،﴾ قال: قبل موت عيسى ابن مريم . وهذا إسناد صحيح ، وكذا روى العَوفي ، عن ابن عبّاس . وقال أبو مالك : ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِ﴾، ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلّ آمنَ به . وقال الحسن البصريّ: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوِّْ﴾ قال : قبل موت عيسى ، والله إنّه الآن حيّ عند الله ، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون . رواه ابن جَرير . وروى ابن أبي حاتم عنه: أن رجُلاً سأل الحسن عن قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ ◌ِ، قَبْلَ مَوْنِهِ ﴾ فقال: قبل موت عيسى، إنّ الله تعالى رفع إليه عيسى، وهو باعثهُ قبل يوم القيامة ، مقاماً : يؤمن به البَرّ والفاجِرُ . وهكذا قال قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغير واحد ، وهو ثابت في «الصحيحين )) ، عن أبي هريرة ، كما سيأتي موقوفاً، وفي رواية مرفوعاً، والله أعلم . وهذا هو المقصود من السياق : الإخبار بحياته الآن في السماء ، وليس الأمر كما يزعمُه أهلُ الكتاب الجهلة أنهم صَلَبِؤُه ، بل رفعه الله إليه ، ثم ينزل من السماء قبل يوم القيامة ، كما دلت عليه الأحاديثُ المُتَواترة كما سبق في أحاديث الدجّال ، وكما سيأتي أيضاً ، وبالله المستعان . وقد رُوي عن ابن عباس وغيرِه أن الضمير في قوله : ﴿ قَبْلَ مَوْنِةٍ ﴾ عائد على أهل الكتاب ، أي يؤمن بعيسى قبل الموت ، وذلك لو صحّ لما كان مخالفاً للأول ، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه ، وقد قررناه في كتابنا (( التفسير)) بما فيه كفاية ، ولله الحمد والمنة . ذِكر الأحاديث الواردة في ذلك قد تقدَّم في حديث النوَّاس بن سِمعان عند مسلم أنَّ عيسى ينزِلُ على المنارةِ البيضاءِ شرقيّ ١٢٥ ذكر نزول عيسى في آخر الزمان دمشقٌ(١) وفي غيرِ رواية مسلم : أنَّه ينزِلُ على المنارةِ البيضاءِ الشرقيّةِ بدمشقَ. وهذا أشبهُ ، فإنَّ في سياق الحديث : (( فَيَنْزِلُ وَقَدَْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ لِلِصُّبْحِ، فَيَقُولُ لَهُ إِمَامُ المُسْلِمِينَ : تَقَدَّم يَا رُوحَ الله. فَيَقُولُ: لَا ، إِنَّهَا إِنَّما أُقِيمتْ لَكَ (٢) ففيه من الدلالَة الظاهرة أنَّه ينزِلُ على منارة المعبدِ الأعظم الذي يكون فيه إمام المسلمين إذ ذاك ، وإمامُ المسلمين يومئذٍ هو المهديُّ فيما قيل ، وهو جامعُ دمشقَ الأكبرُ ، واللهُ أعلمُ . وقد تقدَّم في حديث أبي أمامةَ أنَّه ينزِلُ في غيرِ دمشقَ ، وليس ذلك بمحفوظٍ . وكذا الحديثُ الذي ساقَه ابنُ عساكرَ في (( تاريخِه)) من طريقِ محمدِ بن عائذٍ، ثنا الوليدُ ، ثنا مَن سمِع عبد الرحمن بن ربيعة ، يُحدِّثُ عن عبد الرحمن بن أيُّوبَ بنِ نافع بن كَيْسانَ ، عن أبيه، عن جدِّه نافع بن كَيْسانَ صاحب رسول اللهِوَ ﴿ قال: قال رسول الله وَّهُ: (( يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ بَابِ دِمَشْقَ - قال نافعٌ: ولا أدري أيَّ بابِهَا يريدُ - عِنْدَ المَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ، لِسِتِّ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ فِي ثَوْبَيْنِ مُمَثَّقَيْنِ ، كَأَنَّمَا يَتَحَذَّرُ مِنْ رَأْسِهِ اللُّؤْلُؤُ)). ففيه مُبهَمٌ لم يُسَمَّ، وهو منكرٌ ؛ إذ هو مخالفٌ لما ثبت في الصحاح من أن نزوله وقتَ السَّحَرِ عند إضاءةِ الفجرِ وقد أُقيمتِ الصلاةُ ، واللهُ أعلمُ . قال مسلم : حدّثنا عُبَيْدُ الله بن مُعاذ العَنْبريّ ، حدثنا أبي ، حدّثنا شُعبَةُ عن النعمان بن سالم ، سمعتُ يعقوب بن عاصم بن عُزْوَة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاء رجلٌ فقال: ما هذا الحديث الذي تُحَدّث به ؟ تقول: إنّ الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله ! أو: لا إله إلّ الله، أو كلمةً نحوهما، لقد هممتُ ألّا أحَدِّثَ أحَداً شيئاً أبداً ، إنما قلت : إنَّكم سَتَزْوَن بَعْدَ قليل أمراً عَظِيماً، يُحرَّقَ البَيْتُ، ويكون، ويكون، ثم قال: قال رسول الله وَّه: ((يخرُج الدجّال في أمتي ، فيمكثُ أربعين - لا أدري أربعين يوماً ، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً - فيَبْعثُ الله تعالى عيسى ابن مَريم كأنّه عُزْوَة بنُ مَسْعُود، فَيَطْلبه فيُهْلِكُه ، ثم يمكث الناسُ سبع سنين ، ليس بين اثنين عَداوة ، ثم يُرسل الله ريحاً باردة من قِيَل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقالُ ذرّة من خير، أو إيمان، إلا قَبِضَتْهُ، حتى لو أنّ أحدكم دخل في كَبِد جَبلٍ لدخلتْه عليه، حتى تَقْبِضَه ، قال : سَمِعْتُها من رسول الله وَّهِ، قال: ((فيبقى شِرار الناس في خِفّةِ الطير، وأحلام السِّباع لا يعرفون معروفاً، ولا يُنكرونُ منكراً ، فيتمثّل لَهُمُ الشيطانُ فيقول : ألا تَستجيبُون؟ فيقولون : فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزْقُهُم، حَسَنٌ عَيشهُم، ثم يُنْفَخُ في الصور ، فلا يسمعه أحد إلا (١) رواه مسلم (٢٩٣٧). (٢) رواه أحمد في المسند (٣٦٧/٣ - ٣٦٨) من حديث جابر، ورواه أحمد أيضاً (٢١٦/٤ - ٢١٧) من حديث عثمان بن أبي العاص ، وابن ماجه (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامة ، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده . ١٢٦ ذكر نزول عيسى في آخر الزمان أصغَى لِيثًا) وَرفَع لِيتاً)) قال: ((وأول من يسمعه رجلٌ يلوط حَوْض إبله)) قال: ((فَيَضْعَقُ، ويَصعق الناس، ثم يُرسل الله)) - أو قال: (( يُنزل الله - مَطراً، كأنّ الطلُّ أو الظِّلّ)) نعمان الشاكّ ((فتَنْبت منه أجساد الناس ، ثم يُنْفَحُ فيه أُخْرَى، فإذا هُمْ قيام ينْظُرون، ثم يقال: يا أيّها الناس ، هَلُمّوا إلى ربكم ﴾ [ الصافات ] ثم يقال: أخرجوا بعث النار ، فيقال : مِنْ كم ؟ فيقال : من كل ﴿وَقِفُوُّ ◌ِنَّهُم ◌َّسْئُولُونَ (ِ ألف تسعمئة وتسعة وتسعين)) قال: ((وذلك يومَ ﴿ يَجْعَلُ الْوِلْدَنَ شِيبًا﴾ و﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾(٢). وقال الإمام أحمد : حدثنا سُرَيجٌ، حدّثنا فُلَيْحٌ ، عن الحارث بن فُضَيْل ، عن زياد بن سعد ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((ينزل ابنُ مريم إماماً عادلاً، وحكَماً مُقْسِطاً، فَيَكْسِرُ الصليبَ، ويقْتُل الخنزيرَ ، ويرجع السِّلْمَ، وتتخذ السيوف مَناجل، وَتَذْهَبُ حُمَةُ كلِّ ذات حُمة ، وتُنزل السماءُ رزقها ، وتُخْرِجُ الأرضُ بركتها، حتّى يَلْعَبَ الصبيُّ بالثُّعْبان ولا يضرّه، ويُراعي الغَنَمَ الذِّئْبُ فلا يَضُرُّها، ويراعي الأسدُ البَقَر، فلا يَضُرّها)). تفرد به أحمد، وإسناده جيّد قويّ صالح(٣) . وقال البخاريّ : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي ، عن صالح ، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلير: ((والذي نفسي بيده لَيُوشِكَنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مَرْيم حكَمَاً عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصليبَ ، ويقْتُلَ الخنزير ، ويَضَعَ الجزية ، ويَفِيضُ المالُ ، حتّى لا يَقْبله أحَدٌ ، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها )) ثم يقول أبو هريرة : ﴾ [ النساء] . واقرؤوا إنْ شئتم: ﴿وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا وكذا رواه مسلم عن حسن الخُلْوانِيّ ، وعبد بن حُمَيْد ، كلاهما عن يعقوب بن إبراهيم به ، وأخرجاه أيضاً من حديث سُفيان بن عُيَيْنَةَ ، والليث بن سعد ، عن الزهريّ ب(٤) . وروى أبو بكر بن مَرْدَوَيْهِ ، عن طريق محمد بن أبي حَفْصةَ، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يُوشك أن يكون فيكم ابنُ مَزْيم حَكَماً عَدْلًا، يَقْتُلُ الدجّال، وَيَقْتُلُ الخنزير، ويَكْسِرُ الصليب، ويَضَعُ الْجِزْيَةِ، ويَفِيضُ المالُ، وتكون السجدة واحدةً لله ربِّ العالمين)). قال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿ وَإِن ◌ِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنَةٍ،﴾ مَوْتٍ عيسى ابن مريم ، ثم يُعيدُه أبو هُرَيرة ثلاثَ مَرّات . اللّيت: صفحة العنق، وهما ليتان، وأصْغَى: أمال. ((النهاية)) (٤/ ٢٨٤). (١) (٢) رواه مسلم رقم ( ٢٩٤٠) . رواه أحمد في المسند (٤٨٢/٢ - ٤٨٣) أقول: فليح وزياد، فيهما كلام ، لكن الحديث حسن بطرقه (٣) وشواهده . (٤) رواه البخاري (٣٤٤٨) و(٢٤٧٦) و(٢٢٢٢) ومسلم رقم (١٥٥) (٢٤٢). ١٢٧ ذكر نزول عيسى في آخر الزمان وقال الإمامُ أحمد : حدثنا يزيدُ ، حدثنا سفيان، وهو ابن حسين ، عن الزهريّ ، عن حَنْظَلَة ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: (( ينزل عيسى ابن مريم، فَيَقْتُل الخنزير، ويمحو الصليب ، وتُجمعُ له الصلاة ، ويُعْطِي المَال حتى لا يُقْبلَ، ويضعُ الخراج ، وينزل الرَّوْحاءَ فيحجّ منها، أو يَعتَمِر، أو يَجمَعُهُما)) قال: وتلا أبو هريرة: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهٌ، وَيَوْمَ ﴾ [ النساء]، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال: يؤمن به قَبْل موت عيسى، فلا اُلْقِيَّمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا أدري؟ هذا كلّه حديثُ النبيّ وََّ، أو شيءٌ قاله أبو هريرةً(١) ؟ وروى أحمد ومسلم من حديث الزهريّ ، عن حنظلة ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَيرٍ : ((لَيُهِلَّنَّ عيسى ابن مَرْيم، من فَجِّ الرَّوْحَاءِ بالحجّ والعُمْرة، أو لَيْتَِّنَّهما جميعاً)(٢). وقال البخاريّ : حدثنا ابن بُكَيْر ، حدثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاريّ: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله وََّ: ((كيف أنتُمْ إذا نزل فيكم ابنُ مَريم وإمامكم منكم؟)) ثم قال البخاريّ: تَابَعُه عُقَيلٌ، والأوزاعي. وقد رواه الإمام أحمدُ عن عبد الرزّاق ، عن معمر ، وعن عثمان بن عمر ، عن ابن أبي ذئب ، كلاهما عن الزهريّ به . وأخرجه مسلم من حديث يونس والأوزاعي وابن أبي ذئب عن الزهري به(٣) وقال الإمام أحمد : حدثنا عفّان ، حدثنا هَمَّام ، أنبأنا قتادة ، عن عبد الرحمن ، وهو ابن آدم مولى أمّ بُرثن صاحب السِّقَاية، عن أبي هُريرة: أن رسول الله بِ ◌ّه قال: ((الأنبياء إخوةٌ لِعَلَّتٍ، أُمّهاتُهمْ شَتى، ودينُهُم واحدٌ ، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم ، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنّه نازل ، فإذا رأيتموه ، فاعرفوه، رجل مَرْبُوٌ إلى الحُمْرَة والبَياضِ، عليه ثوبان مُمَصّرالُ(٤) ، كأنّ رأسه يَقْطرُ وإنْ لم يُصِبْهُ بَلَل، فَيَدُقّ الصليبَ، ويقتلُ الخنْزِيرَ، ويَضعُ الْجِزِيَةَ، ويدعو الناسَ إلى الإسلام ، ويُهلكُ اللهُ في زَمانِ الأمم كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجّال ، ثم تَقَع الأَمَنَةُ على الأرض ، حتّى ترتع الأسُودُ مع الإبل ، والنِّمارُ مع البقر ، والذئابُ مع الغَنمَ ، وَيَلَعَبَ الصِّبيان بالحيَّات لا تضرُّهم، فَيمكُث أربعين سَنَّةً، ثم يُتَوفى، ويُصَلِّي عليه المسلمون)). وهكذا رواه أبو داود عن هُذْبَة بن خالد، عن هَمَّام بن يَحْيى ، عن قتادة به . ورواه بن جرير ، ولم يورد عند تفسيرها رواه أحمد في المسند (٢٩٠/٢ - ٢٩١) وهو حديث صحيح . (١) (٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٤٠) ومسلم (١٢٥٢) . (٣) رواه البخاري رقم (٣٤٤٩) وأحمد في المسند (٢٧٢/٢ و٣٣٦) ومعمر في ((جامعه)) الملحق بمصنف عبد الرزاق رقم (٢٠٨٤٢) ومسلم رقم ( ١٥٥) . مصبوغان بحمرة خفيفة . (٤) ١٢٨ ذكر نزول عيسى في آخر الزمان غيرَه ، عن بشر بن مُعاذ ، عن يزيد عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، بنحوه ، وهذا إسناد جَيّد ، (١) . قوي وروى البخاريّ عن أبي اليمان ، عن شُعَيْبٍ عن الزهريّ ، عن أبي سَلَمة ، عن أبي هُريرة : سمعتُ رسولَ اللهِوَ ﴿ يقول: ((أنا أَوْلى الناس بابن مَرْيم، والأنبياءُ أولاد عَلاّت، ليس بيني وبينه نبي)). ثمّ روى عن محمد بن سِنان، عن فُلَيْح بن سليمان، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عَمْرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله مَّر: (( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخْوَةٌ لِعَلَاتٍ، أمّهاتُهم شَتى، ودينهم واحد)). ثم قال: وقال إبراهيم بن طَهمان، عن موسى بن عُقْبَةً، عن صفوان بن سُلَيْم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله ◌ِ(٢) . فهذه طُرق متعدّدة كالمتواترة عن أبي هريرة ، رضي الله عنه . حديث عن ابن مسعود وقال الإمام أحمد : حدّثنا هُشَيْم، عن العوّام بن حَوشَب، عِن جَبَلَة بن سُحيم، عن مُؤْثِر بن عَفَازةَ، عن ابن مسعود، عن رسول الله بَّه قال: ((لقيتُ ليلة أَسرِي بي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام)) قال: ((فتذاكروا أمر الساعة ، فردُّوا أمرهم إلى إبراهيم ، فقال : لا عِلْمَ لي بها ، فردُّوا أمرهم إلى موسى ، فقال: لا علم لي بها ، فردّوا أمرهم إلى عيسى ، فقال: أمَّا وَجْبتُه٣ُ) فلا يعلم بها أحدٌ إلّا الله ، ولكن فيما عَهِدَ إليّ رَبِّي عزَّ وجلَّ : أنّ الدجّال خارج ، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذابَ كما يذوبُ الرَّصَاصُ)) قال: ((فيُهلكه اللهُ [إذا رآني ] حتى إن الشجر والحجر ليقول: يا مُسلم ، إن تَحْتي كافِراً، فتعالَ فَاقْتُلْه)) قال: ((فيُهْلِكهم الله ، ثم يَرْجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرجُ يأجُوجُ ومأُجُوجُ وهم مِنْ كلّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ، فَيَطَؤُونَ بلادهم لا يأتون على شيء إلا أكلوه، ولا يَمُؤُون على ماءٍ إلّا شَرِبُوه)) قال: ((ثُمّ يَرْجِع الناسُ إليّ فيشكونهم ، فأدعو اللهَ عليهم، فيُهلكهم ويميتُهُمْ حتى تَجْوَىُ(٤) الأرضُ من نَتْنِ ريحهم ، ويُنزل الله (١) رواه أحمد في المسند (٤٠٦/٢) وأبو داود رقم (٤٣٢٤). أقول: إسناده فيه انقطاع ، فإن قتادة ، لم يسمع من عبد الرحمن بن آدم مولى أم برثن ، لكن الحديث صحيح بطرقه وشواهده، وفي الحديث أن عيسى يمكث أربعين سنة ، وقد تقدم حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (٢٩٤٠) أنه يمكث في الناس سبع سنين ، وسيذكره المصنف بعد قليل . رواه البخاري ( ٣٤٤٢) و (٣٤٤٣). (٢) (٣) أي وقوعها . (٤) أي تنتن . ١٢٩ صفة عيسى عليه السلام المطر، فتجرف أجسادَهم حتى يَقَذِفَهم في البحر ، ففيما عَهِدَ إليّ ربيّ عزّ وجل أن ذلك إذا كان كذلك ، فإنّ الساعة كالحامل المُتِمِّ التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بِولَادَتها ليلاً أو نهاراً ». ورواه ابن ماجه عن محمد بن بشّار ، عن يزيد بن هارون ، عن العوّام بن حَوْشَب ، به نحوَ(١) . صفة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وَله ثبت في ((الصحيحين)) من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله وَّهُ: ((ليلَةَ أُسْرِيَ بي لقيتُ موسى)) قال: فنعَتَه، ((فإذا رجل)) حَسِبْتُه قال: ((مضطربٌ)) أي طويل، ((رَجِلُ الرأس، كأنه من رجال شَنُوءة)) قال: ((ولقيتُ عيسى)) فنعتَه النبي ◌َّ فقال: (رَبْعَة، أحْمَرُ، كأنما خرج من ديماس)) يعني الحمَّامُ(٢). وللبخاريّ من حديث مُجاهد عن ابن عمر(٣)، قال: قال رسول الله بص له: (( رأيت عيسى ، وموسى ، وإبراهيم، فأمّا عيسى فأحْمَرُ جَعْدٌ عَريضُ الصدر، وأما موسى فادمُ جَسيمٌ سَبْطٌ ، كأنه من رجال الزُّطُ (٤) . ولهما من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ذكر رسول الله وَله يوماً بين ظَهْرَانَي الناس المسيح الدجّال، فقال: ((إنّ الله ليس بأعور، ألا إنّ المسيح الدجّال أعورُ العَيْن اليُمْنَى، كأن عيْنَه عِنَبة طافية، وأَراني الليلة عند الكعبة في المنام ، وإذا رجلٌ آدم كأحسن ما يُرى من أُدْمِ الرِّجال، تضرب لِمَّتُهُ بين مَنْكَبَيْه، رَجِل الشَّعْرِ، يَقْطُر رأسه ماءً، واضعاً يَديه على مَنْكبِي رَجُلَيْنِ ، وهو يطوف بالبيت . فقلت : من هذا؟ فقالوا : هذا المسيح ابن مريم ، ثم رأيت رجلاً وراءه ، جعداً قَطَطاً ، أعورَ عين اليمنى ، كأشبه مَنْ رأيتُ بابن قطنٍ ، واضعاً يَدَيْه على مَنكَبَيْ رجلٍ ، يطوف بالبيت ، فقلت : من هذا؟ فقالوا: المسيحُ الدجّال)). تابعه عُبَيْد الله، عن نافعُ(٥). ثم روى البخاريّ ، عن أحمد بن محمد المكيّ ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ ، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله ما قال رسول الله وَّه لعيسى: أحمر، ولكن قال: ((بَينما أنا نائمٌ أطوف بالكعبة فإذا رجُلٌ آدَمُ سَبْط الشعر، يُهَادَى بَيْن رَجُلَيْنِ يَنِطُّفُ رأسُه ماءً، أو يُهرَاقُ رَأْسُه ماءً ، فقلت : من (١) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٧٥) وابن ماجه رقم (٤٠٨١) وإسناده ضعيف. (٢) رواه البخاري رقم ( ٣٤٣٧) ومسلم رقم (١٦٨). (٣) قال القسطلاني: (قوله : من حديث مجاهد عن ابن عمر ) هو هكذا عند كل من روى عن الفربري ، قال أبو ذر: والصواب ابن عباس بدل ابن عمر ، انظر القسطلاني باب نزول عيسى بن مريم، وانظر (( فتح الباري)). (٤) رواه البخاري رقم (٣٤٣٨) والزط : جنس من السودان أو من الهند ، هم طوال الأجسام مع نحافة فيها . (٥) رواه البخاري رقم (٣٤٣٩) ومسلم رقم (١٦٩). ١٣٠ صفة عيسى عليه السلام هذا؟ قالوا : ابنُ مَرْيمَ ، فذهبتُ التَّفِتُ، فإذا رجلٌ أحْمَرُ جسيم جَعْدُ الرأس ، أعْوَرُ عَيْنِه اليُمنَى ، كأن عينه عِنَبَة طَافية، قلت : من هذا؟ قالوا : هذا الدجال، وأقرب الناس به شبَهاً ابنُ قَطَنٍ )» قال الزهريّ : رجلٌ من خُزَاعةَ هَلَكَ في الجاهليةُ(١) . وتقدّم في حديث النَّاس بن سِمْعان: (( فَينزلُ عند المنارة البَيْضاء ، شَرِقِيَّ دِمِشْقَ ، بين مَهْرُودَتين واضعاً كفيه على أجنحة مَلِكَيْن، إذا طَأْطَأْ رأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَه تحدّر منه مثل جُمَان اللؤلؤ . ولا يحلّ لكَافِرٍ يجدُ رِيحَ نَفَسِه إلّ مات، ونَفَسهُ ينتهي حيث ينتهي طَرْفُهُ)(٢) . هذا هو الأشهر في موضع نزوله ، أنه على المنارة البيضاء الشرقيّة بدمشق ، وقد رأيتُ في بعض الكتب أنّه ينزلُ على المنارة البيضاء شرقيّ جامع دمشق ، فلعل هذا هو المحفوظ ، وتكون الرواية : ((فينزل على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق)) فتصرّفَ الراوي في التعبير ، بحسب ما فهم ، وليس بدمشق منارة تُعرف بالشرقيّة سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بِدمشقَ مِن شَرقيّهِ ، وهذا هو الأنسبُ والأليق، لأنه ينْزلُ وقد أقيمت الصلاةُ، فيقول له إمامُ المسلمين: (( يا رُوحَ الله تقدّمْ ، فيقول : تقدّمْ أنت ، فإنها إنما أُقيمت لَكَ)(٣) . وفي روايةٍ: ((بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ أمَرَاءُ، تَكْرِمَةُ الهِ هذه الأمّة (٤) . وقد جُدّد بناء منارةٍ في زماننا في سنة إحدى وأربعين وسبعمئة ، من حجارةٍ بيضٍ ، [ وكان بناؤها ] من أموال النصارى الذين حَرَقُوا المنارةَ التي كانت مَكانَها، ولعلّ هذا يكونُ من دلائل النبوّة الظاهرة ، حيث قَيَّضَ اللهُ بناءَ هذه المنارة البيضاء من أموال النصارى ، لِيَنْزِلَ عيسى ابنُ مريَم عليها ، فيقتلَ الخنزيرَ ، ويَكْسِرَ الصليبَ ، ولَا يقْبَلُ مِنْهُم جِزِيةً ، ومن لم يُسْلِمْ قَتَلَهُ ، وكذلك يكون حُكْمُه في سائر كفّار أهل الأرض يَوْمئذٍ ، فإنه لا يبقى حُكْمٌ في أهل الأرض إلا له ، وهذا من باب الإخبار عن المسيح بذلك، فإن الله قد سوَّع له ذلك وشرعه له ، فإنّه إنما يَحْكُم بمقْتَضَى هذهِ الشَّرِيعَة المُطَهَّرةِ . وقد روي في بعض الأحاديث كما تقدّم أنه يَنْزِلُ بِبَيتِ المَقْدِس(٥) ، والأحاديث تقتضي أن الدجال يُقتَل بِلُدِّ قبل أن يدخل بيت المقدس ، فتدل على أنه لا يدخله الدجال كمكَّة والمدينة حماية له منه . وفي روايةٍ أن عيسى ينزل بالأَزْدُنّ ، وفي رواية: بمُعَسكر المُسلمين ، وهذا في بعض روايات مُسلم كما تقدّم ، فالله أعلم . (١) رواه البخاري رقم (٣٤٤١). (٢) رواه مسلم رقم ( ٢٩٣٧) . (٣) رواه ابن ماجه رقم (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامة الباهلي وإسناده ضعيف بطوله ، ولكن لهذه الجملة شواهد . (٤) رواه مسلم رقم ( ١٥٦ ) من حديث جابر . (٥) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامة الطويل ، وإسناده ضعيف. ١٣١ صفة عيسى عليه السلام وتقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: (( وإنه نازلٌ ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجلٌ مَرَبُوعٌ، إلى الحُمْرةِ والبياض، عليه ثوبان مُمَصَّران، كأنّ رأسه يَقْطُر، وإِنْ لم يُصِبْهُ بَلَلٌ ، فيدقُّ الصليبَ ، ويقْتُلُ الخِنْزِيرَ ، ويضعُ الجِزْيةَ، ويدْعُو الناسَ إلى الإسلام ، ويُهلِكُ اللهُ تعالى في زمانه المِلَلَ كُلَّها إلّ الإسْلامَ، ويُهْلكُ الهُ في زمانه المسيحَ الدجّال، ثم تَقَعُ الأَمَنَّةُ على الأرض ، حتّى تَرتَع الأسودُ مع الإبل، والنِّمار مع البَقَر، والذِّئابُ مع الغَنَم، وَيلعَبُ الصبيانُ بالحَيّاتِ ، لا تضرّهم، فَيمكثُ أربعِينَ سَنَّةً. ثم يُتوفى، ويُصلِّي عليهِ المُسلِمون)). رواه أحمد، وأبو داود(١). وهكذا وقع في هذا الحديث أنه يمْكثُ في الأرض أربعين سنةً . وثبت في ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو أنه يمكث في الأرض سَبْعَ سنينُ(٢) . فهذا مع هذا مُشكِلٌ ، اللهمّ إلا أن تُحملَ هذه السّبْعُ على مُدَّةٍ إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك محمولاً على مُكْثه فيها قبلَ رَفْعِه ، مضافاً إليه ، وكان عمره قبل رفعه ثلاثاً وثلاثينَ سَنَّةً على المشهور ، وهذه السبع تكملة الأربعين ، فيكون هذا مدة مقامه في الأرض قبل رفعه وبعد نزوله ، وأما مقامه في السماء قبل نزوله فهو مدة طويلة ، والله أعلم . وقد ثبت في الصحيح أن يأجوج ومأجوجَ ، يخرجون في زمانه ويُهلكهم الله ببَركه دُعائِه في ليلةٍ واحدةٍ كما تقدّم ، وكما سيأتي ، وثبت أنه يَحُجّ في مُدّة إقامته في الأرض ، بعد نزوله . وقال محمد بن كعب القُرَظيّ : في الكتب المُنزَلةِ أنّ أصحاب الكهف يكونون في حَوارِيِّهِ ، وأنهم يَحجّون معه ، ذكره القرطبيّ في الملاحم، من آخر كتابه (( التذكرة، في أحوال الآخرة ))، وتكُون وفاته بالمدينة النبوية ، فيُصلَّى عليه هنالك، ويُدفن بالحُجْرة النبوية . وقد ذكر ذلك الحافظُ أبو القاسم ابنُ عساكر. ورواه أبو عيسى الترمذيّ في ((جامعه))، عن عبد الله ابن سَلاَم ، فقال في كتاب المناقب : حدثنا زيد بن أخزم الطائيّ البصريّ ، حدّثنا أبو قُتَيْبَة سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، حدّثنا أبو مودود المدنيّ، حدّثنا عُثمانُ بن الضحاك ، عن محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه ، عن جدّه ، قال: مكتوب في التوراة صفةُ محمد ، وعيسى ابن مريم يُدفن معه . قال : فقال أبو مودود : وقد بقي في البيت موضع قبرٍ . ثم قال : هذا حديث حسن غريب ، هكذا قال : عثمان بن الضحاك، والمعروف : الضحّاك بن عثمان المدني. انتهى ما ذكره الترمذي رحمه الله(٣). وروى الطبراني من حديث عبد الله بن نافع ، عن عثمان بن الضحاك ، عن محمد بن يوسف بن (١) رواه أحمد في المسند (٤٠٦/٢) وأبو داود رقم (٤٣٢٤) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده . (٢) رواه مسلم رقم (٢٩٤٠). (٣) رواه الترمذي رقم (٣٦١٧) وهو من نقل عبد الله بن سلام عن التوراة ، وهو ضعيف . ١٣٢ ذكر خروج يأجوج ومأجوج عبد الله بن سلام ، عن أبيه، عن جده، قال: يُدفَنُ عيسى ابنُ مريمَ مع رسول الله وَطيره، وأبي بكر ، وعمر فيكون قبره رابعا١ً) . وقال أبو داود الطيالسيُّ عن علي بن مَسْعَدة ، عن رِيَاحِ بن عَبِيدَة ، حدثني يوسف بنُ عبد الله بن سلام، عن أبيه ، قال : يمكثُ الناس بعد الدجّال يَعمُرون الأسواقَ، ويَغْرِسُونَ النَّخْلَ . ذِكر خروج يأجوج ومأجوج ، وذلك في أيام عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلةٍ واحدةٍ ببركة دعائه عليهم قال الله تعالى: ﴿حَقََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوعُ وَهُم ◌ِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ () وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ﴾ [الأنبياء ]، فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَرُ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِ عَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَلِمِينَ ـيْ حَقَّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السََّّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ وقال تعالى في قصة ذي القرنين : ﴿ ثُمَّ أَنْتَعَ سَبِّبًا يَفْقَهُونَ قَوْلاً (﴿ قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَيْتَهُمْ سَدَّا (١) قَالَ مَا مَكَّتِى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (هي) ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَقَّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَّيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِظْرًا () فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أَسَتَطَّهُوْلَهُ نَقْبًّا ◌ِي] قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَقِ بَعَلَهُ ذَكَّةَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا ◌ِيَ * وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَبَعْنَهُمْ بَعَا (® وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوَمَّدٍ ﴾ [ الكهف ] . لِلْكَفِرِينَ عَرْضًا وقد ذكرنا في ((التفسير))، وفي قصة ذي القرنين، خبر بنائِه للسدّ من حَدِيدٍ ونُحاسٍ بَيْن جبلين، فصار رَدْماً واحداً، و﴿ قَالَ هَذَا رَيْمَةٌ مِّن رَّبِ﴾ أي يَحْجُزُ به بين هؤلاء القوم المفسدين في الأرضِ ، وبين الناس، ﴿فَإِذَا جَّةَ وَعَدُ رَبِ جَعَلَهُ ذَكَّهَ وَكَانَ وَعْدُ رَقٍّ حَقًّا﴾ أي الوقت الذي قَدَّر انْهدامَه فيه ﴿جَعَلَهُ ذَكَّةَ﴾، أي مساوياً للأرض، ﴿وَكَانَ وَعَدُ رَبِّ حَقًّا﴾ أي هذا لا بدّ من كونه ووقوعه، ﴿ ﴿وَتَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَیِذٍ يَمُومُ فِی بَعْضٍ﴾ أي إذا انهدم ، يخرجون على الناس فيموجون فيهم ، ويَنْسِلُون ، أي يُسرعون المَشْيَ من كُلِّ حَدَبٍ، ثم يكون النفخُ في الصورِ للفَزع قريباً من ذلك الوقت، كما قال تعالى: ﴿حَقَّى إِذَا فُيُحَتْ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴿ وَأَقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِى شَخِصَةُ أَبْصَدُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... ) الآية [الأنبياء] . وقد ذكرنا في الأحاديث الواردة في خروج الدجّال ونزول المسيح طَرَفاً صالحاً من ذِكرهم ، من رواية النّاس بن سِمْعَان ، وغيره . وثبت في «الصحيحين)) من حديث زينب بنتِ جَحْش أنّ رسول اللهِوَّهِ نامَ عِنْدَها ثم استيقظَ (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٨٤/١٣) وإسناده ضعيف. ١٣٣ ذكر خروج يأجوج ومأجوج مُحْمَرّاً وَجْهِهُ، وهو يقول: ((لَا إلهَ إلّ اللهُ، ويلٌ لِلعَرب مِنْ شَرِّ قَد اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثلُ هذِهِ )» وحلَّق بَيْن إصْبَعَيْهِ . وفي رواية : وَعقَد سَبْعِينَ أُوْ تِسْعِينَ ، قالت: قلت : يا رسول الله، أنَهْلِكُ وفِينَا الصالحُون ؟ قال: ((نَعَمْ إذَا كَثُرِ الخَبَثُ)(١). وفي ((الصحيحين)) أيضاً من حديث وُهَيْب ، عن ابن طاوس، عن أبيه ، عن أبي هريرةَ : أنّ رسول الله وَّ قال: ((فُتْحَ اليومَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثلُ هَذَا» وَعقَد تسعين(٢). وقال الإمامُ أحمد : حدثنا رَوْحٌ، حدّثنا سَعِيدُ بنُ أبي عَروبَةَ ، عن قتَادة ، حدّثنا أبو رافع ، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّهِ قال: ((إنّ يأُجُوجَ وَمأجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْم، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ ، قال الذي عَلَيْهِمْ: ارْجعُوا، فَسَتَحْفِرونَه غداً، فيعودون إليه كأشدِّ مَا كانَ، حتّى إذا بلغت مُدَّتُّهم ، وأراد اللهُ أنْ يَبعَثَهُمْ على الناس ، حفروا ، حتى إذا كادوا يرون شعاعَ الشمس قال الذي عليهم : اغدُوا فَسَتَحْفِرونَه غداً إن شاء الله، ويَسْتَثْنِي، فيعودون إليه، وهو على هَيْئَتِهِ حِينَ تركوه ، فَيَحْفِرُونَه، ويَخْرُجُونَ على الناس، فَيَنشُفُونُ(٣) المِيَّاه، ويتَحَصّنُ الناسُ مِنْهُمْ فِي خُصُونِهِم ، فَيَزْمُونَ بِسهامِهِمْ إلى السماء ، فترجعُ وعليها كَهَيْئَةِ الدَّم، فيقولون: قَهَرنَا أهْلَ الأرض، وعَلَوْنَا أَهْلَ السماء ، فَيَبْعثُ اللهُ عليهم نَغَف٤ُ) في أقفائهم، فيقتُلُهم بها)) قال رسول الله وَّهِ: ((والّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنّ دَوَابَّ الأَرْض لَتَسْمَنُ، وَتَشْكَو(٥) شَكَراً مِنْ لحُومُهم ودِمَائِهِمْ)). ثم رواه أحمد ، والترمذيّ ، وابن ماجه : مِنْ غير وجه ، عن قتادة به(٦). وقد روى ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن كعب الأحبار قريباً من هذا . فالله أعلم . وقال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أَبي، عن ابن إسحاق ، عن عاصم بن عُمَر بن قَتَادَةُ(٧)، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، قال: سمعتُ رسول الله وَلَ يقول: (( يُفْتَحُ يَأْجُوجُ ومأُجُوجُ فَيَخْرُجُونَ على الناس، كما قال الله تعالى: ﴿ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء] فَيَغْشَوْنَ الناس، ويَنْحَازُ الناسُ عنهم إلى مَدَائِنهم وخُصُونِهِم، ويَضُمُّونَ إلَيْهِمْ مَواشِيَهُمْ، (١) رواه البخاري رقم (٣٣٤٦) ومسلم رقم (٢٨٨٠). (٢) رواه البخاري ( ٣٣٤٧) ومسلم (٢٨٨١). (٣) في ابن ماجه (فَيُنْشِفُون) وفي الترمذي ( فَيَسْتَقُون ) . (٤) دود يكون في أنوف الإبل والغنم . (٥) أي تسمن وتمتلىء شحماً . رواه أحمد في المسند (٢/ ٥١١) والترمذي (٣١٥٣) وابن ماجه (٤٠٨٠) وهو حديث صحيح. (٦) في الأصل : عن عاصم بن عمر عن قتادة . (٧) ١٣٤ ذكر خروج يأجوج ومأجوج فَيَشْرِبُونَ مِياه الأرْضِ ، حتّى إنّ بَعْضَهُم لَيَمُرّ بالنّهْرِ ، فَيَشْرَبُون مَا فيه، حتى يتركوه يَبَساً، حتى إنّ مَنْ بَعدَهُمْ لَيَمُرّ بذلك النهر، فيقول : قَدْ كَانَ هاهنا ماءٌ مَرّةً، حتّى إذَا لم يبق من الناس أحد إلّ أحدٌ في حِصْنٍ ، أو مَدينةٍ ، قال قائلُهم: هؤلاء أهلُ الأرض، قَدْ فَرَغنا مِنْهُم، بقي أهل السماء)) قال: (( ثُمَّ يَهُزّ أحدُهم حَرْبَتَهُ ، ثم يَرْمِي بِهَا إلى السَّماءِ، فَتَرْجِعُ إلَيْهِ مُخْتَضَبَةٌ دَماً للبَلاءِ والفتنة ، فبينما هم على ذلك بعثَ اللهُ دُوداً في أعناقهم كنغَفِ الجراد الذي يَخْرُج في أعناقه ، فيُصبحون موتَى ، لا يُسْمَعُ لَهُم حِسّ، فَيَقول المسلمون: ألَا رَجُلٌ يَشْرِي لَنَا نَفْسَهُ فَيَنْظُرَ ما فَعَلَ هذا العدوّ؟)) قال: ((فيتجرَّد رجل منهم مُخْتَسِباً نفسه ، قد أوطنها على أنه مقتولٌ ، فينزل ، فيجدهم موتَى بعضهم على بعض ، فيُنادي : يا معشر المسلمين: ألا أَبْشِرُوا، إنّ اللهَ تعالى قد كفاكم عَدُؤَّكم ، فيخْرُجُون مِنَ مدائِنهم ، وحصُونهم، ويُسَرّحُونَ مَواشِيَهم، فما يكون لها رَغْيٌّ إلّا لحومُهم، فتشكّرُ عنه كأحسنِ ما شكَرتْ عن شيءٍ من النباتِ أصابَتْه قَطْ)). وهكذا أخرجه ابن ماجه من حديث يونس بن بُكَيْر عن محمد بن إسحاق به ، وهو إسناد جيّد(١). وفي حديث النَّاس بن سِمْعان ، بعد ذِكر قتلٍ عيسى الدجّال عند باب لُدِّ الشرقيّ، قال: (( فبينما هم كذلك ، إذ أوحَى الله إلى عيسى ابن مَرْيَم عليه الصلاةُ والسلام: إني قَدْ أخْرَجْتُ عِباداً لي ، لَا يَدانِ لأحدٍ بقِتالِهِمْ، فحَرِّزْ عِبادِي إلى الطُّورِ ، فَيَبْعَثُ اللهُ يأْجُوجَ وَمأْجُوجَ وهم كما قال الله تعالى : ﴿وَهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنِسِلُونَ﴾ فَيَزْغَبُ عيسى وأصحابُه إلى الله عَزّ وجلّ، فَيُزْسِلُ اللهُ عَلَيْهِم نَغَّفاً في رِقابهم، فيُصْبِحُون فرْسى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، فَيَهْبِطُ عِيسَى وأصحابهُ فلا يجدون في الأرض بَيْتاً إلّ مَلَّهُ زَهَمُهم ونَتَتُهم ، فيرغَبُ عِيسَى وأصحابه إلى الله عزّ وجَلّ ، فيُرسل الله عليهم طَيْراً كأعناق البُخْتِ فتَحْمِلُهم فَتَطْرِحُهم حيثُ شاء الله تعالى ((٢) . قال كعبُ الأحبار بمكانٍ يُقالُ له: المَهْبِل عِنْد مَطْلَع الشمس ... الحديث، إلى آخره، وقد تقدم. كذلك حديث مُؤْثِرٍ بن عَفَازَة عن ابن مسعود، في اجتماع الأنبياء لَيلَةَ الإسراء ، وتذاكُرِهم أمْرَ الساعةِ، فرَدّوا أمرهم إلى عيسى ... وذكر الحديث كما تقدم، وفي آخره: ((فَيَرْجِعُ النّاس إلى أوطانهم ، فعند ذلك يخرُج يَأْجُوج ومأجوج وهم من كلّ حَدَبٍ يَنْسِلُون فَيَطَؤُونَ بِلاَدهم ، لا يَمُّون على شَيْءٍ، إلّا أهْلَكُوه، ولا يَمُرونَ على مَاءٍ إلّا شَرِبُوه)) ثم قال: ((ثم يَرْجعُ الناسُ إليّ يشكونَهُمُ، فَأَدْعُو اللّهَ عَزّ وجلّ عليهم فيُهلكهم ، ويمِيتَهُمُ حتى تَجْوَى الأرضُ من نَتْنِ رِيحِهم ، ويُنزل اللهُ المَطَرِ فَتَجْرُفُ أَجْسَادَهم ، حتى يَقذفهم في البحر ، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان (١) رواه أحمد (٧٧/٣) وابن ماجه (٤٠٧٩). (٢) رواه مسلم ( ٢٩٣٧) وقد تقدم . ١٣٥ ذكر خروج يأجوج ومأجوج كذلك ، فإنّ الساعةَ كالحامل المُتِمّ لا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتى تَفْجَؤُهُمْ بِولادتها، ليلاً أو نهاراً؟)(١) . وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا محمد بن بشر ، حدّثنا محمد بن عمرو ، عن ابن حَرْمَلَةَ، عن خَالتِهِ ، قالت: خطب رسولُ الله ◌ِّرُ وهو عَاصِبٌ إصْبَعَهُ مِنْ لَدْغَةِ عَقْرَبِ، فقال: ((إنَّكم تقولون: لا عَدُؤَّ لَكُم، وإنّكم لَا تَزَالُونَ تُقَاتِلُونَ عَدُوّاً حَتَّى يَأْتِيَ يَأْجُوجُ ومأجُوجُ، عِراضُ الوُجوه ، صِغارُ العُيون ، صُهْبُ الشِّعاف(٢)، من كلّ حَدَبِ ينسِلُون، كأن وُجُوهَهُم المَجَانُّ المُطْرَقَةُ)(٣) . قلت : يَأْجُوجُ ومأجوج ، طائفتان من التُّرْكِ كبيرتان لا يعلم عددهم إلا الله سبحانه، وهم مِنْ ذُرِّيةِ آدَمَ عليه الصلاة والسلام، كما ثَبت في الصحيح: (( يقول الله عَزّ وجَلّ يوم القيامة: يا آدمُ ، فيقول : ◌َبَيْكَ وسَعْدَئِكَ ، فَيُنادي بِصْوتٍ : ابْعثْ بَعْثَ النار من ذريتك، فيقول: مِنْ كم؟ فيقول: من كُلّ ألفٍ تِسْعمئةٍ وتِسْعَةً وتسعين إلى النار ، وواحداً إلى الجَنّة ، فيومئِذٍ يَشِيبُ الصغير، وتَضَعُ كلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ حَمْلَهَا، فيقال: أبْشِرُوا، فإنّ في يَأجوجَ ومأجُوجَ لكم فداءً))، وفي روايةٍ: ((فيقال : إنّ فيكم أُمّتَيْنِ ما كَانتَا في شيءٍ إلَّا كَثَّرَتَاهُ: يأجوج ومأجُوج(٤) وسيأتي هذا الحديث بطرقه وألفاظه . ثم هم من حوَّاء ، وقد قال بعضهم : إنهم من آدم لا من حواء ، وذلك أنّ آدم احتلم ، فاختلط مِنِّه بالتراب ، فخلق اللهُ من ذلك يأجوج ومأجوج ، وهذا مما لا دليل عليه ، ولم يرد عمن يجب قبول قوله في هذا ، والله أعلم . وهم من ذرّية نُوح عليه السلام ، من سُلالةِ يافِث بن نوح ، وهو أبو التُّرك، وقد كانوا يُفْسِدُون في الأرض ، ويُؤْذُونَ أهلها ، فأمر الله سبحانه ذا القرنين فحصرهم في مكانهم داخلَ السدِّ ، إلى أن يأذنَ الله تعالى في خروجهم على الناس ، فيكون من أمرهم ما ذكرنا في الأحاديث . وهم كالناس يشبهونهم ، كأبناء جِنْسِهم من الترك الغُتْمُ(٥) المَغُول، المُخَرْزَمةِ عُيُونُهم، الذُّلْفِ أنُوفُهم، الصُّهْبِ شُعُورهم ، على أشكالهم وألوانهم ، ومن زعم أنّ منهم الطويل كالنخلة السَّحوق (٦) وأطول ، ومنهم القصير كالشيء الحقير ، ومنهم من له أُذنان يتَغَطَّى بإحداهما، ويَتَوَطَّأ بالأخرى ، فقد تكلّف ما لا علم له به ، وقال ما لا دليل عليه ، وقد ورد في حديثٍ أن أحدهم لا يموت حتى يرى مِن نَسْله ألف إنسان ، فالله أعلم بصحّته . (١) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٧٥) وابن ماجه رقم (٤٠٨١) وإسناده ضعيف . (٢) أي حمرة الشعر مع السواد . (٣) رواه أحمد في المسند (٢٧١/٥) وهو حديث صحيح. (٤) رواه البخاري رقم (٣٣٤٨) ومسلم رقم (٢٢٢). جمع أغتم ، وهو الأعجمي الذي لا يفصح . (٥) أي الطويلة . (٦) ١٣٦ ذكر تخريب الكعبة على يديْ ذي السُّويقتين الحبشي قال الطبرانيّ : حدّثنا عبدُ الله بن محمد بن العباس الأصفهاني ، حدّثنا أبو مسعود أحمد بن الفُراتِ ، حدّثنا أبو داود الطيالسيّ، حدّثنا المُغيرة بن مُسلم ، عن أبي إسحاق ، عن وهب بن جابر ، عن عبد الله بن عمرو ، عن النبيّ رَّه، قال: ((إنّ يأجوج ومأجوج مِنْ ولَد آدم، ولو أُرْسِلُوا لِأَفْسَدُوا على الناس مَعايِشَهم ، ولن يمُوتَ منهم رَجُلٌ إلا ترك مِنْ ذُرِيتِ ألفاً فصاعداً ، وإنّ مِنْ ورَائِهِم ثلاثَ أُمَم : تاوِيل، وتاريسَ، ومَنْسك)) . وهذا حديث غريب ، وقد يكون من كلام عبد الله بن عمرو من الزاملتين (١) ، والله أعلم . وقال ابن جرير : حدّثنا محمد بنُ المُثَنَّى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شُعْبَة ، عن عبد الله بن أبي يزيد ، قال : رأى ابنُ عبّاسٍ صِبْياناً يَنْزُو بَعْضُهم على بعض، يلعبون ، فقال ابنُ عبّاس : هكذا تَخْرُجُ يأجوجِ وَمَأْجُوجُ . ذكر تخريب الكعبة شرفها الله تعالى على يدي ذي السُّوَيْقَتَيْنُ(٢) الأفج الحَبَشيّ ، قبّحه الله ورَوَينا عن كعب الأحبار في التفسير عند قوله تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوُجُ وَمَأْجُوجُ ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، أنّ أولّ ظهور ذي السُّوَيْقَتَينِ في أيّام عيسى ابن مَرْيمَ عليه الصلاة والسلام ، وذلك بعد هلاك يأجوج ومأجوج ، فَيَبْعَثُ الله عيسى ابنَ مَرْيم طليعةً ما بين السبعمئة إلى الثمانمئة ، فبينما هم يسيرون إليه ، إذ بعث اللهُ ريحاً يَمانِيَةً طيبةً، فَتُقْبضُ فيها روح كلِّ مؤمن، ثم يبقى عَجَاجٌ(٣) من الناس، يَتَسافَدُون كمَا تَتَسَافِدُ البَهَائِمُ(٤)، ثم قال كعب: وتكون الساعةُ قَرِيبةٌ حِينَئِذٍ . قلت : وقد تقدّم في الحديثِ الصحيح : أنّ عِيسَى عليه الصلاة والسلام يَحُجّ بعد نزوله إلى الأرض(٥) . وقال الإمام أحمد : حدّثنا سليمانُ بن داود الطيالسي ، حدثنا عِمْرانُ، عن قتادةَ ، عن عبد الله بن (١) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (٢٢٨٢) ورواه الطبراني في ((الأوسط)) رقم ( ٨٥٩٣) من طريق أبي إسحاق بنحوه ، وقد أصاب عبد الله بن عمرو في وقعة اليرموك زاملتين محملتين بكتب من أهل الكتاب ، و کان یحدث بما فيهما . (٢) ذو السويقتين: القائد الحبشي الذي يغزو الكعبة ويخربها، وسمي ذا السويقتين لصغر ساقيه ، والأفحج : المتباعد عقباه عند المشي . (٣) عجاج من الناس : غوغاؤهم. (٤) ورد في حديث مرفوع رواه البزار في «مسنده» رقم ( ٣٤٠٨) وابن حبان في «صحيحه» ( ٦٧٦٨) بلفظ (( لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير )) وهو حديث صحيح بطرقه شواهده ، وسبق في حديث النواس عند مسلم رقم (٢٩٣٧) بلفظ: ((يتهارجون فيها تهارج الحمر)) وهو بمعناه. (٥) رواه مسلم رقم ( ١٢٥٢) . ١٣٧ ذكر تخريب الكعبة على يديْ ذي السُّويقتين الحبشي أبي عُتْبَة، عن أبي سعيد، قال: قال رسول اللهِ وَّل: ((لَيُحَجَّنَّ هذا البيتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج)). انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه عن أحمد بن حفص بن عبد الله ، عن أبيه ، عن إبراهيم بن طَهْمَانَ، عن حَجَاج هو ابنُ حجاجُ(١) ، عن قتادَةَ بن ◌ِعَامة به ، قال : تابعه أبانٌ ، وعِمْرانُ، عن قتادَة ، وقال عبد الرحمن، عن شعبة، عن قتادةَ: (( لا تَقُومُ الساعةُ حتّى لا يُحَجّ البَيْتُ)) قال أبو عبد الله: والأول أكثر. انتهى ما ذكره البخاري . وقد رواه البزّار ، عن محمد بن المُثَنّى ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن أبان بن يزيد العطّار ، عن قتادة ، كما ذكره البخاريّ ، ورواية عِمْران بن داود القطّان قد أوردها الإمامُ أحمد ، كما رَأَيْتَ(٢) . وقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المُثَنَّى، حدّثنا عبد العزيز، حدّثنا شعبةُ، عن قتادة ؛ سمعتُ عبد الله بن أبي عُتْبةَ يُحَدّث، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن النبيّ وََّ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى لا يُحَجّ البَيْتُ)). ثم قال: وهذا الحديث لا نَعْلمُه يُزوى عن أبي سعيد، عن النبيّ وَلَّ إلّ بهذا الإسناد. قلت : ولا مُنافَاة في المعنى بين الروايتين ، لأنّ الكعبة يَحُجُها الناسُ ويَعْتَمِرون بها ، بعد خروج يأجوج ومأجوج ، وهلاكِهم ، وطُمأنينة الناس ، وكثرة أرزاقهم في زمان المسيح عليه الصلاة والسلام ، ثم يَبْعَثُ الله ريحاً طيِّبة فيقبْضُ بها رُوح كلِّ مُؤْمن ، ومؤمنة، ويُتَوَفَّى نَبِي الله عيسَى ابنُ مَزْيمَ عليه الصلاة والسلام، ويصلّي عليه المسلمونَ، ويُدْفَنُ بالحُجْرةِ النبوية، مع رسول الله وَّ(٣) ، ثم يكون خَرَابُ الكَعْبةِ على يدي ذي السُّوَيْقَتَين ، بعد هذا، وإن كان ظهورُه في زمان المسيح ، كما قال کعبُ الأحبار . صفة تخريبه إيّاها قبحه الله وشرفها قال الإمامُ أحمد: حدّثنا أحمد بن عبد الملك، وهو الحَرَّانيّ ، حدّثنا محمد بن سَلَمة ، عن محمد ابن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيح، عن مُجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعتُ رسول الله وَاليوم يقول : ((يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَة، ويسْلُبُها حِلْيتَهَا، ويُجَرِّدُها من كُسْوتها، ولَكأَنِّي أنظرُ إلَيْهِ أُصَيْلِعَ أَفَيْدِغُ(٤)، يضرب عليها بِمِسْحاته، ومِعْوَله)). انفرد به أحمد، وهذا إسنادٌ جَيّد قَويُ(٥) . في الأصل : ابن منهال ، والتصحيح من البخاري . (١) (٢) رواه أحمد في المسند (٢٧/٣ - ٢٨) والبخاري (١٥٩٣) تعليقاً، قال الحافظ في ((الفتح)) (٤٥٥/٣) وصله الحاكم (٤/ ٤٥٣) من طريق أحمد بن حنبل . تقدم أن الترمذي رواه رقم (٣٦١٧) وهو من نقل عبد الله بن سلام عن التوراة ، وهو ضعيف . (٣) (٤) الذي فيه زيغ في المفاصل حتى كأنها زالت عن مواضعها . (٥) رواه أحمد في المسند (٢/ ٢٢٠) أقول: فيه عنعنة بن إسحاق ، لكن قد توبع ، فالحديث حسن بطرقه وشواهده . ١٣٨ تخريب الكعبة وذكر القحطاني وقال أبو داود : ( باب النهي عن تَهييج الحَبَشَةِ ) : حدّثنا القاسم بن أحمد ، حدّثنا أبو عامر ، حدّثنا زُهَيْرُ بن محمد، عن موسى بن جُبَيْر، عن أبي أمامةَ بن سَهْل بن حُنَيْف ، عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبيّ ◌َّه قال: ((اتركوا الحَبَشَةَ ما تَركُوكُمْ، فإنّه لا يَسْتَخْرِجُ كنز الكعبة إلا ذُو الشُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبشة(١) . وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا يحيى، عن عبيد الله بن الأخْنَس ، قال : أخبرني ابنُ أبي مُلَيْكةَ ، وهو عبد الله بن عُبَيْدِ الله بن أبي مُلَيْكَة: أنّ ابن عباس أخبره: أنّ النبيّ وَّرَ قال: ((كأنِّي أنْظُر إليه أسْوَدَ أفْحَجَ ، يَنْقُضُها حَجَراً حَجَراً ، يعني الكَعْبَة)) . انفرد به البخاري، فرواه عن عمرو بن علي الفلاّس، عن يحيى ، وهو ابن سعيد القَطّان به(٢). وقال الحافظ أبو بكر البزّار : حدّثنا محمد بن المُثَنَّى ، حدّثنا أبو عامر ، حدثنا عبدُ العزيز ، عن ثَوْر ، عن أبي الغَيْث، عن أبي هريرة، عن النبيّ وََّ، قال: (( ذُو الشُّوَيِقَتَيْن مِنْ الحَبَشَةِ، يُخرِبُ بيْتَ الله)). ورواه مسلم ، عن قُتَيبةَ بن سعيد، عن عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ به(٣). وبهذا الإسناد أنّ رسول الله وَّه، قال: ((لا تَقومُ الساعةُ حتى يَخْرُجِ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ الناسَ بعَصَاهُ)). ورواه البخاريّ، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن سُلَيمان بن بلال، ومُسلمٌ عن قُتَِّبة ، عن عبد العزيز الدَّرَاوَزْدِيّ ، كلاهما عن ثَوْر بن زَيْد الدِّيلي، عن أبي الغَيْث ، سالم مولى ابن مُطِيع، عن أبي هُرَيرةَ ، عن النبيّ بَّهِ ... فذكر مثله سواءً بسواء(٤) . وقد يكون هذا الرجلُ هو ذا السُّوَيْقَتَيْنِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، فإن هذا من قَحْطانَ ، وذاك من الحَبَشة ، فالله أعلم . وقال الإمامُ أحمد : حدّثنا أبو بكر الحَنَفَيّ ، حدّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عُمَر بن الحَكَم الأنصاريّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّمَ: ((لا يَذْهَبُ الليلُ والنهارُ حتى يملك رجلٌ مِن المَوالي يقال له: جهجاه))، ورواه مسلم عن محمد بن بَشّار ، عن أبي بكر الحنفي به(٥). فيحتمل أن يكون هذا اسم ذي السُّوَيِقَتَيْنِ الحَبَشي ، والله أعلم . (١) رواه أبو داود رقم (٤٣٠٩) وهو حديث حسن بشواهده . (٢) رواه أحمد في المسند (٢٢٨/١) والبخاري رقم (١٥٩٥). (٣) رواه مسلم رقم (٢٩٠٩) وأخرجه البخاري (١٥٩١) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة . (٤) رواه البخاري (٣٥١٧) ومسلم رقم (٢٩١٠) . (٥) رواه أحمد في المسند (٣٢٩/٢) ومسلم رقم (٢٩١١). ١٣٩ خروج الدابة وقد قال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهِيعَةً ، حدّثنا أبو الزُّبير ، عن جابر : أن عمر ابن الخطاب أخبره : أنّه سمع رسول الله وَ ◌ّه يقول: ((سيخْرُج أهل مَكَّة ثم لا يُعْبَرُ بها، أو لا يَعْبُر بها إلّا قليل ، ثم تمتلئ وتُبْنَى، ثم يَخْرجُون منها، فلا يعودون فيها أبداً)). ورواه البزار(١). فصل وأما المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ، فقد ثبت في الصحيح كما تقدّم : أن الدجّال لا يدخلها ولا مكة ، وأنّه يكون على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها منه . وفي ((صحيح البخاريّ)) من حديث مالك، عن نُعَيْمِ المُجْمِرِ، عن أبي هريرة: أن رسول الله وَّة قال: ((لَا يدخُلُها المسيحُ الدجّال، ولا الطاعون)(٢). وقد تقدّم أنه يُخَيِّم بظاهِرها ، وأنها تَرْجُفُ بأهلها ثَلاثَ رَجَفَاتٍ ، فيخرج إليه كلُّ منافق ومنافقَةٍ ، وفاسق وفاسِقَةٍ ، ويثبتُ فِيهَا كلُّ مؤمن ومؤمنةٍ ، ومسلم ومسلمة ، ويُسَمَّى يومئذٍ يَومَ الخَلاصِ ، وأكثُر مَنْ يَخْرج إليه النِّساءُ، وهي كما قال رسول الله بَّهِ: ((إنها طَيْبَةُ، تَنْفِي خَبَثَها وَيَنْصَحُ طِيبُها)) . وقال الله تعالى ﴿ الْخَبِشَتُ لِلْخَيِيثِنَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِشَةِ وَالطَّيِّبَتُ لِلَِّبِينَ وَالَطِّبُونَ لِلَّيِّبَنِ﴾ [ النور: ٢٦] والمقصود أن المدينةَ تكون عامرةً أيام الدجّال ، ثم تكون كذلك في زمان المسيح عيسى ابن مَرْيم رسول الله عليه الصلاة والسلام ، حتى تكون وفاتُه بها، ودفْنُه بها، ثم تَخْرَبُ بعد ذلك ، كما قال الإمامُ أحمد : حدّثنا يحيى بن إسحاق ، حدثنا ابن لَهِيعَة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، قال : أخبرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله وَه يقول: ((لَيَسِيرَنَّ الرَّاكِبُ فِي جَنَبَاتِ المَدِينَةِ ، ثم لَيَقُول : لَقَدْ كَانَ في هذَا حاضرٌ مِنَ المُؤمنينَ كَثِيرٌ )). قال الإمام أحمد : ولم يَجُزْ به حسن الأشيب جابراً ، انفرد به أحمد (٣). خروج الدابة من الأرض تُكلِّم الناس قال الله تعالى: ﴿﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢]، وقد تكلّمنا على ما يتعلّق بهذه الآية الكريمة، في كتابنا (( التفسير))، وأوردنا هنالك من الأحاديث المتعلّقة بذلك ما فيه كفاية ، ولو کتبت مجموعها هنا كان حسناً كافياً . (١) رواه أحمد في المسند (٢٣/١) والبزار رقم (٢٣٣)، وإسناده ضعيف. (٢) رواه البخاري رقم (١٨٨٠) ومسلم رقم (١٣٧٩). (٣) رواه أحمد في المسند (٢٠/١) و (٣٤١/٣) وهو حديث حسن. ١٤٠ خروج الدابة قال ابن عباس ، والحسن ، وقتادةُ: تُكلِّمُهُمْ، أي تخاطِبهُمْ مُخَاطَبةً، ورجّح ابنُ جرير : تخاطبهم فَتَقُولُ لَهُمْ: ﴿إِنٌ(١) النَّاسَ كَانُواْ بِثَايَدِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. وحكاه عن عليّ، وعطاءٍ، وفي هذا نظر . وعن ابن عبّاس : تَكلِمُهم : تجرحهم ، يعني تكتبُ على جبين الكافر : ( كافر) وعلى جبين المؤمن: ( مؤمن) وعنه : تخاطبهم وتجرحهم . وهذا القول ينتظم المذهبَين ، وهو قويّ حسن ، جامع لهما ، والله أعلم . وقد تقدّم الحديثُ الذي رواه أحمد ، ومسلم ، وأهل السنن ، عن أبي سَريحة ، خُذَيْفَةَ بن أَسِيد ، أن رسول الله ◌َ ◌ّم قال: «لا تقومُ الساعةُ حتَّى تَرَوا عَشْر آيات: طُلوعُ الشَّمْس مِنْ مَغْرِبها، والدُّخَان، والدَّابّة، وخروج يأجَوجَ ومأْجُوجَ، وخروج الدجّال، وخروج عيسى ابن مريم، وثلاثة خُسُوفٍ خَسْفٌ بالمغرب، وخسفٌ بالمشرق ، وخسفٌ بجزيرة العرب، ونارٌ تَخْرُجُ من قَعْرِ عَدَن ، تَسُوقُ الناسَ أو تَحْشُر الناس، تَبِيتُ مَعَهُم حَيْث باتوا ، وتَقِيلُ مَعهُمْ حَيْثُ قالُوا)(٢) . ولمسلم من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله مَ ل﴿ قال: ((بادروا بالأعمال ستّاً : طُلوعَ الشَمْسِ من مَغَرِبها ، أو الدخان ، أو الدجال ، أو الدابة ، أو خاصّة أحدكم ، أو أمر العامة(٣) . وله أيضاً من حديث قتادةَ ، عن الحسن ، عن زياد بن رِياح، عن أبي هريرة، عن النبيّ بَّهِ قال: (( بادروا بالأعمال سِتّاً: الدجّال، والدُّخَان، ودابة الأرض، وطلوعَ الشَمس من مغربها، وأمر العامة، وخُوَيْصَّة أحدكم)(٤) . وروى ابنُ ماجة ، عن حرملة ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، وابن لَهيعَة ، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سَعْد، عن أنس: أن رسول الله وَّرَ قال: ((بادروا بالأعمال سِتّاً: طُلُوعَ الشّمْسِ مِنْ مَغْربها، والدُّخَان، ودابة الأرض، والدجّال، وخُوَيْصَّة أحدكم ، وأمْرَ العامّة(٥) . تفرّد به ابن ماجه من هذا الوجه . (١) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي جعفر، وانظر توجيهها في كتاب ((الحجة )) لأبي علي الفارسي (٤٠٦/٥)، ورواية حفص عن عاصم وغيره : (أن الناس ) . (٢) رواه أحمد في المسند (٦/٤) ومسلم رقم (٢٩٠١) وأبو داود رقم (٤٣١١) والترمذي (٢١٨٣) والنسائي في الكبرى ( ١١٤٨٢) وابن ماجه (٤٠٤١). (٣) رواه مسلم ( ٢٩٤٧) (١٢٨). (٤) رواه مسلم رقم ( ٢٩٤٧) (١٢٩). (٥) رواه ابن ماجه رقم (٤٠٥٦ ) وهو حديث حسن .