Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ أحداث سنة ٧٥٧هـ صَيْد(١) ، قدموا في سبعة مراكب وقتلوا طائفة من أهلها ونهبوا شيئاً كثيراً وأسروا أيضاً ، وهجموا على الناس وقت الفجر يوم الجمعة ، وقد قتل منهم المسلمون خلقاً كثيراً وكسروا مركباً من مراكبهم ، وجاء الفرنج في عشية السبت قبل العصر وقدم الوالي وهو جريح مثقل ، وأمر نائب السلطنة عند ذلك بتجهيز الجيش إلى تلك الناحية فساروا تلك الليلة ولله الحمد ، وتقدَّمهم حاجب الحجاب وتحدَّر إليهم نائب صفد الأمير شهاب الدين بن صبح ، فسبق الجيش الدمشقي ، ووجد الفرنجَ قد برزوا بما غنموا من الأمتعة والأسارى إلى جزيرة تلقاء صَيْدا في البحر ، وقد أسر المسلمون منهم في المعركة شيخاً وشاباً من أبناء أشرافهم ، وهو الذي عاقهم عن الذهاب ، فراسلهم الجيش في انفكاك الأسارى من أيديهم فبادرهم عن كل رأس بخمسمئة فأخذوا من ديوان الأسارى مبلغ ثلاثين ألفاً ، ولم يبق معهم ولله الحمد أحد . واستمر الصبي من الفرنج مع المسلمين ، وأسلم ودفع إليهم الشيخ الجريح ، وعطش الفرنج عطشاً شديداً ، وأرادوا أن يروَوْا من نهر هناك فبادرهم الجيش إليه فمنعوهم أن ينالوا منه قطرة واحدة ، فرحلوا ليلة الثلاثاء منشمرين بما معهم من الغنائم ، وبُعِثَت رؤوس جماعةٍ من الفرنج ممّن قتل في المعركة فنصبت على القلعة بدمشق ، وجاء الخبر في هذا الوقت بأن إِيَاس(٢) قد أحاط بها الفرنج، وقد أخذوا الربيض(٣) وهم محاصرون القلعة ، وفيها نائب البلد ، وذكروا أنهم قتلوا خلقاً كثيراً من أهلها فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وذهب صاحب حلب في جيش كثيف نحوهم والله المسؤول أن يظفّرهم بهم بحوله وقوته ، وشاع بين العامة أيضاً أن الإسكندريّة محاصرة ولم يتحقق ذلك إلى الآن ، وبالله المستعان . وفي يوم السبت رابع جمادى الآخرة قدم رؤوس من قتلى الفرنج على صَيْدا ، وهي بضعة وثلاثون رأساً ، فنصبت على شرافات القلعة ففرح المسلمون بذلك ولله الحمد . وفي ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من جمادى الآخرة وقع حريق عظيم داخل باب الصغير(1) من مطبخ الشُّكَّر الذي عند السُّويقة الملاصقة لمسجد الشناشين ، فاحترق المطبخ وما حوله إلى حمام أبي نصر ، واتَّصل بالسويقة المذكورة وما هنالك من الأماكن ، فكان قريباً أو أكثر من الحريق ظاهر باب الفرج فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وحضر نائب السلطنة ، وذلك أنه كان وقت صلاة العشاء ، ولكن كان الريح قوياً ، وذلك بتقدير العزيز العليم . وتوفي الشيخ عز الدين محمد٥) بن إسماعيل بن عمر الحَمَويّ أحد مشايخ الرُّواة في ليلة الثلاثاء في ط : صفد وهو تحريف ، وأين صفد من الساحل. وأثبتنا ما في الذيل التام (١٤٩/١). (١) (( الربيض والربض)) : سور المدينة، ولعله أراد الأغنام والمواشي حول المدينة خارج السّور. (٣) في ط : إيناس والتصويب من الذيل التام . (٢) (٤) الذيل التام (١٤٨/١). ترجمته في: الذيل ص (٣١٢) والوفيات لابن رافع (١٩٢/٢) والدرر الكامنة (٣٨٩/٣). (٥) ٣٨٢ أحداث سنة ٧٥٧هـ الثامن والعشرين من جمادى الآخرة ، وصُلِّيَ عليه من الغد بالجامع الأموي بعد الظهر ، ودفن بمقابر باب الصغير . وكان مولده في ثاني ربيع الأول سنة ثمانين وستمئة ، فجمع الكثير وتفرَّد بالرواية عن جماعة في آخر عمره، وانقطع بموته سماعُ ((السُّنَن الكبير)) للبَيْهقيّ ، رحمه الله . ووقع حريقٌ عظيم ليلة الجمعة خامس عشر رجب بمحلّة الصالحية من سفح قاسيون ، فاحترق السُّوق القبلي من جامع الحنابلة بكماله شرقاً وغرباً ، وجنوباً وشمالاً . فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الجمعة خامس شهر رمضان خطب بالجامع الذي أنشأه سيف الدين يَلْبُغا الناصريُ(١) غربي سوق الخيل وفتح في هذا اليوم ، وجاء في غاية الحسن والبهاء ، وخطب الشّيخ ناصر الدينُ(٢) بن الرَّبوة الحنفي، وكان قد نازعه فيه الشَّيخ شمس الدين الشَّافعي المَوْصلي(٣)، وأظهر ولايةٌ مِن واقفه يَلْبُغا المذكور ، ومراسيم شريفة سلطانية ، ولكن قد قوي عليه ابن الربوة بسب أنَّه نائب عن الشيخ قوام الدين الاتقاني الحنفي ، وهو مقيم بمصر ، ومعه ولاية من السُّلطان متأخرة عن ولاية الموصلّي ، فرسم لابن الرَّبْوة ، فلبس يومئذ الخلعة السوداءَ من دار السعادة وجاؤوا بين يديه بالسناجق السود الخليفية ، والمؤذِّنون يكبرون على العادة ، وخَطَب يومئذٍ خُطْبَةً حسنة أكثرها في فضائل القرآن ، وقرأ في المحراب بأول ( سورة طه)، وحضر كثير من الأمراء والعامة والخاصة ، وبعض القضاة ، وكان يوماً مشهوداً ، و کنت ممَّن حضر قريباً منه . والعجب أني وقفت في شهر ذي القعدة علی کتاب أرسله بعض الناس إلى صاحبٍ له من بلاد طرابلس وفيه : والمخدوم يعرف الشيخ عماد الدين بما جرى في بلاد السَّواحل من الحريق من بلاد طرابُلُس إلى آخر معاملة بيروت إلى جميع كسروان ، أحرق الجبال كلها ومات الوحوش كلها مثل النمور والدب والثعلب والخنزير(٤) من الحريق ، ما بقي للوحوش موضع يهربون فيه ، وبقي الحريق عليه أياماً وهرب الناس إلى جانب البحر من خوف النار واحترق زيتون كثير ، فلما نزل المطر أطفأه بإذن الله تعالى - يعني الذي وقع في تشرين وذلك في ذي القعدة من هذه السنة - قال ومن العجب أن ورقة من شجرة وقعت في بيت من مدخنته فأحرقت جميع ما فيه من الأثاث والثياب وغير ذلك ومن حلية حرير كثير، وغالب هذه البلاد (١) الذي بدأ بناءه يَلْبُغَا نائب السلطنة في الشام . (٢) هو : محمد بن أحمد بن عبد العزيز الحنفي الشهير بابن الرَّبوة مدرس المقدّمية بدمشق وخطيب جامع يلبغا. مات سنة (٧٦٤) هـ الذيل ص (٣٧٠) والدارس (٥٩٤/١). (٣) هو : محمد بن محمد بن عبد الكريم بن رضوان بن عبد العزيز المَوْصلي ، البعلي المولد ، تصدّر للخطابة في الأموي ، وكان استوطن دمشق وحصل فيها وظائف عوند فيها ، فأعرض عنها ، وانَّجر بالكتب ، فحصّل أموالاً طائلة . مات في طرابلس سنة (٧٧٤) هـ. الدرر الكامنة (١٨٨/٤) الدارس (٩٥/١). (٤) ليست الخنزير في الذيل التام (١ / ١٤٨) وقد نقل الخبر بحروفه . ٣٨٣ أحداث سنة ٧٥٨هـ للدُّرزية والرّافضة. نقلته من خط كاتبه محمد بن بَلَبَانُ(١) إلى صاحبه، وهما عندي بقبَّان(٢) فيالله العجب . وفي هذا الشهر - يعني ذي القعدة - وقع بين الشيخ إسماعيل بن العز الحنفي وبين أصحابه من الحنفية مناقشة بسبب اعتدائه على بعض الناس في محاكمة فاقتضى ذلك إحضاره إلى مجلس الحكم ثلاثة أيام كمثل المتمرِّد عندهم ، فلمَّا لم يحضر فيها حكم عليه القاضي شهاب الدين(٣) الكَفْري نائب الحنفي بإسقاط عدالته ، ثم ظهر خبره بأنَّ قصد بلاد مصر ، فأرسل النائب في أثره من يردُّه فعنَّفه ، ثم أطلقه إلى منزله ، وشفع فيه قاضي القضاة الحنفي فاستحسن ذلك ولله الحمد والمنَّة . ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمئة استهلّت هذه السنة والخليفة أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان العباسي . وسلطان الإسلام بالديار المصرية وما يتبعها وبالبلاد الشامية وما والاها والحرمين الشريفين وغير ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالحي وليس له بمصر نائبٌ ولا وزير ، وإنما ترجع الأمور إصداراً وإيراداً إلى الأميرين الكبيرين سيف الدين شَيْخُون وصَرْغَتْمُش الناصريين ، وقضاة مصرَهُم المذكورون في التي قبلها . ونائب الشام بدمشق علاء الدين علي المارداني ، وقضاة دمشق هم المذكورون في التي قبلها انتهى . كائنة غريبة جداً لما كان يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب من هذه السنة ، نهدت جماعة من مجاوري الجامع بدمشق من مشهد علي وغيره ، واتبعهم جماعة من الفقراء والمغاربة ، وجاؤوا إلى أماكن مثَّهمة بالخمر وبيع الحشيش فكروا أشياء كثيرة من أواني الخمر ، وأراقوا ما فيها وأتلفوا شيئاً كثيراً من الحشيش (١) هو : الأمير ناصر الدين بن الأمير سيف الدين الحنفي ، المعروف بابن المِهْمَنْدَار أحد الأمراء المقدَّمِين. قتل سنة (٧٩٢) هـ. الدليلِ الشافي (٦٠٩/٢). (٢) من حيث الثقة والنقل . هو : أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة ، شهاب الدين بن شهاب الدين ، ناب في الحكم مدَّة ثم ولي القضاء (٣) استقلالاً، ثم نزل لابنه جمال الدين يوسف، غير أن ابنه مات قبله سنة (٧٦٦) هـ ومات المذكور سنة (٧٧٦)هـ. الدرر الكامنة (١٢٥/١). ٣٨٤ وفيات سنة ٧٥٨هـ وغيره، ثم انتقلوا إلى حِكْر السمّاق وغيرهم فثار عليهم من البَازدَاريّة (١) والكِلاَبزيّة(٢) وغيرهم من الرّعاع فتناوشوا ، وضُربت عليهم ضربات بالأيدي وغيرهم ، وربما سل بعض الفساق السيوف عليهم كما ذكر ، وقد رَسَم ملك الأمراء لوالي المدينة ووالي البر أن يكونوا عضداً لهم وعوناً على الخَمَّارين والحشَّاشة ، فنصروهم عليهم ، غير أنه كثر معهم الضجيج ونصبوا راية واجتمع عليهم خلق كثير ، ولما كان في أواخر النهار تقدم جماعةٌ من النقباء والخزَّاندارية ومعهم جنازير فأخذوا جماعة من مجاوري الجامع وضُربوا بالمقارع ، وطيف بهم في البلد ونادوا عليهم : هذا جزاء من يتعرض لما لا يعنيه تحت علم السلطان ، فتعجَّب الناس من ذلك وأنكروه حتى أنه أنكر اثنان من العامة على المنادية فضربَ بعضُ الجند أحدهم بدبُّوس فقتله ، وضرب الآخر ، فيقال : إنه مات أيضاً فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي شعبان من هذه السنة حكي عن جارية من عتيقات الأمير سيف الدين تَمُر المِهْمَنْدار أنها حملت قريباً من تسعين يوماً ، ثم شرعت تطرح ما في بطنها فوضعت في قرب من أربعين يوماً في أيام متتالية ومتفرقة أربعَ عَشْرة بنتاً وصبياً بعدَهُنَّ قل من يعرف شكل الذكر من الأنثى(٣). وجاء الخبر بأنّ الأمير سيف الدين شَيْخُون مدبر الممالك بالديار المصرية والشامية قفز(٤) عليه مملوك(٥) من السلطان فضربه بالسّيف ضربات فجرحه في أماكن في جسده ، منها ما هو في وجهه ومنها ما هو في يده ، فحُمل إلى منزله صريعاً طريحاً جريحاً ، وغضب لذلك طوائف من الأمراء حتى قيل : إِنَّهم ركبوا ودعَوْا إلى المبارزة فلم يجىء إليهم ، وعظم الخطب بذلك جداً ، واتَّهموا به الأمير سيف الدين صَرْغَتْمُش وغيره ، وأن هذا إنّما فُعل عن ممالأة منهم فالله أعلم . وفاة أَرْغُونُ(٦) الكاملي باني البِيْمَارستان بحلب : كانت وفاته بالقدس الشّريف في يوم الخميس السادس والعشرين من شوال من هذه السنة ، ودفن بتربة أنشأها غربيّ المسجد بشماله ، وقد ناب بدمشقَ مدة بعد حلب ، ثم جرت الكائنة التي أصلها (١) في ط : البارذادية وهو تحريف . والبازداريّة بتقديم الزاي على الدال ، هم المهتمُّون بتربية الطيور وتدريبها على الصّيد. (٢) في ط : الكلابرية بالراء وهو تحريف أيضاً . وبالزاي هم الذين يهتمون بتربية الكلاب ، وتدريبها على الصّيد . (٣) الخبر في النجوم الزاهرة (٣٠٦/١٠) نقلاً عن ابن كثير، ووقع في ط: (( سبعين)) بدلًا من تسعين ، وما هنا يوافق ما نقله صاحب النجوم وهو الأصوب إن شاء الله . في ط: ظفر وهو تحريف. وفي النجوم الزاهرة (٣٠٥/١٠) والذيل التام (١٥٤/١): (وثب). (٤) هو: قُطْلوخَجَا السلاح دار النجوم (٣٢٤/١٠) وفي الدرر الكامنة (١٩٦/٢) وشذرات الذهب (١٨٣/٦): (آي (٥) قَجَا ) وكذلك في الذيل التام (١٥٤/١). (٦) ترجمته في: الذيل للحسيني ص (٣١٦) والدرر (٣٥٢/١) والنجوم (٣٢٦/١٠) والذيل التام (١٥٨/١). ٣٨٥ أحداث سنة ٧٥٩هـ بَيْبُغا١) قبحه الله في أيامه ، ثم صار إلى نيابة حلب ثم سجن بالإسكندرية مدَّة ، ثم أَفرج عنه فأقام بالقدس الشريف إلى أن كانت وفاته كما ذكرنا في التاريخ المذكور ، عزَّره الشَّريف ابن رُزَيك(٢) والله أعلم . وفاة الأمير شَيْخُونُ(٣) : ورد الخبر من الديار المصرية بوفاة الأمير شَيْخُون ليلة الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة ودفن من الغد بتربته ، وقد ابتنى مدرسةً هائلةٌ(٤) وجعل فيها المذاهب الأربعة وداراً للحديث وخانقاه للصُّوفية ، ووقف عليها شيئاً كثيراً ، وقرّر فيها معاليم وقراءة دارَّة، وترك أموالًا جزيلة وحواصل كثيرة ودواوين في سائر البلاد المصرية والشّامية ، وخلف بناتٍ وزوجةً ، وورث البقية أولاد السُّلطان المذكور بالولاء . ومسك بعد وفاته أمراء كثيرون بمصر كانوا من حزبه ، من أشهرهم عز الدين طُقْطَاي(٥) الدوادار وابن قَوْصُون وأمه أخت السلطان خلف عليها شَيْخُون بعد قَوْصُون انتهى والله أعلم . ثم دخلت سنة تسع وخمسين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وسلطان الإسلام بالبلاد المصرية والشامية والحرمين الشريفين وما يتبع ذلك الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي ، وقد قوي جانبُه وحاشيته بموت الأمير شيخون كما ذكرنا في سادس عشري ذي القعدة من السنة الماضية و [ قد ]٦) صار إليه من ميراثه من زهرة الحياة [ الدنيا](٦) شيء كثير من القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ، وكذلك من المماليك والأسلحة والعُدّة والبِرَك والمتاجر ما يشق حصره ويتعذر إحصاؤه هاهنا . وليس في الديار المصرية فيما بلغنا إلى الآن نائب ولا وزير ، والقضاة هم المذكورون في التي قبلها . وأمّا دمشقُ فنائبها وقضاتها هم المذكورون في التي قبلها سوى الحنفي فإنَّه قاضي القضاة شهاب في ط : يلبغا . والمراد : بَيْبُغا أُرُوس . (١) في ط : زريك بتقديم الزاي. والتصويب من الدارس (٩٠/١). (٢) ترجمته في الذيل ص (٣١٤) والدرر الكامنة (١٩٦/٢) والنجوم الزاهرة (٣٢٤/١٠) وفيهما: شَيْخَو وكذلك هو في (٣) الذيل التام (١ / ١٥٤). (٤) بخط صليبة أحمد بن طولون . (٥) في ط : بقطاي وهو تحريف . وقد ذكر من قبل . (٦) ما بين الحاصرتين زيادة من الذيل التام (١٥٩/١) وفيه النص بحروفه. ٣٨٦ أحداث سنة ٧٥٩هـ الدين (١) الكفري، عوضاً عن نجم الدين الطَّرَسُوسي (٢) توفِّي في شعبان من السنة الماضية ، ونائبُ حلب سيف الدين طَاز، وطرابُلُس مَنْجَك، وحماة أسَنْدَمُر(٣) العمري، وصفد شهاب الدين بن صبح ، وبحمص صلاح الدين خليل بن حاجي ترك(٤) ، وببعلبك ناصر الدين [ بن ] الآقُوش(٥). وفي صبيحة يوم الإثنين رابعَ عشرَ المحرم خرجت أربعةُ آلاف مع أربعة مقدمين إلى ناحية حلب نصرةً لجيش حلب على مسك طاز إن امتنع من السلطنة كما أمر ، ولما كان يوم الحادي والعشرين من المحرم نادى المنادي من جهة نائب السلطنة أن يركبَ من بقي من الجند في الحديد ويوافوه إلى سوق الخيل ، فركب معهم قاصداً ناحية ثَنِيَّةِ العُقَاب ليمنع الأمير طاز من دخول البلد ، لمَّا تحقق مجيئُه في جيشه قاصداً إلى الديار المصرية ، فانزعج الناس لذلك وأُخليت دار السعادة من الحواصل والحريم إلى القلعة ، وتحصَّن كثير من الأمراء بدورهم داخل البلد ، وأُغلق باب النصر ، فاستوحش الناس من ذلك بعض الشيء، ثم غلّقت أبواب البلد كلها إلا باب الفراديس والفرج ، وباب الجابية أيضاً لأجل دخول الحجّاج ودخل المحمل صبيحة يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرّم ولم يشعر به كثير من الناس لشغلهم بما هم فيه من أمر طاز، وأمر العشير بحَوْران (٦)، وجاء الخبر بمسك الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الحاجب الكبير بأرض حَوْران وسجنه بقلعة صَرْخَد ، وجاء سيفُه صحبةَ الأمير جمال الدين الحاجب ، فذهب به إلى الوطاق عند الثَِّيّة . وقد وصل طاز بجنوده إلى باب القطيفة وتلاقى شاليشُه بشاليش(٧) نائب الشام ، ولم يكن منهم قتال ولله الحمد ، ثم تراسل هو والنّائب في الصُّلح على أن يسلّم طازُ نفسه ويركب في عشرة سروج إلى السلطان وينسلخ مما هو فيه ، ويكاتب فيه النائب ، وتلطّفوا بأمره عند السلطان وبكل ما يقدر عليه ، فأجاب إلى ذلك وأرسل يطلب من يُشْهده على وصيَّته ، فأرسل إليه نائب السَّلطنة القاضي شهاب الدين (١) في ط : شرف الدين وهو تحريف . وقد سبق ذكره عما قريب . في ط : الطوسي وهو تحريف . (٢) وهو : إبراهيم بن علي بن أحمد بن عبد الواحد الطّرَسوسي . وترجمته في : الذيل للحسيني ص (٣١٦) والوفيات لابن رافع (٢٠٢/٢) والذيل التام (١٥٦/١). ولم يورده ابن كثير في وفيات السنة الماضية في مكانه . (٣) في ط : استدمر وهو تحريف . في ط : خاض برك وهو تحريف. وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٨٩/٢). (٤) (٥) في ط : الأقوس . (٦) يعني: ثورة العربان في أرض حَوْران، وقطع السُّبل، إلى أن قتل مقدَّمُهم الشهاب أحمد بن البُسَريّة بزُرع . الذيل للحسینی ص(٣١٧ - ٣١٨) . (٧) ((الشاليش)) : مقدمة العساكر. ٣٨٧ أحداث سنة ٧٥٩هـ قاضي العسكر ، فذهبَ إليه فأَوْصَى لولدِهِ وأم ولده ولوالده نفسه ، وجعل الناظر على وصيته الأمير علاء الدين علي المارِداني نائب السلطنة، وللأمير صَرْغَتْمُش ، ورجع النائب من الثَّنَّة عشيةَ يوم السبت بين العشاءين الرابع والعشرين منه وتضاعفت الأدعية له وفرح الناس بذلك فرحاً شديداً ، ودعَوْا إلى الأمير طاز بسبب إجابته إلى السمع والطاعة ، وعدم مقاتلته مع كثرة من كان معه من الجيوش ، وقوة من كان يحرِّضُه على ذلك من أَخَوَيْه وذويه . وقد اجتمعتُ بنائب السلطنة الأمير علاء الدين علي المارداني فأخبرني بملخص ما وقع منذ خرج إلى أن رجع ، ومضمون كلامه : أنَّ الله لطف بالمسلمين لطفاً عظيماً ، إذ لم يقع بينهم قتال . فإنه قال : لما وصل طاز إلى القُطَيْفة وقد نزلنا نحن بالقرب من خان لاجين أرسلتُ إليه مملوكاً من مماليكي أقول له . إنّ المرسوم الشريف قد ورد بذهابك إلى الديار المصرية في عشرة سروج فقط، فإذا جئت هكذا فأهلاً وسهلاً، وإن لم تفعل فأنت أصل الفتنة . وركبت ليلة الجمعة طول الليل في الجيش وهو ملبس ، فرجع مملوكي ومعه مملوكه سريعاً يقول : إنه يسأل أن يدخل بطلبه كما خرج بطلبه من مصر ، فقلت : لا سبيل إلى ذلك إلا في عشرة سروج كما رسم السلطان ، فرجع وجاءني الأمير الذي جاء من مصر بطلبه فقال : إنه يطلب منك أن يدخل في مماليكه فإذا جاوزَ دمشقَ إلى الكُسْوة نزل جيشه هناك وركب هو في عشرة سروج كما رسم . فقلت : لا سبيلَ إلى أن يدخلَ دمشقَ ويتجاوز بطلبه أصلاً ، وإن كان عنده خيل ورجال وعدَّة فعندي أضعاف ذلك ، فقال لي الأمير : يا خَوَنْدُ لا يكونُ تنسى قيمته ، فقلت : لا يقع إلا ما تسمع ، فرجع ، فما هو إلا أن ساق مقدار رمية سهم وجاء بعض الجواسيس الذين لنا عندهم فقال : يا خوندُ هاقد وصل جيش حماةً وطرابُلُس ، ومن معهم من جيش دمشق الذين كانوا قد خرجوا بسببه ، وقد اتفقوا هم وهو . قال : فحينئذ ركبت في الجيش وأرسلت طليعتين أمامي وقلت تراؤوا للجيوش الذين جاؤوا حتى يرَؤكم فيعلموا أنا قد أحطنا بهم من كل جانب . فحينئذ جاء الردُّ من جهته بطلب الأمان ويجهرون بالإجابة إلى أن يركبَ في عشرة سروج ، ويترك طلبه بالقُطَيْفة ، وذلك يوم الجمعة ، فلما كان الليل ركبت أنا والجيش في السلاح طول الليل وخشيت أن تكون مكيدة وخديعة ، فجاءتنا الجواسيس فأخبرونا أنهم قد أوقدوا نشَّابهم ورماحهم وكثيراً من سلاحهم ، فتحقَّقنا عند ذلك طاعته وإجابته ، لكلِّ ما رُسم به ، فلما أصبح يوم السبت وَصَّى وركب في عشرة سروج وسار نحو الدِّيار المصرية ولله الحمد والمنة . وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من صفر دخل حاجب الحجَّاب(١) الذي كان سجن في قلعة صرخد مع البريدي الذي قدم بسببه من الديار المصرية ، وتلقاه جماعة من الأمراء والكبراء ، وتصدَّق بصدقات كثيرة في داره ، وفرحوا به فرحاً شديداً ، وهو والناس يقولون : إنه ذاهب إلى الديار المصرية معظّماً (١) طيدمر الإسماعيلي . ٣٨٨ دخول نائب السلطنة منجك إلى دمشق مكرماً على تقدمة ألف ووظائف هناك ، فلمّا كان يوم الخميس السابع والعشرين منه لم يفجأ النَّاسَ إلا وقد دخل القلعة المنصورة معتقلاً مضيّقاً عليه ، فتعجَّب الناس من هذه الترحة من تلك الفرحة فما شاء الله كان. وفي يوم الأربعاء رابع ربيع الأول عقد مجلس بسبب الحاجب بالمشهد من الجامع . وفي يوم الخميس أحضر الحاجب من القلعة إلى دار الحديث ، واجتمع القضاة هناك بسبب دعاوى يطلبون منه حق بعضهم ، ثم لما كان يوم الإثنين تاسعه قدم الديار المصرية مقدم البريدية بطلب الحاجب المذكور ، فأخرج من القلعة السلطانية وجاء إلى نائب السلطنة فقبّلَ قدمه ، ثم خرج إلى منزله وركب من يومه قاصداً إلى الديار المصرية مكرَّماً ، وخرج بين يديه خلق من العوام والحرافيش يدعون له ، وهذا أغرب ما أُرِّخَ ، فهذا الرجل نالته شدة عظيمة بسبب سجنه بصرخد ، ثم أفرج عنه ثم حبس في قلعة دمشق ثم أفرج عنه ، وذلك کله في نحو شهر(١) . ثم جاءت الأخبار في يوم الأحد ثاني عَشَرَ جُمادى الأولى بعزل نائب السلطنة عن دمشق فلم يركب في الموكب يوم الإثنين ، ولا حضر في دار العدل ، ثم تحقّقت الأخبارُ بذلك وبذهابه إلى نيابة حلب ، ومجيء نائب حلب(٢) إلى دمشقَ، فتأسَّفَ كثيرٌ من الناس عليه لديانته وجُودِهِ وحُسن معاملته لأهل العلم ، ولكنَّ حاشيته لا ينفِّذون أوامره ، فتولّد بسبب ذلك فسادٌ عريض، وحموا كثيراً من البلاد ، فوقعت الحروب بين أهلها بسبب ذلك ، وهاجت العشيرات فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين خرج الأمير علي المارداني من دمشق في طلبه مستعجلاً في أُبَّهة النيابة ، قاصداً إلى حلب المحروسة ، وقد ضربَ وطاقه بوَطْأة بَرْزَة ، فخرج الناس للتفُّج على طلبه . وفي هذا اليوم بعد خروج النائب بقليل دخل الأمير سيف الدين طَيْدَمُر الحاجب من الديار المصرية عائداً إلى وظيفة الحجوبية في أُبَّهة عظيمة ، وتلقَّاه الناس بالشموع ، ودعَوْا له ، ثم ركب من يومه إلى خدمة ملك الأمراء إلى وَطْأة بَرْزَة، فقبَّل يدَهُ وخلع عليه الأمراء ، واصطلحا ، انتهى والله أعلم . دخول نائب السلطنة منجك إلى دمشق كان ذلك في صبيحة يوم الخميس الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من ناحية حلب وبين يديه الأمراء والجيش على العادة ، وأَوقدت الشموع وخرج الناس ومنهم من بات على الأسطحة وكان يوماً (٣) هائلاً(٣). (١) الذيل للحسيني ص (٣١٩). (٢) هو : مَنْجك اليوسفي . (٣) الذيل للحسيني ص (٣١٩) وفيه: فدخلها يوم الخميس رابع عشر جمادى الآخرة . ٣٨٩ عزل القضاة الثلاثة بدمشق وفي أواخر شهر رجب برز نائبُ السَّلطنة إلى الرَّبوة وأُحضِرَ القضاة وولاءٌ الأمور ورُسم بإحضار المفتين - وكنت فيمن طلب يومئذ فركبتُ إليها١) - وكان نائب السلطنة عزم يومئذ على تخريب المنازل المبنيّة بالرّبوة وغَلْق الحمَّام من أجل هذه فيما ذكر أنها بنيت ليقضي فيها ، وهذا الحمام أوساخُه صائرةٌ إلى النهر الذي يشرب منه الناس ، فاتّفق الحال في آخر الأمر على إبقاء المساكن ورد المُرتفعات المسلطة على تُورَه وبانياس(٢) ويترك ما هو مسلَّط على بردى، فانكفَّ الناس عن الذهاب إلى الرّبوة بالكُلِّية، ورُسم يومئذ بتضييق أكمام النساء وأن تزال الأجراس والركب عن الحمير التي للمكارية . وفي أوائل شهر شعبانَ ركب نائبُ السلطنة يوم الجمعة بعد العصر ليقف على الحائط الرومي الذي بالرحبية ، فخاف أهل الأسواق وغلَّقوا دكاكينهم عن آخرهم ، واعتقدوا أن نائب السلطنة أمر بذلك فغضب من ذلك وتنصَّل منه ، ثم إنه أمر بهدم الحائط المذكور ، وأن ينقل إلى العمارة التي استجدَّها خارج باب النصر في دار الصِّناعة التي إلى جانب دار العدل ، أمر ببنائها خاناً ونقلت تلك الأحجار إليها٣) ، انتهى والله أعلم . عزل القضاة الثلاثة بدمشق ولما كان يوم الثلاثاء تاسع شعبان قدم من الديار المصرية بريدي ومعه تذكرة - ورقة - فيها السلام على القضاة المستجدين ، وأخبر بعزل القاضي الشافعي(٤) والحنفي(٥) والمالكي(٦)، وأنه ولي قضاء قضاة الشافعية القاضي بهاء الدين أبو البقاء السُّبكي، وقضاء الحنفية الشيخ جمال الدين بن السراج الحنفي، وذهب الناس إلى السلام عليهم والتهنئة لهم واحتفلوا بذلك ، وأخبروا أن القاضي المالكي سيقدم من الديار المصرية ، ولما كان يوم السبت السابع والعشرين من شعبان وصل البريد من الديار المصرية ومعه تقليدان وخلعتان للقاضي الشافعي والقاضي الحنفي ، فلبسا الخلعتين وجاءا من دار السعادة إلى الجامع الأموي ، وجلسا في محراب المقصورة ، وقرأ تقليد قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء الشَّافعي ، الشيخ نور الدين بن الصّارم المحدِّث على السُّدَّة تجاه المحراب ، وقرأ تقليد قاضي القضاة جمال الدين بن السرَّاج الحنفي الشيخ عماد الدين بن السرَّاج المحدث أيضاً على السدة ، ثم حكما هنالك ، ثم جاء أيضاً (١) يعني ابن كثير نفسه . (٢) في ط : نوره وناس وهو تحريف . وكلاهما فرعان معروفان من فروع بردى. (٣) الدارس (٤٤٥/٢) . تاج الدين السُّبكي الشافعي . (٤) (٥) شرف الدين الكفري الحنفي . (٦) جمال الدين المسلاتي . ٣٩٠ مسك الأمير صرغتمش أتابك الأمراء بالديار المصرية إلى الغزالية فدرَّس بها قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء ، وجلس الحنفي إلى جانبه عن يمينه ، وحضرتُ عنده فأخذ في صيام يوم الشك(١) ثم جاء معه إلى المدرسة النورية فدرَّس بها قاضي القضاة جمال الدين المذكور ، وحضر عنده قاضي القضاة بهاء الدين، وذكروا أنَّه أخذ في قوله تعالى: ﴿﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوََّمِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [ النساء: ١٣٥] الآية. ثم انصرف بهاء الدين إلى المدرسة العادلية الكبيرة فدرَّس بها قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: ٥٨] الآية. وفي صبيحة يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان دخل القاضي المالكي من الديار المصرية فلبس الخلعة يومئذ ودخل المقصورة من الجامع الأموي وقُرىء تقليدُه هنالك بحضرة القضاة والأعيان ، قرأه الشيخ نور الدين بن الصّارم المحدث ، وهو قاضي القضاة شرف الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين محمد بن عسكر العراقي البغدادي ، قدم الشّام مراراً ، ثم استوطن الديار المصرية بعدما حكم ببغداد نيابةً عن قطب الدين الأخوي ، ودرَّس بالمُسْتَنْصريّة بعد أبيه ، وحكم بدمياط أيضاً ثم نُقل إلى قضاء بدمشقَ وهو شيخ حسن ، كثيرُ التودُّد ، ومسدّد العبارة ، حسن البشر عند اللقاء ، مشكور في مباشرته عفة ونزاهة ، وكرم [خلق]، الله يوفقُه ويسدِّدُه(٢). مسك الأمير صَرْغَتْمُش(٣) أَتَابك الأمراء بالديار المصرية ورد الخبر إلينا بمسكه يوم السبت الخامس والعشرين من رمضان هذا ، وأنّه قُبض عليه بحضرة السلطان يوم الإثنين العشرين منه ، ثم اختلفت الرواية عن قتله ، غير أنَّه احتيط على حواصله وأمواله ، وصُودر أصحابه وأتباعُه ، فكان فيمن ضُرب وعُصر تحت المصادرة القاضي ضياء الدين(٤) بن خطيب بيت الآبار ، واشتهر أنّه مات تحت العقوبة ، وقد كان مقصداً للواردين إلى الديار المصرية ، ولاسيَّما أهل بلدة دمشقَ ، وقد باشر عدَّة وظائف ، وكان في آخر عمره قد فوض إليه نظر جميع الأوقاف ببلاد السلطان ، وتكلّم في أمر الجامع الأموي وغيره ، فحصل بسبب ذلك قطع أرزاق جماعات من الكتبة (١) أي حديث ((صيام يوم الشك)). (٢) الدارس (١٦٨/١) و(١٦/٢). (٣) في ط : طرغتمش وهو تطبيع . وترجمته في الدرر الكامنة (٢٠٦/٢) والنجوم الزاهرة (٣٠٨/١٠) والذيل التام (١٦٠/١). (٤) هو: ضياء الدين يوسف بن أبي بكر بن خطيب بيت الآبار. مات سنة (٧٦١)هـ الدرر (٤٨٢/٤) والنجوم الزاهرة (٣٣٧/١٠) والذيل التام (١٦٠/١) وفي الذيل للحسيني (٣٢١) هو: ضياءالدين محمد بن خطيب بيت الآبار . ٣٩١ إعادة القضاة - وفيات سنة ٧٥٩هـ وغيرهم ، ومالاً الأميرَ صَرْغَتْمُش في أمور كثيرة خاصة وعامة ، فهلك بسببه ، وقد قارب الثمانين(١)، انتهى . إعادة القضاة وقد كان صَرْ غَتْمُش عزل القضاة الثلاثة بدمشق ، وهم الشافعي والحنفي والمالكي كما تقدَّم ، وعزل قبلهم ابنَ جماعة ووَلّى ابن عقيل ، فلما مُسك صَرْغَتْمُش رسم السلطان بإعادة القضاة على ما كانوا عليه ، ولمّا ورد الخبرُ بذلك إلى دمشقَ امتنع القضاةُ الثلاثة من الحكم ، غير أنهم حضروا ليلة العيد لرؤية الهلال بالجامع الأموي ، وركبوا مع النائب صبيحة العيد إلى المُصَلّى على عادة القضاة ، وهم على وَجَلٍ ، وقد انتقلوا من مدارس الحكم فرجع قاضي القضاة أبو البقاء الشافعي إلى بستانه بالزُّعَيْفَرنيّةُ(٢) ورجع قاضي القضاة ابن السرّاج إلى داره بالتَّعديل ، وارتحل قاضي القضاة شرف الدين المالكي إلى الصَّالحية داخل الصَّمْصَامَّة ، وتألَّم كثير من الناس بسببه ، لأنه قد قدم غريباً من الديار المصرية وهو فقير ومتديّن ، وقد باشر الحكم جيداً ، ثم تبيَّن بأخرة أنه لم يُعزل وأنه مستمرٌّ كما سنذكره ، ففرح أصحابه وأحبابه ، وكثير من الناس بذلك . فلما كان يوم الأحد رابع شوال قدم البريد وصحبته تقليد الشافعي قاضي القضاة تاج الدين بن السُّبكي ، وتقليد الحنفي قاضي القضاة شرف الدين الكفري ، واستمر قاضي القضاة شرف الدين المالكي العراقي على قضاء ، لأنَّ السلطان تذگّر أنه كان شافهه بولاية القضاء بالشام ، وسیّره بین یدیه إلى دمشق ، فحُمدت سيرته كما حَسُنت سريرته ، إن شاء الله ، وفرح الناس له بذلك . وفي ذي القعدة توفّي المحدّث شمس الدين محمد (٣) بن سعد الحنبلي يوم الإثنين ثالثه ، ودفن من الغد بالسفح، وقد قارب الستين ، وكتب كثيراً وخرّج، وكانت له معرفة جيدة بأسماء الأجزاء(٤) ورواتها من الشيوخ المتأخِّرين ، وقد كتب للحافظ البِرْزالي قطعةً كبيرة من مشايخه ، وخرّج له عن كلِّ حديثاً أو أكثر ، وأثبت له ما سمعه عن كل منهم ، ولم يتمَّ حتى توفي البِرْزالي رحمه الله . (١) يعني : الضياء . (٢) في ط : الزعيفرية وأثبت ما في الوفيات لابن رافع (١/ ٢٥١) وفي التعليق (٤) بَسْطٌ لأوجه الخلاف في لفظها ، وهو كذلك في شذرات الذهب (١٢٤/٦) وهي قرية شمال برزة . والذي في الدارس (٢/ ٤٢٠) الزعيزعية : وهي قرية من قرى غوطة دمشق ضمت إلى أرض زبدين . ترجمته في الذيل ص (٣٢٣) والوفيات لابن رافع (٣١٥/٢ -٣١٦) والدرر الكامنة (٢٨٣/٤) والشذرات (١٨٨/٦) (٣) وفيها : محمد بن يحيى بن محمد بن سعد المقدسي ثم الصالحي . (٤) في ط : الأحرار وهو تحريف . ٣٩٢ وفيات سنة ٧٥٩هـ ـ عزل منجك عن دمشق وتوفي بهاء الدينُ(١) بن المرجاني باني جامع الفَوْقاني(٢)، وكان مسجداً في الأصل ، فبناه جامعاً ، وجعل فيه خطبة ، وكنتُ أوّل من خطب فيه سنة ثمان وأربعين وسبعمئة ، وسمع شيئاً من الحديث . وبلغنا مقتلُ الأمير سيف(٣) بن فضل بن عيسى بن مُهنًّا أحد أمراء الأعراب الأجواد الأنجاد وقد ولي إمرة آل مُهَنَّا غير مرّة كما وليها أبوه من قبله ، عَدَا عليه بعضُ بني عمه فقتله عن غير قصد بقتله ، كما ذُكر ، لكن لمَّا حمل عليه السيف أراد أن يدفع عن نفسه وبنفسه فضربه بالسيف برأسه ففلقه فلم يعش بعدَهُ إلا أياماً قلائل ومات رحمه الله انتهى . عزل مَنْجَك عن دمشقَ ولما كان يوم الأحد ثاني ذي الحجة قدم أمير من الديار المصرية ومعه تقليد نائب دمشق ، وهو الأمير سيف الدين مَنْجَك بنيابة صفد المحروسة ، فأصبح من الغد - وهو يوم عرفة - وقد انتقل من دار السعادة إلى سطح المِزَّة قاصداً إلى صفد المحروسة فعَمِلَ العيد بسطح المِزَّة ، ثم ترخّل نحو صفد ، وطمع كثير من المفسدين والخمّارين وغيرهم وفرحوا بزواله عنهم(٤) . وفي يوم العيد قرىء كتاب السلطان بدار السعادة على الأمراء وفيه التصريح باستنابة أميره علي المارداني عليهم ، وعَوده إليهم والأمر بطاعته وتعظيمه واحترامه والشكر له والثناء عليه . وقدم الأمير شهاب الدين بن صُبْحُ(٥) من نيابة صفد ونزل بداره بظاهر البلد بالقرب من الشامية البرانية . ووصل البريد يوم السبت الحادي والعشرين من ذي الحجة بنفي حاجب الحجاب طيدمر الإسماعيلي إلى مدينة حماة بطالاً في سرجين لا غير والله أعلم . (١) ترجمته في: الذيل ص(٣٢٣) والوفيات (٢١٧/٢) والدرر الكامنة (٣٤٥/٣) وهو: محمد بن أحمد بن عمر بن محمد الدمشقي المعروف بابن المرجاني الجُندي . (٢) جامع المِزّة. وقد مضى في أحداث سنة (٧٤٨)هـ. الدارس (٢/ ٤٤٢). (٣) ترجمته في الدرر الكامنة (١٨٣/٢) وفيه: وفاته سنة (٧٦٠) هـ . وذكر في النجوم (١٠/ ٣٣٠) وفاته سنة (٧٥٩)هـ ورجّح أن تكون سنة (٧٦٠)هـ. وابن خلدون (٤٣٩/٥). الذيل للحسيني ص (٣٢٢) وفيه: وفي صبيحة يوم عرفة صرف الأمير سيف الدين منجك من نيابة دمشق إلى نيابة (٤) صفد . (٥) الذيل للحسيني ص(٣٢٢) وفيه: شهاب الدين أحمد بن صالح وهو تحريف والصواب ابن صُبْح. وقد مر كثيراً . ٣٩٣ أحداث سنة ٧٦٠هـ ثم دخلت سنة ستين وسبعمئة استهلَّت هذه السنة وملك الديار المصرية والشامية وما يتبع ذلك من الممالك الإسلامية الملك الناصر حسن بن السلطان الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي . وقضاته بمصر هم المذكورون في السنة التي قبلها . ونائبه بدمشق الأمير علاء الدين علي المارداني ، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها غير المالكي ، فإنّه عُزل جمال الدين المسلأَّتي بشرف الدين العراقي ، وحاجب الحجّاب الأمير شهاب الدين بن صُبْح ، وخطباء البلد كانت أكثرها المذكورون . وفي صبيحة يوم الأربعاء ثالث المحرم دخل الأمير علاء الدين علي نائب السلطنة إلى دمشقَ من نيابة حلبَ ، ففرح الناس به وتلقَّوه إلى أثناء الطريق ، وحملت له العامَّةُ الشموع في طرقات البلد ، ولبس الأمير شهاب الدين بن صُبْح خلعة الحجابة الكبيرة بدمشق عوضاً عن نيابة صفد . ووردت كتب الحجّاج يوم السبت الثالثَ عشرَ منه مؤرّخة سابع عشري ذي الحجة من العُلا وذكروا أنّ صاحبَ المدينة النبوية عدا عليه فداويان عند لبسه خلعة السلطان ، وقت دخول المحمل إلى المدينة الشريفة فقتلاه ، فعدَتْ عبيده على الحجيج الذين هم داخل المدينة فنهبوا من أموالهم وقتلوا بعضهم وخرجوا ، وكانوا قد أغلقوا أبواب المدينة دون الجيش فأحرق بعضها ، ودخل الجيش السلطاني فاستنقذوا الناس من أيدي الظالمين . ودخل المحمل السلطاني إلى دمشق يوم السبت العشرين من هذا الشهر على عادته ، وبين يدي المحمل الفَداويان اللذان قتلا صاحب المدينة ، وقد ذكرت عنه أمور شنيعة بشعة من غلوّه في الرّفض المفرط، ومن قوله: إنه لو تمكّن لأخرج الشَّيخينُ(١) من الحُجْرة ، وغير ذلك من عبارات مؤدِّية لعدم إيمانه إن صح عنه والله أعلم . وفي صبيحة يوم الثلاثاء سادس صفر مُسك الأمير شهاب الدين بن صُبْح حاجب الحجاب وولداه الأميران وحُبسُوا في القلعة المنصورة ، ثم سافر به الأمير ناصر الدين بن خَاص(٢) ترك بعد أيام إلى الديار المصرية (٣) ، وفي رِجل ابن صبْح قيد ، وذُكر أنَّه فُكَّ من رجله في أثناء الطريق . (١) يعني : أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. في ط : خار بكَ والتصويب من الدليل الشافي . (٢) الذيل للحسيني ص(٣٢٥) . (٣) ٣٩٤ أحداث سنة ٧٦٠هـ وفي يوم الإثنين ثالثَ عشرَ صفر قدم نائب طرابُلُس الأمير سيف الدين [ بن ] عبد الغني(١) فأدخل القلعة ، ثم سافر به الأمير علاء الدين بن أبي بكر إلى الديار المصرية محتفظاً به مضيفاً عليه . وجاء الخبر بأن مَنْجك سافر من صفد على البريد مطلوباً إلى السُّلطان ، فلما كان بينه وبين غزة بريد واحد دخل بمن معه من خدمه التَّيَّةَ فارّاً من السلطان ، وحين وصل الخبر إلى نائب غزة اجتهد في طلبه فأعجزه وتفارط(٢) الأمر ، انتهى والله أعلم . مسك الأمير علي المارِدَاني نائبِ الشّامُ(٣) : وأصل ذلك أنّه في صبيحة يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رجب ، ركب الجيش إلى تحت القلعة ملبسين ، وضُربت البشائر في القلعة في ناحية الطّارمة ، وجاء الأمراء بالطبلخانات من كل جانب ، والقائم بأعباء الأمر الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الحاجب ، ونائبُ السلطنة داخل دار السعادة ، والرسل مردّدة بينه وبين الجيش ، ثم خرج فحُمل على سروج يسيرة محتاطاً عليه إلى ناحية الديار المصرية ، واستوحش من أهل الشام عند باب النصر ، فتباكى النَّاسُ رحمةً له وأسفاً عليه ، لديانته ، وقلة أذيته وأذية الرعية وإحسانه إلى العلماء والفقراء والقضاة . ثم في صبيحة يوم الخميس الثالث والعشرين منه احتيط على الأمراء الثلاثة ، وهم الأمير سيف الدين طَيْبُغا حاجي أحد مقدّمي الألوف، والأمير سيف الدين قُطْلِيْج(٤) الدوادار أحد المقدمين أيضاً والأمير علاء الدين أَيْدُغْمُش المارداني أحد أمراء الطبلخانات(٥) ، وكان هؤلاء ممن حضر نائب السلطنة المذكور وهم جلساؤه وسُمَّارُه ، والذين بسفارته أعطَوا الأجناد والطبلخانات والتَّقادم ، فرُفعوا إلى القلعة المنصورة معتقلين بها مع مَن بها من الأمراء . ثم ورد الخبر بأن الأمير علي رُدَّ من الطريق بعد مجاوزته غزَّة وأُرسل إليه بتقليد نيابة صفد المحروسة ، فتماثل الحال وفرح بذلك أصحابه وأحبابه . وقدم متسلّم دمشقَ الذي خلع عليه بنيابتها بالديار المصرية في يوم الخميس سادس عشر رجب بعد أن استعفى من ذلك مراراً ، وباس الأرض مراراً فلم يُعفِهِ السلطان، وهو الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر(٦) أخو (١) هو: سيف الدين اقْتَمُر بن عبد الله بن عبد الغني. الذيل ص (٣٢٥) النجوم الزاهرة (٢١٩/١١) والزيادة منهما. (٢) الذيل ص (٣٢٥) النجوم (٣١٠/١٠). الذيل ص (٣٢٤) الدرر الكامنة (٧٧/٣) النجوم (٣١٠/١٠). (٣) في ط : فطليخا وهو تطبيع . (٤) الذيل للحسيني ص (٣٢٧) . (٥) (٦) في ط : استدمر وهو تحريف . ٣٩٥ أحداث سنة ٧٦٠هـ يَلْبُغَا الْيَحْيَاوي(١) ، الذي كان نائب الشام، وبنته اليوم زوجة السلطان، قدم متسلِّمه إلى دمشق يوم الخميس سلخ الشهر فنزل في دار السعادة (٢) ، وراح القضاة والأعيان للسلام عليه والتوذُّد إليه ، وحملت إليه الضيافات والتقادم ، انتهى والله أعلم . كائنة وقعت بقرية حوران فأوقع الله بهم بأساً شديداً في هذا الشهر الشريف وذلك أنهم أشهر أهل قرية بحَوْران وهي خاص لنائب الشام وهم حلبية يمن ويقال لهم : بنو لبسة وبنو ناشي وهي حصينة منيعة يضوي إليها كل مفسد وقاطع ومارق ، ولجأ إليهم أحد شياطين رويمن العشير وهو عمر المعروف بالدُّنَيَّطِ(٣)، فأعدُّوا عدداً كثيرة ونهبوا ليغنموا العشير ، وفي هذا الحين بدرهم والي الولاة المعروف بشنكل منكل ، فجاء إليهم ليردَّهم ويهديهم ؛ وطلب منهم عمر الدنيط فأبَوْا عليه وراموا مقاتلته ، وهم جمعٌ كثير وجمٌّ غفير ، فتأخَّر عنهم وكتب إلى نائب السلطنة ليمدَّه بجيش عوناً له عليهم وعلى أمثالهم ، فجهز له جماعة من أمراء الطبلخانات والعشراوات ومئة من جند الحلقة الرماة ، فلما بغتهم في بلدهم تجمعوا لقتال العسكر ورمَوْه بالحجارة والمقاليع ، وحجزوا بينهم وبين البلد ، فعند ذلك رمتهم الأتراك بالنبال من كل جانب ، فقتلوا منهم فوق المئة ، ففروا على أعقابهم ، وأسر منهم والي الولاة نحواً من ستين رجلاً وأمر بقطع رؤوس القتلى وتعليقها في أعناق هؤلاء الأسارى ، ونُهبت بيوت الفلاحين كلِّهم، وسُلِّمت إلى مماليك نائب السلطنة لم يفقد منها ما يساوي ثلاثمئة درهم . وكرَّ راجعاً إلى بُصرى وشيوخ العشيرات معه ، فأخبر ابن الأمير صلاح الدين بن خاص ترك ، وكان من جملة أمراء الطبلخانات الذين قاتلوهم بمبسوط ما يخصُّه ، وأنه كان إذا أعيا بعض تلك الأسرى من الجرحى ، أمر المشاعلي بذبحه وتعليق رأسه على بقية الأسرى ، وفَعل هذا بهم غير مرة حتى أنَّه قطع رأس شاب منهم وعلق رأسه على أبيه ، شيخ كبير ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، حتى قدم بهم بُصْرى ، فشنكل طائفة من أولئك المأسورين، وشنكل آخرين، ووسّط الآخرين وحبَس بعضهم في القلعة ، وعلَّق الرؤوس على أخشاب نصبها حول قلعة بُصْرى ، فحصل بذلك تنكيل شديد لم يقع مثله في هذا الأوان بأهل حوران ، وهذا كله سُلّط عليهم بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد ، وكذلك نُوَلِّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . انتهى . (١) في ط : البحناوي وهو تحريف . ويعرف : بأسَنْدَمر الزَّيني. (٢) الذيل ص (٣٢٤) وفيه : دخلها يوم الإثنين حادي عشر شعبان . (٣) الذيل التام للسخاوي (١/ ١٦١). ٣٩٦ دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين أسندمر اليحياوي دخول نائب السلطنة الأمير سيف الدين أَسَنْدَمُر اليَحْيَاويّ في صبيحة يوم الإثنين حادي عشر شعبان من هذه السنة كان دخول الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر اليحياوي نائباً على دمشق من جهة الديار المصرية ، وتلقّاه الناسُ واحتفلوا له احتفالًاً زائداً، وشاهدتُه حين ترجَّل لتقبيل العتبة ، وبعضده الأمير سيف الدين بَيْدَمُر الذي كان حاجب الحجاب وعُيّن لنيابة حلب المحروسة ، فاستقبل القبلة وسجد عند القبلة ، وقد بُسط له عندها مفارشُ وصَمْدةٌ هائلة ، ثم إنه ركب فتعضّده بَيْدَمُر أيضاً ، وسار نحو الموكب ، فأركب ثم عاد إلى دار السعادة على عادة من تقدمه من النواب . وجاء تقليد الأمير سيف الدين بَيْدَمُو (١) من آخر النهار لنيابة حلب المحروسة . وفي آخر نهار الثلاثاء بعد العصر ورد البريد البشيري وعلى يده مرسوم شريف بنفي القاضي بهاء الدين أبي البقاء وأولاده وأهله إلى طرابلس بلا وظيفة (٢) ، فشقّ ذلك عليه وعلى أهليه ومن يليه ، وتغمَّم له كثير من الناس ، وسافر ليلة الجمعة وقد أذن له في الاستنابة في جهاته ، فاستناب ولده الكبير عز الدين . واشتهر في شوال أن الأمير سيف الدين مَنْجَك الذي كان نائب السلطنة بالشام هرب ولم يطلُع له خبر ، فلما كان في هذا الوقت ذُكر أنّه مُسك ببلد بحرّان من مقاطعة ماردين في زيٍّ فقير ، وأنه احتفظ عليه وأرسل السلطان قراره ، وعجب كثير من الناس من ذلك ، ثم لم يظهر لذلك حقيقة وكان الذين رأَؤه ظنُّوا أنه هو ، فإذا هو فقير من جملة الفقراء يشبهه من بعض الوجوه . واشتهر في ذي القعدة أن الأمير عز الدين فياض بن مُهَنَّا ملك العرب ، خرج عن طاعة السلطان وتوجَّه نحو العراق ، فوردت المراسيم السلطانية لمن بأرض الرّحبة من العساكر الدمشقية وهم أربعة مقدمين في أربعة آلاف ، وكذلك جيش حلب وغيره بتطلُبه وإحضاره إلى بين يدي السلطان ، فسعوا في ذلك بكل ما يقدرون عليه فعجزوا عن لحاقه والدخول وراءه إلى البراري ، وتفارط الحال وخلص إلى أرض العراق فضاق النطاق وتعذر اللحاق . (١) هو: بَيْدَمُر الخوارزمي الدر رالكامنة (٥١٣/١). (٢) الذيل للحسيني ص (٣٢٨). ٣٩٧ أحداث سنة ٧٦١هـ ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمئة استهلَّت وسلطان المسلمين الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون وقضاة مصر والشام هم المذكورون في التي قبلها . ونائب الشام الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر أخو يَلْبُغَا اليحياوي ، وكاتب السر القاضي أمين الدين بن القلانسي . وفي مستهلِّ المُحرَّم جاء الخبر بموت الشيخ صلاح الدينُ(١) العلائي بالقدس الشريف ليلة الإثنين ثالث المحرم ، وصُلَِّ عليه من الغد بالمسجد الأقصى بعد صلاة الظهر ، ودفن بمقبرة نائب الرحبة ، وله من العمر ست وستون سنة ، وكان مدة مقامه بالقدس مدرّساً بالمدرسة الصّلاحية وشيخاً بدار الحديث التنكزية(٢) ثلاثين سنة، وقد صنّف وألَّف وجمع وخرج ، وكانت له يد طولى بمعرفة العالي والنازل ، وتخريج الأجزاء والفوائد ، وله مشاركة قوية في الفقه واللُّغة والعربية والأدب ، وفي كتابته ضعف لكن مع صحة وضبط لما يُشْكل، وله عدَّةُ مصنَّفات (٣)، وبلغني أنه وقفها على الخانقاه السُّمَيْسَاطيّة (٤) بدمشق ، وقد ولي بعده التّدريس بالصلاحيّة (٥) الخطيب برهان الدين بن جماعة (٦) والنظر بها ، وكان معه تفويض منه متقدّم التاريخ . وفي يوم الخميس السادس من محرّم احتيط على متولي البرّ ابن بَهَادُر السّنجري(٧) ، ورُسم عليه (١) ترجمته في: الذيل للحسيني ص (٣٣٥) والوفيات لابن رافع (٢٢٦/٢) وطبقات الشافعية (١٠٤/٦) والدرر الكامنة (٢/ ٩٠) والنجوم الزاهرة (٣٣٧/١٠) والدارس (٥٩/١). وهو : صلاح الدين أبو سعيد خليل بن كَيْكَلْدي العلائي الدمشقي المقدسي الشافعي . (٢) في ط : السكرية وهو تحريف . وهي دار حديث بناها تنكز في القدس. انظر (( الأنس الجليل)) (٣٨٧/٢). (٣) منها القواعد المشهورة، والوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جدّه عن النبي ◌َّر، عقيلة المطالب في ذكر أشراف الصفات والمناقب، وجمع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ◌َّة. الشذرات (١٩١/٦). قلت : وله جزء لطيف في تفسير الباقيات الصالحات . وما جاء من أثر في تفسيرها ، صدر عن دار ابن كثير العامرة بدمشق . بتحقيقي مشاركة مع الصديق الدكتور علي أبو زيد . في ط : السمساطية وهو تطبيع . وأثبتنا ما في منادمة الأطلال للشيخ بدران (٢٧٦) . (٤) (٥) في ط : الصرخصية وهو توهم . هو : إبراهيم بن عبد الرحيم بن محمد بن سعد الله بن جماعة القاضي برهان الدين . مات سنة (٧٩٠)هـ . الدرر (٦) الكامنة (٣٩/١) . في ط : الشيرجي وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٤٩٨). (٧) ٣٩٨ أحداث سنة ٧٦١ هـ بالعذراوية بسب أنّه اتّهم بأخذ مطلب من نعمان البلقاء هو وكجكن(١) الحاجب ، وقاضي حسان ، والظاهر أن هذه مرافعة من خصم عدو لهم ، وأنه لم يكن من هذا شيء والله أعلم . ثم ظهر على رجل يزوّر المراسيم الشريفة وأُخذ بسببه مدرّسُ الصَّارميَّة(٢) لأنَّه كان عنده في المدرسة المذكورة ، وضرب بين يدي ملك الأمراء ، وكذلك على الشيخ زين الدين زَيْد المغربي الشافعي ، وذكر عنه أنّه يطلب مرسوماً المدرسة الأكزيّة(٣) ، وضرب أيضاً ورُسم عليه في حبس السد ، وكذلك حبس الأمير شهاب الدين الذي كان متولِّي البلد ، لأنه كان قد كتب له مرسوماً شريفاً بالولاية ، فلما فهم ذلك كاتب السر أطلع عليه نائب السلطنة فانفتح عليه الباب وحُبسوا كلُّهم بالسد . وجاءت كتب الحجاج ليلة السبت الخامس عشر من المحرم، وأخبرت بالخِصْب والرُخص والأمن ولله الحمد والمنة . ودخل المحمل بعد المغرب ليلة السبت الحادي والعشرين منه ، ثم دخل الحجيج بعده في الطين والرَّمَض(٤) وقد لقوا من ذلك من بلاد حوران عناءً وشدة، ووقعت جمالات كثيرة وسبيت نساء(٥) كثيرة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وحصل للنّاس تعبٌ شديد . ولما كان يوم الإثنين الرابع والعشرين قُطعت يدُ الذي زوّر المراسيم واسمه السِّراج عمر القِفْطيّ(٦) المصري ، وهو شاب كاتب مطيق على ما ذكر ، وحمل في قفص على جمل وهو مقطوع اليد ، ولم يحسم بعد والدم ينصبُّ منها ، وأركب معه الشيخ زين الدين زيد على جمل وهو منكوس وجهه إلى ناحية دبر الجمل ، وهو عريان مكشوف الرأس ، وكذلك البدر الحِمْصيّ على جمل آخر ، وأركب الوالي شهاب الدين على جمل آخر وعليه تخفيفة صغيرة ، وخف وقباء ، وطيف بهم في محال البلد ، ونُودي عليهم : هذا جزاء من يزوِّر على السلطان ، ثم أُودُعُوا حبس الباب الصغير وكانوا قبل هذا التعزير في حبس السد ، ومنه أخذوا وأُشهروا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . انتهى . (١) في ط: كحلن. وأثبتنا ما في الدرر (٢٦٥/٣) وهو: كجكن بن لاقوش. مات سنة (٧٦٢) هـ. (٢) مدرسة قبلي العذراوية داخل باب النصر وباب الجابية. الدارس (٣٢٦/١). (٣) في ط : الأكرية بالراء وهو تطبيع. والأكزية مدرسة غربي الطيبة والتربة التنكزية ، وشرقي مدرسة أم الصالح . منادمة الأطلال ص (٨٢). ((الرَّمَضُ)): المطر آخر الصَّيف وأول الخريف . القاموس المحيط . (٤) هكذا في الأصل ، ولعل الصواب : وتلفت أشياء ، إذ لا معنى لسبي النساء هنا . (٥) (٦) نسبة إلى قِفْط . وهي قرية من قرى الصعيد الأعلى . ياقوت. ٣٩٩ مسك منجك وصفة الظهور عليه مسك مَنْجَك وصفة الظهور عليه وكان مختفياً بدمشقَ حوالي سنة(١) لما كان يوم الخميس السابع والعشرين من المحرم جاء ناصحٌ إلى نائب السّلطنة الأمير سيف الدين أَسَنْدَمُر فأخبره بأن مَنْجَك في دارٍ بالشَّرف الأعلى ، فأرسل من فوره إلى ذلك المنزل الذي هو فيه بعض الحجبة ومن عنده من خواصه، فأحضر إلى بين يديه محتفظاً عليه جداً، بحيث إنَّ بعضهم رَزَفَهُ(٢) من ورائه واحتضنه ، فلمَّا واجهه نائب السّلطنة أكرمه وتلقّاه ، وأجلسه معه على مقعدته ، وتلطّف به وسقاه وأضافه ، وقد قيل: إنَّه كان صائماً فأفطر عنده ، وأعطاه من ملابسه وقيَّدَه وأرسله إلى السلطان في ليلته - ليلة الجمعة - مع جماعة من الجند وبعض الأمراء ، منهم حسام الدين أمير حاجب ، وقد كان أرسل نائب السلطنة ولدَه بسيف مَنْجَك من أوائل النهار ، وتعجَّب النَّاسُ من هذه القضية جداً ، وما كان يظنُّ كثير من الناس إلا أنه قد عدم باعتبار أنه في بعض البلاد النائية ، ولم يشعر الناس أنّه في وسط دمشقَ وأنه يمشي بينهم متنكِّراً ، وقد ذكر أنه كان يحضر الجمعات بجامع دمشق ، ويمشي بين الناس متنكراً في لبسه وهيئته ، ومع هذا لن يغني حذر من قدر ، ولكل أجل كتاب ، وأرسل ملك الأمراء بالسيف وبملابسه التي كان يتنكر بها ، وبعث هو مع جماعة من الأمراء الحجبة وغيرهم وجيش كثيف إلى الديار المصرية مقيداً محتفظاً عليه ، ورجع ابن ملك الأمراء بالتُّحف والهدايا والخلع والإنعام لوالده ، ولحاجب الحجَّاب ، ولبس ذلك الأمراء يوم الجمعة واحتفل الناس بالشُّموع وغيرها ، ثم تواترت الأخبار بدخول مَنْجَك إلى السلطان وعفوه عنه وخلعته الكاملة عليه وإطلاقه له الحسام والخيول المسوّمة والألبسة المفتخرة ، والأموال والأمان ، وتقديم الأمراء والأكابر له من سائر صنوف التُّحف . وقدمُ(٣) الأمير علي(٤) من صفد قاصداً إلى حماة لنيابتها ، فنزل القصر الأبلق ليلة الخميس رابع صفر وتوجَّه ليلة الأحد سابعه . وفي يوم الخميس الثامن عشر من صفر قدم القاضي بهاء الدين أبو البقاء(٥) من طرائُلُس بمرسوم شريف أن يعودَ إلى دمشقَ على وظائفه المبقاة عليه ، وقد كان ولده ولي الدين ينوب عنه فيها ، فتلفَّاء كثير من الناس إلى أثناء الطريق ، وبرز إليه قاضي القضاة تاج الدين(٦) إلى حَرَسْتَا، وراح النَّاس إلى تهنئته إلى داره ، وفرحوا برجوعه إلى وطنه . (١) الذيل للحسيني ص (٣٣٠ - ٣٣١) الدرر الكامنة (٣٦٠/٤) النجوم (٣١٠/١٠). (٢) ((رَزَفَهُ)): دفعه القاموس المحيط . (٣) في ط : قدوم وهو تحريف . هو : علي المارداني ، نائب دمشق كان . (٤) هو : محمد بن عبد البر . (٥) هو : عبد الوهاب بن علي . (٦) ٤٠٠ الاحتياط على الكتبة والدواوين ووقع مطر عظيم في أول هذا الشهر ، وهو أثناء شهر شباط ، وثلج عظيم ، فرويت البساتين التي كانت لها عن الماء عدّة شهور ، ولا يحصل لأحد من الناس سقي إلا بكلفة عظيمة ومشقّة ، ومبلغ كبير ، حتَّى كاد الناس يقتتلون عليه بالأيدي والدبابيس وغير ذلك من البذل الكثير ، وذلك في شهور كانون الأول والثاني ، وأول شباط ، وذلك لقلَّة مياه الأنهار وضَعْفها ، وكذلك بلاد حوران أكثرهم يروون من أماكن بعيدة في هذه الشهور ، ثم منّ الله تعالى فجرت الأودية وكثرت الأمطار والثلوج ، وغزرت الأنهار ولله الحمد والمنة . وتوالت الأمطار ، فكأنه حصل السَّيل في هذه السنة من كانون إلى شباط فكأن شباط هو كانون ، وكانون لم يسل فيه ميزاب واحد . ووصل في هذا الشهر الأمير سيف الدين مَنْجَك إلى القدس الشريف ليبتني للسُّلطان مدرسةً وخانقاه غربيّ المسجد الشريف، وأَحضر الفرمان الذي كُتبَ له بماء الذهب إلى دمشقَ وشاهده النّاس ، ووقّعْتُ على نسخته ، وفيها تعظيم زائد ومدح وثناء له ، وشكر على متقدِّم خَدَمِهِ لهذه الدولة ، والعفو عمّا مضى من زلاته ، وذكر سيرته بعبارة حسنة . وفي أوائل شهر ربيع الآخر رسم على المعلّم سَنْجَر(١) مملوك ابن هلال صاحب الأموال الجزيلة بمرسوم شريف قدم مع البريد وطلب منه ستمئة ألف درهم ، واحتيط على العمارة التي أنشأها عند باب الناطفانيين (٢) ليجعلها مدرسة، ورُسم بأن يعمر مكانها مكتب للأيتام ، وأن يُوقف عليهم كتابتهم جارية عليهم ، وكذلك رُسم بأن يجعل في كل مدرسة من مدارس المملكة الكبار ، وهذا مقصد جيد . وسُلِّم المعلم سَنْجَر إلى شادّ الدواوين يستخلص منه المبلغ المذكور سريعاً ، فعاجل بحمل مئتي ألف ، وسُيِّرت مع أمير عشرة إلى الديار المصرية(٣). الاحتياط على الكتبة والدواوين (٤) وفي يوم الأربعاء خامسَ عشرَ ربيع الآخر ورد من الديار المصرية أميرٌ معه مرسوم بالاحتياط على دواوين السلطان ، بسبب ما أكلوا من الأموال المرتَّبة للناس من الصدقات السلطانية وغير ذلك فرسم عليهم بدار العدل البرّانية وألزموا بأموال جزيلة كثيرة ، بحيث احتاجوا إلى بيع أثاثهم وأقمشتهم وفرشهم وأمتعتهم وغيرها ، حتى ذكر أن منهم من لم يكن له شيء يعطيه فأحضر بناته إلى الدگّة ليبيعهن ، فتباكى (١) هو: سَنْجَر بن عبد النجمي، مولى نجم الدين بن هلال، مات سنة (٧٦٩)هـ الدرر الكامنة (١٧٤/٢) الدارس (٤٨٩/١) . (٢) في ط : النطافيين وهو تحريف . (٣) الذيل للحسيني ص (٣٣٣ - ٣٣٤). الذيل ص (٣٣٢) . (٤)