Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
أحداث سنة ٧٤٢ هـ
الذين كانوا قد تخلَّفوا بدمشقَ جماعةٌ ، منهم تَمُر الساقي مقدم ، وابن قَرَاسُنْقُر وابن الكامل وابن المعظم وابن
البلدي وغيرهم ، وبايع هؤلاء كلهم مع مباشري دمشق للملك الناصر بن الناصر ، وأقام الفخري على خان
لاجين ، وخرج المتعيِّشُون بالبضائع إلى عندهم وضُربت البشائر بالقلعة صبيحة يوم الثلاثاء سادسَ عشر
الشهر ، ونُودي بالبلد : إنَّ سلطانكم الملك الناصر أحمدُ بن الناصر محمد بن قلاوون ، ونائبكم سيفُ
الدين قُطْلُوبُغَا الفخري ، وفرح كثير من الناس بذلك ، وانضاف إليه نائب صفد(١) وبايعه نائبُ بَعْلَبَك،
واستخدموا له رجالًا وجنداً، ورجع إليه الأمير سيف الدين سِنْجَر الجَمَقْدَار رأس الميمنة بدمشق ، وكان قد
تأخر في السفر عن نائب دمشق علاء الدين ألْطَنْبُغَا ، بسبب مرض عرض له، فلما قدم الفخري رجع إليه وبايع
الناصر بن الناصر ، ثم كاتب نائب حماة تَغْرُدَمُر الذي ناب بمصرَ للملك المنصور ، فأجابه إلى ذلك وقدم
على العسكر يوم السبت السابع والعشرين من الشهر المذكور، في تجمُّل عظيم وخزائن كثيرة، وثقل
هائل (٢).
وفي صبيحة يوم الأحد الثامن والعشرين من الشهر المذكور كسفت الشمس قبل الظهر .
وفي صبيحة يوم الإثنين التاسع والعشرين من جمادى الآخرة ، قدم نائب غزة الأمير آقْ سُنْقُر(٣) في
جيش غزّة ، وهو قريب من ألفين ، فدخلوا دمشق وقت الفجر وغدوا إلى معسكر الفخري ، فانضافوا
إليهم ففرحوا بهم كثيراً ، وصار في قريبٍ من خمسة آلاف مقاتل أو يزيدون .
استهلّ شهرُ رجب الفرد، والجماعة من أكابر التجّار مطلوبون بسبب أموال طلبها منهم الفخري ،
يقوّي بها جيشه الذي معه ، ومبلغ ذلك الذي أراده منهم ألفُ ألفِ درهم ، ومعه مرسوم الناصر بن الناصر
بيع أملاك الأمير سيف الدين قَوْصُون ، أتابك الملك الأشرف علاء الدين كُجُك ، ابن الناصر التي
بالشّام ، بسبب إبائه عن مبايعة أحمد بن النّاصر ، فأشار على الفخري مَن أشار بأن يباع للتُّجَّار من أملاك
الخاص ، ويجعل مال قَوْصُون من الخاص ، فرسم بذلك ، وأن يباع للتجار قرية دُوْمَةً(٤) قوِّمت بألف
ألف وخمسمئة ألف ، ثم لطف الله وأَفرج عنهم بعد ليلتين أو ثلاث ، وتعوّضوا عن ذلك بحواصل
قَوْصُون ، واستمرّ الفخري بمن معه ومن أضيف إليه من الأمراء والأجناد مقيمين بثنيَّةِ العُقَاب ، واستخدم
من رجال البقاع جماعةً كثيرة أكثر من ألف رام ، وأميرهم يحفظ أفواه الطرق ، وأزِفَ قدوم الأمير علاء
الدين ألْطَنْبُغَا بمن معه من عساكر دمشق، وجمهور الحلبيين وطائفة الطرابُلُسيين، وتأهَّب هؤلاء لهم ،
(١) في ط : صفد .
(٢) الذيل (٢٢٦ - ٢٢٧) النجوم الزاهرة (٣٣/١٠ - ٤٠) البدائع (٤٩٤/١).
(٣) آق سنقر بن عبد الله الناصر محمد بن قلاوون الأمير شكار، نائب غزة ، ثم طرابلس قتل في وقعة كانت بالقاهرة سنة
(٧٤٨) هـ الدليل الشافي (١/ ١٤٢).
(٤) في ط : دوية . ودُوْمَةُ : مدينة عامرة قرب دمشق . ياقوت.

٣٠٢
أحداث سنة ٧٤٢ هـ
فلما كان الحادي من الشهر اشتهر أن ألْطَنْبُغا وصل إلى القَسْطلُ(١) وبعث طلائعه فالتقت بطلائع الفخري ،
ولم يكن بينهم قتال ولله الحمد والمنّة ، وأرسل الفخري إلى القضاة ونوابهم وجماعة من الفقهاء فخرجوا
ورجع الشَّافعي من أثناء الطريق، فلمَّا وصلوا أمرهم بالسعي بينه وبين ألْطَنْبُغَا في الصُّلح ، وأن يوافقَ
الفخريَّ في أمره ، وأن يبايعَ الناصرَ بن الناصر ، فأبى فردّهم إليه غير مرَّة ، وكل ذلك يمتنع عليهم .
فلما كان يوم الإثنين رابع عشره عند العصر جاء بريد إلى متولي البلد عند العصر من جهة الفخري يأمره
بغلق أبواب البلد، فغلِّقت الأبوابُ، وذلك لأنَّ العساكر توجهوا وتوافقوا للقتال، فإنّا لله وإنا إليه راجعون.
وذلك أن أُلْطَنْبُغَا لَمَّا علم أن جماعة قُطْلُوبُغا على ثنَّةِ العُقَاب دار الذُزْوَةَ من ناحية المُعَيْصرة، وجاء
بالجيوش من هناك، فاستدارَ له الأمير سيف الدين قُطْلُوبُغَا الفخري بجماعته إلى ناحيته، ووقف له في طريقه،
وحال بينه وبين الوصول إلى البلد ، وانزعج النَّاس انزعاجاً عظيماً، وغلِّقت القَيّاسر والأسواق ، وخاف
الناس بعضهم من بعض أن يكون نهبٌّ ، فركب متولّي البلد الأمير ناصر الدين بن بكباشي ومعه أولاده ونوابه
والرجّالة، فسار في البلد وسكن الناس ودعوا له، فلمَّا كان قريب المغرب فتح لهم باب الجابية ليدخل من هو
من أهل البلد، فجرت في الباب على ما قيل زحمة عظيمة، وتسخَّط الجند على الناس في هذه الليلة ، واتَّفق
أنها ليلةُ الميلاد ، وبات المسلمون مهمومين (٢) بسبب العسكر واختلافهم فأصبحت أبواب البلد مغلقةً في يوم
الثلاثاء سوى باب الجابية ، والأمر على ما هو عليه ، فلمَّا كان عشيّة هذا اليوم تقارب الجيشان واجتمع
أُلْطَنْبُغا وأمراؤه، واتّفق أمراءُ دمشقَ وجمهورهم الذين هم معه على أن لا يقاتلوا مسلماً ولا يسلُّوْا في وجه
الفخري وأصحابه سيفاً ، وكان قضاة الشام قد ذهبوا إليه مراراً للصُّلح ، فيأبى عليهم إلا الاستمرار على ما هو
عليه ، وقويت نفسه عليه انتهى . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
عجيبة من عجائب الدهر
فباتَ النَّاسُ متقابلين في هذه الليلة وليس بين الجيشين إلا مقدار ميلين أو ثلاثة ، وكانت ليلة مطيرة ،
فما أصبح الصُّبح إلا وقد ذهب من جماعة أُلْطَنْبُغَا إلى الفخري خلقٌ كثير من أجناد الحلفاء ومن الأمراء
والأعيان ، وطلعت الشمس وارتفعت قليلاً فنفذ ألْطَنْبُغَا القضاة وبعض الأمراء إلى الفخري يتهذَّده ويتوغَّدُه
ويقوِّي نفسه عليه . فما ساروا عنه قليلاً إلا ساقت العساكر من الميمنة والميسرة ومن القلب ، ومن كل
جانب مقفرين إلى الفخري ، وذلك لما هم فيه من ضيق العيش وقلَّة ما بأيديهم من الأطعمة وعلف
الدواب ، وكثرة ما معهم من الكُلَف ، فرأوا أن هذا حال يطول عليهم ، ومقتوا أمرهم غاية المَقْت ،
وتطايبت قلوبُهم وقلوبُ أولئك مع أهل البلد على كراهته لقوة نفسه فيما لا يجدي عليه ولا عليهم شيئاً ،
(١) ((القَسْطَل)): قرية بين حمص ودمشق . ياقوت .
(٢) في ط : مهمومون .

٣٠٣
أحداث سنة ٧٤٢هـ
فبايعوا على المخامرة عليه ، فلم يبقَ معه سوى حاشيته في أقل من ساعة واحدة ، فلما رأى الحال على
هذه الصفة كرَّ راجعاً هارباً من حيث جاء وصحبتُه الأمير سيف الدين أَرُقْطَايُ(١) نائب طرابُلُس ، وأميران
آخرال٢) ، والتقت العساكر والأمراء ، وجاءت البشارة إلى دمشقَ قبل الظهر ففرح الناس فرحاً شديداً
جداً ، الرجال والنّساء والوٍلْدان ، حتى من لا نوبة له ، ودقت البشائر بالقلعة المنصورة ، فأرسلوا في
طلب من هرب ، وجلس الفخري هنالك بقية اليوم يحلِّفُ الأمراء على أمره الذي جاء له ، فحلفوا له ،
ودخل دمشقَ عشية يوم الخميس في أَبّهة عظيمة ، وحرمة وافرة ، فنزل القصر الأبلق ونزل الأمير تَغْرُ دَمُر
بالميدان الكبير ، ونزل عمَّاري بدار السعادة وأخرجوا المَوْسَويّ(٣) الذي كان معتقلاً بالقلعة ، وجعلوه
مشدّاً على حوطات حواصل ألْطَنْبُغَا، وكان قد تغضَّب الفخري على جماعة من الأمراء منهم الأمير حسام
الدين الجُمَقْدَار ، أمير حاجب بسبب أنه صاحب لعلاء الدين ألْطَنْبُغَا ، فلما وقع ما وقع هرب فيمن
هرب ، ولكن لم يأت الفخري ، بل دخل البلد فتوسّط في الأمر ، لم يذهب في ذاك ولا جاء مع هذا ، ثم
إنَّه استدرك ما فاته فرجع من البار إلى الفخري ، وقيل بل رسم عليه حين جاء وهو مهموم جداً ، ثمَّ إنه
أعطي منديل الأمان ، وكان معهم كاتب السر القاضي شهاب الدين بن فضل الله(٤) ، ثم أفرج عنهم ،
ومنهم الأمير سيف الدين حفطية وكان شديدَ الحنق عليه ، فأطلقه من يومه وأعاده إلى الحجوبية ، وأظهر
مكارم أخلاق عظيمة ، ورياسة كبيرة ، وكان للقاضي علاء الدين بن المُنَجَّى(٥) قاضي قضاة الحنابلة في
هذه الكائنة سعي مشكور ، ومراجعة كبيرة للأمير علاء الدين ألْطَنْبُغا ، حتى خيف عليه منه ، وخاطر بنفسه
معه ، فأنجح الله مقصده وسلَّمه منه ، وكبت عدوَه ولله الحمد والمنّة .
وفي يوم السبت السادس والعشرين منه قُلِّد قضاء العساكر المنصورة الشيخ فخر الدين بن الصائغ
عوضاً عن القاضي الحنفي(٦) ، الذي كان مع النَّائب المنفصل، وذلك أنهم نقموا عليه إفتاءه ألْطَنْبُغَا بقتال
الفخري ، وفرح بولايته أصحابُ الشَّيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله ، وذلك لأنه من أخص من صحبه
قديماً ، وأخذ عنه فوائد كثيرة وعلوماً .
وفي يوم الأربعاء سلخ رجب آخر النَّهار قدم الأمير قُمَاري(٧) من عند الملك الناصر بن الناصر من
(١) في ط : رقطبة .
(٢) هما: أسَنْبُغَا بن بكتمر البوبكري، وأيْدَمُر المَرْقَبيّ. النجوم (٣٦/١٠).
(٣) في ط: الموساوي. وهو: تمر الموسوي. الدرر الكامنة (٥١٩/١) .
(٤) هو أحمد بن يحيى بن فضل الله العمري. مات سنة (٧٤٩)هـ كما سيأتي.
علي بن مُنْجًا بن عثمان بن أسعد بن المُنجًّا التنوخي. مات سنة (٧٥٠) هـ الوفيات لابن رافع (١٢٥/٢).
(٥)
(٦) هو : حسام الدين الغوري البغدادي، الحسن بن محمد، قاضي القضاة بمصر، النجوم (١٢٩/٧) و (٦٠/١٠).
(٧) هو : قماري الحسني أمير شكار مات سنة (٧٤٦)هـ الدرر الكامنة (٢٥٦/٣).

٣٠٤
أحداث سنة ٧٤٢هـ
الكرك وأخبره بما جرى من أمرهم وأمر ألْطَنْبُغا ، ففرح بذلك وأخبر قُمَاري بقدوم السلطان ففرح الناس
بذلك واستعدُّوا له بآلات المملكة وكثرت مطالبتُه أربابَ الأموال والذِّمَّة بالجزية .
وفي مستهلّ رجب من هذه السنة ركب الفخري في دست النيابة بالموكب المنصور ، وهو أول ركوبه
فيه ، وإلى جانبه قُمَاري وعلى قُماري خلعةٌ هائلة ، وكثر دعاء الناس للفخري يومئذ ، وكان يوماً
مشهوداً .
وفي هذا اليوم خرج جماعة من المقدّمين الألوف إلى الكَرَك بإخبار ابن السلطان بما جرى : منهم
تَغْرُدَمُر واقْبُغَا عبد الواحد وهو السَّاقِيّ(١)، ومَنْكُلِي بُغَا(٢) وغيرهم .
وفي يوم السبت ثالثه استدعى الفخري القاضيَ الشافعيَّ وألحَّ عليه في إحضار الكتب في سدّة٣ً)
الحكم التي كانت أخذت من عند الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله من القلعة المنصورة في أيام جلال
الدين القَزْويني ، فأحضرها القاضي بعد جهد ومُدافعة ، وخاف على نفسه منه ، فقبضها منه الفخري
بالقصر وأذن له في الانصراف من عنده ، وهو متغضّب عليه ، وربما همَّ بعزله لممانعته إياها ، وربما قال
قائل : هذه فيها كلام يتعلَّق بمسألة الزيارة ، فقال الفخري : كان الشيخ أعلم بالله وبرسوله منكم .
واستبشر الفخري بإحضارها إليه واستدعى بأخي الشيخ زين الدين عبد الرحمن ، وبالشيخ شمس الدين
عبد الرحمن بن قيّم الجوزيّة وكان له سعي مشكور فيها ، فهنَّأَهُما بإحضاره الكتب ، وبيَّت الكتب تلك
الليلة في خزانته للتََّرُّك، وصلَّى به الشَّيخ زين الدين أخو الشيخ صلاة المغرب بالقصر ، وأكرمه الفخري
إكراماً زائداً لمحبَّته الشيخ رحمه الله .
وفي يوم الأحد رابعه دقّت البشائر بالقلعة وفي باب الميدان لقدوم بشير بالقبض على قَوْصُون بالدّيار
المصريّة ، واجتمع النَّاسُ لذلك واستبشر كثير منهم بذلك ، وأقبل جماعة من الأمراء إلى الكَرك لطاعة
النَّاصر بن النَّاصر، واجتمعوا مع الأمراء الشاميين عند الكَرَك، وطلبوا منه أن ينزل إليهم فأبى، وتوهَّم أن
هذه الأمور كلها مكيدة ليقبضوه ويسلموه إلى قوصون ، وطلب منهم أن ينظر في أمره وردهم إلى دمشق .
وفي هذه الأيام وما قبلها وما بعدها أخذ الفخري من جماعة التجار بالأسواق وغيرها زكاة أموالهم
سنة ، فتحصل من ذلك زيادة على مئة ألف وسبعة آلاف ، وصُودر أهلُ الذّمة بقريب من ذلك زيادة على
الجزية التي أُخذت منهم عن ثلاث سنين سلفاً وتعجيلاً ، ثمَّ نُودي في البلد يوم الإثنين الحادي والعشرين
من الشهر مناداةً صادرة من الفخري برفع الظُّلامات والطلبات وإسقاط ما تبقى من الزكاة والمصادرة ، غير
(١) الدرر الكامنة (١/ ٣٩١).
(٢) في ط : ميكلي .
(٣) في ط : سلة.

٣٠٥
أحداث سنة ٧٤٢ هـ
أنهم احتاطوا على جماعة من المشاة المكثرين ليشتروا منهم بعض أملاك الخاص (١) ، والبرهان بن بشارة
الحنفي تحت المُصَادرة والعقوبة على طلب المال الذي وجده في طَميرة وجدها فيما ذكر عنه والله أعلم .
وفي يوم الجمعة الرابع والعشرين منه بعد الصَّلاة دخل الأمراء السنَّة الذين توجهوا نحو الكَرَك لطلب
السلطان أن يقدَمَ إلى دمشقَ فأبى عليهم في هذا الشهر ، ووعدهم وقتاً آخر فرجعوا ، وخرج الفخريُّ
لتلقِّهم ، فاجتمعوا قبلي جامع القُبَيْبات الكريمي ، ودخلوا كلُّهم إلى دمشقَ في جمع كثير من الأتراك
الأمراء والجند ، وعليهم خَمْدةٌ لعدم قدوم السلطان أيده الله . وفي يوم الأحد قدم البريد خلفَ قُماري
وغيره من الأمراء يطلبهم إلى الكرك، واشتهر أنَّ السُّلطان رأى النبي ◌َّ في المنام وهو يأمره بالنُّزول من
الكَرَك وقبول المملكة ، فانشرح الناس لذلك .
وتوفي الشيخ عمر(٢) بن أبي بكر بن المِيْهنيّ(٣) البسطي يوم الأربعاء التاسع والعشرين، وكان رجلاً
صالحاً كثير التّلاوة والصَّلاة والصَّدقة ، وحضور مجالس الذّكر والحديث ، له همَّة وصَوْلة على الفقراء
المتشبّهين بالصَّالحين وليسوا منهم ، سمع الحديث من الشيخ فخر الدين بن البخاري وغيره . وقرأت
عليه عن ابن البخاري مُخْتَصر المشيخة ، ولازم مجالسَ الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله ، وانتفع به ،
ودُفن بمقابر باب الصغير .
وفي شهر رمضانَ المعظّم أوله يوم الجمعة ، كان قد نودي في الجيش : أنَّ الرَّحيل لملتقى السُّلطان
في سابع الشهر ، ثم تأخّر ذلك إلى بعد العشر ، ثم جاء كتاب من السلطان بتأخّر ذلك إلى بعد العيد .
وقدم في عاشر الشهر علاء الدين بن تقي الدين الحنفي ، ومعه ولاية من السلطان الناصر بنظر
البيمارستان النوري ، ومشيخة الرَّبوة ومرتَّب على الجهات السُّلطانية ، وكان قد قدم قبله القاضي شهاب
الدين بن البَارزيّ بقضاء حمصَ من السلطان أيده الله تعالى ، ففرح الناس بذلك حيث تكلم السُّلطان في
المملكة وباشر وأمر وولَّى، ووقَّع ، ولله الحمد .
وفي يوم الأربعاء ثالث عشره دخل الأمير سيف الدين طَشْتَمُر الملقّب بالحمّص الأخضر من البلاد الحلبية
إلى دمشقَ المحروسة ، وتلقَّاه الفخري والأمراء والجيشُ بكماله ، ودخل في أَبَّهة حسنة ، ودعا له الناس
وفرحوا بقدومه بعد شتاته في البلاد وهربه من بين يدي ألْطَنْبُغَا حين قصده إلى حلبَ كما تقدَّم ذكر(٤) .
وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت الجيوش من دمشق قاصدين إلى غزّة لنظرة السلطان حين يخرج
(١) النجوم الزاهرة (٥٩/١٠).
ترجمته في الدرر الكامنة (٢/ ١٥٧).
(٢)
(٣) في ط : الثيمي ، وأثبتنا ما في الدرر .
(٤) الدرر الكامنة (٢١٩/٢).

٣٠٦
أحداث سنة ٧٤٢هـ
من الكرك السعيد ، فخرج يومئذ مقدمان : تَغْرُدَمُر واقْبُغا عبد الواحد ، فبرزا إلى الكُسْوَةِ ، فلما كان يوم
السبت خرج الفخريُّ ومعه طَشْتَمُر وجمهورُ الأمراء ، ولم يقم بعدَهُ بدمشقَ إلا من احتيج لمقامهم لمهمات
المملكة ، وخرج معه القضاةُ الأربعة، وقاضي العساكر والموقّعونُ(١) والصّاحبُ(٢) وكاتب الجيش وخلق
كثير .
وتوفي الشيخ الصالح العابد الناسك أحمد (٣) الملقب بالعصيدة ليلة الأحد الرابع والعشرين من
رمضان ، وصُلِّيَ عليه بجامع تَنْكِز(٤)، ودُفن بالصُّوفية قريباً من قبر الشيخ جمال الدين المِزِّي ، تغمدَّهما
الله برحمته .
وكان فيه صلاح كثير ، ومواظبة على الصَّلاة في جماعة ، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، مشكوراً
عند الناس بالخير ، وكان يكثر من خدمة المرضى بالمارستان وغيره ، وفيه إيثار وقناعة وتزهُّد كثير ، وله
أحوال مشهورة رحمه الله وإيانا .
واشتهر في أواخر الشهر المذكور أنَّ السلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد خرج من الكَرَك
المحروس صحبةَ جماعة من العرب والأتراك قاصداً إلى الديار المصرية ، ثم تحرّر خروجه منها في يوم
الإثنين ثامنَ عشرَ الشهر المذكور، فدخل الديار المصرية بعد أيامُ(٥) ، هذا والجيش صامدون إليه ، فلمًا
تحقق دخوله مصر حَثُّوا في السّير إلى الديار المصرية ، وبعث يستحثهم أيضاً ، واشتُهر أنَّه لم يجلس على
سرير الملك حتى يقدَمَ الأمراء الشَّاميون صحبةَ نائبة الأمير سيف الدين قُطْلُوبُغَا الفخري ، ولهذا لم تُدقَّ
البشائر بالقلاع الشامية ولا غيرها فيما بلغنا .
وجاءتِ الكتبُ والأخبارُ من الديار المصرية بأن يوم الإثنين عاشر شوال كان إجلاس السلطان الملك
الناصر شهاب الدين أحمد على سرير المملكة ، صَعِدَ هو والخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد بن
المستكفي فوق المنبر ، وهما لابسان السواد ، والقضاةُ تحتهما على درج المنبر بحسب منازلهم ، فخطب
الخليفةُ، وخلع الأشرفَ كُجُكَ ، وولَّى هذا الناصر ، وكان يوماً مشهوداً ، وأظهر ولايته لطَشْتَمُر نيابة
مصر ، والفخري دمشق ، وأَيْدُغْمُش حلب فالله أعلم(٦) .
ودقّت البشائر بدمشق ليلة الجمعة الحادي والعشرين من الشهر المذكور ، واستمرّت إلى
(١) في ط: ((الموقعين)) وهو غلط .
(٢) في ط: ((المصاحب)) وهو تحريف .
(٣) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٤٤/١) وفيه: ( أحمد العصيدة والد الشيخة زينب ).
(٤)
في ط شكر وهو تحريف .
(٥) النجوم الزاهرة (٥٨/١٠).
(٦) النجوم (٦٠/١٠) والبدائع (٤٩٥/١).

٣٠٧
أحداث سنة ٧٤٢هـ
يوم الإثنين مستهلّ ذي القعدة ، وزُيِّنت البلد يوم الأحد ثالث عشرين منه ، واحتفل النَّاس بالزينة .
وفي يوم الخميس المذكور دخل الأمير سيف الدين آل مَلَك(١) أحد الرّؤوس المشهورة بمصر إلى
دمشقَ في طلب نيابة حماة حرسها الله تعالى .
فلما كان يوم الجمعة بعد الصَّلاة ورد البريد من الديار المصرية فأخبر أن طَشْتَمُر الحمّص الأخضر
مسك ، فتعجَّب النَّاسُ من هذه الكائنة كثيرا٢ً) فخرج مَنْ بدمشقَ من أعيان الأمراء أمير الحجِّ وغيره وخَيَّم
بوطأَةٍ بَرْزَةَ ، وخرجٍ إلى الحجِّ أميرٌ فأخبره بذلك وأَمَّروه عن مرسوم السلطان أن ينوبَ بدمشقَ حتى يأتي
المرسوم بما يعتمد أمير الحَجِّ فأجاب إلى ذلك وركب في الموكب يوم السبت السادس منه .
وأمّا الفخري فإنه لما تَنَسَّم هذا الخبر وتحقَّقَهُ وهو بالزَّعْقةُ(٣) فرَّ في طائفةٍ من مماليكه قريبٍ من ستين
أو أكثر ، فاخترق (٤) ، وساق سوقاً حثيثاً، وجاءه الطلب من ورائه من الدّيار المصرية في نحوٍ من ألف
فارس ، صحبةً الأميرين : الطَنْبُغَا المارِدَاني(٥)، ويَلْبُغَا الْيَحْيَاوي(٦) ، ففاتَهما وسَبَق ، واعترض له نائب
غزّة في جُنْده فلم يقدر عليه ، فسلَّطوا عليه العشيرات ينهبوه، فلم يقدروا عليه إلا في شيء يسير ، وقَتَل
منهم خلقاً ، وقصد نحو صاحبه فيما يزعم الأمير سيف الدين أَيْدُغْمُش نائب حلب راجياً منه أن ينصره ،
وأن يوافقه على ما قام بنفسه ، فلمَّا وصل أكرمه وأنزلَهُ، وبات عنده ، فلمَّا أصبح قبض عليه وقيَّده وردَّه
على البريد إلى الديار المصرية ، ومعه التَّراسيم من الأمراء وغيرهم(٧) .
ولمّا كان يوم الإثنين(٨) سلخ ذي القعدة خرجَ السُّلطان الملك الناصر شهاب الدين أحمد بن الناصر
محمد بن المنصور من الديار المصرية في طائفةٍ من الجيش قاصداً إلى الكَرَك المحروس ، ومعه أموالٌ
جزيلة، وحواصلُ وأشياءُ كثيرة ، فدخلها يوم الثلاثاء من ذي الحِجَّة وصحبتُهُ طَشْتَمُر في محفة ممرّضاً ،
والفَخْرِيُّ مقيّداً، فاعتُقِلا بالكَرَك المحروس ، وطلب السلطان آلات من أخشاب ونحوها وحدادين
وصُنّاع ونحوها لإصلاح مهمات بالكرك، وطلب أشياء كثيرة من دمشق ، فحُملت إليه(٩) .
(١) في ط : الملك وهو تحريف. النجوم الزاهرة (١٠ / ٦٢).
(٢) الذيل ص (٢٢٧) .
((الزَّعقة)): مركز من مراكز البريد ما بين العريش ورفح. صبح الأعشى (١٤ / ٣٧٨).
(٣)
في ط : احترق وهو تطبيع ، والمراد : اخترق صفوف آق سنقر الذي كان ينتظره هناك النجوم (١٠ / ٦٥).
(٤)
(٥) من خواص الناصر وزوج ابنته، ناب في حلب بعد طُقُزْدَمُر ومات فيها سنة (٧٤٤) هـ. الدليل الشافي (١/ ١٥١).
(٦) في ط : يبلغا التحناوي وهو تصحيف .
وهو : يَلْبُغَا بن عبد الله اليَحْيَاوي نائب حماة ثم حلب ثم الشام، قتل سنة (٧٤٨هـ) الدليل الشافي (٢/ ٧٩٣).
(٧) الدرر الكامنة (٤٢٦/١).
(٨) في النجوم الزاهرة ( الأربعاء ) .
(٩) النجوم (١٠ / ٥٦٦) .

٣٠٨
أحداث سنة ٧٤٢ هـ
ولمّا كان يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجّة ورد الخبر بأن الأمير ركن الدين بِنْبَرْس
الأحمدي (١) النائب بصفد ركب في مماليكه وخدمه ومن أطاعه ، وخرج منها فارّاً بنفسه من القبض
عليه .
وذُكر أنَّ نائب غزة قَصدَهُ ليقبِضَ عليه بمرسوم السلطان ورَدَ عليه من الكرَكَ ، فهرب الأحمديُّ بسبب
ذلك ، ولما وصل الخبرُ إلى دمشقَ وليس بها نائب انزعجَ الأمراء لذلك ، واجتمعوا بدار السَّعادة ،
وضربوا في ذلك مشورة ثم جرَّدوا إلى ناحية بعْلبَكّ أميراً ليصدوه عن الذهاب إلى البرية .
فلمّا أصبح الصباح من يوم الإثنين جاء الخبر بأنه في نواحي الكُسْوة ، ولا مانع من خلاصه ، فركبوا
كلهم ونادى المنادي : من تأخّر من الجند عن هذا النَّفير شُنِقَ ، واستوثقوا في الخروج وقصدوا ناحية
الكُسْوة وبعثوا الرسل إليه ، فذكر اعتذاراً في خروجه وتخلّص منهم ، وذهب يوم ذلك ، وَرَجعُوا وقد
كانوا ملبسين في يوم حار ، وليس معهم من الأزواد ما يكفيهم سوى يومهم ذلك .
فلما كانت ليلة الثلاثاء ركب الأمراء في طلبه من ناحية ثنيَّة العُقاب ، فرجعوا في اليوم الثاني وهو في
صحبتهم ، ونزل في القصور التي بناها تُنْكِز رحمه الله ، في طريق داريّا ، فأقام بها ، وأَجْرَوا عليه مرتباً
كاملاً من الشعير والغنم وما يحتاج إليه مثله ، ومعه مماليكه وخدمه(٢) .
فلما كان يوم الثلاثاء سادس المحرم ورد كتاب من جهة السلطان فقرىء على الأمراء بدار السعادة
يتضمن إكرامه واحترامه والصَّفح عنه لتقدُّم خَدَمِهِ على السلطان الملك الناصر وابنه الملك المنصور .
ولما كان يوم الأربعاء سابع المحرم [ جاء كتاب ]٣) إلى الأمير ركن الدين بِيْبرس نائبِ الغيبة ابنٍ
الحاجب أُلْمَاس(٤) بالقبض على الأَحمديّ ، فركب الجيشُ ملبسين يوم الخميس وأوكبوا بسوق الخيل
وراسلوه - وقد ركب في مماليكه بالعدد وأظهر الامتناع - فكان جوابه أن لا أسمع ولا أطيع إلا لمن هو ملك
الديار المصرية ، فأما من هو مقيم بالكَرَك ويصدُرُ عنه ما يقال عنه من الأفاعيل التي قد سارت بها الركبان ،
فلا ، فلما بلغ الأمراء هذا توقَّفوا في أمره ، وسكنوا ، ورجعوا إلى منازلهم ، ورجع هو إلى قصره(٥) .
(١) مات سنة (٧٤٦هـ) الدليل الشافي (٥٠٥/١).
(٢) الدرر الكامنة (١/ ٥٠٢).
(٣) زيادة يقتضيها السّياق.
في طٍ : أَلْمَش . وهو تصحيف .
(٤)
وهو أَلْماس بن عبد الله الناصري محمد. ولي الحجوبية الكبرى. مات قتيلاً سنة (٧٣٤) هـ الدرر (٤١٠/١) الدليل
الشافي (١/ ١٥٤) .
(٥) الدرر (١/ ٥٠٢) .

٣٠٩
أحداث سنة ٧٤٣هـ
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمئة
استهلّت هذه السنة المباركة وسلطان المسلمين الملك [ أحمد بن (١) ناصر الدين محمد بن الملك
المنصور قلاوون ، وهو مقيم بالكَرَك ، قد حاز الحواصل السلطانية من قلعة الجبل إلى قلعة الكَرَك .
ونائبُه في الديار المصرية الأمير سيف الدين افْسُنْقُر السَّلاَّريّ(٢)، الذي كان نائباً بغزّة.
وقضاة الديار المصرية هم المذكورون في السنة الماضية ، سوى القاضي الحنفي(٣).
وأما دمشق فليس لها نائب إلى حينئذ ، غير أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب كان استنابه الفخري
بدمشقَ نائبَ غيبته ، فهو الذي يسدُّ الأمور مع الحاجب اللَّمش(٤)، وتَمُر المهمندار ، والأمير سيف الدين
الملقب بحلاوة ، والي البر ، والأمير ناصر الدين ابن ركباس متولي البلد ، هؤلاء الذين يسدون الأشغال
والأمور السلطانية ، والقضاة هم الذين ذكرناهم في السنة الخالية .
وخطيب البلد تاج الدين عبد الرحيم بن القاضي جلال الدين القزويني ، وكاتب السر القاضي شهاب
الدين بن فضل الله .
واستهلّت هذه السنة والأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نازلٌ بقصر تَنْكِز بطريق داريًا، وكتبُ
الشُّلطان واردة في كل وقت بالاحتياط عليه والقبض ، وأن يُمْسَك ويُرسل إلى الكَرَك ، هذا والأمراء
يتوانَوْن في أمره ويسوِّفون المراسيم ، وقتاً بعد وقت ، وحيناً بعد حين ، ويحملهم على ذلك أن الأحمدي
لا ذنب له ، ومتى مسَكَه تطرّف إلى غيره ، مع أنّ السلطان يبلُغُهم عنه أحوال لا تُرضيهم من اللَّعب
والاجتماع مع الأراذل والأطراف ببلد الكَرَك ، مع قتله الفخري وطَشْتَمُر قتلاً فظيعاً ، وسلبه أهلهما لما
على الحريم من الثياب والحلي ، وإخراجهم في أسوأ حال من الكَرَك ، وتقريبه النَّصارى وحضورهم
عنده . فحمل الأمراء هذه الصفات على أن بعثوا أحدهم يكشف أمره ، فلم يصل إليه ، ورجع هارباً
خائفاً ، فلمَّا رجع وأخبر الأمراء انزعجوا وتشوشوا كثيراً ، واجتمعوابسوق الخيل مراراً وضربوا مشورة
بينهم ، فاتفقوا على أن يخلعوه ، فكتبوا إلى المصريين بذلك ، وأعلموا نائب حلب أَيْدِغْمُش ونواب
(١) زيادة يقتضيها السّياق. الذيل ص (٢٣١).
(٢) قتل سنة (٧٤٤) هـ الدليل الشافي (١٤٢/١).
(٣) هو قاضي القضاة زين الدين عمر بن كمال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر البسطامي. مات سنة (٧٧١) هـ . الوفيات
لابن رافع (٣٥٥/٢) .
(٤) في ط : ألمش بلام واحدة . وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (١/ ٤١٠) فقد قيده الحافظ ابن حجر بالحروف فقال:
بلامين الأولى مشددة والميم ساكنة ثم معجمة ، والدليل الشافي (١٥٣/١) مات سنة (٧٤٦) هـ .

٣١٠
أحداث سنة ٧٤٣هـ
البلاد ، ويقوا متوهمين من هذه الحال كثيراً ومتردِّدين ، ومنهم من يصانع في الظّاهر وليس معهم في
الباطن ، وقالوا لا سمع ولا طاعةً حتى يرجع إلى الديار المصرية ، ويجلس على سرير المملكة ، وجاء
كتابه إليهم يعيبهم ويعنِّفهم في ذلك ، فلم يُفد ، وركب الأحمدي في الموكب وركبوا عن يمينه وشماله
وراحوا إليه إلى القصر ، فسلَّمُوا عليه وخدموه ، وتفاقم الأمر وعَظُم الخطب ، وحملوا هموماً عظيمة
خوفاً من أن يذهب إلى الديار المصرية فيلف عليه المصريون فيتلف الشاميين ، فحمل الناس همهم ، فالله
هو المسؤول أن يحسن العاقبة .
فلما كان يوم الأحد السادس والعشرين من المحرم ورد مقدَّمُ البريدية ومعه كتب المصريين بأنه لما بلغهم
خبر الشاميين كان عندهم من أمر السلطان أضعاف ما حصل عند الشاميين ، فبادروا إلى ما كانوا عزموا عليه ،
ولكن تردّدُوا خوفاً من الشّاميين أن يخالفوهم فيه ويتقدَّموا في صحبة السلطان لقتالهم ، فلما اطمأنُّوا من جهة
الشَّاميين صَّموا على عزمهم فخلعوا الناصر أحمد وملّكوا عليهم أخاه الملك الصالح إسماعيل بن الناصر
محمد بن المنصور ، جعله الله مباركاً على المسلمين ، وأجلسوه على السرير يوم الثلاثاء العشرين من المحرم
المذكور ، وجاء كتابه مسَلِّماً على أمراء الشام ومقدَّميه ، وجاءت كتبُ الأمراء على الأمراء بالسَّلام والأخبار
بذلك ، ففرح المسلمون وأمراء الشام والخاصة والعامة بذلك فرحاً شديداً، ودُقَّت البشائر بالقلعة المنصورة
يومئذ ، ورُسم بتزيين البلد ، فَزَيَّنَ النَّاسُ صبيحة الثلاثاء السابع والعشرين منه .
ولما كان يوم الجمعة سلخ المحرم خُطب بدمشقَ للملك الصالح عماد الدنيا والدين إسماعيل بن
الناصر بن المنصور (١) .
وفي يوم الخميس سادس صفر درَّس بالصَّدريَّةُ(٢) صاحبنا الإمام العلامة شمس الدين محمد بن
أبي بكر بن أيوب الزُّرعي إمام الجَوْزية، وحضر عنده الشيخ عز الدين بن المُنَجَّى (٣) الذي نزل له عنها ،
وجماعة من الفضلاء .
وفي يوم الإثنين سادس عشر صفر دخل الأمير سيف الدين طَفْز دَمُر(٤) من الديار المصرية ، إلى دمشق
ذاهباً إلى نيابة حلب المحروسة ، فنزل بالقابون .
وفي يوم الثلاثاء ثامنَ عشرَ صفر توفي الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد عبد الله(٥) بن أبي الوليد
(١) الدرر الكامنة (١/ ٣٨٠) والنجوم الزاهرة (٧٤/١٠ -٧٨) وبدائع الزهور (٤٩٨/١).
(٢) ((الحنبلية)): الدارس (٨٦/٢) وهي جنوبي قصر العظم.
هو : محرر بن أحمد بن المُنجًّا. مات سنة (٧٤٦هـ) الدارس (٧٤/٢).
(٣)
في ط : تغردمر وفي الدرر الكامنة (طقز تمر) وأثبتنا ما في النجوم الزاهرة (١٠/ ٨٠).
(٤)
(٥) ترجمته في: الذيل ص (٢٣٤) والوفيات لابن رافع (١ / ٤٢٢) والدرر الكامنة (٢٨٦/٢) والدارس (٦/٢) والزيادة
منها .

٣١١
أحداث سنة ٧٤٣هـ
[ محمد بن أحمد ] المقرىء المالكي، إمام المالكية (١)، هو وأخوه أبو عمرو (٢) . بالجامع الأموي بمحراب
الصحابة . توفي ببستان بقُبَّة السحف(٣)، وصُلِّي عليه بالمصلَّى، ودُفن عند أبيه رحمهما الله بمقابر باب
الصغير، وحضر جنازته الأعيان والفقهاء والقضاة، وكان رجلاً صالحاً مُجمَعاً على ديانته وجلالته رحمه الله .
وفي يوم الخميس العشرين من صفر دخل الأمير أَيْدَغْمُش نائبُ السَّلطنة بدمشقَ ودخل إليها من ناحية
القابون قادماً من حلبَ ، وتلقاه الجيش بكماله ، وعليه خلعة النيابة ، واحتفل الناس له وأشعلوا
الشموع ، وخرج أهل الذمة من اليهود والنَّصارى يدعون له ومعهم الشموع، وكان يوماً مشهوداً ، وصلَّى
يوم الجمعة بالمقصورة ، من الجامع الأموي ، ومعه الأمراء والقضاة ، وقُرىء تقليده هناك على السُّدَّة
وعليه خلعته، ومعه الأمير سيف الدين مَلَكْتَمُر السَّرْ جَواني(٤) وعليه خلعة أيضاً .
وفي يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من صفر دخل الأمير علم الدين الجاولي(٥) دمشقَ المحروسة
ذاهباً إلى نيابة حماة المحروسة ، وتلقَّاه نائبُ السلطنة والأمراء إلى مسجد القدم ، وراح فنزل بالقابون ،
وخرج القضاة والأعيان إليه، وسمع عليه من (( مسند الشافعي)) فإنَّه يرويه ، وله فيه عملٌ ، ورتَبه ترتيباً
حسناً ورأَيْتُهُ ، وشرحه أيضاً ، وله أوقاف على الشافعية وغيرهم .
وفي يوم الجمعة الثامن والعشرين منه عقد مجلس بعد الصَّلاة بالشُّبَّاك الكمالي من مشهد عثمان بسبب
القاضي فخر الدين المصري ، وصدر الدين عبد الكريم بن القاضي جلال الدين القزويني ، بسبب العادليَّة
الصغيرة، فاتّفق الحال على أن نزل صدر الدين عن تدريسها، ونزل فخرالدين عن مئة وخمسين على الجامع.
وفي يوم الأحد سلخ الشهر المذكور حضر القاضي فخر الدين المصري ودرَّس بالعادلية الصغيرة
وحضر النَّاسُ عنده على العادة، وأخذ في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ، بِضَعَثْنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ [ يوسف: ٦٥].
وفي آخر شهر ربيع الأول جاء المرسوم من الدّيار المصرية بأن تخرج تجريدة من دمشق بصحبة
الأمير حسام الدين البَشْمَقْدَارُ(٦) لحصار الكرك الذي تحصن فيه السلطال(٧) أحمد ، واستحوذ على
ما عنده من الأموال التي أخذها من الخزائن من ديار مصر ، وبرز المنجنيق من القلعة إلى قبل جامع
(١) هو المعروف بابن الحاج .
(٢) يعني في إمامة المالكية لا في الوفاة. فقد توفي أبو عمرو - أحمد بن محمد بن أحمد - سنة (٧٤٥) هـ الدرر الكامنة
(٢٤٧/١) . وسيأتي في الوفيات منها .
(٣) بظاهر دمشق ، وفي الوفيات لابن رافع : بالمزة ، فلعلها من المزة .
في ط : ملكتم الرحولي . وأثبتنا ما في النجوم الزاهرة (١٠ /٨٨) مات سنة (٧٤٧) هـ.
(٤)
(٥) هو: سنجر بن عبد الله. الدرر الكامنة (٢/ ١٧١).
(٦) في ط: السمقدار وهو تحريف، وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (٣١٧/٢) وهو: طُرُنْطاي البَشْمَقْدار مات سنة
(٧٤٨هـ) وقد جاوز السبعين. وفي الدليل الشافي (٣٦١/١): البَجْمَقْدَار .
(٧) في ط : ابن السلطان .

٣١٢
أحداث سنة ٧٤٣هـ
الْقُبَيْبَات ، فنُصب هناك وخرج الناس للتفرج عليه ورُمي به ومن نيتهم أن يستصحبوه معهم للحصار .
وفي يوم الأربعاء ثاني ربيع الآخر قدم الأمير علاء الدين الطَنْبُغا المارداني من الديار المصرية على
قاعدته وعادته(١) .
وفي يوم الخميس عاشره دخل إلى دمشقَ الأميران الكبيران ركن الدين بيبرس الأحمدي من طرابلس ،
وعلم الدين الجاولي من حماة سَحَراً ، وحضرا الموكب ووقفا مكتفين لنائب السلطنة : الأحمديُّ عن
يمينه والجاولي عن يساره ، ونزلا ظاهرَ البلد ، ثم بعد أيام يسيرة توجّه الأحمديُّ إلى الديار المصرية على
عادته وقاعدته رأس مشورة ، وتوجَّه الجاولي إلى غَزَّة المحروسة نائباً عليها ، وكان الأمير بدر الدين
مسعود بن خَطِير على إمرة الطبلخانات بدمشق .
وفي يوم الخميس رابع عشره خرجت التجريدة من دمشقَ سحراً إلى مدينة الكَرَك ، والأمير شهاب
الدين بن صُبْح والي الولاة بحوران مشد المجانيق ، وخرج الأمير سيف الدين بهادر الأوجاقي(٢) الملقب
بحلاوة والي البر بدمشق إلى ولاية الولاة بحوران .
وفي يوم الجمعة ثامن عشره وقع بين النائب والقاضي الشافعي بسبب كتاب ورد من الديار المصرية فيه
الوَصَاةُ بالقاضي السُّبكي المذكور ومعه التوقيع بالخطابة له مضافاً إلى القضاء وخلعة من الديار المصرية ،
فتغيَّظَ(٣) عليه النائب لأجل أولاد الجلال ، لأنّهم عندهم عائلة كثيرة وهم فقراء ، وقد نهاه عن السَّعي في
ذلك ، فتقدَّم إليه يومئذ أن لا يُصلِّي عنده في الشُّبَّك الكَمَالي ، فنهض من هناك وصلَّى في الغزالية .
وفي يوم الأحد العشرين منه دخل دمشق الأمير سيف الدين أَرْتُبُغا٤) زوج ابنة السلطان الملك الناصر
مجتازاً ذاهباً إلى طرابلس نائباً بها ، في تجمُّل وأُبَّهة ونجائب وجنائب ، وعدة ، وسرك كامل .
وفي يوم الخميس الرابع والعشرين منه دخل الأمير بدر الدين بن الخطيري معزولاً عن نيابة غزة
المحروسة فأصبح يوم الخميس فركب في الموكب وسيِّر مع نائب السلطنة ، ونزل في داره وراح الناس
للسّلام عليه .
وفي يوم الثلاثاء ثالثَ عشرَ صفر زُيّنت البلد لعافية السلطان الملك الصالح لمرض أصابه ، ثم شفي
منه(٥) . وفي يوم الجمعة السادس عَشَر منه قبل العصر ورد البريد من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة
(١) النجوم (١٠/ ٨٢).
في ط : بهادر الشمس . وأثبتنا ما في الدرر الكامنة (١/ ٤٩٧) وهو غير بهادر الشمسي. المتوفى سنة (٧١٨) هـ .
(٢)
(٣)
في ط : فتغبط .
(٤)
في ط: أربغا. وأثبتنا ما في النجوم (١٠ /٩٩) وغيره .
وهو: أرُنْبُغَا بن عبد الله الناصري. مات سنة (٧٤٣) هـ .
(٥) النجوم (١٠ / ٨١).

٣١٣
أحداث سنة ٧٤٣هـ
تقي الدين السُّبكي إليها حاكماً بها١) ، فذهبَ النَّاسُ للسلام عليه ولتوديعه ، وذلك بعدما أرجفَ الناس به
كثيراً، واشتُهر أنَّه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى أَلْطَنْبُغا وإلى الفخري ،
وكُتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه ، وداروا بها على المفتين فلم يكتب لهم أحدٌ فيها غير القاضي جلال
الدين بن حسام الدين الحنفي ، رأيت خطه عليها وحده بعد الصَّلاة ، وسئلتُ في الإفتاء عليها فامتنعتُ ،
لما فيها من التَّشويش على الحكام ، وفي أول مرسوم نائب السلطان أن يتأمل المُفْتون هذا السؤال ويفتوا
بما يقتضيه حكم الشرع الشريف ، وكانوا له في نيَّةٍ عجيبة ، ففرَّج الله عنه بطلبه إلى الديار المصرية ، فسار
إليها صحبةَ البريد ليلة الأحد، وخرج الكُبَراء والأعيان لتوديعه ، وفي خدمته (٢) .
استهلّ جُمادى الآخرة والتَّجريدة عمالة إلى الكَرَك والجيش المجرّدون من الحلقة قريب من ألف ويزيدون .
ولمّا كان يوم الثلاثاء رابعه بعد الظهر مات الأمير علاء الدين أَيْدَغْمُش (٣) نائب السلطنة بالشَّام
المحروس في دارٍ وحده في دار السعادة ، فدخلوا عليه وكشفوا أمره وأُحصروا ، وَخَشَوْا أن يكونَ اعتراه
سكتةٌ ، ويقال إنه شفي فالله أعلم ، فانتظروا به إلى الغد احتياطاً ، فلما أصبح الناس اجتمعوا للصّلاة عليه
فصُلّيَ عليه خارج باب النصر حيث يصلى على الجنائز ، وذهبوا به إلى نحو القبلة ، ورام بعض أهله أن
يدفن في تربة غِبْريال إلى جانب جامع القُبَيْبَات ، فلم يمكن ذلك ، فدفن قبلي الجامع على حافة الطريق ،
ولم يتهيأ دفنه إلا إلى بعد الظهر من يومئذ ، وعملوا عنده ختمة ليلةَ الجُمعة رحمه الله وسامحه .
واشتُهر في أوائل هذا الشهر أن الحصار عمَّال على الكَرَك، وأنَّ أهل الكَرَك خرجت طائفة منهم فقُتل
منهم خلقٌ كثير ، وقُتل من الجيش واحد في الحصار ، فنزل القاضي وجماعةٌ ومعهم شيء من الجَوْهر ،
وتراضَوْا على أن يسلِّموا البلد ، فلمَّا أصبح أهلُ الحِصْن تحصَّنوا ونصَبُوا المجانيق ، واستعدُّوا ، فلما كان
بعد أيَّام رَمَوْا منجنيق الجيش فكسروا السَّهم الذي له ، وعجزوا عن نقله فحرَّقوه برأي أمراء المقدمين ،
وجرت أمورٌ فظيعة ، فالله يحسن العاقبة .
ثم وقعت في أواخر هذا الشهر بين الجيش وأهل الكَرَك وقعة أخرى ، وذلك أن جماعة من رجال
الكَرَك خرجوا إلى الجيش ورَمَوْهم بالنُّشَّاب فخرج الجيش لهم من الخيام ورجعوا مشاة ملبسين بالسلاح
فقتلوا من أهل الكرك جماعةً من النصارى وغيرهم ، وجُرح من العسكر خلق ، وقتل واحدٌ أو اثنان ،
وأَسر الأمير سيف الدين أبو بكر بن بَهَادُرآص(٤)، وقُتل أَميرُ العرب(٥)، وأُسر آخرون فاعتقلوا
(١) في ط : حاكمها وهو تحريف.
(٢) الدرر الكامنة (٦٨/٣).
الذيل ص (٢٣١) الدرر الكامنة (٤٢٦/١) النجوم الزاهرة (٩٩/١٠).
(٣)
أمير طبلخاناه ، تقي الدين ، أحد أبناء بهادر آص الذكور الخمسة الذين خلَّفهم . الدارس (٢٢٩/٢).
(٤)
(٥) هو سليمان بن مُهَنّا بن عيسى بن مُهَنّا. النجوم الزاهرة (١٠/ ١٠٣).

٣١٤
أحداث سنة ٧٤٣هـ
بالكَرَك ، وجرت أمور منكرة ، ثم بعدها تعرَّض العسكر راجعين إلى بلادهم لم ينالوا مرادهم منها ،
وذلك أنهم رقهم البرد الشديد وقلة الزاد، وحاصروا أولئك شديداً بلا فائدة، فإن البلد يُريد(١)
[ مُدَداً (٢) متطاولة ومجانيق ، ويشقُّ على الجيش الإِقامة هناك في كوانين ، والمنجنيق الذي حملوه معهم
كُسر ، فرجعوا ليتأهَّبوا لذلك .
ولما كان في يوم الأربعاء الخامس والعشرين منه قدم من الديار المصرية على البريد القاضي بدر
الدين بن فضل الله كاتباً على السر عوضاً عن أخيه القاضي شهاب الدين ، ومعه كتاب الاحتياط على
حواصل أخيه شهاب الدين(٣) ، وعلى حواصل القاضي عماد الدين بن الشيرازي المحتسب ، فاحتيط على
أموالهما، وأُخرج من في ديارهما من الحُرَم ، وضُربت الأخشاب على الأبواب ، ورسم على المحتسب
بالعَذْراوية ، فسأل أن يحول إلى دار الحديث الأشرفية فحُوِّل إليها . وأما القاضي شهاب الدين ، فكان قد
خرج ليلتقي الأمير سيف الدين طَقْزِ دَمُر(٤) الحموي ، الذي جاء تقليده بنيابة الشام بدمشقَ وكان بحلب ،
وجاء هذا الأمر وهو في أثناء الطريق ، فرسم برجعته ليصادر هو والمحتسب ، ولم يدر الناس ما ذنبهما .
وفي يوم الأحد ثامن شهر رجب آخر النَّهار رجع قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي إلى دمشق على
القضاء ، ومعه تقليد بالخطابة أيضاً ، وذهب الناس إليه للسلام عليه(٥).
ودخل نائب السلطنة الأمير سيف الدين طقُزْدمُر الحموي بعد العصر الخامس عشر منه حلب ، فتلقاه
الأمراء إلى طريق القابون ، ودعا له الناس دعاءً كثيراً ، وأحبُّوه لبغضهم النائب الذي كان قبله ، وهو علاء
الدين أَيْدِغْمُش سامحه الله تعالى ، فنزل بدار السعادة وحضر الموكب صبيحة يوم الإثنين ، واجتمع طائفة
من العامة ، وسألوه أن لا يغيِّر عليهم خطيبهم تاج الدين عبد الرحيم بن جلال الدين ، فلم يلتفت إليهم ،
بل عمل على تقليد القاضي تقي الدين السُّبكي الخطابة ولبس الخلعة، وأكثر العوام لما سمعوا بذلك
الغوغاء، وصاروا يجتمعون حلقاً حلقاً بعد الصلوات ويكثرون الفرحة في ذلك، لما منع ابن الجلال،
ولكن بقي هذا لم يباشر السُّبكي في المحراب ، واشتهر عن العوام كلام كثير ، وتوعَّدوا السُّبكي بالسّفاهة
عليه إنْ خطب ، وضاق بذلك ذَرْعاً ، ونُهُوا عن ذلك فلم ينتهوا ، وقيل لهم ولكثير منهم : الواجب عليكم
السمع والطاعة لأولي الأمر ، ولو أُمِّر عليكم عبدٌ حبشي . فلم يرعَوُوا ، فلما كان يوم الجمعة العشرين منه
اشتهر بين العامة بأن القاضي نزل عن الخطابة لابن الجلال ، ففرح العوام بذلك وحشدوا في الجامع،
(١) في ط : بريد وهو غلط.
(٢)
زيادة يقتضيها السّياق .
(٣)
الدرر الكامنة (٣٣٣/١).
في ط : تغردمر وهو تحريف وأثبتنا ما في النجوم (١٠/ ٨٢).
(٤)
الدرر (٣ /٩٤) .
(٥)

٣١٥
أحداث سنة ٧٤٣هـ
وجاء نائب السلطنة إلى المقصورة والأمراء معه ، وخطب ابن الجلال على العادة ، وفرح الناس بذلك ،
وأكثروا من الكلام والهرج ، ولمَّا سلَّم عليهم الخطيب حين صعد ردُّوا عليه رداً بليغاً ، وتكلّفوا في ذلك
وأظهروا بُغضةَ القاضي السُّبكي ، وتجاهروا بذلك، وأسمعوه كلاماً كثيراً ، ولما قُضيت الصَّلاة قرىء
تقليد النيابة على السدة ، وخرج الناس فرحين بخطيبهم ، لكونه استمرَّ عليهم ، واجتمعوا عليه يسلِّمون
ويدعون له (١) .
وفي يوم الأربعاء ثالث شعبان درَّس القاضي برهان الدين بن عبد الحق(٢) بالمدرسة العذراوية
بمرسوم سلطاني بتوليته وعزل القَحْفَازي (٣) ، وعقد لهما مجلس يوم الثلاثاء بدار العدل ، فرجح جانب
القاضي برهان الدين لحاجته وكونه لا وظيفة له .
وفي يوم الجمعة خامسه توفي الشَّيخ الصالح شهاب الدين أحمد(٤) بن [ علي بن الحسن بن داود ]
الجَزَري أحد المُسْنِدين المكثرين الصَّالحين ، مات عن خمس وتسعين سنة رحمه الله ، وصُلِّي عليه يوم
الجمعة بالجامع المظفَّري ودُفن بالزّواحية .
وفي يوم الأربعاء السابع عشر منه توفي الشيخ الإمام العالم العابد الناسك الصالح الشيخ شمس الدين
محمد(٥) بن [عبد الأحد بن يوسف الآمدي المعروف بابن ] الوزير(٦) خطيب الجامع الكريمي
بالقُبيبات ، وصُلِّيَ عليه بعد الظهر يومئذ بالجامع المذكور ، ودُفن قبلي الجامع المذكور ، إلى جانب
الطريق من الشرق رحمه الله .
واشتهر في أوائل رمضان أن مولوداً ولد له رأسان وأربع أيد ، وأُحضر إلى بين يدي نائب
السلطنة، وذهب الناس للنَّظر إليه في محلَّةٍ ظاهرَ باب الفراديس ، يقال لها : حكر الوزير(٧)، وكنت
فيمن ذهب إليه في جماعة من الفقهاء يوم الخميس ثالث الشهر المذكور بعد العصر ، فأحضره أبوه
- واسم أبيه سعادة - وهو رجل من أهل الجبل ، فنظرت إليه فإذا هما ولدان مستقلان قد اشتبكت أفخاذُهما
بعضهما ببعض ، وركب كل واحد منهما ودخل في الآخر والتحمت فصارت جثة واحدة وهما
(١) الدرر الكامنة (٣٦١/٢) والدارس (١٣٥/١).
هو : إبراهيم بن علي بن أحمد ، الآتية ترجمته في وفيات السنة الآتية .
(٢)
(٣)
في ط : القفجاري ، وهو تصحيف .
ترجمته في: الذيل ص (٢٣٢) والوفيات لابن رافع (٤٣٣/١) والدرر الكامنة (٢٠٧/١) والدارس (١/ ٤٠) وفيها:
(٤)
أبو العباس ، والزيادة منها .
ترجمته في الذيل ص (٢٣٤) والدرر الكامنة (٤٨٩/٣) والدارس (٤١٨/٢).
(٥)
والزّيادة من الدرر .
(٦) في ط : الزرير وهو تحريف .
(٧) في ط : حكي الوزير وهو تحريف .

٣١٦
أحداث سنة ٧٤٣هـ
ميتال(١)، فقالوا : أحدهما ذكر والآخر أنثى ، وهما ميتان حال رؤيتي إليهما . وقالوا : إنه تأخر موت
أحدهما عن الآخر بيومين أو نحوهما ، وكتب بذلك محضر جماعة من الشهود .
وفي هذا اليوم احتيط على أربعة من الأمراء وهم أبناء الكامل (٢) صلاح الدين محمد، أمير طبلخاناة،
وغياث الدين محمد أمير عشرة ، وعلاء الدين علي ، وابن أَيْبَك الطويل طبلخاناة أيضاً ، وصلاح الدين
خليل بن بَلبان طرنا طبلخاناة أيضاً . وذلك بسبب أنهم اتَّهموا على ممالأة الملك أحمد بن الناصر الذي في
الكَرَك ، ومكاتبته ، والله أعلم بحالهم ، فقيّدوا وحملوا إلى القلعة المنصورة من باب السر(٣) مقابل باب
دار السعادة الثلاث الطبلخانات والغياث من بابها الكبير وفرق بينهم في الأماكن .
وخرج المحمل يوم الخميس خامس عشره ولبس الخطيب ابن الجلال خلعة استقرار الخطابة في هذا
اليوم ، وركب بها مع القضاة على عادة الخطباء .
وفي هذا الشهر نُصب المنجنيق الكبير على باب الميدان الأَخْضر وطول أكتافه ثمانيةَ عشرَ ذراعاً ،
وطول سهمه سبعة وعشرون ذراعاً ، وخرج النَّاس للفُرجة عليه ، ورمى به في يوم السبت حجراً زنته ستين
رطلاً ، فبلغ إلى مقابلة القصر من الميدان الكبير ، وذكر معلِّم المجانيق أنه ليس في حصون الإسلام مثله ،
وأنه عمله الحاج محمد الصالحي ليكون بالكَرَك ، فقدَّر الله أنه خرج ليحاصر به الكرك ، فالله يحسن
العاقبة .
وفي أواخره أيضاً مُسك أربعة أمراء ، وهم آقْبُغَا عبد الواحد الذي كان مباشراً الاستدارية للملك
الناصر الكبير ، فصُودر في أيَّام ابنه المنصور ، وأُخرج إلى الشام فناب بحمصَ فسار سيرةً غيرَ مرضية .
وذمَّه الناس وعُزل عنها وأعطي تقْدمةَ ألف بدمشق ، وجُعل رأس الميمنة ، فلما كان في هذه الأيام اتّهم
بممالأة السلطان أحمد بن الناصر الذي بالكَرَك ، فمسك وحمل إلى القلعة ومعه الأمير سيف الدين
بلك(٤)، والأمير سيف الدين سَلاَمُشْ، وكلهم بطبلخانات فرُفعوا إلى القلعة المنصورة ، فالله يحسن
العاقبة .
وفي هذا الشهر خرج قضاء حمص عن نيابة دمشق بمرسوم سلطاني مجدد للقاضي شهاب الدين
البارزي ، وذلك بعد مناقشة كثيرة وقعت بينه وبين قاضي القضاة تقي الدين السُّبكي ، وانتصر له بعض
الدولة ، واستخرج له المرسوم المذكور .
الذيل ص (٢٣٢) للحسيني وفيه : فحكى لي شيخنا عماد الدين بن كثير .
(١)
هو سُنْقُر الأشقر الصالحي النجمي نائب دمشق . تلقب بالملك الكامل وأخذ البيعة للسلطنة في قلعة دمشق سنة
(٢)
(٦٧٨) هـ. الدليل الشافي (٣٢٧/١).
(٣) في ط : اليسر .
(٤) في ط: بلو. وأثبتنا ما في النجوم الزاهرة (٨٦/٩) والدليل الشافي (١٩٩/١).

٣١٧
أحداث سنة ٧٤٣هـ
وفيه أيضاً أُفرد قضاء القدس الشريف أيضاً باسم القاضي شمس الدين بن سالم الذي كان مباشرها مدة
طويلة قبل ذلك نيابة ، ثم عزل عنها وبقي مقيماً ببلده غزة ، ثم أُعيد إليها مستقلاً بها في هذا الوقت .
وفي هذا الشهر رجع القاضي شهاب الدين بن فضل الله من الديار المصرية ومعه توقيع بالمرتَّب الذي كان له
أول كل شهر ألف درهمٌ(١) ، وأقام بعمارته التي أنشأها بسفح قاسيون شرقيَّ الصّالحية بقرب حسَّام النحاس .
وفي صبيحة مستهلّ ذي القعدة خرج المنجنيق قاصداً إلى الكَرَك على الجمال والعَجَل(٢) ، وصحبته
الأمير صارم الدين إبراهيم اليوسفي (٣) ، أمير حاجب ، كان في الدولة التنكزية(٤)، وهو المقدَّم عليه
يحوطه ويحفظه ويتولَّى تسييره بطلبه وأصحابه .
وتجهز الجيش للذهاب إلى الكَرَك ، وتأهبوا أتمّ الجهاز ، وبرزت أثقالهم إلى ظاهر البلد وضُربت
الخيام فالله يحسن العاقبة .
وفي يوم الإثنين رابعه توفي الطواشيُّ شِبْل الدولة كافور(٥) التَّنْكِزي(٦)، ودفن صبيحة يوم الثلاثاء
خامسه في تربته التي أنشأها قديماً ظاهر باب الجابية تجاه تربة الطَّواشي ظهير الدّين الخازن(٧) بالقلعة ،
کان قبیل مسجد الذُّان رحمه الله .
وكان قديماً للصَّاحب تقي الدين تَوْبة التكريتي(٨)، ثم اشتراه تَنْكِز بعد مدة طويلة من ابني أخيه صلاح
الدين وشرف الدين بمبلغ جيد وعوَّضهما إقطاعاً بزيادة على ما كان بأيديهما ، وذلك رغبةً في أمواله التي
حصَّلها من أبواب السلطنة ، وقد تعصَّب عليه أستاذه تَنْكز رحمه الله في وقت وصُودر وجرت عليه
فصول ، ثم سَلِيم بعد ذلك ، ولما مات ترك أموالًا جزيلة وأوقافاً رحمه الله .
وخرجت التجريدة يوم الأربعاء سادسه والمقدم عليها الأمير بدر الدين بن الخطير(٩) ومعه مقدم آخر
وهو الأمير علاء الدين قَرَاسُنْقُر( ١٠)
(١) ترجمته في الدرر الكامنة (١/ ٣٣٣).
(٢)
النجوم الزاهرة (١٠ /٨٤) .
في ط : المسبقي وأثبتنا ما في الدارس (٤٤٤/٢).
(٣)
وهو : صارم الدين إبراهيم بن سيف الدين منجك اليوسفي الناصري .
في ط: ((السُّكّرية)) ولا معنى لها ( بشار) .
(٤)
(٥)
لعله ممّن انفرد ابن كثير بذكره .
في ط: ((السُّكّري))، ولا معنى لها، والصواب ما أثبتناه، يدل عليه ما في الترجمة من قوله: ((ثم اشتراه تنكز)).
(٦)
(٧)
مضى ذكره في وفيات سنة (٧١٦)هـ .
(٩) هو : مسعود بن أوحد بن الخطير . تقدَّم ذكره .
(٨)
توبة بن علي بن مهاجر بن شجاع التكريتي . مات سنة (٦٩٨) هـ الدارس (٢٣٧/٢).
(١٠) أُخرج من القاهرة بعد وفاة أبيه في بلاد التتر إلى دمشق أمير طبلخاناة. مات سنة (٧٤٨) هـ الدرر الكامنة (٩٥/٣).

٣١٨
أحداث سنة ٧٤٤ هـ
وفي يوم السبت سلخ هذا الشهر توفي الشَّاب الحسن شهاب الدين أَحمد(١) بن فَرَج المُؤَذِّن بمئذنة
العروس ، وكان شهيراً بحسن الصوت ذا حظوة عظيمة عند أهل البلد ، وكان رحمه الله كما في النفس
وزيادة في حسن الصوت الرخيم المطرب ، وليس في القُرَّاء ولا في المؤذنين قريب منه ولا من يدانيه في
وقته ، وكان في آخر وقته على طريقة حسنة ، وعمل صالح ، وانقطاع عن الناس ، وإقبال على شأن نفسه
فرحمه الله ، وأكرم مثواه ، وصُلِّيَ عليه بعد الظهر يومئذ ودفن عند أخيه بمقبرة الصُّوفية .
وفي يوم الخميس خامس ذي الحجة توفي الشيخ بدر الدين أحمد بن بَصْخَالُ(٢) شيخ القرّاء السَّبْعة في
البلد ، الشهير بذلك، وصُلِّ عليه بالجامع بعد الظهر يومئذ ، ودفن بباب الفراديس رحمه الله .
وفي يوم الأحد تاسعه وهو يوم عرفة حضر الإقراء بتربة أمّ الصَّالح عوضاً عن الشيخ بدر الدين بن
بَصْخَان القاضي شهاب الدين أحمد بن النقيب البعلبكي(٣) ، وحضر عنده جماعة من الفضلاء ، وبعض
القضاة ، وكان حضوره بغتة ، وكان متمرِّضاً، فألقى شيئاً من القراءات والإعراب عند قوله تعالى :
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْأَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٨].
وفي أواخر هذا الشهر غلا السعر جداً وقلَّ الخبز ، وازدحم الناس على الأفران زحمة عظيمة ، وبيع
خبز الشعير المخلوط بالزيوان والنَّقَاوة٤) ، وبلغت الغرارة بمئة وستة وثمانين درهماً ، وتقلّص السعر جداً
حتى بيع الخبز كل رطل بدرهم ، وفوق ذلك بيسير ، ودونه بحسب طيبه ورداءته ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون ، وكثر السؤال وجاع العيال ، وضعف كثير من الأسباب والأحوال ، ولكنَّ لطف الله عظيم فإن
الناس مترقِّبون مغلاً هائلاً لم يسمع بمثله من مدة سنين عديدة ، وقد اقترب أوانه ، وشرع کثیر من البلاد
في حصاد الشعير وبعض القمح مع كثرة الفول وبوادر التُّوت ، فلولا ذلك لكان غير ذلك ، ولكن لطف الله
بعباده ، وهو الحاكم المتصرّف الفعّال لما يريد لا إله إلا هو .
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمئة
استهلَّت هذه السنة وسلطان المسلمين الملك الناصر عماد الدُّنيا والدّين إسماعيل بن الملك الناصر
ناصر الدين محمد بن الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي .
لم أقع على ترجمة له .
(١)
في ط : نصحان وهو تحريف . وأثبتنا ما في مصادر ترجمته .
(٢)
ترجمته في الذيل ص (٢٣٥) والوفيات لابن رافع (٤٣٩/١ - ٤٤٠) والدرر الكامنة (٣٠٩/٣) وغاية النهاية (٥٧/٢)
وفيه : بضحان ، مصحف .
وهو : أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بَصْخَان .
(٣) مات سنة (٧٦٤)هـ. ترجمته في غاية النهاية (١/ ٤١ و٧٣) والدرر الكامنة (١١٥/١) والدارس (٣٢٤/١).
(٤) في ط : النقارة بالراء وهو تحريف.

٣١٩
أحداث سنة ٧٤٤ هـ
ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين اقْسُنْقر السَّلاَّريّ(١). وقضاته هم المتقدِّم ذِكرهم في العام
الماضي .
ونائبه بدمشق الأمير سيف الدين طُقُزْدَمُر الحموي ، وقضاته هم المتقدم ذكرهم ، وكذلك الصاحب
والخطيب وناظر الجامع والخزانة . ومشد الأوقاف وولاية المدينة .
استهلَّت والجيوش المصرية والشّامية محيطةٌ بحصن الكَرَك محاصرون ويبالغون في أمره ، والمنجنيق
منصوب وأنواع آلات الحصار كثيرة ، وقد رسم بتجريدة من مصر والشام أيضاً تخرج إليها .
وفي يوم الخميس عاشر صفر دخلت التجريدة من الكَرَك إلى دمشق واستمرت التجريدة الجديدة على
الكَرَك ألفان من مصر وألفان من الشام ، والمنجنيق منقوض موضوع عند الجيش خارج الكرك ، والأمور
متوقِّفة ، وبرد(٢) الحصار بعد رجوع الأحمديّ إلى مصرَ .
وفي يوم السبت ثاني ربيع الأول توفي السيّد الشَّريف عماد الدين الخَشَّاب (٣) بالكوشك في درب
الشّيْرَجي(٤) جوار المدرسة العزِّية ، وصُلِّيَ عليه ضحىّ بالجامع الأموي ، ودُفن بمقابر باب الصغير ،
وكان رجلاً شهماً كثير العبادة والمحبّة للسُّنَّة وأهلها، ممَّن واظب [ على ]°) الشيخ تقي الدين بن تيمية
رحمه الله وانتفع به ، وكان من جملة أنصاره وأعوانه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو الذي
بعثه إلى صيدنايا٦) مع بعض القسيسين، فلوّث يده بالعُذْرة وضرب اللحمة التي يعظّمونها هنالك ،
وأهانها غاية الإهانة لقوة إيمانه وشجاعته رحمه الله وإيانا .
وفي يوم الخميس سابعه اجتمع الصاحب ومشد الدواوين ووكيل بيت المال، ومشد الأوقاف ومباشرو
الجامع ومعهم العمَّال بالفؤوس (٧) والمعاول ، يحفرون إلى جانب السارية عند باب مشهد علي تحت تلك
الصخرة التي كانت هناك ، وذلك عن قول رجل جاهل ، زعم أنّ هناك مالاً مدفوناً، فشاوروا نائب السَّلطنة
فأمرهم بالحفر، واجتمع الناس والعامَّةُ، فأمرهم فأُخرجوا وأُغلقت أبواب الجامع كلها ليتمكّنُوا من
الحفر، ثم حفروا ثانياً وثالثاً فلم يجدوا شيئاً إلا التراب المحض ، واشتهر هذا الحفير في البلد وقصده
النجوم (٨٦/١٠) وفيه : مسك في هذه السنة في العاشر من المحرّم.
(١)
(٢)
((بَرَد )»: فتَر .
ترجمته في الوفيات لابن رافع (١/ ٤٥٠) . وفيه: الشيخ الصالح العابد عماد الدين إسماعيل بن ناهض بن
(٣)
أبي الوحش بن حاتم الحسيني الدمشقي .
(٤)
في ط : السيرجي بالسين وهو خطأ .
(٥)
زيادة يقتضيها السياق .
قرية مشهورة شمال غرب دمشق تبعد عنها حوالي ٢٨ كم .
(٦)
(٧) في ط : العمالين بالفول وهو تحريف .

٣٢٠
أحداث سنة ٧٤٤هـ
الناس للنَّظر إليه والتعجُّب من أمره، وانفصل الحال على أن حُبس هذا الزاعم لهذا المحال ، وطُمَّ الحفير
كما كان .
وفي يوم الإثنين ثامنَ عشرَ ربيع الأول قدم قاضي حلب ناصر الدين بن الخشاب (١) على البريد مجتازاً
إلى دمشق فنزل بالعادلية الكبيرة .
وأخبر أنه صلَّى على المحدِّث البارع الفاضل الحافظ شمس الدين محمد(٢) بن علي بن أَيْبك
السَّرُوجي المصري يوم الجمعة ثامن هذا الشهر بحلب رحمه الله ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة ،
وكان قد أتقن طرفاً جيداً في علم الحديث ، وحفظ أسماء الرجال ، وجمعَ وخرَّج .
وفي مستهلّ ربيع الآخر وقع حريق عظيم بسفح قاسيون احترق به سوق الصالحية الذي بالقرب من
جامع المظفَّري ، وكانت جملة الدكاكين التي احترقت قريباً من مئة وعشرين دكاناً ، ولم يُرَ حريق من زمان
أكبر منه ولا أعظم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣).
وفي يوم الجمعة سادسه رسم بأن يذكر بالصلاة يوم الجمعة في سائر مآذن البلد كما يذكر في مآذن
الجامع ففعل ذلك .
وفي يوم الثلاثاء عاشره طلب من القاضي تقي الدين الُّبكي قاضي قضاة الشافعية أن يقرض ديوان
السلطان شيئاً من أموال الغُيَّاب التي تحت يده ، فامتنع من ذلك امتناعاً كثيراً ، فجاء شاد الدواوين وبعض
حاشية نائب السلطنة ، ففتحوا مخزن الأيتام وأخذوا منه خمسين ألف درهم قهراً ، ودفعوها إلى بعض
العرب عما كان تأخر له في الديوان السلطاني ، ووقع أمر كثير لم يُعهد مثله .
وفي يوم الأربعاء عاشر جمادى الأولى توفي صاحبُنا الشيخ الإمام العالم العلامة الناقد البارع في
فنون العلوم شمس الدين محمَّد(٤) بن الشيخ عماد الدين أحمد بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي ،
تغمده الله برحمته ، وأسكنه بحبوحة جنته ، مرض قريباً من ثلاثة أشهر بقرحة وحُمَّى سل ، ثم تفاقم أمره
وأفرط به إسهال ، وتزايد ضَعفه إلى أن توفي يومئذ قبل أذان العصر ، فأخبرني والده أن آخر كلامه أن
قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ، اللهمّ اجعلني من التَّوابين واجعلني من
المتطهرين .
(١) الدارس (١/ ٥٥٢).
(٢) ترجمته في: الذيل ص (٢٣٨) والوفيات لابن رافع (١/ ٤٥١) والنجوم الزاهرة (١٠٨/١٠) وشذرات الذهب
(٦/ ١٤١)، وهو منسوب إلى سَرُوج مدينة بنواحي حران .
الذيل ص (٢٣٦).
(٣)
ترجمته في الذيل ص (٢٣٨) والوفيات لابن رافع (٤٥٧/١ -٤٥٨) والدرر الكامنة (٣٣١/٣) وذيل طبقات الحنابلة
(٤)
(٤٣٦/٢) والشذرات (١٤١/٦).