Indexed OCR Text
Pages 1-20
النَدْلَةِ وَالنَّهَايَةُ ٧٠١ هـ - ٧٦٨هـ الطبعة الثانية 1431 ه - 2010 حقوق الطبع محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع و التصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دارابن ثير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق - سوريا - ص.ب : 311 حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي حالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450 الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541 بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318 برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة تلفاكس: 817857 01 - جوال : 204459 03 www.ibn-katheer.com info@ibn-katheer.com الموضوع: تاريخ العنوان: البداية والنهاية 20/1 التأليف: الإمام ابن كثير التحقيق: مجموعة من العلماء الورق: كريم ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: 10128 القياس: 17×24 التجليد: فني - لوحة الوزن: 15215 غ التنفيذ الطباعي : مطبعة ايبكس - بيروت التجليد : مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت ISBN: 978-9953-520-84-1 9 789953 520841 د 7 - ٧٠١هـ - ٧٦٨هـ تأليف الإِمَامِ الْحَافِظِ المؤرّخ أبي الفِدَاءِإسماعيل بن كثير ٧٠١ - ٧٧٤ هـ حَقَّقَهُ وَفَزََّ أَمَاِينَهُ وَلََّعَلَيْهِ حسَن إسماعيل مَرَوة رَاجَعَهُ الدكتور بشار عوادمعروف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط الجُزْءُالسَّارِسَ عَشْر دَار اتركتير رِقشق- بَيْرُون -3 C XXX ٥ مقدمة التحقيق بِسِلهِالرَّمِ الرَّحْبيَّةِ وبه نستعين مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين ، والصّلاة والسَّلام على خيرة خلقه محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين . أما بعد : فهذا الجزء السادس عشر من كتاب الحافظ العماد ابن كثير ((البداية والنهاية)) أقدّمه متمِّماً لما سبقه من أجزاء وقد كنت في غنىّ عن التقديم له ، لأن عملي في تحقيقه لم يخرج عن الخطة التي وضعتها دار ابن كثير العامرة لإخراج هذا الكتاب وفق منهج علمي متميّز ، لما للكتاب من شأن كبير في مكتبتنا العربية ، ولما لمصنّفه - رحمه الله - من مكانة بين نظرائه من العلماء . غير أنّ مشاكل اعترضتني تخصُّ هذا الجزء من الكتاب ، فرأيت توضيحها وبيانها منها : أولًا: إن النّسختين المصورتين (أ) و (ب) المعتمدتين في التحقيق تنتهيان إلى سنة ( ١٣٨هـ)، وتابعت بعد ذلك تحقيق القسم المتبقي مستعيناً بمراجع ومصادر تلك الفترة ، خاصة تلك التي نقل أصحابها عن ابن كثير مباشرة . ثانياً: هناك فروق كبيرة وسقط يصل أحياناً إلى عدَّة صفحات بين المطبوع والنسخة (أ) التي اعتمدتها في التحقيق . ثالثاً : هناك آراء وأقاويل تدور حول نسبة القسم الأخير من الكتاب إلى ابن كثير ، وهذا الخلاف يسير في وجهتين متضادتين تماماً ، ولكل وجهة منها من يؤيدها وينتصر لها بحجج ذات قيمة . القول الأوّل : إن تاريخ ابن كثير ينتهي في سنة ( ٧٣٨ هـ )، وما بعده ذَيْل ذيّله عليه ابن حجي ثم تابع بعده ابن قاضي شهبة . والقائل بهذا الرأي المؤرّخ العلامة الأستاذ محمد راغب الطبّاخ ، رحمه الله - . وقد جاء ذلك في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق في المجلد ١٨ : (٣٧٦ - ٣٧٧) . وللأمانة أثبته بحروفه : ((وصلني من عهد قريب الجزء الثالث عشر والجزء الرابع عشر من ((تاريخ البداية والنهاية)) للحافظ العلامة إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفّى سنة ( ٧٧٤ هـ )، فرأيته ذكر في آخر الجزء الرابع عشر ٦ مقدمة التحقيق حوادث سنة (٧٦٨ هـ ) إلى شهر ربيع الآخر ولم يعنون لها ، فعجبت لهذا لأني أعلم أن النسخة المخطوطة من هذا التاريخ المحفوظة في مكتبة المدرسة الأحمدية بحلب والتي هي في عشر مجلدات كبار تحت رقم ١٢١٧ قد انتهى التاسع منها الذي فيه الوفيات والحوادث إلى سنة ( ٧٣٨ هـ) وآخر العبارة فيه: كان فراغي من الانتقاء من تاريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وسبعمئة أحسن الله خاتمتها آمين ، إلى هنا انتهى ماكتبته من لدن خلق آدم - عليه وعلى نبينا أفضل الصَّلاة والسَّلام - إلى زماننا هذا. والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وتابعيهما بإحسان إلى يوم الدين . ثم هناك بخط آخر : يتلوه إن شاء الله الجزء الآخر ، وهو النهاية في أمور الآخرة آخر البداية في البَعْث والنشور ، والجزء العاشر يبتدئ بالملاحم والفتن في آخر الزمان وبعد التأمل في آخر الجزء الرابع عشر وجدته قال في نهاية حوادث سنة (٧٣٨ هـ ) كتبه : إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي عفا الله تعالى عنه آمين . وهنا كتب المصحح في الذيل : كذا بسائر الأصول . فهذا وذاك يفيدنا أن المؤلف قد انتهى تاريخه إلى هذه السنة ، ثم قال في الأصل المطبوع : ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمئة ، وأخذ في سرد حوادثها ووفياتها إلى أن ذكر بعض حوادث سنة ( ٧٦٨ هـ) كما تقدم ، وبها ختم الكتاب . فهذه السنين أي من سنة ( ٧٣٩ هـ ) إلى سنة ( ٧٦٨ هـ ) هي بلا ريب لغير الحافظ ابن كثير . الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير درّس التفسير إلى آخره ، وهنا قال المصحح : كذا بنسخ الآستانة ، وفي المصرية بياض نصف صحيفة من الأصل ، وهذا صريح في أنّ الكلام لغير الحافظ ابن كثير ، وسقط كلام في أوّل السّنة ، وعند ذلك أحببت أن أقف على مؤلف الذيل ، فأخذت في البحث فرأيت مكتوباً بخطي على هامش كشف الظنون في الكلام على هذا التاريخ ، انظر ماكتب في ذيل ذيول تذكرة الحفاظ الذي طبعه السيد حسام الدين القدسي في ص ( ٢٥٠)، فرجعت إليه ، فإذا هناك من تعليقات العلامة الفاضل الشيخ محمد زاهد الكوثري على ترجمة العلامة أحمد بن حجي المتوفى سنة (٨١٦ هـ) مانصّه : وكتب ذيلاً على تاريخ ابن كثير ، ذكر فيه حوادث الشهر ثم من توفيّ فيه ، وهو مفيد جداً قال الحافظ السخاوي في ((ضوئه)) (٢٧٠/١) يبتدئ من سنة (٧٤١ هـ) وينتهي إلى سنة (٨١٥ هـ) . قال ابن قاضي شهبة : كتب من سنة ( ٧٤١ هـ) ستاً ثم بدأ من سنة ( ٧٦٩ هـ) فكتب إلى قبيل وفاته بيسير ، وكان قد أوصى لي بتكميل الخرم المذكور فأكملته . ثم رجعت إلى ضوء السخاوي (١/ ٢٧٠) وإلى الشذرات (١١٧/٧) فوجدت الأمر كما قال . فهنا يتبين أن هذا الذيل من سنة (٧٣٩ هـ) إلى الآخر لا (٧٤١ هـ) بعضه لأحمد بن حجي ، وبعضه لابن ٧ مقدمة التحقيق قاضي شهبة ، وأن ابن حجي ذيّله من سنة (٧٦٩ هـ) إلى سنة (٨١٥ هـ) . وأن ابن قاضي شهبة ذيّله بعد ذلك إلى سنة ( ٨٤٠ هـ ) في سبع مجلدات كبار ، ثم اختصره في نحو نصفه . هذا ما ظهر لنا والله الموفق إلى الصواب)). انتهى . محمد راغب الطباخ القول الثاني : إنّ هذا الكتاب مع ما يُدَّعى أنّه ذيلٌ له هما لابن كثير ، والقائل به الأستاذ : محمد أحمد دهمان - رحمه الله - وذلك في مقال نشرته مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق المجلد ٢٠ (٩٠ - ٩٣) ردّاً على قول الأستاذ الطبّاخ السابق . وأنا مثبته بتمامه أيضاً لنقف على الرأيين معاً ، فبعد تلخيص لما جاء في المقال الأول يقول: ((وبعد دراستي لهذا الموضوع خرجت بنتيجتين : ١ - هو أن الحافظ ابن كثير انتهى تاريخه بحوادث سنة (٧٣٨ هـ ) وأنه توجد عدة نسخ خطية تنتهي بالسنة المذكورة . ٢ - أنّ المؤلف بعد أن وصل إلى هذه السنة في تاريخه ذيل عليه بعد مدة من سنة (٧٣٩ - ٧٧٤ هـ ) كما في النسخة المطبوعة ، وأن هذه الزيادة موجودة في بعض النسخ دون بعض ، وهي للحافظ ابن كثير بلا شك ولا ريب . أما أدّتي على الأمر الأول فهي : أولًا : النسخة الخطية الحلبية التي تكلم عنها الأستاذ الطباخ . ثانياً: النسخة التي نقل عنها عبد القادر النعيمي المتوفّى سنة (٩٢٧هـ) في كتابه (( تنبيه الطالب وإرشاد الدارس )» الذي تكلم فيه عن مدارس دمشق ومدرسيها ، فقد أخذ نصوص تاريخ ابن كثير التي تتعلق بموضوعه وجعلها في كتابه المذكور ، ولكننا نراه لا يذكر شيئاً من الزيادات التي بعد سنة ( ٧٣٨هـ ) وما تجدد من المدارس أو الحوادث بعد هذا التاريخ فبعضه ينقله من مصادر أخرى غير ابن كثير ، والبعض الآخر يهمله لعدم اطلاعه عليه مع أن في الزيادات التي بعد سنة ( ٧٣٨هـ ) مواد قيمة تتعلق بموضوع كتابه لا يستغنى عنها ، وفي هذا دليل على أن النسخة التي كان ينقل منها النعيمي خالية من الزيادات الموجودة في النسخة المطبوعة وهي كنسخة حلب المحفوظة في المدرسة الأحمدية . وأما أدلتي على الأمر الثاني ، وهو أن الزيادة لابن كثير نفسه فهي : أولًا : إن بعض تلاميذ المؤلف تصرّف في الكتاب حين يذكر المؤلف نفسه ، فإذا ذكر نفسه بالاسم الصريح وضع التلميذ للاسم ألقاب التعظيم ، فحينما قال المؤلف عن نفسه [ ص٣٢١ ] أنه في شوال حضر عماد الدين ابن كثير درس التفسير ، تصرف التلميذ في العبارة وقال : أنه في شوال حضر الشيخ العلامة الشيخ عماد الدين بن كثير ، وحينما يتكلم عن نفسه بضمير المتكلم يزيد تلميذه اسم شيخه ويبين أنه هو المراد في هذا الضمير كما في [ ص٢١٦ ] حينما يتكلم المؤلف عن نفسه في جامع المرجاني ٨ مقدمة التحقيق فيقول : وكنت أنا الخطيب [ يعني عماد الدين المصنف تغمده الله برحمته]. ولله الحمد والمنة . فما بين الحاصرتين ظاهر البداهة في أنه يراد به تفسير الضمير في : كنت أنا الخطيب ، وإن هذه الزيادة من أحد تلامذة المؤلف أو أحد أصدقائه (١)، وقد تكرر هذا التفسير مراراً ففي [ ص ٢٤٥ ] وفي يوم السبت عاشره - أي عاشر الشهر المتقدم ذكره وهو شعبان من سنة ( ٧٥٣هـ ) - اجتمعنا [يقول الشيخ عماد الدين بن كثير المصنف رحمه الله ] بالخليفة المعتضد بالله. و [ص٢٥٤ ] وصنف - يعني ابن تيمية - في ذلك مسألة مفردة وقفت عليها [ يعني الشيخ عماد الدين ابن كثير ] فرأيتها غاية الحسن . ثانياً: أنّ المؤلف يذكر عن نفسه أعمالًا وصفات لا تنطبق إلّ عليه، فيقول عن المِزّي والذَّهبي [ص١٩٠ ] شيخنا جمال الدّين المِزّي: وشيخنا الحافظ الذَّهبي. ويقول في [ ص ١٩٢ ] عن شيخه المزّي : أخبرتنا بنته زينب زوجتي. وحينما يذكر ابن تيمية يقول [ ص١٢٩] : شيخنا العلامة ابن تيمية ، أو زميله ابن القيّم تلميذ ابن تيمية [ص ٢٠٢، ٢٣٤ ] صاحبنا العلامة شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب الزُّرعي إمام الجوزية . وبعد أن يذكر وفاة الحافظ الذَّهبي [ ص٢٢٥ ] يقول: وفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة حضرت تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضاً عن الشيخ شمس الدّين الذّهبي ، وحضر جماعة من أعيان الفقهاء ، وبعض القضاة ، وكان درساً مشهوداً . وإذا رجعنا إلى ترجمة الحافظ ابن كثير نرى أن جميع هذه الصفات منطبقة عليه تمام الانطباق ، فما جاء في ترجمته في كتاب (( تنبيه الطالب)) للنُّعَيمي في بحث دار الحديث الأشرفية : صاهر الحافظ أبا الحجّاج المِزّي ولازمه ، وأخذ الكثير عن ابن تيمية ، وولي مشيخة تربة أم الصالح بعد الذهبي ، توفي سنة ( ٧٧٤هـ ) ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية ومثل ذلك في شذرات الذهب . على أن المؤلف صرح باسمه في موضعين آخرين مما لا يحتمل الشك ولا التأويل ففي [ ص ٣١٧] : ولما كان يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر أعني ربيع الآخر طُلب القضاة الثلاثة وجماعة من المفتين ، فمن ناحية الشافعي نائباه وهما القاضي شمس الدين الغزي والقاضي بدر الدين بن وهبة والشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني والمصنف عماد الدين بن كثير وووو ... فاجتمعت مع نائب السلطنة بالقاعة التي في صدر المكان وجلسنا حوله . وفي [ ص ٢٥٦ ] وقفت في شهر ذي القعدة على كتاب أرسله بعض الناس إلى صاحب له من بلاد طرابُلُس وفيه : والمخدوم يعرِّفُ الشيخ عماد الدّين بالذي جرى في بلاد السواحل . وبعد فهذه أَدلّة قاطعة (١) بل هو ابنه عبد الرحمن كما أشار السّخاوي - رحمه الله - وسيأتي ذلك عمّا قليل. ٩ مقدمة التحقيق على أن الذيل الذي في آخر تاريخ ابن كثير هو للمؤلف نفسه ، ويرجع الفضل في إظهار هذه الحقيقة إلى الأستاذ محمد راغب الطباخ الذي أبدى ملاحظاته القيمة في هذا الموضوع أولًاً . وبعد كتابة هذا المقال اطلع عليه الأستاذ يوسف العش فلفت نظري إلى كتاب (( إنباء الغمر )) لابن حجر وبعد الرجوع إليه إذا به يقول في خطبة الكتاب : هذا تعليق جمعت فيه حوادث الزَّمان الذي أدركته منذ مولدي [ ثلاث وسبعين وسبعمئة ] وهذا الكتاب يحسن من حيث الحوادث أن يكون ذيلاً على ذيل تاريخ الحافظ عماد الدين بن كثير فإنه انتهى في تاريخه إلى هذه السّنة . انتهى . وكلامه صريح ومؤيد لما ذهبنا إليه ، وهو يفيدنا بأن النّسخة المطبوعة من تاريخ ابن كثير ينقص من آخرها حوادث خمس سنوات » . انتهى محمد أحمد دهمان وبعد : فلقد وفقني الله - سبحانه وتعالى - إلى تحقيق وإخراج كتاب: (( الذيل التام لتاريخ دول الإسلام)) للإمام الحافظ المؤرخ شمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفّى سنة ( ٩٠٢هـ ) - رحمه الله -، وكل اعتقادي أن أحداً من الذين كتبوا حول هذه النقطه له يطّلع على ما قاله السّخاوي في كتابه هذا ، وإلّ فإنَّ ما جاء فيه جدير بالوقوف عنده والإشارة إليه . ولقد تزامن إخراجي لهذا الكتاب مع عملي في تحقيق الجزء السادس عشر من (« البداية والنهاية)) وهذا من فضل ربي وتوفيقه . وممّا لفت انتباهي كثرة نقول السّخاوي عن ابن كثير ، فوقفت أستقرئ هذه النقول وأوازن بينها وبين ما قيل عن ذيل تاريخ ابن كثير فوصلت إلى ما يلي : أولاً: لقرب عهد السّخاوي من ابن كثير ولكونه تلميذاً لابن حجر صاحب ((إنباء الغمر)) الذي اعتبر كتابه ذيلاً لكتاب ابن كثير ، ولقرب عهده من أحمد بن حجّي وابن قاضي شهبه الّذين نُسب إليهما الذّيل، ولكون كتاب ابن كثير من مصادر السّخاوي الرئيسَة ، كان من الممكن ، بل ومن المؤكد أن يشير إلى هذه النقطة الخلافية في عزو الذّيل لو كان هذا الأمر واقعاً ، إلّا أنه لم يفعل . ثانياً : لقد كانت نُقُوله عن ابن كثير حرفيَّة ، أضع بعضاً منها للاستئناس . - ففي سنة ( ٧٤٥هـ ) وفي الصفحة (٦٩) يقول السخاوي في مسألة قتل الكلاب في دمشق ، قال ابن كثير: ((وكان الأولى قتلهم بالكلّية ثم أحرقوا ... )). - وفي سنة ( ٧٤٩هـ) ص (٩٧) قال السخاوي لدى حديثه عن طاعون القاهرة : قال ابن كثير : ((المكثر يقول: ثلاثون، والمقلِّلُ يقول: أحد عشر .... )). ١٠ مقدمة التحقيق - وفي سنة ( ٧٥٠هـ) ص (١٠٨) قال السخاوي في معرض حديثه عن مقتل أرغون شاه : قال ابن كثير: ((إنّه أُثبتَ محضرٌ بذبحه نفسه )). - وفي سنة ( ٧٥١هـ) ص (١١٦) يقول في معرض ترجمته للشمس ابن قيم الجوزية : قال ابن كثير : (( لا أعرف فى زماننا من أهل العلم أكثر عبادة منه)) . - وفي سنة ( ٧٥٣هـ ) ص (١٢٧) يقول في معرض حديثه عن الخليفة المعتضد بالله : قال ابن كثير : (( شابُ حسن الشكل ، مليحُ الكلام ، متواضعٌ ، جيد الفهم ، حلو العبارة)). - وفي السنة نفسها ص (١٣٠) يقول: قال الحافظ العماد ابن كثير: ((إنه اجتمع بالمعتضد حين كان مع الصّالح في كائنة بَيْبُغَا أُروس بدمشق ، وهو الخليفة فيها وإنّه حج في التي قبلها وعاد إلى مصرَ سريعاً بسبب الخلاف )) . - وفي سنة ( ٧٦٢هـ) ص (١٨٢) يقول: وحكى ابن كثير محرّمها أنه أُحضر حسن بن الخياط ... )) ونقل الخبر كاملا عنه . - وفي سنة ( ٧٦٨هـ) ص (٢١٩) يقول: وكذا قال ابن كثير في ذلك أبياتاً . - وفي سنة ( ٧٦٩هـ) ص (٢٢٧) يقول لدى حديثه عن الطاعون : قال ابن كثير . وفيها أيضاً ولدى ترجمته للعلامة النحوي ابن عقيل - رحمه الله - يقول: قال ابن كثير: ((أحد علماء الشَّافعية والعربية بمصر ، وذو التصانيف الكثيرة المفيدة وكانت فيه رئاسة وحشمة وتجمُّل ، وله جوامك كثيرة ، وتوسُّع في الملابس والمآكل ، وحجّ رجبيّاً في التي قبلها ، وكان بمكة في هيئته ونفقاته)) . - وفي سنة ( ٧٧٣هـ) ص (٢٥٢) ولدى حديثه عن تولية الخطيب برهان الدين بن جماعة قضاء الشّافعية بمصر قال : قال ابن كثير : (( وما سمعنا في هذه الأعصار بولاية أكمل منها ولا أبعد عن تهمة الرّشوة)) وفيها أيضاً، ولدى ترجمته للبهاء أبي حامد أحمد بن علي بن عبد الكافي السُّبكي قال: قال ابن كثير: (( كان قانتاً عابداً كثير الحج )) . - وفي أحداث سنة ( ٧٧٤هـ) أشار إلى انتهاء كتاب ((الوفيات)) لابن رافع في جمادى الثانية ، ثم قال : وفي أثناء شعبانها - أي سنة ٧٧٤ هـ ـ انتهى تاريخ العماد بن كثير ، وكان حين ضرره وضعفه يملي فيه على ولده عبد الرحمن . بعد هذا الاستقراء نستنتج أن النسخة التي اعتمدها السخاوي من كتاب (( البداية والنهاية )) تنتهي إلى شعبان سنة ( ٧٧٤هـ) لا كما هو متوهم إلى سنة ( ٧٦٨هـ) فضلاً عما يقال عن انتهائه سنة ( ٧٣٨هـ). ١١ مقدمة التحقيق - والآن .... لو أضفنا هذه الأدلة إلى ما قدّمه الأستاذ محمد أحمد دهمان - رحمه الله - لقطعنا بما يشبه اليقين بأن الكتاب كلَّه لابن كثير ، بل ونحن الآن ننتظر الوقوع على القسم المفقود في مكان ما ، كي يُلحق الفرع بالأصل ، ويقطع الشك باليقين . والله الهادي إلى الصواب . وأخيراً : كل الشكر إلى دار ابن كثير العامرة التي عملت على إخراج هذا الكتاب القيم ، وأعطته كل ما هو أهلٌ له من العناية وللعاملين فيه من الرعاية ، ولما لها من باع طويل في خدمة تراثنا المجيد ، لربط الحاضر الزاهر بالماضي المشرق الباهر ، نفعهم الله وأثابهم في الدارين . والله أسألُ أن يوفقنا إلى أحسن الأعمال ، وأن يختم لنا بالحسنى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . حسن إسماعيل مَرْوة دمشق الشام - معربا الجمعة ٢٧ رجب المعظم ١٤١٢ هـ ٣١ كانون الثاني ١٩٩٢ م ١٣ أحداث سنة ٧٠١ هـ ثم دخلت سنة إحدى وسبعمئة دمشق استُهِلَّت والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها ، والأمير سيف الدين سلاّر(١) بالشام، والأفرم نائب (٢) وفي أولها عُزل الأمير قَطْلُبَك(٣) عن نيابة البلاد السّاحلية، وتولّها الأمير سيف الدين أسَنْدَمُر(٤) وعزل عن وزارة مصر شمس الدين الأعسر(٥) وتولّى سيف الدين أقبجا المنصوري(٦) نيابة غزّة ، وجعل عوضه بالقلعة الأمير سيف الدين بهادر السَُّجري(٢) ، وهو من الرَّحبة. وفي صفر : رجعت رسل ملك التتر من مصرَ إلى دمشقَ فتلقّاهم نائبُ السلطنة والجيشُ والعامة . وفي نصف صفر ولي تدريس النورية(٨) الشيخ صدر الدين علي البُصراوي الحنفي عوضاً عن الشيخ ولي الدين السمر قندي ، وإنما كان وَلِيَها ستةَ أيام ، ودرَّس بها أربعة دروس بعد بني الصدر سليمان ، الذي توفي وكان من كبار الصالحين ، يصلّي كل يوم مئة ركعة . وفي يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الأول جلس قاضي القضاة وخطيب الخطباء بدر الدين بن جماعة بالخانقاه السُّميساطيةُ(٩) شيخ الشيوخ بها عن طلب الصوفية له في ذلكٌ(١٠) ، ورغبتهم فيه ، وذلك بعد وفاة الشيخ يوسف بن حمويه الحموييُ(١١) . وفرحت الصوفية به وجلسوا حوله ، ولم تجتمع هذه المناصب (١) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٠هـ . في ب ، وط : ونائب دمشق الأفرم . وهو جمال الدين آقوش ، وستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٩هـ . (٢) (٣) أحد مماليك المنصور ، ولي عدّة مناصب، ثم سُجنَ بأَخَرة وقتل سنة ٧١٦هـ ترجمته في الدرر الكامنة: (٢٥٢/٣ - ٢٥٣) . سيأتي في وفيات سنة ٧١١هـ . (٤) هو سنقر المنصوري ، أحد الأمراء المماليك ، وستأتي ترجمته في وفيات ٧٠٩هـ . ( ٥) ولي غزة نقلاً من الأستادارية بدمشق، توفي سنة ٧١٠ هـ الدُّرر الكامنة (٣٩٣/١). (٦) في ط ، السيجري ، وفي الدرر الكامنة (٤٩٨/١): الشجري، وهو تصحيف، توفي سنة ٧٣٣هـ. والرّحبة: (١) قرية من قرى دمشق خربت . معجم البلدان ( رحبة ) . ((النورية)): هي المدرسة النورية الكبرى ، أنشأها الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي، ولا تزال عامرة إلى (٨) أيامنا في سوق الخياطين في دمشق . الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٦٥١). (٩) (( السُّمَيْسَاطِيَّة)): بمهملات مصغرة، نسبة للسُّمَيْساطي أبي القاسم علي بن محمد بن يحيى السلمي الحبشي. الدارس (١٥٦/٢ ). (١٠) في ط : بذلك . (١١) هو: يوسف بن أبي بكر بن محمد بن عثمان. الدرر (٤/ ٤٨٢). ١٤ أحداث سنة ٧٠١هـ قبله لغيره(١)، ولا بلغنا أنّها اجتمعت لأحد بعده إلى زماننا هذا: القضاءُ والخطابةُ ومَشْيَخَةُ الشُّيوخُ(٢). وفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول قُتِلَ الفَتْحُ أحمد بن البَقَقِيُ(٣) بالدِّيار المصرية ، حكم فيه القاضي زين الدين بن مخلوف المالكي بما ثبت عنده من تنقُّصه(٤) للشريعة واستهزائه بالآيات المحكمات ، ومعارضة المشتبهات بعضها ببعض . يُذكر عنه أنّه كان يُحِلُّ المحرّمات من اللواط والخمر وغير ذلك، لمن كان يجتمع به(٥) من الفَسَقة من التُّرك وغيرهم من الجهلة . هذا وقد كان له فضيلة وله اشتغال وهيئة جميلة في الظاهر ، وبِزَّته ولبسته جيدة ، ولما أوقف عند شباك دار الحديث الكاملية (٦) بين القَصْرَيْن استعال (٧) بالقاضي تقي الدين بن دقيق العيد وقال: ما تعرف مني؟ فقال: [ إنما ]٨) أعرف منك الفضيلة ، ولكن حكمك إلى القاضي زين الدين ، فأمر القاضي للوالي أن يضرب عنقَه. فضُرِب عُنقُه وطِيف برأسه في البلد ، ونوديَ عليه : هذا جزاء من طعن في الله ورسوله . قال البرزالي في ((تاريخه)(٩) : وفي وسط شهر ربيع الأول ورد كتابٌ من بلاد حماةً من جهة قاضيها يخبر فيه أنّه وقع في هذه الأيام ببارِيْنُ(١٠) من عمل حماة بَرَدُ كِبار على صُور حيوانات مختلفة شتّى ؛ سباع وحَيّاتٍ وعقاربَ وطيورٍ ومَعَزٍ ونساءٍ، ورجالٍ في أوساطهم حَوَائصُ (١١)، وأن ذلك ثبت بمحضر عند قاضي الناحية ، ثم نُقُل ثبوتُه إلى قاضي حماة . (١) في ط : لغيره قبله . زاد الناسخ في المتن هنا قوله : (٢ ) قلت : قد اجتمعت بعد موت المؤلف لجماعة منهم برهان الدين بن جماعة ، وبعده شرف الدين وعلاء الدين بن أبي البقاء ، وشهاب الدين الباعوني ، وقبله ابن القرشي شهاب الدين وشمس الدين الإخنائي ، وشهاب الدين بن حجي ، وغير هؤلاء تولوا هذه الوظائف على قاعدة بدر الدين بن جماعة. وكذلك في الدارس (٢/ ١٥٦). في ط: ((الثقفي))، محرف، وما أثبتناه هو الصواب، قيده الذهبي في المشتبه فقال: ((الثقفي كثير، بالموحدة (٣) وقافين : مجد الدين ... ابن البققي الحموي ... ونسيبه فتح الدين أحمد بن البققي الذي قتل على الزندقة سنة ١٧٠١ وينظر تبصير المنتبه لابن حجر ٢٢٨/١ -٢٢٩، وتوضيح ابن ناصر الدين ١/ (بشار). (8) في ط : تنقيصه . في ط : فيه . ( ٥) (( الكاملية)): دار حديث في مصر بناها الملك الكامل الأيوبي، أبو المعالي مات سنة ٦٣٥ هـ ، ترجمته في وفيات (٦) الأعيان ( ٨١/٥) . في ط : استغاث. وابن دقيق العيد ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٠٢هـ . (١) (٨) سقطت من ط . (٩) علم الدين البرزالي ، هو القاسم بن محمد ، نقل ابن كثير عنه تاريخه الذي ذيل به على تاريخ أبي شامة . وستأتي ترجمته في وفيات ٧٣٩هـ ، وتاريخه مخطوط ، منه نسخة في إستانبول ، وحقق القسم الثاني منه الدكتور معن سعدون العيفان ، نال به رتبة الدكتوراه . (١٠) قال ياقوت: والعامّةُ تقول: بعرين. مدينة حسنة بين حلب وحماة من جهة الغرب. (١١) ((الحوائص)): ج حِيّاصة بالكسر، سَيْرٌ يشدُّ به حزام السَّرج، وقد استعمل في كل ما يَشُدُّ به الإنسان حَقْوَه . = ١٥ أحداث سنة ٧٠١هـ وفي يوم الثلاثاء عاشر ربيع الآخر شُنِقَ الشيخُ علي الحوراني(١) بوّاب الظاهرية على بابها ، وذلك أنه اعترف بقتل الشيخ زين الدّين السَّمر قندي . وفي النصف منه حضر القاضي بدر الدين بن جماعة تدريس الناصرية الجوّانية عوضاً عن كمال الدين ابن الشُّريشي(٢) ، وذلك أنّه ثبت محضر أنّها لقاضي الشافعية بدمشق ، فانتزعها من يد ابن الشريشي. وفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى قدم الصدر علاء الدين بن شرف الدين بن القلانسي (٣) على أهله من بلاد التتر بعد الأسر(٤) سنتين وأياماً، وقد حبس مدَّةً ثم لطف الله به وتلطّف حتى تخلَّص منهم ورجع إلى أهله ، ففرحوا به . وفي سادس جمادى الآخرة قَدِم البريدُ من القاهرة ، وأخبر بوفاة أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله العباسي ، وأن ولده ولِيَ الخلافةَ من بعده ، وهو أبو الربيع سليمان ، ولقب بالمستكفي بالله ، وأنه حضر جنازته الناسُ كلُّهُم مُشاةً ، ودُفن بالقرب من الست نفيسة ، وله أربعون سنة في الخلافة . وقدم مع البريد تقليد بالقضاء لشمس الدين [ بن ٣°) الحريري الحنفي ، ونظر الدواوين الشرف الدین بن مزهر (٦) واستمرت الخاتونية الجوانية(١) بيد القاضي جلال الدين بن حسام الدين بإذن نائب السلطنة . وفي يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة خُطب للخليفة المستكفى بالله وتُرُجُّم على والده بجامع دمشق ، وأعيدت الناصرية إلى ابن الشريشي. [ وعزل عنها ابن جَماعة ١٣) ودرَّس بها يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الآخرة . وفي شوال قدم إلى الشام جَرادٌ عظيم أكل الزرع والثمار ، وجرّد الأشجار حتى صارت مثل العِصِي ، ولم يُعهَد مثل هذا . وفي هذا الشهر عُقد مجلس لليهود الخيابرة وأُلزِموا بأداء الجزية أُسْوةَ أمثالِهم من اليهود ، فأحضروا كتاباً معهم يزعمون أنّه من رسول الله وَّة بوضع الجزية عنهم، فلما وقف عليه الفقهاء تبيّنوا أنّه مكذوبٌ شاميّة . التاج ( حوص ) . في ط : الحويزالي، وكذلك هو في الدارس: (٤٥٩/١). سيأتي في وفيات سنة ٧١٨هـ . هو علي بن محمد بن محمد بن نصر الله . سيأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٣٦هـ . 1 في ط : من التتر بعد أسر . هو : قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عثمان ، وسيأتي في وفيات سنة ٧٢٨هـ . هو : يعقوب بن مظفر بن مزهر ، وسيأتي في وفيات سنة ٧١٤هـ . مدرسة أنشأتها خاتون بنت معين الدين أنر ، زوج نور الدين محمود بن زنكي. الدارس (٣٨٨/١) وما بعدها . أ) زيادة في ط . ١٦ أحداث سنة ٧٠١ هـ مفتعل لِمَا فيه من الألفاظ الركيكة ، والتواريخ المخبطة ، واللّحن الفاحش، وحافَقَهُم عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وبيَّنَ لهم خطأهم وكذبهم ، وأنه مزوَّر مَكْذوب ، فأنابوا إلى أداء الجزية ، وخافوا من أن تُستعاد منهم السِنُونَ(١) الماضية . قلت : وقد وقفت أنا على هذا الكتاب فرأيت فيه شهادة سعد بن معاذ عام خيبر ، وقد توفي سعدٌ قبل ذلك ، وشهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم إذ ذاك، وإنما أسلم بعد ذلك(٢) بنحوٍ من سنتين : وفيه : ( وكتب علي بن أبي طالب ) وفيه (٣) لحن لا يصدر عن أمير المؤمنين علي ، لأن علم النحو إنما أُسند إليه من طريق أبي الأسود الدؤلي عنه ، وقد جمعت فيه جزءاً مفرداً ، وذكرت ما جرى فيه أيام القاضي الماوردي(٤)، وكبار أصحابنا في ذلك العصر، وقد ذكره في ((الحاوي)) وصاحب ((الشامل)(٥) في كتابه ، وغير واحد ، وبيَّنوا خطأه ولله الحمدُ والِمِنَّةُ . وفي هذا الشهر ثار جماعة من الحَسَدة على الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وشَكَوا منه أنه يقيم الحدود ويُعزِّر ، ويَحلق رؤوس الصبيان ، وتكلّم هو أيضاً فيمن يشكو منه ذلك ، وبيَّن خطأهم ، ثم سكنت الأمور . وفي ذي القعدة ضربت البشائر بقلعة دمشق أياماً بسبب فتح أماكن من بلاد سِيْس(٦) عَنْوة ، فتحها المسلمون ، ولله الحمد . وفيه قدم عِزُّ الدين بن مبشر(٧) على نظر الدواوين عوضاً عن ابن مزهر . وفي يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة حضر عبد السيد بن المهذب ديَّان اليهود إلى دار العدل ومعه أولاده فأسلموا كلهم ، فأكرمهم نائب السلطنة ، وأمر أن يركب بخِلْعة وخلفه الدَّبَادِب(٨) تضرب والبوقات إلى داره ، وعمل ليلتئذ خَتْمة عظيمة حضرها القضاةُ والعلماء ، وأسلم على يديه جماعة كبيرة من اليهود ، وخرجوا يوم العيد كلّهم يكبّرون مع المسلمين ، وأكرمهم الناس إكراماً زائداً . (١) في ط : الشئون . وهو تصحيف . (٢) سقطت من ط . في ط : ( أبو طالب ) وهذا لحن . (٣) هو القاضي علي بن محمد بن حبيب البصري توفي سنة ( ٤٥٠ هـ ) في بغداد ، ونسبته إلى بيع الماورد ، وفيات (٤) الأعيان ( ٣/ ٢٨٢) . (٥) الحاوي للقاضي الماوردي المذكور ، والشّامل لأبي نصر عبد السيد بن محمد المعروف بابن الصبّاغ، مات سنة (٤٧٧ هـ). انظر الوفيات (٢١٧/٣) وكشف الظنون (١٠٢٥/٢). (( سيس)) : أعظم مدن الثغور بين إنطاكية وطرسوس ، ياقوت ( سيس ) . (٦) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧١٦هـ . وهو في الدرر الميسر . (٧) ((الدبادب)) : الطبول . (٨) ١٧ وفيات سنة ٧٠١ هـ - خلافة المستكفي بالله وقدمت رُسُلُ ملِك التتار في سابع عشر ذي الحجّة ، فنزلوا بالقلعة ، وسافروا إلى القاهرة بعد ثلاثة أيام . وبعد مسيرهم بيومين مات أرجواش (١) ، وبعد موته بيومين قَدِم الجيشُ من بلاد سِيْس وقد فتحوا جانباً منها ، فخرج نائب السلطنة والجيشُ لتلقِّيهم ، وخرج الناس للفُرجة على العادة ، وفرحوا بقدومهم ونصرهم . وممن توفي فيها من الأعيان : أمير المؤمنين الخليفة الحاكم بأمر الله : أبو العباس أحمد بن (بن أبي علي بن أبي بكر ابن(٢) المسترشد بالله الهاشمي العباسي البغدادي المصري(٣) ، بويع بالخلافة في الدولة الظاهرية في أول سنة إحدى وستين وستمئة ، فاستكمل أربعين سنة في الخلافة . وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى . وصُلّ عليه وقت صلاة العصر بسوق الخيل بمصر ، وحضر جنازته الأعيان ورجال الدولة كلّهم مشاةً . وكان قد عهد بالخلافة إلى ولده المذكور أبي الربيع سليمان . خلافة المستكفى بالله(٤) أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله العباسي لما عهد إليه أبوه كُتب تقليده بذلك وقُرئ بحضرة السلطان ورجال الدولة يوم الأحد العشرين من ذي الحجّة من هذه السنة ، وخُطب له على المنابر بالديار المصرية والشامية ، وسارت بذلك البريدية إلى جميع البلاد الإسلامية . وتوفي فيها : الأمير عز الدين أيبك بن عبد الله النجيبي الدوادار(٥) : والي دمشق، وأحد أمراء الطبلخانة(٦) بها ، وكان مشكور السيرة ، ولم تطل مدته ، ودفن بقاسيون . (١) في ط: أرجواس، بالسّين المهملة، انظر ((العبر)) (٣٩٢/٥) والدرر: (٣٤٩/١). (٢) ما بين الحاصرتين إضافة من مصادر ترجمته لا يصح إلا به ( بشار ) . ترجمته في فوات الوفيات (٦٨/١) والدرر الكامنة (١١٩/١) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (ص ٧٦٠) وبدائع الزهور (٣) (٤١٠/١) والشذرات (٢/٦). (٤) النجوم الزاهرة ( ١٦٩/١٠) وتاريخ الخلفاء ( ٧٦٩ ) . (٥) ترجمته في الدرر الكامنة (٤٢٣/١). والدويدار والدوادار ، اسم فارسيّ مركب من لفظين ، أحدهما عربي وهو الدواة ، والثاني دار ومعناه ممسك . ومعناه : الذي يمسك الدواة بين يدي السُّلطان، ويتولّى أمرها ، وما يلحق ذلك، نحو تبليغ الرسائل ، وتقديم القصص ، والمشورة والبريد للسلطان . التعريف بمصطلحات صبح الأعشى ( ص١٣٩) . (٦) (( الطبلخانة)): فارسية معناها فرقة الموسيقى السلطانية ، أو بيت الطّبل . ١٨ وفيات سنة ٧٠١هـ توفي يوم الثلاثاء سادس عشر ربيع الأول . الشيخُ الإمام العالم شرف الدين أبو الحسين ، علي (١) : ابن الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الفقيه تقي الدين ، أبي عبد الله ، محمد بن الشيخ أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن محمد الْيُوْنِيني البَعْلَبَكّي ، وكان أكبر من أخيه الشيخ قطب الدين(٢) بن الشيخ الفقيه . ولد شرف الدين سنة إحدى وعشرين وستمئة فأسمعه أبوه الكثير ، وتفقّه واشتغل ، وكان عابداً عاملاً كثير الخشوع ، دخل عليه إنسان وهو بخزانة الكتب ، فجعل يضربه بعصا في رأسه ثم بسكين ، فبقي متمرّضاً أياماً ، ثم توفي إلى رحمة الله يوم الخميس حادي عشر رمضان ببعْلَبَك ، ودفن بباب بطحا ، وتأسف الناس عليه لعلمه ، وعمله ، وحفظه الأحاديث ، وتودُّدِه إلى الناس ، وتواضعه ، وحسن سَمْته ، ومروءته . تغمده الله برحمته . الصدر ضياء الدين أحمد بن الحسين (٣) ابن شيخ السلامية: والد القاضي قطب الدين موسى(٤) الذي تولى فيما بعد نظر الجيش بالشام وبمصر أيضاً ، توفي يوم الثلاثاء عشرين ذي القعدة ، ودفن بقاسيون ، وعمل عزاؤه بالرواحية . الأمير الكبير المرابط المجاهد علم الدين أَرْجَوَاش بن عبد الله المنصوري(٥) : نائب القلعة بالشام ، كان ذا هيبة وهمة وشهامة وقصد صالح ، قدَّر الله على يديه حفظ معقل المسلمين لما ملكت التتار الشام أيام قازان ، وعصت عليهم القلعة ، ومَنَعَها الله منهم على يدَي هذا الرجل ، فإنه التزم أن لا يسلمها إليها ما دام بها عين تطرف ، واقتدت بها بقية القلاع الشامية (٦) . وكانت وفاته بالقلعة ليلة السبت الثاني والعشرين من ذي الحجّة ، وأُخرِج منها ضحوةً يوم السبت ، فصُليّ عليه ، وحضر نائبُ السلطنة فمَن دونه جنازته ، ثم حُمل إلى سفح قاسيون ، ودفن بتربته . رحمه الله . الأَبَرْقُوْهِي المُسْند المعمَّر المصري : هو الشيخ الجليل المسند الرحلة ، بقيةُ السلَف شهاب الدين (١) ترجمته في الدرر الكامنة (٩٨/٣) والنجوم الزاهرة (١٩٨/٨) والشذرات (٣/٦). (( واليونيني)): نسبة إلى قرية في بعلبك، يقال لها يُؤْنان. القاموس المحيط ( يون). هو : موسى بن محمد بن أبي الحسين أحمد اليونيني البعلبكي وسيأتي في وفيات سنة ( ٧٢٦هـ). (٢) ترجمته في الدرر الكامنة (١٢٤/١) وفيه : أحمد بن الحسين بن بدر بن أحمد بن شيخ السّلامية . (٣) هو : موسى بن أحمد . سيأتي في وفيات سنة ٧٢٣هـ . (٤) ترجمته في الدرر الكامنة (٣٤٩/١) والنجوم الزاهرة (١٩٨/٨). وهو: سَنْجَر ويعرف بأرجواش. (٥) (٦) الخبر في النجوم الزاهرة (١٩٨/٨). ١٩ أحداث سنة ٧٠٢ هـ أبو المعالي أحمد بن إسحاق(١) بن محمد بن المؤيد بن علي بن إسماعيل بن أبي طالب ، الأَبَرْقُوْهي الهَمْداني ثم المصري . وُلِد بأَبَرْقُوه من بلاد شيراز في رجب أو شعبان سنة خمس عشرة وستمئة ، وسمع الكثير من الحديث على المشايخ الكثيرين ، وخرجت له مشيخات ، وكان شيخاً حسناً لطيفاً مطيقاً ، توفي بمكة بعد أن خرج الحجيج بأربعة أيام رحمه الله . وفيها توفي صاحب مكة الشريف أبو نُمَي محمد(٢) ابن الأمير أبي سعد حسن بن علي بن قتادة الحسني : صاحب مكة منذ أربعين سنة . وكان حليماً وقوراً ، ذا رأي وسياسة وعقل ومروءة . وفيها ولد كاتبه (٣) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصروي(٤) الشافعي عفا الله عنه ، والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة اثنتين وسبعمئة من الهجرة استهلت(٥) والحُكَّام هم المذكورون في التي قبلها . وفي يوم الأربعاء ثاني صفر فُتحت جزيرة أرواد بالقرب من أنطرسوس(٦) ، وكانت من أضر الأماكن على أهل السواحل ، فجاءتها المراكب من الديار المصرية في البحر وأردفها جيوش طرابلس ، ففُتحت ولله الحمد إلى نصف النهار ، وقتلوا من أهلها قريباً من ألفين، وكانت الأسرى قريباً من خمسمئة (٧) ، وكان فتحها من تمام فتح السواحل ، وأراح الله المسلمين من شر أهلها . وفي يوم الخميس السابع عشر من شهر صفر وصل البريد [ من الديار المصرية }(٨) إلى دمشق ، فأخبر بوفاة قاضي القضاة ابن دَقِيْق العِيْد ، ومعه كتابٌ من السلطان إلى قاضي القضاة ابن جَماعةُ(٩) ، فيه تعظيم له واحترام وإكرام ، يستدعيه إلى قربه ليباشر وظيفة القضاة بمصر على عادته ، فتهيأ لذلك ، ولما خرج ، ترجمته في الدرر الكامنة (١٠٣/١) وشذرات الذهب (٤/٦) والأعلام (٩٦/١). (١) ترجمته في الدرر الكامنة (٤٢٢/٣ -٤٢٣) وشذرات الذهب (٢/٦) والنجوم الزاهرة (١٩٩/٨) والأعلام (٨٦/٦). (٢) (٣) أي كاتب هذا الكتاب - رحمه الله - . (٤) في ط : المصري ، وهو سهو . زاد في ب : استهلت والخليفة المستكفي بالله أمير المؤمنين ابن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد العباس ، وسلطان (٥) البلاد الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون الصالح ، ونائب مصر سيف الدين سلار ، ونائب دمشق جمال الدين آقوش الأفرم ، وقضاة مصر والشام هم المتقدم ذكرهم كما سلف ، والله أعلم . ((أنطرسوس)): هي طرَطوس اليوم ، وأرواد : جزيرة قبالة ساحل طرَطوس في سورية . (٦) في ط : وأسروا قريباً . وزاد في ب : ودقّت البشائر بدمشق ثلاث أيام سروراً وفرحاً . (٧) (٨) زيادة في ب . في ب : قاضي القضاة بالشام بدر الدين بن جماعة . (٩) ٢٠ أحداث سنة ٧٠٢هـ خرج معه نائب السلطنة [ الأفْرم]١) وأهل الحَلّ والعقد، وأعيان الناس ليودِّعوه . وستأتي ترجمة ابن دقيق العيد في الوفيات . ولما وصل ابن جَماعة إلى مصر أكرمه السلطان إكراماً زائدا٢ً) ، وخلع عليه خلعة صوف وبغلةً تساوي ثلاثة آلاف درهم ، وباشر الحكم بمصر يوم السبت رابع ربيع الأول . ووصلت رسل التتار في أواخر ربيع الأول قاصدين بلاد مصر ، وباشر الشيخ (٣) شرف الدين الفزاري مشيخة دار الحديث الظاهرية (٤) يوم الخميس ثامن ربيع الآخر عوضاً عن الشيخ (٥) شرف الدين الناسخ ، وهو أبو حفص عمر بن محمد بن عمر بن حسن بن خواجا إمام ، الفارسي ، توفي بها عن سبعين سنة ، وكان فيه بِرٌّ ومعروف وأخلاق حسنة . رحمه الله تعالى . وذكر الشيخ شرف الدين المذكور درساً مفيداً ، وحضر عنده جماعة من الأعيان . وفي يوم الجمعة حادي عشر٦) جمادى الأولى خلع على قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى(٧) بقضاء الشام عوضاً عن ابن جَمَاعة. وعلى الفارقي(٨) بالخطابة . وعلى الأمير ركن الدين بيبرس التِلاَويُ(٩) بشدِّ الدواوين وهنّأهم الناس . وحضر نائب السلطنة والأعيان المقصورة لسماع الخطبة . وقُرىء تقليد ابن صَصْرَى بعد الصلاة ، ثم جلس في الشباك الكمالي وقُرىء تقليدُه مرةً ثانية . وفي جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطنة كتابٌ مزوَّر فيه أن الشيخ تقي الدين بن تيميةٌ( ١٠) والقاضي شمس الدين بن الحريريُ(١١) وجماعة من الأمراء والخواص بباب السلطنة يناصحون التتر(١٢)، ويريدون تولية قبجق (١٣) على الشام، وأن الشيخ كمال الدين بن (١) زيادة في ط . في ب : كبيراً وستأتي ترجمة ابن جماعة في وفيات سنة ٧٣٣هـ . (٢) (٣) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٠٥هـ . هي المدرسة الظاهرية الجوانية. الدارس (١/ ٣٥٧). (٤) ترجمته في الدرر الكامنة ( ١٨٩/٣) والدارس (٣٥٧/١ و٨٣/٢). (٥) (٦) في ب : الحادي والعشرين . ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٢٣هـ . (٧) ستأتي ترجمته في وفيات سنة ٧٠٣هـ . (٨) في ط : العلائي. وهو وهم، فالعلائي غيره ، ناب بغزة ، ثم بحمص ، وتوفي سنة ٧١٢هـ أما التلاوي فهو الذي (٩) كان شادّ الدواوين بدمشق وتوفي سنة ٧٠٣هـ. الدرر الكامنة (٥٠٨/١ ). (١٠) سيأتي في وفيات سنة ٧٢٨هـ. (١١) سبق ذكره في أول أخبار سنة ٧٠١هـ. (١٢) زاد في ط : ويكاتبوهم. (١٣) قبجق نائب حلب .