Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
وفيات سنة ٦٧٢ هـ
الأمير الكبير فارس(١) الدين أقطايُ(٢) المُسْتَعْرِب أتابك الديار المصرية.
كان أولًا مملوكاً لابن يمن (٣) ، ثم صار مملوكاً للصالح أيوب فأمره ، ثم عظم شأنه في دولة المظفر
وصار أتابك العساكر ، فلما قتل امتدت أطماع الأمراء إلى المملكة فبايع أقطاي الملك الظاهر فتبعه الجيش
على ذلك ، وكان الظاهر يعرفها له ولا ينساها ، ثم قبل وفاته بقليل انهضم عند الظاهر ، ومات في هذه
السنة بالقاهرة .
الشيخ عبد الله بن غانم(٤) بن علي بن إبراهيم بن عساكر بن الحسين المقدسي .
له زاوية بنابلس ، وله أشعار رائقة ، وكلام قوي في علم التصوف ، وقد طوَّل اليونيني ترجمته وأورد
من أشعاره شيئاً كثيرا٥ً) .
قاضي القضاة كمال الدين(٦) أبو الفتح عمر بن بُنْدار(٧) بن عمر بن علي التفليسي الشافعي .
ولد بتفليس(٨) سنة إحدى وستمئة ، وكان فاضلاً أصولياً مناظراً، ولي نيابة الحكم مدة ثم استقلّ
بالقضاء في دولة هلاوون - هولاكو - وكان عفيفاً نزهاً لم يرد منصباً ولا تدريساً مع كثرة عياله وقلّة ماله ،
ولما انقضت أيامهم تَغَضَّبَ عليه بعضُ الناس ثم أُلزم بالمسير إلى القاهرة ، فأقام بها يُفيد الناس إلى أن
توفي في ربيع الأول من هذه السنة ، ودفن بالقرافة الصغرى .
إسماعيل بن إبراهيم بن شاكر(٩) بن عبد الله التَّنوخي ، وتَنوخُ من قُضاعة .
(١) ترجمة - أقطاي ـ في ذيل مرآة الزمان (٥٤/٣ - ٤٨) وتاريخ الإسلام (٢٣٦/١٥) والعبر (٢٩٧/٥) والإشارة
(٣٦٦) والوافي بالوفيات (٣١٨/٩) والنجوم الزاهرة (٢٤٢/٧) وشذرات الذهب (٥٨٦/٧).
(٢) أ: الأمير فارس عبد الله أقطاي المستعرب أتابك العساكر المصرية ، وفي ط : المستعربي .
(٣) فى ذيل المرآة (٣/ ٤٧ - ٤٨) : نجم الدين محمد بن يمن.
(٤) ترجمة - عبد الله بن غانم - في ذيل مرآة الزمان (٥١/٣ -٦٢) وتاريخ الإسلام (٢٤١/١٥).
(٥) أورد له في ترجمته نماذج من ثلاث مقطعات من شعره في ( ٥٢/٣ - ٥٦).
(٦) ترجمة - كمال الدين التفليسي - في ذيل مرآة الزمان (٦٤/٣ - ٦٥) وتاريخ الإسلام (٢٤٦/١٥) والعبر (٢٩٨/٥
- ٢٩٩) والإشارة (٣٦٥) والنجوم الزاهرة (٢٤٤/٧) وطبقات الإسنوي (٣١٧/١) والدارس (٣٦٣/١)
وشذرات الذهب ( ٥٨٩/٧ ).
(٧) بندار - بباء موحدة مضمومة بعدها نون ساكنة. طبقات الإسنوي (١/ ٣١٧).
تفليس : بفتح أوله ويكسر بلد بأرمينية . افتتحها المسلمون في زمن عثمان بن عفان صلحاً. معجم البلدان (٣٥/٢
(٨)
- ٣٧)، قلت : وهي اليوم عاصمة جمهورية جورجيا ويسمونها تبليسي .
(٩) ترجمة - التنوخي - في ذيل مرآة الزمان (٣٨/٣ - ٤٥) وتاريخ الإسلام (٢٣٨/١٥) والإعلام (٢٨٠) والعبر
(٢٩٩/٥) والنجوم (٢٤٤/٧) والإشارة (٣٦٥) والوافي (٧١/٩) وشذرات الذهب (٥٩٠/٧).

٤٤٢
وفيات سنة ٦٧٢ هـ
كان صدراً كبيراً ، وكتب الإنشاء الناصر داود بن المعظم، وتولَّى نظرَ المارستان النُّوري(١) وغيره،
وكان مشكورَ السيرة، وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ ، وقد جاوز الثمانين، ومن شعره قوله (٢) : [ من
المنسرح ]
بغيرِ ربِّ السَّماءِ قدْ وَصَلَهُ
خابَ رجاءُ امرىءٍ له أملٌ
أَيَبْتَغِي غَيْرَهُ أخو ثقةٍ
وهو ببطن الأحشاءِ قد كَفله
وله أيضاً(٣) : [ من الكامل ]
ماذا يقولُ (٤) وأنتمُ ما أنتمُ
خِرِسَ اللسانُ وكَلَّ عَنْ أوصافِكُمْ
قد تاهَ عقلٌ أن(٥) يعبّر عنكمُ
الأمرُ أعظمُ من مقالةٍ قائلٍ
والبِرُّوالإِحسانُ يُعْرَفُ منكُمُ
العَجْزُ والتَّقْصِيرُ وَصْفي دائماً
ابن مالك (٦) صاحب الألفية الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن مالك أبو عبد الله الطَّائي
الجيَّاني(٧) النحوي .
صاحب التصانيف المشهورة المُفيدة، منها ((الكافية الشافية)) وشرحها، و((التسهيل)) وشرحه ،
و((الألفية)) التي شرحها ولده بدر الدين شرحاً مفيداً. ولد بجَيّان (٨) سنة ستمئة وأقام بحلب مدة ، ثم
(١) لم يزل المارستان النوري قائما إلى وقتنا الحاضر بين العصرونية والصاغة وقد أقيم فيه مؤخراً متحف العلوم عند
العرب .
(٢) البيتان ثلاثة في ذيل المرآة (٣٩/٣).
(٣) ثلاثة الأبيات في ذيل المرآة (٤٥/٣).
(٤) في ذيل المرآة : ماذا أقول .
(٥)
في ذيل المرأة : قد تاه فيكم أن .
(٦) في هامش أ الترجمة التالية التي لم ترد في باقي النسخ ، ولا في حوليات هذه السنة . وهي : الشيخ صدر الدين
القنوي. وله تصانيف عديدة من جملتها ((مفتاح الغيب)) و((شرح الأسماء)) و((شرح سورة الفاتحة)). وكان عالماً
عظيم الشأن . وكان من أبناء الملوك ، ورباه الشيخ محيي الدين ابن العربي ، ودفن في قونية رحمه الله رحمة
واسعة .
قلت : واسمه : محمد بن إسحاق بن محمد بن يوسف بن علي القونوي الرومي صدر الدين . ووفاته في هذه السنة
أي ٦٧٢ وله ترجمة في تاريخ الإسلام (٢٤٠/١٥ و٢٦٦) والأعلام للزركلي (٢٥٤/٦) ومعجم المؤلفين
(٩ /٤٣ ) .
(٧) ترجمة - ابن مالك - في ذيل مرآة الزمان (٧٦/٣ - ٧٩) ومختصر أبي الفداء (٨/٤) وتاريخ الإسلام (٢٤٩/١٥)
والإعلام بوفيات الأعلام (٢٨٠) والعبر (٣٠٠/٥) والإشارة (٣٦٦) والنجوم الزاهرة (٢٤٤/٧) والوافي
بالوفيات ( ٣٥٩/٣) وبغية الوعاة (١٣٠/١ - ١٧٧) وشذرات الذهب (٥٩٠/٧).
(٨) في ط : الحياني .. ولد بحيّان بالحاء المهملة في اللفظتين؛ وهو تحريف. قال ياقوت: جَيّان بالفتح ثم =

٤٤٣
وفيات سنة ٦٧٢ هـ
بدمشق . وكان كثيرَ الاجتماع بابن خلكان (١) وأثنى عليه غير واحد ، وروى عنه القاضي بدر الدين بن
جماعة (٢)، وأجاز لشيخنا علم الدين البرزالي(٣). توفي ابن مالك بدمشق ليلة الأربعاء ثاني عشر
رمضان ، ودفن بتربة (٤) القاضي عز الدين بن الصائغ(٥) بقاسيون .
النَّصير الطُّوسي(٦) محمد بن عبد الله الطُّوسي(٧)، كان يُقال له المَوْلى نصير الدين ، ويقال الخواجا
نصير الدين ، اشتغل في شبيبته وحصَّلَ علم الأوائل جيداً ، وصنَّف في ذلك في علم الكلام ، وشرح
(( الإشارات لابن سينا)) ، ووزر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية ، ثم وزر لهولاكو ، وكان معه
في واقعة بغداد ، ومن الناس من يزعم أنه أشار على هولاكوخان بقتل الخليفة فالله أعلم ، وعندي أن هذا
لا يصدر من عاقل ولا فاضل(٨). وقد ذكره بعض البغاددة فأثنى عليه ، وقال: كان عاقلاً فاضلاً كريم
الأخلاق ودفن في مشهد موسى بن جعفر في سرداب كان قد أُعِدَّ للخليفة الناصر لدين الله ، وهو الذي كان
بَنَى الرصد بمراغة ، ورتَّب فيه الحكماء من الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء والمحدثين والأطباء وغيرهم
من أنواع الفضلاء ، وبنى له فيه قبة عظيمة ، وجعل فيه كتباً كثيرة جداً ، توفي في بغداد(٩) في ثاني عشر
ذي الحجة من هذه السنة ، وله خمس وسبعون سنة ، وله شعرٌ جيدٌ قويٌّ وأصل اشتغاله على المعين
سالم بن بدران(١٠) بن علي المصري المعتزلي المتشّع ، فنزع فيه عروق كثيرة منه ، حتى أفسد(١١)
اعتقاده .
التشديد، وآخره نون : مدينة لها كورة واسعة بالأندلس. معجم البلدان (٢/ ١٩٥) .
=
(١) سترد ترجمة ابن خلكان في وفيات سنة ٦٨١ من هذا الجزء إن شاء الله.
(٢) بدر الدين بن جماعة هو محمد بن إبراهيم بن سعد الله . سترد ترجمته في وفيات سنة ٧٣٣ من الجزء التالي إن شاء
الله .
(٣) علم الدين البرزالي هو القاسم بن محمد البرزالي . سترد ترجمته إن شاء الله في وفيات سنة ٧٣٩ من الجزء التالي من
هذا الكتاب .
(٤) تاريخ الصالحية (٢٤٠) .
(٥) سترد ترجمة عز الدين بن الصائغ في وفيات سنة ٦٨٣ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(٦) ترجمة - النصير الطوسي - في ذيل مرآة الزمان ( ٧٩/٣ - ٨١) وتاريخ أبي الفداء (٨/٤) والعبر (٣٠٠/٥)
والإشارة (٣٦٦) والوافي بالوفيات (١٧٩/٣) وشذرات الذهب (٥٩١ - ٥٩٢).
(٧) هكذا في الأصول ، ولا يصح إلا أن يكون : محمد أبو عبد الله ، فاسمه هو محمد بن محمد بن حسن ، وكنيته
أبو عبد الله ، كما في تاريخ الإسلام الذي ينقل عن تاريخ الظهير الكازروني المتوفى سنة ٦٩٧ وغيره ( بشار ) .
(٨) أ : من فاضل ولا عاقل.
(٩) أ : ببغداد .
(١٠) أ، ط: بدار. وما هنا عن ب، ومعجم المؤلفين (٤/ ٢٠٢).
(١١) أ : حتى فسد .

٤٤٤
أحداث سنة ٦٧٣ هـ ـ وفيات سنة ٦٧٣ هـ
الشيخ سالم البرقي [ البدوي ] صاحب الرباط بالقرافة الصغرى ، كان صالحاً متعبداً يُقْصَد للزيارة
والتبرك بدعائه ، وله اليوم أصحابٌ معروفون على طريقته (١) .
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وستمئة
فيها : اطلع السلطان على ثلاثة عشر أميراً [ من المصريين ]، منهم فجقار(٢) الحموي ، وقد كانوا٣)
كاتبوا التتر يدعونهم إلى بلاد المسلمين ، وأنهم معهم على السلطان ، فأخذوا فأقروا بذلك ، وجاءت
كتبهم مع البريدية وكان(٤) آخر العهد بهم. وفيها أقبل السلطان بالعساكر فدخل بلاد سيس(٥) يوم الإثنين
الحادي والعشرين من رمضان ، فقتلوا خلقاً لا يعلمهم إلا الله وغنموا شيئاً كثيراً من الأبقار والأغنام
والأثقال والدواب والأنعام ، فبيعُ(٦) ذلك بأرخص ثمن ، ثم عاد فدخل دمشق مؤيداً منصوراً في شهر ذي
الحجة فأقام بها حتى دخلت(٧) السنة .
وفيها : ثار على أهل الموصل رملٌ حتى عمَّ الأفق وخرجوا من دورهم يبتهلون إلى الله حتى كشف
ذلك عنهم ، والله تعالى أعلم .
ومن توفي فيها من الأعيان :
ابن عطاء الحنفي (٨) قاضي القضاة شمس الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ شرف الدين محمد بن
عطاء بن حسن بن عطاء بن جبير بن جابر بن وهيب الأذرعي الحنفي ، ولد سنة خمس وتسعين
وخمسمئة ، سمع الحديث وتفقه على مذهب أبي حنيفة ، وناب في الحكم عن الشافعي مدةً ، ثم استقل
بقضاء الحنفية أول ما ولي القضاة٩) من المذاهب الأربعة ، ولما وقعت الحوطة على أملاك الناس أراد
(١) ط : على طريقة.
(٢)
ذيل المرآة (٩ / ٨٧ ) .
عن ط وحدها .
(٣)
أ ، ب : فكان .
(٤)
بعدها في أ ، ب : من ناحية الدربندات فملكها وملك إياس والمصيصة وأذنة وكان دخوله سيس .
(٥)
(٦)
أ ، ب : فأبيع .
(٧) أ : حتى انقضت السنة، وفي ب : حتى مضت.
(٨) ترجمة - ابن عطاء الحنفي - في ذيل مرآة الزمان (٩٥/٣ - ٩٦) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٨١) والعبر
(٣٠١/٥) والإشارة (٣٦٦) والوافي بالوفيات (٥٨٢/١٨) والنجوم الزاهرة (٢٤٦/٧ - ٢٤٧) ومرآة الجنان
(١٧٣/٤) والجواهر المضية (٣٣٦/٢ -٣٣٩) والدارس (٤٤٢/١ - ٤٤٣ و٥١٢) وتاريخ الصالحية (١٥١)
وشذرات الذهب ( ٧ / ٥٩٢ ).
(٩) أ، ب : أول ما وليت القضاة.

٤٤٥
أحداث سنة ٦٧٤ هـ
السلطان منه أن يحكم بها بمقتضى مذهبه ، فغضب من ذلك فقال : هذه أملاك بيد أصحابها١) وما يحلُّ
لمسلم أن يتعرّض لها ، ثم نهض من المجلس فذهب ، فغضب السلطان من ذلك غضباً شديداً ، ثم سكن
غضبه فكان يُثْني عليه بعد ذلك ويمدحه ، ويقول : لا تثبتوا كتبنا إلا عنده . كان ابن عطاء من العلماء
الأخيار كثير التواضع قليل الرغبة في الدنيا ، روى عنه ابن جماعة(٢) وأجاز للبرزالي(٣) . توفي يوم الجمعة
تاسع جمادى الأولى ، ودفن بالقرب من المعظمية (٤) بسفح قاسيون رحمه الله تعالى .
بيمند بن بيمند بن بيمند(٥) أبرنس طرابلس الفرنجي .
كان جدُّه نائباً لبنت صنجيل(٦) الذي تملّك طرابلس من ابن عمار في حدود الخمسمئة ، وكانت يتيمة
تسكن بعض جزائر البحر ، فتغلّب هذا على البلد لبعدها عنه ، ثم استقل بها ولده ثم حفيده هذا ، وكان
شكلاً مليحةً(٧)
قال قطب الدين اليونيني(٨): رأيتُه في بعلبك في سنة ثمانٍ وخمسين وستمئة حين جاء مُسَلِّماً على
كتبغانوين ، ورام أن يطلب منه بعلبك ، فشق ذلك على المسلمين . ولما توفي دفن في كنيسة (٩)
طرابلس ، ولما فتحها المسلمون في سنة ثمان وثمانين وستمئة نبش الناس قبرَه وأخرجوه منه وألقوا عظامه
على المزابل للكلاب .
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وستمئة
لما كان يوم الخميس ثامن جمادى الأولى نزل التتار على البيرة في ثلاثين ألف مقاتل ، خمسة
عشر(١٠) ألفاً من المغول، وخمسة عشر ألفاً من الروم، والمقدم على الجميع البَزْواناه(١) بأمر أبغا ملك
(١) أ، ب : بأيدي أربابها .
بدر الدين بن جماعة محمد بن إبراهيم بن سعد الله . سترد ترجمته في وفيات سنة ٧٣٣ من الجزء التالي إن شاء الله .
(٢)
(٣)
علم الدين البرزالي القاسم بن محمد . سترد ترجمته في وفيات سنة ٧٣٣ من الجزء التالي إن شاء الله تعالى .
(٤)
تاريخ الصالحية (١٥١) الدارس (٥٧٩/١) .
ترجمة - بيمند - في ذيل مرآة الزمان ( ٩٢/٣ - ٩٤) وتاريخ الإسلام (٢٦٠/١٥) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٤٦).
(٥)
ب : صيحك ، وما هنا من ذيل المرآة (٣/ ٩٣) وهو الصواب .
(٦)
(٧)
في ذيل المرآة : كان حسن الشكل مليح الصورة .
(٨)
ذيل المرآة ( ٣/ ٩٢) بتصرف .
(٩) أ، ب : بكنيسة .
(١٠) أ، ب : خمسة آلاف من المغول .
(١١) البرواناه: الحاجب بالفارسية. وأطلقه السلاجقة على الوزير الأكبر وهو معين الدين سليمان بن علي بن محمد بن
حسن الصاحب . سترد أخبار قتله في حوادث سنة ٦٧٦ من هذا الجزء .

٤٤٦
أحداث سنة ٦٧٤ هـ
التتار ومعهم جيش الموصل وجيش ماردين والأكراد ، ونصبوا عليها ثلاثة وعشرين منجنيقاً ، فخرج أهل
البيرة في الليل(١) فكبسوا عسكرَ التتار وأحرقوا المنجنيقات ونهبوا شيئاً كثيراً، ورجعوا إلى بيوتهم
سالمين ، فأقام عليها الجيشُ مدةً إلى تاسع عشر الشهر المذكور ، ثم رجعوا عنها بغيظهم لم ينالوا خيراً
وكفى الله المؤمنين القتال ، وكان الله قوياً عزيزاً . ولما بلغ السلطان نزول التتار على البيرة أنفق في الجيش
ستمئة ألف دينار ، ثم ركب سريعاً وفي صحبته ولده السعيد ، فلما كان في أثناء الطريق بلغه رحيل
التتار(٢) عنها فعاد إلى دمشق ، ثم ركب في رجب إلى القاهرة فدخلها في ثامن عشر فوجد بها خمسة
وعشرين رسولاً من جهة ملوك الأرض ينتظرونه فتلقوه وحدثوه وقبلوا الأرض بين يديه ودخل القلعة في
أُبَّهة عظيمة . ولما عاد البَزْواناه إلى بلاد الروم حلف الأمراء الكبار منهم شرف الدين مسعود وضياء الدين
محمود ابنا الخطير (٣)، وأمين الدين ميكائيل، وحسام الدين بيجار(٤) ، وولده بهاء الدين(٥) ، على أن
يكونوا من جهة السلطان الملك الظاهر وينابذوا أبغا ، فحلفوا له على ذلك ، وكتب إلى الظاهر بذلك ،
وأن يرسل إليه جيشاً ويحمل له ما كان يحمله إلى التتار ، ويكون غياث الدين كنجري(٦) على ما هو عليه ،
يجلس على تخت الروم .
وفي هذه السنة استسقى أهل دمشق ثلاثة أيام فلم يسقوا .
وفيها : في رمضان منها وجد رجل وامرأة في نهار رمضان على فاحشة الزنا ، فأمر علاء الدين صاحب
الديوان برجمهما فرجما ، ولم يُرْجَم بدمشق قبلهما قطّ أحدٌ منذ بنيت . وهذا غريب جداً .
وفيها : استسقى أهل دمشق أيضاً مرتين . في أواخر رجب وأوائل شعبان - وكان ذلك في آخر كانون
الثاني - فلم يسقوا أيضاً .
وفيها : أرسل السلطان جيشاً إلى دنقلة فكسر جيش السودان وقتلوا منهم خلقاً وأسروا شيئاً كثيراً من
السودان بحيث بيع(٧) الرقيق الرأس منها بثلاثة دراهم ، وهرب ملكهم داوداه(٨) إلى صاحب النوبة فأرسله
(١) أ : بالليل فكسروا، ب : بالليل فكبسوا.
(٣) ط: الخطيري، وما هنا عن الأصلين والخبر في ذيل المرآة (١١٦/٣) والنجوم (١٦٩/٧).
(٢) أ : التتر .
(٤) أ، ب : منجار ، وفي ط : ميجار . وسيرد الاسم صحيحاً في حوادث سنة ٦٧٥ . وقد ترجم له قطب الدين
اليونيني في ذيل المرآة في وفيات سنة ٦٨١ واسمه الكامل : بيجار بن بختيار الأمير حسام الدين اللاوي الرومي .
(٥) هو بهادر بن بيجار بن بختيار الأمير بهاء الدين . توفي بغزة سنة ٦٨٠ في حياة أبيه . ترجمته في ذيل مرآة الزمان
(٣/ ١٠٧).
(٦) ب : كيجري ، وفي أ : كنجرو .
(٧) أ، ب : أبيع .
(٨) ط : داوداه . والخبر في ذيل المرآة .

٤٤٧
وفيات سنة ٦٧٤ هـ
إلى الملك الظاهر محتاطاً عليه ، وقرر الملك الظاهر على أهل دنقلة تحمل إليه في كل سنة . كل ذلك في
شعبان من هذه السنة .
وفيها : عُقِدَ عَقْدُ الملكِ السعيد بن الظاهر على بنتِ الأمير سيف الدين قلاوون الألفي ، في الإيوان
بحضرة السلطان والدولة على صَداق خمسة آلاف دينار ، يُعَجَّلُ(١) منها ألفا دينار ، وكان الذي كتبه وقرأه
محيي الدين بن عبد الظاهر(٢) ، فأُعطي مئة دينار ، وخُلع عليه .
ثم ركب السلطان مسرعاً فوصل إلى حصن الكرك فجمع القيمرية (٣) الذين به فإذا هم ستمئة نفر ، فأمر
بشنقهم فشُفع فيهم عنده فأطلقهم وأجلاهم منه إلى مصر ، وكان قد بلغه عنهم أنهم يريدون قتل مَنْ فيه
ويقيموا ملكاً عليهم ، وسلم الحصن إلى الطواشي شمس الدين رضوان السهيلي ، ثم عاد في بقية الشهر
إلى دمشق فدخلها يوم الجمعة ثامن عشر الشهر .
وفيها : كانت زلزلة بخلاط واتصلت ببلاد ديار بكر .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الشيخ الإمام العلامة(٤) الأديب تاج الدين أبو الثَّناء محمود بن عابد بن الحسين بن محمد بن علي
التَّميمي الصَّرْخَدي الحنفي .
كان مشهوراً بالفقه والأدب ، والعفّة والصلاح ، ونزاهة النفس ومكارم الأخلاق . ولد سنة ثمانٍ
وسبعين وخمسمئة ، وسمع الحديث وروى ، ودُفن بمقابر الصوفية في ربيع الآخر منها ، وله ست
وتسعون سنة رحمه الله .
الشيخ الإمام عماد الدين(٥) عبد العزيز بن محمد بن عبد القادر بن عبد الله بن خليل بن مُقَلِّد الأنصاري
الدمشقي ، المعروف بابن الصائغ ، كان مدرساً بالعذراوية وشاهداً بالخزانة بالقلعة يعرف الحساب
جيداً ، وله سماع ورواية ، ودُفن بقاسيون .
ابن الساعي(٦) المؤرخ تاج الدين بن المُحْتَسب المعروف بابن السَّاعي البغدادي .
(١) ط: تعجل. وذيل المرآة ( ١١٩/٣): المعجل .
(٢) سترد ترجمة محيي الدين بن عبد الظاهر في وفيات سنة ٦٩٢ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى .
(٣) في ذيل المرآة ( ١٢٢/٣) الخرخية والجندارية والخراسانية والأسبا سلارية.
(٤) ترجمة - محمود بن عابد - في ذيل مرآة الزمان (١٥٤/٣ - ١٦١) وتاريخ الإسلام (٢٨٢/١٥) والعبر (٣٢٠)
والإشارة (٣٦٧) والنجوم الزاهرة (٢٤٩/١ - ٢٥٠) وشذرات الذهب (٧/ ٦٠٠).
(٥) ترجمة - عماد الدين بن الصائغ - في الدارس (٢٧٦/١ و٣٧٦).
(٦) ترجمة - ابن الساعي - في ذيل مرآة الزمان (١٤٧/٣) وتاريخ الإسلام (٢٧٨/١٥) وتذكرة الحفاظ (٢٥٠/٤)
وطبقات الإسنوي (٧٠/٢ - ٧١) وشذرات الذهب (٥٩٩/٧ - ٦٠٠) ومعجم المؤلفين (٤١/٧ -٤٢) واسمه في =

٤٤٨
أحداث سنة ٦٧٥ هـ
ولد سنة ثلاث وتسعين وسمع الحديث واعتنى بالتاريخ ، وجمع وصنّف ، ولم يكن بالحافظ ولا
الضابط المتقن. وقد أوصى إليه ابن النّجّارُ(١) حين توفي، وله ((تاريخ كبير)) عندي أكثره(٢) ،
ومصنفات أُخر(٣) مفيدة، وآخر ما صنف كتابٌ في الزهاد(٤) ، كتب في حاشيته زكي الدين عبد الله بن
حبيب الكاتب : [ من السريع ]
من عمرهِ يعتقُ فى السَّيْرِ
ما زالَ تاجُ الدينِ طولَ المدى
وفعله نفعٌ بلا ضَيْرِ
في طلبِ العلمِ وتدوينهِ
علاً عَلِيٌّ بتصانيفهِ وهذه خاتمةُ الخَيْرِ
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وستمئة
في ثالث عشر المحرم منها دخل السلطان إلى دمشق وسبق العساكر إلى بلاد حلب ، فلما توافت إليه
أرسل بين يدي بدر الدين الأتابكي(٥) بألف فارس إلى البلستين(٦) ، فصادف بها جماعة من عسكر الروم
فركبوا إليه وحملوا إليه الإقامات ، وطلب جماعة منهم أن يدخلوا بلاد الإسلام فأذن لهم ، فدخل طائفة
منهم بيجار(٧) وابن الخطير ، فرسم لهم أن يدخلوا القاهرة فتلقاهم الملك السعيد ، ثم عاد السلطان من
حلب إلى القاهرة فدخلها في ثاني عشر ربيع الآخر .
وفي خامس(٨) جمادى الأولى عمل السلطان عرس ولده الملك السعيد على بنت قلاوون ، واحتفل
السلطان به احتفالًاً عظيماً ، وركب الجيش في الميدان خمسة أيام يلعبون ويتطاردون ، ويحمل بعضهم
هذه المصادر : علي بن أنجب بن عثمان بن عبد الله بن عبيد الله بن عبد الرحيم البغدادي الخازن الشافعي المعروف
=
بابن الساعي أبو طالب تاج الدين .
(١) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٢٣ من هذا المجلد.
وقد شحن كتابه هذا من النقل عنه مع أنه قال فيه ما قال . قد أثنى عليه الظهير الكازروني ، كما نقل الذهبي في تاريخ
(٢)
الإسلام ( بشار ) .
(٣) اسمه: (( الجامع المختصر )) نشر منه الجزء التاسع في بغداد ١٩٣٤ م بتحقيق الدكتور مصطفى فؤاد .
(٤) وقفت على نسخة منه مخرومة الأول في دار الكتب المصرية، ونشرت عنه بحثاً في مجلة المورد العراقية ((العثور
على أثر مفقود لمؤرخ العراق ابن الساعي)) ( السنة الثالثة ) العدد الثالث ، بغداد ١٩٧٤ ( بشار ).
(٥)
في ذيل المرآة ( ١٦٥/٣ و١٦٦ ) أن اسمه : بكتوت الأتاكلي بدر الدين .
أبلستين : بالفتح ، ثم الضم ، ولام مضمومة أيضاً ، والسين المهملة ساكنة ، وتاء فوقها نقطتان مفتوحة ، وياء
(٦)
ساكنة ونون وهي مدينة مشهورة ببلاد الروم قريبة من أبْسَسَ مدينة أصحاب الكهف . معجم البلدان ( ١/ ٧٥).
(٧)
تقدم التعريف به .
(٨) أ : وخامس جمادى.

٤٤٩
وقعة البلستين وفتح قيسارية
على بعض ، ثم خلع على الأمراء وأرباب المناصب ، وكان مبلغ ما خلع ألفاً وثلاثمئة خلعة بمصر ،
وجاءت مراسيمه إلى الشام بالخلع على أهلها ، ومدّ السلطان سماطاً عظيماً حضره الخاص والعام ،
والشارد والوارد ، وحبس فيه رسل التتار ورسل الفرنج وعليهم كلهم الخلع الهائلة ، وكان وقتاً مشهوداً ،
وحمل صاحب حماة هدايا عظيمة وركب إلى مصر للتهنئة .
وفي حادي عشر شوال طيف بالمحمل وبكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة ، وكان يوماً مشهوداً .
وقعة البلستين وفتح قيسارية
ركب السلطان من مصر في العساكر فدخل دمشق في سابع عشر شوال ، فأقام بها ثلاثة أيام ، ثم سار
حتى دخل حلب في مستهل ذي القعدة ، فأقام بها يوماً ورسم لنائب حلب أن يقيم بعسكر حلب على
الفرات لحفظ المناثر ، وسار السلطان فقطع الدربند(١) في نصف يوم ، ووقع سنقر الأشقر في أثناء الطريق
بثلاثة آلاف من المغول فهزمهم يوم الخميس تاسع ذي القعدة وصعد العسكر على الجبال فأشرفوا على
وطأة البلستين فرأوا التتار قد رتَّبُوا عسكرهم وكانوا أحدَ عشرَ ألف مقاتلٍ ، وعزلوا عنهم عسكر الروم خوفاً
من مخامرتهم ، فلما تراءى الجمعان حملت ميسرة التتار فصدمت سناجق السلطان ، ودخلت طائفة منهم
بينهم فشقوها ، وساقت إلى الميمنة ، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه ومن معه ، ثم لاحت
منه التفاتة فرأى الميسرة قد كادت أن تتحطم فأمر جماعة من الأمراء بإردافها ، ثم حمل بالعسكر(٢) جميعه
حملةً واحدةً على التتار فترجلوا إلى الأرض عن آخرهم ، وقاتلوا المسلمين قتالاً شديداً ، وصبر
المسلمون صبراً عظيماً ، فأنزل الله نصره على المسلمين ، فأحاطت بالتتار العساكر من كل جانب ، وقتلوا
منهم خلقاً كثيراً ، وقتل من المسلمين أيضاً جماعة ، وكان في جملة من قتل من سادات المسلمين الأمير
الكبير ضياء الدين ابن الخطير ، وسيف الدين قيران العلائي (٣)، وسيف الدين قَفْجاق (٤) الجاشْتَكير ،
وعز الدين أيْبَك الشَّقيفي(٥)، وأسر جماعة من أمراء المغول، ومن أمراء الروم ، وهرب البَزْواناه(٦) فنجا
بنفسه ، ودخل قيسارية في بكرة الأحد ثاني عشر ذي القعدة ، وأعلم أمراء ملكهم بكسرة التتار(٧) على
البلستين ، وأشار عليهم بالهزيمة فانهزموا منها وأخلوها ، فدخلها الملك الظاهر وصلَّى بها الجمعة سابعَ
(١) في صبح الأعشى (١٤ / ١٤٤): أقجا دربند: قرية على فم الطريق الجبلي بين نهر كرصو وأبْلُسْتَيْن.
(٢) ط : العسكر .
(٣) أوط : قيماز؛ وهو تحريف ، وترجمته في النجوم (١٦٩/٧) .
(٤) أ : تنجو ، وفي ب : قفجق . وما هنا عن النجوم .
(٥) ط : والأصلان : الثقفي . وما هنا عن النجوم .
(٦) ط : الرواناه ؛ تحريف . وتقدم الكلام عليها.
(٧) أ، ب : التتر .

٤٥٠
وفيات سنة ٦٧٥ هـ
ذي القعدة ، وخطب له بها ، ثم كرّ راجعاً مؤيداً منصوراً . وسارت البشائر إلى البلدان ففرح المؤمنون
يومئذ بنصر الله . ولما بلغ خبر هذه الوقعة أبغا جاء حتى وقف بنفسه وجيشه ، وشاهد مكان المعركة ومَنْ
فيها من قَتْلى المغول ، فغاظه ذلك وأعظمه وحنق على البَزْواناه إذ لم يعلمه بجلية الحال ، وكان يظن أمر
الملك الظاهر دون هذا كله ، واشتدّ غضبه على أهل قيسارية(١) وأهل تلك الناحية ، فقتل منهم قريباً من
مئتي ألف ، وقيل قتل منهم خمسمئة ألف من قيسارية وأرزن(٢) الروم ، وكان في جملة من قتل القاضي
جلال الدين حبيب ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الشيخ أبو الفضل [عيسى] بن الشيخ عبيد(٣) بن عبد الخالق الدمشقي ودُفن بالقرب من الشيخ أرسلان.
قال الشيخ علم الدين : وكان يذكر أن مولده كان سنة أربع وستين وخمسمئة .
الطواشي يمن الحبشي (٤) شيخ الخدمُ(٥) بالحرم الشريف [النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام].
كان ديَّناً عاقلاً عدلًا صادق اللهجة ، مات في عشر السبعين رحمه الله .
الشيخ المُحَدِّث شمس الدين أبو العباس أحمد(٦) بن محمد بن عبد الله بن أبي بكر الموصلي ، ثم
الدمشقي الصوفي .
سمع الكثير وكتب الكتبَ الكبارَ بخطّ رفيعٍ جيّد واضحٍ ، جاوز السبعين ودُفن بباب الفراديس .
الشاعر شهاب الدين أبو المكارم(٧) محمد بن يوسف بن مسعود بن بركة بن سالم بن عبد الله الشَّيْباني
التَّعْفَريُ(٨) ، صاحب ديوان الشعر.
(١) قيسارية : مدينة كبيرة عظيمة من بلاد الروم ، وهي كرسي ملك بني سلجوق ملوك الروم ، وفي شرقها مدينة سيواس
وبينها وبين أقصر أربعة مراحل . معجم البلدان (٤/ ٤٢١) وتقويم البلدان (٣٨٢).
(٢) أرزن الروم بلدة من بلاد أرمينية أهلها أرمن. معجم البلدان (١/ ١٥٠).
(٣) أ: عبيد الله. قال بشار: وترجمته في تاريخ الإسلام (١٥/ ٢٩٣).
(٤) ترجمة - الطواشي يمن الحبشي - في ذيل مرآة الزمان (٢٣١/٣) وتاريخ الإسلام (٣٠٢/١٥) والدليل الشافي
( ٧٩٦/٢ ) .
(٥) أ، ب : الحذام .
(٦)
ترجمته في تاريخ الإسلام (٢٨٧/١٥) (بشار).
ترجمة - التلعفري - في ذيل مرأة الزمان (٢١٨/١) وتاريخ الإسلام (٢٩٩/١٥) والإشارة (٣٦٧) والعبر
(٧)
(٣٠٦/٥) والوافي (٣٥٥/٥) وفوات الوفيات (٦٢/٤ - ٦٤) والنجوم الزاهرة (٢٥٥/٧ - ٢٥٧ و٢٥٨)
والدليل الشافي (٣١٤/٢) وشذرات الذهب (٦٠٩/٧).
(٨) التَّلَّعْفَري: بفتح أوله، واللام المشدّدة والفاء، وسكون المهملة وراء نسبة إلى التل الأعفر ؛ موضع بنواحي
الموصل الشذرات ( ٦٠٩/٧ ).

٤٥١
و فیات سنة ٦٧٥ هـ
جاوز الثمانين ، مات (١) بحماة، وكان الشعراء ( مُقِرِّين له ) معترفين بفضله وتقدمه في هذا الفن .
ومن شعره ( قوله ) : [ من الطويل ]
لساني طريٍّ منكِ يا غايةَ المُنَى وَمِن وَلَهي أنّي خَطيبٌ وشاعرُ
فهذا لمعنى حُسْنٍ وَجْهِكِ ناظمٌ وهذا لدمعي في تَجَنِّكِ ناشر(٢)
القاضي شمس الدين(٣) علي بن محمود بن علي بن عاصم الشُّهْرَزُوري الدمشقي .
مدرس القَيْمَرية بشرط واقفها له ولذريته من بعده [ التدريس من تأهل منهم ، فدرّس بها إلى أن توفي
في هذه السنة ، ودَرَّس بعده ولده ٤2) [ صلاح الدين ، ثم ابن ابنه بعد ابن جماعة ، وطالت مدة حفيده .
وقد ولي شمس الدين على نيابة ابن خلكان في الولاية الأولى ، وكان فقيهاً جيداً نقالاً للمذهب ، رحمه
الله (2) وقد سافر مع ابن العديم لبغداد فسمع بها ودفن بمقابر الصوفية بالقرب من ابن الصلاح .
الشيخ الصالح العالم الزاهد(٦) أبو إسحاق إبراهيم بن سعد الله بن جماعة بن علي بن جماعة بن حازم
ابن صخر(٧) الكناني الحموي .
له معرفة بالفقه والحديث ، ولد سنة ست وتسعين بحماة ، وتوفي بالقدس الشريف ودفن بماملاً ،
وسمع من الفخر ابن عساكر(٨)، وروى عنه ولده قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة؟) .
الشيخ الصالح جندل(١٠) بن محمد المنيني .
كانت له عبادةٌ وزهادةٌ وأعمالٌ صالحةٌ ، وكان الناس يتردّدون إلى زيارته [ زاره الملك الظاهر مرات
(١) أ : توفي بحماة ، ب : وكانت وفاته بحماة .
(٢) أ : محبتك ناثر ، وفي ب : ناثر؛ ولا يستقيم الوزن والمعنى بهما .
(٣) ترجمة - الشهرزوري - في ذيل مرآة الزمان (١٩٢/٣ - ١٩٣) وتاريخ الإسلام (٢٩٢/١٥) والإشارة (٣٦٧)
والإعلام بوفيات الأعلام (٢٨١) والوافي بالوفيات (٢١/ ١٨٥) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٥٧) والدليل الشافي
(١/ ٤٨٢ ) .
(٤)
عن ط وحدها .
(٥)
عن ط وحدها .
ترجمة - ابن جماعة - في ذيل المرآة ( ١٨٧/٣ - ١٨٩) وتاريخ الإسلام (٢٨٧/١٥) والوافي بالوفيات (٣٥٣/٥)
(٦)
وطبقات السبكي (١١٥/٨) والنجوم الزاهرة (٢٥١/٧) والدليل الشافي (١٢/١).
(٧) ط : سنجر ؛ وهو تحريف .
(٨)
(٩)
تقدمت ترجمته سنة ٦٢٠ هـ من هذا الجزء .
سترد ترجمة بدر الدين محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة في حوادث سنة ٧٣٣هـ من الجزء التالي.
(١٠) ترجمة - الشيخ جندل - في ذيل مرآة الزمان (١٩٣/٣ - ١٩٢) والدليل الشافي (٢٥١/١) وشذرات الذهب
( ٦٠٥/٧ ) .

٤٥٢
وفيات سنة ٦٧٥ هـ
وكذلك الأمراء ]١) بمنين [ قال الشيخ برهان الدين الفزاري: وقد زرته ، وصحبه والدي ، وكان أبي يجلس
بين يديه ]٢)، وكان يتكلم بكلام كثير لا يفهمه أحد من الحاضرين ، بألفاظٍ غريبةٍ . وحكى عنه الشيخ تاج
الدين أنه سمعه يقول: ما تَقَرَّبَ أحدٌ إلى الله بمثل الذلّ والتضرُّع إليه. وسمعه يقول: المُوَلَّهُ مَنْفي من طريق
الله يعتقد أنه واصلٌ ولو علم أنه مَنْفي لرجع عما هو فيه ، لأن طريق القوم من أهل السلوك لا يثبت عليها إلا
ذوو العقول الثابتة . وكان يقول : السماعُ وظيفةُ أهلِ البطالة . قال الشيخ تاج الدين: وكان الشيخ جندل من
أهل الطريق وعلماء التحقيق . قال : وأخبرني في سنة إحدى وستين وستمئة أنه قد بلغ من العمر خمساً
وتسعين سنة . قلت : فعلى هذا فيكون قد جاوز المئة ، لأنه توفي في رمضان من هذه السنة ، ودفن في
زاويته المشهورة بقرية منين (٣)، وتردد الناس لقبره يصلون عليه من دمشق وأعمالها أياماً كثيرة رحمه الله .
محمد بن عبد الرحمن(٤) بن محمد(٥)، الحافظ بدر الدين أبو عبد الله بن الفُوَيره(٦) السلمي الحنفي .
اشتغل على الصدر سليمان وابن عطاء ، وفي النحو على ابن مالك ، وحَصَّل وبرع ونظمَ ونثر ،
ودرَّس في الشبلية والقصاعين ، وطُلب لنيابة القضاء فامتنع ، وكتب الكتابة المنسوبة . رآه بعض أصحابه
في المنام بعد وفاته فقال : ما فعل الله بك ؟ فأنشأ يقول : [ من السريع ]
ما كان لي من شافع عنده غير اعتقادي أنَّه واحدُ
وكانت وفاته في جمادى الآخرة ودُفن بظاهرٍ دمشق رحمه الله .
محمد بن عبد الوهاب بن منصور(٧) شمس الدين أبو عبد الله الحراني الحنبلي تلميذ الشيخ مجد الدين
ابن تيمية .
(١) ما بين المعقوفتين عن أ وحدها .
(٢) ما بين المعقوفتين عن ب وحدها .
(٣) مَنين: بالفتح ثم الكسر ثم ياء مثناة ونون أخرى : من مصايف دمشق إلى الشمال منها على بعد ثمانية عشر كيلو
متراً . ويلفظها أهل دمشق اليوم بتسكين الميم . وهي في معجم البلدان ( ٢١٨/٥)
(٤) ترجمة - ابن الفويره - في ذيل مرآة الزمان (٢٠٣/١ - ٢٠٦) وتاريخ الإسلام (٢٩٥/١٥) والعبر (٣٠٦/٥)
والإعلام بوفيات الأعلام (٣٨١) والجواهر المضية (٢١٩/٣ - ٢٢١) والنجوم الزاهرة (٢٥٣/٧) والدليل
الشافي (٢/ ٦٣٣) والدارس (٥٦٥/١ - ٥٦٦) وشذرات الذهب (٦٠٦/٧ - ٦٠٧).
(٥) تكرر - عبد الرحمن بن محمد - في ب .
(٦) ط : النويرة، تحريف. وقال القرشي: الفويره: بكسر الراء المهملة واشتهر بين الناس بفتح الراء كذا قال لي
شيخنا قطب الدين . قال بشار : آخره هاء ، وهو من الفراهة .
(٧) ترجمة - محمد بن عبد الوهاب - في ذيل مرآة الزمان (٢٠٦/٣ - ٢٠٧) وتاريخ الإسلام (٢٩٦/١٥) والإشارة
(٣٦٧) والعبر (٣٠٦/٥) والإعلام بوفيات الأعلام (٣٨١) والوافي بالوفيات (٤/ ٧٥) وذيل طبقات الحنابلة
(٢٨٧/٢) والمقصد الأرشد (٤٥٣/٢) والنجوم الزاهرة (٢٥٤/٧ - ٢٥٥ و٢٥٨) والدليل الشافي (٢/ ٦٥١)
والدارس (١٢٤/٢) وشذرات الذهب (٦٠٧/٧).

٤٥٣
أحداث سنة ٦٧٦ هـ
وهو أول من حكم بالديار المصرية من الحنابلة نيابةً عن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز ، ثم ولي
شمس الدين ابن الشيخ العماد القضاء مستقلاً فاستناب(١) به ، ثم ترك ذلك ورجع إلى الشام يشتغل ويفتي
إلى أن توفي وقد نيف على الستين رحمه الله تعالى .
ثم دخلت سنة ست وسبعين وستمئة
فيها : كانت وفاةُ الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ، صاحب البلاد المصرية والشامية والحلبية وغير
ذلك ، وأقام ولده ناصر الدين أبا المعالي محمد بركة خان الملقب [ بالملك ] السعيد من بعده.
ووفاة الشيخ محيي الدين النّووي(٢) إمام الشافعية فيها في اليوم السابع من المحرم منها .
ودخل السلطان الملك الظاهر من بلاد الروم وقد كسر التتار على البُلُسْتَين، ورجع مُؤَيَّداً مَنْصوراً فدخل
دمشق وكان يوم دخوله يوماً مشهوداً ، فنزل بالقصر الأبلق الذي بناه غربي دمشق بين الميدانين الأخضرين ،
وتواترت الأخبار إليه(٣) بأن أبغا جاء إلى المعركة ونظر إليها٤) وتأسف على مَنْ قُتل من المغول وأمر بقتل
البَرواناه ، وذكروا أنه قد عزم على قصد الشام، فأمر السلطان بجمع(٥) الأمراء وضرب مشورة فاتفق مع
الأمراء على ملاقاته حيث كان ، وتقدم بضرب الدهليز على القصر ، ثم جاء الخبر بأن أبغا قد رجع إلى بلاده
فأمر(٦) برد الدهليز وأقام بالقصر الأبلق يجتمع عنده الأعيان والأمراء والدولة في أسَرِّ حالٍ ، وأنعمٍ بالٍ . وأما
أبغا فإنه أمر(٧) بقتل البَزْواناه(٨) - وكان نائبه على بلاد الروم - وكان اسمه معين الدين سليمان بن علي بن
محمد بن حسن، وإنما قتله لأنه اتهمه بممالاته للملك الظاهر، وزعم أنه هو الذي حسّن له دخول بلاد الروم،
وكان البَرْواناه شجاعاً حازماً كريماً جواداً ، وله ميلٌ إلى الملك الظاهر ، وكان قد جاوز الخمسين لما قتل .
ثم(٩) لما كان يوم السبت خامس عشر المحرم توفي الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك بن
(١) ب : فاستنابه .
(٢) ب : النواوي .
(٣) ب : عليه .
(٤) ب : جاء إلى المعركة فأشرف بنفسه عليها وتأسف .
ب : الشام المحروس فأمر عند ذلك بجمع .
(٥)
(٦) أ، ب : فرسم بررّ .
(٧) ب : وفي العشر الأول من المحرم رسم السلطان أبغا بقتل .
(٨) ط : الرواناه ؛ تحريف .
(٩) وقتل وقد جاوز الخمسين فلما كان .
(١٠) الخبر في النجوم الزاهرة (٢٧٨/٧) وترويح القلوب (٧٤).

٤٥٤
أحداث سنة ٦٧٦ هـ
السلطان المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب ، عن أربع وستين سنة ، وكان رجلاً جيداً سليم الصدر
كريم الأخلاق ، ليّن الكلمة كثيرَ التواضع ، يعاني ملابس العرب ومراكبهم ، وكان معظماً في الدولة
شجاعاً مقدام١ً) ، وقد روى عن ابن اللتي وأجاز للبرزالي . قال البرزالي: ويقال إنه سُمَّ ، وذكر غيره أن
السلطان الملك الظاهر سَمَّه في كأس قِمَّزِ ناوله إياه فشربه وقام السلطان إلى المرتفق ثم عاد وأخذ الساقي
الكأس من يد القاهر فملأه وناوله السلطان الظاهر والساقي لا يشعر بشيء مما٢) جرى ، وأنسى الله
السلطان ذلك الكأس ، أو ظن أنه غيره(٣) لأمر يريده الله ويقضيه ، وكان قد بقي في الكأس بقية كثيرة من
ذلك السم ، فشرب الظاهر ما في الكأسُ(٤) ولم يشعر حتى شربه فاشتكى بطنه من ساعته ، ووجد الوهج
والحر والكرب الشديد من فوره .
وأما القاهر فإنه حُمل إلى منزله وهو مغلوب فمات من ليلته . وتمرض [ السلطان الملك ] الظاهر من
ذلك أياماً حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر في السابع والعشرين من المحرم بالقصر الأبلق ، وكان
ذلك يوماً عظيماً على الأمراء ، وحضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر وكبار الأمراء والدولة ، فصلوا عليه
وجعلوه في تابوت ورفعوه إلى القلعة من القصر وجعلوه في بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته
التي بناها ولده له بعد موته ، وهي دار العقيقي تجاه العادلية الكبيرة ، ليلة الجمعة خامس رجب من هذه
السنة ، وكتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى إذا كان العشر الأخير من ربيع الأول وجاءت البيعة لولده
السعيد من مصر فحزن الناس عليه حزناً شديداً، وترخَّموا عليه ترحماً كثيراً ، وجُددت البيعةُ أيضاً بدمشق
وجاء تقليد النيابة بالشام مجدداً إلى عز الدين أيدمر نائبها٥)
وقد كان الملك الظاهر شهماً شجاعاً عالي الهمة بعيد الغور مقداماً جسوراً معتنياً بأمر السلطنة ،
يشفقُ(٦) على الإسلام، متحلياً بالملك(٧)، له قصد صالح في نصرة الإسلام وأهله ، وإقامة شعار
الملك، واستمرت أيامه(٨) من يوم الأحد سابعَ عشرَ ذي القعدة سنةَ ثمانٍ وخمسين إلى هذا الحين ، ففتح
في هذه المدة فتوحات كثيرة قيسارية وأرسُوف ويافا والشَّقيف وأنطاكية وبَغْراس وطبرية والقُصَيْر وحصن
الأكراد وحصن عَكّا والقُرَيْن وصافيتا وغير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج ، ولم
ب : وهو معظم في الدولة وكان كريماً شجاعاً .
(١)
(٢)
ب : بما جرى .
ب : أو ظن أن هذا الكأس غير ذلك . والقِمَّز : شرابٌ يُصنع من لبن الخيل .
(٣)
(٤)
ب : ما في ذلك الكأس .
ب : أيدمر الذي كان بها وقد كان رحمه الله شهماً ...
(٥)
(٦)
أ : مشفقاً .
ب : متحلياً بها .
(٧)
(٨) ب : أيامه في الملك.

٤٥٥
أحداث سنة ٦٧٦ هـ
يدع (١) مع الإسماعيلية شيئاً من الحصون ، وناصف الفرنج على المرقب ، وبانياس وبلاد أنطرسوس ،
وسائر ما بقي بأيديهم من البلاد والحصون ، وولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب والعمال وفتح
قيسارية(٢) من بلاد الروم، وأوقع بالروم(٣) والمغول على البلستين بأساً لم يسمع بمثله من دهور
متطاولة، واستعاد من صاحب سيس بلاداً كثيرة ٤) ، وجلس خلال ديارهم وحصونهم(٥) ، واسترد من
أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبك وبصرى وصرخد وحمص وعجلون والصلت وتدمر والرحبة وتل باشر
وغيرها ، والكرك والشوبك ، وفتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان ، وانتزع(٦) بلاداً من التتار
كثيرة ، منها شَيْزَر والبِيرَة ، واتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة ، وعمر شيئاً كثيراً من
الحصون والمعاقل والجسور على الأنهار الكبار ، وبنى دار الذهب بقلعة الجبل ، وبنى قبة على اثني عشر
عموداً ملونة مذهبة ، وصور فيها صور خاصكيته وأشكالهم ، وحفر أنهاراً كثيرة(٧) وخلجانات ببلاد
مصر، منها نهر السَّرْداس(٨)، وبنى جوامع كثيرة ومساجد عديدة، وجدد بناء مسجد رسول الله وَ ل حين
احترق ، ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة ، وعمل فيه منبراً وسقفه بالذهب ، وجدد المارستان
بالمدينة ، وجدد قبر الخليل عليه السلام ، وزاد في زاويته وما يصرف إلى المقيمين ، وبنى على المكان
المنسوب إلى قبر موسى عليه السلام قبة قبلي أريحا ، وجدد بالقدس أشياء حسنةً من ذلك قبلة السلسلة ،
ورمم سقف الصخرة وغيرها ، وبنى بالقدس خاناً هائلاً بماملاً ، ونقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين من
مصر ، وعمل فيه طاحوناً وفرناً وبستاناً ، وجعل للواردين إليه أشياء تصرف إليهم في نفقة وإصلاح
أمتعتهمُ(٩) رحمه الله. وبنى على قبر أبي عبيدة بالقرب من عَمْتا١٠) مشهداً، ووقف عليه أشياء(١١)
للواردين إليه ، وعمر جسر دامية ، وجدد قبر جعفر الطيار بناحية الكرك ، ووقف على الزائرين له شيئاً
(١) ب : ولم يبق .
(٢) ب : العمال والنواب وفتح قيصرية .
(٣) ب : وأوقع بها .
(٤) ب : كثيرة أيضاً .
(٥) ب : حصونهم ومعاقلهم .
(٦) ب : وأخذ .
(٧) أ : كثاراً .
(٨) قال ابن عبد الحكم : كانت خلجان مصر سبعة على جوانبها الجنات منها خليج سَرْدوس . معجم البلدان
(٣/ ٢٦٠ ) .
(٩) أ : الأمتعة.
(١٠) ((عمتا)): قرية بالأردن بها قبر أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ويقال هو بطبرية ومنها إلى مدينة طبرية اثنا عشر
فرسخاً . معجم البلدان (٤/ ١٥٣).
(١١) ب : شيئاً .

٤٥٦
أحداث سنة ٦٧٦ هـ
كثيراً، وجدد قلعة صَفَد(١) وجامعها، وجدَّد جامعَ الرملة وغيرها في كثير من البلاد التي كانت الفرنج
[ قد أخذتها وخرّبت جوامعها ومساجدها (٢)، وبنى بحلب داراً هائلة، وبدمشق القصر الأبلق والمدرسة
الظاهرية وغيرها ، [ وضرب الدراهم والدنانير الجيدة الخالصة على النصح والمعاملة الجيدة الجارية بين
الناس ، فرحمه الله ]٣) .
وله من الآثار الحسنة والأماكن ما لم يبن في زمن الخلفاء وملوك بني أيوب ، مع اشتغاله في الجهاد (٤)
في سبيل الله واستخدم من الجيوش شيئاً كثيراً(٥) ، ورد إليه نحواً من ثلاثة آلاف من المغول فأقطعهم وأمَّر
كثيراً منهم .
وكان مقتصداً في ملبسه ومطعمه وكذلك جيشه .
وهو الذي أنشأ الدولة العباسية بعد دثورها ، وبقي الناس بلا خليفة نحواً من ثلاث (٦) سنين.
وهو الذي أقام(٧) من كل مذهب قاضياً مستقلاً قاضي قضاة . وكان رحمه الله متيقظاً شهماً شجاعاً
لا يفتر عن الأعداء ليلاً ولا نهاراً ، بل هو مناجز لأعداء الإسلام وأهله ، ولم شعثه (٨) واجتماع شمله .
وبالجملة أقامه الله في هذا الوقت المتأخر عوناً ونصراً للإسلام وأهله (٩) ، وشجاً في حلوق المارقين من
الفرنج والتتار ، والمشركين .
وأبطل الخمور ونفى الفُسّاق من البلاد ، وكان (١٠) لا يرى شيئاً من الفساد والمفاسد إلا سعى في
إزالته بجهده وطاقته .
وقد ذكرنا في سيرته ما أرشد إلى حسن طويته وسريرته .
وقد جمع له كاتبه ابن عبد الظاهر سيرة مطوله (١١) ، وكذلك ابن شداد أيضاً.
(١) أ، ط : ضفت .
(٢) مكانهما في ب : قد عدت عليها .
(٣) عن ط وحدها .
(٤) أ : بالجهاد .
(٥) ب : استخدم جيوشاً كثيرة .
(٦) ب : بعد بقاء الناس بلا خليفة نحو من ثلاث سنين .
(٧) ب : وهو الذي جدد من مذهب قاضي قضاة مستقلا .
(٨) ب : ولا نهاراً عن مناجزة الأعداء ونصرة الإسلام ولمّ .
(٩) ب : في هذا الوقت لنصرة الإسلام وأهله وشجا.
(١٠) مكان اللفظة في ب : لا يألوا جهداً في نصح الإسلام وأهله .
(١١) اسم هذا الكتاب: ((الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر)) تأليف القاضي محيي الدين بن الظاهر وتحقيق
عبد العزيز الخويطر . الرياض ١٣٩٦ - ١٩٧٦ م .

٤٥٧
أحداث سنة ٦٧٦ هـ
وقد ترك من الأولاد عشرة ثلاثة ذكور وسبعُ(١) إناث ، ومات وعمره ما بين الخمسين إلى الستين .
وله أوقاف وصلات وصدقات ، تَقَبَّل اللهُ منه الحسنات ، وتجاوز له عن السيئات ، والله سبحانه
أعلم .
وقام في الملك بعده ولده [ الملك ] السعيد بمبايعة أبيه له في حال حياته ، وكان عمر السعيد يومئذ
دون العشرين سنة ، وهو من أحسن الأشكال وأتم الرجال .
وفي صفر وصلت الهدايا من الفنسُ(٢) مع رسله إلى الديار المصرية فوجدوا السلطان قد مات ، وقد
أقيمُ(٣) الملك السعيد ولده مكانه والدولة لم تتغير ، والمعرفة بعده ما تنكرت ، ولكن البلاد قد فقدت
أسدها بل أسدّها وأشدها ، بل الذي بلغ أشدها ، وإذا انفتحت ثغرة من سور الإسلام سدها ، وكلما
انحلت عقدة من عرى العزائم شدها ، وكلما رامت فرقة مارقة من طوائف الطعام أن تلج إلى حومة الإسلام
صدَّها وردّها ، فسامحه الله ، وبلَّ بالرحمة ثراه ، وجعل الجنة متقلَّبه ومثواه .
وكانت العساكر الشامية قد سارت إلى الديار المصرية ومعهم محقَّة يُظهرون أنَّ السلطان بها٤)
مريض ، حتى وصلوا إلى القاهرة فجددوا البيعة لسعيد بعدما أظهروا موت الملك السديد(٥) الذي هو إن
شاء الله شهيد .
وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من صفر خُطب في جميع الجوامع بالديار المصرية للملك السعيد ،
وصُلِّي على والده الملك الظاهر واستهلَّتْ عيناه بالدموعُ(٢) .
وفي منتصف ربيع الأول ركب الملك السعيد بالعصائب على عادته وبين يديه الجيش بكماله المصري
والشامي ، حتى وصل إلى الجبل الأحمر وفرح الناس به فرحاً شديداً ، وعمره يومئذ تسع عشرة سنة ،
وعليه أُبَّهة الملك ورئاسة السلطنة .
وفي يوم الإثنين رابع جمادى الأولى فُتحت مدرسة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقاني بالقاهرة ،
بحارة الوزيرية على مذهب أبي حنيفةً(١). وعمل فيها مشيخة حديث وقارىء . وبعده بيوم عقد عقد ابن
(١) ط : سبعة ؛ خطأ.
(٢) أوب والروض الزاهر (٣٣٧): الغنش، وفي الهامش: ALPHONSO Sesille .
ب : فوجدوا السلطان قد توفي ولكن وجدوا ولده الملك السعيد قد أقيم مقامه والدولة ما تغيرت .
(٣)
(٤)
ب : منها .
( ٥)
ب : الملك الشديد .
(٦) ب : واستهلت عليه بالدموع الآماق والحناجر .
(١) أ، ب : مذهب الحنفية .

٤٥٨
وفيات سنة ٦٧٦ هـ
الخليفة المستمسك بالله ابن الحاكم بأمر الله ، على ابنة الخليفة المستنصر ابن الظاهر ، وحضر والده
والسلطان ووجوه الناس(١)
وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى شُرع في بناء الدار التي تعرف بدار العقيقي ، تجاه العادلية
لتجعل مدرسة وتربة [ للسلطان ] الملك الظاهر، ولم تكن قبل ذلك إلا داراً للعقيقي ، وهي المجاورة
لحمام العقيقي ، وأسس أساس التربة في خامس جمادى الآخرة [ وأسست المدرسة أيضاً (٢).
وفي رمضان طلعت سحابةٌ عظيمةٌ بمدينة صفد(٣) لمع منها برقٌ شديدٌ ، وسطع منها لسان نار ،
وسمع منها صوت شديد هائل ، ووقع منها على منارة صفد(٤) صاعقة شقتها من أعلاها إلى أسفلها شقّاً
يدخل الكف فيه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
البرواناه(٥) في العشر الأول من المحرم .
والملك الظاهر(٦) في العشر الأخير منه ، وقد تقدم شيء من ترجمتهما ٧)
الأمير الكبير بدر الدين بيلبك بن عبد الله(٨) الخزندار نائب الديار المصرية للملك الظاهر .
كان جواداً ممدَّحاً ، له إلمام ومعرفة بأيام الناس ، والتواريخ ، وقد وقف درساً بالجامع الأزهر على
(١) ب : ووجوه المملكة وكان يوماً مشهوداً.
(٢) مكان القوسين : الظاهرية.
(٣) أط : صفت .
(٤) أط : صفت.
(٥) البَرْواناه وقد تقدم اسمه : سليمان بن علي بن حسن بن محمد بن حسن معين الدين ؛ ترجمته في ذيل مرآة الزمان
(٢٦٨/٣ - ٢٧١) وتاريخ الإسلام (٣١٢/١٥) والإشارة (٣٦٨) والعبر (٣١٠/٥) والوافي بالوفيات
(٤٧/١٥) وفوات الوفيات (٧١/٢) والنجوم الزاهرة (٢٧٩/٧) والدليل الشافي (٣١٩/٨) وشذرات الذهب
( ٦١٤/٧ ) .
(٦) الملك الظاهر - بيبرس بن عبد الله . - ترجمته في ذيل المرآة (٢٣٩/٣ - ٢٦٢) والمختصر لأبي الفداء (٤/ ١٠ -
١١) ووفيات الأعيان (٤/ ١٥٢ - ١٥٦) وتاريخ الإسلام (٣٠٦/١٥) والإشارة (٣٦٧) والعبر (٣٠٨/٥ -
٣٠٩) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٨٢) وفوات الوفيات (٢٣٥/١ -٢٤٧) والنجوم الزاهرة (٢٧٨/٧) والدليل
الشافي (٢٠٣/١٠) وحسن المحاضرة (٩٥/٢ - ١٠٥) والدارس (٣٤٩/١ -٣٥١) وشذرات الذهب (٦١٠/٧
- ٦١١) وترويح القلوب (٧٤).
(٧)
ب : من ذكر ترجمتهما .
(٨) ترجمة - بيلبك بن عبد الله - في ذيل المراة (٢٦٢/٣ - ٢٦٤) وتاريخ الإسلام (٣٠٨/١٥) والإشارة (٣٦٨)
والعبر (٣٠٩/٥) والوافي بالوفيات (٣٦٥/١٠) والنجوم الزاهرة (٢٧٦/٧) والدليل الشافي (٢١١/١)
وشذرات الذهب ( ٧/ ٦١٣ ).

٤٥٩
وفيات سنة ٦٧٦ هـ
الشافعية، ويقال إنه سُمَّ فمات، ( فلما مات ) انتقض بعده حبل الملك السعيد ، واضطربت أموره .
قاضي القضاة شمس الدين الحنبلي (١) محمد ابن الشيخ العماد أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن
علي بن سرور المقدسي .
أول من ولي قضاء الحنابلة بالديار المصرية ، سمع الحديث حضور(٢) على ابن طبرزذ وغيره ،
ورحل إلى بغداد واشتغل بالفقه ، وتفنَّن في علوم كثيرة ، وولي مشيخة سعيد السعداء . وكان شيخاً مهيباً
حسن الشيبة كثير التواضع والبر والصدقة ، وقد اشترط في قبول الولاية أن لا يكون له عليها جامكية ليقوم
في الناس بالحق في حكمه ، وقد عزله الظاهر عن القضاء(٣) سنة سبعين واعتقله بسبب الودائع التي كانت
عنده ، ثم أطلقه بعد سنتين فلزم منزله واستقر بتدريس الصالحية إلى أن توفي في أواخر المحرم ، ودفن
عند عمه (٤) الحافظ عبد الغني بسفح جبل المُقَطَّم ، وقد أجاز للبرزالي .
قال الحافظ البرزالي : وفي يوم(٥) السبت ثاني عشر ربيع الأول ورد الخبر بموت ستة أمراء من الديار
المصرية : سنْقُر البغدادي، وبسط(٦) البلدي التتري، وبدر الدين الوزيري، وسُنْقُر الرومي(٧)، وآق
سنقر الفارقاني(٨) رحمهم الله تعالى .
الشيخ خضر الكردي(٩) شيخ الملك الظاهر خضر بن أبي بكر بن موسى الكردي النهراوني العدوي ،
ويقال إن أصله من قرية المحمدية من جزيرة ابن عمر ، كان يُنسب إليه أحوالٌ ومكاشفاتٌ ، ولكنّه لما
خالط الناس افتُن ببعض بنات الأمراء ، وكان يقول عن الملك الظاهر وهو أمير إنه سيلي المُلْك ، فلهذا
كان الملك الظاهر يعتقده ويبالغ في إكرامه بعد أن ولي المملكة ، ويعظمه تعظيماً زائداً، وينزل عنده(١٠)
(١) ترجمة - شمس الدين الحنبلي - في ذيل مرآة الزمان (٢٧٩/٣ - ٢٨٠) وتاريخ الإسلام (٣٢٠/١٥) والإشارة
(٣٦٨) والعبر (٣١١/٥ -٣١٢) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٨٢) والوافي بالوفيات (٩/٢) والمقصد الأرشد
(٣٣٤/٢) والنجوم الزاهرة (٢٧٩/٧) والدليل الشافي (٥٧٩/٢) وشذرات الذهب (٦١٦/٧ - ٦١٧ ).
(٢) ط : خصوصاً .
(٣) ب : وقد عزله السلطان عن القضاء قبل موته .
(٤) ط : عم .
(٥) يبدأ الخبر في أ بقوله : وفي يوم السبت .
(٦) أ : بطا، ولا تتضح في ب ولم أصل فيها إلى رأي .
(٧) الخبر في ذيل مرآة الزمان ( ٢٧١/٣) .
(٨) الخبر في ذيل المرآة (٢٩٨/٣) والنجوم (٢٨٠/٧).
(٩) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٧١ ، وقد أخلت ب بهذه الترجمة ، وقد ترجمه الذهبي في وفيات هذه السنة .
ويلاحظ أن هذه الترجمة تختلف في فحواها عن سابقتها .
(١٠) أ : وينزل إلى عنده.

٤٦٠
وفيات سنة ٦٧٦ هـ
إلى زاويته في الأسبوع مرةً أو مرتين ، ويستصحبه معه في كثير من أسفاره ، ويلزمه (١) ويحترمه ويستشيره
فيشير عليه برأيه ومكاشفاتٍ صحيحةٍ مطابقةٍ ، إما رحمانية أو شيطانية ، أو حال استعادة٢)، لكنه افتتن
لما خالط الناس ببعض بنات الأمراء ، وكن لا يحتجبن منه ، فوقع في الفتنة . وهذا في الغالب واقع في
مخالطة الناس فلا يسلم المخالط لهم من الفتنة ، ولا سيَّما مخالطة النساء مع ترك الاحتجاب(٣) ، فلا
يسلم العبدُ ألبتة منهم . فلما وقع فيما٤) وقع فيه حوقق عند السلطان وبَيْسَري وقلاوون والفارس أقطاي
الأتابك ، فاعترف ، فهم بقتله فقال له : إنما بيني وبينك أيام قلائل ، فأمر بسجنه فسُجن سنين عديدة من
سنة إحدى وسبعين إلى سنة ست وسبعين ، وقد هدم بالقدس كنيسة(٥) وذبح قسيسها وعملها زاوية ، وقد
قدمنا ترجمته قبل ذلك فيما تقدم ، ثم لم يزل مسجوناً حتى مات في يوم الخميس سادس المحرم من هذه
السنة ، فأخرج من القلعة وسلم إلى قرابته فدُفن في تربةٍ أنشأها في زاويته . مات وهو في عشر الستين ،
وقد كان يكاشف السلطان في أشياء ، وإليه تنسب قبة الشيخ خضر التي على الجبل غربي الربوة ، وله
زاوية بالقدس الشريف .
الشيخ محيي الدين النَّوويُ(٦) ، يحيى بن شَرَف بن [ مري ]٧) بن حسن بن حسين بن جمعة بن حزام
الحِزاميُ(١) العالم ، محيي الدين أبو زكريا النَّوَوي(٩) ثم الدمشقي الشافعي العلامة شيخ المذهب ، وكبير
الفقهاء في زمانه .
ولد بنوَى سنة إحدى وثلاثين وستمئة ، ونَوى قرية من قرى حوران ، وقد قدم دمشق سنة تسع
(١) أ : ويكرمه .
(٢) أ : أو حال استعادة .
(٣) ط : الأصحاب .
أ : وقع ما وقع .
(٤)
(٥) أ : كنيسة عظيمة .
(٦) ترجمة - النووي - في ذيل مرآة الزمان (٢٨٣/٣ - ٢٩٢) وتاريخ الإسلام (٣٢٤/١٥ -٣٣٢) والعبر (٣١٢/٥ -
٣١٣) والإشارة (٢٨٢) وتذكرة الحفاظ (١٤٧٠ - ١٤٧١) وفوات الوفيات (٢٦٤/٤ -٢٦٨) وطبقات الإسنوي
(٤٧٦/٢ - ٤٧٧) وطبقات الشافعية الكبرى (٣٩٥/٨) والنجوم الزاهرة (٢٧٨/٧) والدليل الشافي (٧٧٥/٢)
والدارس (٢٤/١) وشذرات الذهب (٦١٨/٧ - ٦٥١).
(٧) ليست في الأصول واستدركت عن مصادره ، والضبط في تاج العروس : مِرَى ، والنجوم الزاهرة ، وهي في
الشذرات : مُرِّي . وقال الزركلي رحمه الله : مُري بضم الميم وكسر الراء كذا وجد مضبوطاً بخطه . الأعلام
(١٨٥/٩).
(٨) في ط : الحازمي؛ تحريف . والحزامى : بحاء مهملة مكسورة بعدها زاي معجمة . الإسنوي .
(٩) النواوي يجوز إثبات الألف وحذفها كما في الدارس والشذرات . وقال الزركلي رحمه الله : كان يكتبها هو بغير
الألف . وقد أثبت نموذجاً من خطه . الأعلام (٩/ ١٨٥).