Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
وفيات سنة ٦٦٢ هـ
قلت : داره هذه هي التي جعلت مدرسة للشافعية وقفها الأمير جمال الدين(١) آقوش النجيبي [ التي
يقال لها النجيبية ]٢) تقبل الله منه. وبها إقامتنا جعلها الله داراً تعقبها دار القرار في الفوز العظيم. قد كان
أبو جمال الدين النجيبي وهوصفي الدين وزير الملك الأشرف ، وملك من الذهب ستمئة ألف دينار
خارجاً عن الأملاك (٣) والأثاث والبضائع ، وكانت وفاة أبيه بمصر سنة تسع وخمسين ، ودفن بتربته عند
المقطم .
عين غين قال أبو شامة ٤) : وجاء الخبر من مصر بوفاة عثمان المصري المعروف بعين غين .
الوتار الموصلي وفي ثامن عشر ذي الحجة توفي الشمس الوتّار(٥) الموصلي ، وكان قد حَصَّل
شيئاً من علم الأدب ، وخطب بجامع المزة مدةً . فأنشدني لنفسه في الشيب وخضابه قوله : [ من
الطويل ]٦)
كُرُوحينٍ(٢) في جسمٍ وما نَقَضَتْ عَهدا
وكنتُ وإيّاها مُذ اختطَّ عارضي
توهمتُهُ سيفاً فَألبستُهُ غِمْدا
فلمّا أتاني الشیبُ يقطعُ بيننا
الزين الحافظي(٨) وفيها : استحضر الملك هولاكو خان [ ملك التتار ] الزين الحافظي وهو سليمان
ابن [المؤيد بن ] عامر العَقْرباني(٩) المعروف بالزين الحافظي ، وقال له قد ثبت عندي خيانتك ، وقد كان
هذا المغتر لما قدم التتار سند هولاكو ومالأ١٠) على المسلمين ودلَّ على عوراتهم ، حتى سلطهم الله عليه
[ فأهلكوه ] بأنواع العقوبات والمثلات [ قال الله تعالى] ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضَا﴾ [ الأنعام: ١٢٩ ]
(١) ترجمة آقوش النجيبي سترد في وفيات سنة ٦٧٧ من هذا الجزء.
(٢) عن ط وحدها .
(٣) عن الأموال .
(٤) أ، ب: قال: وجاء الخبر. الخبر في ذيل الروضتين (٣٢٣) وتاريخ الإسلام (١٥/ ٥٧).
(٥) ط: الوبّار؛ تحريف وما هنا عن الأصلين ويوافق ما في الروضتين (٢٣٢) مصدر المؤلف. قال بشار: ترجمه
عز الدين الحسيني في صلة التكملة ( الورقة ١٤٧) واليونيني في ذيل المرأة (٢/ ٣١٠) والذهبي في تاريخ الإسلام
(٦١/١٥) وسموه : محمد بن أبي بكر بن سيف ، الفقيه شمس الدين التنوخي الموصلي ، ابن الوتار ، خطيب
المزة ( بشار ) .
(٦)
البيتان في ذيل الروضتين ( ٢٣٢).
(١)
في ذيل الروضتين : كزوجين .
(٨) ترجمة - الزين الحافظي - في عيون الأنباء في طبقات الأطباء (١٨٩/٢ - ١٩٠) وفي ذيل مرآة الزمان (٢٣٤/٢ -
٢٣٩) وفوات الوفيات (٧٧/٢ - ٧٨) وتاريخ الإسلام (٥٣/١٥) والعبر (٢٦٧/٥ - ٢٦٨) والشذرات
(٥٣٥/٧ ) .
(٩) ويقال فيه : العقربائي وهو الأصح ، وهو منسوب إلى عقرباء ، بلفظ العقرب ، وهي اسم مدينة الجولان ( بشار) .
(١٠) ط : لما قدم التتار مع هولاكو دمشق وغيرها مالاً على المسلمين وآذاهم.

٤٠٢
حدث مددة ٦٦٣ ر
و[ في الجملة] ((من أعانَ ظالماً سُلَّط عليه )))، فإنّ الله ينتقم من الظالم بالظالم ثم ينتقم من الظالمين
جميعاً ، نسأل الله العافية من انتقامه وغضبه وعقابه وشر عباده .
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وستمئة
وفيها : جهز السلطان [ الملك ] الظاهر عسكراً جمّاً كثيفاً إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين
بالبيرة، فلما سمعوا بالعساكر [ الظاهرية] قد أقبلت ولوا مدبرين، فطابت تلك الناحية وأمنت تلك
المعاملة ، وقد كانت قبل ذلك لا تسكن من كثرة الفساد والخوف ، فعمرت وأمنت .
وفيها : خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الفرنجُ(٤) ففتح قيسارية في ثلاث
ساعات من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى يومُّ نزوله عليها ، وتَسَلَّم قلعتَها في يوم الخميس الآخر
خامس عشرة فهدمها وانتقل إلى غيرها ، ثم جاء الخبر بأنه فتح مدينة أرسوف٦) وقتل من بها من الفرنج
وجاءت البريدية بذلك . فدقت البشائر في بلاد ١) المسلمين وفرحوا بذلك فرحاً شديداً .
وفيها : ورد خبر من بلاد المغرب بأنهم انتصروا على الفرنج وقتلوا منهم خمسة وأربعين ألف
مقاتل٤)، وأسروا عشرة آلاف، واسترجعوا منهم ثنتين وأربعينُ "٢١ بلدة منها شريشُ(١) وإشبيلية
وقرطبة ومرسية ، وكانت النصرة في يوم الخميس رابع عشر رمضان٣ ١) سنة ثنتين وستين .
وفي رمضان من هذه السنة شُرع في تبليط باب البريد من باب الجامع إلى القناة ١٣) التي عند الدرج
ذكره السيوطي في الجامع الصغير ، من رواية ابن عساكر عن ابن مسعود ، وهو ضعيف ، وكذلك رواه أبو حفص
الكتاني في جزء من حديثه عن ابن مسعود مرفوعاً ، وهو ضعيف .
أ، ب : تطرد التتار النازلين للبيرة .
: ٣) أ، ب : تولوا على أعقابهم منهزمين والحمد لله رب العالمين.
(٤) أ، ب : في عساكر أخر عظيمة فقصد بلاد الساحل لحصار الفرنج .
(٥) أ، ب : وهو يوم .
(٦) أرسوف: على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. معجم البلدان (١/ ١٥١).
(١) أ، ب : في قلاع المسلمين .
(٨) أ، ب : أورد .
(٩) ط : ألفاً .
(١٠) أ : وثلاثين .
(١١) ط: برنس؛ تحريف. وشريش: مدينة كبيرة من كورة شذونة ، وهي قاعدة هذه الكورة ، ويسمونها زمن ياقوت
( شرش ). معجم البلدان ( ٣٤٠/٣).
(١٢) أ، ب : في يوم الخميس الرابع عشر من رمضان سنة .
(١٣) أ، ب : القنى.

٤٠٣
احداث سنه ٦٦٣هـ
وعمل في الصف القبلي منها ١) بركة وشاذروان. وكان في مكانها٢) قناة من القنوات ينتفع الناس بها)
عند انقطاع نهر بانياس فغيرت وعمل [ هذا ] الشاذروان .
[ قلت]: ثم غُيِّرتُ(*) وعمل مكانها دكاكين .
وفيها : استدعى الظاهر نائبه على دمشق الأمير آقوش، فسار إليه سامعاً مطيعاً، وناب عنه٢) الأمير
علم الدين الحصني حتى عاد مكرماً معزوزً(١) .
وفيها : ولى [ الملك ] الظاهر قضاة من بقية المذاهب في مصر(١) مستقلين بالحكم يولون من جهتهم
في البلدان أيضاً كما يولي الشافعي ، فتولَّى قضاء الشافعية التاج عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ؟)، و[ تولى
قضاء ] الحنفية شمس١١) الدين سليمان، و[ قضاء] المالكية شمس الدين الشُّبْكيُ(١١)، والحنابلة
شمس الدين محمد المقدسي(١٢) ، وكان ذلك يوم الإثنين الثاني والعشرين من ذي الحجة بدار
العدل١٣ُ"، وكان سبب ذلك كثرة توقف القاضي [ تاج الدين ] بن بنت الأعز في أمور تخالف مذهب
الشافعي ، وتوافق غيره من المذاهب ، فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي(١٤) العزيزي على السلطان بأن
يولي من كل مذهب قاضيا١ً) مستقلاً يحكم بمقتضى مذهبه ، فأجابه إلى ذلك ، وكان يحب رأيه
ومشورته٦ ١)
(١) أ، ب : منه .
(٢) أ، ب : وكان في موضعها قناة .
(٣) عن ط وحدها .
(٤) ط : ماناس ؛ تحريف .
(٥) أ، ب : ثم غيّر ذلك.
(٦) أ، ب : الأمير جمال الدين آقوش النجيبي فسار إليه سمعاً وطاعة وقد ناب .
(٧) أ، ب : معززاً .
(٨) أ، ب : الديار المصرية.
(٩) سترد ترجمة لابن بنت الأعز في حوادث سنة ٦٨٠ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(١٠) كذا في الأصول، وفي مصادره: صدر الدين. وسترد ترجمته في وفيات سنة ٦٧٧ من هذا الجزء إن شاء الله .
(١١) سترد ترجمة السبكي في وفيات سنة ٦٦٩ من هذا الجزء.
(١٢) سترد ترجمة القاضي محمد المقدسي في وفيات سنة ٦٧٦ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(١٣) أ: بدار العقل ، وفي ب: بدار العزل؛ وكلاهما تحريف.
(١٤) سترد ترجمة ايدغدي في وفيات سنة ٦٦٤ من هذا الجزء إن شاء الله .
(١٥) أ، ب : قاضي قضاة .
(١٦) ينتهي هذا الخبر في أ، ب بقوله: فأجابه إلى ذلك ففعل كما ذكرنا .

٤٠٤
أحداث سنة ٦٦٣ هـ
وبعث(١) بأخشاب ورصاص وآلات كثيرة لعمارة مسجد رسول الله وَ لل وأرسل منبراً فنصب هنالك.
وفيها : وقع حريق عظيم ببلاد مصر واتّهم النصارى فعاقبهم الملك الظاهر عقوبة عظيمة .
وفيها : جاءت الأخبار(٢) بأن سلطان التتار هولاكو هلك إلى لعنة الله وغضبه في سابع ربيع الآخر
بمرض الصرع بمدينة مراغة ، ودفن بقلعة تلا وبنيت عليه قبة واجتمعت التتار على ولده أبغا ، فقصده
الملك بركة خان فكسره وفرق جموعه ، ففرح الملك الظاهر بذلك ، [ فرحاً شديداً ] وعزم على جمع
العساكر ليأخذ بلاد العراق فلم يتمكن من ذلك لتفرق العساكر في الإقطاعات .
وفيها : في ثاني عشر شوال سلطن الملك الظاهر ولده الملك السعيد محمد بركة خان(٣) ، وأخذ له
البيعة من الأمراء وأركبه ومشى الأمراء بين يديه ، وحمل والده الظاهر(٤) الغاشية بنفسه والأمير بدر الدين
بيسرى [الشمسي ] حامل الجتر(٥)، والقاضي تاج الدين [ بن بنت الأعز ] والوزير بهاء الدين ابن حنا
راكبان وبين يديه ، وأعيان الأمراء ركبان وبقيتهم مشاة حتى شقوا القاهرة وهم كذلك ، وكان يوماً
مشهوداً .
وفي ذي القعدة ختن الظاهر ولده الملك السيد المذكور ، وختن معه جماعة من أولاد الأمراء وكان
يوماً مشهوداً(٦)
وفيها توفي (٧)
[ الزين ] خالد بن يوسف بن سعد النابلسي(٨) الشيخ زَينُ الدين ابن الحافظ شيخ دار الحديث النُّورية
بدمشق .
كان عالماً بصناعة الحديث حافظاً لأسماء الرجال ، وقد اشتغل عليه في ذلك الشيخ محيي الدين النواوي(٩)
(١) لم يرد هذه الخبر في أولا في ب .
(٢) أ، ب : ورد الخبر .
(٣) أ، ب : بركة قان.
عن ط وحدها .
(٤)
(٥) ط : الخبز؛ تحريف والجتر هو المظلة. والخبر في ذيل مرآة الزمان (٣٢٣/٢).
(٦) أ، ب : ختن السلطان ولده السعيد وختن معه جماعة من أولاد الأمراء وكان وقتاً هائلاً.
(٧) أ، ب : وممن توفي فيها .
(٨) ترجمة - الزين خالد - في ذيل الروضتين (٢٣٣) وذيل مرآة الزمان (٣٢٦/٢) وتاريخ الإسلام (٨٤/١٥)
والإعلام بوفيات الأعلام (٢٧٧) والعبر (٢٧٣/٥) والإشارة (٣٦٠) والنجوم الزاهرة (٢١٩/٧) وشذرات
الذهب ( ٧/ ٥٤٢ - ٥٤٣).
(٩) سترد ترجمة النووي في وفيات سنة ٦٧٦ من هذا الجزء إن شاء الله .

٤٠٥
أحداث سنة ٦٦٤ هـ
وغيره ، وتولى بعده مشيخة [ دار الحديث ]١) النورية الشيخ تاج الدين الفزاري(٢)، وكان الشيخ زين
الدين حسنَ الأخلاق فكه النفس كثيرَ المزاح على طريقة المحدثين ، رحل (٣) إلى بغداد واشتغل بها ،
وسمع الحديث وكان فيه خير وصلاح وعبادة ، وكانت جنازته حافلة٤) ودفن بمقابر باب الصغير رحمه
الله .
الشيخ أبو القاسم الحُوَّاريُ(٥) هو أبو القاسم [ بن ] يوسف بن أبي القاسم بن عبد السلام الأموي(٦)
الشيخ المشهور صاحب الزاوية بحُوَّارى(٧) .
توفي ببلده ، وكان خيّراً صالحاً ، له أتباعٌ وأصحابٌ يُحبّونه ، وله مُريدون كثير من قرايا حوران
الجبل والبِثَنَّةُ(٨) وهم حنابلة لا يرون الضرب بالدف بل بالكف ، وهم أمثل من غيرهم .
القاضي بدر الدين الكردي السنجاري(٩) الذي باشر القضاء بمصر مراراً توفي بالقاهرة ١) . قال
أبو شامةٌ (١): و[ كانت ] سيرته معروفة في أخذ الرشا من قضاة الأطراف [ والشهود ] والمتحاكمين
إليه ، إلا أنه كان جواداً كريماً صُودر هو وأهله .
ثم دخلت سنة أربع وستين وستمئة
استُهلَّت والخليفة الحاكم العباسي والسلطال(١٢) الملك الظاهر وقضاة مصر أربعة . وفيها
(١) عن ط وحدها .
سترد ترجمة الفزاري في وفيات سنة ٦٩٠ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٢)
(٣) أ، ب : وكان قد رحل .
(٤) أ، ب : حفلة .
(٥) ترجمة - أبي القاسم الحوّاري - في ذيل مرآة الزمان (٣٣٦/٢) وفيه: أبو القاسم بن ... وتاريخ الإسلام
(٩٥/١٥) والإشارة (٣٦٠) والعبر (٢٧٥/٥) والنجوم الزاهرة (٢١٩/٧) والمقصد الأرشد (١٦٢/٣)
والشذرات ( ٢٤٤/٧) .
في كتب الذهبي والشذرات : العوفي .
(٦)
في ذيل المرأة : حوارى من عمل السواد .
(٧)
ط : الحلل والبثنية ؛ تحريف .
(٨)
(٩)
ترجمة - بدر الدين السنجاري وهو يوسف بن الحسن بن علي أبو المحاسن الزُّراري - في ذيل الروضتين (٢٣٤)
وذيل مرآة الزمان (٣٣٢/٢ - ٣٣٦) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٧٧) والعبر (٢٧٤/٥) والإشارة (٣٦٠)
والنجوم الزاهرة (٢١٩/٧) والشذرات (٥٤٤/٣) وفيه : السنجاري الزُّراري بالضم ومهملتين نسبة إلى زرارة جد.
(١٠) أ، ب : بالديار المصرية مراراً وكانت وفاته بالقاهرة.
(١١) ذيل الروضتين (٢٣٤).
(١٢) أ، ب : وسلطان المسلمين.

٤٠٦
جعل بدمشق أربعة قضاة من كل مذهب قاض كما فعل بمصر عام أول ، ونائب الشام آقوش
النجيبي .
[ وفيها : وردت الولايات لقضاء القضاة من المذاهب الثلاثة فصار كل مذهب فيه قاضي قضاة فكان
في منصب الشافعية شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم ] ابن خلكان" [ البرمكي، وصار على
قضاء ] الحنفية شمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء، والحنابلة شمس الدين عبد الرحمن ابن
الشيخ أبي عمر " [ محمد بن أحمد بن قدامة ]، والمالكية عبد السلام بن الزواوي ، وقد امتنع من
الولاية فألزم بها حتى قبل ثم عزل نفسه ، ثم ألزم بها فقبل بشرط أن لا يباشر أوقافاً ولا يأخذ جامكية على
[ الحكمُ" فأجيب إلى ذلك وكذلك قاضي الحنابلة لم يأخذ على ] أحكامه [أجراً] . وقال : نحن في
كفاية فأُعفي من ذلك أيضاً رحمهم الله . وقد كان هذا الصنيع الذي لم يسبق إلى مثله قد فُعل في العام
الأول بمصر كما تقدم١)، واستقرت الأحوال على هذا المنوال .
وفيها : كمل عمارة الحوض الذي شرقي قناة البريد وعمل له شاذروان وقبة وأنابيب٩) يجري منها
الماء إلى جانب الدرج الشمالي (١)
وفيها : نازل الظاهر صفذ ١)
واستدعى بالمجانيق من دمشق وأحاط بها ولم يزل حتى افتتحها ،
ونزل أهلها على حكمه ، فتسلّم البلد في يوم الجمعة ثامن عشر شوال [ من هذه السنة ] ، وقتل المقاتلة
وسبى الذرية ، وقد افتتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب(١٢) في شوال أيضاً في أربع وثمانين وخمسمئة ،
ثم استعادها الفرنجُ(١٣) فانتزعها الظاهر منهم قهراً في هذه السنة ولله الحمد١٤)، وكان السلطان الظاهر في
(١) أ، ب : استجد .
(٢) أ، ب : كما فعل في العام الماضي بديار مصر وسيأتي تفصيله .
سترد ترجمة ابن خلكان في وفيات سنة ٦٨١ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى .
(٣)
(٤)
سترد ترجمة ابن عطاء في وفيات سنة ٦٧٣ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى .
سترد ترجمة محمد بن أبي عمر في وفيات سنة ٦٨٢ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٥)
سترد ترجمة الزواوي في وفيات سنة ٦٨١ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٦)
(٧)
أ ، ب : الحاكم وما هنا عن السياق .
(٨) أ، ب : بالديار المصرية أيضاً.
(٩) أ : وفيه أنابيب ، وفي ب : وقبة أنابيب .
(١٠) أ، ب : وفيها الماء من القناة التي هي غربية إلى جانب.
(١١) أ، ب : وفيها قدم السلطان الملك الظاهر بعساكره فنازل مدينة صفد .
(١٢) أ، ب : وقدكان الملك صلاح الدين افتتحها في شوال أيضاً.
(١٣) أ، ب : ثم استعادوها .
(١٤) أ، ب : فانتزعها منهم قسراً الملك الظاهر رحمه الله تعالى في هذه السنة كما ذكرنا ولله الحمد والمنة .

٤٠٧
أحداث سنة ٦٦٤ هـ
نفسه منهم شيء كثير، فلما توجه إلى١) فتحها طلبوا الأمان [ على أن يعطيهم السلطان الأمان ] ، فأجلس
على سرير مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري، وجاءت رسلهم فخلعوه ٢) وانصرفوا ولا يشعرون أن
الذي أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الذي أجلسه على السرير والحرب خدعة ، فلماخرجت
الاسبتارية) والداوية من القلعة وقد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل القبيحة ، فأمكن الله منهم فأمر السلطان
بضرب رقابهم عن آخرهم٤ُ) ، وجاءت البريدية إلى البلاد بذلك ، فدقت البشائر وزينت البلاد ، ثم بث
السرايا يميناً وشمالاً في بلاد الفرنج فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب عشرين حصناً ، وأسروا
قريباً من ألف أسير ما بين امرأة وصبي ، وغنموا شيئاً كثيرا٥ً)
وفيها : قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر من الأسر واسمه علي (٦) فأُكرم وأُنزل بالدار
الأسدية تجاه العزيزية ، وقد كان أسيراً في أيدي التتار ، فلما كسرهم بركة خان تخلص من أيديهم وسار
إلى دمشق ، ولما فتح السلطان صفداً أخبره(١) بعض مَنْ كان فيها من أسرى المسلمين أن سبب أسرهم أن
أهل قرية قارة) كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج فيبيعونهم منهم، فعند ذلك ركب السلطان(٩)
قاصداً قارة فأوقع بهم بأساً شديداً وقتل منهم خلقاً كثيراً ، وأسر من أبنائهم ونسائهم أخذاً بثأر المسلمين
جزاه الله خيراً. ثم أرسل السلطان [الملك الظاهر ] جيشاً هائلاً إلى بلاد سيس، فجاسوا خلال الديارُ(١٠)
وفتحوا سيس عنوة وأسروا ابن ملكها وقتلوا أخاه ونهبوها ، وقتلوا أهلها وأخذوا بثأر الإسلام وأهله
منهم ، وذلك أنهم كانوا أضرَّ شيء زمن التتار ، لما أخذوا مدينة حلب وغيرها أسروا(١) من نساء
المسلمين وأطفالهم خلقاً كثيراً ، [وجمّاً غفيراً ] ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على بلاد المسلمين في زمن
(١) عن ط وحدها .
(٢) أ، ب : فحلفوه وانصرفوا لا يشعرون والحرب خدعة .
(٣) ط : الاستنارية ؛ وهو تصحيف ظاهر .
بعدها في أ ، ب : والحرب خدعة وجاءت البشائر وزينت البلاد وفرح العباد ولله الحمد ثم بث .
(٤)
بعدها في أ، ب : ودقت البشائر في البلدان وفرح المسلمون بنصر الله وتأييده .
(٥)
(٧) أ، ب : فلما كسر بركة خان لهؤلاء وتخلص منهم سار إلى هاهنا ولله الحمد ولما فتح السلطان صفداً خبره .
(٦)
في أ ، ب : بن المستنصر بن الظاهر بن الناصر العباسي واسمه علي .
(٨) ط : فأرة؛ وهي تحريف . وقال أبو الفداء في تاريخه (٤/٤)؛ قارا بين دمشق وحمص أمر بنهب أهلها وقتل
كبارهم لأنهم كانوا نصارى . والخبر في ذيل مرآة الزمان (٣٤٤/٢) والنجوم (٧/ ١٤٠) ومعجم البلدان
( ٤ / ٢٩٥ ) .
(٩) أ، ب : ركب السلطان وجاء إلى قارا.
(١٠) أ، ب : خلال ديارها .
(١١) أ، ب : أخذوا .

٤٠٨
أحداث سنة ٦٦٤ هـ
هولاكو فكبته الله [ وأهانه على يدي أنصار الإسلام، هو وأميره كتبغا، وكان أخذ سيس يوم ]١) الثلاثاء
العشرين من ذي القعدة من هذه السنة، وجاءت(٢) الأخبار بذلك إلى البلاد وضُربت البشائر.
وفي الخامس والعشرين من ذي الحجة دخل السلطان [ الملك الظاهر دمشق المحروسة ] وبين يديه
ابن صاحب سيس وجماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلاء صغرة ، والعساكر صحبته وكان يوماً مشهوداً .
ثم سار إلى مصر (٣) مؤيّداً منصوراً، [ مسروراً محبوراً ولله الحمد ] وطلب صاحب سيس أن يفادي ولده ،
فقال السلطان(٤) لا نفاديه إلا بأسير لنا عند التتار يقال له سنقر الأشقر ، فذهب صاحب سيس إلى ملك النتر
فتذلل له [ وتمسكن وخضع له ]°)، حتى أطلقه له ، فلما وصل سنقر الأشقر إلى السلطان أطلق ابن
صاحب سيس(٦).
وفيها : عمر الظاهر الجسر المشهور بين فراوى (١) ودامية ، تولى عمارته الأمير جمال الدين محمد بن
بهادر وبدر الدين محمد بن رحال والي نابلس والأغوار ، ولما تمَّ بناؤه اضطرب بعضُ أركانه فقلق
السلطان من ذلك(٨) وأمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جري الماء حينئذ ، فاتفق بإذن الله أن انسالت على
النهر أكمة من تلك الناحية ، فسكن الماء بمقدار أن أصلحوا٩) ما يريدون ، ثم عاد الماء كما كان وذلك
بتيسير الله وعونه وعنايته العظيمة .
وفيها توفي من الأعيان ١٠)
أَيْدُغْدِيُ(١١) بن عبد الله الأمير جمال الدين العزيزي .
(١) أ، ب: وأهانه وذله على يدي أنصار الإسلام ولله الحمد والمنة كثيراً ودائماً وكانت النصرة عليهم في يوم.
(٢) ب : ووردت الأخبار ، أ : وورد الأخبار .
(٣) أ، ب : إلى الديار المصرية.
(٤) أ، ب : أن يفادي ولده من السلطان فقال لا.
(٥) أ، ب : وتخضع .
(٦) أ، ب: الأشقر فأخلق السلطان ابن صاحب سيس، وسمّى أبو الفداء اسم ابن صاحب سيس في تاريخه (٤ - ٣
و٤ ) : ليفون بن هيثوم .
(٧) ط: قرارا، وفي أ، ب: مرارا، وفي ذيل المرآة: قراوا، وما هنا عن النجوم الزاهرة (٧/ ١٤٠) ج٦ وهي
حاشية مفيدة كأكثر حواشي هذا الكتاب .
(٨) أ، ب : لذلك .
(٩) بمقدار ما أصلحوا .
(١٠) أ، ب : وممن توفي فيها.
(١١) ترجمة - أيدغدي - في ذيل مرآة الزمان (٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤) وتاريخ الإسلام (١٠٠/١٥) والإشارة (٣٦١) والعبر
(٧٧/٥) والنجوم الزاهرة (٢٢١/٧) والدارس (١٢٢/١) وشذرات الذهب (٥٤٩/٧).

٤٠٩
أحداث سنة ٦٦٥ هـ
كان من أكابر الأمراء وأحظاهم عند الملك الظاهر ، لا يكاد الظاهر يخرج عن رأيه ، وهو الذي أشار
عليه بولاية القضاة من كل مذهب قاضٍ على سبيل الاستقلال ، وكان متواضعاً لا يلبس محرّماً ، كريماً
وقوراً رئيساً معظماً في الدولة ، أصابته جراحةٌ في حصار صفد فلم يزل مريضاً منها حتى مات ليلة عرفة ،
ودفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون [ من صلاحية دمشق }١) رحمه الله.
هولاكو(٢) خان بن تولي خان(٣) بن جنكيز خان ، ملك التتار ابن ملك التتار .
وهو والد ملوكهم ، والعامةُ يقولون هولاوون مثل قلاوون . وقد كان هولاكو ملكاً جباراً فاجراً كفاراً
[عنيداً ] لعنه الله، قَتَلَ من المسلمين شرقاً وغرباً ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم وسيجازيه على ذلك
شرَّ الجزاء، كان لا يتقيَّد بدينٍ من الأديان، وإنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تَنَصَّرت وكانت(٤) تفضِّل
النصارى على سائر الخلق ، وكان هو يَتَرامى على محبّة المعقولات ، ولا يتصوّر منها شيئاً ، وكان أهلُها
من أفراخ الفلاسفة لهم عنده(٥) وجاهةٌ ومكانةٌ ، وإنّما كانت همَّتُهُ في تدبير مملكته وتملّك البلاد شيئاً
فشيئاً ، حتى أباده الله في هذه السنة ، وقيل في سنة ثلاث وستين، ودفن في مدينة (٦) تل(٧) ، لا رحمه
الله، وقام في الملك من بعده ولده أبغا خال(٨) وكان أبغا أحد إخوة عشرة٩) ذكور . والله سبحانه أعلم
وهو حسبنا ونعم الوكيل .
ثم دخلت سنة خمس وستين وستمئة
في يوم الأحد ثاني المحرم توجه [ السلطان ] الملك الظاهر من دمشق إلى الديار المصرية وصحبتُهُ
(١) عن ط وحدها .
(٢) أ، ب : هولاكوقان بن قان بن .
(٣) ترجمة - هولاكو - في ذيل مرآة الزمان (٢/ ٣٥٧ - ٣٦٠) ومختصر أبي الفداء (٢/٤) حوادث سنة ٦٦٣ هـ وفي
الإشارة (٣٦١) وتاريخ الإسلام (١٥ - ١٠٥) والعبر (٢٧٨/٥) وفوات الوفيات (٢٤٠/٤ - ٢٤١) والنجوم
الزاهرة ( ٧/ ٢٢٠ - ٢٢١) وشذرات الذهب (٥٠٠/٧).
(٤) أ ، ب : فكانت .
(٥) أ، ب : عنده لهم وجاهة .
(٦) أ، ب : بمدينة .
(٧) كانت تلا بحيرة تقع على ثلاثين ميلاً غربي مدينة تبريز وإلى جانبها قلعة تلا التي جدّدها هولاكو وجعل فيها أمواله مما
نهبه من بغداد وأقاليم الخلافة ثم صارت هذه القلعة مدفناً له . بلدان الخلافة الشرقية ١٩٥ .
في أ ، ب : وقام من بعده ولده أبغا في المملكة .
(٨)
(٩) تقدم الحديث عن أولاد هولاكو في سنة ٦٥٦ من هذا الجزء .

٤١٠
أحداث سنة ٦٦٥ هـ
العساكرُ المنصورةُ، وقداستولتِ الدولةُ الإسلاميةُ على بلاد سيسُ(١) بكمالها ، وعلى كثيرٍ من معاقل
الفرنج في هذه السنة ، وقد أرسلَ العساكرَ بين يديه إلى غزة ، وعدل هو إلى ناحية الكرك لينظر في
أحوالها ، فلما كان عند بركة زيزي(٢) تصيَّد هنالك فسقط عن فرسه فانكسرت فخذه، فأقام هناك ٣) أياماً
يَتَداوى حتى أمكنه أن يركب في المحفَّة ، وسار إلى مصر فبرأت رجله في أثناء الطريق فأمكنه الركوب
وحده على الفرس . ودخل القاهرة في أُبَّهة عظيمةٍ ، وتجمُّلٍ هائلٍ ، وقد زُيِّنَتِ البلدُ ، واحتفل الناس له
احتفالاً عظيماً ، وفرحوا بقدومه وعافيته فرحاً كثيراً .
ثم في رجب منها رجع من القاهرة إلى صفد وحفر خندقاً حول قلعتها وعمل فيه بنفسه وأمرائه وجيشه
وأغار على ناحية عكا ، فقتل وأسر وغنم وسلم وضُربت لذلك البشائر بدمشق .
وفي ثاني(٤) عشر ربيع الأول صلى الظاهر بالجامع الأزهر الجمعة ، ولم تكن تقام فيه (٥) الجمعة من
زمن العُبَيديين إلى هذا الحين، مع أنه أول مسجد بني(٢) بالقاهرة، بناه جوهرُ القائد(١) وأقام فيه
الجمعة ، فلما بنى الحاكم جامعه حَوَّل الجمعة منه إليه ، وتركَ الأزهر لا جمعة فيه فصار في حكم بقية
المساجد وشعث حالُه وتغيّرت أحواله ، فأمر السلطان بعمارته وبياضه وإقامة الجمعة ، وأمر بعمارة جامع
الحسينية وكمل في سنة سبع وستين كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
وفيها : أمر الظاهر أن لا يبيت أحدٌ من المجاورين بجامع دمشق فيه وأمر بإخراج الخزائن منه ،
والمقاصير التي كانت فيه، فكانت قريباً من ثلاثمئة (٨) ووجدوا فيها قوارير البول والفرش والسجاجيد
الكثيرة ، فاستراح الناس والجامع من ذلك واتسع على المصلين .
وفيها : أمر السلطان بعمارة أسوار صفد وقلعتها ، وأن يكتب عليها ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا ◌ِبَادِىَ الصَّلِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] ﴿أُوْلَمِّكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[ المجادلة ٢٢ ] .
(١) سيس وسمّاها ياقوت سيسية وقال إن عامة أهلها يقولون سيس وهي من أعظم مدن الثغور الشامية بين أنطاكية
وطرسوس على عين زربة ، وهي قاعدة ملك أرمينية ، واتخذها ابن ليون مسكناً له . معجم البلدان ( ٣/ ٢٩٧ -
٢٩٨) وبلدان الخلافة الشرقية ( ١٧٣ ).
(٢) زيزي أو زيزاء من قرى البلقاء كبيرة يطؤها الحاج ويقام بها لهم سوق وفيها بركة عظيمة معجم البلدان ( ١٦٣/٣).
(٣) أ، ب : هنالك .
(٤) في هامش أ : فطلب باني جامع أزهر في قاهرة المصر .
(٥)
ط : لم يكن تقام به الجمعة .
(٦) أ، ب : وضع .
(٧) تقدمت ترجمة جوهر القائد في وفيات سنة ٣٨١ من هذا الكاتب الضخم .
(٨) أ، ب : ثلاثمئة خزانة ومقصورة .

٤١١
وفيات سنة ٦٦٥ هـ
وفيها : التقى أبغا ومنكوتمر الذي قام مقام بركة خان فكسره أبغا وغنم منه شيئاً كثيراً .
وحكى(١) ابن خلكان فيما نقل من خط الشيخ قطب الدين اليونيني قال : بلغنا أن رجلاً بِدَيْرِ أبي سلامة
من ناحية بصرى ، كان فيه مجون واستهتار ، فذكر عنده السواك وما فيه من الفضيلة ، فقال : والله
لا أستاك إلا في المخرج - يعني دبره - فأخذ سواكاً فوضعه في مخرجه ثم أخرجه ، فمكث بعده تسعة أشهر
[ وهو يشكو من ألم البطن والمخرج، ثم أصابه مثل طلق الحامل(٢) ] فوضع ولداً على صفة الجرذان له
أربع ٣) قوائم، ورأسه كرأس السمكة ، [ وله أربعة أنياب بارزة ، وذنب طويل مثل شبر وأربع أصابع ]
وله دُبُر كدُبُرِ الأرنب . ولما وضعه صاح ذلك الحيوان ثلاث صيحات ، فقامت ابنة ذلك الرجل فرضخت
رأسه فمات ، وعاش ذلك الرجل بعد وضعه له يومين ومات في الثالث ، وكان يقول : هذا الحيوان قتلني
وقطّع أمعائي ، وقد شاهد ذلك جماعة من أهل تلك الناحية وخطباء ذلك المكان ، ومنهم من رأى
الحيوان حياً ، ومنهم من رآه بعد موته .
وممن توفي من الأعيان :
السلطان بَرَكة خانٌ ٤) بن تُوشي بن جِئْكِيزُ خانٌ(٥) وهو ابن عم هولاكو ، وقد أسلم بَرَكة خان هذا ،
وكان يحبُّ العلماءَ والصالحين ، ومن أكبر حسناته كسره لهولاكو وتفريق جنوده ، وكان يُناصحُ الملكَ
الظاهر ويعظّمه ويكرم رسله إليه ، ويطلق لهم شيئاً كثيراً ، وقد قام في الملك بعده بعض أهل بيته وهو
منكوتمر بن طغان بن بابو(٦) بن تولي بن جنكيز خان ، وكان على طريقته ومنواله ولله الحمد .
قاضي القضاة (١) بالديار المصرية تاجُ الدين عبد الوهاب بن خَلَف بن محمود بن بدر بن بنت الأعزّ
(١) في هامش أ : غريبة وعجيبة .
(٢) لم أقف على هذا النقل في وفيات الأعيان ولا في ذيل مرآة الزمان . والقصة في شذرات الذهب ( ٧/ ٥٥١)
والاستدراك عنه .
(٣) ط : أربعة ؛ وهو خطأ .
(٤) ترجمة - بركة خان - في ذيل مرآة الزمان (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٥) ومختصر أبي الفداء (٤/٤) والإشارة (٣٦٢) والعبر
(٢٨٠/٥) والوافي (١١٧/١٠) والنجوم الزاهرة (٢٢٢/٧) وشذرات الذهب (٥٥٢/٥) ووقع في بعض
المصادر: ((تولي)) وما أثبتناه من خط الذهبي ، وتولي هو والد هولاكو .
(٥)
بعده في أ : بن خاقان ، وفي ب : بن قاان .
(٦)
في أ : بانو . وتحتمل الوجهين في ب .
ترجمة - ابن بنت الأعز - في ذيل الروضتين (٢٤٠) وهي الترجمة قبل الأخيرة في هذا الكتاب ، ثم يغيب عنا بوفاة
(٧)
أبي شامة في هذه السنة رحمه الله تعالى ، وبذلك يتوقف مصدر هام من مصادرنا ، وكذلك له ترجمة في ذيل مرآة
الزمان (٣٦٩/٢ - ٣٧١) وتاريخ الإسلام (١١٦/١٥) والإعلام بوفيات الأعلام (٢٧٨) والعبر (٢٨١/٥)
والإشارة (٣٦١) والنجوم الزاهرة (٢٢٢/٧ و٢٢٤) وشذرات الذهب (٥٥٥/٧ - ٥٥٦) .

٤١٢
وفيات سنة ٦٦٥ هـ
الشافعي ، كان ديّناً عفيفاً نزهاً لا تأخذه في الله لومةُ لائم ، ولا يقبلُ شفاعةَ أحدٍ ، وجمع له قضاء الديار
المصرية بكمالها ، والخطابة ، والحسبة ومشيخة الشيوخ ، ونظر الأجياشُ(١)، وتدريس الشافعي
والصالحية وإمامة الجامع ، وكان بيده خمس عشرة٢) وظيفة ، وباشر الوزارة في بعض الأوقات ، وكان
السلطان يعظمه ، والوزير ابن حنا٣ً) يخاف منه كثيراً ، وكان يحب أن ينكبه عند السلطان ويضعه فلا
يستطيع ذلك ، وكان يشتهي أن يأتي داره ولو عائداً ، فمرض في بعض الأحيان فجاء القاضي عائداً ، فقام
إلى تلقيه لوسط الدار ، فقال له القاضي : إنما جئنا لعيادتك فإذا أنت سويٌّ صحيح ، سلام عليكم ،
فرجعُ(٤) ولم يجلس عنده. وكان مولده في سنة أربع وستمئة ، وتولى بعده القضاء تقي الدين بن رزين (٥) .
واقف القَيْمُرِيَّة الأمير الكبير ناصر الدينُ(٦) أبو المعالي الحسين بن العزيز(١) بن أبي الفوارس
القَيْمُرِيُّ(٨) الكردي .
كان من أعظم الأمراء مكانةً عند الملوك ، وهو الذي سَلَّمَ الشام إلى الملك الناصر صاحب حلب ،
حين قتل توران شاه بن الصالح أيوب بمصر ، وهو واقفُ المدرسة القيمرية(٩) عند مأذنة فيروز ، وعمل
على بابها الساعات التي لم يسبق إلى مثلها ، ولا عمل على شكلها ، يقال إنه غرم عليها أربعين ألف
درهم .
الشيخ شهاب الدين أبو شامةٌ (١) عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم بن عثمان بن أبي بكر بن عباس
(١) أ : ونظر الجيش .
(٢) ط : خمسة عشر ؛ وهو خطأ .
(٣) سترد ترجمة الوزير ابن حنا في وفيات سنة ٦٧٧ هـ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(٤)
أ ، ب : ورجع .
(٥)
سترد ترجمة ابن رزين في وفيات سنة ٦٨٠ هـ من هذا الجزء إن شاء الله.
(٦) ترجمة - القيمري - في ذيل الروضتين (٢٣٩) والذيل (٣٦٦/٢ - ٣٦٧) وتاريخ الإسلام (١١٣/١٥) والإشارة
(٣٦٢) والعبر (٢٨٠/٥) والوافي بالوفيات (٤٢٢/١٢) والنجوم الزاهرة (٢٢٢/٧ و٢٢٤ والدارس في أخبار
المدارس (٤٤١/١ - ٤٤٢) ومختصره (٦٩) وشذرات الذهب (٥٥٢/٧ - ٥٥٣) ومنادمة الأطلال (١٤١ -
١٤٢) .
(٧) في الوافي : عبد العزيز ، وفي الدارس : ناصر الدين الحسين بن علي . فتحرف في منادمة الأطلال إلى : ناصر بن
الحسين بن علي . وأثبتّ ما في أصولنا وهي رواية أكثر مصادره كذيل المرآة والعبر والإشارة والنجوم والشذرات .
(٨) ((القيمري)): نسبة إلى قيمر: بفتح القاف، وياء ساكنة، وضم الميم ، وراء ، وهي قلعة في الجبال بين الموصل
وخلاط ينسب إليها جماعة من أعيان الأمراء بالموصل وخلاط وهم أكراد ويقال لصاحبها أبو الفوارس . معجم
البلدان (٤٢٤/٤) قلت: وأبو الفوارس هو جدّ الأمير ناصر الدين القيمري .
(٩) الدارس (٤٤١/١) ومختصره (٦٩) ومنادمة الأطلال (١٤٠ - ١٤١).
(١٠) ترجمة - أبي شامة - في ذيل مرآة الزمان (٢٦٧/٢ - ٢٦٨) وتاريخ الإسلام (١٥ - ١١٤) والإعلام بوفيات الأعلام
(٢٧٨) والعبر (٢٨٠/٥ - ٢٨١) والإشارة (٣٦١) والوافي (١١٣/١٨) والنجوم (٢٢٤/٧) والشذرات =

٤١٣
وفيات سنة ٦٦٥ هـ
أبو محمد وأبو القاسم المقدسي الشيخ الإمام العالم الحافظ المحدث الفقيه المؤرخ المعروف بأبي شامة .
شيخ دار الحديث الأشرفية ، ومدرس الركنية ، وصاحب المصنفات العديدة المفيدة ، له (( اختصار تاريخ
دمشق)) في مجلدات كثيرة، وله ((شرح الشاطبية))، وله (( الرد إلى الأمر الأول))، وله في
((المبعث)(١) وفي ((الإسراء))، وكتاب ((الروضتين في الدولتين النورية والصلاحية))، وله ((الذيل على
ذلك))، وله غير ذلك من الفوائد الحسان والغرائب(٢) التي هي كالعقيان. ولد ليلة الجمعة الثالث
والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمئة ، وذكر لنفسه ترجمة في هذه السنة في الذيل (٣)،
وذكر مرباه ومنشأه ، وطلبه العلم ، وسماعه الحديث ، وتفقهه على الفخر بن عساكر(٤) وابن
عبد السلامُ(٥)، والسيف الآمديُ(٦)، والشيخ موفق الدين بن قدامةُ(٧)، وما رُئي له من المنامات
الحسنة . وكان ذا فنون كثيرة .
أخبرني [ الشيخ ] علم الدين البرزالي(٨) الحافظ عن الشيخ تاج الدين الفزاري(٩) ، أنه كان يقول :
بلغ الشيخ شهاب الدين أبو شامة رتبة الاجتهاد ، وقد كان ينظم أشعاراً في أوقات ، فمنها ما هو
مستحلى ، ومنها ما لا يستحلى ، فالله يغفر لنا وله .
وبالجملة فلم يكن في وقته مثله في نفسه وديانته ، وعفته وأمانته ، وكانت وفاته بسبب محنة ١٠) ألَّبوا
عليه ، وأرسلوا إليه من اغتاله وهو بمنزل له بطواحين الأشنان ، وقد كان انُّهم برأي ، الظاهر براءته منه ،
وقد قال جماعة من أهل الحديث وغيرهم : إنه كان مظلوماً ، ولم يزل يكتب في التاريخ حتى وصل إلى
(٥٥٣/٧ _ ٥٥٥) رحمك الله يا أبا شامة وأسكنك فسيح جناته فقد كنت عوناً لي على حل كل مشكلة على مدى
=
خمس وستين سنة من هذا الكتاب الضخم وأسأله تعالى أن يثيبك كفاء ذلك وأن يجمعني معك في مستقرّ رحمته
وفرطنا على الحوض محمد رَله .
(١) أ، ب : البعث؛ وهو تحريف . والخبر في ذيل مرآة الزمان.
(٢) أ، ب : والفوائد .
(٣) لم أجد هذه الترجمة في الذيل في هذه السنة ولكن أبا شامة دأب أن يذكر في كل سنة ما يجدّ معه من الأحداث ، وكل
ما ذكره في عام ٦٦٥ إشارة سريعة ومبهمة إلى حادثة طواحين الأشنان .
(٤)
تقدمت ترجمة ابن عساكر في وفيات سنة ٦٢٠ هـ من هذا الجزء .
تقدمت ترجمة العز بن عبد السلام في وفيات سنة ٦٦٠ هـ من هذا الجزء .
(٥)
(٦)
تقدمت ترجمة السيف الآمدي في وفيات سنة ٦٣١ من هذا الجزء .
(٧)
تقدمت ترجمة ابن قدامة في وفيات سنة ٦٢٠ من هذا الجزء .
(٨)
سترد ترجمة علم الدين البرزالي في الجزء الأخير من هذا الكتاب في وفيات سنة ٧٣٩ إن شاء الله .
(٩) سترد ترجمة تاج الدين الفزاري في وفيات سنة ٦٩٠ هـ من هذا الجزء إن شاء الله.
(١٠) أ، ب : بسبب جماعة.

٤١٤
رجب من هذه السنة ، فذكر أنه أصيب بمحنة في منزله بطواحين الأشنان ، وكان الذين قتلوه جاؤوه قبل
فضربوه ليموت فلم يمت ، فقيل له : ألا تشتكي عليهم ، فلم يفعل، وأنشأ يقول١٢: [ من السريع ]
قلتُ لمنْ قَالَ ألا تَشْتكي ما قَدْ جَرَى فهوَ عَظِيمٌ جَلِيلْ
يُقَيِّضُ اللهُ تعالى لَنا مَنْ يأخُذ الحقَّ ويَشْفِي الغَليلْ
إذا تَوَكَّلْنَا عليهِ كَفَى فَحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ(٣)
وكأنَّهم عادوا إليه مرةً ثانيةً وهو في المنزل المذكور فقتلوه بالكلية في ليلة الثلاثاء تاسع عشر
رمضان٤) رحمه الله. ودفن [ من يومه بمقابر باب الفراديس ]"، وباشر بعده مشيخة دار الحديث
الأشرفية الشيخ محيي الدين النووي
[ مولد القاسم بن محمد البرزالي ]
في هذه السنة كان مولد الحافظ علم الدين القاسم بن محمد البرزاليُ(١) ، وقد ذيَّلَ على تاريخ أبي
شامة لأنّ مولده في سنة وفاته ، فحذا حَذْوَهِ وسَلَكَ نحوَهُ، ورتَّب ترتيبه ، وهذب تهذيبه . وهذا أيضاً
ممن ينشد في ترجمته) . [ من البسيط ]
ما زلتَ تَكْتُبُ في التاريخِ مُجْتَهِداً حتى رَأيْتُكَ في الَّارِيخِ مَكْتُوبا
ويناسب أن ينشد هنا [ قول الشاعر ] : [ من الطويل ]
إذا سَيِّدٌ منّا خَلاَ قامَ سَيِّدٌ قَؤُولٌ لما قالَ الكرامُ فَعولُ
ثم دخلت سنة ست وستين وستمئة
استهلت هذه السنة والحاكم٩ُ) العباسي خليفة ، وسلطانُ البلاد الملكُ الظاهر ، وفي أول جمادى
(١) آخر وفياته في ثامن عشر شعبان لا في رجب. ذيل الروضتين (٢٤٠).
(٢) الأبيات في ذيل الروضتين (٢٤٠) وفي أكثر مصادره كذيل المرآة والشذرات .
(٣) لم يرد هذا البيت في ب .
أ ، ب : في ليلة الثلاثاء التاسع عشر من رمضان .
(٤)
(٥)
عن ط وحدها .
سترد ترجمة النووي في وفيات سنة ٦٧٦ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٦)
(٧) سترد ترجمة البرزالي في وفيات سنة ٧٣٩ من الجزء الأخير من هذا السفر العظيم إن شاء الله.
(٨) أ، ب : وهذا ممن يقال فيه وفي أمثاله في تراجمهم .
(٩) ب : والخليفة الحاكم .

٤١٥
فتح أنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر
الآخرةُ خرج السلطانُ من الديار المصرية بالعساكر المنصورة ، فنزل على مدينة يافا بغتةً فأخذها عنوةً ،
وسلّم إليه أهلها قلعتَها صلحاً ، فأجلاهم منها إلى عكا وخرّبَ القلعةَ والمدينة [ أيضاً وكان الفرنج اعتنوا
بعمارتها وتحصينها فجعلها بلقعاً لئلا يكون لهم إليها عودة ] وسار منها في رجب قاصداً حصن الشقيف ،
وفي بطن ) الطريق أخذ من بعض بريدية الفرنج كتاباً من أهل عكا إلى أهل الشّقيف يعلمونهم بقدومُ (٣)
السلطان عليهم ، ويأمرونهم بتحصين البلد ، والمبادرة إلى إصلاح أماكن يخشى على البلد منها . ففهم
السلطان كيف يأخذ البلد وعرف من أين تؤكل الكتف ، واستدعى من فوره رجلاً من الفرنج فأمره أن يكتب
بدله كتاباً على ألسنتهم إلى أهل الشقيف ، يحذّر الملك من الوزير ، والوزير من الملك ، ويرمي الخلفَ
بين رجال الدولة ، فوصل إليهم فأوقع الله الخلفَ بينهم بحوله وقوته ، وجاء السلطان فحاصرهم ورماهم
بالمنجنيق فسلموه الحصن في التاسع والعشرين من رجب وأجلاهم إلى صور، وبعث بالأنفال٤) إلى
دمشق ، ثم ركب جريدة فيمن نشط من الجيش فشنَّ الغارةَ على طرابلس وأعمالها ، فنهبَ وقتلَ وكرّ
راجعاً مؤيّداً منصوراً ، فنزل على حصن الأكراد تحته في المرج ، فحمل إليه أهله من الفرنج الإقامات(٥)
فأبى أن يقبلها وقال : أنتم قتلتم جندياً من جيشي وأريد ديته مئة ألف دينار ، ثم سار فنزل على حمص ، ثم
منها إلى حماة ، ثم إلى فامية٦) ثم سار منزلة أخرى ، ثم سار ليلاً وتقدم العسكر فلبسوا العدة وساق حتى
أحاط بمدينة أنطاكية .
فتح(٧) أنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر
وهي مدينة عظيمة كثيرة الخير ، يقال إن دور سورها اثنا عشر ميلاً ، وعدد بروجها مئة وستة وثلاثون
برجاً ، وعددُ شُرُفاتها أربعةٌ وعشرون ألف شرافة ، كال(٨) نزوله عليها في مستهل شهر رمضان ، فخرج
(١) بعدها في أ : منها .
(٢) ب : ففي أثناء ، وفي أ: وفي أثناء .
(٣) ط : قدوم .
(٤) أ، ب: الأثقال، وكذا هي رواية ذيل المرآة (٣٨٢/٢).
(٥) في ذيل مرآة الزمان (٢/ ٣٨٢) فحضر إليه رسول بإقامة وضيافة . ومعنى الإقامات : ما يحتاجة المرء خلال
إقامته .
(٦) أ، ب: أفامية، ويجوز الوجهان كما في معجم البلدان (٢٣٣/١) وهي مدينة كبيرة من سواحل حمص .
قلت : أفامية اليوم تقع على الضفة اليمنى من نهر العاصي على بعد ٥٥ كم شمال غرب حماة وهي تشرف على
سهل الغاب وفيها آثار من العهدين الروماني والبيزنطي .
(٧) ب : كيفية فتح أنطاكية .
(٨) أ : وكان .

٤١٦
فتح أنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر
إليها أهلها يطلبون منه الأمان، وشرطوا شروطاً له عليهم(١) فأبى أن يجيبهم وردّهم خائبين وصمَّم على
حصارها ، ففتحها يوم السبت رابع عشر رمضان(٢) بحول الله وقوته وتأييده ونصره ، وغنم منها شيئاً
كثيراً ، وأطلق للأمراء أموالً جزيلةً، ووجد من أسارى المسلمين من الحلبيّين فيها خلقاً كثيراً ، كلّ هذا
في مقدار أربعة أيام . وقد كان الإفرنس(٣) صاحبها وصاحب طرابلس ، من أشد الناس أذيةً للمسلمين ،
حين ملك التتارُ حلب وفرّ الناسُ منها ، فانتقم الله سبحانه منه بمن أقامه للإسلام ناصراً وللصليب دامغاً
وكاسراً ، ولله الحمد(٤) والمنة ، وجاءت البشارة بذلك مع البريدية ، فجاوبتها البشائرُ من القلعة
المنصورة .
وأرسل أهلُ بَغْراس(٥) حين سمعوا بقصد السلطان إليهم يطلبون منه أن يبعث إليهم من يَتَسَلَّمها ،
فأرسل إليهم أستاذ داره الأمير آقسنقر الفارقاني(٦) في ثالث عشر رمضان فتسلمها ، وتسلموا حصوناً
كبيرةً(٧) وقلاعاً كثيرة .
وعاد السلطان مؤيداً منصوراً ، فدخل دمشق في السابع والعشرين من رمضان من هذه السنة في أبَّهة
عظيمة وهيبة هائلة ، وقد زُينت له البلد ودقَّت له البشائر فرحاً بنصرة الإسلام على الكفرة الطغام .
لكنه كان قد عزم على أخذ أراضي(٨) كثيرة من القرى والبساتين التي بأيدي ملاكها بزعم٩ُ) أنه قد
كانت التتار استحوذوا عليها ثم استنقذهاً"(١) منهم ، وقد أفتاه بعض الفقهاء من الحنفية [ بذلك ] تفريعاً
على أن الكفار إذا أخذوا شيئاً من أموال المسلمين ملكوه ، فإذا استرجعت لم ترد إلى أصحابها ، وهذه
المسألة مشهورة وللناس فيها قولان :
(١) أ : فاشترطوا شروطاً عليهم له فأبى . وفي ب : فاشترطوا شروطاً أي عليهم فأبى .
(٢)
رابع شهر رمضان ، ب : رابع الشهر بعون الله .
ط: الأغريس، وفي ذيل المرأة (٢/ ٣٨٢ و٤٤٩) : الإبرنس ، وفي مختصر أبي الفداء : البرنس . وما هنا عن أ
(٣)
ب . قال بشار : وهو الإبرنس ، والعرب تقلب الباء عند الفارسية إلى فاء في بعض الأحيان .
(٤) أ : فلله الحمد ، وفي ب : فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
((بَغْراس)»: مدينة في لحف جبل اللعام بينها وبين أنطاكية أربعة فراسخ على يمين القاصد إلى أنطاكية من حلب من
(٥)
البلاد المطلَّة على نواحي طرسوس . معجم البلدان ( ٤٦٧/١).
(٦) آقسنقر بن عبد الله النجمي الفارقاني الأمير شمس الدين. تقدّم عند الملك الظاهر حتى صار يستنيبه على البلاد
الشامية ، وظل مركزه متقدماً حتى بعد وفاة الملك الظاهر وتولي ابنه الملك السعيد ، ولكن حاشيته اعتقلته حتى
مات في السجن سنة ٦٧٧ . العبر (٣١٤/٥) والنجوم الزاهرة (٧/ ٢٨٠) والمنهل الصافي (٤٩٤/٢ - ٤٩٦).
(٧) أ، ب : كثيرة .
(٨) أ : عزم أراضي، وفي ب : عزم على ابتياع أراضي.
(٩) أ : يزعم .
(١٠) أ : فاستنقذها .

٤١٧
فتح أنطاكية على يد السلطان الملك الظاهر
( أصحهما) قول الجمهور أنه يجب ردها إلى أصحابها لحديث العضباء ناقة رسول الله وم له ، حين
استرجعها رسول الله وسلّم ، وقد كان أخذها المشركون، استدلّوا بهذا وأمثاله على أبي حنيفة .
وقال بعض العلماء : إذا أخذ الكفار أموال المسلمين وأسلموا وهي في أيديهم استقرّت على
أملاكهم ، واستدل على ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام ((وهَلْ تَرَكَ لنا عقيلٌ من رباع)(١) وقد كان
استحوذ على أملاك المسلمين الذين هاجروا وأسلم عقيل وهي في يده ، فلم تنتزع من يده ، وأما إذا
انتزعت من أيديهم قبل ، فإنها ترد إلى أربابها لحديث العضباء .
والمقصود أن الظاهر عقد مجلساً اجتمع فيه القضاة من سائر المذاهب وتكلموا في ذلك وصمّم
السلطان على ذلك اعتماداً على ما بيده من الفتاوى ، وخاف الناسُ من غائلة ذلك فتوسَّط الصاحب فخر
الدين بن الوزير بهاء الدين بن الحنا٢) ، وكان قد درَّس بالشافعي بعد ابن بنت الأعز ، فقال : يا خوند
أهل البلد يصالحونك عن ذلك كله بألف ألف درهم، تقسط كل سنة مئتي(٣) ألف درهم ، فأبى إلا أن
تكون معجلة بعد أيام ، وخرج متوجهاً إلى الديار المصرية ، وقد أجاب(٤) إلى تقسيطها ، وجاءت البشارة
بذلك ، [ فقرئت على المنبر ففرح الناس بذلك ] ورسم أن يعجّلوا من ذلك أربعمئة ألف درهم ، وأن تعاد
إليهمُ(٥) الغلات التي كانوا قد احتاطوا عليها في زمن القسم والثمار ، وكانت هذه الفعلة مما شعثت خواطر
الناس على السلطان .
ولما استقر أمر أبغا على التتار أمر باستمرار وزيره نصير الدين الطوسي(٦)، واستناب على بلاد
الروم(٧) البرواناه(٨) وارتفع قدره عنده جداً واستقلّ بتدبير تلك البلاد وعظم شأنه فيها.
وفيها : كتب صاحبُ اليمن إلى الظاهر بالخضوع والانتماء إلى جانبه وأن يخطب له ببلاد اليمن ،
وأرسل إليه بهدايا وتحفاً كثيرة ، فأرسل إليه السلطان هدايا وخلعاً وسنجقاً وتقليداً .
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٥٨٨) في الحج، ومسلم رقم (١٣٥١) في الحج ، من حديث أسامة بن زيد
رضي الله عنه .
(٢) سترد ترجمة ابن الحنا بهاء الدين في وفيات سنة ٦٧٧ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى.
(٣) أ، ب : مئتا .
(٤) أ، ب : ثم بعد أيام وقد خرج متوجهاً إلى الديار المصرية أجاب .
(٥) ط : إليه .
(٦) سترد ترجمة الطوسي في وفيات سنة ٦٧٢ من هذا الجزء إن شاء الله .
(٧) أ، ب : استمر بوزيره - في ب : بوزارة - نصير الدين الطوسي فاستناب على سلطنة بلاد الروم.
(٨) البرواناه : كلمة فارسية معناها في الأصل الحاجب ثم أطلق في دول الروم السلاجقة بآسيا الصغرى على الوزير
الكبير . هامش ط . وقد سمّاه أبو الفدء (٥/٤) واليونيني (٤٠٤/٢) : معين الدين سليمان .

٤١٨
وفيات سنة ٦٦٦ هـ
وفيها : رافع ضياء الدين بن الفقاعي(١) للصاحب بهاء الدين بن الحنا عند الظاهر واستظهر عليه ابن
الحنا ، فسلَّمه الظاهر إليه ، فلم يزل يضربه بالمقارع ويستخلص أمواله إلى أن مات ، فيقال إنه ضربه قبل
أن يموت سبعة عشر ألف مقرعة وسبعمئة فالله أعلم .
وفيها : عمل البرواناه على قتل الملك علاء الدين(٢) صاحب قونية وأقام ولده غياث الدين(٣) مكانه
وهو ابن عشر سنين ، وتمكن البرواناه في البلاد والعباد وأطاعه جيش الروم .
وفيها : قتل الصاحب علاءُ الدين صاحبُ الديوان ببغداد ابنَ الخشكري النعماني الشاعر ، وذلك أنه
اشتهر عنه أشياء عظيمة ، منها أنه يعتقد فضل شِعْرِه على القرآن المجيد ، واتفق أن الصاحب انحدر إلى
واسط فلما كان بالنعمانية حضر ابن الخشكري عنده وأنشده قصيدة قد قالها فيه ، فبينما هو ينشدها بين
يديه إذ أَذَّن المُؤَذِّنُ فاستنصته الصاحب ، فقال ابن الخشكري : يا مولانا اسمع شيئاً جديداً ، وأعرض عن
شيء له سنين ، فثبت عند الصاحب ما كان يقال عنده عنه ، ثم باسطه وأظهر أنه لا ينكر عليه شيئاً مما قال
حتى استعلم ما عنده ، فإذا هو زنديق ، فلما ركب قال لإنسان معه : استفرده في أثناء الطريق واقتله ،
فسايره ذلك الرجل حتى إذا انقطع عن الناس قال لجماعة معه : أنزلوه عن فرسه كالمداعب له ، فأنزلوه
وهو يشتمهم ويلعنهم ، ثم قال انزعوا عنه ثيابه فسلبوها وهو يخاصمهم ، ويقول إنكم أجلافٌ ، وإن هذا
لعب بارد ، ثم قال : اضربوا عنقه ، فتقدم أحدهم فضربه بسيفه فأبان رأسه .
وفيها توفي :
الشيخ عفيف الدين يوسف بن البقال(٤) شيخ رباط المرزبانية .
كان صالحاً ورعاً زاهداً حكى عن نفسه قال : كنتُ بمصر فبلغني ما وقع من القتل الذريع ببغداد في
فتنة التتار ، فأنكرت في قلبي(٥) وقلت: يا ربِّ كيف هذا وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له ؟ فرأيتُ في
المنام رجلاً وفي يده كتاب فأخذته فقرأتُه فإذا فيه هذه الأبيات فيها الإنكار عليّ: [ المتقارب ]
دعِ الاعتراضَ فما الأمرُ لكْ ولا الحكمُ في حَركاتِ الفَلَكْ
ولا تسألِ اللهَ عن فعلهِ فمنْ خاضَ لجَّةَ بِحْرٍ هَلَكْ
(١) ذيل مرآة الزمان (٢ / ٣٧٤).
(٢) في ذيل مرآة الزمان (٤٠٣/٢) ومختصر أبي الفداء (٤/ ٥ ): ركن الدين قليح أرسلان بن كيخسرو . وفي العبر
(٢٨٥/٥) والنجوم الزاهرة (٢٢٦/٧) ركن الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان . وفيه ضبط للاسمين .
(٣)
في ذيل مرآة الزمان (٢/ ٣٨٧) و (٤٠٦) : غياث الدين كيخسرو.
(٤) ترجمته في الكتاب المسمى بالحوادث في وفيات هذه السنة .
(٥) أ، ب : بقلبي .

٤١٩
أحداث سنة ٦٦٧ هـ
إليهِ تصيرُ أَمورُ العبادِ دع الاعتراضَ فما أجْهَلَكْ
وممن توفي فيها من الأعيان(١)
الحافظ أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله بن عمر بن عبد الله (٢) المعروف بابن قاضي اليمن ، عن ثمان
وستين سنة ، ودفن بالشَّرف الأعلى ، وكان قد تفرَّد بروايات جيدة وانتفع الناس به .
[ مولد الشرف ابن تيمية (٣) والقزويني(٤)]
وفيها : ولد الشيخ شرف الدين عبد الله بن تيمية أخو الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، والخطيب
القزويني .
ثم دخلت سنة سبع وستين وستمئة
في صفر منها جدَّد السلطانُ الظاهرُ البيعةَ لولده من بعده الملك السعيد محمد بركة خان ، وأحضر
الأمراء كلهم والقضاة والأعيان وأركبه ومشى بين يديه ، وكتب له ابن لقمان(٥) تقليداً هائلاً بالملك من بعد
أبيه ، وأن يحكم عنه أيضاً في حال حياته ، ثم ركب السلطان في عساكره في جمادى الآخرة قاصداً
الشام ، فلما دخل دمشق جاءته رسل من أبغا ملك التتار(٦) معهم مكاتبات ومشافهات ، فمن جملة
المشافهات : أنتَ مملوكٌ أُبِعتَ(٧) بسيواس فكيف يصلحُ لكَ أن تخالفَ ملوكَ الأرض ؟ واعلم أنك لو
صعدتَ إلى السماء أو هبطت إلى الأرض ما تخلصتَ منّي فاعمل لنفسكَ على مصالحةِ السلطان أبغا ، فلم
يلتفت إلى ذلك ولا عده شيئاً بل أجاب عنه أتمَّ جواب ، وقال لرسله : أعلموه أني من ورائه بالمطالبة ولا
أزال حتى أنتزع منه (٨) جميع البلاد التي استحوذ عليها من بلاد الخليفة ، وسائر أقطار الأرض .
وفي جمادى الآخرة رسم السلطان الملك الظاهر بإراقة الخمور وتبطيل المفسدات والخواطىء بالبلاد
(١) أ : وفيها توفي.
(٢) ترجمته في صلة الحسيني الورقة (١٦٢) وتاريخ الإسلام (١٣٠/١٥).
(٣) هو عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية الحراني الدمشقي شرف الدين ، أخو تقي الدين . توفي
سنة ٧٢٧ هـ. المقصد الأرشد (٤١/٢) والدرر الكامنة (٣٧١/٢).
(٤) سترد ترجمة القزويني في وفيات سنة ٧٣٩ من الجزء الأخير من هذا الكتاب إن شاء الله.
(٥) في ذيل مرآة الزمان (٢١٣/٢) : فخر الدين إبراهيم بن لقمان كاتب الإنشاء.
(٦) أ، ب : النتر .
(٧) ط : بعت .
(٨) أ، ب : أنتزع من يده .

٤٢٠
أحداث سنة ٦٦٧ هـ
كلها ، فنهبت الخواطىء وسلبن جميع ما كان معهن حتى يتزوجنُ(١) ، وكتب إلى جميع البلاد بذلك ،
وأسقط٢) المكوس التي كانت مرتبةً على ذلك، وعُوّض من كان محالًا على ذلك بغيرها ولله الحمد
والمنة .
ثم عاد السلطان بعساكره إلى مصر ، فلما كان في أثناء الطريق عند خربة اللصوص تعرضت له امرأة
فذكرت له أن ولدها دخل إلى مدينة صور ، وأن صاحبها الفرنجي غدر به وقتله وأخذ ماله ، فركب
السلطان وشنّ الغارة على صور فأخذ منها شيئاً كثيراً ، وقتل خلقاً ، فأرسل إليه ملكها ما سبب هذا ؟ فذكر
له غدره ومكره بالتجار ، ثم قال السلطان لمقدم الجيوش : أوهم الناس : أني مريض وأني بالمحفظ(٣)
وأحضرِ الأطباء واستوصفْ لي منهم ما يصلحُ لمريضٍ به كذا وكذا ، وإذا وصفوا لك فأحضر الأشربةَ إلى
المحفة وأنتم سائرون . ثم ركب السلطان على البريد وساق مسرعاً [ حتى دخل الديار المصرية ] فكشف
أحوال ولده وكيف الأمر بالديار المصرية بعده ، ثم عاد مسرعاً إلى الجيش فجلس في المحفة وأظهروا
عافيته وتباشروا بذلك . وهذه جرأة عظيمة ، وإقدام هائل .
وفيها : حج السلطان الملك الظاهر وفي صحبته الأمير بدر الدين الخزندار ، وقاضي القضاة صدر
الدين سليمان الحنفي(٤) ، وفخر الدين بن لقمان ، وتاج الدين بن الأثير ونحو من ثلاثمئة مملوك ،
وأجناد من الخلقة(٥) المنصورة ، فسار على طريق الكرك ونظر في أحوالها ثم منها إلى المدينة النبوية ،
فأحسن إلى أهلها ونظر في أحوالها ، ثم منها إلى مكة فتصدق على المجاورين ثم وقف بعرفة وطاف
طواف الإفاضة وفتحت له الكعبة فغسلها بماء الورد وطيّيها بيده ، ثم وقف بباب الكعبة فتناول أيدي الناس
ليدخلوا الكعبة وهو بينهم ، ثم رجع فرمى الجمرات ثم تعجل النفر فعاد على المدينة المنورة فزار القبر
الشريف مرة ثانية [ على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وعلى آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين
وصحابته الكرام أجمعين إلى يوم الدين (٦) ثم سار إلى الكرك فدخلها في التاسع والعشرين من ذي
الحجة، وأرسلَ البشيرَ إلى دمشق بقدومه سالماً ، فخرج الأميرُ جمال الدين آقوش النجيبي (٧) نائبها
ليتلقَّى البشيرَ في ثاني المحرم ، فإذا هو السلطان نفسه يسيرُ في الميدان الأخضر ، وقد سبقَ الجميعَ ،
(١) أ : حتى تزوجه .
(٢) أ، ب: وأسقطت.
(٣) أ، ب : في المحفة .
سترد ترجمة صدر الدين سليمان في وفيات سنة ٦٧٧ هـ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى .
(٤)
(٥)
أ، ب وذيل مرآة الزمان (٢/ ٤٠٩): الحلقة .
(٦)
عن ط وحدها .
(٧) ستردترجمة آقوش النجيبي في وفيات سنة ٦٧٧ من هذا الجزء .