Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
وفيات سنة ٦٢٨ هـ
أبو إسحاق إِبراهيمُ(١) بن عبد الكريم بن أبي السعادات(٢) بن كريم الموصلي (٣)، أحد الفقهاء
الحنفيين ، شرح قطعة كبيرة من القدوري ، وكتب الإِنشاء لصاحبها بدر الدين لؤلؤ(٤) ، ثم استقال من
ذلك، وكان فاضلاً شاعراً ، ومن شعره : [ من الطويل ]
دَعُوهُ كما شاءَ الغَرامُ يكونُ فلستُ وإِن خانَ العهودَ أخونُ
عسى قلبُهُ القاسي عليَّ يلينُ
ولينوا له في قولكم ما استطعتمُ
حديثي عليه فالحديثُ شُجونُ
وبُتُوا صباباتي إِليه وكَرِّروا
وحبهمُ في القلبِ ليسَ يبينُ
بنفسي الأُلى بانوا عن العين حصة(٥)
سيوفاً لها وَطْفُ الجفونِ جفونُ
وسَلُّوا على العُشّاقِ يومَ تَحَمَّلوا
المجد البَهْنَسي(٦)، وزير الملك الأشرف ثم عزله وصادره، ولما توفي دفن بتربته(٧) التي أنشأها
بسفح قاسيون وجعل كتبه بها وقفاً ، وأجرى عليها أوقافاً جيّدة دارّة رحمه الله تعالى .
جمال الدولة(٨) خليل بن زويزان رئيس قصر حجاج ، كان كيِّساً ذا مروءة ، له صدقات كثيرة ، وله
زيارة في مقابر الصوفية من ناحية القبلة ، ودفن بتربته عند مسجد قلوس(٩) رحمه الله تعالى .
الملك الأمجد ١٠) واقف المدرسة(١) الأمجدية .
(١) أ، ب : إِبراهيم بن كرم ؛ تحريف .
(٢) في التاج والطبقات : إِن أبي الغارات .
(٣) عن ط وحدها .
(٤) سترد ترجمة لؤلؤ في سنة ٦٥٦ هـ .
(٥) أ : خفية.
(٦) ترجمة - المجد البهنسي - في مرآة الزمان (٤٤٤/٨) وتكملة المنذري (٢٨٢/٣) وذيل الروضتين (١٦٠) وتاريخ
الإِسلام (١٣/ ٨٥٩) واسمه فيها الحارث بن مهلب بن حسن المهلبي .
(٧) الدارس (٩٢٧/٢) وتاريخ الصالحية ( ٩٥٣) وتنبيه الطالب (٩٨١) وقال دهمان رحمه الله في حاشية تاريخ
الصالحية : مجهولة .
(٨) ترجمة - جمال الدولة - في مرآة الزمان (٤٤٥/٨) والدارس (٢٤٧/٢) وفيه نقل كامل لترجمته عن ابن كثير ،
ومختصر تنبيه الطالب (١٩٥) ومنادمة الأطلال (٣٣٦).
(٩) مسجد قلوس في ميدان الحصا .
(١٠) هكذا وردت في كل الأصول ترجمتين مع أنهما شخص واحد هو : الملك الأمجد بهرام شاه ؛ وله ترجمة في
الأعلاق الخطيرة (٢٥٢) ومرآة الزمان (٤٤١/٨ - ٤٤٢) ووفيات الأعيان (٤٥٣/٢) وسير أعلام النبلاء
(٢٢/ ٣٣٠) والعبر (١١٠/٥) والوافي بالوفيات (٣٠٤/١٠ - ٣٠٧) وفوات الوفيات (٢٢٦/١) ومرآة الجنان
(٤ /٦٥) والنجوم الزاهرة (٢٧٥/٦) وشذرات الذهب (٢٢٣/٧ - ٢٢٤) وترويح القلوب (٤٩).
(١١) عن ط وحده.

١٨٢
وفيات سنة ٦٢٨ هـ
وفيها : كانت وفاة :
[ الأمجد ] بهرام شاه بن فروخشاه بن شاهنشاه(١) بن أيوب صاحب بعلبك(٢)
لم يزل بها حتى قدم الأشرف موسى بن العادل إلى دمشق فملكها في سنة ست وعشرين ، فانتزع من
يده بعلبك في سنة سبع وعشرين ، وأسكنه عنده بدمشق بدار أبيه ، فلما كان شهر شوال من هذه السنة عدا
عليه مملوك من مماليكه تركي فقتله ليلاً ، وكان قد اتهمه بحياصة(٣) له وحبسه ، فتغلب عليه في بعض
الليالي فقتله وقُتل المملوكُ بعده ، ودفن الأمجد في تربته التي إِلى جانب تربة أبيه في الشرف (٤) الشمالي
رحمه الله تعالى ، وقد كان شاعراً فاضلاً له ديوان شعر ، وقد أورد له ابن الساعي قطعة جيدة من شعره
الرائق الفائق .
وترجمته في ((طبقات الشافعية)).
ولم يذكره أبو شامة في (( الذيل)) . وهذا عجيب منه .
ومما أورد له ابن الساعي(٥) في شاب رآه يقطع قضبان بانٍ، فأنشأ٦) على البديهة يقول(٧): [ من
الكامل ]
في قطع٨) كلِّ قضيبٍ بانٍ رائقٍ
مَنْ لِي بأهيفَ قَالَ حينَ عتبتهُ
رَيّانَ بينَ جداولٍ وحدائقٍ
تحكي شمائلهُ الرشاء٩ُ) إِذا انثنى
فقطعتُها والقطعُ حدُّ السارقِ
سرقتْ غصونُ البانِ لينَ شمائلي
ومن شعره أيضاً رحمه الله تعالى : [ من الوافر ]
وقد خَلَتِ المرابعُ والديارُ
يُؤَرِّقني حَنينٌ وادّکارُ
يسيرُ مع الهوادج حيثُ ساروا
تَناءِى الطَّاعِنونُ ولي فُؤادٌ
(١) انظر ترجمة الأمجد واقف المدرسة الأمجدية رقم (١).
(٢)
بعدها في أب : بعده .
ط : في صاحبة . والحياصة - كما في اللسان ــ حيص - سيرٌ في الحزام.
(٣)
ط : الشرق ؛ تحريف .
(٤)
(٥) أ، ب : قوله في شاب.
(٦) أ، ب : وأنشأ.
الأبيات في الشذرات .
(٧)
ب : في كل قطع .
(٨)
(٩) في الشذرات : الرشاق .

١٨٣
وفيات سنة ٦٢٨ هـ
حنيني(١) مثلما شاءَ التّنائي
وليلي(٢) بَعْدُ بينهمُ طويلٌ
وقد حكمَ السهادُ على جُفوني
سهادي بعد نأيهمٌ كثيرٌ
فمنْ ذا يستعيرُ لنا عيوناً
فلا لَيْلي لهُ صُبْحٌ منيرٌ
وكمْ من قائلٍ والحيُّ غادٍ
وقوفكَ في الديارِ وأنتَ حيّ
وله دوبيت (٧) :
وشوقٌ كلَّما بَعُدَ المزارُ
فأينَ مَضَتْ لياليَّ القصارُ ؟
تساوَى الليلُ عندي والنهارُ
ونَوْمي بعدَ ما رحلوا غرار(٣)
تنامُ وهل (٤) ترى عينا٥) تعارُ
ولا وَجْدِي يُقالُ له عِثار(٦)
يحجبُ ظعنَهُ النقعُ المثارُ
وقدْ رَحَلَ الخليطُ عليكَ عارُ
ما أَغْفَلني فيه(٨) وما أنساني
كم يذهب هذا العمر فى الخسرانِ
ضيعتُ زماني كله في لعبٍ يا عُمْرُ هل بعدكَ عمر ثاني (٩)
وقد رآه بعضهم في المنام فقال له : ما فعل الله تعالى بك ؟ فقال : [ من المديد ]
كنتُ من ذنبيٌ(١٠) على وجلٍ زالَ عَنّي ذلكَ الوجلُ
أَمِنَتْ نَفْسي بوائِقَها عشتُ لما متّ يا١١) رجلٌ
رحمه الله وعفا عنه .
جلال الدين تكش (١٢) ، وقيل : محمود بن علاء الدين خوارزم شاه محمد بن تكش الخوارزمي ،
(١) ط : حنين.
(٢) ط : وليل .
(٣) أ، ب: غزار . ولا تصح لأنها تقلب المعنى .
(٤) أ، ب : ومن رأى .
(٥) ب : عيوناً ؛ ولا يستقيم الوزن بها .
(٦) رواية البيت في أ ، ب :
فلا عيني لها صبح منير
ولا وجدي له سكن عثار
(٧) عن ط وحدها .
(٨) أ، ب : ما أغفلني عنه .
(٩) أ، ب : يا عمر فهل بعدك من عمر ثاني ، ولا يستقيم بها الوزن .
(١٠) ط : كنت من ديني .
(١١) أ، ب : عشت بما مت يا رجل. وط : عشت لما مت لما رحل.
(١٢) ترجمة - تكش - في مرآة الزمان (٨/ ٤٤٢ - ٤٤٤).

١٨٤
أحداث سنة ٦٢٩ هـ
وهم من سلالة طاهر بن الحسين ، وتكش جدهم هو الذي أزال دولة السلجوقية . كانت التتار [ قد ]
قهروا أباه حتى شردوه في البلاد فمات في بعض جزائر البحر ، ثم ساقوا وراء جلال الدين هذا حتى مَزَّقوا
عساكره شَذَرَ مَذَرَ وتفرّقوا عنه أيدي سَبَأ ، وانفرد هو وَحْدَه فلقيه فلاح من قريةٍ بأرض مَيَّافارقين فأنكره لما
عليه من الجواهر والذهب ، وعلى فرسه ، فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا ملك الخوارزمية - وكانوا قد
قتلوا للفلاح أخا - فأنزله وأظهر إِكرامه ، فلما نام قتله بفأس كانت عنده ، وأخذ ما عليه ، فبلغ الخبر إِلى
شهاب الدين غازي (١) بن العادل صاحب ميافارقين فاستدعى بالفلاح فأخذ ما كان عليه من الجواهر
[والحلي]، وأخذ الفرس أيضاً، وكان [ الملك ] الأشرف يقول هو سدُّ ما بيننا وبين التتار، كما أن
السدَّ بيننا وبين يأجوج ومأجوج .
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وستمئة
فيها : عُزل القاضيان بدمشق: شمس الدين بن الخُوَيي (٢) وشمس الدين بن سَنِي الدولةُ(٣) ، وولي
قضاء القضاة عماد(٤) الدين ابن الحَرستاني ، ثم عُزل في سنة إِحدى وثلاثين وأُعيد شمس الدين بن سَنيّ
الدولة كما سيأتي .
وفي(٥) سابع عشر شوالها عَزل الخليفةُ المستنصرُ وزيرَه مؤيد الدين محمد بن محمد بن عبد الكريم
القُمّي (٦) ، وقُبض عليه وعلى أخيه حسن وابنه فخر الدين أحمد بن محمد القُمّي وأصحابهم وحُبسوا،
واستوزر الخليفة مكانه أستاذ الدار شمس الدين أبا الأزهر، أحمد بن محمد بن الناقد (٧) ، وخَلَعَ عليه
خلعةً سنيةً وفرح الناس بذلك .
وفيها٨) أقبلت طائفةٌ من التتار فوصلوا إِلى شهرزور فندب الخليفة صاحب إِربل مُظَفّر الدين
كوْكُبري(٩) بن زين الدين ، وأضاف إِليه عساكر من عنده ، فساروا نحوهم فهربت منهم التتار وأقاموا في
(١) سترد ترجمة غازي بن العادل في وفيات سنة ٦٤٥ هـ.
(٢) سترد ترجمة الخويي في وفيات سنة ٦٣٥هـ.
(٣) سترد ترجمة ابن سني الدولة في وفيات سنة ٦٦٢ هـ .
(٤) أ، ب : بعماد الدين.
(٥) ط : وفيها .
(٦) للقاضي مؤيد الدين القمي ترجمة في سير أعلام النبلاء (٣٤٦/٢٢).
(٧) سترد ترجمة ابن الناقد في وفيات سنة ٦٤٢ هـ .
(٨) أ، ب: وقد ، وط: وفيه . وما هنا للسياق.
(٩) سترد ترجمة كوبري في وفيات سنة ٦٣٠ هـ .

١٨٥
وفيات سنة ٦٢٩ هـ
مقابلتهمُ(١) مدة شهور، ثم تمرّض مظفر الدين وعاد إلى بلده إِربل ، وتراجعت التتار(٢) إِلى بلادها .
وممن توفي فيها من الأعيان :
ابن نقطة (٣) ، الحافظ محمد بن عبد الغني(٤) بن أبي بكر البغدادي ، أبو بكر بن نقطة الحافظ المحدّث
الفاضل، صاحب الكتاب النافع المسمى ((بالتَّقييد في تراجم رواة الكتب والمشاهير من المحدثين )(٥) ،
وكان أبوه فقيهاً فقير٦ً) منقطعاً في بعض مساجد بغداد ، يُؤثر أصحابه بما يحصل له ، ونشأ ولده هذا
فعُني(٧) بعلم الحديث وسماعه والرحلة فيه إِلى الآفاق شرقاً وغرباً ، حتى برز فيه على الأقران ، وفاق أهل
ذلك الزمان [ والأوان ] ، ولد سنة تسع(٨) وسبعين وخمسمئة ، وتوفي يوم الجمعة الثاني والعشرين من
صفر من هذه السنة ، رحمه(٩) الله سبحانه وتعالى .
الجمال عبد الله بن الحافظ عبد الغني المقدسي
(١٠)
كان فاضلاً كريماً حيياً ، سمع الكثير ، ثم خالط الملوك وأبناء الدنيا ، فتغيرت أحواله ومات ببستان
ابن شكر عند الصالح إسماعيل (١١) بن العادل، وهو الذي كفَّنه ودفن بسفح قاسيون ، رحمه الله تعالى .
(١) أ، ب : التتار ولله الحمد وأقاموا في مقابلهم.
(٢) أ، ب : وتراجعت العساكر.
(٣) قيّدها الحافظ المنذري بالحروف ، وقال الذهبي في التذكرة . وسئل ابن نقطة عن نقطة فقال : هي جارية رَبَّتْ جَدَّ
أبي .
(٤) ترجمة - ابن نقطة - في تكملة المنذري ( ٣٠٠/٣ - ٣٠١) ووفيات الأعيان (٤/ ٣٩٢ - ٣٩٣) وتاريخ الإِسلام
(٩٠٥/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٤٧/٢٢) والعبر (١١٧/٥) وتذكرة الحفاظ (٤١٢/٤ - ٤١٤) والوافي
بالوفيات (٢٦٧/٤ - ٢٦٨) وذيل ابن رجب (٢/ ١٨٢ - ١٨٤) والنجوم الزاهرة (٢٧٩/٦) وشذرات الذهب
(٢٣٠/٧ -٢٣١).
(٥) هكذا سماه المؤلف، وهو اسم غريب، والصحيح فيه: ((التقييد في معرفة رواة الكتب والمسانيد))، كما ذكر
الذهبي في تاريخ الإِسلام (٩٠٦/١٣) أو: ((التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد)) كما في مخطوطة الأزهر رقم
١٣٧ مصطلح الحديث . وقد طبع أخيراً ( بشار) .
(٦) عن ط وحدها .
(٧) ط : معنى .
(٨) أ، ب : ولد سنة سبع وسبعين وخمسمئة. وفي سير أعلام النبلاء : بعد السبعين وخمسمئة . وفي ذيل ابن رجب:
سنة تسع وخمسمئة . وفي الشذرات : سنة ٥٨١هـ .
(٩) ط : رحمهم الله .
(١٠) ترجمة - الجمال المقدسي - في مرآة الزمان (٤٤٦/٨) وتكملة المنذري (٣١٩/٣) وذيل الروضتين (١٦١)
وتاريخ الإِسلام (٨٨٢/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣١٧/٢٢ _٣٢٠) وتذكرة الحفاظ (١٤٠٨/٤ - ١٤١٠) والعبر
(١١٤/٥ - ١١٥) وذيل ابن رجب (١٨٥/٢ - ١٨٧).
(١١) سترد ترجمة الملك الصالح بن العادل في وفيات سنة ٦٤٨ هـ من هذا الجزء إن شاء الله تعالى.

١٨٦
وفيات سنة ٦٢٩ هـ
أبو علي الحسين بن أبي بكر المبارك١) بن أبي عبد الله محمد بن يحيى بن مُسْلمُ(٢) الزَّبيدي ثم البغدادي.
كان شيخاً صالحاً [وفقيهاً ] حنفياً فاضلاً ذا فنون كثيرة ، ومن ذلك علم الفرائض والعروض ، وله
فيه أرجوزةٌ حسنةٌ ، انتخب منها ابن الساعي من كل بحر بيتين ، وسرد ذلك في تاريخه .
أبو الفتح مسعود بن إسماعيل بن [ أبي ] علي (٣) بن موسى السَّلماني .
فقيه أديب شاعر، له تصانيف، وقد (( شرح المقامات)) و((الجُمل)) في النحو ، وله خطب وأشعار
حسنة رحمه الله تعالى .
الفخر بن الشِّيرجي(٤) أبو بكر محمد بن عبد الوهاب بن عبد الله الأنصاري فخر الدين ابن الشِّيرجي
الدمشقي ، أحد المُعَدّلين بها ، ولد سنة تسع وأربعين وخمسمئة ، وسمع الحديث وكان يلي ديوان
الخاتون ست الشامُ(٥) بنت أيوب ، وفوضت إليه أمر أوقافها .
قال السبط (٦): وكان ثقة أميناً كيساً متواضعاً. قال : وقد وزر ولده شرف الدين للناصر داود مدة
يسيرة .
وكانت وفاة فخر الدين في يوم عيد الأضحى ودفن بمقابر باب الصغير ، رحمه الله تعالى وعفا عنه .
العماد المحلي الشاعر (٧) حسام بن غزي(٨) بن يونس عماد الدين أبو المناقب المحلي المصري ، ثم
الدمشقي .
(١) ترجمة - ابن الزبيدي - في تكملة المنذري (٣٦١/٣) وتاريخ الإسلام (٨٧٩/١٣) ووقع فيه ((الحسن)) وسير
أعلام النبلاء (٢٢ /٣٥٧ - ٣٥٩) والعبر (١٢٤/٥) والمختصر المحتاج إليه (٤٤/٢ - ٤٥) والجواهر المضية
(١٨٨/٢ - ١٨٩) والنجوم الزاهرة (٢٨٦/٦) وشذرات الذهب (٢٢٩/٧) والطبقات السنية (١٥٦/٣).
(٢) أ : سالم ؛ خطأ .
أ : ابن أبي علي بن مسعود بن علي .
(٣)
(٤) ترجمة - الفخر بن الشيرجي - في مرآة الزمان (٤٤٦/٨ - ٤٤٧) وتكملة المنذري (٢٧٣/٣) وتاريخ الإِسلام
(٨٤٤/١٣) والعبر (١٠٩/٥) والنجوم الزاهرة (٢٧٥/٦) وشذرات الذهب (١٢٥/٥ - ١٢٦). قال بشار :
وقد تابع المؤلف سبط ابن الجوزي في ذكر وفاته في هذه السنة . أما المنذري والذهبي ومن تابعهما فقد ذكراه في
وفيات سنة ٦٢٧ هـ .
(٥) تقدمت ترجمة ست الشام في وفيات سنة ٦١٦ هـ.
(٦)
مرأة الزمان ( ٤٤٧/٨ ) .
(٧) ترجمة - العماد المحلي - في مرآة الزمان (٤٤٥/٨) في وفيات سنة ٦٢٨ هـ وتكملة المنذري ( ٣٠٣/٣) وذيل
الروضتين (١٦٠) وتاريخ الإِسلام (٨٧٩/١٣).
(٨) في هامش التكملة : هكذا وجده مقيداً بالقلم بخط الإِمام الذهبي . قلت : وقد ضبطه في المتن بضم الغين ، وكسر
الزاي المشددة ، وتشديد الياء .

١٨٧
وفيات سنة ٦٢٩ هـ
كان شيخاً صالحاً فاضلاً فقيهاً شافعياً ، حسن المحاضرة وله أشعارٌ حسنة .
قال أبو شامة(١) : وله في معجم القوصي ترجمة حسنة ، وذكر أنه توفي عاشر ربيع الآخر ودفن بمقابر
الصوفية .
قال السبط : وكان مقيماً بالمدرسة الأمينية ، وكان لا يأكل لأحد شيئاً ولا للسلطان ، بل إِذا حضر
طعاماً كان معه في كمِّه شيء يأكله ، وكان لا يزال معه ألف دينار على وسطه ، وحكى عنه قال : خلع عليّ
الملك العادل ليلة طيلساناً فلما خرجت مشى بين يدي نفّاط(٢) [ وبيده مشعل ]٣) يحسبني القاضي ، فلما
وصلت باب البريد عند دار سيف خلعت الطيلسان وجعلته في كمِّي وتباطأت في المشي ، فالتفتَ فلم يَرَ
وراءه أحداً ، فقال لي : أين القاضي ؟ فأشرتُ إِلى ناحية النُّورية وقلتُ : ذهب إِلى داره ، فلما أسرع إِلى
ناحية النُّورية هرولتُ إِلى المدرسة الأمينية واسترحتُ منه .
وقال ابن الساعي : كان مولده سنة ستين وخمسمئة ، وخلّف أموالًا كثيرة ورثتها عصبته ، قال :
وكانت له معرفةٌ حسنة بالأخبار والتواريخ وأيام الناس ، مع دينٍ وصلاحٍ وورعٍ ، وأورد له ابن الساعي
قطعاً من شعره فمن ذلك قوله : [ من الخفيف ]
ـرُ بخدَّيْه(٤) قلتُ ما ذاكَ عَارُهْ
قيل لي مَنْ هويتَ قد عبثَ الشَّعْـ
لِ فمنْ ذلكَ(٥) الدخان عذارُهْ
حمرةُ الخدِّ أحرقتْ عنبرَ الخا
وقوله(٦) [ من السريع ] :
شَوقي إِلِيكُمْ دونَ أشواقكمْ لكنه(٧) لابدَّ أنْ(٨) يُشْرحُ
لأنّني عن قلبكُمْ غائبٌ وأنتمُ في القلبِ لن تبرحو(٩)
أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن الجارود الماراني(١٠) ، الفقيه الشافعي ، أحد الفضلاء .
(١) ذيل الروضتين (١٦٠).
(٢) ط أ : تعاط ؛ تحريف .
(٣) زيادة عن مرآة الزمان حتى يتضح المعنى .
(٤) ط : في خديه ؛ ولا يستقيم الوزن بها .
(٥) ط : فمن ذلك ؛ ولا يستوي بها الوزن .
(٦) ط : وله .
(٧) ط : لكن ؛ ولا يستقيم الوزن بها.
(٨) ب : ما يشرح ؛ وما هنا أجود .
(٩) ب : جاء الصدر في ب مكان العجز وبالعكس .
(١٠) ترجمته في تاريخ الإسلام (١٣/ ٩٠٧) (بشار).

١٨٨
وفيات سنة ٦٢٩ هـ
ولي القضاء بإِربل وكان ظريفاً خليعاً ، وكان من محاسن الأيام ، وله أشعار رائقة ومعان فائقة ،
منها١) قوله : [ من المتقارب ]
أحل (٢) العنايةَ حيث حلْ
مشيبٌ أتى وشبابٌ رحل
ويحكِ يا نفس ماذا الزلل(٣)
وعمري تَقضَّى بلا طاعة
وعودي فقد حانَ وقتُ الأَجل
وذَتْبُكِ جَمٌّ ، ألا فارجعي
ولا يَخْدَعَنَّكِ طولُ الأمل
وديني الإلهَ ولا تقصري
(٤)
ولا صاحب غير حسن العمل
فما لكِ غيرُ التَّقَى مُسعدٌ
أبو الثناء محمود بن زاكي(٥) بن علي بن يحيى الطَّائي الرَّقِّي نزيل إزبل، وولي النظر بها للملك مُظَفَّر
الدين ، وكان شيخاً أديباً فاضلاً، ومن شعره قوله : [ من الطويل ]
وأهيفُ ما الخَطِيُّ إلا قوامُهُ وما الغُصْنُ إلا ما يثنيهِ لينُهُ
وما النَّبْلُ إلا ما تَريش جُفُونُهُ
وما الدَّعْص إلا ما تحمَّلَ خَصْرُهُ
وما السِّحرُ إلا ما تكنُّ عُيُونُهُ
وما الخمرُ إلا ما يروقُ ثَغْرُهُ
إذا ما رآهُ لا يزيدُ جُنُونُهُ
وما الحُسْنُ إلا كُله فمنِ الذي
ابن معطي النَّحوي يحيى (٦) ترجمه أبو شامة في السنة الماضية ، وهو أضبط لأنه شهد جنازته(٧)
بمصر .
وأما ابن الساعي فإِنه ذكره في هذه السنة ، وقال : إِنه كان حظياً عند الكامل محمد صاحب مصر ،
وإِنه كان قد نظم ((أرجوزةً في القراءات السبع)) و((نظم ألفاظ الجمهرة)) وكان قد عزم على نظم ((صحاح
الجوهري )).
(١) أ، ب : فمن شعره .
(٢) أ : شبت أنا وشبابي أحد ؛ وهي مختلة الوزن .
(٣) هذا البيت عن أ، ب : وحدهما .
(٤) هذا البيت عن أ، ب : وحدهما .
(٥) ط : بن رالي. وما هنا عن أ ، ب .
(٦) تقدمت ترجمة - ابن معطي - في وفيات سنة ثمان وعشرين وستمئة ، وقد ذيلتها هناك بمصادره فلتراجع ، وقد
سقطت هذه الترجمة من أوب .
(٧) قال أبو شامة في ذيل الروضتين (١٦٠) - في مستهل ذي الحجة - توفي الزين النحوي يحيى بن معطي الزواوي
رحمه الله بالقاهرة ، وأنا بها ، وصلِّيَ عليه بجنب القلعة .. حضرتُ دفنه والصلاة عليه .

١٨٩
أحداث سنة ٦٣٠ هـ
ثم دخلت سنة ثلاثين وستمئة
فيها : باشر خطابة بغداد ونقابة العباسيين العدل مجد الدين أبو القاسم هبة الله بن المنصوري(١) ،
وخلعَ عليه خلعة سنية ، وكان فاضلاً قد صحب الفقراءَ والصوفيةَ وتزهَّدَ برهةً من الزمان ، فلما دُعي إِلى
هذا الأمر أجاب سريعاً وأقبلت عليه الدنيا بزهرتها ، وخَدَمَهُ الغلمانُ الأتراكُ ، ولبس لباس المُتْرَفين وقد
عاتبه بعض تلامذته بقصيدة طويلة ، وعنَّفه على ما صار إِليه ، و[ قد ] سردها ابن الساعي بطولها في
((تاريخه )(٢) .
وفيها : سار القاضي محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين أبي الفرج [ بن الجوزي ] في الرسلية
من الخليفة إلى الكامل [ محمد (٣) صاحب مصر ، ومعه كتاب هائل فيه تقليده الملك ، وفيه أوامر كثيرة
مليحة من إِنشاء الوزير نصير(٤) الدين أحمد بن الناقد ، سرده ابن الساعي أيضاً بكماله . وقد كان الكامل
مخيِّماً بظاهر آمد من أعمال الجزيرة ، قد افتتحها بعد حصار طويل وهو مسرور بما نال من ملكها .
وفيها : فتحت دار الضيافة ببغداد للحجيج حين قدموا من حجهم ، وأجريت عليهم النفقات
والكساوي والصلات ، ولله الحمد والمنة .
وفيها : سارت العساكر المستنصرية صحبة الأمير شرف(٥) الدين أبي الفضائل(٦) إِقبال الخاص
المستنصري إِلى مدينة إِربل وأعمالها، وذلك لمرض مالكها مُطَفَّر الدين كُوْكُبُري(٧) بن زين الدين ، وأنه
ليس له من بعده مَنْ يملك البلاد ، فحين وصلها الجيش منعه أهلُ البلد فحاصروه حتى افتتحوه عنوةً في
السابع عشر من شوال في هذه السنة ، وجاءت البشائر بذلك فضُربت الطبولُ ببغداد بسبب ذلك ، وفرح
(١) أ : المعصوري ، وب: المقصودي ، وهو أبو القاسم هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن عبد القادر بن
الحسين المعروف بابن المنصوري الخطيب العدل ببغداد . توفي سنة ٦٣٥هـ . التكملة لوفيات النقلة.
(٢) الشاعر هو موفق الدين عبد القاهر بن الفوطي، وهو خال والد كمال الدين ابن الفوطي صاحب (( تلخيص مجمع
الآداب))، وقد أوردها ابن الشعار في عقود الجمان ، ونقلها صاحب الكتاب المسمى بالحوادث من تاريخ ابن
الساعي ، فراجعها في الكتاب المذكور وانظر تعليقنا عليها : ص ٦٣ فما بعد ( بشار ).
(٣) سترد ترجمة الكامل في وفيات سنة ٦٥٦ هـ .
(٤) ط : نصر الدين. وسترد ترجمته في وفيات سنة ٦٤٢ هـ.
(٥) جمال الدولة أمير الجيوش شرف الدين أبو الفضائل الحبشي المستنصري الشرابي تسلم مقدم جيوش العراق سنة
٦٢٦ هـ. أنشأ مدرستين بالعراق ورباطاً في مكة وهزم التتار سنة ٦٤٣ هـ ، فعظم بذلك وارتفع قدره . ولکنه مرض
ومات سنة ٦٥٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٣ /٣٧٠).
(٦) الكنية عن ط وحدها .
(٧) سترد ترجمة كوكبري في وفيات هذه السنة .

١٩٠
أحداث سنة ٦٣٠ هـ
أهلُها ، وكُتب التقليد عليها لإقبال المذكور ، فرتب فيها المناصب وسار فيها سيرةً جيدةً ، وامتدح
الشعراءُ هذا الفتح من حيث هو ، وكذلك مدحوا فاتحها إقبالاً(١) ، ومن أحسن ما قال بعضهم [ في
ذلك ]) :
يا يومَ سابعَ عشرَ شوال الذي رُزِقَ السعادةَ أوَّلًا وأخيراً
هُنْيتَ فيه وقد جلستَ وزيراً
هُنْيت فيه بفتح إِربلَ مِثلمـ
يعني أن الوزير نصير الدين بن العلقمي(٣) ، قد كان وزر في مثل هذا اليوم من العام الماضي .
وفي مستهل رمضان من هذه السنة شُرع في عمارة دار الحديث الأشرفية بدمشق ، وكانت قبل ذلك
داراً للأمير قايماز(٤) وبها حمَّامٌ فهدمت وبنيت(٥) عوضها.
وقد ذكر السبط (٦) في هذه السنة أن في ليلة النصف من شعبان فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة
لقلعة دمشق ، وأملى بها الشيخ تقي الدين بن الصلاح الحديث ، ووقف عليها الأشرف الأوقاف ، وجعل
بها فعل النبيّ ◌َثّر.
قال(٧): وسمع الأشرف صحيح البخاري في هذه السنة على الزبيدي(٨)
قلت : وكذا سمعوا عليه بالدار وبالصالحية .
قال(٩) وفيها : فتح الكامل آمد وحصن كيفا، ووجد عند صاحبها خمسمئة حرة للفراش فعذّبه
الأشرف عذاباً أليماً .
[ قال ] : وفيها : قصد صاحب ماردين وجيش بلاد الروم الجزيرة فقتلوا وسبوا وفعلوا ما لم يفعله
التتار بالمسلمين .
(١) ط : إِقبال. وهو خطأ نحوي.
(٢) عن ط وحدها .
(٣) ترجمة ابن العلقمي سترد في سنة ٦٥٦ هـ .
(٤) هو قايماز بن عبد الله المعظمي الشمسي المعروف بابن فُصَد. توفي بالقاهرة سنة ٦٣٩ هـ. وكان مشهوراً بالشجاعة
والإقدام . تكملة المنذري ( ٥٨٨/٣ ) .
(٥) أ، ب : وبنيت الدار عوضها . يقصد دار الحديث.
(٦) مرآة الزمان ( ٨/ ١٤٨).
مرآة الزمان ( ٤٤٧/٨).
(٧)
(٨) تقدمت ترجمة الزبيدي في وفيات سنة ٦٢٩ هـ.
(٩) مرآة الزمان (٨/ ٤٤٧).

١٩١
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
وممن توفي من الأعيان في هذه السنة من المشاهير :
أبو القاسم علي بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي(١)
كان شيخاً [لطيفاً ظريفاً ]٢) ، سمع الكثير وعمل صناعة الوعظ مدة ، ثم ترك ذلك ، وكان يحفظ
شيئاً كثيراً من الأخبار والنوادر والأشعار ، ولد سنة إحدى وخمسين وخمسمئة ، وكانت وفاته في هذه
السنة وله تسع وسبعون سنة .
وقد ذكر السبط(٣) وفاة :
الوزير صَفيّ الدين [ عبد الله بن علي ] بن شُكْر(٤)، في هذه السنة، وأثنى عليه وعلى محبته(٥) للعلم
وأهله، وأن له مصنفاً سماه (( البصائر)) وأنه تغضَّب عليه العادل ثم ترضاه الكامل وأعاده إِلى وزارته
وحرمته ، ودفن بمدرسته المشهورة بمصر ، وذكر أن أصله من قرية يُقال لها دَمِيرَة٦ً) بمصر .
الملك ناصر الدين محمود ٧) بن عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن قطب الدين مودود بن
عماد الدين(٨) زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل .
كان مولده في سنة ثلاث عشرة وستمئة ، وقد أقامه بدر الدين لؤلؤ صورة حتى تَمَكَّنَ أمرُه وقويت
شَوْكَتُهُ ، ثم حَجَرَ عليهِ فكان لا يصل إِلى أحدٍ من الجواري ولا شيء من السراري ، حتى لا يعقب ،
وضيّق عليه في الطعام والشراب ، فلما توفي جدّه لأمه مُظَفَّر الدين كُوْكبري صاحب إِربل منعه حينئذ من
الطعام والشراب ثلاثةَ عشر(٩) يوماً حتى مات كمداً وجوعاً وعطشاً رحمه الله ، وكان من أحسن الناس
صورة ، وهو آخر ملوك الموصل من بيت الأتابكي(١٠)
(١) ترجمة - ابن الجوزي - في مرآة الزمان (٤٤٩/٨) ورغم أنه خاله إلا أنه لم يثن عليه. وتكملة المنذري ( ٣٥٠/٣)
وتاريخ الإسلام (٩٢٥/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٥٢/٢٢ -٣٥٣) والعبر (١٢٠/٥) وشذرات الذهب (٢٤١/٧).
(٢) ب : فاضلا .
(٣) مرآة الزمان (٨/ ٤٤٩).
(٤) ترجمة - ابن شكر - في مرآة الزمان (٤٤٨/٨) وتكملة المنذري ( ١٥٧/٣) وذيل الروضتين (١٤٧) والعبر
(٩٠/٥) وسير أعلام النبلاء (٢٩٢/٢٢ - ٢٩٥) وفوات الوفيات (٢٦٣/١ - ٢٦٦) والنجوم الزاهرة
(٦ / ٢٦٣ ) .
(٥) أ : محبته العلم .
(٦) دَمِيرة: بفتح أوله ، وكسر ثانيه: قرية كبيرة بمصر قرب دمياط معجم البلدان (٢/ ٤٧٢).
(٧) أ، ب : محمد .
(٨) ط ، ب : عماد الدين بن زنكي .
(٩) ط : ثلاث عشرة ؛ خطأ .
(١٠) ب : الأتابك.

١٩٢
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
القاضي شرف الدين إسماعيل بن إبراهيم(١) أحد مشايخ الحنفيَّة .
وله مصنفات في الفرائض وغيرها ، وهو ابن خالة القاضي شمس الدين بن الشيرازي (٢) الشافعي ،
وكلاهما كان ينوبُ عن ابن الزكي (٣) وابن الحرستاني(٤)، وكان يدرس بالطرخانيةُ(٥). وفيها سكنه (٦)،
فلما أرسل إِليه المعظم أن يفتي بإِباحة نبيذ التمر وماء الرمان امتنع من ذلك وقال أنا على مذهب محمد بن
الحسن في ذلك ، والرواية عن أبي حنيفة شاذة ، ولا يصحّ حديث ابن مسعود في ذلك ، ولا الأثر عن
عمر(٧) أيضاً . فغضب عليه المعظم وعزله عن التدريس وولاه لتلميذه الزين بن العتال(٨)، وأقام الشيخ
بمنزله حتى مات ، رحمه الله تعالى .
قال أبو شامة(٩): وفي هذه السنة توفيٌ(١٠) جماعةٌ من السلاطين منهم المغيث بن المغيث بن
العادل ، والعزيز عثمان بن العادل ، ومظفر الدين صاحب إِربل . قلت : أما صاحب إِربل فهو :
(١) ترجمة - القاضي شرف الدين - في مرآة الزمان (٨/ ٤٤٦) وتكملة المنذري ( ٣٠٩/٣) وذيل الروضتين (١٦١)
وتاريخ الإسلام (٨٧٩/١٣) والجواهر المضية (٣٨٩/١) والنجوم الزاهرة (٢٧٨/٦ - ٢٧٩) وتاج التراجم
بتحقيق الصديق العزيز الأستاذ إبراهيم الصالح (٦١) والطبقات السنية (١٧٣/٢) وشذرات الذهب (٢٢٨/٧)
وفي هذه المصادر أن القاضي شرف الدين عرف ( بابن الموصلي ) ووفاته في أكثرها سنة ٦٢٩ هـ .
(٢)
سترد ترجمة شمس الدين الشيرازي في وفيات سنة ٦٣٥ هـ .
سترد ترجمة ابن الزكي في وفيات سنة ٦٦٨ هـ .
(٣)
سترد ترجمة ابن الحرستاني في وفيات سنة ٦٦٢ هـ .
(٤)
(٥) المدرسة الطرخانية تقع قبلي المدرسة البادرائية بجيرون أنشأها ناصر الدين ابن طرخان المتوفى سنة ٥٢٠هـ، وهي
من مدارس الحنفية في دمشق قال بدران : وقد عفت رسومها ومحيت أطلالها ، وأخنى عليها الزمان ، وأمست دوراً
للسكنى تنتقل من يد إلى يد . الأعلاق الخطيرة (٢٠١) والدارس (٥٣٩/١) ومختصر تنبيه الطالب (٩٤ - ٩٥)
ومنادمة الأطلال ( ١٧٩ - ١٨٠).
(٦) أ، ب : مسكنه .
(٧) أ، ب : ابن عمر، والحادثة في الجواهر المضية وقد جرت مع إِسماعيل بن إبراهيم بن غازي . وفي مرآة الزمان
وتاج التراجم ومنادمة الأطلال .
(٨) قال السبط : له تصانيف منها : مقدمة في الفرائض قرأتها عليه.
في المرأة : الزين بن العيال . وفي الجواهر المضية محمد بن العتال . وفي الهامش القتال في نسخة أخرى . وفي
تنبيه الطالب : زين الدين الفتال ، وفي تعليقات العلموي عليه العتال والقتال . وفي منادمة الأطلال : محمد بن
البقال. ولم أصل فيه إلى رأي. قال بشار : ترجم المنذري في التكملة لواحد من بيت العتال ( ٧٢/٣)، فلعله
قريبه . وينظر تاريخ الإسلام (١٣ /٥٧٩).
(٩) ذيل الروضتين ( ١٦١).
(١٠) ط : ومات في هذه السنة .

١٩٣
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
الملك المظفر(١) أبو سعيد كُوْكُبُري(٢) [ مظفر الدين ] بن زين الدين علي بن بُكْتَكين(٣)
أحد الأجواد والسادات الكبراء والملوك الأمجاد ، له آثارٌ حسنةٌ وقد عَمرَ الجامع المُظَفَّريّ(٤) بسفح
قاسيون ، وكان قد همَّ بسياقة الماء إِليه من ماء برزة٥) فمنعه المعظم من ذلك ، واعتلَّ بأنه قد يمرّ على مقابر
المسلمين بالسفوح ، وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً . وكان مع ذلك
شهماً شجاعاً فاتكاً بطلاً عاقلاً عالماً عادلاً رحمه الله وأكرم مثواه . وقد صنف الشيخ أبو الخَطّاب ابن دِخْيَةُ(٦)
له مجلداً في المولد النبوي سماه ((التنوير في مولد البشير النذير)»، فأجازه على ذلك بألف دينار، وقد طالت
مدّتُه في الملك في زمان الدولة الصَّلاحية، وقد كان محاصر عكا٧) وإِلى هذه السنة محمود السيرة والسريرة.
قال السبط(٨): حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد(٩) في ذلك السماط
خمسة آلاف رأسٍ مشويّ ، وعشرةَ آلاف دجاجة ، ومئة ألف زبدية ، وثلاثين ألف صحن حلوى . قال :
وكان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء والصوفية فيخلع عليهم ويطلق لهم ويعمل للصوفية سماعاً من
الظهر إِلى الفجر، ويرقص بنفسه معهم ١٠) ، وكانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة ،
وكانت صدقاته في جميع القرب والطاعات على الحرمين وغيرهما ، ويستفك(١١) من الفرنج في كل سنة
خلقاً من الأسارى ، حتى قيل إِن جملة من استفكه(١٢) من أيديهم ستون ألف أسير ، قالت زوجته (١٣) ربيعة
(١) ترجمة - كوكبري في مرآة الزمان (٨/ ٤٥٠ - ٤٥٢) وتكملة المنذري (٣٥٤/٣) ووفيات الأعيان (١١٣/٤ -
١٢١) وتاريخ الإسلام (٩٣٠/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٣٤/٢٢ - ٣٣٧) والعبر (١٢١/٥ -١٢٢) والنجوم
الزاهرة (٢٨٢/٦) وشذرات الذهب (٢٤٣/٧ - ٢٤٦).
(٢) قيّدها ابن خلكان بضم الكافين بينهما واو ساكنة ، ثم باء موحدة مضمومة ، ثم واو ساكنة وبعدها راء : وهو اسم
تركي معناه بالعربية ذئب أزرق . وفي الدارس ( ٢/ ٤٣٥): دب أزرق ، وهو خطأ .
(٣) قيّدها ابن خلكان بضم الباء ، وسكون الكاف ، وكسر التاء ، والكاف ، وسكون الباء ، وبعدها نون . الدارس
(٤٣٦/٢) حيث قيدها بفتح الباء .
(٤) الأعلاق الخطيرة (٨٦) والدارس (٤٣٥/٢) جامع الجبل ، ومختصر تنبيه الطالب (٢٣٥ - ٢٣٨) جامع الجبل
المشهور بجامع الحنابلة وبالمظفري . وكذا ورد اسمه في منادمة الأطلال ( ٣٧٣).
(٥) ط : بذيرة ؛ تحريف .
(٦) سترد ترجمة ابن دحية في وفيات سنة ٦٣٣ هـ.
(٧) أ، ب : وهو محاصر مدينة عكا .
(٨) مرآة الزمان (٤٥١/٨) بخلاف في الرواية .
(٩) أ، ب : في بعض المواليد أنه مد .
(١٠) أ، ب : لغير قص معه بنفسه
(١١) ط : وتيفك .
(١٢) أ، ب : استفك .
(١٣) أ ، ب : قال وزوجته .

١٩٤
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
خاتون بنت أيوب - وكان قد١) زوجه إياها أخوها صلاح الدين ، لمَّا كان معه على عكا - قالت : كان
قميصه لا يساوي خمسة دراهم(٢) فعاتبته بذلك فقال : أَلْبِس ثوباً بخمسة وأتصدق بالباقي خير من أن ألبس
ثوباً مثمّناً وأدع الفقير المسكين ، وكان يصرف على المولدفي كل سنة ثلاثمئة ألف دينار ، وعلى دار
الضيافة في كل سنة مئة ألف دينار. [ وفي ثمن الأسارى في كل سنة مئتي(٣) ألف دينار ] وعلى الحرمين
والمياه بدرب الحجاز ثلاثين ألف دينار سوى صدقات السر ، رحمه الله تعالى .
وكانت وفاته بقلعة إِربل ، وأوصى أن يحمل إِلى مكة فلم يتفق فدفن بمشهد عليّ .
والملك العزيز عثمان(٤) بن العادل .
وهو شقيق المُعَظّم ، وكان صاحب بانياس وتملك الحصون التي هنالك ، وهو الذي بنى الصُّبَيْبَة .
وكان عاقلاً قليل الكلام مطيعاً لأخيه المُعَّم ، ودُفن عنده وكانت وفاته يوم الإثنين عاشر رمضان ببستانه
الناعمة من [ بيت ] لهيا رحمه الله وعفا عنه .
ابن عنين الشاعر(٥) أبو المحاسن محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسن(٦) بن علي بن محمد بن غالب
الأنصاري ، المعروف بابن عُنَيْن الشاعر .
قال ابن الساعي : أصله من الكوفة ، وولد بدمشق ونشأ بها ، وسافر عنها سنين (٧) ، فجاب الأقطار
والبلاد شرقاً وغرباً ودخل الجزيرة وبلاد الروم والعراق وخراسان وما وراء النهر والهند واليمن والحجاز
وبغداد ، ومدح أكثر أهل هذه البلاد ، وحصَّلَ أموالاً جزيلةً ، وكان ظريفاً شاعراً مطبقاً مشهوراً ،
حسن الأخلاق جميل المعاشرة ، وقد رجع إلى بلده دمشق فكان بها حتى مات هذه السنة في قول ابن
الساعي .
(١) أ: وقد زوجه. الترجمة في مرآة الزمان (٨/ ٤٥٢).
(٢) أ، ب : من فرش غليظ فعاتبه في ذلك فقال. وعبارة السبط : كان ثوبه يساوي خمسة دراهم من خاتم .
(٣)
عند السبط : وعلى الأساري مئة ألف وعلى الخانكاه مئتي ألف .
(٤)
ترجمة العزيز عثمان في تاريخ الإسلام (٩٢٤/١٣) ( بشار).
ترجمة - ابن عنين - في معجم الأدباء (١٩/ ٨١ - ٩٢) وتكملة المنذري (٣٣٦/٣ - ٣٣٧) ووفيات الأعيان
(٥)
(١٤/٥ - ١٩) ومختصر أبي الفداء (١٢٨/٣) وتاريخ الإسلام (٩٣٩/١٣) وسير أعلام النبلاء (٢٢ /٣٦٣)
والعبر (١٢٢/٥ - ١٢٣) والنجوم الزاهرة (٨٢/٦ و٩٣ - ٩٥) وشذرات الذهب (٢٤٦/٧ - ٢٥٠) وانظر المقدمة
التي قدّم بها الأستاذ خليل مردم لديوانه الذي طُبع في مجمع اللغة العربية الطبعة الأولى في بيروت دار صادر الطبعة
الثانية المنقحة بخط المحقق رحمه الله .
(٦) ط : نصر الدين بن نصر بن الحسين ، وأب : محمد بن منصور بن مكارم . وما هنا عن مصادره .
(٧) أ، ب : وسافر بينهما سنتين .

١٩٥
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
وأما السبط (١) وغيره فأرَّخو(٢) وفاته في سنة ثلاث وثلاثين ، وقد قيل إِنه مات في سنة إحدى وثلاثين والله
أعلم. والمشهور أن أصله من حوران من مدينة زرع، وكانت إِقامته بدمشق في الجزيرة قبلي الجامع ، وكان
هجّاءً له قدرةٌ على ذلك، وصنَّف كتاباً سماه ((مقراض الأعراض))، يشتمل(٣) على نحو من خمسمئة بيت ،
قلَّ من سلم من الدماشقة من شَرِّهِ، ولا الملك صلاح الدين ولا أخوه العادل ، وقد كان يُزَنُّ(٤) بترك الصلاة(٥)
المكتوبة فالله أعلم . وقد نفاه الملك الناصر صلاح الدين إِلى الهند فامتدح ملوكها وحصّل أموالًا جزيلة ،
وصار إِلى اليمن فيقال إِنه وزر لبعض ملوكها ، ثم عاد في أيام العادل إِلى دمشق ، ولما ملك المعظم استوزره
فأساء السيرةَ واستقال هو من تلقاء نفسه فعزله، وكان قد كتب إلى الدماشقة من بلاد الهند(٦): [من الكامل]
فعلامَ أبعدتُمْ أخاثقةٍ لم يقترف (٧) ذنباً ولا سَرَقا
أُنْفُوا المُؤَذّنَ من بلادكمُ إِنْ كانَ يُنْفَى كلُّ من صَدَقا
ومما هجابه الملك الناصر صلاح الدين رحمه الله تعالى(٨): [ من المنسرح ]
سلطانُنا أعرجٌ وكاتبُهُ ذُو عَمَشٍ والوزير(٩) منحدبُ(١٠)
و(١١)
وهو على قشر بيضةٍ يثبُ
والدولعيُّ الخطيبُ معتكفٌ
ـاسَ وعبد اللطيفِ محتسبُ
ولابنٍ باقا١٢ً) وعظُ يعزُ(١٣) به النـ
(١) مرآة الزمان ( ٨/ ٤٦١).
(٢) أ، ب : فإِنهم أرخوا .
(٣) ط : مشتمل .
(٤) أ، ب: يُرمى. وزَنَّه بالخير زَنَاً وأَزَنَّهُ : ظنه به واتّهمه . اللسان ( زنن ).
(٥) أ، ب : بالصلوات .
(٦) البيتان في الديوان (٩٤ ).
(٧) أ، ب : والديوان: لم يجترم.
(٨) الأبيات في مقطعة مؤلفة من ثمانية أبيات في ديوان ابن عنين (٢١٠ - ٢١١) بالمطلع التالي :
في الناس إِلا البغاء والكذبُ
فقد أصبح الرزق ماله سبب
(٩) ط : ووزيره أحدب .
(١٠) بعده في الديوان (٢١١) ثلاثة أبيات فيها فحش.
(١١) رواية البيت أ، ب :
والدولعيُّ الخطيب منعكف وهو على نشر منضد يثب
والدولعي هو جمال الدين محمد بن زيد وسترد ترجمته في وفيات سنة ٦٣٥ هـ من هذا الجزء.
(١٢) أ، ب: ولابن لاقىء وهو تحريف . ابن باقا هو عبد العزيز بن أحمد بن عمر بن سالم بن محمد بن باقا البغدادي
الحنبلي التاجر . شهد عند القضاة، وكان تالياً لكتاب الله صدوقاً جليلاً. توفي سنة ٦٣٠هـ . سير أعلام النبلاء
(٣٥١/٢٢) وذيل ابن رجب (١٨٧/٢).
(١٣) ط : يغشّ.

١٩٦
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
وصاحبُ الأمر خلقهُ شرسٌ وعارضُ الجيش داؤهُ عجبُ
وقال في السلطان(١) الملك العادل سيف الدين رحمه الله تعالى وعفا عنه(٢): [ من الخفيف ]
واسعُ المالِ ضيِّقُ الإنفاقِ
إِن سلطاننا الذي نرتجيه
هو سيفٌ كما يقال ولكن قاطعٌ للرسومِ والأرزاقِ
وقد حضر مرة مجلس الفخر الرازي (٣) بخراسان وهو على المنبر يعظ الناس ، فجاءت (٤) حمامة
خلفها جارح فألقت نفسها على الفخر الرازي كالمستجيرة به ، فأنشأ ابن عنين يقول(٥) : [ من الكامل ]
والموتُ یلمعُ من جناحي خاطفٍ
جاءت سليمانَ الزمانِ حمامة(٦)
بإِزائِه يجري بقلبٍ واجفٍ(٨)
قرٌ لَواهُ الجوعُ(٧) حتى ظلُّهُ
حرمٌ وأنكَ ملجأُ للخائفِ
من أعْلَمُ(٩) الورقاءَ أن محلَّكمْ
الشيخ شهاب الدين السُّهْرَ وَرْدِيُ(١٠)، صاحب ((عوارف المعارف)) عمر بن محمد بن عبد الله بن
محمد بن عَمَّويه (١١) ، واسمه عبد الله البَكْري البغدادي ، شهاب الدين أبو حفص السُّهْرَوَزْدي ، شيخ
الصوفية ببغداد .
كان من كبار الصالحين وسادات المسلمين ، وتردد في الرسلية بين الخلفاء والملوك مراراً ،
(١) عن ط وحدها .
(٢) البيتان في ديوانه (٢٣٩) في المستدرك من شعر ابن عنين.
(٣) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٠٦ هـ.
(٤) أ، ب : وجاءت .
(٥) الأبيات في مقطعة ديوان ابن عنين (٩٥) بالمطلع التالي :
يابن الكرام المطعمين إِذا شتوا
في كل مخمصة وثلج خاشفٍ
(٦) في الديوان : الزمان يشكوها .
(٧) في الديوان : لواه القوت .
(٨) الشطر الثاني مكسور في ط : بإِزائه بقلب واجف . وقد صححته من الديوان ، ورواية الشطر في أب على النحو
التالي : من سجنه يمشي بقلب خائف . وهو جيد .
(٩) في الديوان : من نبّأ ، وفي أ، ب : من علم . وكلا الروايتين جيدتان.
(١٠) ترجمة - السهروردي - في معجم البلدان (٢٨٩/٤) ومرآة الزمان (٤٤٩/٨ - ٤٥٠) وتكملة المنذري (٣٨٠/٣ -
٣٨١) وذيل الروضتين (١٦٣) في وفيات ٦٣٢، ووفيات الأعيان (٤٤٦/٣ - ٤٤٨) وسير أعلام النبلاء
(٣٧٣/٢٢ -٣٧٨) والعبر (١٢٩/٥) وطبقات السبكي (١٤٣/٥) والنجوم الزاهرة (٢٨٣/٦ - ٢٨٥) وفيات
٦٣١ هـ وشذرات الذهب (٢٦٨/٧) وفيات ٦٣٢ هـ. قال بشار: الصحيح في وفاته ليلة مستهل المحرم سنة
٦٣٢ هـ .
(١١) ط : بن محمد بن محمد بن حمويه، وأ: بن محمد بن عرب. وما هنا عرب.

١٩٧
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
وحصلت له أموال جزيلة ففرَّقها بين الفقراء والمحتاجين ، وقد حجَّ مرة وفي صحبته خلقٌ من الفقراء
لا يعلمهم إِلا الله عز وجل ، وكانت فيه مروءة وإِغاثة للملهوفين، [ وإِعانة المحتاجين ] ، وأمر
بالمعروف ونهي عن المنكر ، وكان يعظ الناس وعليه ثياب البذلة(١). قال(٢) مرة هذا البيت: [ من
البسيط ]
ما في الصِّحاب أخو وجد نطارحه حديث نجد ولا صبُّ نجاريه
وجعل يكرره ويتواجد ، فناداه شاب عليه قباء وكلوتة من الحاضرين فقال : يا شيخ نستطيع وننتقص
بالقوم ، واللّه إِن فيهم مَنْ لا يرضى أن يجاريك ولا يصل فهمك إِلى ما يقول. هلا أنشدت: [ من
البسيط ]
ما في الصِّحاب وقد سارت حمولھمُ إِلا محبّ له في الركب محبوبُ
كأنما يوسف في كل راحلة والحي في كل بيت منه يعقوبُ
فصاح الشیخ ونزل عن (٣) المنبر وقصد الشاب ليعتذر إليه فلم يجده ووجد مكانه حفرة فيها دم کثیر من
كثرة ما كان يفحص(٤) برجليه عند إِنشاد الشيخ البيت . وذكر له ابن(٥) خلكان(٦) أشياء كثيرة من أناشيده
وأثنى عليه خيراً ، وأنه توفي في هذه السنة وله ثلاث وتسعون سنة رحمه الله تعالى .
ابن الأثير(٧) مصنف (( أسد(٨) الغابة)) و((الكامل)).
هو الإمام العلامة عزّ الدين أبو الحسن علي بن [ أبي الكرم محمد بن محمد بن ] عبد الكريم بن
عبد الواحد الشَّيْباني الجَزَري المَوْصِلي المعروف بابن الأَثير مصنف كتاب ((أسد(٩) الغابة في أسماء
(١) البَذْلة والمِبْذَلة من الثياب: ما يُلْبَس ويُمْتَهن ولا يصان ( اللسان: بذل) ومن هنا نعلم بأنَّ استعمال لفظة بذلة بمعنى
الثوب المرتب الحسن خطأ ، والصحيح ( بدلة ) لأنه يستبدل بملابس البيت ملابس الخروج .
(٢) الخبر في ط مختلف عما هنا وفيه نقص وزيادة ، وآثرت رواية أوب لأنها أتمّ من رواية ط .
(٣) أ، ب : من .
(٤) يفحص : يبحث في التراب برجله ويحفره . اللسان ( فحص ) .
(٥) أ ، ب : وقد ذكر ابن خلكان .
(٦) وفيات الأعيان ( ٤٤٦/٣ - ٤٤٨).
(٧) ترجمة - ابن الأثير - في تكملة المنذري ( ٣٤٧/٣ - ٣٤٨) وذيل الروضتين (١٦٢) ووفيات الأعيان (٣٤٨/٣ -
٣٥٠) ومختصر أبي الفداء (١٦١/٣) وتاريخ الإسلام (٩٢٥/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٥٣/٢٢ - ٣٥٦)
والعبر (١٢٠/٥ - ١٢١) وطبقات السبكي (١٢٧/٥) والنجوم الزاهرة (٢٨١/٦ - ٢٨٢) وشذرات الذهب
( ٢٤١/٧ - ٢٤٢) .
(٨) عن ط وحدها .
(٩) عن ط وحدها .

١٩٨
وفيات سنة ٦٣٠ هـ
الصحابة))، وكتاب (( الكامل في التاريخ)) وهو من أحسنها حوادث ، ابتدأه من المبتدأ إِلى سنة ثمانٍ
وعشرين وستمئة ، وقد كان يتردد إلى بغداد، [ وكان ] خصيصاً عند ملوك الموصل ، ووزر لبعضهم كما
تقدّم بيانه ، وأقام بها في آخر عمره موقّراً معظّماً إلى أن توفي بها في شعبان في هذه السنة ، عن خمس
وسبعين سنة رحمه الله .
وأما أخوه [ مجد الدين ] أبو السعادات المبارك (١) فهو مصنف كتاب ((جامع الأصول)) وغيره .
وأخوهما الوزير ضياء الدين أبو الفتح نصر الله(٢) كان(٣) وزيراً للملك الأفضل(٤) علي بن الناصر فاتح
بيت المقدس ، صاحب دمشق كما تقدم .
وجزيرة ابن عمر ، قيل إِنها منسوبة إلى رجل يقال له عبد العزيز(٥) بن عمر، من أهل برقعيد (٦)،
وقيل بل هي منسوبة إِلى ابني عمر ، وهما أوس وكامل ابنا عمر بن أوس [ التغلبي فالله أعلم حرَّر ذلك
القاضي ابن خلكان (٧) رحمه الله تعالى ] .
ابن المستوفي الإربلي (٨) مبارك بن أحمد بن مبارك بن موهوب بن غنيمة بن غالب العلامة شرف الدين
أبو البركات اللَّخمي الإربلي .
كان إِماماً في علوم كثيرة كالحديث وأسماء الرجال والأدب والحساب(٩) ، وله مصنفات كثيرة
وفضائل غزيرة، وقد بسط ترجمته القاضي شمس الدين بن خلكان في ((الوفيات (١٠) فأجاد وأفاد ،
رحمهم الله تعالى .
(١) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٠٦هـ .
(٢) سترد ترجمته في وفيات سنة ٦٣١هـ.
(٣) أ، ب : وكان .
(٤) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٦٢٢ هـ .
في معجم البلدان (١٣٨/٢) : الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي .
(٥)
برقعيد : بفتح الباء ، وكسر العين ، وياء ساكنة ودال : بلدة كبيرة من أعمال الموصل بينهما أربعة أيام ، وبينها وبين
(٦)
نصيبين عشرة فراسخ ، وأصبحت في زمن ياقوت خراباً. معجم البلدان (١/ ٣٨٧).
(٧) وفيات الأعيان (٣٤٩/٣ - ٣٥٠).
(٨) ترجمة - ابن المستوفي - في تكملة المنذري (٥٢٢/٣) ووفيات الأعيان (١٤٧/٤ - ١٥٢) وتاريخ الإسلام
(١٤ /٢٥٦) وسير أعلام النبلاء (٤٩/٢٣ - ٥٣) والنجوم الزاهرة (٣١٨/٦) وبغية الوعاة (٢٧٢/٢) وشذرات
الذهب ( ٧/ ٢٧٠) . قال بشار : ذكر المؤلف ترجمة ابن المستوفي في هذه السنة غريب ، فالمعروف أنه توفي في
الخامس من محرم سنة ٦٣٧ هـ ، كما ذكر المنذري وابن الشعار ( قلائد الجمان ٦/ الورقة ١٨ فما بعدها ) ، والذهبي
وغيرهم . وتنظر بلابد دراسة صديقنا الفاضل الدكتور سامي الصقار للمجلد الثاني من تاريخ إِربل ، له .
(٩) ب : والحساب والأدب .
(١٠) وفيات الأعيان (٤/ ١٤٧).

١٩٩
أحداث سنة ٦٣١ هـ
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وستمئة
فيها١) : كمل بناء المدرسة المستنصرية ببغداد(٢) ولم تُبن(٣) مدرسةٌ قبلَها مثلها، ووقفت على
المذاهب الأربعة من كل طائفة اثنان وستون فقيهاً ، وأربعة معيدين ، ومدرّسٌ لكل مَذْهب ، وشیخُ حديثٍ
وقارئان وعشرةُ مستمعين(٤) ، وشيخُ طبِّ، وعشرةٌ من المسلمين يشتغلون بعلمُ(٥) الطب، ومكتبٌ
للأيتام وقدر(٦) للجميع من الخبز واللحم والحلوى (٧) والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد ، ولما كان يوم
الخميس خامس رجب حُضِرت الدروسُ(٨) بها وحضر الخليفةُ المستنصرُ بالله بنفسه الكريمة وأهلُ دولته
من الأمراء والوزراء والقضاة والفقهاء والصوفية والشعراء ، ولم يتخلف أحد من هؤلاء ، وعُمل سماطٌ
عظيمٌ بها أكل منه الحاضرون، وحُمل منه إِلى سائر دور(٩) بغداد من بيوتات الخواص والعوام ، وخُلِعَ
على جميع المدرسين بها والحاضرين فيها ، وعلى جميع رجال الدولة والفقهاء والمعيدينُ(١٠) ، وكان
يوماً مشهوداً [وأمراً محموداً ]، وأنشدت الشعراء الخليفة المدائح الرائقة والقصائد الفائقة (١) ، وقد ذكر
ذلك(١٢) ابن الساعي في ((تاريخه)) مُطَوّلًا مبسوطاً شافياً كافياً، [وافياً، وقُرّر (١٣) لتدريس الشافعية بها
[الشيخ] الإمام [ العلامة ] محيي الدين أبو عبد الله بن فضلال(١٤)، وللحنفية الإمام العلامة رشيد الدين
أبو حفص عمر بن محمد الفرغاني (١٥)، وللحنابلة الإمام العالم محيي ١٦) الدين يوسف بن الشيخ أبي
(١) أ، ب: وفيها . وقد ورد فيهما قبل هذا الخبر أخبار عدة سترد في آخر حوادث هذه السنة.
(٢) آثارها قائمة إلى يوم الناس هذا على نهر دجلة تحكي عز بغداد . وقد كتب عمي العلامة الدكتور ناجي معروف كتاباً نفيساً عنها
وعن علمائها طبع في بغداد سنة ١٩٥٩ م ثم طبع ثانية في مجلدين سنة ١٩٦٥ م، وطبع بالقاهرة سنة ١٩٧٥ م ( بشار) .
(٣) ط : لم يُبْنَ .
(٤) أ ، ب : يستمعون .
(٥) أ، ب : بتعلم .
(٦) أ، ب : وقرّر .
(٧) أ، ب : والحلواء .
(٨) هذا هو المرجح في الضبط، أو يكون الكلام لابن الساعي فيكون الضبط: ((حضرتُ الدروسَ بها)) ( بشار).
(٩) ط : دروب .
(١٠) أ، ب : والفقهاء والمعتبرين.
(١١) أ، ب : المدائح الفائقة والقصائد الرائقة.
(١٢) أ، ب : وذكره.
(١٣) ط : وقدر .
(١٤) هو محيي الدين محمد بن يحيى بن فضلان الشافعي توفي سنة ٦٣١ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٧).
(١٥) توفى الفرغانى أيضاً سنة ٦٣١ هـ وهو أول من درس بالمستنصرية من الحنفية. الجواهر المضية (٢/ ٦٦٢).
(١٦) ب : الرئيس محيي الدين .

٢٠٠
أحداث سنة ٦٣١ هـ
الفرج بن الجوزي ، ودرّس عنه يومئذ ابنه عبد الرحمن نيابة(١) لغيبته في بعض الرسالات إِلى الملوك ،
ودرّس للمالكية يومئذ الشيخ الصالح العالم أبو الحسن المغربي المالكي نيابة أيضاً ، حتى يعين شيخ
غيره ، ووقفت خزائن(٢) كتبٍ لم يُسمِعْ بمثلها في كثرتها وحسنٍ نَسْخِها وجودةِ الكتب الموقوفة بها .
وكان المتولّي لعمارة هذه المدرسة مؤيّد الدين أبو طالب محمد بن العلقمي(٣) الذي وزر بعد ذلك،
وقد كان إِذ ذاك أستاذ دار الخلافة ، وخلع عليه يومئذ وعلى الوزير نصير الدين(٤) .
ثم عزل مدرس الشافعية في رابع عشر ذي القعدة بقاضي القضاة أبي المعالي عبد الرحمن بن
مقبل(٥) ، مضافاً إلى ما بيده من القضاء ، وذلك بعد وفاة محيي الدين بن فضلان ، وقد ولي القضاء
[ ببغداد ] مدة ودرَّس بالنظامية وغيرها، ثم عُزل ثم رضي عنه ثم دَرَّس [ آخر الوقت ]٦) بالمستنصرية
كما ذكرنا ، فلما توفي وليها بعده ابن مقبل رحمهم الله تعالى .
وفيها : عَمر الأشرفُ مسجدَ جراح(٧) ظاهر باب الصغير .
وفيها : قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج إِلى الأشرف ومعه هدايا منها دبِّ أبيضُ شعرُهُ مثلُ شعر
الأسد ، وذكرو(٨) أنه ينزل إلى البحر فيخرج السمك فيأكله . وفيها٩) : طاووس أبيض أيضاً .
وفيها : كملت عمارة القيسارية التي هي قبل(١٠) النحاسين ، وحوّل إِليها سوق الصاغة وشغر سوق
اللؤلؤ الذي كان فيه الصاغة العتيقة عند الحدادين .
وفيها : جددت الدكاكين التي بالزيادة .
(١) عن ط وحدها .
(٢) أ، ب : ووقفت فيها خزانة .
(٣) سترد ترجمة ابن العلقمي في وفيات سنة ٦٥٦ من هذا الجزء إِن شاء الله .
(٤) أ ، ب : نصير الدين خلعه .
(٥) سترد ترجمة ابن مقبل في حوادث سنة ٦٣٩هـ.
من هذا الخبر إلى بداية تراجم هذه السنة جاء في أ ، ب : في أول السنة .
(٦)
جامع جراح : يقع خارج باب الصغير بمحلة سوق الغنم . وكان مسجداً للجنائز كبيراً ، فخرب ، فجدده جراح
(٧)
المنيحي ، ثم أنشأه الملك الأشرف موسى جامعاً سنة ٦٣١هـ، ثم احترق، ثم جُدِّد، ثم دُمِّر سنة ٩٧٤ هـ بعد
حريق قضى عليه فجُمع له مبلغ وافر فعمر على صورته الحالية . الدارس (٢/ ٤٢٠) وتنبيه الطالب (٢٢٦)
ومنادمة الأطلال (٣٧١ - ٣٧٢).
(٨) ب : فذكروا . أ : ذكروا .
(٩) أ، ب : ومنها .
(١٠) أ، ب: وفيها أكمل عمارة القيسارية التي هي قبلي النحاسين.