Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ خلافة الظاهر بن الناصر وأمر القاضي (١) أَنَّ كلَّ من ثبت (٢) له حق بطريقٍ شرعي يوصلُ إِليه بلا مراجعة. وأقام في النظر على الأموال الحشرية (٣) رجلاً صالحاً . واستخلص على القضاء الشيخ العلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي(٤) في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، فكان(٥) من خيار المسلمين(٦) ومن القضاة العادلين ، رحمهم الله أجمعين . ولما عُرض عليه القضاء لم يقبله إِلا بشرط أن يورّث ذوي الأرحام ، فقال : أعط كلَّ ذي حقّ حقَّه واتّقِ اللهَ ولا تتق سواه . وكان من عادة أبيه أن يرفع إِليه حراسُ الدروب في كل صباح(٧) بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة ، فلما ولي الظاهر أمر بتبطيل ذلك كلّه وقال : أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم ؟ فقيل له : إِن ترك ذلك يفسد الرعية ، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم ، وأطلق من كان في السجون معتقلاً على الأموال الديوانية ، وردّ عليهم ما كان استخرج منهم قبل ذلك من المظالم وأرسل إِلى القاضي بعشرة آلاف دينار يوفي بها ديون من في سجونه من المدينينُ(٨) الذين لا يجدون وفاءً ، وفرّق في العلماء بقية المئة ألف ، وقد لامه بعض الناس في هذه التّصرفات فقال : إنما فتحت الدكان بعد العصر ، فذروني أعمل صالحاً وأفعل الخير ، فكم مقدار ما بقيت أعيش ؟! ولم تزل هذه سيرته حتى توفي في العام الآتي كما سيأتي . ورخصت الأسعار في أيامه وقد كانت قبل ذلك في غاية ٩) الغلاء حتى أنه فيما حكى ابن الأثير(١٠) أُكلت الكلاب والسناني(١١) ببلاد الجزيرة والموصل ، فزال ذلك والحمد لله . وكان [ هذا الخليفة الظاهر (١٢) حسنَ الشكلِ مليحَ الوجهِ أبيضَ مُشْرباً حمرة١٣ً) حلوَ الشمائلِ شديدَ القوى. (١) ط : للقاضي . (٢) عن ط وحدها . (٣) ط: ((الجردة)) وهو تحريف، والأموال الحشرية هي المتأتية عن إِرث من لا وارث له. ( بشار). (٤) أ، ب: الجيلي الحنبلي. وقد توفي أبو صالح الجيلي سنة ٣٣٣. سير أعلام النبلاء (٣٩٦/٢٢) وفيه ذكر لمصادر أخرى . (٥) أ، ب : وكان . (٦) أ، ب : ومن خيار القضاة . (٧) أ، ب : صبيحة . (٨) أ : من المديونين . (٩) أ : الشدة والغلاء. (١٠) ابن الأثير (٣٦٢/٩ و٣٦٤). (١١) ب : والميتات. (١٢) عن ط وحدها . (١٣) عن أ وحدها . ١٤٢ وفيات سنة ٦٢٢ هـ وممن توفي في هذه السنة (١) أيضاً من الأعيان : أبو الحسن علي الملقب بالملك الأفضل(٢) نور الدين ابن السلطان صلاح الدين يوسف (٣) بن أيوب. كان ولي عهد أبيه ، وقد ملك دمشق بعده مدة سنتين ثم أخذها منه عمه العادل ، ثم كاد أن يملك الديار المصرية بعد أخيه العزيز فأخذها منه عمه العادل أبو بكر ، ثم اقتصر على ملك صرخد فأخذها منه أيضاً عمه العادل ، ثم آل به الحال أن ملك سميساط(٤) وبها توفي في هذه السنة ، وكان فاضلاً شاعراً جيد الكتابة ، ونقل إلى مدينة حلب فدفن بها بظاهرها . وقد ذكر ابن خلكان(٥) أنه كتب إِلى الخليفة الناصر لدين الله يشكو إِليه عمه أبا بكر وأخاه عثمان وكان الناصر شيعياً مثله(٦): [ من البسيط ] عثمان قد غصبا بالسيفِ حقّ عَلي مولاي إِنَّ أبا بكرٍ وصاحبُ عليهما فاستقامَ الأمرُ حينَ وَلي وهو الذي كانَ قد ولّاهُ والدهُ والأمرُ بينهما والنصُّ فيه جَلي فخالفاءُ وحلاً عقدَ بيعته فانظر إِلى حظّ هذا الاسم كيف لقي من الأواخرِ ما لاقى من الأُوَلِ(٧) الأمير سيف الدين علي(٨) بن الأمير علم الدين سليمان (٩) بن جَنْدَر(١٠). (١) ط : وممن توفي فيها من الأعيان. (٢) ترجمة - الملك الأفضل - في الكامل لابن الأثير (٣٥٦/٣ - ٣٥٧) ومرآة الزمان (٨/ ٤٢٠) والتكملة للمنذري (١٤٠/٣) وذيل الروضتين (١٤٥) ووفيات الأعيان (٤١٩/٣ - ٤٢١) ومختصر أبي الفداء (١٤٢/٣) وسير أعلام النبلاء (٢٩٤/٢١) والعبر (٩١/٥) والنجوم الزاهرة (٢٦٢/٦) وشذرات الذهب (١٧٨/٧ - ١٧٩). (٣) ط: ((صلاح الدين بن يوسف)) وهو غلط جد ظاهر (بشار). (٤) قال ابن خلكان : وسميساط : بضم السين المهملة ، وفتح الميم ، وسكون الياء المثناة وفتح السين الثانية ، وبعد الألف طاء مهملة ، وهي قلعة في بر الشام على الفرات في ناحية بلاد الروم بين قلعة الروم وملطية . وفيات الأعيان (٤٢١/٣) ومعجم البلدان (٢٥٨/٣). (٥) وفيات الأعيان (٣/ ٤٢٠) برواية مختلفة قليلاً . (٦) للناصر لدين الله أبيات في الرد على هذه الأبيات في وفيات الأعيان (٤٢١/٣). (٧) البيتان الأول والأخير في مرآة الزمان (٨/ ٤٢٠) وقال بعدهما: وبلغني أنه كان ينكر هذا الشعر أنه له. (٨) ترجمة - سيف الدين علي - في مرآة الزمان (٤١٩/٨ - ٤٢٠) وذيل الروضتين (١٤٥ - ١٤٦). (٩) ط: ((بن سليمان)) وهو غلط واضح (بشار). (١٠) أ، ب ، ومرآة الزمان: حيدر، وهو تحريف، وما هنا يعضده ما في مصادر ترجمته ومنها تاريخ الإسلام بخط الذهبي ( ١٣/ ٧١٣). ١٤٣ وفيات سنة ٦٢٢ هـ كان من أكابر الأمراء(١) بحلب ، وله الصدقات الكثيرة ووقف بها مدرستين إِحداهما على الشافعية والأخرى على الحنفية ، وبنى الخانات والقناطر وغير ذلك من سبل الخيرات [ وغزا ] الغزوات رحمه الله . الشيخ علي الكردي (٢) المُوَلَّه المقيم بظاهر باب الجابية . قال أبو شامة (٣) : وقد اختلفوا فيه ، فبعض الدماشقة يزعم أنه كان صاحب(٤) كرامات ، وأنكر ذلك آخرون، وقالوا ما رآه أحد يصلي ولا يصوم ولا لبس مداساً ، بل كان يدوس النجاسات [ ويدخل المسجد على حاله (٥)، وقال آخرون كان له تابع من الجن يتحدث على لسانه، وحكى السبط (٦) عن امرأة قالت جاء خبر بموت أمي باللاذقية أنها ماتت وقال لي بعضهم إِنها لم تمت ، قالت فمررت به وهو قاعد عند المقابر فوقفت عنده فرفع رأسه وقال لي(٧) ماتت ماتت إِيش تعملين؟ فكان كما قال. وحكى(٨) لي عبد الله صاحبي قال جُعْتُ(٩) يوماً وما كان معي شيء فاجتزت به فدفع إِلي نصف درهم وقال : يكفي هذا للخبز والفت بدبس، وقال: من ١٠) يوماً على الخطيب جمال١١) الدين الدولعي فقال١٢) ( له): يا شيخ علي أكلت(١٣) اليوم كسيرات يابسة وشربت عليها الماء فكفتني ، فقال له الشيخ علي الكردي وما تطلب نفسك شيئاً آخر غير هذا؟ قال لا، فقال يا مسكين(١٤) من يقنع بكسرة يابسة يحبس نفسه في هذه المقصور(١٥) ولا يقضي ما فرضه الله عليه من الحج . (١) ب : العلماء. (٢) ترجمة - على الكردي - فى مرآة الزمان (٨/ ٤٢٠ -٤٢١) وذيل الروضتين (١٤٦) وتاريخ الإسلام (٧١٨/١٣). ذيل الروضتين (١٤٦ ). (٣) (٤) أ، ب : وله . ليس ما بين الحاصرتين في أ ، ب ، وورد مكانه في أ : ويبول على ثيابه ، وما أثبتناه موافق لما في ذيل الروضتين (٥) الذي ينقل منه المؤلف . مرآة الزمان ( ٤٢٠ ) بخلاف في الرواية . (٦) عن ط وحدها . (٧) (٨) أ، ب : قال : وحكى. (٩) ط : صبحت . (١٠) أ، ب : ودخل يوماً . (١١) أ، ب: كمال الدين . وسترد ترجمة الدولعي في وفيات سنة ٦٣٥ . (١٢) أ، ب : قد أكلت . (١٣) أ، ب : ودخل يوماً . (١٤) ط : يا مسلمين . (١٥) أ : ويحصر نفسه هذا الحصر . ١٤٤ وفيات سنة ٦٢٢ هـ الفخر ابن تيمية١) محمد بن أبي القاسم(٢) بن محمد الشيخ فخر الدين أبو عبد الله بن تيمية الحرَّاني ، عالمها٣) وخطيبها وواعظها . اشتغل على مذهب الإمام أحمد وبرع فيه وبرز وحصل وجمع تفسيراً حافلاً في مجلدات كثيرة ، وله الخطب المشهورة المنسوبة إليه، وهم عم الشيخ مجد الدين صاحب ((المنتقى في الأحكام)). قال أبو المظفر(٤) سبط ابن الجوزي : سمعته يوم جمعة بعد الصلاة وهو يعظ الناس ، ينشد : [ من السريع ] أحبابنا قد نَدَرتْ مقلَتي ما تَلْتَقي بالنومِ أو نَلْتقي على سِقامِ الجسدِ المحرَقِ(٥) رِفقاً بقلبٍ مُغْرَمٍ واعطِفوا كم تمطلوني بليالي اللّقا قد ذَهَبَ العمرُ ولم نَلْتَقِ وقد ذكرنا أنه قدم بغداد حاجاً بعد وفاة شيخه أبي الفرج بن الجوزي ووعظ بها في مكان وعظه (٦) الوزير ابن شكر(٧) صفي الدين أبو محمد عبد الله بن علي ( بن الحسين )٨) بن عبد الخالق بن شكر ، ولد بالديار المصرية بدَمِيرَةً(٩) بين مصر وإِسكندرية سنة أربعين وخمسمئة ، ودفن بتربته عند مدرسته بمصر، وقد وزر للملك العادل وعمل أشياء في أيامه ، منها تبليط جامع دمشق وأحاط سور المُصَلَّى عليه، (١) ترجمة - الفخر ابن تيمية - في تكملة المنذري (١٣٨/٣ - ١٣٩) وذيل الروضتين (١٤٦) ووفيات الأعيان (٣٨٦/٤ - ٣٨٨) وسير أعلام النبلاء (٢٨٨/٢٢ - ٢٩٠) وتاريخ الإسلام (٧٢٣/١٣) والوافي بالوفيات (٣٧/٣ - ٣٨) وذيل ابن رجب (١٥١/٢ - ١٦٢) والنجوم الزاهرة (٣٦٢/٦ - ٣٦٣) والمقصد الأرشد ( ٤٠٦/٢) وشذرات الذهب (١٧٩/٧ - ١٨٠). (٢) واسمه الخضر . (٣) أ : عالمها ومفتيها وخطيبها . (٤) أ، ب : أبو الفرج .. (٥) أ، ب : المعرق. (٦) أ، ب : مكان شيخه . (٧) ترجمة - الوزير ابن شكر - في معجم البلدان (٢/ ٤٧٢) وتكملة المنذري ( ١٥٧/٣) وذيل الروضتين ( ١٤٧) وتاريخ الإسلام ( ٧٠٦/١٣) وسير أعلام النبلاء (٢٩٤/٢٢) وفوات الوفيات ٤٦٣/١ - ٤٦٦) والنجوم الزاهرة (٢٦٣/٦) وشذرات الذهب ( ٧/ ١٧٧ ). (٨) ما بين الحاصرتين سقطت من ط ( بشار). (٩) أ، ب: ولد بالدميرة من مصر. ودَميرة: بفتح أوله، وكسر ثانيه ، وياء مثناة من تحت ساكنة وراء مهملة قرية كبيرة بمصر قرب دمياط . وهما دميرتان إحداهما تقابل الأخرى على شاطىء النيل في طريق من يريد دمياط . معجم البلدان ( ٢/ ٤٧٢ ). ١٤٥ وفيات سنة ٦٢٢ هـ وعمل الفوارة ومسجدها وعمارة جامع المزة، وقد نكب وعزل سنة خمس عشرة وستمئة وبقي معزولاً إِلى هذه السنة فكانت ( فيها ) وفاته (١)، وقد كان مشكور السيرة، ومنهم من يقول كان ظالماً ، فالله أعلم . أبو إسحاق إبراهيم بن المظفر(٢) بن إِبراهيم بن علي المعروف بابن البَرْني(٣) الواعظ البغدادي . أخذ الفنّ عن شيخه أبي الفرج بن الجوزي وسمع الحديث الكثير ، ومن شعره قوله في الزهد(٤): ما هذِهِ الدُّنْيا بدارِ مَسرَّةٍ فَتَخوُفي(٥) مَكْراً لها وخِدَاعا وبِمالِهِ يَسْتَمْتِعُ اسْتِمْتَاعا بَيْنا الفَتى فيها يُسَرُّ بِنَفْسِهِ وَحَمَتْهُ فيهِ بعدَ ذاكَ رِضاعا٦ً) حَتَّى سَقَتْهُ مِنَ المَنِيَّةِ شَرْبَةً لَا يَستَطِيعُ لما عَرَتْهُ(٧) دِفاعا فغدا بما كسبتْ يداهُ رَهِینةٌ لَوْ كانَ يَنْطِقُ قالَ من تَحْتِ الثَّرَى فَلْيُحْسِنِ العَمَلَ الفَتَى مَا اسْطَاءا(٨) البهاء السّنجاري(٩) أبو السعادات أسعد بن يحيى (١٠) بن موسى الفقيه الشافعي الشاعر. قال ابن خلّكار١١): كان فقيهاً ويتكلَّم في الخلاف ، إلا أنه غلب عليه الشعر، وأجاد١ً) فيه واشتهر بنظمه وخدم به الملوك ، وأخذ منهم الجوائز وطاف البلاد ، وله ديوان بالتربة الأشرفية بدمشق ، ومن رقيق شعره ورائقه قوله : [ من الكامل ] (١) أ، ب : وكانت . (٢) ترجمة - ابن البَرْني - في تكملة المنذري (١٣٦/٣) وتاريخ الإسلام (٦٩٩/١٣) والمختصر المحتاج إليه (١٣٥/١ - ١٣٦) وذيل ابن رجب (١٤٩/٢ - ١٥١) والنجوم الزاهرة (٢٦٢/٦) وشذرات الذهب ( ١٧٥/٧ ) . (٣) ط : البذي ؛ وهو تحريف ، وما هنا عن أب ، ومصادر الترجمة . الأبيات في ذيل ابن رجب ( ٢/ ١٥٠). (٤) (٥) ذيل ابن رجب : فتخوفن . (٦) في الذيل : حتى سقته في المنية شربة وحمته فيه بعد ذاك رضاعا لو كان ينطق .. (٧) أ، ب : لما عداه . (٨) أ، ب: ما استطاعا . ولا يستقيم الوزن بها . (٩) ترجمة - البهاء السنجاري - في خريدة القصر - شعراء الشام - (٢/ ٤٠١) ومعجم البلدان (سنجار ) وتاريخ الإسلام (٧٠٠/١٣) وسير أعلام النبلاء (٣٠٢/٢٢) ووفيات الأعيان (٢١٤/١ - ٢١٧) والوافي بالوفيات (٣٢/٩ - ٣٤) وشذرات الذهب (١٨٢/٧ - ١٨٣). (١٠) ط: ((محمد)) وهو تحريف: وما هنا هو الذي في مصادر ترجمته. (١١) وفيات الأعيان (٢١٤/١). (١٢) ط : فأجاد . ١٤٦ وفيات سنة ٦٢٢ هـ ولأنتِ أعلمُ في الغرامِ بِحالهِ وهواكِ ما خطرَ السُّلؤُّ ببالهِ سالٍ هواكِ فذاكَ من عُذّالهِ ومتى وشى واشرٍ إِليكِ بأنهُ من حالهِ يُغْنِيكِ عن تسآلهِ أو ليسَ للكلفِ المُعَنَّى شاهدٌ ـرَ غرامهِ وصرمتِ حبلَ وصالهِ جددتِ ثوبَ سقامهِ وهتکتِ ستـ وهي قصيدة طويلة (١) امتدح فيها القاضي كمال الدين الشهرزوري . وله ٢) : [ من السريع ] وطيب أوقاتي على حاجرٍ للهِ أيامى على رامةٍ أولها يعثرُ بالآخِرِ تكادُ للسرعةِ في مَرِّها وكانت وفاته في هذه السنة عن تسعين سنة رحمه الله بمنه وفضله . عثمان بن عيسى (٣) بن درباس بن فِيْر(٤) بن جَهْمُ(٥) بن عَبْدُوسُ(٦) الهَذَبَاني(٢) الماراني(٨) ضياء الدين أخو القاضي صدر الدينُ(٩) عبد الملك حاكم الديار المصرية في الدولة الصلاحية . وضياء الدين هذا هو شارح ((المهذب (١) إِلى كتاب الشهادات في نحو من عشرين مجلداً ، وشرح ((اللمع)) في أصول الفقه و((التنبيه (١) للشيرازي، وكان١٢) بارعاً عالماً بالمذهب رحمه الله . (١) بعد هذا البيت في وفيات الأعيان ثمانية أبيات وكذا في شذرات الذهب. (٢) البيتان في سير أعلام النبلاء (٣٠٢/٢٢) ووفيات الأعيان (٢١٦/١). (٣) ترجمة - ابن درباس - في تكملة المنذري (٢/ ٩٠) وسير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٩١) وتاريخ الإسلام (١٣ / ٦٥) ووفيات الأعيان (٢٤٢/٣ - ٢٤٣) وطبقات الإسنوي (١٢٨/١) وطبقات السبكي (١٤٣/٥) وشذرات الذهب (٧/ ١٤) وفي هذه المصادر أنه توفي سنة ٦٠٢، وانفرد ابن كثير بإِيراده في وفيات سنة ٦٢٢، وهو وهم منه لا ريب فيه . قيّدها ابن خلكان : فير : بكسر الفاء ، وسكون الياء المثناة من تحتها ، وبعدها راء . (٤) (٥) قيّدها ابن خلكان : جهم : بفتح الجيم ، وسكون الهاء ، وبعدها ميم . قيّدها ابن خلكان : بفتح العين المهملة ، وسكون الباء الموحدة ، وضم الدال المهملة وسكون الواو ، وبعدها سين مهملة . (٦) قيّدها ابن خلكان في وفيات الأعيان (١٣٩/٧) : الهذبانية : بفتح الهاء والذال المعجمة وبعد الألف نون مكسورة (٧) ثم ياء مشددة مثناة من تحتها وبعدها هاء . قيّدها ابن خلكان : الماراني : بفتح الميم ، وبعد الألف راء مفتوحة ، وبعد الألف الثانية نون هذه النسبة إلى بني (٨) مارن بالمروج تحت الموصل . (٩) له ترجمة في سير أعلام النبلاء (٢٢ / ٩١ ) . (١٠) بعد هذه اللفظة في أ: وصل فيه إِلى. (١١) عن ط وحدها . (١٢) أ : كان عمه بارعاً . ١٤٧ وفيات سنة ٦٢٢ هـ أبو الحسن علي بن الحسن الرازي ثم البغدادي الواعظ ، عنده فضائل وله شعر حسن ، فمنه قوله في الزهد : [ من الخفيف ] لِنَجَاةٍ فالحازِمُ الْمُسْتَعِدُّ اِسْتَعدّي يا نَفْسُ للموتِ وَاسْعَيْ خلودٌ ولا مِنَ المَوْتِ بُدُّ قد تبينتِ أَنَّه ليسَ للحي فَ تردِّينَ والعواري تُردُ إِنَّمَا أَنْتِ مستعيرةٌ ما سو تَسْهُو وَتَلهينَ والمنايا تَجِدُّ أَنْتِ تَسْهَيْنَ والحوادِثُ لا تِ ولا أرضاً بها لَكِ وزْدُ(١) لا ترجّي البقاءَ في معدنِ المو لامرىء حظّهُ من الأرضِ لحدُ ؟ أيُّ مُلْكِ في الأرضِ أم أيُّ حَظّ مِ عليهِ الأَنفاسُ فيها تعدُّ كيفَ يَهْوى امرؤٌ لذاذةَ أيا أبو محمد عبد الله بن ( علي بن (٢) أحمد (٣) بن الزيتوني(٤) ، البَوَازِيجي (٥) ثم البغدادي . شيخٌ فاضلٌ له روايةٌ ، ومما أنشده : [ من الخفيف ] ضَيَّقَ العُذْرَ في الضَّراعةِ أنَّا لو قَنِعْنا بقسمنا لَكَفانا ما لنا نعبدُ العبادَ إِذا كانَ إِلى اللهِ فقرُنا وغنانا أبو الفضل عبد الرحيم بن نصر الله بن علي بن منصور بن الكَيّال الواسطي . من بيت الفقه والقضاء(٦)، وكان أحد المعدّلين ببغداد ومن شعره(٧): [ من الطويل ] فتبَّاً لدنيا لا يدومُ نعيمُها تُسِرُ يسيراً ثم تُبدي المساويا تُرِيكَ رواء(٨) في النّقابِ وزخرفاً وتسفرُ عن شوهاء طحياء عاميا (١) أ، ب : معدن الموت ودوار حتوف هالك ورد . (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من ط ولا يصح إلا به ( بشار ) . (٣) ترجمة - البوازيجي في تكملة المنذري ( ١٤٢/٣) وذيل ابن رجب (١٦٢/٢ - ١٦٣) والمقصد الأرشد (٢/ ٢٠) وشذرات الذهب ( ٧/ ١٨١ ) . (٤) ط : الرسوي ؛ تصحيف . (٥) ط : البواريجي ، وأ : التواريخي ، وفي ذيل ابن رجب : البوازيحي . وكل ذلك تحريف فقد قيدها ابن العماد في شذراته بفتح الموحدة ، والواو وزاي وتحتية وجيم : نسبة إلى بوازيج : بلد قريب من تكريت . أبوه القاضي أبو الفتح نصر الله ولي القضاء بالبصرة وواسط ، وأقرأ ، وحدث ودرّس ، وتوفي سنة ٥٨٦هـ تكملة (٦) المنذري (١٣٩/١) والتعليق عليها ، وأخوه القاضي أبو المحاسن عبد اللطيف بن نصر الله ولي قضاء واسط بعد أبيه ، ودرّس، وتوفى سنة ٦٠٥ تكملة المنذري (٢/ ١٦٠) وتعليقنا عليه (بشار). (٧) البيتان في ذيل ابن رجب والشذرات . (٨) أ : تريك جمالًا . ١٤٨ وفيات سنة ٦٢٢ هـ ومن ذلك قوله : [ من الكامل ] بالفحصِ أجفاني فما أجفاني إِن كنتُ بعد الطاعتين تسامحتْ حسناً بإِنساني فما أنساني أو كنتُ من بعدِ الأحبَّةِ ناظراً الدهرُ مغفورٌّ لهُ زلاتهُ إِن عادَ أوطاني على أوطاني أبو علي الحسن(١) بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمار بن فهر(٢) بن وقاح الياسري نسبة إِلى عمار بن ياسر . شيخ بغدادي فاضل ، له مصنفات في التفسير والفرائض ، وله خطب ورسائل وأشعار حسنة وكان مقبول الشهادة عند الحكام . أبو بكر محمد بن يوسف بن الطباخ الواسطي البغدادي الصوفي ، باشر بعض الولايات ببغداد ، ومما أنشده : [ من المنسرح ] أحسنَ من عقلهِ ومن أدبهْ ما وهبَ اللهُ لامرىءٍ هبة نعما جمالُ الفتى فإِن فقدا ففقدهُ للحياةِ أجمل بهْ ابن يونس (٣) شارح ((التنبيه)) أبو الفضل أحمد بن الشيخ [ العلامة ] كمال الدين أبي الفتح موسى بن يونس بن محمد بن مَنَعة بن مالك بن محمد بن سعد بن سعيد بن عاصم بن عابد بن كعب بن قيس بن إِبراهيم الإربلي الأصل ثم الموصلي . من بيت العلم والرئاسة ، اشتغل على أبيه في فنونه وعلومه فبرع وتقدم. وقد درس وشرح (( التنبيه )) واختصر (( إِحياء علوم الدين)) للغزالي مرتين صغيراً وكبيراً ، وكان يدرس منه . قال ابن خلّكان(٤) : وقد ولي بإِربل مدرسة الملك المظفر بعد موت والدي في سنة عشر وستمئة ، وكنت أحضر عنده وأنا صغير ولم أر أحداً يدرس مثله ، ثم صار إلى بلده سنة سبع عشرة ، ومات في يوم الإثنين الرابع والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة عن سبع وأربعين سنة رحمه الله تعالى . (١) ترجمته في المختار من تاريخ ابن الجزري (١٢٥ - ١٢٦) وتاريخ الإسلام للذهبي (٧٠٢/١٣) (بشار). (٢) أ، ب : فهد . (٣) ترجمة - ابن يونس - في تكملة المنذري (١٤٥/٣ - ١٤٦) وتاريخ الإسلام (٦٩٦/١٣) وسير أعلام النبلاء (٢٤٨/٢٢) ووفيات الأعيان (١٠٨/١) وطبقات الإسنوي (٥٧٢/٢ - ٥٧٣) وطبقات السبكي (١٧/٥) ومرآة الجنان (٤ / ٥٠ ) وشذرات الذهب ( ٧ /١٧٤ ). (٤) وفيات الأعيان (١٠٨/١) بخلاف في الرواية . ١٤٩ أحداث سنة ٦٢٣ هـ ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمئة فيها : التقى الملك جلال الدين بن خوارزم شاه الخوارزمي مع الكُرْج فكسرهم كسرة عظيمة ، وصمد إِلى أكبر معاقلهم(١) تفليس ففتحها عنوة وقتل من فيها من الكفرة وسبى ذراريهم ولم يتعرض لأحد من المسلمين الذين كانوا بها ، واستقرّ ملكه عليها ، وقد كان الكُرْج أخذوها من المسلمين في سنة خمس عشرة وخمسمئة ، وهي بأيديهم إِلى الآن حتى استنقذها منهم جلال الدين هذا ، فكان (٢) فتحاً عظيماً ولله الحمد والمنة . وفيها : سار إِلى خلاط ليأخذها من نائب الملك الأشرف فلم يتمكن من أخذها وقاتله أهلها قتالًا عظيماً فرجع عنهم بسبب اشتغاله بعصيان نائبه بمدينة كرمان وخلافه له ، فسار إِليهم وتركهم . وفيها : اصطلح الملكُ الأشرفُ مع أخيه المعظم وسار إِليه إلى دمشق ، وكان المعظّم ممالئا٣ً) عليه مع جلال الدين وصاحب إِربل وصاحب ماردين وصاحب الروم ، وكان مع الأشرف أخوه الكامل وصاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ ، ثم استمال أخاه المعظم إِلى ناحيته فقوي (٤) جانبه . وفيها : كان قتال كبير(٥) بينَ إِبرنس(٦) إِنطاكية وبين الأرمن ، وجرت خطوب كثيرة بينهم . وفيها : أوقع الملك جلال الدين بالتركمان الإيوانية(٧) بأساً شديداً، وكانوا يقطعون الطرق(٨) على المسلمين . وفيها : قدم محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين بن الجوزي من بغداد في الرسلية إِلى الملك المعظم بدمشق ، ومعه الخلع والتشاريف لأولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر الله ، ومضمون الرسالة نهيه عن موالاة جلال الدين بن خوارزم شاه ، فإِنه خارجي من عزمه (٩) قتال الخليفة وأخذ بغداد منهم ، (١) أ : أكثر معاقلتهم . (٢) أ : وكان . (٣) أ : ممالئاً عامل . (٤) ط : يقوى . (٥) أ، ب : قتال كثير . (٦) أ : افرنش ، ط : ابرنش. (٧) أ، ب: الإيوابية. ولعلها نسبة إِلى ( إِيواني) ملك الكُرْج. (٨) أ، ب : الطريق . (٩) أ : بأنه خارجي حين عزم على قتال الخليفة. ١٥٠ وفاة الخليفة الظاهر [ وخلافة ابنه المستنصر ] فأجابه إِلى ذلك(١) وركب القاضي محيي الدين بن الجوزي إلى الملك الكامل بالديار المصرية ، وكان ذلك أول قدومه إلى الشام ومصر ، وحصل له جوائز كثيرة من الملوك ، منها كان بناء مدرسته ٢) الجوزية بالنشابين بدمشق . وفيها : ولي تدريس الشبلية بالسفح شمس الدين [ محمد بن ]٣) قزغلي سبط ابن الجوزي بمرسوم الملك المعظم ، وحضر عنده أول يوم القضاة والأعيان . وفاة الخليفة الظاهر [ وخلافة ابنه المستنصر ]٤) كانت وفاة الخليفة(٥) رحمه الله يوم الجمعة ضحى الثالث عشر من رجب من هذه السنة ، أعني سنة ثلاث وعشرين وستمئة ، ولم يعلم الناس بموته إلا بعد الصلاة ، فدعا له الخطباء يومئذ على المنابر على عادتهم وكانت (٦) خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوماً ، وعمره اثنتان وخمسون سنة ، وكان من أجود بني العباس سيرة وأحسنهم سريرةً(٧) ، وأكثرهم عطاءً وأحسنهم منظراً ورواءً ، ولو طالت مدته لصلحت الأمة صلاحاً كثيراً على يديه ، ولكن أحب الله تقريبه وإِزلافه لديه ، فاختار له ما عنده وأجزل له إِحسانه(٨) ورفده ، وقد ذكرنا ما اعتمده في أول ولايته من إِطلاق الأموال الديوانية ورد المظالم وإِسقاط المكوس ، وتخفيف الخراج عن الناس ، وأداء الديون عَمَّن عجز عن أدائها٩) ، والإحسان إلى العلماء والفقراء وتولية ذوي الديانة والأمانة ١٠) وقد كان كتب كتاباً لولاة الرعية فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، اعلموا أنه ليس إِمهالنا إِهمالاً ، ولا إِغضاؤنا إغفالً ، ولكن لنبلوكم أيكم أحسن عملاً ، وقد غفرنا لكم ما سلف من إِخراب (١) البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح السمعة ، وإِظهار (١) ب : فأجابه إلى دمشق لك. (٢) ب : المدرسة . (٣) عن ط وحدها . (٤) أ، ب : الحافظ بأمر الله . (٥) أ، ب : كانت وفاته . (٦) ط : فكانت . (٧) ط : كان أجود بني العباس وأحسنهم سيرة وسريرة. (٨) ط : إحساناً. (٩) أ، ب : عن قضائها . (١٠) عن ط وحدها . (١١) أ : خراب . ١٥١ خلافة المستنصر بالله العباسي الباطل الجلي في صورة الحق الخفي ، حيلةً ومكيدةً ، وتسمية الاستئصال والاجتياح استيفاءً واستدراكاً لأغراض انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل ، وأنياب أسد مهيب ، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم أمناؤه وثقاته فتميلون رأيه إِلى هواكم(١)، وتمزجون باطلكمُ(٢) بحقه ، فيطيعكم وأنتم له عاصون ، ويوافقكم وأنتم له مخالفون ، والآن قد بدل الله(٣) سبحانه بخوفكم أمناً ، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقاً ، ورزقكم سلطاناً يقيل(٤) العثرة ، ولا يؤاخذ إِلا من أصر، ولا ينتقم إِلا ممن استمر ، يأمركم بالعدل وهو يريده منكم ، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم ، يخاف الله تعالى فيخوَّفكمُ(٥) مكره ، ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته ، فإِن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه، وإلا هلكتم والسلام)». ووجد في داره رقاع(٦) مختومة لم يفتحها ستراً للناس وردءاً عن أعراضهم رحمه الله . وقد خلف من الأولاد عشرة ذكوراً وإناثاً ، منهم ابنه الأكبر الذي بويع له بالخلافة من بعده أبو جعفر المنصور ، ولقب بالمستنصر بالله . وغسله الشيخ محمد الخياط الواعظ ، ودفن في دار الخلافة ، ثم نقل إلى الترب من الرصافة . خلافة المستنصر بالله العباسى (٧) أمير المؤمنين أبي جعفر منصور بن الظاهر محمد بن الناصر أحمد ، بويع بالخلافة يوم مات أبوه يوم جمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة ، سنة ثلاث وعشرين وستمئة ، استدعوا به من التاج(٨) فبايعه الخاصة والعامة من أهل الحل والعقد ، وكان يوماً مشهوداً ، وكان عمره يومئذ خمساً وثلاثين سنة(٩) وخمسة أشهر وأحد عشر يوماً ، وكان من أحسن الناس شكلاً وأبهاهم منظراً ، وهو كما قال القائل : [ من الطويل ] (١) أ : فتمثلون. وب : فتميلون راية إِلى تقواكم . (٢) أ، ب : باطلهم . (٣) ب : والآن فقد أبدل الله . (٤) أ : فقيل . (٥) أ، ب : فلم يخاف الله تعالى وهو يخوفكم . (٦) أ، ب : رقاعاً مختومة لم تفتح فيها سعايات إِليه بسبب أناس كثيرة من الولاء وغيرهم . (٧) ترجمة المستنصر بالله في ذيل الروضتين (٢١٣) وذيل مرآة الزمان (٢٢٤/٨) وسير أعلام النبلاء (١٦٨/٢٣ - ١٧١) والعبر (٢٥٨/٥ - ٢٥٩) والنجوم الزاهرة (١٠٩/٧ - ١١٧) وتاريخ الخلفاء ( ٤٧٧ - ٤٧٨). (٨) أ، ب : المناح. (٩) أ، ب: وكان عمره يومئذٍ خمس وثلاثون سنة ؛ وهي خطأ. ١٥٢ خلافة المستنصر بالله العباسي كَأَنَّ الثُّرَيا عُلّقَتْ فِي جَبينهِ وفي خَدِّهِ الشِّعْرى وفي وَجْهِهِ القَمَرُ وفي نسبه الشريف خمسة عشر خليفة ، منهم خمسة من آبائه وُلُّوا نسقاً ، وتلقى هو الخلافة عنهم وراثةً كابراً عن كابر ، وهذا شيء لم يتّفق لأحد من الخلفاء قبله ، وسار في الناس كسيرة أبيه الظاهر في الجود وحسن السيرة والإحسان إِلى الرعية ، وبنى المدرسة الكبيرة المستنصرية التي لم تبن مدرسة في الدنيا مثلها ، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله ، واستمر أرباب الولايات الذين كانوا في عهد أبيه على ما كانوا عليه . ولما كان يوم الجمعة المقبلة خطب للإمام المستنصر بالله على المنابر ونثر الذهب والفضة عند ذكر اسمه (١)، وكان يوماً مشهوداً، وأنشد الشعراء المدائح والمراثي ، وأطلقت لهم الخلع والجوائز ، وقدم رسولٌ من صاحب الموصل يوم غزّة شعبان الوزير ضياء الدين أبو الفتحُ(٢) نصر الله بن الأثير ، ( يحمل رسالة (٣) فيها التهنئة والتعزية بعبارة فصيحة بليغة . ثم إِن المستنصر بالله كان يواظب على حضور الجمعة راكباً ظاهراً للناس ، وإِنَّما معه خادمان وركبدار(٤) ، وخرج مرة وهو راكب فسمع ضجة عظيمة فقال : ما هذا؟ فقيل له: التأذين ، فترجَّل عن مركوبه(٥) وسعى ماشياً ، ثم صار يدمن المشي إلى الجمعة رغبة في التواضع والخشوع ، ويجلس قريباً من الإمام ويستمع الخطبة ، ثم أصلح له المطبق فكان يمشي فيه إِلى الجمعة ، وركب في الثاني والعشرين(٦) من شعبان ركوباً ظاهراً للنّاس عامة ، ولما كانت أول ليلة من رمضان تصدّق بصدقات كثيرة من الدقيق والغنم والنفقات على العلماء والفقراء والمحاويج ، إِعانة لهم على الصيام ، وتقوية لهم على القيام . وفي يوم السابع والعشرين من رمضان نقل تابوت الظاهر(٧) من دار الخلافة إِلى التربة٨ُ) من الرصافة ، وكان يوماً مشهوداً، وبعث الخليفة المستنصر يوم العيد صدقات كثيرة وإِنعاماً جزيلاً إِلى الفقهاء والصوفية وأئمة المساجد ، على يدي محيي الدين ابن الجوزي . وذكر ابن الأثير(٩) أنه كانت زلزلة عظيمة في هذه السنة، هدّمت شيئاً كثيراً من القرى والقلاع(١) ببلادهم. (١) ب : عند ذكره . (٢) ط: ((من الوزير ضياء الدين أبي الفتح)) ولا معنى لها ، وكأن شيئاً سقط ( بشار). (٣) ما بين الحاصرتين إضافة مني لا بد منها ليستقيم المعنى ، وساق الذهبي قطعة من هذه الرسالة في تاريخ الإسلام (٦٤٠/١٣) ( بشار ). (٤) ط: ((راكب دار)) وما هنا من أ، ب، وهو الأصح ( بشار). (٥) ب : عن فرسه . (٦) أ، ب : الثامن والعشرين. (٧) أ : تابوت أبيه الظاهر . (٨) أ، ب : إِلى الترب . (٩) الكامل في التاريخ (٣٧٣/٩) بخلاف في الرواية . (١٠) أ، ب : من القلاع والقرى. ١٥٣ وفيات سنة ٦٢٣ هـ وذكر أنه ذبح شاة ببلدهم فوجد لحمها مُرّاً حتى رأسها وأكارعها . وممن توفي فيها من الأعيان بعد الخليفة الظاهر كما تقدم : الجمال المصريّ(١) يونس بن بَذْران بن فَيْروز جمال الدين المصري ، قاضي القضاة [ بدمشق ] في هذا الحين . اشتغل وحصل وبرع، واختصر كتاب ((الأم)) للإمام الشافعي، وله ((كتاب مطول في الفرائض))، وولي تدريس الأمينية بعد التقي صالح الضرير (٢) الذي قتل نفسه ، ولّه إِياه الوزير صفي الدين بن شكر ، وكان معتنياً بأمره ثم ولي وكالة بيت المال بدمشق [، وترسل إلى الملوك والخلفاء عن صاحب دمشق ، ثم ولاه المعظم قضاء القضاة بدمشق (٣) بعد عزله الزكي ابن الزكي ، وولاه تدريس العادلية الكبيرة ، حين كمل بناؤها ، فكان أول من درس بها وحضره(٤) الأعيان كما ذكرنا . وكان يقول أولاً درساً في التفسير حتى أكمل التفسير إلى آخره ، ويقول درس الفقه بعد التفسير ، [ ثم توفي عقب ذلك ] وكان يعتمد في أمر إِثبات السجلات اعتماداً حسناً ، وهو أنه كان يجلس في كل يوم جمعة بكرة ويوم الثلاثاء ويستحضر عنده في إِيوان العادلية جميع شهود البلد ، ومن كان له كتاب يثبته حضر واستدعى شهوده فأدوا على الحاكم وثبت ذلك سريعاً ، وكان يجلس كل يوم جمعة بعد العصر إِلى الشباك الكمالي بمشهد عثمان فيحكم حتى يصلي المغرب ، وربما مكث حتى يصلي العشاء أيضاً ، وكان كثير المذاكرة للعلم كثير الاشتغال حسن الطريقة ، لم ينقم عليه أنه أخذ شيئاً لأحد . قال أبو شامة(٥) : وإِنما كان ينقم عليه أنه كان يشير على بعض الورثة بمصالحة بيت المال ، وأنه استناب ولده التاج محمداً ولم يكن مَرضيَّ الطريقة ، وأما هو فكان عفيفاً في نفسه نزهاً مهيباً . قال أبو شامة(٦): وكان يدَّعي أنه قرشي شيبي فتكلّم الناس فيه بسبب ذلك، وتولَّى القضاء بعده .(٧) شمس الدين أحمد بن الخليل الخوييّ . (١) ترجمة - الجمال المصري - في مرآة الزمان (٤٢٤/٨) وتكملة المنذري (١٧٣/٣ - ١٧٤) وذيل الروضتين (١٤٨) وتاريخ الإسلام (٧٥٦/١٣) وسير أعلام النبلاء (٢٥٧/٢٢ - ٢٥٨) وطبقات الإسنوي (٤٤٧/٢ - ٤٤٨) وطبقات السبكي (٣٦٣/٨) والدارس (١٨٦/١) وحسن المحاضرة (١٩١/١) وشذرات الذهب (١٩٧/٧). (٢) أ ، ب : بعد التقي الضرير . (٣) ليس ما بين الحاصرتين في أ . (٤) ب : وحصر عنده الأعيان . (٥) ذيل الروضتين ( ١٤٨). (٦) ذيل الروضتين ( ١٤٨). (٧) سترد ترجمة الخليل الخويي في وفيات سنة ٦٣٧ . ١٥٤ وفيات سنة ٦٢٣ هـ قلت : وكانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة ، ودفن بداره (١) التي في رأس درب الريحان من ناحية الجامع ، ولتربته شباك شرق المدرسة الصدرية اليوم ، وقد قال فيه ابن عنين وكان هجاءً(٢): إِذ جعل التربة(٤) في داره المصريُّ فی فعلهِ ما قصَّرَ فَخَلَّصَ الأحياء(٥) من رجمهِ وأبعدَ(٦) الأمواتَ من ناره المعتمد والي دمشق (٧) المبارز إِبراهيم المعروف بالمعتمد والي دمشق . [ كان ] من خيار الولاة وأعفّهم وأحسنهم سيرة وأجودهم سريرة ، أصله من الموصل ، وقدم الشام فخدم فروخشاه بن شاهنشاه ابن أيوب ، ثم استنابه البدر مودود أخو فروخشاه ، وكان شحنة دمشق ، فَحُمِدَتْ سيرتُه في ذلك ، ثم صار هو شحنةَ دمشق أربعين سنة ، فجرت في أيامه عجائب وغرائب ، وكان كثير الستر على ذوي الهيئات ، ولا سيما من كان من أبناء الناس (٨) وأهل البيوتات. واتفق في أيامه أَنَّ رجلاً حائكاً كان له ولد(٩) صغير في آذانه حلقٌ ، فعدا عليه رجلٌ من جيرانهم فقتله غيلةً وأخذ ما عليه من الحلي ودفنه في بعض المقابر، فاشتكوا عليه (١٠) فلم يقر، فبكت (١١) والدته من ذلك وسألتْ زوجَها أن يطلِّقها، فطلَّقَها فذهبت إِلى ذلك الرجل [ الذي قتل ولدَها ] وسألته أن يتزوجها وأظهرت له أنها أحبَّتْهُ فتزوَّجها ، ومكثتْ عنده حيناً ، ثم سألته في بعض الأوقات عن ولدها الذي اشتكوا عليه بسببه فقال: نعم أنا قتلته. فقالت: أشتهي (١٢) أن تريني قبره حتى أنظر إليه ، فذهب بها إلى قبر خشخاشه (١٣) ففتحه فنظرت إِلى ولدها فاستعبرت وقد أخذت معها سكيناً أعدَّتها لهذا اليوم ، فضربته حتى قتلته ، ودفنته مع ولدها في ذلك القبر ، فجاء أهل المقبرة فحملوها (١) أ، ب : في داره . (٢) البيتان في ديوان ابن عنين - دار صادر - ( ٢٣٨). (٣) ط: ما أقصر. وب: ما كان أقصر. وما هنا عن أ، وهو يوافق ما في الديوان. (٤) في الديوان : الحفرة . وأشار المحقق في الهامش إلى هذه الرواية . ط : أراح للأحياء ، وفي أ، ب : أراح الأحياء . وما هنا عن الديوان. (٥) (٦) في الديوان: وخَلْص . (٧) ترجمة - المبارز - في مرآة الزمان (٤٢١/٨ - ٤٢٢) وذيل الروضتين (١٥٠) وفيه : المبارك وهو تحريف ، وتاريخ الإسلام ( ١٣/ ٧٣٣). (٨) أ، ب : ولا سيما من كانت من بنات الناس. (٩) أ، ب : ابن . (١٠) عن ط وحدها . (١١) أ، ب : فلم يقر بشيء فتألمت . (١٢) ب : فأشتهي . (١٣) ط : خشنكاشة. ١٥٥ وفيات سنة ٦٢٣ هـ إِلى الوالي المعتمد هذا، فسألها فذكرت له خبرها ، فاستحسن ذلك منها وأطلقها وأحسن أليها ١) وحكى عنه السبط(٢)، قال: بينما٣) أنا يوماً خارج من باب الفرج وإذا برجل يحمل طبلاً وهو سكران فأمرتُ به فضُرب الحدّ ، وأمرتهم فكسروا الطبلَ وإِذا زُكْرة كبيرة خمرا٤ً) فشقُّوها ، وكان العادل قد منع أن يُعْصَر خمر ويُحْمَل إلى دمشق شيء منه بالكلية ، فكان الناس يتحيّلون بأنواع الحيل ولطائف المكر . قال السبط(٥): فسألته من أين علمت أَنَّ في الطبل شيئاً . قال: رأيته يمشي ترجف سيقانه (٦) فعرفت أنه يحمل شيئاً ثقيلاً في الطبل . وله من هذا الجنس غرائب ، وقد عزله المُعَظّم وكان في نفسه منه ، وسجنه في القلعة نحواً من خمس سنين ، ونادى عليه في البلد فلم يجىء أحدٌ ذكر أنه أخذ منه حبة خردل ، ولما مات رحمه الله دفن بتربته(٧) المجاورة لمدرسة أبي عمر من شامها قبلي السوق ، وله عند تربته مسجد يعرف به رحمه الله . واقف الشبلية التي بطريق الصالحية (٨) ، شبل الدولة كافور الحسامي نسبة إِلى حسام الدين محمد بن لاجين ، ولد(٩) ست الشام، وهو الذي كان مُستَحثّاً على عمارة الشامية البرانية لمولاته ست الشام ، وهو الذي بنى الشبلية للحنفية والخانقاه على الصوفية إِلى جانبها ، وكانت منزله ، وأوقف(١٠) القناة والمصنع والساباط ، وفتح للناس طريقاً من عند المقبرة غربي الشامية البرانية إِلى طريق عين الكرش (١١)، ولم يكن الناس لهم طريق إِلى الجبل من هناك ، إِنما كانوا يسلكون من عند مسجد الصفي بالعُقيبة ، وكانت وفاته (١) أ: إِليها ورجعت إلى زوجها الأول . (٢) مرآة الزمان ( ٨/ ٤٢٢). (٣) أ : بينا . (٤) ط : وإِذا ذكره كبيرة جداً فشقوها [فإِذا فيها خمر]. قال بشار : الصواب زُكْرة، كما بخط الذهبي في تاريخ الإسلام فيما نقل من السبط ، والزكرة : وعاء من أدم ، وفي المحكم : زق يجعل فيه شراب أو خل . (٥) مرآة الزمان (٤٢٢/٨). (٦) أ، ب : ساقاه . (٧) أ، ب : في تربته . (٨) ترجمة - شبل الدولة - في التاريخ المنصوري (١٢٨) ومرآة الزمان (٤٢٣/٨) وتكملة المنذري (١٢٦/٣) وفيات سنة ٦٢١ وذيل الروضتين (١٥٠) وتاريخ الإسلام (٧٤٦/١٣) والدارس (٤٥٦/١) والقلائد الجوهرية (١٢٥/١ و١٢٦) والشذرات (١٩٢/٧) ومنادمة الأطلال (١٧٧). (٩) أ، ب : حسام الدين عمر بن لاجين والد ست الشام. وهو خطأ، وما أثبته موافق لما مرَّ في ترجمة ست الشام في وفيات ٦١٦ هـ . (١٠) ط : ووقف . (١١) كانت هذه العين منذ خمسين سنة ثرة مدفقة تسقي بساتين كثيرة ، وليس لها الآن أثر ، إلا أن المنطقة التي كانت فيها ما تزال تسمى باسمها ( بشار ) . ١٥٦ وفيات سنة ٦٢٣ هـ في رجب ودفن في تربته إِلى جانب مدرسته(١)، وقد سمع الحديث على الكندي(٢) وغيره رحمه الله تعالى . واقف الرواحية بدمشق وحلب (٣) ، أبو القاسم هبة الله [ بن محمد بن عبد الواحد بن أبي الوفاء ] المعروف بابن رواحة . كان أحد التجار ، وذوي (٤) الثروة المعدّلين بدمشق ، وكان في غاية الطول والعرض ، ولا لحية له ، وقد ابتنى المدرسة الرَّواحية داخل باب الفراديس ووقفها على الشافعية ، وفوَّض نظرها٥) وتدريسها إِلى الشيخ تقي الدين بن الصلاح(٦) الشهرزوري ، وله بحلب مدرسة أخرى مثلها . وقد انقطع في آخر عمره في المدرسة التي بدمشق وكان يسكن البيت الذي في إِيوانها من الشرق ، ورغب فيما بعد أن يدفن فيه إِذا مات ، فلم يمكن من ذلك ، بل دفن بمقابر الصوفية ، وبعد وفاته شهد محيي الدين بن عربي (٧) الطائي الصوفي ، وتقي الدين خزعل (٨) النحوي المصري ثم المقدسي إِمام مشهد علي ، شهدا على ابن رواحة بأنه عزل الشيخ تقي الدين [ بن الصلاح ] عن هذه المدرسة ، فجرت خطوب طويلة ولم ينتظم ما راماه(٩) من الأمر ، ومات خَزْعلُ(١٠) في هذه السنة أيضاً فبطل ما سلكوه . أبو محمد محمود١١) بن مودود بن محمود [ بن ] بلدجي الحنفي المَوْصِلي ، وله بها مدرسة تعرف (١) ط: ودفن إلى جانب مدرسته. قال بشار: وفي أ، ب: ((تربته التي كانت مدرسته)) ولا يصح، وما هنا يعضده ما في ذيل الروضتين الذي ينقل منه المؤلف . (٢) تقدمت ترجمة الكندي في وفيات سنة ٦١٦ . ترجمة - ابن رواحة - في تكملة المنذري ( ١٥١/٣) وذيل الروضتين (١٤٩) والدارس (٢٦٥/١) وشذرات (٣) الذهب (١٨٢/٧) ومنادمة الأطلال (١٠٢) وقد تابع أبا شامة في ذكر وفاته في هذه السنة ، والصواب أنه توفي في سابع رجب من سنة ٦٢٢ هـ كما ذكرت بقية المصادر، قال الذهبي : وغلط من قال إنه مات في سنة ثلاث. تاريخ الإسلام (٧٢٧/١٣) . (٤) ط : وفيّ الثروة والمقدار ومن المعدلين . (٥) أ، ب: تدريسها ونظرها . (٦) سترد ترجمة ابن الصلاح في وفيات سنة ٦٤٣ هـ . (٧) سترد ترجمة ابن عربي في وفيات سنة ٦٣٨ هـ. (٨) ط : خزعلي ، وسترد ترجمته بعد قليل . (٩) أ، ب : ما راموه . (١٠) ترجمة - خزعل النحوي - في تكملة المنذري (١٨٤/٣) وذيل الروضتين (١٤٩) وسير أعلام النبلاء (١٨١/٢٢) والنجوم الزاهرة (٢٦٦/٦) وبغية الوعاة (٥٥٠/١) واسمه في هذه المصادر: تقي الدين أبو المجد خَزْعَل بن عسكر ابن خليل الشَّنائي المصري الشافعي المقرىء النحوي اللغوي نزيل دمشق . (١١) ترجمة - ابن بلدجي الحنفي - في الجواهر المضية (٤٥٢/٣) وفيه: أبو الثناء التركي والد عبد الله مصنف ((المختار)) وعبد الدايم، وعبد العزيز، وعبد الكريم ، سمع ببغداد ابن الجوزي الكبير. ١٥٧ أحداث سنة ٦٢٤ هـ به ، وكان من أبناء الترك ، وصار من مشايخ العلماء [ الحنفية ] وله دين متين وشعر حسن جيد ، فمنه قوله : [ من السريع ] مَنِ ادَّعَى أَنَّ لهُ حالةً تُخرجُهُ عن مَنْهَجِ الشَّرْعِ فَلاَ تَكونَنَّ له صَاحِباً فإِنهُ ضَرُ(١) بلا نفعِ كانت وفاته بالموصل في السادس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة ، وله نحو من ثمانين سنة . ياقوت ويقال له يعقوب بن عبد الله(٢) نجيب الدين متولي الشيخ تاج الدين الكندي . وقد وقف عليه(٣) الكتب التي بالخزانة بالزاوية الشرقية الشمالية من جامع دمشق ، وكانت سبعمئة وأحد(٤) وستين مجلداً، ثم على ولده من بعده ثم على العلماء فتمثَّقت هذه الكتب وبيعُ(٥) أكثرها ، وقد كان ياقوت هذا لديه فضيلة وأدب وشعر جيد ، وكانت وفاته ببغداد في مستهل رجب ، ودفن بمقبرة الخيزران بالقرب من مشهد أبي حنيفة . ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمئة فيها: استدعت عامة أهل تفليس الكُزج، فجاؤوا إِليهم فدخلوها فقتلوا العامة والخاصة، ونهبوا وسَبَوْا وخَرَّبوا وأحرقوا ، وخرجوا على حمية ، وبلغ ذلك جلال الدين فسار سريعاً ليدركهم فلم يدركهم . وفيها : قتلت الإسماعيلية أميراً كبيراً من نُوَّاب جلال الدين بن خوارزم شاه ، فسار إِلى بلادهم فقتل منهم خلقاً كثيراً، وخرّب مدينتهم وسَبَى ذراريهم ونهب أموالهم ، وقد كانوا - قبحهم الله - من أكبر العون على المسلمين لما قدم التتار إِلى الناس ، وكانوا أضرَّ على الناس منهم . وفيها: تواقع جلال الدين وطائفة كبيرة(٦) من التتار فهزمهم وأوسعهم قتلاً وأسراً، وساق وراءهم أياماً(٧) (١) ط : خرء . (٢) ترجمة - ياقوت يعقوب - في تكملة المنذري (٣/ ١٨٠) وفيه: يعقوب بن عبيد الله. (٣) ط : إِليه . (٤) ط : وإحدى . وما هنا هو الأشبه . (٥) في بعض النسخ : وأبيع . (٦) أ، ب : كثيرة . (٧) ب : وهزمهم وأسمعهم قتالًا وساق وراءهم يوماً . ١٥٨ أحداث سنة ٦٢٤ هـ يقتلهم١) حتى وصل إِلى الري فبلغه أن طائفة قد جاؤوا لقصده فأقام ينتظرهم ، فكان(٢) من أمره وأمرهم مما سيأتي في سنة خمسٍ وعشرين . وفيها : دخلت عساكر الملك الأشرف بن العادل إِلى أذربيجان فملكوا منها مدناً كثيرة وغنموا أموالاً جزيلةً، وخرجوا معهم بزوجة جلال الدين بنت طغرل(٣) ، وكانت تبغضه وتعاديه ، فأنزلوها٤) مدينة خلاط ، وسيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية . وفيها : قدم رسول الأنبرور(٥) ملك الفرنج في البحر إلى المعظم٦) يطلب منه ما كان فتحه عمه السلطان (٧) الملك (الناصر ) صلاح الدين من بلاد السواحل ، فأغلظ لهم المعظم في الجواب وقال له : قل لصاحبك ما عندي إلا السيف ، والله أعلم . وفيها : جهز الأشرف أخاه شهاب الدين غازي إِلى الحج في محملٍ عظيمٍ يحمل ثقله ستمئة جمل ، ومعه خمسون هجيناً ، على كل هجين مملوك ، فسار من ناحية العراق وجاءته هدايا الخليفة إِلى أثناء الطريق ، وعاد على (٨) طريقه التي حج منها . وفيها : ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي (٩) ، وخلع عليه كما هي عادة الحكام ، وكان يوماً مشهوداً . وفيها : كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة وقلَّ اللحمُ حتى حكى ابن الأثير١٠) أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوى خروف واحد في زمن الربيع . قال : وسقط فيها عاشرَ آذار ثلجٌ كثيرٌ بالجزيرة والعراق مرتين ، فأهلك الأزهار وغيرها ، قال : وهذا شيء لم يُعْهَد مثله ، والعجب كل العجب من العراق مع كثرة حَرِّه كيف وقع فيه مثل هذا . (١) ط : فقتلهم. (٢) ط : فأقام يثبطهم وكان . (٣) ب : بزوجة الملك جلال الدين بن طغرل . (٤) ب : فأنزلها . (٥) ابن الأثير وهو تصحيف وتحريف . وط : الأنبور . واللفظة اختصار لكلمة الامبراطور . التاريخ المنصوري ( ١٤٩ ) . (٦) ب : الملك المعظم . عن ط وحدها . (٧) (٨) ب : وعاد إِلى طريقه . (٩) سترد ترجمة ابن مقبل في وفيات سنة ٦٣٩ . (١٠) الكامل في التاريخ (٣٧٥/٩). ١٥٩ وفيات سنة ٦٢٤ هـ وممن توفي فيها من الأعيان : جِنْكِيز خانُ(١) السلطان الأعظم عند التتار والد ملوكهم اليوم ، ينتسبون إليه، ومن عظّم القان إِنما يريد هذا٢) الملك وهو الذي وضع لهم الياسا٣ً) التي يتحاكمون إِليها ، ويحكمون بها ، وأكثرها مخالف الشرائع الله تعالى وكتبه ، وهو شيء اقترحه من عند نفسه ، وتبعوه في ذلك ، وقد كانت أمه تزعم أنها حملت به (٤) من شعاع الشمس ، فلهذا لا يعرف له أب ، والظاهر أنه مجهول النسب ، وقد رأيت مجدداً جمعه الوزير ببغداد علاء الدين الجويني في ترجمته فذكر فيه سيرته ، وما كان يشتمل(٥) عليه من العقل(٦) السياسي والكرم والشجاعة والتدبير الجيد للملك والرعايا ، والحروب(٧). فذكر أنه كان في ابتداء أمره خصيصاً عند الملك أزبك خان ، وكان إِذ ذاك شاباً حسناً وكان اسمه أولًا تمرجي (٨)، ثم لما عظم سمَّى نفسه جنكيز خان ، وكان هذا الملك قد قرَّبه وأدناه ، فحسده عظماء الملك ووشوا به إليه حتى أخرجوه عليه ، ولم يقتله ولم يجد له طريقاً في ذنب يتسلط عليه به ، فهو في ذلك إِذ تَغَضَّبَ الملكُ على مملوكين صغيرين فهربا منه ولجأا إِلى جنكيز خان فأكرمهما(٩) وأحسن إِليهما فأخبراه بما يضمره الملك أزبك خان من قتله ١٠) ، فأخذ حذره وتحيز منه ومن دولته فاتبعه (١١) طوائف من التتار (١) ترجمة - جنكيز خان - في العبر (٩٨/٥) وسير أعلام النبلاء (٢٤٣/٢٢) والوافي بالوفيات (١١ / ١٩٧ - ١٩٩) والنجوم الزاهرة (٢٦٨/٦) وتاريخ ابن العبري (٤٢٦) وشذرات الذهب (١٩٩/٧) ودائرة المعارف الإسلامية (١٢ / ٣٧٩) . (٢) أ، ب: ينتسبون إليه ويقبلون من عظم القان يريدون هذا . (٣) ط : السياسا . وفي هامش ط : السياسا مركبة من (سي) بمعنى ثلاثة و( يسا) بمعنى الترتيب ، ثم حرفها العرب فقالوا سياسة . وفي أ: ( الياساق ) وما هنا عن ب. دائرة المعارف الإسلامية (١٢/ ٣٩٢). (٤) ط : وكانت تزعم أمه أنها حملته . (٥) أ، ب : في ترجمته فجمع فيه سيرته وما كان مشتملاً . (٦) أ : الفعل . (٧) هو عطا ملك بن محمد بن محمد ، علاء الدين الجويني الذي حكم العراق فكانت مدة حكمه إِحدى وعشرون سنة وعشرة أشهر ، وتوفي في أواخر سنة ٦٨١ هـ على الأصح، كما في تاريخ الإسلام (١٥/ ٤٥٤) . ولا أعلم له كتاباً بالعربية في سيرة جنكيز خان ، ولكن له الكتاب المشهور في سيرته بالفارسية (( جهان كشاي)) أي: غازي العالم ، ترجم إلى الإنكليزية والعربية في عصرنا ، ولا أدري إن كان ابن كثير يشير إليه أو إِلى غيره فلعله نقل هذا من ابن الساعي فقد كان معاصراً للجويني ( بشار ) . (٨) فى سير أعلام النبلاء والعبر والشذرات : تمرجين . وفي دائرة المعارف : تموجين . (٩) ب : وكان هذا الملك قد أكرمهما. (١٠) أ : من قتله والهم به . (١١) ط : وتحير بدولة واتبعه . وما هنا عن أ. ١٦٠ وفيات سنة ٦٢٤ هـ وصار كثير(١) من أصحاب أزبك خان ينفرون إِليه ويفدون عليه فيكرمهم ويعطيهم حتى قويت شوكته وكثرت جنوده(٢) ، ثم حارب بعد ذلك أزبك خان فظفر به وقتله واستحوذ على مملكته وملكه ، وانضاف إِليه عَدده وعُدده ، وعظم أمره وبَعُدَ صيتُه وخضعت له قبائل الترك ببلاد طمغاج كلها حتى صار يركب في نحو ثمانمئة ألف مقاتل ، وأكثر (٣) القبائل قبيلته التي هو منها يقال لهم قيان(٤) ، ثم أقربُ القبائل إِليه بعدهم قبيلتان كبيرتا العدد وهما أزان وقنقوران(٥) وكان يصطاد من السنة ثلاثة (٦) أشهر والباقي للحرب والحكم . قال الجويني : وكان يضرب الحلقة يكون [ بعد ] ما بين طرفيها ثلاثة أشهر ثم تتضايق فيجتمع فيها من أنواع الحيوانات شيء كثير لا يحد كثرة ، ثم نشبت الحرب بينه وبين الملك جلال(٧) الدين خوارزم شاه صاحب بلاد خراسان والعراق وأذربيجان وغير ذلك من الأقاليم والممالك(٨)، فقهره جنكيز خان وكسره وغلبه وسلبه ، واستحوذ على سائر بلاده بنفسه وبأولاده في أيسر مدة كما ذكرنا ذلك في الحوادث ، وكان ابتداء ملك جنكيز خان سنة تسع وتسعين وخمسمئة ، وكان قتاله لخوارزم شاه في حدود سنة ست عشرة وستمئة ، ومات خوارزم شاه في سنة سبع عشرة كما ذكرنا ، فاستحوذ حينئذ على الممالك بلا منازع ولا ممانع ، وكانت وفاته في سنة أربع وعشرين وستمئة فجعلوه في تابوت من حديد وربطوه بسلاسل وعلقوه بین جبلین هنالك . وأما كتابه الياس(٩) فإِنه يكتب في مجلدين بخط غليظ ، ويحمل على بعير [ معظّم ] عندهم ، وقد ذكر بعضهم(١٠) أنه كان يصعد جبلاً ثم ينزل ثم يصعد ثم ينزل مراراً حتى يعيى ويقع مغشياً عليه ، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذٍ ، فإِن كان هذا هكذا فالظاهر أن الشيطان كان ينطق على لسانه بما فيها . وذكر الجويني أن بعض عُبّادهم كان يصعد الجبال في البرد الشديد للعبادة فسمع قائلاً یقول له إِنا قد (١) أ : كبيراً . (٢) ب : جيوشه . (٣) أ، ب : وأكبر . (٤) أ : من أصلهم يقال لهم قباب . (٥) أ : اوزت وقنقورات ، وب : اوبرات وفيفوزان . (٦) أ، ب : ستة . (٧) ط : علاء الدين ، وأ: جمال الدين. وما هنا عرب. وهو الأشبه . (٨) ط : وغير ذلك والأقاليم والملك . (٩) أ : الياساق . (١٠) أ : ذكر بعضهم عنه.