Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ أحداث سنة ٥٩٤هـ فامتدح المقتفي والمستنجد وابنه المستضيء وابنه الناصر ، فولاه النقابة (١) كان شيخاً مهيباً ، جاوز الثمانين، وقد أورد٢) له ابن الساعي قصائد كثيرة منها قوله (٣): [ مجزوء الكامل ] إِصْبِرْ عَلَى كَيْدِ الزَّما نِ فَما يَدومُ على طَريقَهْ رَاضٍ وَلَا تَطْلُبْ حَقِيقَهْ سَبَقَ القَضَاءُ فَكُنْ بِهِ وَأَرَاكَ مِنْ سَعةٍ وَضِيقَهُ(٥) كُمْ قَدْ تَغَلَّبَ(٤) مَرَّةً أُخْرَى على هذي الطَّرِيقَةُ(٦) ما زالَ في أُولاءُ وَالْـ [ الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب ]٧): وفيها : توفيت الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب ودفنت بمدرستها٨) داخل باب النصر ، رحمها الله . [ الست خاتون ]٩) : والست خاتون والدة الملك العادل ودفنت(١٠) بدارها بدمشق المجاورة لدار أسد الدين شيركوه١١) . ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمئة فيها : جمعت الفرنج جموعها١٢) وأقبلوا فحاصروا تبنين ، فاستدعى العادل بني أخيه لقتالهم ، (١) ب : وهو الذي ولّه نقابة الطالبيين. (٢) ب : وقد أورد ابن الساعي له . (٣) عن ب وحدها . (٤) أ : تقلب . ب : كم قد فعلت مرة وأراك من سبعه وضيعة . (٥) ط : في أولاده يجري على هذه الطريقة . (٦) ترجمتها في ذيل الروضتين (١١) ووفيات الأعيان (٤٥٣/٢) وتاريخ الإسلام (١٠٠٢/١٢) والدارس (٧) (٢٢٦/١) . (٨) ليس في أ . ترجمتها في تاريخ الإسلام (٩٩٦/١٢) (بشار). (٩) (١٠) ليس في ب . (١١) وهي الدار المعروفة بدار العقيقي ( بشار). (١٢) ب : جموعهم . ٤٤٢ أحداث سنة ٥٩٤هـ فجاءه(١) العزيز(٢) من مصر والأفضل من صرخد، فأقلعت (٣) الفرنج عن الحصن وبلغهم موت ملك الألمان ، فطلبوا [ عند ذلك(٤) من العادل الهدنة والأمان ، فهادنهم ورجعت الملوك إِلى أماكنها(٥) ، وقد عظّم المعظّم عيسى بن العادل في هذه المدة(٦) ، واستنابه أبوه على دمشق ، وسار إِلى ملكه بالجزيرة ، فأحسن فيهم السيرة . وكان قد توفي في هذه السنة السلطان الكبير صاحب سنجار وغيرها من المدائن الكبار ، وهو عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي الأتابكي ، كان من خيار الملوك وأحسنهم شكلاً وسيرة ، وأجودهم طوية وسريرة ، غير أنه كان يبخل ، وكان شديد المحبة للعلماء ، ولاسيما الحنفية (٧) ، وقد ابتنى لهم مدرسة بسنجار ، وشرط لهم طعاماً يطبخ لكل واحد منهم في كل يوم ، وهذا نظر حسن ، والفقيه أولى بهذه(٨) الحسنة من الفقير ، لاشتغال الفقيه بتكراره ومطالعته عن الفكر فيما يُقِيته(٩). فعدى على أولاده(١٠) ابن عمه صاحب الموصل ، فأخذ الملك منهم ، فاستغاث بنوه بالملك العادل ، فرد فيهم الملك ، ودرأ عنهم الضيم والهلكة ، واستقرت المملكة لولده قطب الدين محمد . ثم سار العادل(١١) إِلى ماردين فحاصرها في شهر رمضان (١٢)، فاستولى على ربضها ١٣) ومعاملتها ، وأعجزته قلعتها ، فطاف (١٤) عليها ومشى(١٥)، وما ظن (١٦) أحد أنه تملَّكها١٧) ، لأن ذلك لم يكن مثبوتاً ولا مقدراً . (١) ب : حتى جاءه. (٢) ليس في ب . (٣) ب : فخلفت . (٤) عن ب وحدها . (٥) ب : فهادنهم عند ذلك السلطان ورجعت العساكر إلى أماكنها . (٦) ط : المرة . (٧) ب : ولا سيما للحنفية منهم . (٨) ب : أولى سجاله الحسنة من الفقير . (٩) ب : فيما يقوم بكفايته ومؤنته . (١٠) ب : فعدى مملكته ابن عمه صاحب الموصل فقطعهم ولم يكن بالواصل. (١١) ط : الملك . (١٢) أ : شعبان. (١٣) ط : ريفها . (١٤) ط : فطاف . (١٥) كذا في ط : فطاف عليها ومشى، وفي الأصل : فصاف عليها وشتى (ع). (١٦) ب : وما نتك . (١٧) ب : أنه سيملكها حتى هبة الشعراء بذلك ولكن لم يكن ذلك. ٤٤٣ وفيات سنة ٥٩٤هـ [ وفي هذه السنة (١) ملكت الخزر مدينة بلخ، وكسروا الحظ(٢) وقهروهم، [ وهزموهم وتوقعوا بإرسال (٣) الخليفة إليهم أن يمنعوا خوارزم شاه من دخول العراق ، فإِنه كان يروم أن يخطب له ببغداد . وفيها : حاصر خوارزم شاه مدينة بخارى ففتحها بعد مدة ، وقد كانت امتنعت عليه دهراً ونصرهم الحظاء)، فقهرهم جميعاً وأخذها٥) عنوة، وعفا عن أهلها، وصفح عنهمُ(٦) ، وقد كانوا ألبسوا كلباً أعور قباءً ، وسموه خوارزم شاه ، ورموه في المنجنيق إِلى الخوارزمية ، وقالوا : هذا ملككم ، وكان خوارزم شاه أعور ، فلما قدر عليهم(٧) عفا عنهم ، جزاه الله خيراً . وممن توفي فيها من الأعيان : العوام بن زبَادَة٨ً) : كاتب الإنشاء بباب الخلافة . هو أبو طالب يحيى بن سعيد بن هبة الله بن زيادة [ قوام الدين ]°) ، انتهت إليه رئاسة الرسائل والإنشاء والبلاغة والفصاحة في زمانه بالعراق ، وله علوم كثيرة غير ذلك من الفقه على مذهب الشافعي ، أخذه ابن فضلانٌ(١) وله معرفة جيدة بالأصلين الحساب واللغة ، وله شعر جيد ، وقد ولي عدة مناصب ، وكان مشكوراً في جميعها ، ومن مستجاد شعره قوله : [ من البسيط ] لا تَحْقِرنَّ عَدُوَّاً تَزْدَرِيهِ فَكَمْ قَدْ أَتْعَسَ الدَّهْرُ جدَّ الجدِّ باللَّعبِ فَهذِهِ الشَّمْسُ يَعْروها١) الكُسوفُ لها عَلَى جَلالَتِها بالرَّأْسِ والذَّنَبِ (١) ط : وفيها . في ط وكسروا الخطا (ع). (٢) ط : وأرسل . (٣) في ط وكسروا الخطا (ع). (٤) (٥) أ : فأخذها . (٦) لیس في ط . (٧) عن ط وحدها . (٨) ترجمته في معجم الأدباء ( ١٦/٢٠ - ١٨) وفيه: ابن زيادة، وابن الأثير (٢٣٦/٩ و٢٤٢) : زيادة ، وذيل الروضتين (١٤): زيادة، ووفيات الأعيان (٢٤٢/٦ - ٢٤٩) ومجمع الآداب في معجم الألقاب (ج ٤/ ق٤/ ٨٧٠) والعبر (٢٨٤/٤) ومرآة الجنان (٤٧٧/٣): ابن الزياد، والشذرات (٣١٨/٤). وزيادة : بالباء الموحدة قيده الزكي المنذري في التكملة (٣١٥/١) والذهبي في المشتبه (٣٤٣). (٩) ليس في ط . (١٠) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٥ من هذا الجزء. (١١) ب : بعين . ٤٤٤ وفيات سنة ٥٩٤هـ : [ من الخفيف ] وقوله (١) باضْطرابِ الزَّمانِ تَرْتَفِعُ الأَنْـ ـذالُ فيهِ حَتَّى يَعُمَّ البَلاءُ كَ ثارتْ من قَعْرِهِ الأَقْذَاءُ وَكَذَا الماءُ راكدٌ فإِذا حَرَّ وله أيضاً : [ من الخفيف ] عَلقتْ في آمالهِ والأَراجي قَدْ سَلَوْتُ الدُّنا وَلَمْ يَسْلُها مَن قَذَفَتْي(٣) في بحرها العَجَّاجِ فإِذا ما٢) صرفتُ وَجْهِيَ عَنْها فكأنِّي(٤) ذُبالةٌ في سراجِ يَسْتَضيئونَ بي وَأَهْلِكُ وَحْدي توفي (٥) في هذه السنة من ذي الحجة وله ثنتان وسبعون سنة ، وحضر جنازته خلق كثير ، ودفن عند موسى بن جعفر . القاضي أبو الحسن علي بن رجاء(٦) بن زهير بن علي البطائحي : قدم بغداد فتفقه بها ، وسمع الحديث ، وأقام برحبة مالك بن طوق مدة يشتغل على أبي عبد الله بن النبيه الفرضي ، ثم ولي قضاء الغَرَّاف (٧) مدة، وكان فقيهاً أديباً ، وقد سمع من شيخه أبي عبد الله بن النبيه ينشد لنفسه معارضاً للحريري في بيتيه اللَّذين زعم أنهما لا يعززان بثالث(٨) لهما وهما قوله: [ من السريع ] سِمْ سِمَةً يُحْمَدُ آثارها واشْكُرْ لِمَنْ أَعْطَى وَلَوْ سِمْسِمَهْ والمَكْرُ مَهْما اسْطَعْتَ لا تَأْتِهِ لِتَقْتَنِيِ السُّؤْدُدَ والمَكْرُمَةْ (١) ط : وله . (٢) ليس في ب . (٣) ب : قد ترى . ب : فكأني دنان سراج . (٤) ب : توفي في ذي الحجة من هذه السنة . (٥) (٦) هكذا في النسخ ومعجم البلدان لياقوت ( ساقية سليمان ١٢/٣ ط فستنفلد) وسماه الآخرون: ((جابر))، كما في تاريخ ابن الدبيثي ( الورقة ٢٢٠ من مجلد باريس ٥٩٢٢) وهو شيخه وبلديه لقيه بواسط فكتب عنه، وتاريخ ابن النجار ( الورقة ١٩٦ من مجلد الظاهرية )، والمنذري في التكملة (٣١٦/١) والذهبي في تاريخ الإسلام (١٠١٨/١٢). وله ترجمة في ذيل الروضتين (١٣) وعقد الجمان لبدر الدين العيني (١٧ / الورقة٢٢٣) (بشار). (٧) في ط: ((العراق)) وهو تصحيف، وما أثبتناه من تاريخ ابن الدبيثي وتكملة المنذري وغيرهما . والغراف: بلدة معروفة إِلى اليوم من سواد واسط ( بشار ) . (٨) ط : ثالثاً . ٤٤٥ أحداث سنة ٥٩٥ هـ ووفياتها فقال ابن النبيه : ما الأمَّةُ الوَكْسَاءُ بَيْنَ الوَرَى أَحْسَنُ من حُرٍّ أَتَى مَلاَمَهْ فَمُهُ إِذا اسْتَجْدَيْتَ عَنْ قَوْلِ لا فَالحُزُ لا يَمْلأ منها فَمَهْ الأمير عز الدين جرديك(١): كان من أكابر الأمراء في زمانٌ(٢) نور الدين ، وكان ممن شرك في قتل شاور ، وحظي عند الملك(٣) صلاح الدين ، وقد استنابه على القدس حين افتتحها ، وكان يستند بها للمهمَّات الكبار فيسدها بنفسه(٤) وشجاعته ، ولما ولي الأفضل عزله عن بيت المقدس(٥) ، فترك بلاد الشام، وانتقل إلى بلد الموصل . فمات بها في هذه السنة ، رحمه(٦) الله . ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمئة [ وفاة العزيز صاحب مصر ] فيها: كانت وفاة العزيز صاحب مصر، وذلك أنه خرج إِلى الصيد فلما٧) كانت(٨) ليلة الأحد العشرين من المحرم ، ساق خلف ذئب ، فكبا به [ الفرس ، فسقط عنه . وكانت وفاته (٩) بعد أيام بعد رجوعه إِلى البلد ، فنقل ودفن بداره ، ثم حوّل إِلى عند تربة الشافعي ، وله سبع أو ثمان وعشرون سنة رحمه الله . ويقال : إِنه كان قد عزم في هذه السنة على(١٠) إِخراج الحنابلة من بلده ، ويكتب إِلى بقية إخوته [ أن يخرجوهم من بلادهم ١١٢)، وشاع [ ذلك عنه، وسُمع منه وذاع، وصرح به (١٢) وكل ذلك من معلّميه (١) أ، ط: حرديل، وترجمته في مرآة الزمان (٤٥٦/٨) والروضتين (٢٣٤/٢) وذيلها (١٣) وتاريخ الإسلام ( ١٢ /١٠١٥) . (٢) ط : أيام . (٣) ليس في ط . (٤) أ : بنصيبه . (٥) ط : القدس . ليست جملة : رحمه الله . في ط . (٦) (٧) ليس في ط . (٨) ط : فكانت . (٩) ط : فرسه فسقط عنه فمات . (١٠) ليس في ب . (١١) ط: بإِخراجهم من البلاد. (١٢) ط : وشاع ذلك عنه وذاع وسمع ذلك منه وصرح به . ٤٤٦ وفيات سنة ٥٩٥هـ وخلطائه وعشرائه من الجهمية ، وقلة علمه بالقرآن (١) وبالحديث ، فلما وقع [ منه هذا ونوى هذه النية القبيحة الفاسدة أهلكه الله ودمره سريعاً، وعظم }٢) قدر الحنابلة [ بين الخلق ]٣) بديار مصر(٤) والشام ، عند الخاص والعام . وقيل : إِن بعض صالحيهم دعا عليه ، فما هو إِلا أن خرج إِلى الصيد فكان هلاكه سريعاً . فالله أعلم . وكتب القاضي الفاضل كتاب التعزية بالعزيز لعمه(٥) الملك العادل ، وهو ( مقيم على محاصرة ]٦) ماردين ومعه العساكر وولده محمد الكامل ، وهو نائبه على بلاد الجزيرة المقاربة لبلاد الحيرة ، وصورة الكتاب : أدام الله سلطان مولانا الملك العادل(٧) وبارك في عمره، وأعلى أمره بأمره، وأعز نصر(٨) الإِسلام بنصره ، وفدت الأنفسُ نفسَه الكريمة ، وأصغر الله العظائم بنعمه فيه العظيمة ، وأحياه الله حياة طيبة ، هو والإِسلام في مواقف(٩) الفتوح الجسيمة ، وينقلب عنها بالأمور المسلمة والعواقب السليمة ، ولا نقص له رجالاً ولا عدداً ، ولا أعدمه نفساً ولا ولداً ، ولا قصر له ذيلاً ولا يداً ، ولا أسخن له عيناً ولا كبداً ، ولا كدّر له خاطراً ولا مورداً ، ولما قدر الله ما قدر من موت الملك العزيز ، [ رحمة الله عليه وتحياته مكررة إليه ، من انقضاء مهله ، وحضور أجله ، كانت بديهة المصاب عظيمة، وطالعة المكروه أليمة !١) ، فرحم الله ذلك الوجه ونَضَّرَه ، ثم إلى سبيل الجنة يسَّره: [ من الكامل ] وإِذَا مَحَاسِنُ أَوْجُهٍ بَلِيَتْ فَعَفَا الثَّرِى عَنْ وَجْهِهِ الحَسَنُ (١١) فاعزز على المملوك وعلى الأولياء بل على قلب مولانا لا سلبه الله١٢) ثياب العزاء بسرعة مصرعه ، وانقلابه إِلى مضجعه ، ولباسه ثوب البلاء قبل أن يبلى ثوب الشباب(١٣) ، وزفه إِلى التراب ، وسريره (١) عن أ وحدها . (٢) أ : فلما وقع ما وقع عظم . (٣) عن ط وحدها . ط : بمصر . (٤) أ ، ب : إِلى عمه . (٥) (٦) ط : محاصر . (٧) ب : العادل الناصر . (٨) ب : نصرة . (٩) ط : مواقيت . (١٠) ط : كانت حياته مكدرة عليه منغصة مهملة فلما حصرا قلبه، الروضتين (٢٣٤/٢). (١١) جاء البيت في ط بالرواية التالية وكأنه نثر لا شعر: وإِذا محاسن الوجه بليت تعفي الثرى عن وجهه الحسن. (١٢) ليس لفظ الجلالة في الأصول واستدركت عن الروضتين (٢٣٤/٢). (١٣) أ: الثبات . ٤٤٧ و فيات سنة ٥٩٥هـ محفوف باللِّدات والأتراب ، وكانت مدة المرض بعد العود١) من الفيوم أسبوعين ، وكانت في الساعة السابعة من ليلة الأحد العشرين(٢) من المحرم ، والمملوك في حال تسطيرها مجموع بين مرض القلب والجسد ، ووجع أطراف (٣)، وعليل كبد(٤) ، وقد فجع بهذا المولى والعهد بوالده [ رحمه الله }٥) غير بعید ، والأسی علیه في کل یوم جدید . ولما توفي العزيز [ رحمه الله (٦) خلَّف من الولد عشرة ذكور ، فعمد أمراؤه فملَّكوا عليهم ولده محمداً ، ولقبوه بالمنصور ، وجمهور الأمراء في الباطن مائلون إِلى تمليك العادل ، ولكنهم يستبعدون(٧) مكانه ، فأرسلوا إِلى الأفضل، وهو بصرخد فأحضروه على البريد سريعاً ، فلما حصل(٨) عندهم منع رفدهمُ(٩)، ووجدوا الكلمة مختلفة عليه، ولم يتم له ما سار١ٌ) إِليه ، وخامر عليه أكابر الأمراء الناصرية ، وخرجوا من ديار مصر فأقاموا في بيت (١١) المقدس وأرسلوا يستحثون الجيوش العادلية ، فأقر ابن أخيه على السلطنة ونوه بذكره(١٢) على السكة والخطبة في سائر [ ما هنالك من المملكة (١٣) لكن استفاد الأفضل في سفرته هذه١٤) أن أخذ جيشه ١) كثيفاً من المصريين ، وأقبل بهم ليسترد دمشق في غيبة عمه لمحاصرة ماردين ، وذلك بإِشارة أخيه صاحب حلب وابن عمه ملك حمص أسد الدين . فلما انتهى إليها ، ونزل حواليها ، قطع أنهارها، وعقر أشجارها، وقلَّلُ(١٦) ثمارها ، ونزل بمخيمه على مسجد القدم ، وقد لحقه الأسف والندم ؛ وجاء إِليه أخوه الظاهر ، وابن عمه الأسد الكاسر ، (١) ط : مدة مرضه بعد عودة . (٢) ط : الأحد والعشرين. عن ط وحدها . (٣) ط : وعلة كبد . (٤) ليس في ط . (٥) ليس في ط . (٦) (٧) أ، ب : يستبعدوا . (٨) ط : حضر. (٩) أ : وفدهم. (١٠) ط : صار . (١١) ط : ببيت . (١٢) ط : باسمه . (١٣) ط : بلاد مصر. (١٤) أ، ب : ولكن استفاد بهذه السفرة. (١٥) ب : جيشه . (١٦) ط : وأكل. ٤٤٨ وفيات سنة ٥٩٥هـ والليث الكاشر ، وجيش حماة ، فكثر جيشه وقوي [ الأفضل بن الناصر }(١)، وقد دخل جيشه إِلى البلد ، ونادوا بشعاره فلم يتابعهم من العامة أحد ، وأقبل العادل من ماردين بعساكره وقد التف عليه أمراء أخيه ، وطائفة بني(٢) أخيه، وأمده كل مصر بأكابره ، وسبق الأفضل إلى دمشق بيومين فحصنها وحفظها ، من كل حاسد وذي عينين ، وقد استناب على ماردين ولده محمداً الكامل . ولما دخل دمشق خامر إِليه أكثر الأمراء من المصريين وغيرهم ، وضعف أمر الأفضل ويئس من برهم وخيرهم ، فأقام محاصرا٣ً) البلد بمن معه حتى انسلخ الحول وهو كذلك ، ثم انفصل الحال في أول السنة الآتية على ما سيأتي بيانه إِن شاء الله تعالى . وفيها : شُرع في بناء سورٍ لبغداد من الآجُزِ(٤) والكلس ، وفرق على الأمراء ، فكملت(٥) عمارته بعد هذه السنة فأمنت بغداد من الغرق والحصار ، ولم يكن لها سور قبل ذلك . [ السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف ]٦) : [ وفي هذه السنة ]٧) توفي السلطان الكبير أبو محمد يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ، صاحب المغرب والأندلس بمدينته ، وكان قد ابتنى (٨) عندها مدينة مليحة، سمّاها المهدية . وقد كان ديناً حسن السيرة صحيح السريرة ، وكان مالكيَّ المذهب ، ثم صار ظاهرياً حزمياً ، ثم مال إِلى مذهب الشافعي ، واستقضى في بعض بلاده منهم قضاة (٩) ، وكانت مدة ملكه خمس عشرة سنة ، وكان كثير الجهاد ، رحمه الله، وكان يؤمّ الناس في الصلوات الخمس ، وكان قريباً إِلى المرأة والضعيف [ رحمه الله }١٠) ، وهو الذي كتب إليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج ، فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك ولم يجبه إِلى ما طلب منه ، وقام بالملك بعده ولده محمد فسار كسيرة (١) والده ، ورجع إِليه كثير من البلدان (١) مكانهما في ط : باسه . (٢) أ، ب : بنو. وهو خطأ. (٣) ط : محاصر . (٤) ط : بالآجر . (٥) ط : وكملت . (٦) ترجمته عند ابن الأثير (٢٤٥/٩ - ٢٤٦) ومرآة الزمان (٣٧٤/٨) وذيل الروضتين (١٦) ووفيات الأعيان (٧/ ٣ - ١٩) والعبر (٢٨٩/٤) ومرآة الجنان (٤٧٩/٣ - ٤٨٤) وله ترجمة رائقة في تاريخ الإسلام (١٠٥١/١٢ - ١٠٦٤ ) . (٧) ط : وفيها . (٨) ط : بنى . (٩) ليس في ب . (١٠) عن ط وحدها . (١١) ب : كسير . ٤٤٩ وفيات سنة ٥٩٥هـ اللاتي كانت قد عصت على أبيه (١) ثم من بعد ذلك، تفرقت بهم الأهواء وباد هذا البيت بعد الملك يعقوب [ رحمه الله ]٢) . [ وفي هذه السنة ]٣) ادّعى رجل أعجمي بدمشق أنه عيسى ابن مريم ، فأمر الأمير صارم الدين بزغش نائب القلعة بصلبه عند حمَّام العماد الكاتب خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين وقد باد هذا الحمام قديماً . وبعد صلبه(٤) بيومين ثارت العامة على الروافض وعمدو(٥) إِلى قبر رجل منهم بباب الصغير ، يقال له : وثاب فنبشوه، وصلبوه مع كلبين وذلك في ربيع الآخر [ من هذه السنة ]٦) . وفي هذه السنة وقعت فتنة كبيرة ببلاد خراسان، وكان سببها أن فخر الدين محمد بن عمر الرازي أستاذ المتكلمين في زمانه وفد إلى الملك غياث الدين الغوري صاحب غزنة ، فأكرمه واحترمه وبنى له مدرسة بهراة، وكان أكثر الغورية كرَّامية، فأبغضوا الفخر الرازي، وأحبوا إِبعاده عن (٧) الملك، فجمعوا له جماعة من الفقهاء الحنفية والكرّامية وخلقاً من الشافعية، وحضر ابن القدوة، وكان شيخاً معظماً في الناس، وهو على مذهب ابن كرّام وابن الهيصم فتناظر هو وفخر الدين ، وخرجا من المناظرة إِلى السب والشتم . فلما كان من الغد اجتمع الناس في المسجد الجامع ، وقام واعظ فتكلم فقال في خطبته : أيها الناس إِنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله وَلي، وأما علم أرسطاطاليس وكفر(٨) ابن سينا وفلسفة الفارابي(٩) فلا نعلمها ولا نقول بها ، وإِنما هو كتاب الله وسنة رسوله ، ولأي شيء يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإِسلام ، يذبُّ عن دين الله وسنة رسوله على لسان متكلم ليس معه على ما يقول دليل ، قال : فبكى الناس وضجّوا، وبكى الكرَّامية ، وأعانهم على ذلك قوم [ آخرون من الخاصة (١٠) وأنهوا إِلى الملك صورة ما وقع ، فأمر بإِخراج [ فخر الدين من البلد ولم يكن الملك مختاراً لذلك }(١) ، فعاد إِلى هراة ، (١) أ، ب : اللاتي كانوا قد عصوا عليه. (٢) ليس في ط . (٣) ط : وفيها . (٤) أ، ب : وبعد صلب هذا . (٥) أ : وعهدوا . (٦) ط : منها . (٧) أ، ب : من . (٨) ط : كفريات . بعدها في ط : وما تلبس به الرازي . وهي لا معنى لها ، لأن الواعظ الذي يتكلم هو ابن عم الفخر الرازي ، وهو (٩) يدافع عنه. العبر (٢٨٥/٤) . (١٠) ط : من خواص الناس . (١١) ط : الرازي من بلاده وعاد. ٤٥٠ وفيات سنة ٥٩٥هـ فلهذا أشرب قلب الرازي بغض الكرَّامية . فهو (١) يلهج في كلامه بهم في كل موطن ومكان ، وكلما هبت الصبا . وفي هذه السنة [ وقع الرضا عن الشيخ جمال الدين ٢٤) أبي الفرج بن الجوزي شيخ الوعاظ [ في زمانه وبعده !٣) ، وقد كان أَخرج من بغداد إِلى واسط ، فأقام بها خمس سنين ، فانتفع به أهلها [ واشتغلوا عليه (٤) واستفادوا منه، فلما عاد إِلى بغداد خلع عليه الخليفة ، وأذن له في الجلوس(٥) على عادته عند التربة الشريفة المجاورة لقبر معروف ، فكثر الجمع جداً [ وحضر الخليفة ٪) وأخذ في العتاب ، وأنشد يومئذ فيما قال يخاطب به الخليفة : [ من السريع ] بِصَوْبِ إِنْعَامِكَ قَدْ رُوِّضا لا تُعْطِشِ الرَّوْضَ الَّذِي بِنِينَ(٧) حاشَى لباني المَجْدِ أنْ يَنْقُضا لا تَبْرِ عُوداً أَنْتَ قَدْ رِشْتَهُ إِنْ كانَ لي ذَنْبٌ بِحُرْمَتِه(٨) فَاسْتَأْتِفِ العَفْوَ وهب ما مَضَى(٩) قَدْ كُنْتُ أَرْجُوكَ لِغَيْلِ المُنَى فاليَوْمَ لا أَطْلُبُ إِلَّ الرِّضَى ومما أنشده يومئذ ١٠): [من الوافر ] تَلاَقَيْنَا كَأَنَّا مَا شَقِينا شَقيْنا بِالنَّوَى زَمَناً فَلَمَّا وَمَا زَالَتْ بنا حَتَّى رَضِينا سَخِطْنَا عِنْدَمَا جَنَتِ اللَّيالي فَإِنَّا بَعْدَمَا مِنْنَا حَيِينا وَمَنْ لَمْ يَحْيَ بَعْدَ المَوْتِ يَوْماً وفي هذه السنة استدعى الخليفة الناصر قاضي الموصل ضياء الدين الشهرزوري فولاه قضاء قضاة بغداد . (١) ط : وصار . (٢) ط : وفيها رضي الخليفة عن أبي الفرج. (٣) لیس في ط . عن ط وحدها . (٤) ط : الوعظ . (٥) ليس في ب . (٦) (٧) كذا في ط : بنيته وفي الأصل: نيتُه (ع). (٨) ط : قد جنيته . (٩) ط: لي الرضا، والبيت الشريف الرضي، وهو تضمين . ذيل الروضتين (١٥). (١٠) الأبيات أربعة في ذيل الروضتين (١٥) بزيادة البيت التالي بعد الثاني: كاسات الصدود وكم ضنينا سعدنا بالوصال وكم شقینا ٤٥١ وفيات سنة ٥٩٥هـ [ وفي هذه السنة (١) وقعت فتنة بدمشق بسبب الحافظ عبد الغني المقدسي، وذلك أنه كان يتكلم في مقصورة الحنابلة بالجامع الأموي ، فذكر يوماً شيئاً من العقائد ، فاجتمع القاضي محيي الدين بن الزكي وضياء الدين الخطيب الدَّولعي بالسلطان المعظم ، والأمير صارم الدين بزغش فعُقِد له مجلس فيما يتعلق بمسألة الاستواء على العرش والنزول والحرف والصوت ، فوافق النجم الحنبلي بقية الفقهاء ، واستمر الحافظ على ما يقوله لم يرجع عنه ، واجتمع بقية الفقهاء عليه ، وألزموه بإلزامات شنيعة لم يلتزمها ، حتى قال له الأمير بزغش : كل هؤلاء على الضلالة وأنت وحدك على الحق ؟ قال : نعم ، فغضب الأمير ، وأمر عند ذلك بنفيه من البلد . [ فاستنظر ثلاثة أيام فأُنظر (٢)، وأرسل بزغش الأسارى من القلعة ، فكسروا منبر الحافظ (٣) ، وتعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة ، وأخرجت الخزائن والصناديق التي كانت هناك ، وجرت خبطة شديدة ، نعوذ بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، وكان عقد المجلس في يوم الإثنين الرابع والعشرين من ذي الحجة . فارتحل الحافظ عبد الغني إِلى بعلبك ، ثم سار إِلى الديار المصرية٤) فَآواه الطحانور(٥) ، فحنّوا عليه وأكرموه . وممن توفي [ في هذه السنة ]٦) من الأعيان : الأمير الكبير(٧) مجاهد الدين قايما(٨) الرومي(٩): نائب الموصل والمستولي على مملكتها أيام ابن أستاذه نور الدين أرسلان ، وكان عاقلاً ذكياً فقيهاً حنفياً ، وقيل : شافعياً، يحفظ شيئاً(١) كثيراً من التواريخ والحكايات ، وقد ابتنى عدة جوامع ومدارس وربط وخانات ، وله صدقات كثيرة دارّة ، قال ابن الأثير(١١): وقد كان من محاسن الدنيا . أبو الحسن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن إسماعيل بن علي بن سليمان ابن يعقوب بن إِبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن العباس الهاشمي(١٢) . (١) ط : وفيها . (٢) ط : فاستنظره ثلاثة أيام فأنظره. (٣) ط : الحنابلة . أ : الديار المصرية . (٤) ط : المحدثون ، وما أثبتناه هو الصواب، وينظر تاريخ الإسلام (١٢/ ١٢١٣). (٥) (٦) ط : فيها . (٧) ليس في ط . (٨) ط : قيماز . (٩) ترجمته في ابن الأثير (٢٤٨/٩) ووفيات الأعيان (٨٢/٤ -٨٣) وتاريخ الإسلام (١٠٣٨/١٢ -١٠٣٩). (١٠) ليس في أ . (١١) ابن الأثير (٩/ ٢٤٨). (١٢) ترجمته في تاريخ ابن الدبيئي ١٩٦/١ - ١٩٨ وذيل الروضتين (١٥) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب = ٤٥٢ أحداث سنة ٥٩٦هـ قاضي القضاة ببغداد بعد ابن البخاري(١)، [ وقد كان من الشافعية ]٢) ، تفقه على أبي الحسن بن الخَلِّ وغيره ، وقد كان ولي القضاء والخطابة بمكة ، شرفها الله تعالى ، وأصله منها ، ولكن ارتحل إِلى بغداد فنال بها٣) ما نال ، وآل من أمره بها إِلى ما آل ، ثم إِنه عزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطّه عليه ، وكان فيما قيل مزوَّراً عليه ، فالله أعلم . وجلس(٤) في منزله حتى مات ، رحمه الله . الشيخ جمال الدين أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل بن هبة الله بن بركة بن فضلان(٥) ، شيخ الشافعية ببغداد . تفقه أولًا على سعيد بن محمد الرزاز(٦) مدرس النظامية ، ثم ارتحل إِلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد الزبيدي تلميذ الغزالي وعاد إلى بغداد وقد اقتبس علم المناظرة والأصلين ، وساد أهل بغداد وانتفع به الطلبة والفقهاء ، وبنيت له مدرسة فدرّس بها ، وبعُدَ صيته ، وكثُرت تلاميذه ، وكان كثيرَ التلاوة ، وإِسماع الحديث، وكان شيخاً حسناً لطيفاً ظريفاً، ومن شعره قوله(٧): [ من الطويل ] وَإِذَا أَرَدْتَ مَنازِلَ الأَشْرَافِ فَعَلَيْكَ بِالإِسْعَافِ والإِنْصَافِ وَالدَّهْرَ فَهْوَ لَهُ مُكَافٍ كَافٍ وَإِذَا بَغا باغٍ عَلَيْكَ فَخَلِّهِ ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمئة استهلت [ هذه السنة ]٨) والملك الأفضل بالجيش المصري محاصر دمشق لعمه العادل(٩)، وقد قطع عنها الأنهار والميرة ، فلا خبز ولا ماء إِلا قليلاً ، وقد تطاول الحال وقد خندقوا من أرض اللَّوَّان إِلى يَلْد(١٠) خندقاً لئلا يصل إليهم جيش دمشق ، وجاء فصل الشتاء وكثرت الأمطار والأوحال ، فلما دخل (ج ٤ / ق٣١٧/٣) وتاريخ الإسلام (١٠٤٢/١٢ - ١٠٤٣). = (١) ط : ابن النجاري، وهو علي بن هبة الله، تقدمت ترجمته في حوادث سنة ٥٩٣ من هذا الجزء. (٢) ط : وكان شافعياً . (٣) ط : فنال منها ما نال من الدنيا وآل به الأمر إلى ما آل. (٤) ط : فجلس . (٥) ترجمته في ابن الأثير (٢٤٨/٩) وذيل الروضتين (١٥) وتاريخ الإسلام (١٢/ ١٠٥٠ - ١٠٥١) والعبر (٢٨٩/٤) ومرآة الجنان ( ٤٧٩/٣). (٦) في ( ط ) : البزاز ، وهو تحريف . (٧) عن ب وحدها . (٨) عن ط وحدها . (٩) بعدها في أ ، ب : بدمشق . (١٠) ط : الله. وهو تصحيف . ٤٥٣ أحداث سنة ٥٩٦هـ شهر صفر ، قدم الملك الكامل محمد بن العادل على أبيه بخلق من التركمان ، وعساكر من بلاد الجزيرة والرُّها وحرّان ، فعند ذلك انصرف العساكر المصرية وتفرقوا أيادي سبأ ، فرجع الظاهر [ إِلى المملكة الحلبية ، والأسد إِلى حمصه، والأفضل إلى الديار المصرية}(١) ، وسلم العادل من كيد الأعادي ، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد [ واستسلم ولكن الله سلَّم، وطردت }٢) الأمراء الناصرية خلف الأفضل ليمنعوه من الدخول إلى القاهرة، وكاتبوا العادل أن يسرع السير إِليهم(٣)، [ والقدوم عليهم }٤) ، فنهض إليهم سريعاً سامعاً لمشورتهم مطيعاً ، فتحصن الأفضل بالقلعة من الجبل }°) ، وقد اعتراه الضعف والفشل ، ونزل العادل على البركة ، [ واستبد بملك مصر آمناً من الشركة (٦) ، ونزل إِليه ابن أخيه الأفضل خاضعاً ذليلاً [ بعد ما كان مهيباً جليلاً (٧)، فأقطعه بلاداً من الجزيرة ، ونفاه من (٨) الشام لسوء السيرة ، ودخل العادل [ إِلى دار السلطان بالقاهرة (٩) ، وأعاد القضاء إِلى صدر الدين عبد الملك بن درباس الماراني(١٠) الكرديُ(١١)، وأبقى الخطبة والسكة باسم ابن أخيه المنصور [ ولكن هو (١٢) المستقلُّ بالأمور ، واستوزر الصاحب صفي الدين بن شكر(١٣) لصرامته وشهامته ، وسيادته وديانته ، وكتب السلطان الملك إِلى [ ابنه الملك (١٤) الكامل يستدعيه ، من بلاد الجزيرة ليملّكه على الديار المصرية(١٥) ويسترعيه ، فقدم عليه ، فبرز له وأكرمه واحترمه ، وعانقه والتزمه ، وأحضر الملك العادل الفقهاء ، واستفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز ، وأنه صغير ابن عشر سنين ، فأفتوا بأن (١) ط : إِلى حلب والأسد إِلى حمص والأفضل إِلى مصر. (٢) ط : وسارت . ليس في ب . (٣) (٤) لیس في ط . ط : فدخل الأفضل مصر وتحصن بقلعة الجبل . (٥) (٦) ط : وأخذ ملك مصر . (٧) ليس في ط . (٨) أ، ب : عن . (٩) مكانهما في ط : القلعة . (١٠) ط : المارداني. وهو تصحيف والماراني نسبة إلى بني ماران بالمروج تحت الموصل . وفيات الأعيان (٢٤٣/٣) . (١١) سترد ترجمته في حوادث سنة ٦٠٥ من هذا الكتاب. وترجمته أيضاً في ذيل الروضتين (٦٧) والعبر (١٣/٥). (١٢) مكانهما في ط : والعادل . (١٣) هو عبد الله بن علي بن عبد الخالق بن شكر. سترد ترجمته في حوادث سنة ٦٢٢ من هذا الكتاب . وترجمته في ذيل الروضتين (١٤٧) والعبر (٩٠/٥). (١٤) ط : ولده . (١٥) ط : مصر . ٤٥٤ وفيات سنة ٥٩٦هـ ولايته لا تصحّ لأنه تُولّي (١) عليه ، فعند ذلك طلب الأمراء ، ودعاهم إلى مبايعته ، فامتنعوا فأرغبهم وأرهبهم ، وقال فيما قال : قد سمعتم ما أفتى به العلماء ، والأئمة والفقهاء ، وقد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار ، وإِنما يحرسها٢) الملوك الكبار ، فأذعنوا عند ذلك وبايعوه ، ثم من بعده لولده الكامل ، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما ، وضُربت السكة باسميهما ، واستقرت دمشق باسم المعظّم عيسى بن العادل ، [ كما أن مصر للكامل (٣) . وفي شوال رجع إِلى دمشق الأمير فلك [ الدين أبو منصور سليمان بن شروة (٤) بن جندر ، وهو أخو الملك العادل لأمه ، وهو واقف المدرسة الفلكية داخل باب الفراديس ، وبها قبره فأقام بها محترماً معثََّماً إلى أن توفي رحمه الله في هذه السنة . [ وفي هذه السنة (٥) والتي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد فهلك بسببه(٦) الغني والفقير، [ وعم الجليل والحقير }٧) ، وهرب الناس منها نحو الشام ، فلم يصل إِليها إِلا القليل من الفئام ، وتخطَّفهم الفرنج من الطرقات ، وغروهم من أنفسهم واغتالوهم بالقليل من الأقوات . وأما بلاد العراق فإِنه كان مرخصاً رخياً ، هنيئاً مرياً ، فللَّه الحكم والحكمة بكرة وعشياً . قال ابن الساعي في ((تاريخه)): وفي هذه السنة باض ديك ببغداد، سألت(٨) جماعة عن ذلك فأخبروني به . وممن توفي فيها من الأعيان : السلطان علاء الدين خُوَارزم شاه(٩) بن تكش بن ألب أرسلان١٠) بن أتسنر ، من ولد طاهر بن الحسين : (١) ط : متولى. (٢) ط : يحفظها . (٣) ط : ومصر باسم الكامل. (٤) ط : ملك الدين .. بن مسرور . (٥) ط : وفيها وفي . (٦) عن ط وحدها . (٧) ليس في ط . (٨) ط : فسألت . (٩) ترجمته وأخباره في ابن الأثير (٩/ ٢٥٠) ومرآة الزمان (٤٧١/٨ و٤٧٢) والروضتين (٢٤٤/٢) وذيلها ( ١٧ ) وتاريخ ابن العبري (٣٩٢ - ٣٩٣) وتلخيص مجمع الآداب في مجمع الألقاب (ج ٤/ ق١٠٠٧/٢) وأبو الفداء (٩٨/٣) والعبر (٢٩٢/٤) ومرآة الجنان (٤٨٥/٣). (١٠) ب : أرسلان . ٤٥٥ و فيات سنة ٥٩٦هـ وهو صاحب خوارزم وبعض بلاد خراسان والري وغير(١) ذلك من الأقاليم المتَّسعة ، وهو الذي قطع دولة السلاجقة ، كان عادلًا حسن السيرة ، له معرفة جيدة بالموسيقا ، حسن المعاشرة ، فقيهاً على مذهب أبي حنيفة ، ويعرف الأصول ، وبنى للحنفية مدرسة عظيمة ، ودفن بتربةٍ بناها بخوارزم . وقام في الملك من بعده ولده علاء الدين محمد ، وقد كان قبل ذلك يلقب بقطب الدين . [ نظام الدين مسعود بن علي ]٢) : وفيها : قتل وزير السلطان خوارزم شاه ، نظام الدين مسعود بن علي ، وكان حسن السيرة ، شافعي المذهب ، له مدرسة عظيمة بخوارزم ، وجامع هائل ، وبنى بمرو جامعاً عظيماً للشافعية ، فحسدتهم الحنابلة وشيخهم بها٣) يقال له شيخ الإِسلام، فيقال : إِنهم أحرقوه ، وهذا إِنما يصدر من (٤) قلة الدين والعقل ، واحترام معاني الإِسلام ، فأغرمهم السلطان خوارزم شاه على ما غرم الوزير على بنائه (٥) . [ عبد المنعم بن عبد الوهاب ]٦) : وفيها : توفي الشيخ المسند المُعَمَّر رحلة الوقت ، أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب بن صدقة بن الخضر بن كليب الحراني الأصل البغدادي المولد والدار والوفاة ، عن ست وتسعين سنة . سمع الكثير وأسمع ، وتفرد بالرواية عن جماعة من المشايخ ، وكان من أعيان التجار وذوي الثروة رحمه الله . الفقيه مجد الدين ، أبو محمد (٧) طاهر بن نصر الله بن جَهْبَل (٨) : مدرس القدس الشريف ، أول من درَّس بالصلاحية ، وهو والد الفقهاء [ من ] بني جَهْبَل (٩) الذين كانوا بالمدرسة الجاروخية ١٠) ، ثم صاروا إِلى العمادية والدماغية ، في أيامنا هذه، ثم ماتوا ولم يبق إِلا ذكرهم١١). (١) ط : وغيرها . أخباره وترجمته في ابن الأثير (٢٥٠/٩ - ٢٥١) وتاريخ الإسلام (١٠٩١/١٢). (٢) (٣) ب : بها شيخ يقال له . ط : إِنما يحمل عليه . (٤) (٥) ب : عليه . ترجمته في ابن الأثير (٢٥١/٩) وتاريخ ابن النجار (١٦٦/١) وذيل الروضتين (١٨) ووفيات الأعيان (٢٢٧/٣ (٦) -٢٢٨) وتاريخ الإسلام (١٢/ ١٠٨٠ -١٠٨١) والعبر (٢٩٣/٤) ومرآة الجنان (٤٨٨/٣). (٧) ترجمته في ذيل الروضتين (١٧) وتاريخ الإسلام (١٠٧٢/١٢) والعبر (٢٩٢/٤) ومرآة الجنان (٤٨٥/٣). (٨) ط : أبو محمد بن طاهر بن نصر بن جميل ، وهو تصحيف. (٩) ط : بني جميل الدين ، وفيها تصحيفان. (١٠) المدارس الثلاث في منادمة الأطلال (٩٣، ٩٧، ١٣٣). (١١) لعل العبارة تكون هكذا : ثم ماتوا ولم يبق إلا ذكرهم، وفي ط : ثم أتوا ولم يبق إِلا شرحهم (ع). ٤٥٦ وفيات سنة ٥٩٦هـ الأمير صارم الدين قايمار(١) بن عبد الله(٢) النجمي: من أكابر الدولة الصلاحية ، وكان عند الملك صلاح الدين بمنزلة استادار(٣) ، وهو الذي(٤) تسلّم القصر حين مات العاضد . فحصل له أموال جزيلة جداً ، وكان كثير الصدقات والأوقاف ، وقد(٥) تصدَّق في يوم بسبعة آلاف دينار عيناً ، وهو واقف المدرسة القيمازية(٦) ، شرقي القلعة المنصورة ، وقد كانت دار الحديث الأشرفية داراً لهذا الأمير ، وله بها حمّام ، فاشترى ذلك الملك الأشرف فيما بعد وبناها دار حديث ، وأخرب الحمام وبناه مسكناً للشيخ المدرس بها . ولما توفي قايماز(٧) ودفن في قبره نبشت دوره وحواصله ، وكان مُتَّهماً بمال جزيل ، فتحصل ما جمع من ذلك مئة ألف دينار ، وكان يُظن أن عنده أكثر من ذلك، ولكن كان يدفن أمواله في الخراب من أراضي ضياعه وقراياه ، فسامحه الله ، وبل بالرحمة ثراه. الأمير الكبير لؤلؤ(٨) : أحد الحجَّاب بالديار المصرية، ومن(٩) أكابر الأمراء في الدولة الصلاحية١٠)، وهو الذي كان يستلمُ(١) الأسطول في البحر ، فيكون كالشجا في حلوق الفرنج ، والبحر في البحر ، فكم من شجاع قد أُسر ، وكم من مركب قد كَسَر ، وكم من أسطول لهم قد فرَّق شَمْلَه ، ومن بطسةٍ وقاربٍ قد غرَّقَ أهله ، وقد كان مع كثرة جهاده دارَّ الصدقات ، كثير النفقات في كل يوم. [ وكان بديار مصر غلاءٌ شديد (١٢) ، فتصدق باثني عشر ألف رغيف لاثني عشر ألف نفس ، فجزاه الله خيراً ، ورحمه في قبره ، وبيَّض وجهه يوم محشره ومنشره ، آمين . (١٣) : الشيخ الإِمام الفقيه العلامة شهاب الدين الطوسي (١) ترجمته في الروضتين (٢٣٩/٢). (٢) ط : النجمي كان . (٣) ط : الأستاذ . ليس في ب . (٤) ليس في ط . (٥) (٦) منادمة الأطلال ( ١٩٨ ). عن ط وحدها . (٧) (٨) ترجمته في الروضتين (٢/ ٢٤٠). (٩) ط : وكان من . (١٠) ط : في أيام صلاح الدين. (١١) ط : متسلم . (١٢) ط : وقع غلاء بمصر . (١٣) ترجمته في الروضتين (٢٤٠/٢) وذيلها (١٨) واسمه فيه: محمد، وتاريخ الإسلام (١٢/ ١٠٨٨ - ١٠٨٩) والعبر (٢٩٤/٤) ومرآة الجنان (٤٨٧/٣ - ٤٨٨) واسمه فيها : محمد بن محمود أبو الفتح الطوسي. ٤٥٧ وفيات سنة ٥٩٦هـ أحد مشايخ الشافعية بديار مصر ، شيخ المدرسة المنسوبة إلى تقي الدين شاهنشاه ابن أيوب التي يقال لها منازل العز، وهو من أصحاب محمد بن يحيى تلميذ الغزالي وكان له قدر ومنزلة عند ملوك مصر ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، إلى أن توفي رحمه الله في هذه السنة، فازدحم الناس في(١) جنازته ، وتأسفوا عليه . الشيخ ظهير الدين عبد السلام الفارسي(٢): شيخ الشافعية بحلب ، أخذ الفقه عن محمد بن يحيى [ تلميذ الغزالي ]٣)، وتتلمذ للفخر(٤) الرازي ورحل إِلى مصر، وفُوَّض إِليه(٥) أن يدرّس بتربة الشافعي فلم يقبل ، فسار(٦) إِلى حلب ، فأقام بها إِلى أن توفي في هذه السنة . الشيخ العلامة بدر الدين بن عسكر(٧) : رئيس الحنفية بدمشق ، قال أبو شامة : ويعرف بابن العقاد(٨). الشاعر الماهر الهمام العبدي (٩) : وهو أبو الحسن علي بن نصر بن عقيل بن أحمد بن علي بن عبد القيس بن ربيعة . وهو بغدادي ، قدم دمشق في سنة خمس وتسعين وخمسمئة ، ومعه ديوان شعر ، له فيه دُرَرٌ حسان ، وفرائد وعقائد وعقيان، وقد تصدى لمدح الملك الأمجد(١٠) صاحب بعلبك. [ ومن قيله (١١): [ من الطويل (١٢) ومَا النَّاسُ إِلَّ كاملُ الحَظِّ ناقِصٌ وَآخَرُ مِنْهُمْ ناقِصُ الحَظّ كامِلُ (١) ط : على . (٢) ترجمه الزكي المنذري في التكملة (٣٥٩/١) وهو فيه : أبو المعالي عبد السلام بن محمود بن أحمد الفارسي المنعوت بالظهير ، والروضتين (٢/ ٢٤٠) وتاريخ الإسلام (١٠٧٨/١٢) وقال المنذري: ((أجاز لنا بدمشق في جمادى الآخرة سنة خمس وتسعين وخمسمئة)) . (٣) ليس في ب . (٥) ط : وعرض عليه ، أ، ب : وفرض عليه، وما هنا عن الروضتين. (٤) ليس في ط . (٦) أ، ب : فصار. ط : فرجع، وما هنا عن الروضتين. (٧) ترجمته في الروضتين (٢/ ٢٤٠). كذا في الروضتين ، وفي ذيلها ( ١٧ ) : ابن العفارة . (٨) ترجمته في الروضتين (٢/ ٢٤٠) وذيلها (١٩). (٩) (١٠) سترد ترجمة الأمجد في حوادث سنة ٦٢٨ من هذا الكتاب. (١١) ط : وله . (١٢) البيتان في الروضتين (٢/ ٢٤١) . ٤٥٨ و فيات سنة ٥٩٦هـ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي مِنَ المالِ طائِلُ(٢ وإِنِّي لمُثْرٍ من حَياءٍ وعِقَّةٍ(١) القاضي(٣) الفاضل: الإِمام العلاَّمة شيخ الفصحاء والبلغاء أبو علي عبد الرحيم بن القاضي الأشرف أبي المجد علي بن الحسن بن البيساني(٤) المولى الأجل القاضي الفاضل . كان والده٥) قاضياً بعسقلان ، فأرسل ولده في الدولة الفاطمية إلى الديار المصرية ، فاشتغل بها بكتابة الإِنشاء على الشيخ أبي الفتح بن قادوس(٦) وغيره ، فساد أهل البلاد حتى بغداد شرقاً وغرباً ، بُعداً وقرباً ، ولم يكن له في زمانه نظير ولا عون ، ولا فيما بعده إِلى وقتنا هذا [ مماثل ولا مناظر ولا نديد (٧)، ولما استقر الملك صلاح الدين [ في الديار المصرية (٨) جعله كاتبه وصاحبه ووزيره ومشيره وجليسه وأنيسه ، وكان٩) أعز عليه من أهله وأولاده ، وأكرم عليه من طريفه وتلاده ، وتساعدا حتى فتح الأقاليم [ والبلدان والحصون والمعاقل ١٣) هذا بحسامه وسنانه، وهذا بلسانه (١) وقلمه وبيانه ، وقد كان القاضي الفاضل مع كثرة أمواله ووجاهته ورئاسته كثير الصدقات ، والصلات ، والصيام والصلاة ، وكان١٢) يواظب في كل يوم وليلة على ختمةٍ كاملة ، مع ما يزيد عليها من نافلة ، رحيم القلب ، حسن السيرة ، طاهر القلب والسريرة ، له مدرسة بديار مصر على الشافعية والمالكية ، وأوقاف على تخليص الأسارى ، من أيدي النصارى ، وقد اقتنى من الكتب نحواً من مئة ألف كتاب ، وهذا شيء لم يفرح به أحد من الوزراء ولا العلماء ولا الملوك [ ولا الكتّاب (١٣). [ كان مولده ١٤٣) في سنة ثنتين وثلاثين (١) ط : من خيار أعفة . الروضتين. (٢) ط : كامل . وقد صحف ناسخ ب كلمتي : المال طائل. واستحق منها كلمة واحدة هي : المائل . (٣) ترجمته وأخباره في خريدة مصر (٣٥٢١) وابن الأثير (٢٥١/٩) والروضتين (٢٤١/٢ - ٢٤٤) ووفيات الأعيان (١٥٨/٣ - ١٦٣) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب (٢٤/٣ - ٢٥) وأبو الفداء (٩٨/٣) ونهاية الأرب (١/٨ - ٥١) والعبر (٢٩٣/٤) ومرآة الجنان (٤٨٥/٣ - ٤٨٧). (٤) ط : وفيها توفي القاضي الفاضل . (٥) ط : أبوه . (٦) هو محمد بن إسماعيل بن قادوس . تقدمت ترجمته في حوادث سنة ٥٥١ من هذا الجزء . (٧) ط : مثيل . (٨) ط : بمصر . (٩) أ : فكان . (١٠) ط : والبلاد . (١١) ط : وهذا بقلمه ولسانه وبيانه. (١٢) عن ط وحدها . (١٣) ليس في ط . (١٤) ط : ولد . ٤٥٩ وفيات سنة ٥٩٦هـ وخمسمئة(١) وكانت وفاته (٢) في يوم دخل العادل إِلى قصر مصر بمدرسته ، فجأة يوم الثلاثاء سادس ربيع الآخر واحتفل الناس بجنازته ، وزار قبره في اليوم الثاني الملك العادل ، وتأسف عليه ، [ ويقال : إِنه (٣) استوزر الملك العادل صفي الدين ابن شكر ، [ فلما سمع الفاضل بذلك (٤) دعا الله تعالى أن لا يحييه إِلى هذه الدولة، لما بينهما من المنافسة ، فمات ، رحمه الله ، ولم ينله أحد بضيم يؤذيه(٥) ولا رأى في الدولة من هو أكبر منه [ ولا من يدانيه. وقد امتدحه الشعراء فأكثروا، ومن أحسن ما مدح (٦) به قول القاضي هبة الله بن سناء المُلْك (٧): [ من الكامل ] أمِنَتْ بصُحْبتها حلولَ عقابِها نالَ السماءَ فسَلْهُ عن أسبابِها بخُطى براعته وفصل خطابِها بسمُوّ منصبها(٨) وطيب نصابِها ولطالما أَعْيَتْ على خُطّابِهِا أسماءَه ](٩) أَغْنَتْهُ عن ألْقابِها تَرِبَتْ يمينُكَ لَسْتَ مِن أَتْرابِها وارجِع وراءَكَ لستَ من أَزْبَابِها ﴾(١١) ذَلَّتْ من الأيامِ شمسُ صِعابِها لا كالذي يَسْعَى إِلى أبوابِها لا بل تُساقُ لبابه برقابِها مشغولةٌ بالذّكرِ في محرابِها عَبْدُ الرَّحيم على البَرِيَّةِ رحمةٌ يا سائلي عَنْهُ وعن أسبابِه والذَّهْرُ يعلمُ أَنَّ فيصل خطبه ولقد عَلَتْ رتبُ الأجلّ على الورى وَأَتَتْهُ خاطبةً إِليه وزارةٌ [ ما لَقَّبوهُ بها لأنَّ بعلمها مال الزمانُ لغيرهِ إِذ رامها ١٠) [ إِذهَبْ طَريقَكَ لستَ من آرابها وبِعِزّ سيدنا وسيّد غيرنا وَأَتَتْ سعادتُهُ إِلى أبوابه تَعْنُو الملوكُ لوَجْهِهِ بوجوهِها شَغَلَ الملوكَ بما يَقولُ(١٢) ونفسُهُ (١) في بعض المصادر أنه ولد سنة ٥٢٩ . (٢) ط : توفي يوم. (٣) ط : ثم . (٤) عن ط وحدها . (٥) ط : ولا أذى . (٦) ط : وقد رثاه الشعراء بأشعار حسنة منها . (٧) الأبيات في الروضتين (٢٤٣/٢). (٨) في الروضتين : منصيها . (٩) أ، ب : أسماؤه ، وما هنا عن الروضتين. (١٠) أ، ب : زانها. وما هنا عن الروضتين. (١١) عن ب وحدها . (١٢) ط : يزول. ٤٦٠ وفيات سنة ٥٩٦هـ وضَمانُ راحتِه على أَتْعابِها في الصَّوْمِ والصَّلَوَاتِ أَتْعَبَ نفسَهُ ثقةً بحُسْنِ مَآَلِها ومآَبِها وتعجَّلَ الإِقلاعَ عن لذّاتِهِ منهُ ودارسٍ علمها وكتابِها فَلْتَفْخَرِ الدُّنْيا بسائِسِ مُلْكِها عمالِها بَذّالِها وهّابِها صَوَّامِهَا قَوّامِها عَلاّمِها والعجب أن القاضي(١) الفاضل مع براعته [وفصاحته التي لا تُدانى، ولا تحاذى، لا يعرف (٢) له قصيدة طويلة [ طنانة بل له (٣) ما بين البيت والبيتين(٤) في أثناء الرسائل (٥) وغيرها شيء كثير جداً، فمن ذلك قوله ٦) : [ من الطويل ] سَبَقْتُمْ بِإِسْدَاءِ الجَمِيلِ تَكَرُّماً وَمَا مِثْلُكُم فيمن تَحَدَّثَ أَوْ حَكَى (٧) ولكنْ بَكَتْ(٨) قَبلي فهَيَّجَ لي البُكا وَقد كانَ ظنّي أَنْ أُساِقِكمْ به [ ومن ذلك قوله (٩) : [ من الطويل ] وَلَي صاحبٌ ما خِفْتُ من جَورِ حادِثٍ إِذا عضَّني صَرْفُ الزَّمانِ فَإِنَّنِي وقوله ١٠) في بُدُوِّ أَمْرِهِ: [ من الوافر ] من الدَّهْرِ إِلَّ كانَ لي من وَرائِهِ براياتِه أَسْطُو عَلَيْهِ ورائِهِ أَرَى الكُتَّابَ كُلَّھمُ جَميعاً بَأرْزَاقٍ تعمُّهمُ سنينا خُلِقْت من الكرامِ الكاتِينا وما لي بَيْنَهُمْ رزقٌ كأني وله في النحلة والزلقطة : [ من الكامل ] ومُغَرّدَيْن تَجَاوَبا في مَجْلِسٍ هذا يَجُودُ بِعَكْسِ مَا يَأْتِي بِ فَتَفَاهُما لأَذاهُما الأَقْوَامُ هذا فيُحْمَدُ ذا وذاكَ يُذامُ (١) ليس في ط . (٢) مكانهما في ط : ليس . (٣) ط : مثيل . (٤) أ : ما بين ثلث وثنتين. (٥) ط : رسائله . البيتان في الروضتين (٢٤٤/٢) . (٦) (٧) أ، ط : يحدث أو يحكي. (٨) ط : بلت . (٩) ط : وله . (١٠) أ : كف .