Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
ذكر تركة السلطان الملك الناصر وشيء من ترجمته
ثم شرعت الأمور [ بعد موت صلاح الدين }(١) تضطرب وتختلف وتتفاقم (٢) في جميع هذه
الأحوال(٣) ، حتى آل الأمر إِلى ما إِليه آل، واستقرت الممالك، واجتمعت المحافل(٤) على أخي السلطان
العادل(٥) ، وصارت المملكة في أولاده [ الأماجد الأفاضل كما سنوضحه (٦) إِن شاء الله تعالى .
[ وفي هذه السنة ]٧) جدد الخليفة الناصر لدين الله(٨) خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد ، ونقل
إِليها ألوفاً من الكتب الحسنة المثمنة .
وجرت ببغداد في المحرم من هذه السنة (٩) كائنة غريبة وهي أن ابنةً لرجلٍ من التجار في الطحين
عشقت (١٠) غلامَ أبيها، فلما علم أبوها بأمرهما طرد الغلامَ من داره، فواعدتْهُ البنتُ ذاتَ ليلةُ (١) فجاء
إليها مختفياً، فتركته في بعض الدار(١٢) ونزل في أثناء الليل [فقتل أباها مولاه (١٣)، وأمرته الجارية
بقتل أمها فقتلها وهي حبلى ، وأعطته الجارية حلياً بقيمة ألفي دينار ، فأصبح أمره عند الشرطة فمُسك
وقُتل ، قبّحه الله وإِياها . وقد كان سيده من خيار الناس وأكثرهم صدقة وبِرَاً وكار١٤) شاباً وضيء
الوجه ، رحمه الله .
وفيها : درَّس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو عبد الله بن أبي علي النُّوقاني (١٥)
وحضر عنده القضاة والأعيان ، وعمل بها دعوة حافلة .
(١) ليس في ب .
(٢) ليس في ط .
(٣) ط : الممالك .
(٤) ط : الكلمة .
ط : على الملك العادل أبي بكر صلاح الدين .
(٥)
مكانهما في ط : كما سيأتي قريباً .
(٦)
(٧) ط : وفيها .
(٨) تقدمت مبايعته بالخلافة في حوادث سنة ٥٧٥ من هذا الجزء ، وسترد وفاته في حوادث سنة ٦٢٢ من هذا الكتاب .
(٩) ط : وفي المحرم منها جرت كائنة .
(١٠) أ، ب : تعشقت الغلام.
(١١) ط : ليلة أن يأتيها فجاء.
(١٢) ط : بأمرها ، ب : طرده.
(١٣) مكانهما في ط : فلما جاء أبوها في أثناء الليل أمرته فنزل فقتله .
(١٤) عن ط وحدها .
(١٥) في أ: ((أبو علي البرقاني)) وفي ط: التويابي، وكله تحريف ، فهذا رجل مشهور وفقيه مذكور ، ستأتي ترجمته في
وفيات سنة ( ٥٩٢ ) من هذا الكتاب لكن تحرفت ترجمته في المطبوع والنسخ تحريفاً قبيحاً ، كما سترى في التعليق
عليه ، وهو فخر الدين أبو عبد الله محمد بن أبي علي بن أبي نصر النوقاني ، ونوقان التي نسب إليها هي إِحدى
مدينتي طوس ، قيدها الزكي المنذري بالحروف ( التكملة ١/ ٢٤١) والمدرسة الجديدة التي يشير إليها المؤلف هي =

٤٢٢
وفيات سنة ٥٨٩هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب(١) ابن شاذي: [وقد تقدم ذلك مبسوطاً ( ٢) .
والأمير بكتمر(٣) صاحب خلاط : قتل في هذه السنة ، وكان من خيار الملوك وأشجعهم وأكرمهم
وأحسنهم سيرة رحمه الله .
الأتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي(٤) : صاحب الموصل نحواً من ثلاث عشرة سنة ، وكان
من خيار الملوك ، وأحسنهم سيرة ، كان يُشبَّهُ(٥) بالملك العادل نور الدين الشهيد عمه رحمه الله ، ودفن
بتربته عند مدرسة أنشأها بالموصل أثابه الله تعالى .
جعفر بن محمد بن فطيرا ، أبو الحسن : أحد الكتَّاب بالعراق، وكأنه (٦) كان ينسب إِلى التشيع ،
وهذا كثير في أهل تلك البلاد [ لا كثَّر الله في المسلمين أمثالهم ولا أشكالهم }(٧)، جاء(٨) رجل ذات
يوم، فقال له: رأيت البارحة أمير المؤمنين عليا٩ً) [ في المنام }١٠) [ وهو يقول لي } (١): اذهب إِلى
ابن فطيرا فقل له يعطيك عشرة دنانير ، فقال ابن فطيرا : متى رأيته ؟ فقال : أول الليل ، فقال ابن فطيرا :
فأنا رأيته آخره ١٢) فقال لي : إِذا جاءك رجل من صفته كذا وكذا فطلب منك شيئاً ، فلا تعطه ، فأدبر الرجل
المدرسة التي أنشأتها الجهة زمرد خاتون والدة الخليفة الناصر لدين الله مجاورة لتربتها ( والتربة باقية إلى يومنا هذا
=
تعرف عند العوام بالست زبيدة ) ، وقد ابتدأ التدريس بها يوم الخميس التاسع والعشرين من شوال من هذه السنة ،
أرخ ذلك جمال الدين ابن الدبيئي ( الورقة ١٨٠) من مجلد باريس ٥٩٢١)، وانظر بعد تعليقنا على ترجمته
( بشار ) .
تقدم ذکر مصادره عند ذکر وفاته .
(١)
(٢)
مكانهما في ط : وقد تقدمت وفاته مبسوطة .
ترجمته في أبي الفداء (٨٨/٣ -٨٩) وتاريخ الإسلام (٨٦٨/١٢) والعبر (٢٦٨/٤) والشذرات (٤/ ٢٩٧).
(٣)
(٤) ترجمته في ابن الأثير (٢٢٨/٩) ووفيات الأعيان (٢٠٣/٥ - ٢٠٩) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب
(ج ٤/ ق٢/ ٣٦١) وأبو الفداء (٨٨/٣) وتاريخ الإسلام (٨٨٧/١٢ - ٨٨٩) والعبر (٢٦٩/٤) ومرآة الجنان
( ٤٣٨/٣) .
(٥) ط : بنسبه .
(٦) ليس في ط .
(٧) مكانهما في ط : لا أكثر الله منهم .
(٨) أ، ب : جاء .
(٩) أ، ب : علي ، وهو خطأ .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) ط : فقال لي .
(١٢) ط : وأنا رأيته آخر الليل.

٤٢٣
وفيات سنة ٥٨٩هـ
مولَّياً ، فاستدعاه ووهبه شيئاً ، ومن شعره فيما أورده ابن الساعي وقد تقدمت (١) لغيره: [ من الطويل ]
وَلَمَّا سَبَرْتُ النَّاسَ أَطْلُبُ منهمُ أَخَا ثِقَةٍ عِندَ اغْتِراضِ الشَّدائدِ
ونَادَيْتُ في الأحياءِ هَلْ مِنْ مُساعدٍ
وفگّزتُ في يومَيْ سُروري وشِدَّتي
وَلَمْ أَرَ فِيما سَرَّنِي غَيْرَ حَاسِدٍ
فَلَمْ أَرَ فيما ساءَني غَيْرَ شَامِتٍ
يحيى بن سعيد، أبو العباس البصري (٢) النصراني(٣) صاحب المقامات (٤).
كان شاعراً أديباً فاضلاً بليغاً ، له اليد الطولى في اللغة والنظم ، ومن شعره قوله: [ من مخلّع البسيط ]
غِناؤُها٥) يَنْسابُ لُطْفاً بلا عَنا في كلِّ أُذْنِ
وَلَا أَتَى زائِراً بإِذْنٍ
ما رَدَّهُ قَطُ بابُ سَمْعٍ
السيدة زبيدة٦) بنت الإمام المقتفي لأمر (٧) الله : أخت المستنجد وعمة المستضيء ، کانت قد عُمِّرت
دهراً طويلاً ، ولها صدقات كثيرة دارّة ، وقد تزوجها في وقتٍ السلطانُ مسعودٌ على صَداق مئة ألف
دينار ، فتوفي قبل أن يدخل بها ، وقد كانت كارهة لذلك ، فحصل مقصودها وطلبتها .
الشيخة الصالحة فاطمة خاتون بنت محمد بن الحسين(٨) العميد: كانت صالحة عابدة زاهدة ، عُمِّرت
مئة سنة وست سنين ، وكان قد تزوجها في وقت أمير الجيوش نظر(٩) وهي بِكْرٌ ، فبقيت عنده إِلى أن
توفي ، ولم تتزوج بعده ، بل اشتغلت بذكر الله عز وجل والعبادة ، رحمها الله .
(١) ط : وقد تقدم ذلك.
(٢) ترجمته في تاريخ ابن العبري (٤١٥ - ٤١٦) واسمه فيه : يحيى بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني ، وفي معجم
الأدباء (٢٠/ ٤٠ - ٤١) واسمه فيه : يحيى بن يحيى بن سعيد المعروف بابن ماري المسيحي ، والشذرات
(٤/ ١٨٥) وفي ط جاء الاسم على النحو التالي: يحيى بن سعيد بن غازي - لعله تصحيف عن ماري - أبو العباس
البصري النجراني .
(٣) ب : النصري ، وهو تصحيف لأنه كان من أهل البصرة ولذا قيل له البصري .
(٤) قال ياقوت : وصنف المقامات الستين أحسن فيها وأجاد .
(٥)
في الأصلين وط : غناء خود وما هنا يتطلبه الوزن .
(٦) ترجمتها في تاريخ الإسلام (١٢ / ٨٧٠).
(٧) أ، ب : بأمر الله ، وهو تصحيف .
(٨) في أ، ط : الحسن العميد . والعميد الذي اشتهر ابنه ابن العميد اسمه الحسين لا الحسن كما في : المحمدون من
الشعراء بتحقيقي (٣٤٢) فلعلّ هذه حفيدته أو حفيدة حفيدته أو أن هذا العميد غير ذاك .
(٩) أ : بطر، ط : مطر، وكلاهما تصحيف وقد تقدمت ترجمته .

٤٢٤
وفيات سنة ٥٨٩هـ
[ وفي هذه السنة](١) أنفذ الخليفة الناصر [ لدين الله ]٢) العباسي إِلى الشيخ أبي الفرج بن الجوزي
يطلب منه أن يزيد على أبيات عدي بن زيد المشهورة ما يناسبها من الأشعار(٣) ولو بلغ ذلك عشر(٤)
مجلدات ، وهي هذه الأبيات(٥): [من الخفيف ]
أَيُّها الشَّامِتُ المُعَيِّرُ بالدَّهْـ
أَمْ لَدَيْكَ العَهْدُ الوَثِيقُ مِنَ الأَيْـ
مَنْ رَأَنْتَ المَنونَ خَلَّدَنُ(٧) أَمْ مَنْ
أَيْنَ كِسْرى كِسرَى المُلُوك أبو سا
وبنو الأصفر ملوك الرّ
وَأَخُو الحَضْرِ إِذْ بَناهُ وَإِذْ
شَادَهُ مَزْمَراً وجَلَّلَهُ حد
لَمْ تَهَبْهُ أَيْدِي المَنونِ فزال(٩) الـ
وَتَذَكر(١٠) رَبَّ الخَوْرَنَقِ إِذْ أَشْـ
سَرَّهُ حالُهُ(١٢) وَكَثْرَةُ مَا يَمْـ
فَأَزْعَوَى قَلْبُهُ وَقَالُ(١٣) وما غِبْـ
ثُمَّ بَعْدَ النَّعِيمُ(١٤) والمُلْكِ والإِمَّ
ــٍ أَأَنْتَ المُبَزَّأُ المَوْفورُ
حَيَّامِ بَل(٦) أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ
ذَا عَلَّيْهِ مِن أَنْ يُضامَ خَفيرُ
سان٨ُ) أم أين قبله سابورُ
وم لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكورُ
دِجْلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ والخابورُ
ـساً فَللطيْرِ في ذُراهُ وُكورُ
مُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجورُ
ـرَفَ يوماً وللهدى تفكير(١١)
-ِكُ والْبَحْرُ مُعْرِضاً والسَّديرُ
ـطَةُ حَيٍّ إِلى المماتِ يَصِيرُ
ـة ١٥) وارَتْهُمُ هناكَ قُبورُ
(١) ط : وفيها .
(٢) ليس في ط .
(٣) ط : الشعر .
(٤) ط : عشرة .
الأبيات في الشعر والشعراء (٦٣ - ٦٤) والأغاني (١٣٨/٢ -١٣٩).
(٥)
(٦)
الشعر والشعراء : أم أنت .
(٧) ط : خلدت ، ولا يستقيم بها الوزن .
(٨) الشعر والشعراء والأغاني: أنوشروان ، اللسان ( كلس ).
(٩) في الأغاني ، والشعر والشعراء: لم يهبه ريب المنون فباد. وجاء البيت في الشعر والشعراء قبل آخر بيت.
(١٠) في الشعر والشعراء : وتبيَّنْ.
(١١) أ، ط : وللهندي تكفير ، ولا يستقيم بها الوزن ولا المعنى.
(١٢) في الأغاني : سره ماله .
(١٣) في الشعر والشعراء والأغاني: فقال.
(١٤) ب ، والأغاني والشعر والشعراء : بعد الفلاح.
(١٥) أ، ط: والملك والنهي والأمر، ولا يستقيم بهما الوزن. والإمّة: النعمة.

٤٢٥
أحداث سنة ٥٩٠هـ
فَأَلْوَتْ بها٣) الصَّبا والدَّبورُ
ثم أُضْحَوْ(١) كَأَنَّهُم وَرَقٌ جَفـ (٢)
غَيْرَ أَنَّ الأَيَّامَ تَلْعَبْنُ(٤) بالمَرْ ءِ وفيها لَعَمْري العِظَاتُ والتَّفْكِيرُ(٥)
ثم دخلت سنة تسعين وخمسمئة
لما استقر الملك الأفضل بن صلاح الدين مكان أبيه بدمشق(٦) ، بعث بهدايا سنية ، فيها [ تحف
شريفة ]٧) ، إلى باب الخليفة الناصر ، من ذلك سلاح أبيه وحصانه الذي كان يحضر عليه الغزوات(٨)
وأشياء كثيرة ، منها صليب الصلبوت الذي استلبه أبوه من الفرنج يوم حِطِّينُ(٩) وفيه من الذهب ما ينيف
على عشرين رطلاً، وهو مرضَّعُ (١) بالجواهر النفيسةُ(١١)، وأربع جواري من بنات ملوك الفرنج، وأنشأ
له العماد الكاتب كتاباً حافلاً يذكر فيه التعزية بأبيه ، والسؤال من الخليفة أن يكون في الملك من بعد(١٢)
فأجيب إِلى ذلك .
ولما كان شهر جمادى الأولى (١٣) قدم العزيز(١٤) صاحب مصر(١٥) إِلى دمشق ليأخذها من أخيه
الأفضل ، فخيَّم على الكسوة يوم السبت سادس جمادى ، وحاصر البلد ، فمانعه أخوه ودافعه عنها ،
فقطعت (١٦) الأنهار ، ونهبت الثمار ، واشتد الحال، ولم يزل الأمر كذلك حتى قدم العادل عمهما فأصلح
(١) في الأغاني : ثم صاروا .
(٢) أ: خفّ، ط : أورقةٌ جفت .
(٣) أوالأغاني : به ، وفي الشعر والشعراء : فيه .
(٤) ط : تختص .
(٥) أ : والتكفير وليس البيت في ب ولا الأغاني ولا الشعر والشعراء.
ب : في ملك دمشق .
(٦)
(٧) عن ب وحدها .
(٨) ب : الغزاة.
(٩) ب : أبوه يوم حطين من الفرنج .
(١٠) ط : مرصعاً .
(١١) ب : الثمينة .
(١٢) ب : ملكه .
(١٣) عن ط وحدها .
(١٤) ليس في ب .
(١٥) ليس في ب .
(١٦) أ، ط : فقطع .

٤٢٦
أحداث سنة ٥٩٠هـ
بينهما١) وردَّ الأمر للألفة بعد البين (٢) على أن يكون للعزيز القدس (٣) وما جاور فلسطين من ناحيته أيضاً ،
وعلى أن يكون جبلة واللاذقية للظاهر صاحب حلب ، وأن يكون لعمهما العادل أقطاعه الأول ببلاد مصر
مضافاً إِلى ما بيده من الشام(٤) والجزيرة كحرّان والرُّها وجَعْبَر وما جاور ذلك(٥) ، فاتفقوا على ذلك ،
وتزوج العزيز بابنة عمه العادل ، ومرض ثم عوفي ، وهو مخيّم بمرج الصُّفر ، وخرجت الملوك لتهنئته
بالعافية والتزويج والصلح ، ثم كر راجعاً إِلى مصر(٦) لطول شوقه إِلى أهله وأولاده ، وكان الأفضل بعد
موت أبيه قد أساء التدبير ، فأبعد أمراء أبيه وخواصه ، وقرَّب الأجانب ، وأقبل على شرب المسكر واللهو
واللعب، واستحوذ عليه وزيره ضياء الدين ابن الأثير الجزري(٧)، وهو الذي كان يحدوه على (٨) ذلك ،
فتلف وأتلفه ، وضل وأضله ، وزالت النِّعمة عنهما كما سيأتي بيانه .
وفي هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين شهاب الدين(٩) ملك غزنة وبين كفّار الهند ، أقبلوا إِليه في ألف
ألف مقاتل ، ومعهم سبعمئة فيل ، منها فيل أبيض لم ير مثله ، فالتقوا فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يُرَ مثله ،
فهزمهم شهاب الدين عند نهر عظيم يقال له : الملأّحون ، وقتل ملكهم واستحوذ على حواصله ،
وحواصل بلاده وغنم فيلتهم ودخل بلد الملك الكبرى ، فحمل من خزانته ذهباً وغيره على ألف وأربعمئة
جمل ، ثم عاد إلى بلده ١) سالماً منصوراً .
وفيها : ملك السلطان خوارزم شاه تكش - ويقال له: ابن الأصباغيُ(١١) - بلاد الرّيّ وغيرها ،
واصطلح مع١٢) السلطان طغرلبك (١٣) السلجوقي وكان [ قد تسلم بلاد الري وسائر ١٤٤) مملكة أخيه
(١) ب : بين الأخوين .
(٢) أ، ط : اليمين .
ب : بيت المقدس .
(٣)
ب : من بلاد الكرك والشوبك وبلاد الجزيرة .
(٤)
(٥)
ب : ذلك النواحي .
ب : إِلى بلاده بعد ما طال شوقه .
(٦)
هو نصر بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري ، ضياء الدين الوزير صاحب المثل السائر . وسترد
(٧)
ترجمته في وفيات سنة ٦٣٧ من هذا السفر .
(٨) ط : إِلى .
(٩) ابن الأثير (٢٢٩/٩ -٢٣١).
(١٠) ط: إِلى بلاده، وليست العبارة في ب وأضاف ناسخها إلى آخر العبارة لفظتي ( إِلى غزنة).
(١١) أ: الاصناعي، ط: الاصباعي. وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٦ من هذا الجزء.
(١٢) بعدها في أ : السلطان خوارزم شاه تكش .
(١٣) له ترجمة في تاريخ دولة آل سلجوق (٢٧٦) وابن الأثير (٩/ ٢٣٠ - ٢٣١) وذيل الروضتين (٦) وأبو الفداء
(٨٩/٣) والعبر (٢٧٢/٤).
(١٤) ليس في ب.

٤٢٧
وفيات سنة ٥٩٠هـ
سلطان شاه وخزائنه ، وعظم شأنه ، ثم التقى هو والسلطان طغرلبك في ربيع الأول من هذه السنة . فقتل
السلطان طغرلبك ، وأرسل رأسه إلى الخليفة ، فنُصب (١) على باب النوبة عدة أيام ، وأرسل الخليفة
الخلع والتقليد إلى السلطان خوارزم شاه ، وملك همذان(٢) وغيرها من البلاد المتَّسعة .
وفيها : نقم الخليفة على الشيخ أبي الفرج بن(٣) الجوزي وغضب (٤) عليه ، ونفاه إِلى واسط فمكث
فيها(٥) خمسة أيام لم يأكل طعامًا(٦) ، وأقام بها خمسة أعوام يخدم نفسه ويستقي (٧) لنفسه الماء ، وكان
شيخاً كبيراً قد بلغ ثمانين (٨) سنة، وكان يتلو في كل يوم وليلة ختمة . قال: ولم أقر(٩) فيها سورة يوسف
لوجدي على ولدي يوسف، إلى أن فرَّج الله عنه كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى(١٠) .
وفيها توفي من الأعيان (١١) :
أحمد بن إسماعيل بن يوسف أبو الخير القزويني الشافعي المفتّر(١٢):
قدم بغداد ووعظ بالنظامية ، وكان يذهب إِلى قول الأشعري في الأصول ، وجلس في يوم عاشوراء ،
فقيل له: العن يزيد بن معاوية، فقال : ذاك إِمام مجتهد، فرماه الناس بالآجر فاختفى ثم هرب إِلى قزوين.
الشاطبي(١٣) ناظم الشاطبية(١٤) أبو القاسم بن فِيرّة(١٥) بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرُّعَيْني الشاطبي
(١) ب : فنصب رأسه، ط : فعلّق .
(٢) ط : همدان ، بالدال المهملة وهو تصحيف .
(٣) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٧ من هذا الجزء .
(٤) ب : وتغضب .
(٥) ط : بها ، وليست اللفظة في ب .
(٦) ب : يستطعم بطعام .
(٧) بعدها في ب : من بئر عميقة.
(٨) عاماً .
(٩) عن ب وحدها .
(١٠) ليس في ط .
(١١) ب : وممن توفي فيها من الأعيان.
(١٢) ترجمته في التكملة للمنذري (١/ ٢٠٠ - ٣٠٢) وذيل الروضتين (٩) ووفيات الأعيان (٣١٧/٥ -٣١٨) وتاريخ
الإسلام (١٢/ ٩٠٣ - ٩٠٤) والعبر (٢٧١/٤ -٢٧٢) ومرآة الجنان (٤٦٦/٣ - ٤٦٧).
(١٣) ترجمته في معجم الأدباء (٢٩٣/١٦) والتكملة للمنذري (١/ ٢٠٧) وذيل الروضتين (٧) ووفيات الأعيان
(٧١/٤ - ٧٣) والعبر (٢٧٤/٤) ونكت الهميان (٢٢٨) ومرآة الجنان (٤٦٧/٣ - ٤٦٨) وقال الذهبي بعد أن
سماه القاسم: (( من جعل كنيته أبا القاسم لم يجعل له اسماً سواها ، وكذلك فعل أبو القاسم السخاوي ، والأصح
أن اسمه القاسم وكنيته أبو محمد، كذا سماه جماعة كثيرة)) تاريخ الإسلام (٩١٣/١٢) (بشار).
(١٤) ط : ابن الشاطبي.
(١٥) ط : قسيرة، وهو تصحيف، وقد ضبط الاسم في العبر: فِيرُّه ، ومعناه الحديد .

٤٢٨
أحداث سنة ٥٩١هـ
الضرير: مصنف الشاطبية(١) في القراءات السبع، ولم(٢) يُسبق إِليها ولا يُلحق فيها ، وفيها من الرموز
كنوز لا يهتدي إِليها إِلا كلُّ ناقد بصير ، هذا مع أنه ضرير ، ولد سنة ثمان وثلاثين وخمسمئة ، وبلده
شاطبية - قرية (٣) شرقي الأندلس - كان فقيراً، وقد أُريد على أن يلي خطابة بلده فامتنع [ من ذلك لأجل
مبالغة الخطباء على المنابر ]٤) في وصف الملوك ، خرج الشاطبي إلى الحج فقدم إِسكندرية(6) سنة ثنتين
وسبعين وخمسمئة ، وسمع على السِّلفي الحافظ ، وولّه القاضي الفاضل مشيخة الإقراء بمدرسته ، وزار
القدس الشريف وصام به شهر رمضان ، ثم رجع إلى القاهرة ، فكانت وفاته بها في جمادى الآخرة من هذه
السنة ، ودفن بالقرافة بالقرب من التربة الفاضلية ، وكان ديّناً خاشعاً ناسكاً كثير الوقار ، لا يتكلم فيما
لا يعنيه ، وكان يتمثل كثيراً بهذه الأبيات ، وهي لغز في النعش ، وهي لغيره : [ من الطويل ]
أَتَعْرِفُ شَيْئاً فِي السَّماءِ يَطيرُ إِذا سَارَ هاج(٦) الناسُ حَيْثُ يَسِيرُ
وَكُلُّ أميرٍ يَعْتَلِيهِ أَسيرُ
فَتَلْقَاهُ مَرْكُوباً وَتَلْقَاهُ راكباً
وَتَنْفِرُ مِنْهُ النَّفْسُ وَهْوَ نَذِيرُ
يَحُثُّ عَلَى التَّقْوَى ويُكْرَهُ قُرْبُهُ
وَلَكِنْ عَلَى رَغْمِ المَزُورِ يَزُورُ
وَلَمْ يُسْتَزَرْ عَنْ رَغْبَةٍ في زيارةٍ
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمئة
[ فيها كانت ]٧) وقعة الزلَّاقَة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة ، بمرج الحديد ، كانت وقعة عظيمة ،
نصر الله فيها الإسلام، وخذل فيها عبدة الصلبان . وذلك أن ألْفُنْش(٨) ملك الفرنج ببلاد الأندلس ،
ومقر(٩) ملكه بمدينة طليطلة، كتب إِلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمنُ(١٠) ملك الغرب يستنخيه
(١) اسمها : حرز الأماني، وله قصيدة أخرى دالية ضمنها كتاب التمهيد لابن عبد البر ، وأيضاً وفيات الأعيان.
(٢) ط : فلم .
(٣) ب : بلدة .
(٤) مكانهما في ب : لما يبالغ .
(٥)
ط : الإسكندرية .
(٦) ب : صاح .
ليس في ب . وفي نسخة : وقعة مرج الحديد .
(٧)
(٨) في الأصول: القيش وهو: الفيش في الشذرات (٣٠٦/٤) وما هنا عن العبر (٢٧٥/٤) وتاريخ ابن العبري
(٣٩٠) وابن الأثير (٣٣٢/٩) وهو الأقرب إلى الصواب، وأصحّ منه ما ورد في ذيل الروضتين ( ٧): ألفنس؛
لأن اسمه باللغات الأوربية (Alphonse) .
(٩) ب : ومقره .
(١٠) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٥ من هذا الجزء.

٤٢٩
أحداث سنة ٥٩١هـ
ويستدعيه(١) ، ويستحثُّه إِليه ، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه وفي قتاله (٢) ، في كلام طويل فيه
تأنيب وتهديد ، ووعيد شديد ، فكتب السلطان يعقوب [ أمير المسلمين ]٣) في رأس (٤) كتابه فوق
خطه: ﴿أُرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَتَأْنِيَنَّهُم بِحُنُودٍ لَّ قِبَلَ لَهُ بِهَا وَلَنُخْرِحَّهُ مِنْهَا أَزِلَّةً وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [ النمل: ٣٧] .
ثم نهض من فوره في جنوده وعساكره ، حتى قطع الزقاق(٥) إِلى الأندلس ، فالتقوا في المحل
المذكور(٦) ، فكانت الدائرة أولًا على المسلمين، فقتل منهم عشرون ألفاً، ثم كانت آخر(٧) على
الكافرين ، فهزمهم الله وكسرهم وخذلهم أقبح كسرة وشر هزيمة وأشنعها ، فقتل منهم مئة الف وثلاثة
وأربعون ألفاً ، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفاً .
وغنم المسلمون منهم شيئاً كثيراً ، من ذلك مئة ألف خيمة وثلاثة وأربعون ألف (٨) خيمة ، ومن الخيل
ستة وأربعون ألف فرس ، ومن البغال مئة ألف بغل ، ومن الحمر مثلها ، ومن السلاح التام سبعون ألفاً ،
ومن العدد شيء كثير ، وملك عليهم من حصونهم شيئا٩ً) كثيراً ، وحاصر مدينتهم طليطلة مدة ، ثم لم
يفتحها فانفصل عنها راجعاً إلى بلاده .
ولما حصل(١٠) للفنش ما حصل حلق رأسه ولحيته (١١)، ونكس صليبه ، وركب حماراً ، وحلف
لا يركب فرساً ، ولا يتلذَّذ بطعام١٢) ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية ، ثم طاف على ملوك الفرنج
فجمع١٣ُ) من الجنود ما لا يعلمه إلا الله عز وجل .
فاستعدّ له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتل(١٤) قتالاً عظيماً لم يسمع بمثله ، فانهزم الفرنج أقبح من
(١) ب : يستهجنه ويستحثه ويستدعيه.
(٢) ب : لقتاله .
(٣) مكانهما في ط : بن يوسف.
ب : على رأس الكتاب .
(٤)
الزقاق : مجاز البحر بين طنجة والأندلس ( معجم البلدان ) ويعرف الآن بمضيق جبل طارق .
(٥)
(٦)
ب : المقدم ذكره .
(٧)
ط : أخيراً .
(٨) ليس في ط . وفي ب : ألفاً.
(٩) أ : شيء كثير .
(١٠) ب : ولما هزم الفيش حلق.
(١١) ط : حلق لحيته ورأسه .
(١٢) ب : ويتلذذ بمطعم حتى ينصره.
(١٣) ب : وجمع .
(١٤) ب : والتقيا واقتتلا .

٤٣٠
أحداث سنة ٥٩١هـ
هزيمتهم الأولى ، وغنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر(١)، واستحوذ السلطان على كثير من معاقلهم(٢)
وقلاعهم ، ولله الحمد والمنة. حتى قيل: إِنه بيع(٣) الأسير بدرهم ، والحصان بخمسة دراهم ، والخيمة
بدرهم ، والسيف بدون ذلك ، ثم قسم السلطان(٤) هذه الغنائم على الوجه الشرعي ، فاستغنى
المجاهدون إلى الأبد .
ثم طلبت الفرنج [ من السلطان }(٥) الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين ، وإِنما حمله على
ذلك أن رجلاً يقال له: علي بن إِسحاق الميورقي(٦) [ الذي يقال له ]٧) الملثّم(٨)، ظهر ببلاد إِفريقية،
فأحدث أموراً فظيعة في غيبة السلطان واشتغاله بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين ، فأحدث هذا المارق
الميورقي بالبادية حوادث ، وعاث في الأرض فساداً ، وقتل خلقاً كثيراً ، وتملك بلاداً .
وفي هذه السنة والتي قبلها استحوذ جيش الخليفة [ على كثير من }٩) بلاد الزّي وأصبهان وهمذالُ(١٠)
وخوزستان وغيرها من البلاد ، وقوي جانب الخلافة (١١) على الملوك والممالك(١٢)
وفيها : خرج العزيز من مصر قاصداً دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل ، وكان الأفضل قد تاب
وأناب وأقلع عما كان فيه من الشراب واللهو واللعب، وأقبل على الصيام والصلاة (١٣) ، وشرع بكتابة
مصحف بيده وحسنت طريقته ، غير أن وزيره الضياء(١٤) الجزري يفسد عليه دولته ويكدِّر عليه صفوته ،
فلما بلغ الأفضل إقبال أخیه نحوه سار سریعاً إلى عمه العادل وهو بجعبر فاستنجده ، فسار معه وسبقه إِلى
(١) بدل اللفظة في ب : ذكره .
(٢) ط : معاملهم .
(٣) أ ، ب : أبيع .
(٤) ب : وقسم الملك يعقوب .
(٥) ب : منه .
(٦) منسوب إلى ميورقة الجزيرة المشهورة التي استولى عليها بنو غانية . ووقعت هذه النسبة محرفة في الأصول والمطبوع
من الكتاب ، وعلي بن إسحاق هذا من بني غانية ، تولى بعد أبيه إِسحاق بن محمد بن علي بن غانية سنة ٥٧٩ ينظر
المعجب (٣٤٥) وسير أعلام النبلاء (٢١/ ٧٤) (بشار).
(٧) ليس في ب .
(٨) أ: التوزني المكلثم، ب: التوزني المليم. وفي ابن الأثير (٩/ ٢٣٣): الملثم الميورقي.
(٩) ليس في ط .
(١٠) ط : همدان ، تصحيف .
(١١) ب : الخليفة .
(١٢) بعدها في ب : اللاتي هنالك.
(١٣) ب : وكثرة الصلاة.
(١٤) أ : ضياء .

٤٣١
وفيات سنة ٥٩١هـ
دمشق . وراح الأفضل أيضاً إلى أخيه الظاهر بحلب ، فسارا جميعاً نحو دمشق ، فلما سمع الوزير بذلك ،
وقد اقترب من دمشق ، كر(١) راجعاً سريعا٢ً) إِلى مصر ، وركب وراءه العادل والأفضل ليأخذا منه
مصر (٣) ، وقد اتفقا على أن يكون ثلث ملك مصر للعادل ، وثلثاها للأفضل ، ثم بدا للعادل في ذلك
فأرسل للعزيز يثبته ، وأقبل على الأفضل يثبّطه ، وأقاما على بلبيس أياماً حتى خرج إِليهما القاضي الفاضل
من جهة العزيز ، فوقع الصلح بينهم(٤) على أن يرجع القدس ومعاملتها للأفضل ، ويستقر العادل مقيماً
بمصر على إِقطاعه القديم(٥)، فأقام العادل بها طمعاً فيها، ورجع الأفضل (٦) إِلى دمشق(٧) بعد ما خرج
العزيز لتوديعه ، وهي هدنة على أقذاء(٨) ، وصلح على دخن .
وفيها توفي من الأعيان(٩) :
علي بن حسان بن مسافر(١٠)، أبو الحسن الكاتب البغدادي(١١): كان أديباً شاعراً، فمن (١٢) شعره
قوله : [ من مجزوء الرجز ]
نَفَى رُقادي ومَضَى بَرْقٌ بِسَلْعِ وَمَضا
(١) فعاد كر .
(٢) ب : مسرعاً .
(٣) ب : ديار مصر .
(٤) عن ب وحدها .
(٥) أ : القديمة .
(٦) ط : العادل.
(٧) ب : بلاده.
(٨) ب: قذا، وفي مجمع الأمثال (١٦١/١): جماعة على أقذاء. و(٣٨٢/٢): هونة على دهن، والمثلان
يضربان لمن يضمر أذى ويظهر صفاء .
(٩) ب : المشاهير .
(١٠) ط : مسافر .
(١١) ترجم له ابن النجار في ذيله لتاريخ بغداد (٢٤٨/٣) وقال: مولده سنة أربع وأربعين وخمسمئة. وتوفي يوم الثلاثاء
ثامن عشر جمادى الآخرة سنة إِحدى وتسعين وخمسمئة ، ودفن في هذا اليوم في مقابر قريش بالجانب الغربي .
وأنشد له قصيدتين : الأولى في خمسة عشر بيتاً ومطلعها :
وعقد النجوم منفصم
زار وثغر مبتسم فخرا
والثانية في سبعة عشر بيتاً مطلعها :
لما استسرت بدورهم وسروا
خيم في جفن عيني السهر
وله ترجمة في تاريخ الإسلام للذهبي ( ١٢ /٩٦٤).
(١٢) ط : من .

٤٣٢
أحداث سنة ٥٩٢هـ
لاح كما سَلَّتْ(١) يدُ الـ ــأسْوَدِ عَضْباً أَبْيَضا
كَأَنَّهُ الأَشْهَبُ في النَّ
يَبْدو كما يختلف(٢) الرّ
فَتَحْسَبُ الزَّنْجِيِّ(٣) أَبـ
أَوْ شُعْلَةَ النّار علا
آهٍ لَهُ مِنْ بــارقٍ
أَذْكَرني عهداً مَضَى
فقال لي قَلْبِي أَنُو
يطلبُ(٥) مَنْ أَمْرَضَهُ
يا غرضَ القَلْبِ لَقَدْ
لِأَسْهُم كَأَنَّما
فَبِتُّ لا أرتابُ في
حتَّى قَفا الليلُ(٧) وكا
وأقبلَ الصُّبْحُ لأطْـ
وَسَلَّ في الشَّرقِ على الـ
كالبارٍ ١٠) هَبَّ سحَراً
ـقْعِ إِذا ما رَكضا
يح على جَمْرِ الغَضَا
ـدَا نَظراً أو غَمَّضا
لَهِيبُها وانخفضا
ضَاءَ على ذاتِ الأضا
على الغوير وانْقَضَى
صي(٤) حاجَةً وَأَعْرَضا
فَديت ذاك المُمْرِضا
غَادَرْتَ قَلْبي غَرَضا
يُرْسِلُها٦) صَرْفُ القَضَا
أَنَّ رُقادي قَدْ قَضَى
دَ اللَّيلُ أنْ يَنْقَرِضا
ـرافِ الدُّجا مُبَيَّضا
-غربِ ضياء(٨) وانتضى(٩)
مِنْ نَوْمِه فانْتَفَضَا
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وخمسمئة
في رجب منها أقبل العزيز من مصر صحبة عمه العادل في العساكر ، فدخل(١١) دمشق قهراً وأخرجا
(١) أ : شلت .
(٢) أ : يختلف .
(٣) ط : الريح ، ولا يستقيم بها الوزن .
(٤) ب : أترضى .
(٥) أ : تطلب .
أ ، ب : ترسلها .
(٦)
(٧) ب : حتى صفى النجم .
(٨) ب : ظباه .
(٩) ط : وانقضى .
(١٠) البيت عن ب وحدها .
(١١) ط : في عساكر ودخلا .

٤٣٣
وفيات سنة ٥٩٢هـ
منها الأفضل ووزيره الذي أساء تدبيره ، وصلى العزيز عند تربة والده صلاح الدين (١) وخُطب له بدمشق
[ وقد دخل في هذا اليوم إِلى ]٢) القلعة المنصورة في يومه (٣) وجلس في دار العدل للحُكم والفصل ،
وكل (٤) هذا وأخوه الأفضل حاضر عنده في الخدمة ، وأمر القاضي محيي الدين بن الزكي(٥) بتأسيس
المدرسة (٦) العزيزية(٧) إِلى جانب تربة أبيه وكانت دار(٨) للأمير عز الدين سامة(٩) ، ثم استناب على دمشق
عمه الملك العادل ورجع إلى مصر( ١٠) يوم الإثنين تاسع شوال ، والسكة والخطبة بدمشق له ، وصولح
الأفضل على صرخد ، وهرب وزيره ابن الأثير الجزري إِلى جزيرته ، وقد أتلف نفسه ومَلكه ومُلكه
بجريرته (١١) ، وانتقل الأفضل إِلى صرخد بأهله وأولاده ، وأخيه قطب الدين .
وفي هذه السنة هبت ريح شديد(١٢) سوداء مدلهمَّة بأرض العراق ومعها رمل أحمر ، حتى احتاج
الناس إِلى السُّرُج١٣ُ) بالنهار .
وفيها : ولي قوام الدين أبو طالب يحيى بن سعد بن زباد(١٤) كتابةً(١٥) الإنشاء ببغداد ، وكان فاضلاً
ولكن لا كالفاضل (١٦) .
(١) ب : الملك الناصر ، وفي ط : صلاح.
(٢) ط : ودخل .
(٣) ط : يوم ، وليست اللفظة في ب .
ب : فكل .
(٤)
سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٨ من هذا الجزء .
(٥)
منادمة الأطلال ( ١٨٣ ).
(٦)
(٧) ليس في ب .
(٨) ليس في ب .
(٩) سماه ابن الأثير أسامة، وقال: الأمير عز الدين أسامة هو أحد أمراء العادل ، كان له إقطاع كثيرة في الأردن
والشام . دعاه الأفضل في سنة ٥٩٧ إلى نفسه لمساعدته ضد عمه العادل فأجابه وحلف له لينكشف له أمره فلما فارقه
أرسل للعادل وهو بمصر يخبره بما حدث فأرسل العادل جيشاً إِلى صرخد ثم إلى دمشق ، ثم تصالح العادل مع بني
أخيه، ومن ثم جرى من الأمير عز الدين ما دعا العادل للقبض عليه في سنة ٦٠٩. ابن الأثير (٢٥١/٩ - ٢٥٢
و٣٠٧). قال بشار: والصواب: ((سامة)) بالسين المهملة، كما في الروضتين (١٠) وتاريخ الإسلام (٩٣٢/١٢).
(١٠) وانشمر إلى الديار المصرية.
(١١) أ، ب : بجزيرته .
(١٢) عن ط وحدها .
(١٣) ب: إِلى إِشعال الأضواء.
(١٤) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٤ من هذا الجزء . قال بشار : ووقع في ط والعديد من المصادر المطبوعة :
((زيادة)) بالياء آخر الحروف، وهو بالباء الموحدة ، قيدته كتب المشتبه ومنها مشتبه الذهبي ٣٤٣ . وقيده المنذري
في التكملة (٣١٥/١) فقال: ((وزيادة بفتح الزاي وبعدها باء موحدة مفتوحة وبعد الألف دال مهملة وتاء تأنيث)).
(١٥) ط : كتاب .
(١٦) أ، ط : وكان بليغاً وليس هو كالفاضل.

٤٣٤
وفيات سنة ٥٩٢هـ
وفيها : درَّس مجير الدين (١) أبو القاسم محمود بن المبارك البغدادي(٢) بالنظامية، وكان فاضلاً بارعاً
مناظراً ، وفي هذه السنة توفي رحمه الله .
وفيها : قتل رئيس الشافعية بأصبهان صدر الدين محمود(٣) بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت
الخجندي(٤) قتله فلك(٥) الدين سنقر الطويل ، وكان ذلك سبب زوال ملك أصبهان عن الديوان .
[ مؤيد الدولة أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب ]٦) : وفيها : مات الوزير وزير الخلافة مؤيد
الدين أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب .
وكان أبوه يبيع اللحم في بعض (٧) أسواق بغداد ، فتقدم ابنه وساد أهل زمانه . توفي(٨) بهمذان ، وقد
أعاد رساتيق كثيرة من بلاد العراق وخراسان وغيرها٩) إِلى ديوان الخلافة ، وكان ناهضاً ذا همة عالية وله
صرامة وشعر جيد .
[ محمد بن أبي علي النوقاني الشافعي }١٠)
(١) ذكر أبو شامة أن مجير الدين هذا توفي في هذه السنة أي سنة ٥٩٢ ، وأن اسمه محمود بن المبارك بن علي بن
المبارك، أبو القاسم . ولد سنة ٥١٧ ، وتفقه على مذهب ابن حنبل ، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ، وأعطي
تدريس النظامية ، وخرج إلى همذان فتوفي بها في ذي القعدة . قال بشار : وله ترجمة في تكملة المنذري
(٢٦٧/١) وذكرنا له هناك جملة من مصادر ترجمته .
(٢) ليس في ط .
(٣) هكذا سماه ابن الأثير ونقله المؤلف فيه، والصواب في اسمه: ((محمد)) ، فقد ترجمه ابن الدبيثي في المحمدين
من تاريخه ( الورقة ٧٧ شهيد علي باشا )، وكذا ذكره المنذري في التكملة (١/ ٢٥٢)، والذهبي في كتبه ،
ومنها : تاريخ الإسلام (٩٨٤/١٢) (بشار).
(٤) ترجمته عند ابن الأثير (٢٣٦/٩) وذيل الروضتين (١٠) وأبو الفداء (٩١/٣ - ٩٢).
(٥) أ، ط: ملك الدين، ابن الأثير (٢٣٦/٩).
(٦) ترجمته عند ابن الأثير (٢٣٧/٩) والمختصر المحتاج إليه (٩٦) ومرآة الزمان (٨/ ٤٥٠) وذيل الروضتين (٩)
وتاريخ الإسلام (٩٨٦/١٢) والعبر (٧٩/٤ - ٨٠).
(٧) ب : ببعض .
(٨) ب : وكانت وفاته .
(٩) مكانها في ب : وخوزستان .
(١٠) تحرفت هذه الترجمة في ط والنسخ تحريفاً قبيحاً، في الاسم واسم الأب والنسبة ، فسمي ((محمود )) وهو
((محمد))، وقيل: ((بن علي)) وهو ((ابن أبي علي)) وقيل في نسبته: (( التوقاني))، والصواب ما ذكرنا ، وقد
ذكره ابن الأثير في الكامل على الصواب لكن محققه المستشرق فضَّل القراءة الخاطئة ، كما يظهر من إِشارته ، ثم
انتقل ذلك إلى الطبعات العربية ( تنظر طبعة صادر التي حوفظ فيها على تعليقات المحقق المستشرق ١٢/ ١٢٤) .
وترجمه ابن الدبيثي في تاريخه الذي ذيّل به على ذيل ابن السمعاني ( الورقة ١٨٠ من مجلد باريس ٥٩٢١)،
والمنذري في التكملة (١/ الترجمة ٣٠٩) وذكر أن مولده بنوقان سنة ست عشرة وخمس مئة ، وقيد نسبته بالحروف =

٤٣٥
وفيات سنة ٥٩٢هـ
وفيها : توفي الفخر محمد بن أبي علي النوقاني الشافعي ، عائداً من الحج ، رحمه الله .
والشاعر أبو الغنائم محمد بن علي بن المعلم الهَرْئي(١):
وهُزْث : من قرى (٢) واسط عن إِحدى وتسعين سنة ، وكان شاعراً فصيحاً بليغاً ماهراً ، وكان ابن
الجوزي في مجالسه يستشهد بشيء من لطائف أشعاره [ ومستجاد ابتكاره (٣) ، وقد أورد ابن الساعي
قطعة(٤) جيدة من شعره الحسن المليح .
[ علي بن سعيد بن الحسن البغدادي ]°) :
وفيها : توفي الفقيه أبو الحسن علي بن سعيد بن الحسن البغدادي المعروف بابن العريف ، ويلقب
بالبيع الفاسد ، كان حنبلياً ثم اشتغل شافعياً على أبي القاسم بن فضلان(٦) ، وهو الذي لقَّبه بذلك لكثرة
تكراره على هذه المسألة بين الشافعية والحنفية ، ويقال : إِنه صار بعد هذا كله إِلى مذهب الإمامية ،
فالله(٧) أعلم .
[ الشيخ أبو شجاع (٨) محمد بن علي بن شعيب(٩) بن الدهان الفرضي الحاسب }(١):
زيادة في الضبط . أما ما جاء في ذيل الروضتين من أنه ولد سنة ( ٥١٠ ) فالظاهر أن لفظة ( ست ) قد سقطت من
=
المطبوع . وترجمه جمال الدين ابن الصابوني في تكملته (٣٥١ - ٣٥٢) وزعم أنه درس بالنظامية ، ولا يصح
ذلك . كما ترجمه ابن الفوطي في الملقبين بفخر الدين من تلخيص مجمع الآداب (٤/ الترجمة ٢٣٨٩) ونقل
ترجمته من تاريخ القاضي تاج الدين التكريتي وترجمه الذهبي في كتبه ، ومنها : تاريخ الإسلام (١٢ /٩٨٨ -٩٨٩)
وسير أعلام النبلاء (٢٤٨/٢١) وغيرهما ، ولمزيد مصادر يراجع تعليقنا على سير أعلام النبلاء ( بشار).
(١) ترجمته في معجم البلدان ( الهُزْتُ) وعند ابن الأثير (٩/ ٣٢٧) والمختصر المحتاج إليه (٩٥) ومرآة الزمان
(٨/ ٤٥١) وذيل الروضتين (٩) ووفيات الأعيان (٥/٥ - ٩) والعبر (٢٧٩/٤) والوافي (١٦٥/٤) ومرآة
الجنان ( ٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥ ).
(٢) فى معجم البلدان : الهُرْتُ : قرية على نهر جعفر من أعمال واسط .
(٤) ب : قطعة صالحة من أشعاره الحسنة المليحة.
(٣)
عن ب وحدها .
(٥) هو يحيى بن علي بن الفضل بن بركة بن فضلان ، سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٥ من هذا الجزء .
(٦) ترجمته في تاريخ ابن الدبيئي (الورقة ١٤١ من مجلد كيمبرج)، وتاريخ الإسلام (٩٨١/١٢) (بشار).
(٧) أ : والله .
(٨) في أ : أبو إِسحاق . خطأ .
(٩) في (ط): ((مغيث))، خطأ، وما أثبتناه من مصادر ترجمته كافة ( بشار).
(١٠) ترجمته في تاريخ ابن الدبيئي (١٣٤/٢ - ١٣٥)، وإِنباه الرواة (٩٣/٣)، وتكملة المنذري (٢١٤/١) وذيل
الروضتين (٩) ووفيات الأعيان (١٢/٥ - ١٣) وتلخيص مجمع الآداب (٤ / الترجمة ٢٣٨٦) وتاريخ الإسلام
(٩١٨/١٢ - ٩١٩) والعبر (٢٣٤/٤ - ٢٣٥) والوافي بالوفيات (١٦٤/٤ - ١٦٥) وبغية الوعاة (١٨٠/١ -
١٨١) وشذرات الذهب (٣٠٤/٤) وغيرها ( بشار).

٤٣٦
أحداث سنة ٥٩٣هـ
وفيها : توفي الشيخ أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي الحاسب المؤرخ
البغدادي .
قدم دمشق وامتدح الشيخ (١) الكندي أبا٢) اليمن زيد بن الحسن فقال(٣): [من البسيط ]
نِعَماً يُقَصِّرُ عَنْ إِذْرَاكِها الأَمَلُ
يا زَيْدُ زادَكَ رَبِّي مِنْ مَواهِبِهِ
ما دَارَ بَيْنَ النُّحَاةِ الحالُ والبَدَلُ
لَا بَدَّلَ اللهُ حالًا قَدْ حَبَاكَ بها
أَلَيْسَ بِاسْمِكَ فِيهِ يُضْرَبُ المَثَلُ(٤)
النَّحْوُ أَنْتَ أَحَقُّ العَالمِينَ بهِ
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمئة
فيها : ورد كتاب من القاضي الفاضل إِلى [ القاضي محيي الدين ]°) بن الزكي يخبره فيه :
أن في ليلة الجمعة التاسع من جمادى الآخرة أتى عارض فيه ظلمات متكاثفة ، وبروق خاطفة ،
ورياح عاصفة ، فقوي الجو(٦) بها، واشتد هبوبها ، فتدافعت(٧) لها أعنَّة مطلقات ، وارتفعت لها
صعقات(٨)، فرجفت لها الجدران واصطفقت، وتلاقت على بُعدها واعتنقت ، وثار بين السماء والأرض
[عجاج، فقيل: لعل هذه ]٩) على هذه قد انطبقت، ولا تحسب(١٠) إِلا أن جهنم قد سال منها واد ،
وعدً(١) منها عاد، وزاد عصف الريح إِلى أن أَطفأتْ سُرُجَ النُّجوم، ومزَّقت أديم السماء ، ومحت ما
فوقه من الرقوم، فكنا كما قال تعالى: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَنِعَهُمْ فِىّ ءَاذَانِهِم مِنَ الصَّوْرِقِ﴾ [ البقرة: ١٩] قلنا: ويردّون
أيديهم على أعينهم من البوارق ، لا عاصم لخطف الأبصار ، ولا ملجأ من الخطب إِلا معاقل الاستغفار ،
وفرَّ الناس نساءً ورجالً وأطفالاً، ونفروا من دورهم خفافاً وثقالاً، لا يستطيعون حيلة ، ولا يهتدون
(١) عن ب وحدها .
(٢) أ، ب، ط : أبو . وهو خطأ.
البيتان الثاني والثالث في ذيل الروضتين .
(٣)
ذكر وفاته في هذه السنة فيه نظر ، فقد ذكر القفطي وابن خلكان ، والذهبي وغيرهم وفاته في صفر من سنة ( ٥٩٠ )
(٤)
( بشار ) .
عن ب وحدها .
(٥)
ب : الهوى .
(٦)
(٧) أ، ط: قد أثبت، وهو تصحيف. الروضتين (٢٣٢/٢).
(٨) ط : صفقات.
(٩) أ، ط : عجاجاً حتى قيل إِن هذه .
(١٠) ط : ولا يحسب .
(١١) أ: أوعدا منها غار .

٤٣٧
أحداث سنة ٥٩٣هـ
سبيلاً ، فاعتصموا بالمساجد الجامعة ، وأذعنوا للنازلة بأعناق خاضعة ، بوجوه عانية ، ونفوس عن الأهل
والمال سالية (١) ، ينظرون من طرف خفي ، ويتوقَّعون أي خطب جلي ، قد انقطعت من الحياة
علقهمُ(٢)، وعميت عن النجاة طرقهم، ووقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، وقاموا إِلى(٣) صلاتهم ،
ووذُوا لو كانوا٤) من الذين هم(٥) عليه دائمون، إِلى أن أذن الله بالرُّكود، وأسعف الهاجدين(٦)
بالهجود، فأصبح كلٌّ يسلِّمُ(٧) على (٨) رفيقه ويهنيه بسلامة طريقه، ويرى أنه قد بُعث بعد النفخة ، وأفاق
بعد الصيحة والصرخة ، وأن الله قد رد له الكرة، وأحياه بعد أن كاد يأخذه على غِرة(٩) ، ووردت الأخبار
بأنها قد١٠) كسرت المراكب في البحار ، والأشجار في القفار، وأتلفت خلقاً كثيراً من السفَّار ،
ومنهمُ(١) من فرّ فلمُ(١٢) ينفعه الفرار .
إلى أن قال : ولا يحسب المجلس أني أرسلت القلم مُحَرَّفاً، والعلم مُجَوَّفاً ، فالأمر أعظم ، ولكن
الله سلَّم ، ونرجو أن الله قد أيقظنا بما به وعظنا ، ونبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده من (١٣) رأى القيامة
عياناً، ولم يلتمس عليها من بعد(١٤) ذلك برهاناً ، إِلا أهل بلدنا ، فما قص الأولون مثلها في المثلات ،
ولا سبقت لها سابقة في المعضلات ، والحمد لله الذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها ، ولا يُخْبَر عنَّا ،
ونسأل الله أن يصرف عنا عارض الحرص والغرور ، ولا يجعلنا من أهل الهلاك والثبور .
وفيها١٥) : كتب القاضي الفاضل من مصر(١٦) إِلى الملك العادل بدمشق يحثُّه على قتال الفرنج ،
(١) ب : عن المال والأهل.
(٢) أ : عقلهم وعمت .
(٣) ط : على .
ب : كانوا عليها .
(٤)
(٥)
ليس في ط .
(٦) أ : المهاجرين ، ط : الهاجدون.
(٧) ط : مسلم .
(٨) ليس في أ.
(٩) ب : على الغرة .
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) ليس في ب.
(١٢) ط : ( فلا ) .
(١٣) أ، ط: إِلَّ من، الروضتين (٢٣٢/٢).
(١٤) ب : من بعده .
(١٥) ب : أراعنا وقد كتب.
(١٦) ب : من الديار المصرية .

٤٣٨
أحداث سنة ٥٩٣هـ
ويشكره على ما هو بصدده من محاربتهم ، وحفظ حوزة الإسلام ، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب
إِليه :
هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار ، وهذه النفقات التي تجري على أيديكم مهور الحور في
دار القرار ، وما أسعد من أودع يد الله ما في يديه ، فتلك نعم الله عليه ، وتوفيقه الذي ما كل من طلبه
وصل إليه ، وسواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف فما أسعد تلك
الوقَفات(١)، وما أعود بالطمأنينة تلك الرَّجَفات(٢).
وكتب إليه(٣) أيضاً:
أدام الله ذلك الاسم تاجاً على مفارق المنابر والطُّروس ، وحياة للدنيا وما فيها من الأجساد
والنفوس ، وعرف المملوك ما عرفه من الأمر الذي اقتضته المشاهدة ، وجرت به العاقبة في بيروت(٤) ،
ولا مزيد على تشبيه (٥) الحال بقوله : [ من الطويل ]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ المَرْءَ تَذْوَى (٦) يَمِينُهُ فَيَقْطَعِها عَمْداً لِيَسْلَمَ سائِرُهْ
ولو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إِليه ، ومن قَلَّم من الإصبع ظفراً، فقد جلب إِلى الجسد بفعله
نفعاً ، ودفع عنه ضرراً : [ الكامل ]
وَتَجَشُّمُ المَكْرُوهِ لَيْسَ بِضَائِرٍ مَا خِلْتُهُ(٧) سَبِباً إِلى المَحْمودِ
وآخر كل شقوة(٨) أول كل غزوة ، فلا يسأم مولانا نية الرباط وفعلها ، وتجشم الكلف وحملها ، فهو
إِذا صرف وجهه إلى وجه واحد وهو وجه الله. صرف الله(٩) إِليه الوجوه كلها ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَتَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَأْ وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
وفي هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها١٠) الملك صلاح الدين رحمه الله للفرنج(١١)
(١) أ : الواقعات، وفي الروضتين (٢٣٣/٢): الوقعات .
(٢) ط : الرجعات .
(٣) ليس في ط .
(٤) أ، ط : في سرور .
(٥) أ: ولا يزيد على سيئية، ب: ولا يزيد على سننه، ط: ولا يزيد على سيبه، وما هنا عن الروضتين (٢/ ٢٣٣).
(٦) ط : تدوى ، ودَويَ دوىّ: مرض القاموس (دوى ).
(٧) وصلت ب بين الشطرين على النحو التالي: وتجشم المكروه ليس بضائر إِذا كان ما جلبه سبباً إِلى المحمود.
(٨) ط والأصلين: سنوه، وما هنا عن الروضتين (٢٣٣/٢).
(٩) عن ب وحدها .
(١٠) ب : عقد بها لهم .
(١١) ليس في ب .

٤٣٩
وفيات سنة ٥٩٣هـ
فأقبلوا بقَضّهم وقضيضهم وحدهم وحديدهم ، فالتقاهم ١) الملك العادل أبو بكر بمرج عكا فكسرهم
وغنمهم ، وفتح يافا عنوة ولله الحمد والمنة . وقد كانوا كتبوا إِلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت
المقدس ، فقدر الله هلاكه سريعاً ، والحمد لله كثيراً .
وأخذت الفرنج في هذه السنة بيروت من يد نائبها عز الدين سامة(٢) من غير قتال ولا نزال ، ولهذا قال
بعض الشعراء في الأمير سامة : [ من الخفيف ]٣)
سَلِّم الحِصْنَ ما عَلَيْكَ مَلامَهْ ما يُلامُ الَّذي يريد السَّلامَهْ
سُنَّةٌ سَنَّها بِبَيْروتَ سامَهْ
فَعَطَاءٍ(٤) الحُصونِ من غَیْرِ حَرْبٍ
ومات فيها ملك الفرنج كندهري ، سقط من شاهق فمات ، فبقيت الفرنج كالغنم بلا راعٍ ، حتى
ملكوا عليهم صاحب قبرس وزوّجوه بالملكة امرأة كندهري ، وجرت خطوب كثيرة بينهم وبين العادل
[ أبي بكر بن أيوب (٥) . ففي كلها يستظهر عليهم ويكسرهم ، ويقتل خلقاً من مقاتلتهم ، ولله الحمد ،
ولم يزالوا كذلك معه حتى طلبوا الصلح والمهادنة ، فعاقدهم على ذلك في السنة الآتية كما سيأتي .
[ سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين ]٦):
فيها٧): توفي ملك اليمن سيف الإسلام طُغْتِكين بن أيوب [ أخو السلطان صلاح الدين ]٨) بزَبيد
وكان قد جمع أموالًا جزيلة جداً ، وكان يسبك الذهب مثل الطواحين ويدَّخره كذلك ، وقام في الملك
بعده ولده إِسماعيل ، وكان أهوج قليل التدبير ، فحمله جهله على أن ادّعى أنه قرشي أموي ، وتلقب
بالهادي ، فكتب إليه عمه العادل ينهاه عن ذلك ، ويهجن رأيه ويتهدده بسبب ذلك ، فلم يقبل منه ولا
التفت إليه ، بل تمادى في ذلك وأساء التدبير إِلى الأمراء والرعية ، فقتل وتولى بعده مملوك من مماليك
أبيه .
(١) ط : فأقبلوا بحدهم وحديدهم فتلقاهم .
(٢) في ط: ((شامة)) بالشين المعجمة، وهو تصحيف، وما أثبتناه من ب والروضتين وغيرهما، وقد تكلمنا عليه قبل
قليل ( بشار ) .
(٣) البيتان في الروضتين (٢٣٣/٢).
(٤) ط : أفتعطي.
(٥) عن ب وحدها .
(٦) ترجمته في ابن الأثير (٢٣٨/٩ -٢٣٩) والروضتين (٢٣٣/٢) وذيلها (١١) ووفيات الأعيان (٥٢٣/٢ _٥٢٥)
وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب (٤١٦/١) وأبو الفداء (٩٣/٣) والعبر (٢٨١/٤) ومرآة الجنان
( ٤٧٥/٣ - ٤٧٦) .
(٧) ليس في ب .
(٨) ب : الملك الناصر.

٤٤٠
وفيات سنة ٥٩٣هـ
[ الأمير أبو الهيجاء السمين الكردي ]١):
وفيها : توفي الأمير الكبير أبو الهيجاء السمين الكردي . كان من أكابر أمراء صلاح الدين (٢) وهو
الذي كان نائباً على عكا وهي محاصرة ، وخرج منها قبل أخذ الإفرنج ، ثم دخلها بعد المشطوب فأخذت
منه ، واستنابه صلاح الدين على القدس(٣)، ثم لما أخذها العزيز عزل عنها، فطلب إِلى بغداد فأكرم
إِكراماً زائداً ، وأرسله الخليفة مقدماً على العساكر إِلى همذان ، فمات هناك .
[ قاضي بغداد أبو طالب علي بن علي بن البخاري ]٤) :
وفيها : توفي قاضي بغداد أبو طالب علي بن علي بن هبة الله بن محمد بن البخاري ، سمع الحديث
على أبي الوقت(٥) وغيره ، وتفقه على أبي القاسم بن فضلال(٦) ، وتولى نيابة الحكم ببغداد ، ثم استقل
بالمنصب ، وأضيف إِليه في وقت نيابة الوزارة . ثم عزل عن القضاء ثم أعيد ومات وهو حاكم ، نسأل الله
العافية ، وكان فاضلاً بارعاً من بيت فقه وعدالة . وله شعر (٧): [ من الوافر ]
تَنَجَّ عَنِ القَبِيحِ ولا تُرِدْهُ وَمَنْ أَوْلَيْتَهُ حُسْناً فَزِدْهُ
كَفا بكَ مِنْ عَدُوَّكَ كُلَّ كَيْدٍ إِذا كادَ العَدُؤُ وَلَمْ تكدْهُ
[ السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد أبو محمد الحسن بن علي ]^):
وفيها : توفي السيد الشريف نقيب الطالبيين ببغداد ، أبو محمد الحسن بن علي [ بن حمزة بن محمد
ابن الحسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي ]٩) بن يحيى بن الحسين بن زيد١٠) بن علي بن الحسين
ابن علي بن أبي طالب العلوي الحسيني المعروف بابن الأقساسي ، الكوفي مولداً ومنشأً ، كان شاعراً
مطبقاً(١)، امتدح الخلفاء والوزراء ، وهو من بيت مشهور بالأدب والرئاسة والمروءة ، قدم بغداد ،
(١) أخباره في ابن الأثير (٩/ ٢٣٧) والروضتين (٢٣٣/٢) وذيلها (١١) وتاريخ الإسلام (١٠١٢/١٢) .
(٢) ب : الملك الناصر .
(٣) ب : بيت المقدس .
(٤) ترجمته في ابن الأثير (٢٣٩/٩) وتكملة المنذري (٢٨١/١) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب
( ج ٤ / ق٧٨٥/٣ - ٧٨٦) وتاريخ الإسلام (١٠٠٢/١٢ - ١٠٠٣) والعبر (٢٨٢/٤).
(٥) هو عبد الأول بن عيسى بن شعيب . تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٥٣ من هذا الجزء .
(٦)
هو يحيى بن علي بن الفضل بن فضلان . سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٥ من هذا الجزء .
ب : من بيت الفقه والعدالة وله شعر فمنه قوله .
(٧)
(٨) ترجمته في ذيل الروضتين (١١) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب (ج ٤/ ق١/ ٥٧٦ - ٥٧٧ ).
(٩) ليس في ب .
(١٠) ط : يزيد .
(١١) ط : مطلقاً .