Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ أحداث سنة ٥٨٨هـ الذي بنى تربة الشافعي بمصر ، بأمر السلطان صلاح الدين ، ووقف عليها الأوقاف السنية (١)، وولَّه تدريسها ونظرها، وقد كان السلطان يحترمه ويكرمه ، وقد ذكرته في (( طبقات الشافعية)) ، وما صنفه في المذهب من (( شرح الوسيط)) وغيره ، ولما توفي الخبوشاني(٢) طلب التدريس جماعة ، فشفع الملك العادل عند أخيه في شيخ(٣) الشيوخ أبي الحسن محمد بن حمويه ، فولاه إِيَّاها٤)، ثم عُزِلَ عنها بعد موت السلطان ، واستمرت عليه أيدي بني السلطان واحداً بعد واحد ، ثم [ خلصت بعد ذلك (٥) وعاد إِليها الفقهاء والمدرسون(٦)، والله (٧) تعالى أعلم بالصواب . ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمئة استهلت والسلطان صلاح الدين مخيّم بالقدس الشريف(٨)، وقد قسم السور بين أولاده وأمرائه ، وهو يعمل فيه (٩) بنفسه ، ويحمل الحجر بين القربوسُ(١٠) وبينه ، والناس يقتدون به ، والعلماء والفقهاء يعملون بأنفسهم، والفرنجُ(١) لعنهم الله حول البلد من ناحية عسقلان وما والاها ، لا يتجاسرون أن يقربو(١٢) البلد من الحرس واليزك الذين للسلطان حول القدس الشريف، إِلا أنهم على نية محاصرة القدس مصمِّمون ، ولكيد الإِسلام مجمعون ، وهم الحرس ، تارة يَغْلبون وتارة يُغْلبون ، وتارة يَنْهَبون وتارة١٣ً) يُنْهَبولُ(١٤) وفي ربيع الآخر وصل الأمير سيف الدين المشطوب إِلى السلطان وهو بالقدس من الأسر(١٥) ، وكان (١) ط : أوقافاً سنية. (٢) ط : الجيوشاني . (٣) أ : لشيخ . (٤) ط : إِياه . ليس في ط . (٥) ط : والمدرسون بعد ذلك . (٦) ليست العبارة الأخيرة في ط . (٧) (٨) ليس في ط . (٩) عن ط وحدها . (١٠) ط : القربوسين، الروضتين (١٩٦/٢). (١١) ط : والناس يقتدون بهم والفقهاء والقراء يعلمون والفرنج. (١٢) أ، ب : يتقربوا من الحرس. (١٣) ليس في ب . (١٤) أ : ينتهبون . وليست اللفظة في ب . (١٥) ط : وصل إلى السلطان الأمير سيف الدين المشطوب من الأسر. ٤٠٢ أحداث سنة ٥٨٨هـ نائباً على عكا حين أخذت ، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار ، فأعطاه السلطان شيئاً كثيراً منها ، واستنابه على مدينة نابلس ، فتوفي بها في شوال [ من هذه السنة }(١). وفي ربيع الآخر قتل المركيس صاحب صور لعنه الله ، أرسل إِليه ملك الإِنكليز اثنين من الفداوية فأظهرا التنصر ولزما الكنيسة حتى ظفرا بالمركيس فقتلاه(٢) ، وقُتلا أيضاً، فاستناب ملك الإنكليز(٣) عليها ابن أخيه الكندهري(٤) ، وهو ابن أخت ملك الإِفرنسيس لأبيه ، فهما خالاه لعنهم(٥) الله ، ولما سار(٦) إِلى صور بنى (٧) بزوجة المركيس بعد موته بليلة واحدة ، وهي حبلى أيضاً ، وذلك لشدة العداوة التي كانت بين الإنكليز وبينه ، وقد كان السلطان صلاح الدين يُبْغضهما ، ولكن المركيس كان قد صانعه (٨) بعض الشيء(٩) ، فلم يهُن عليه قتله . وفي تاسع جمادى الأولى استولى الفرنج ، لعنهم الله ، على قلعة الدَّاروم ، فخرَّبوها ، وقتلوا خلقاً كثيراً من أهلها ، وأسروا طائفة من الذرية ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم أقبلوا [ بخيلهم ورَجِلهم }١٠) نحو القدس الشريف ، فبرز إِليهم السلطان في حزب الإِيمان ، فلما تراءى الجمعان نكص حزب الشيطان على عقبيه، وانقلبوا راجعين ، فرارٍ(١١) من القتال والنِّزال، وعاد السلطان إِلى القدس الشريف : ﴿ وَرَّ ◌َهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمّ يَنَالُواْ خَيْرً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْفِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. ثم إِن ملك الإِنكليز ، لعنه الله، وهو أكبر ملوك الفرنج ذلك الوقت (١٢) - ظفر ببعض فلول(١٣) المسلمين ، فكبسهم ليلاً فقتل منهم خلقاً كثيراً ، وأسر منهم خمسمئة أسير، وغنم منهم(١٤) شيئاً كثيراً من (١) أ، ب : منها . (٢) ط : الغداوية فقتلوه أظهرا حتى ظفروا به فقتلاه. (٣) أ : الإِنكليس . (٤) أ، ب: بلام الكندهر، ط: بلام الكندهر، وما هنا عن الروضتين (١٩٦/٢) وابن الأثير (٢١٩/٩). (٥) أ : لعنه الله . (٦) ط : صار . (٧) أ، ب : ابتنى. (٨) أ، ب: ولكنه كان صانعه المركيس .. فلم يهن قتله عليه . (٩) ط : شيء. (١٠) مكانهما في ط : جملةً . (١١) أ : قبل. (١٢) ط : الحين . (١٣) أ، ب : قفول . (١٤) عن ط وحدها . ٤٠٣ أحداث سنة ٥٨٨هـ الأموال والجمال ، والخيل والبغال ، فكانت(١) جملة الجمال ثلاثة آلاف بعير، فتقوَّى الفرنج بذلك [ شيئاً كثيراً (٢)، وساء ذلك السلطان مساءة عظيمة جداً، وخاف من غائلة ذلك ، واستخدم الإِنكليز الجمَّالة (٣) على الجمال ، والخربندية على البغال ، والسيّاس على الخيل ، وأقبل وقد قويت نفسه جداً ، وصمَّم على محاصرة القدس ، وأرسل إِلى ملوك الفرنج (٤) الذين بالساحل ، فاستحضرهم ومن معهم من المقاتلة، فتعبَّأ السلطان لهم(٥) وتهيَّا(٦)، وأكمل السور، وعمر الخنادق، ونصب [ الآلات والمجانيق (٧)، وأمر بتغوير ما حول القدس من المياه ، وأحضر السلطان أمراءه ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة ، وفيهم أبو الهيجاء السمين(٨)، والمشطوب، والأسدية(٩)، بكمالهم ، واستشارهم السلطان فيما دهمه من هذا الأمر الفظيع ، الموجع المؤلم ، فأفاضوا في ذلك ، وأشاروا كل برأيه ، وأشار العماد الكاتب بأن يتحالفوا على الموت عند الصخرة ، كما كان(١٠) الصحابة يفعلون ، فأجابوا إِلى ذلك . هذا كلُّه والسلطان ساكت واجم مفكِّر، فسكت القوم كأنما ١١) على رؤوسهم الطير ، ثم قال : الحمد لله ، والصلاة١٢) والسلام على رسول الله: اعلموا أنكم جند الإِسلام اليوم ومنعته ، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم في ذممكم معلقة ، والله عز وجل سائلكم يوم القيامة عنهم ، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه عن العباد والبلاد غيركم ، فإِن ولَيتم ، والعياذ بالله [ طوى البلادَ وأهلك العباد ]١٣) ، وأخذ الأموال والأطفال والنساء ، وعُبد الصليبُ في المساجد ، وعُزل القرآن منها والصلاة ، وكان ذلك كله في ذممكم ، فإِنكم أنتم الذين تصدَّئْتم لهذا كله ، وأكلتم بيت مال المسلمين ، لتدفعوا عنهم عدوهم ، وتنصروا ضعيفهم ، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم والسلام . (١) أ : فكان ، ط : وكان . (٢) ليس في ط . (٣) ب : الجمالين . (٤) أ : الإِفرنج . (٥) ب : لذلك . (٦) ليس في ب . (٧) ط : المنجانيق . أ : المناجنيق . (٨) ط : أبا الهيجاء الميسمين ، وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٣هـ من هذا الجزء. (٩) أ : والأسدي. (١٠) أ : كانت. (١١) ب : حتى كأنما. (١٢) أ: وصلّى على رسول الله. (١٣) مكانهما في ب : كطيّ السجل للكتاب . ٤٠٤ أحداث سنة ٥٨٨هـ فانتدب لجوابه سيف الدين المشطوب وقال : يا مولانا نحن مماليكك وعبيدك ، وأنت الذي أعطيتنا وكبَّرتنا وعظّمتنا١) ، وليس لنا إِلَّ رقابنا ونحن بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصر(٢) حتى يموت . فقال الجماعة مثل ما قال ، ففرح السلطان بذلك ، وطاب قلبه ، ومدَّ لهم سماطاً حافلاً ، وانصرفوا من بين يديه على ذلك . ثم بلغه بعد ذلك عن بعض الأمراء أنه قال(٣) : إِنا نخاف أن يجري علينا في هذه البلدة كما جرى على أهل(٤) عكا ، ثم يأخذون بلاد الإِسلام بلداً بلداً ، والمصلحة أن نلتقيهم بظاهر البلد ، فإِن هزمناهم أخذنا بقية بلادهم ، وإِن تكن الأخرى سلم [ العسكر ]°) ومضى بحاله(٦) ، فيأخذون القدس ونحفظ(٧) بقية بلاد الإِسلام بدون القدس مدة طويلة(٨)، وبعثوا [ إِلى السلطان ]٩) يقولون له: إِن كنت تريدنا نقيم بالقدس تحت حصار(١٠) الفرنجُ(١)، فكن (١٢) أنت معنا أو بعض أهلك، حتى يكون الجيش تحت(١٣) أمر(١٤)، فإِن الأكراد لا تطيع(١٥) الُرك ، والترك لا تطيع الأكراد. فلما بلغظ١٦) ذلك شق عليه مشقة عظيمة ، وبات ليلته أجمع مهموماً كئيباً يفكر فيما قالوا ، ثم انجلى الأمر واتفق الحال على أن يكون الملك الأمجد صاحب بعلبك مقيماً عندهم نائباً عنه بالقدس الشريف (١٧) ، وكان ذلك نهار الجمعة ، فلما حضر إلى صلاة الجمعة ، وأذن المؤذِّن للظهر قام فصلى ركعتين بين الأذانين، وسجد، وابتهل إِلى الله تعالى ابتهالاً عظيماً، وتضرع لربه (١٨)، وتمسكن وسأله(١٩) فيما بينه وبينه كشف هذه الضائقة العظيمة . (١) ب : وأنت الذي أنعمت علينا وكبرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وأعنتنا. (٢) ب : عن نصرتك . (٣) ط : إِن بعض الأمراء قال . (٤) ط : في هذا البلد مثل ما جرى على أهل عكا . (٥) ب : سلم الله العسكر . (٦) أ : في جباله . (٧) ب : وانحفظت ، ط : وتحفظ . (٨) بعدها في ب : وكان فيما . (٩) ليس في ب . (١٠) ب : حصر . (١١) أ : الإِفرنج. (١٢) ب : فكنت . (١٣) ليس في أ. (١٤) ط : أمرك . (١٥) ب : لا يطيعون . (١٦) ب : بلغ . (١٧) عن ب وحدها . (١٨) ط : إِلى ربه . (١٩) أ: وساءله . ٤٠٥ أحداث سنة ٥٨٨هـ فلما كان يوم السبت من الغد جاءت الكتب من الحرس (١) الذين حول البلد بأن الفرنج قد اختلفوا فيما بينهم [ في محاصرة القدس ]٢) ، فقال ملك الإِفرنسيس : إِنا إِنما جئنا من البلاد البعيدة ، وأنفقنا الأموال العديدة في تخليص بيت المقدس وردِّه إِلينا ، وقد بقي بيننا وبينه مرحلة ، فقال الإنكليز : إِن هذا البلد يشق(٣) علينا حصاره، لأن المياه حوله قد عدمت، وإِلى أنا٤) يأتينا الماء من المشقة البعيدة يعطّل(٥) الحصار(٦) ، ويتلف الجيش، ثم اتفق الحال بينهم على أن حكّموا منهم عليهم ثلاثمئة منهم، فردُّو( ٧) أمرهم إلى اثني عشر منهم ، فردُّوا أمرهم إلى ثلاثة منهم ، فباتوا ليلتهم ينظرون ثم أصبحوا وقد حكموا عليهم بالرحيل ، فلم يمكنهم مخالفتهم ، فسحبوا راجعين ، لعنهم الله أجمعين ، فساروا حتى نزلوا على الرملة وقد طالت عليهم الغربة والزملة ، وذلك في بكرة الحادي والعشرين من جمادى الآخرة ، [ وقد أبوا بالصفقة الخاسرة والخيبة في الدنيا والآخرة ]٨) ، وبرز السلطان بجيشه إِلى خارج القدس (٩) ، وسار نحوهم خوفا١٠ً) أن يسيروا إِلى مصر (١١)، لكثرة١٢ً) ما معهم من الظهر والأموال ، وكان ملك الإِنكليز يلهج بذلك كثيراً، فخذلهم الله(١٣) عن ذلك، وترددت(١٤) الرُّسل من الإنكليز إِلى السلطان في طلب الصلح (١٥) ووضع الحرب بينه (١٦) وبينهم ثلاث سنين [وستة أشهر (١١)، على أن يعيد لهم(١٨) عسقلان ويهب لهم كنيسة ١٩) بيت المقدس ، وهي القمامة ، وأن يمكن الزوّار من النصارى من زيارتها وحجِّها بلا (١) عن ط وحدها . (٢) ليس في ط . ط : شق . (٣) (٤) ب : وحتى بقينا من . (٥) أ، ب: تعطل .. وتلف . (٦) ب : أثر الحصار . (٧) ب : فردوا أولئك. (٨) عن أ وحدها . (٩) ب : خارج البلد . (١٠) ب : خوفاً منه على أن. (١١) ب : الديار المصرية. (١٢) أ : إِلى كثرة. (١٣) ليس في ب . (١٤) ب : وتردون . (١٥) ط : الأمان . (١٦) ب : بينهم وبينه . (١٧) عن أوحدها . (١٨) ب : إِليهم . (١٩) ب : له أكبر كنيسة . ٤٠٦ أحداث سنة ٥٨٨هـ شيء ، فامتنع السلطان من إِعادة عسقلان ، وأطلق لهم القمامة ، وفرض على الزُّؤَّار مالا يؤخذ من كلّ منهم ، فامتنع الإِنكليز إِلا أن تُعاد لهم عسقلان ، ويعمّر سورها كما كانت (١)، فصمم السلطان على عدم الإِجابة(٢) . ثم ركب السلطان في جيشه العرمرم حتى وافى يافا ، فحاصرها حصاراً شديداً ، فافتتحها [وغنم جيشه منها شيئاً كثيراً ، وامتنعت القلعة ، فبالغ في أمرها حتى هانت ولانت ودانت وكادت أن يبعثوا إِليه بأقاليدها (٣)، ويأخذو(٤) الأمان لكبيرها وصغيرها٥) ، فبينما هم كذلك إِذ أشرفت عليهم مراكب الإنكليز(٦) على وجه البحر الزخَّار، فقويت رؤوسهم، واستعصت نفوسهم، وهجم(٧) اللعين فاستعاد البلد(٨) وقتل من تأخر بها من المسلمين صبراً بين يديه، وتقهقر السلطان عن منزله(٩) الحصار إِلى ما وراءها خوفاً على الجيش من معركة الفرنج( ١٠)، فجعل ملك (١١) الإنكليز يتعجب من شدة سطوة السلطان ، وكيف فتح مثل هذا البلد العظيم في يومين ، وغيره لا يمكنه فتحه في عامين ، ويقول مع ذلك : ولكن ما ظننت أنه مع شهامته وصرامته يتأخر من منزلته بمجرد قُدُومي ، وأنا ومن معي لم نخرج من البحر إلا جرائد ١٢) بلا سلاح القتال ولا أُهبة النزال ، ثم ألح في طلب الصلح وأن تكون عسقلان داخلة في صلحهم ، فامتنع السلطان من ذلك أشد الامتناع ، ثم إِن السلطان كبس في تلك الليالي الإنكليز وهو في سبعة عشر مقاتلاً ، وحوله قليل من الرجَّالة فأكبَّ السلطان بجيشه حوله وحصره حصراً لم يبق له١٣) معه نجاة ، لو صمم معه الجيش ، ولكنهم نكلوا كلهم عن الحملة ، فلا قوة إلا بالله ، وجعل السلطان يحرّضهم غاية التحريض ، فكلهم يمتنع كما يمتنع من شرب الدواء المريض (١٤). (١) ب : كان . (٢) بعدها في ب : صلاح الدين . (٣) عن ب وحدها . (٤) أ، ب : وأخذوا . (٥) ب : ووليدها . (٦) أ : الكلبير ، ب : الانكبار . (٧) ط : فهجم . (٨) ب : البلد إليه . (٩) أ : منزل . (١٠) بعده في ب : ورعاعها . (١١) عن ط وحدها . (١٢) يقصد مجرّدين من السلاح. (١٣) ليس في ط . (١٤) أ : كما يمتنع الممتع من شرب الدواء، ط: كما يمتنع المريض عن شرب الدواء . ٤٠٧ أحداث سنة ٥٨٨هـ هذا وملك الإنكليز ، لعنه الله، قد ركب في أصحابه وأخذ عدة قتاله وحرابه (١)، واستعرض الميمنة إِلى آخر الميسرة ، يعني ميمنة المسلمين وميسرتهم ، فلم يتقدم إليه منهم أحد من الفرسان ولا نهره(٢) في وجهه بطل من الشجعان ، فعند ذلك كرّ السلطان راجعاً، وقد أحزنه أنه لم يَر في الجيش مطيعاً [ولا سامعاً (٣)، فإنا لله وإنا إليه راجعون. [ ولو أن له بهم قوة لما ترك أحداً منهم يتناول من بيت المال فلساً (٤) . ثم حصل لملك الإنكليز بعد ذلك مرض شديد، وبعث(٥) إِلى السلطان يطلب منه فاكهة وثلجاً ، فأمدَّه السلطان بذلك من باب (٦) الكرم والإِحسان وإظهار القوة والامتنان ، ثم عوفي ، لعنه الله ، وتكررت الرسل منه يطلب من السلطان المصالحة وذلك لكثرة شوقه إِلى أولاده وبلاده ، وتوقه إِلى ملاذه ، وطاوع السلطان على ما يقول ، ونزل عن (٧) طلب عسقلان ، ورضي بما رسم به السلطان ، وكتب كتاب الصلح ، (٨) على ما رسم به(٩) السلطان ثامنٌ(١٠) عشر شعبان، وأكدت العهود والمواثيق في كل ملك من ملوكهم ، وأَسقف وجاثليق ، وحلف الأمراء من المسلمين ، وكتبوا خطوطهم ، واكتفى من السلطان بالقول المجرد ، كما جرت به عادة السلاطين ، وفرح كل من الفريقين فرحاً شديداً(١)، وأظهروا سروراً كثيراً ، ووُقِّعت الهدنة على وضع الحرب ثلاثين سنة وستة أشهر. وعلى أن يقرهم على ما بأيديهم من البلاد الساحلية ، وللمسلمين ما يقابلها من البلاد الجبلية ، وما بينهما من المعاملات ، فقسمها١٢) على المناصفة ، وأرسل السلطان مئة نقاب صحبة أمير لتخريب سور عسقلان وإِخراج مَنْ بها من الفرنج والألمان . وعاد السلطان إلى القدس الشريف، فرتّب أحوالها ووطّدها١٣)، وسدّد أموره وأكّدها ، وزاد وقف المدرسة سوقاً بدكاكينها ، وأرضاً وبساتينها ، وزاد وقف الصوفية أيضاً ، وعزم على الحج عامه ذلك ، (١) ط : وأهبة نزاله. (٢) أ : نهش ، ب : نهس . (٣) ليس في ط . عن ط وحدها . (٤) (٥) ط : فبعث . (٦) أ، ب : من باب القوة. (٧) ط : وترك طلب . (٨) مكانهما في ط : بينهما . (٩) ليس في ب . (١٠) ط : سابع. (١١) أ، ب : كثيراً . (١٢) ط : تقسم. (١٣) أ، ب : وأّدها . ٤٠٨ أحداث سنة ٥٨٨هـ فكتب إِلى الحجاز واليمن [ والديار المصرية والشامية]١) ليعلموا بذلك، ويتأهَّبو(٢) له . فكتب إِليه القاضي الفاضل ينهاه عن ذلك ، خوفاً على البلاد [ من استيلاء الفرنج عليها ، ومن كثرة المظالم بها(٣) ، [ وفساد الناس والعسكر، وقلة نصحهم ، وأن النظر في أحوال المسلمين خير لك عامك هذا ]٤) ، والعدو المخذول مخيّمٌ بعدُ بالشام ، ولم يقلع منه مركب إِلى بلادهم ، وأنت تعلم أنهم إنما يتهادنون ليتقوّو(٥) ويكثروا ، ثم يمكرون ويغدرون(٦)، فسمع السلطان منه ، وشكر نصحه ، [ وقبله ، وعزم على ترك الحج عامه ذلك ]٧) ، وكتب به إِلى سائر الممالك ، واستمر السلطان مقيماً بالقدس جميع شهر رمضان ، في صيام وصلاة وقرآن ، وكلما وفد أحد من رؤساء النصارى(٨) للزيارة ، أولاه غاية الإكرام والإحسان ، تأليفاً لقلوبهم ، وتأكيداً لما حلفوه من الأيمان ، ورغبة أن يدخل في قلوبهم شيء من الإيمان ، ولم يبق أحد من ملوكهم إِلا جاء لزيارة القمامة متنكراً ، ويحضر سماط السلطان فيمن يحضر من جمهورهم ، بحيث لا يُرى ، والسلطان يعلمُ(٩) ذلك جملة لا تفصيلاً ، ولهذا كان يعاملهم بالإكرام ، ويريهم صفحاً جميلاً ، وبرأً جزيلاً ، وظلاً ظليلاً . فلما كان في خامس شوال ركب السلطان في عساكره ١) وجحافله ، فبرز من القدس الشريف قاصداً دمشق المحروسة واستناب [ على القدس (١١) عز الدين جرديك (١٢) وعلى قضائها بهاء الدين(١٣) بن يوسف بن رافع بن تميم الشافعي ، فاجتاز على وادي الجيب ، وبات على بركة الداوية ، ثم أصبح في نابلس ، فنظر في أحوالها وأمورها ، ثم ترحّل عنها ، فجعل يمرّ بالمعاقل(١٤) والحصون والبلدان [ للنظر في الأحوال والأموال ، وكشف المظالم والمحارم والمآثم ، وترتيب المكارم }١٥) . (١) ط : مصر والشام. (٢) ب : وليتأهبوا . ليس في أ . (٣) (٤) أ، ب : الفساد وسد ثغورهم ومصادرة أعيانهم في هذا الوقت أفضل لك مما عزمت عليه عامك هذا. (٥) أ، ب : ليتفقوا. ط : ثم يمكروا ويغدروا . (٦) (٧) ط : وترك ما عزم عليه . (٨) ط : الفرنج . (٩) ط : لا يعلم ذلك جملة ولا تفصيلاً . (١٠) ط : العساكر . (١١) ط : جورديك، وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٤هـ من هذا الجزء. (١٢) ب : عليها . (١٣) هو القاضي بهاء الدين بن شداد. وسترد وفاته في حوادث سنة ٦٣٢ من هذا الكتاب . (١٤) ط : بالقلاع. (١٥) مكانهما في ط : فينظر في أحوالها ويكشف المظالم عنها . ٤٠٩ أحداث سنة ٥٨٨هـ وفي أثناء الطريق جاء إِلى خدمته بيمند(١) ابرنس(٢) أنطاكية، فأكرمه وأحسن إِليه ، وأطلق له أموالاً جزيلة، وخلعاً جميلة (٣) . وكان العماد الكاتب في صحبته ، فأخبر عن منازله منزله (٤) منزلة ، ومرحلة مرحلة ، إِلى أن قال : وعبر يوم الإثنين عين الحرّ(٥) إِلى مرج يبوس (٦)، وقد زال البؤس، وهناك توافد (٧) عليه أعيان دمشق وأماثلها، وأفاضلها وفواضلها، ونزلنا٨) يوم الثلاثاء على العرّادة، [وجرى المتلقّون بالطرف والتحف}(٩) على العادة ، وأصبحنا يوم الأربعاء - يعني سادس عشر شوال بكرة - إِلى جنةٌ "(١) دمشق داخلين ، بسلام آمنين ، لولا أننا غير خالدين ، وكانت غيبة السلطان عنها طالت أربع سنين ، فأخرجت دمشق أثقالها ، وأبرزت نساءها وأطفالها ورجالها ، وكان يوم الزينة ، وخرج أكثر أهل المدينة ، وحشر الناس ضحى ، وأشاعوا استبشاراً وفرحاً، واجتمع بأولاده(١) الكبار والصغار ، وقدم عليه رسل الملوك من سائر الأمصار ، وأقام بقية عامه فى اقتناص الصيد وحضور دار العدل ، للفصل والعمل بالإحسان والفضل . ولما كان عيد الأضحى امتدحه بعض الشعراء بقصيدة يقول فيها١٢): [ من الخفيف ] وَأَبِيهَا لَوْلا تَغَزُّلُ عَيْنَيَـ ـها لما قُلْتُ فِي التَّغَزُّلِ شِعْرا صِرِ أولى (١٣) ما فيه أعملُ فِكْرا ولكانَتْ مدائحُ الملكِ النّا مثلما أوسعَ البرِيَّةَ بِرّ(١٥) ملِكُ طبَّقَ الممالكَ عَدْل١٤ً) (١) عن ط وحدها . (٢) ط: صاحب. واللفظة مصحفة في أ، ب. والخبر في الروضتين (٢٠٧/٢). (٣) ليس في ط . لیس في ب . (٤) أ : عين الحسن ، وفي الروضتين (٢/ ٢٠٧) : عين الجرّ. (٥) (٦) ط: بيوس . وفي الروضتين: تبوس . وفي نسخة: مرج يابوس. (٧) ط : وفد . (٨) ط : ونزل . (٩) ط : وجاءه هناك التحف والمتلقون . (١٠) ط : بجنة . (١١) ط : واجتمع أولاده. (١٢) الأبيات فى الروضتين (٢٠٨/٢ - ٢٠٩) في مقطعتين الأولى في ثلاثة أبيات هي: ١، ٢، ٣ والثانية في أربعة أبيات هي : ٦، ٤، ٥، ٧. (١٣) ط والأصلين : إِلى، ولا يستقيم بها الوزن . (١٤) ط : بالعدل ، ولا يستقيم بها الوزن . (١٥) بعدها في الروضتين : ثم قال في آخرها . ٤١٠ أحداث سنة ٥٨٨هـ ويُلَقَّى الهناءَ بَرّاً وبَحْر(٢) فيحلُّ(١) الأعيادَ صوماً وفطراً ـحى مليك على الهناة مُصِرَ(٣) يأمرُ بالطاعاتِ اللهِ إِن أضـ ـــ(٥) فتِيهاً على الملوك وفخرا نلتَ ما تبتغي (٤) من الدين والدن وملكْتَ الدارَيْن دُنْياً وأُخْرى قد جمعتَ المَجْدَيْن أصلاً وفَرْعاً ومما وقع في هذه السنة من الحوادث غزوة عظيمة بين صاحب غزنة شهاب الدين(٦) السبكتكيني وبين ملك الهند وأصحابه الذين كانوا قد كسروه في سنة ثلاث وثمانين (٧)، فأظفره الله بهم(٨) هذه السنة، فكسرهم وقتل خلقاً منهم ، [ وأسر خلقاً (٩). وكان من جملة من أسره ملكهم الأعظم ، وثمانية عشر فيلاً ، من جملتها الذي كان جرحه ، ثم أُحضر الملك بين يديه فأهانه ولم يكرمه ، واستحوذ على حصنه ، وأخبر بما كان فيه من كل جليل وحقير ، ثم قتله بعد ذلك ، وعاد إِلى غزنة مؤيداً منصوراً ، مسروراً محبوراً . [وفي هذه]١٠) السنة أتُّهم أمير الحج ببغداد، وهو طاشتكين (١١)، وقد كان على إِمرة الحجيج(١٢) من مدة عشرين سنة ، وكان في غاية حسن السيرة ، وانُّهم بأنه يكاتب صلاح الدين بن أيوب [ بالقدوم إِلى العراق ليأخذها ]١٣)، فإِنه [ ليس بينه وبينها أحد يمانعه عنها ]١٤) ، وقد كان مكذوباً عليه في ذلك ، ومع هذا حبس وأُهين وصود(١٥). (١) في الروضتين : فيمل . (٢) ب : عشراً وبحراً، وفي الروضتين: فطراً ونحراً. (٣) رواية البيت في ط : يأمر الناس طاعة الله أن أضحى مليك على المقاهي مصرّا وفي بعض النسخ : يأمر الطاعات . (٤) ط : تسعى . (٥) جاءت اللفظة كلها من الشطر الأول في ط مما جعل الوزن مضطرباً . (٦) بعدها في ط : ملكها . (٧) أ : وثلاثين . (٨) أ : أيديهم . (٩) أ : واسرهم . (١٠) ط : وفيها . (١١) سترد ترجمته في حوادث سنة ٦٠٢ من هذا الكتاب. (١٢) ط : الحج . (١٣) ط : في أخذ بغداد . (١٤) أ ، ب : فإنه ليس بین یدیه أحد . (١٥) ط : أهين وحبس وصودر . ٤١١ وفيات سنة ٥٨٨هـ فصل وممن توفي فيها من الأعيان : القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن موسى ، المعروف بابن الفراش(١) : كان قاضي العساكر بدمشق ، ويرسله السلطان [ في الرسالات (٢) إِلى ملوك الآفاق. ومات بملطية. الأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب (٣) : كان من أصحاب أسد الدين شيركوه ، حضر معه الوقَعات الثلاث بديار مصر(٤) ، ثم صار من أكابر(٥) أمراء صلاح الدين. وهو الذي كان على نيابة٦) عكا لما أخذها٧) الفرنج، [ فأسروه في جملة من أسروا 4)، فافتدى نفسه منهم بخمسين ألف دينار ، [ وتخلّص إِلى أن خلص (٩) إِلى السلطان ، وهو بالقدس ، فأعطاه أكثرها ، وولاه نيابة نابلس . [وكانت وفاته ١٣) يوم الأحد الثالث والعشرينُ (١) من شوال بالقدس الشريف، ودفن في داره. [ صاحب بلاد الروم قلج أرسلان ٤ ١٢) : وممن توفي فيها صاحب بلاد الروم عز الدين ، قلج(١٣) أرسلان١٤) بن مسعود بن قلج أرسلان . وكان قد قسم جميع بلاده بين أولاده طمعاً في طاعتهم له ، فخالفوه ، وتجبّروا ، وعتوا عليه ، وانخفض(١٥) (١) ترجمته في خريدة الشام (٢٨٩/١ -٣٠٦) والروضتين (٢٧٢/١ و٢٠٩/٢). (٢) ليس في ط . ترجمته في الروضتين (٢٠٩/٢) ووفيات الأعيان (١٨٢/١ - ١٨٣) وأبو الفداء (٨٣/٣) وتاريخ الإسلام (٣) (٨٥٦/١٢) والعبر (٢٦٧/٤) ومرآة الجنان (٤٣٨/٣). (٤) ط : بمصر . (٥) ط : كبراء . ط : نائباً على . (٦) (٧) ب: أخذه . ط : أخذوها الفرنج ، وكلاهما خطأ . (٨) عن ط وحدها . (٩) ط : وجاء . (١٠) ط : توفي. (١١) ط : ثالث وعشرين شوال . (١٢) ترجمته في ابن الأثير (٢٢٢/٩ -٢٢٣) والروضتين (٢٠٩/٢) وابن العبري (٣٨٨) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب (ج٤/ ق١/ ٢٨٢) وأبو الفداء (٨٤/٣ - ٨٥) والعبر (٢٦٧/٤) وتاريخ الإسلام (٨٥٨/١٢). (١٣) أ، ب والروضتين وأبو الفداء: قليج. (١٤) أ، ب : رسلان . (١٥) ط : وخفضوا . ٤١٢ أحداث سنة ٥٨٩هـ قدره ، وارتفعو(١) . ولم يزل كذلك حتى توفي في عامه هذا . [ أبو المرهف النميري ]٢): وفي ربيع الآخر توفي الأديب الشاعر أبو المرهف نصر بن منصور النميري . سمع الحديث ، واشتغل بالأدب ، وكان قد أصابه جُدري ، وهو ابن أربع(٣) عشرة سنة، فنقص بصره جداً، فكان لا يبصر الأشياء البعيدة ، ويرى القريب منه ، ولكنه كان لا يحتاج إِلى قائد ، فارتحل إلى العراق لمداواة عينيه ، فآيسته الأطباء من ذلك ، فاشتغل بحفظ القرآن ومصاحبة الصالحين والزهاد فأفلح . وله دیوان شعر کبیر حسن ، وقد سئل مرة عن مذهبه واعتقاده ، فأنشأ يقول(٤): [من الطويل ] أُحِبُ علّاً والبتولَ ووُلْدَها ولا أَجْحَدُ الشَّيْخَيْنِ فَضْلَ التقدُّمِ كما أَتَبَرّا من ولاءِ ابنِ مُلْجَمٍ وأَبْرَأُ مما نالَ عثمانَ بالأذى ويُعجبني أهلُ الحديثِ لصدقهم فلستُ إِلى قومٍ سواهم بمُنْتَمِي وكانت وفاته(٥) ببغداد ، ودفن بمقابر الشهداء بباب حرب ، رحمه الله تعالى (٦) . : (٧) دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمئة ثم فيها : كانت وفاة السلطان(٨) الملك الناصر(٩) صلاح الدين رحمه الله تعالى. (١) أ، ب : حتى ارتفعوا. (٢) ترجمته في معجم الأدباء (١٩ / ٢٢٢) وفيه : نصر بن الحسن بن جوشن بن منصور بن حميد بن أنال ، أبو المرهف العيلاني النميري ( فسقط منه اسم أبيه منصور إِذ هو ثابت في مصادر ترجمته) ومرآة (٨/ ٤٢١) والتكملة للمنذري (١٧٠/١)، والروضتين (٢١١/٢) وابن خلكان (٣٨٣/٥ - ٣٨٤) وتاريخ الإسلام (٨٦١/١٢ - ٨٦٣) ومرآة الجنان (٤٣٨/٣) وذيل ابن رجب (٣٧٤/١ - ٣٧٦). (٣) ط : أربعة ، خطأ. (٤) الأبيات في الروضتين (٢/ ٢١١). (٥) ط : توفي . (٦) لفظة ( تعالى) عن ط وحدها . وبعدها في ط : بحمد الله تعالى قد تم طبع الجزء الثاني عشر من البداية والنهاية للعلامة ابن كثير ، ويليه الجزء الثالث عشر وأوله سنة تسع وثمانين وخمسمئة هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التحية . وفات ابن كثير ذكرهم . (٧) قبلها في ط : بسم الله الرحمن الرحيم ؛ لأنها بداية الجزء الثالث عشر . (٨) قل أن يخلو كتاب تاريخ أو تراجم من ترجمة صلاح الدين وعلى سبيل المثال لا الحصر: ابن الأثير (٢٢٥/٩ - ٢٢٧) ومرآة الزمان (٤٢٥/٨) والروضتين (٢١٢/٢ -٢٢٦) ووفيات الأعيان (١٣٩/٧ - ٢١٨) وابن العبري (٣٨٨ -٣٨٩) وأبو الفداء (٨٥/٣ - ٨٧) والعبر (٢٧٠/٤) ومرآة الجنان (٤٣٩/٣ -٤٦٦) وسيرة صلاح الدين لا بن شداد . (٩) ليس في ط . ٤١٣ أحداث سنة ٥٨٩هـ استهلت هذه السنة وهو في غاية الصحة والسلامة ، وخرج هو وأخوه العادل أبو بكر إلى الصيد شرقي دمشق . وقد اتفق الحال بينه وبين أخيه العادل أنه بعد ما يفرع (١) من أمر الفرنج هذه المدة ، يسير هو إلى بلاد الرُّوم ، ويبعث أخاه العادل إِلى خلاط ، فإِذا فرغا من شأنهما سارا جميعاً إلى بلاد أذربيجان وبلاد العجم ، فإنه ليس دونهما أحد يمانع عنها ولا يصدهم عنها . فلما قدم الحجيج من الحجاز الشريف في يوم الإثنين حادي عشر صفر خرج السلطان لتلقيهم وكان معهم ولد (٢) أخيه سيف الإسلام ، صاحب اليمن ، فأكرمه والتزمه ، وعاد إلى القلعة المنصورة فدخلها من باب الحديد (٣) ، فكان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا . ثم(٤) إِنه اعتراه حُمَّى صفراوية ليلة السبت سادس عشر صفر ، فلما أصبح دخل عليه القاضي الفاضل وابن شدّاد وابنه الأفضل ، فأخذ يشكو إِليهم كثرة قلقه البارحة ، وطاب له الحديث ، وطال مجلسهم عنده ، ثم تزايد به المرض واستمر ، وفصده٥) الأطباء في اليوم الرابع ، فاعتراه(٦) يبس ، وحصل له عَرَق شديد بحيث نفذ إِلى الأرض ، ثم قوي (٧) اليبس أيضاً ، فأحضر الأمراء من الأكابر والرؤساء فبويع لولده الأفضل نور الدين علي(٨)، وكان نائباً على ملك دمشق وذلك عندما ظهرت مخايل الضعف الشديد ، وغيبوبة الذهن في بعض الأوقات . وكان الذين يدخلون عليه في هذه الحال القاضي الفاضل وابن شدَّاد وقاضي البلد ابن الزكي وتفاقم(٩) به الحال ليلة الأربعاء السابع والعشرين من صفر، واستدعى الشيخ أبا ١٠) جعفر إِمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن ويلقِّنه الشهادة إِذا جد به الأمر ، فذكر أنه كان يقرأ عنده وهو في [ غمرات الموت(١١) فقرأ: ﴿ هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [ الحشر: ٢٢] فقال: وهو كذلك صحيح. (١) أ : ما قد تفرغ . (٢) ط : ابن . (٣) ط : الجديد . (٤) ب : وذلك . (٥) ب، ط : وفصدوا . (٦) ط : ثم اعتراه. أ ، ب : فقوي . (٧) (٨) سترد ترجمته في حوادث سنة ٦٢٢ من هذا الكتاب . (٩) ط : ثم اشتد . (١٠) أ، ب : أبو ، وهو خطأ. (١١) ب، ط : الغمرات. ٤١٤ أحداث سنة ٥٨٩هـ فلما أذَّن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه وهو في آخر(١) رمقه ، فلما قرأ القارىء : ﴿حَسْىَ اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ﴾ [ التوبة : ١٢٩ ] تبسم وتهلل وجهه [ وأسلم روحه إلى ربه سبحانه(٢)، ومات رحمه الله، وأكرم مثواه ، وجعل جنات(٣) الفردوس مأواه ، وكان له من العمر سبع وخمسون سنة لأنه ولد بتكريت في شهور سنة ثنتين وثلاثين وخمسمئة ، [ رحمه الله ]٤) . فقد(٥) كان رِدءاً للإسلام ، وحرزاً وكهفاً من كيد الكفرة اللئام ، وذلك بتوفيق الله له ، وكأن أهل دمشق لم يصابوا بمثل مصابه ، وودّ كل منهم لو فداه بأولاده وأحبابه وأصحابه ، وقد غلقت الأسواق واحتفظ على الحواصل ، ثم أخذوا في تجهيزه وغسله(٦) ، وحضر جميع أولاده وأهله ، ويعزُّ عليهم أن يأتوا بمثله . وكان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الدُّولعي (٧)، وكان الذي أحضر الكَفَنَ ومؤنة التجهيز القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال ، هذا وأولاده الكبار والصغار يتباكون وينادون(٨) ، وأخذ الناس في العويل والانتحاب والدعاء له والابتهال . ثم(٩) أبرز جسمه في نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، وأمّ الناس عليه القاضي ابن الزكي (١٠) ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة ، ثم شرع ابنه في بناء تربة له ومدرسة للشافعية بالقرب من مسجد القدم لوصيته بذلك قديماً ، فلم يكمُّل بناؤها ولم يتم ، وذلك حين قدم ولده العزيز(١١) وكان محاصراً لأخيه الأفضل كما سيأتي بيانه . في سنة تسعين وخمسمئة . ثم اشترى له الأفضل داراً شمالي الكلاسة في وزان ما زاده القاضي الفاضل في الكلاسة ، فجعلها تربة ، هطلت سحائب الرحمة عليها ، ووصلت ألطاف الرأفة إِليها . وكان نقله إِليها في يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين . (١) أ، ب : بآخر . (٢) أ، ب : وسلمها إِلى ربه عز وجل. (٣) أ، ب : جنة . (٤) عن ط وحدها . أ ، ب : لقد . (٥) (٦) ليس في ط . (٧) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٨ من هذا الجزء . (٨) أ، ب : والصغار يبرزون وينادون ويبكون. (٩) أبدل حرف العطف في أ ، ب إلى الواو . (١٠) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٨ من هذا الجزء . (١١) هو عثمان بن يوسف بن أيوب وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥٩٥ من هذا الجزء. ٤١٥ أحداث سنة ٥٨٩هـ وصلى عليه تحت النسر قاضي القضاة محمد بن علي القرشي(١) ابن الزكي ، على إِذن الأفضل ودخل في لحده ولده الأفضل فدفنه بنفسه ، وهو يومئذ سلطان الشام ، وذلك لما عليه من الحق والخدمة والإكرام ، ويقال : إِنه دفن معه سيفه الذي كان يحضر به الجهاد والجلاد ، وذلك عن أمر القاضي الفاضل أحد الأجواد والأمجاد ، وتفاؤلوا بأنه يكون يوم القيامة معه يتوكأ عليه ، حتى يدخل الجنة إن شاء الله ، لما أنعم به عليه من كسر الأعداء ، وبعز الأولياء ، وأعظم عليه بذلك المنة . ثم عمل عزاؤه في الجامع(٢) الأموي ثلاثة أيام، يحضره الخواص والعوام (٣)، والرعيّة والحكّام . وقد عمل الشعراء فيه مراثي كثيرة ، ومن أحسنها ما عملها العماد الكاتب في آخر كتابه (( البرق الشامي)) وهي مئتان وثلاثون بيتاً واثنان، وقد سردها الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ((الروضتين )(٤) ، منها قوله [ في أولها }°): [ من الكامل ] والدَّهْرُ ساءَ وَأَقْلَعَتْ حَسَنَاتُهُ مَرْجُوَّةَ رَهَباتُهُ وَهِبَاتُهُ مَبْذُولَةً ولربِّهِ طاعاتُهُ للهِ خالِصِةٌ صَفَتْ نِيَّاتُهُ يُرْجَى نَداهُ وتُتَّقَى سَطَواتُهُ وسَمَتْ على الفُضَلاءِ تَشْريفاتُهُ ذُلّ، ومِنْهَا أُدْرِكَتْ ثاراتُهُ أَطْوَاقُ أَجْيادِ الوَرَى (٧) مَنّاتُهُ شَمِلَ الهُدى والملكُ عَمَّ شَتَاتُهُ أَيْنَ الذي مُذْ لم يَزَلْ مَخْشِيَّةٌ أَيْنَ الذي كانَتْ لَهُ طاعاتُنا بِاللهِ أَيْنَ النَّاصِرُ المَلِكُ الذي أَيْنَ الذي ما زالَ سُلطاناً لَنا أَيْنَ الذي شَرُفَ (٦) الزَّمانُ بِفَضْلِهِ أَيْنَ الذي عَنَتِ الفِرَنْجُ لِبَأْسِهِ أَغْلَاَلُ أَعْنَاقِ العِدَا أَسْيَافُهُ [ وللعماد الكاتب في الملك الناصر يرثيه ]^): [ من الكامل!٩) (١) ط : القرايبني. تصحيف . (٢) ط : بالجامع . (٣) ط : الخاص والعام . في الروضتين (٢١٥/٢ - ٢١٧) من هذه القصيدة سبعة وستون بيتاً وهي أيضاً في ديوان العماد (٨٦ - ٩٢). (٤) ط : وهي مئتا بيت واثنان . (٥) (٦) أ، ب : تشرف . ولا يستوي بها الوزن. (٧) أ : أجياد العدى . (٨) ط : وله . (٩) الأبيات في الروضتين (٢١٧/٢) وديوان العماد (٣٤٠). ٤١٦ ذكر تركة السلطان الملك الناصر وشيء من ترجمته مَنْ لِلْعُلَى مَنْ لِلذُّرَى [ مَنْ لِلْهُدَى ﴾١) يَحْمِيهِ؟ مَنْ لِلْبَّأْسِ(٢) مَنْ لِلنَّائِلِ؟ إِذْ لَمْ يَثِقْ بِبَقاءِ مُلْكِ العَاجِلِ(٣) طَلَبَ البَقاءَ لمْكِه فِي آجلٍ بَحْرٌ أَعادَ البَرَّ بَحْراً بِرُّهُ وبِسَيْفِهِ فُتِحَتْ بلادُ السَّاحِلِ وبِعِزِّهِ يُرْدونَ أَهْلَ البَاطِلِ مَنْ كانَ أَهْلُ الحقِّ في أيَّامِهِ أَنْقَتْ لَهُ فَضْلاً بِغَيْرٍ مُساجلٍ وَفُتُوحُهُ والقُدْسُ مِنْ أَبْكَارِها٤) وَرَأَيْتُ جُودَكَ مُخْجِلاً لِلْوَابِلِ ما كُنْتُ أسْتَسْقِي لقَبْرِكَ(٥) وابلاً لا أَرْتَضِي سُقْيا الغَمامِ الهَاطِلِ فَسَقَاكَ رضوانُ الإلهِ لأَنَّنِي ذكر تركته وشيء من ترجمته قال العماد وغيره : لم يترك في خزانته من الذهب سوى جرم واحد (٦) - أي(٧) دينار واحد - صوري(٨) وستة وثلاثين درهماً . وقال غيره : سبعة وأربعين درهماً ، ولم يترك داراً ولا عقاراً ولا مزرعة ولا سقفا٩ً) ، ولا شيئاً من أنواع الأملاك . هذا وله من الأولاد سبعة عشر ذكراً وابنة واحدة ، وتوفي له في حياته غيرهم ، والذين تأخَّروا بعده ستة عشر ذكراً : ١ - أكبرهم الملك الأفضل نور الدين علي ، ولد بمصر سنة خمس وستين ليلة عيد الفطر . ٢ - [ثم العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان، ولد بمصر أيضاً في جمادى الأولى سنة سبع وستين] (١) . ٣ - ثم الظافر مظفر الدين أبو العباس الخضر(١١)، ولد بمصر في شعبان سنة ثمان وستين ، وهو شقيق الأفضل . (١) ليس في أ . (٢) أ : من الناس . (٣) ط : عاجل . (٤) أ : إِنكارها . (٥) الروضتين والديوان : بغيرك. (٦) ليس في ب . (٧) عن ط وحدها . في الأصلين وط : صورياً ، والخبر في أبي الفداء ( ٨٨/٣). (٨) (٩) ط : بستاناً، والخبر في الروضتين (٢١٧/٢). (١٠) ما بين المعقوفين جاء في ب بعد الظافر. (١١) ليس في أ . ٤١٧ ذكر تركة السلطان الملك الناصر وشيء من ترجمته ٤ - ثم الظاهر غياث الدين أبو منصور غازي ، ولد بمصر في نصف رمضان سنة ثمان وستين . ٥ - ثم العزيز(١) فتح الدين أبو يعقوب إِسحاق ، ولد بدمشق في ربيع الأول سنة سبعين . ٦ - ثم المُؤَيّد نجم الدين أبو الفتح مسعود ، ولد بدمشق سنة إحدى وسبعين وهو شقيق العزيز . ٧ - ثم الأعز(٢) شرف الدين أبو يوسف يعقوب ، ولد بمصر سنة ثنتين وسبعين وهو شقيق العزيز . ٨ - ثم الزاهر مجد الدين أبو سليمان داود ، ولد(٣) بمصر سنة ثلاث وسبعين وهو شقيق الظاهر . ٩ - ثم أبو(٤) الفضل(٥) قطب الدين موسى، وهو شقيق الأفضل، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين أيضاً ، ثم نعت بالمظفر أيضاً . ١٠ - ثم الأشرف عزيز(٦) الدين أبو عبد الله محمد ، ولد بالشام سنة خمس وسبعين . ١١ - ثم المحسن ظهير الدين أبو العباس أحمد، ولد (٧) سنة سبع وسبعين بمصر ، وهو شقيق الذي قبله . ١٢ - ثم المعظّم فخر الدين أبو منصور تورانشاه ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين وتأخرت وفاته إِلى سنة ثمان وخمسين وستمئة . ١٣ - ثم الجوا(٨) ركن الدين أبو سعيد أيوب ولد سنة ثمان وسبعين وهو شقيق للمعظّمُ(٩) . ١٤ - ثم الغالب نصير الدين أبو الفتح ملك شاه١) ، ولد في رجب سنة ثمان وسبعين وهو شقيق للمعظّمُ(١). ١٥ - ثم المنصور أبو بكر أخو المعظّم لأبويه ، ولد بحرّان بعد وفاة السلطان . (١) في ترويح القلوب : المعز . (٢) ط : الأغر . (٣) ليس في ب . عن ط وحدها . (٤) في ترويح القلوب ( ٩٣) : الملك المفضل قطب الدين ويقال مظفر الدين موسى. (٥) (٦) ط : معز الدين. (٧) ط : ولد بمصر. (٨) ط : الجوال . (٩) ط : المعز . (١٠) في ترويح القلوب: (٩٦): فرُّخشاه . (١١) ب : المعز . ٤١٨ ذكر تركة السلطان الملك الناصر وشيء من ترجمته ١٦ - ثم عما(١) الدين شادي لأم ولده . ١٧ - ونصرة٢) الدين مروان(٣) لأم ولد أيضاً . وأما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر ابن أيوب رحمهم الله تعالى (٤) . وإِنما لم يخلّف أموالًا ولا أملاكاً لكثرة عطاياه وهباته وصدقاته وإحسانه إِلى أمرائه ووزرائه وأوليائه ، حتى إِلى أعدائه، وقد أسلفنا ما يدل على كثير من ذلك رحمه الله(٥)، وقد كان متقلِّلاً في ملبسه ، ومأكله، ومشربه٦)، ومركبه، فلا يلبس إِلا الكتان والقطن(٧)، والصوف ولا يعرف أنه تخطى مكروهاً بعد أن أنعم الله عليه بالملك ، بل كان همه الأكبر ومقصده الأعظم نصرة الإسلام ، وكسر الأعداء اللئام(٨)، وكان يُعمل فكره٩) في ذلك ورأيه وحده، ومع من يثق برأيه ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً ، هذا مع ما لديه من الفضائل والفواضل ، والفوائد ، والفرائد ، في اللغة والأدب وأيام الناس ، حتى قيل : إِنه كان يحفظ الحماسة بتمامها وختامها ، وكان مواظباً على الصلوات في أوقاتها في جماعة (١) ، ويقال : إِنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل ، حتى في مرض (١١) موته كان يدخل الإمام فيصلّي به ، ويتجشَُّ(١٢) القيام مع ضعفه رحمه الله ، وكان يفهم ما يقال بين يديه من البحث والمناظرة . ويشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة ، وإِن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها ، وكان قد جمع له القطب النيسابوري(١٣) عقيدة، فكان يَحْفَظها ويُحْفِظها مَنْ عَقَلَ من أولاده، وكان يحب سماع القرآن العظيم ١٤) ، ويواظب على (١) أ، ب : وعماد الدين . (٢) ط: ونصير، والخبر في ترويح القلوب (١٠٠). (٣) في ترويح القلوب (١٠٠ ) : نصرة الدين إِبراهيم . (٤) عن ط وحدها . (٥) ط : لجوده وكرمه وإحسانه إِلى أمرائه وغيرهم حتى إِلى أعدائه وقد تقدم من ذلك ما يكفي . (٦) لیس في ط . (٧) ط : وكان لا يلبس إِلا القطن والكتان والصوف ولا يعرف أنه تخطى إِلى مكروه ولا سيما بعد أن أنعم. (٨) ط : نصرة الإسلام وكسر أعدائه اللئام . (٩) ط : وكان يعمل رأيه . (١٠) ط : الجماعة . (١١) ط : حتى ولا في مرض. (١٢) ط : فكان يتجشم . (١٣) تقدمت ترجمته في حوادث سنة ٥٧٨ من هذا الجزء. (١٤) مكان اللفظة في ط : والحديث والعلم . ٤١٩ ذكر تركة السلطان الملك الناصر وشيء من ترجمته سماع الحديث ، حتى إِنه سمع في بعض مصافّه جزءاً وهو بين الصفين ويتبجَّحُ(١) بذلك، ويقول : هذا موقف لم يسمع فيه أحد من قبله حديث٢ً) ، وكان ذلك بإِشارة العماد الكاتب . وكان رقيق القلب ، سريع الدمعة عند سماع الحديث ، وكثير(٣) التعظيم لشرائع الدين ، وكان قد لجأ إلى (٤) ولده الظاهر وهو بحلب شاب يقال له : الشهاب السهروردي(٥) ، وكان يعرف الكيمياء وشيئاً من الشعبذة والأبواب النيرنجيات ، فافتتن به ولده السلطان الظاهر وقرَّبه وأحبه (٦) ، وخالف فيه حملة الشرع ، فكتب إليه أن يقتله لا محالة ، فصلبه ولده عن أمر والده وشهَّره ، ويقال: إِنه (٧) حبسه بين حيطين حتى مات كمداً ، وذلك في سنة ست وثمانين وخمسمئة ، وكان السلطان صلاح الدين رحمه الله من أشجع الناس وأقواهم بدناً وقلباً مع ما كان يعتري جسمه من الأمراض والأسقام، ولا سيما٨) وهو مرابط مصابر مثابر عند عكا فإنهم كانوا كلما كثرت جموعهم وتراكمت أمدادهم لا يزيده ذلك إِلا قوة وشهامة ، وقد بلغت جموعهم خمسمئة ألف مقاتل ، ويقال : ستمئة ألف ، وكان جملة من قتل (٩) منهم مئة ألف مقاتل . ولما انفصل الحربُ(١٠) وتسلموا عكا، وقتلوا أكثر من كان بها [ من المسلمين ؟(١)، ساروا برُمَّتهم إِلى بيت المقدس(١٢) فجعل يسايرهم منزلة منزلة ، [ ومرحلة مرحلة @١٣) ، وجيوشهم أضعاف أضعاف من معه ، ومع هذا نصره الله وخذلهم ، [ وأيده وقتلهم !١٤) وسبقهم إِلى بيت المقدس (١٥) فصانه وحماه منهم ، وشيد بنيانه ، وأطّد أركانه ، وصان حماه ، ولم يزل بجيشه مقيماً به يرهبهم ويرعبهم ويغلبهم ويسلبهم . ويكسرهم ويأسرهم حتى تضرعوا إليه وخضعوا لديه ، ودخلوا عليه ، [ أن يصالحهم (١) ط : يسمع في بعض مصافه جزء وهو بين الصفين فكان يتبجح . والبجح : الفرح، وبجحته تبجيحاً فتبجّح . القاموس ( بجح ) . (٢) ط : لم يسمع أحد من قتله حديثاً . (٣) ط : وكان كثير . ط : كان قد صحب ولده . (٤) هو يحيى بن حبش ، له ترجمة واسعة في وفيات الأعيان (٦/ ٢٦٨). (٥) (٦) ليس في ب . (٧) ط : بل . (٨) مكانهما في ط : ولا سيما في حصار عكا فإِنه كان مع كثرة جموعهم وأمدادهم لا يزيده ذلك إِلا قوة وشجاعة . (٩) ط : ستمئة ألف فقتل . (١٠) أ، ب : الحال. (١١) عن ط وحدها . (١٢) ط : وساروا برمتهم إِلى القدس. (١٣) ليس في ط . (١٤) ليس في ط . (١٥) ط : القدس. ٤٢٠ ذكر تركة السلطان الملك الناصر وشيء من ترجمته ويباركهم (١) وأن تضع الحرب أوزارها بينهم وبينه ، فأجابهم إِلى ما سألوا على الوجه الذي أراده ، لا على ما يريدونه ، وكان ذلك من جملة الرحمة التي خص بها المؤمنون (٢) ، فإِنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه أبو بكر العادل ، فعزّ به المسلمون وذُلَّ به الكافرون ، وكان ، رحمه الله ، سخياً [ كريماً حَيّياً (٣) ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله ، شديد المصابرة والمثابرة على الخيرات والطاعات ، فرحمه الله ، وأسكنه الجنات . وقد ذكر الشيخ شهاب(٤) الدين أبو شامة طرفاً صالحاً من سيرته وأيامه ، وعدله في سريرته وعلانيته وأحكامه . فصل و کان السلطان الملك الناصر صلاح الدين قد قسم البلاد بين أولاده : فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين عثمان أبي الفتح . وبلاد دمشق وما حولها لولده الأفضل نور الدين علي ، وهو أكبر أولاده كلِّهم . والمملكة الحلبية لولده الظاهر غازي غياث الدين . ولأخيه العادل الكرك والشوبك وبلاد جعبر وبلدان كثيرة قاطع الفرات . وحماة ومعاملة أخرى معها للملك المنصور محمد بن(٥) تقي الدين عمر ابن أخي السلطان . وحمص والرحبة وغيرها لأسد الدين شيركوه(٦) بن ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير ، نجم الدين أخي أبيه نجم الدين أيوب رحمهم الله . واليمن بمعاقله ومخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب ، أخي السلطان صلاح الدين . وبعلبك وأعمالها للأمجد بهرام شاه بن فرُّوخ شاه . وبصرى وأعمالها للظافر بن الناصر . (١) مكانهما في ط : الصلح . (٢) ط : التي رحم الله بها المؤمنين . (٣) ط : جبيا ، تصحيف . الروضتين (٢١٨/٢ - ٢٢٤). (٤) (٥) ليس في ب . (٦) توفي سنة ٦٣٧، فملك حمص ستاً وخمسين سنة تاريخ الإسلام (٢٣٩/١٤).