Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
وفيات سنة ٥٠٧هـ
أَعزُّ وَأَحْدَاثُ الزَّمانِ تَهُونُ
تنَكَّرَ لي دَهْرِي وَلَمْ يَدْرٍ أَنَّني
وَبِتُّ أُرِيهِ الصَّبْرَ كَيْفَ يَكُونُ
وَظَلَّ يُريني الدَّهْرُ كَيْفَ اعْتِدَاؤُه(١)
محمد بن طاهر(٢) بن علي بن أحمد ، أبو الفضل المقدسي(٣) الحافظ:
ولد سنة ثمانٍ وأربعين وأربعمئة . وأول سماعه سنة ستين . وسافر في طلب الحديث إلى بلاد
كثيرة ، وسمع كثيراً . وكانت(٤) له معرفة جيدة بهذه الصناعة .
وصنّف كتباً مفيدة ، غير أنه صنف كتاباً في إياحة السماع ، وفي التصوف ، وساق(٥) فيه أحاديث
منكرة جداً ، وأورد أحاديث صحيحة في غيره(٦) .
وقد أثنى على حفظه غير واحد من الأئمة .
وذكر ابن الجوزي(٧) هذا الذي سمّاه ( صفة التصوّف ) وقال: يضحك منه مَنْ رآه . قال : وكان
داووديَّ المذهب ، فمن أثنى عليه فلأجل(٨) حفظه للحديث، وإلَّ فما يُجَرَّحُ(٩) به أولى .
قال : وذكره أبو سعد السمعاني ، وانتصر له بغير حجة ، بعد أن قال : سألت عنه شيخنا إسماعيل
ابن أحمد الطلحي(١٠) فأساء(١) الثناء عليه، وكان يسيء (١٢) الرأي فيه.
قال: وسمعنا أبا الفضل بن ناصر(١٣) يقول : محمد بن طاهر لا يحتج به ، صنف في جواز
(١) في ط : اعتداده. وما هنا عن آ، وهو يوافق ما في مصادره .
(٢) ترجمته في المنتظم (١٧٧/٩ - ١٧٩) ومعجم البلدان (مقدس)، ووفيات الأعيان (٤/ ٢٨٧) وميزان الاعتدال
(٥٨٧/٣) وتذكرة الحفاظ (١٢٤٢) والعبر (١٤/٤) والوافي (١٦٦/٣) ومرآة الجنان (١٩٥/٣). وتضيف
بعض هذه المصادر إلى اسمه ( المعروف بابن القَيْسَراني ) .
(٣)
في آ: القرشي . تصحيف .
(٤)
في ط : وكان .
(٥) في آ: واستعمل .
في ا : في غير كتبهما .
(٦)
في ط : في كتابه .
(٧)
(٨) في ط : فمن أثنى عليه أثنى لأجل حفظه للحديث .
(٩) فياً: فما يخرج .
(١٠) سترد ترجمته في وفيات سنة ٥٣٥ من هذا الجزء.
(١١) في ط : فأكثر .
(١٢) في ط : وكان سيء الرأي .
(١٣) سترد ترجمته في وفيات سنة ٥٥٠ من هذا الجزء.

٢٢
وفيات سنة ٥٠٧هـ
النظر للأمرد . وكان يذهب مذهب الإباحية (١) . ثم أورد له من شعره قوله: [ من البسيط ]
به جَوارِعُ(٢) أَقْوَامٍ مِنَ النَّاسِ
دَعِ التَّصَوُّفَ والزُّهْدَ الذي اشْتَغَلَتْ
وَغَجْ عَلَى دَيْرٍ دَارَيّا فإِنَّ بهِ
وَأَشْرَبْ مُعَتَّقَةً مِنْ كَفِّ كَافِرَةٍ
ثُمَّ اسْتَمِعْ رَنَّةَ الأَوْتَارِ مِنْ رَشَأِ
غَنَّى بشعر امرىءٍ في النَّاسِ مُشْتَهِرٍ
الرُّهْبَانَ ما بين قِّيْسٍ وشَمّاسٍ
تَسْقِيكَ خَمْرَيْنِ مِن لَحْظٍ ومن کاسٍ
مُهَفْهَفٍ طَرْفُهُ أَمْضَى مِنَ الماسِ
مُدَوَّنٍ عِنْدَهُم فِي صَدْرِ قِرْطاسٍ
لكُنْتُ مُخْتَرِقا٣ً) مِنْ حَرِّ أَنْفَاسي )
( لَوْلَا نَسِيمٌ بَدَا مِنْكُمْ يُرَوِّحُنِي
ثم قال السمعاني : لعله قد تاب عن هذا كله .
قال ابن الجوزي : وهذا غير مرضي أن يذكر جرح الأئمة فيه ثم يعتذر عن ذلك باحتمال توبته(٤) .
وذكر ابن الجوزي : أنه لما احتُضِر جعل يردّد هذا البيت ويقول(٥): [من المتقارب]
وَمَا كُنْتُمُ تَعْرِفُونَ الجَفَا فَمِمَّنْ تُرِى قَدْ تَعَلَّمْتُمُ
ثم كانت وفاته بالجانب الغربي من بغداد [ في ربيع الأول ]٦) من هذه السنة .
أبو بكر الشاشي(٧) صاحب المستظهري محمد بن أحمد بن الحسين بن [عمر، أبو بكر ]٨) الشاشي:
أحد أئمة الشافعية في زمانه . ولد في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمئة . وسمع الحديث على أبي
يعلى بن الفراء ، وأبي بكر الخطيب ، والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وتفقه عليه وعلى غيره ، وقرأ
(( الشامل)» على مصنفه ابن الصباغ٩) ، واختصره في كتابه الذي جمعه للمستظهر بالله ، وسماه ( حلية
(١) قال الذهبي معتذراً: (( يعني في النظر إلى الملاح، وإلا فلو كان يذهب إلى إباحة مطلقة لكان كافراً، والرجل مسلم
متبع للأثر سني ، وإن كان قد خالف في أمور مثل جواز السماع ، وقد صنف فيه مصنفاً ليته لا صنفه )) ( تاريخ
الإسلام : ٩٥/١١) (بشار).
(٢) في ط : خوارج .
(٣)
في آ: محترق .
(٤) هذا جزء من حملة ابن الجوزي على أبي سعد السمعاني ، وأين ابن الجوزي من أبي سعد وعلمه ( بشار) .
ليست اللفظة في ب ، ط .
(٥)
(٦) ليس ما بين الحاصرتين في أ.
(٧) ترجمته في تبيين كذب المفتري (٣٠٦) والمنتظم (١٧٩/٩) وابن الأثير (٢٦٨/٨) والروضتين (٢٩/١)
ووفيات الأعيان (٢١٩/٤ -٢٢١) والعبر (٤/ ١٣) والوافي ٧٣/٢٠) ومرآة الجنان (١٩٤/٣).
(٨) ليس ما بين الحاصرتين في ط .
(٩) هو أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر المعروف بابن الصباغ . تقدمت ترجمته مع وفيات
سنة ٤٧٧ من الجزء السابق .

٢٣
وفيات سنة ٥٠٧هـ
العلماء بمعرفة مذاهب الفقهاء ) ويعرف بالمستظهري . وقد درّس بالنظامية (١) ببغداد ، ثم عزل عنها .
وكان ينشد : [ من الوافر ]
وطِينُكَ لَيْنٌ والطّبْعُ قابِلْ
تَعَلَّمْ يا فَتَى والعُودُ غَضِّ
سُكُوتُ الحَاضِرِينَ وَأَنْتَ قَائِلْ
فَحَسْبُكَ يا فَتَىّ شَرَفاً وَفَخْراً
توفي سَحَرَ يوم السبت الحادي عشر من شوال من هذه السنة ، ودفن إلى جانب الشيخ أبي إسحاق
بباب أبرز .
المؤتمن بن أحمد بن علي بن الحسين بن عُبيد الله ، أبو نصر الساجي المقدسي(٢):
سمع الحديث الكثير، وخرّج، وكان ثقةً(٣) صحيح النقل ، حسن الخطّ ، مشكور السيرة ،
لطيف(٤) النفس . اشتغل في الفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي مدة ، ورحل إلى أصبهان وغيره [ من
البلاد }°) ، وهو معدود من جملة الحفّاظ ، ولا سيما المتون .
وقد تكلم فيه محمد بن طاهر .
قال ابن الجوزي (٦): وهو أحق منه بذلك، وأين الثُّريًّا من الثَّرى.
وكانت وفاةً(٧) المؤتمن يوم السبت ثامن(٨) عشر صفر [من هذه السنة}(٩) ، ودفن بباب حرب .
(١) ذكر ابن خلكان نقلاً عن أبي هلال الصابي في تاريخه : أن نظام الملك لما فتح مدرسته ببغداد سنة تسع وخمسين
وأربعمئة أمر أن يكون المدرس بها أبا إسحاق الشيرازي ، ولكنه لم يحضر ، فأرسل إلى أبي نصر بن الصباغ فأحضر
ورتب بها مدرساً ، وظهر أبو إسحاق في مسجده ، فراسله أصحابه : إن لم يدرس بها مضوا إلى ابن الصباغ
وتركوه . فأجاب إلى ذلك ، وعزل ابن الصباغ بعد عشرين يوماً ، ولما مات أبو إسحاق تولّى أبو سعد المتولي ثم
صرف في سنة ٧٦ وأعيد ابن الصباغ ، ثم صرف في سنة ٧٧ وأعيد أبو سعد إلى أن مات .
(٢) ترجمته في المنتظم (١٧٩/٩ - ١٨٠) وعند ابن الأثير (٢٦٨/٨) وتاريخ دمشق (٣٨٤/٦٠)، وتاريخ الإسلام
(١٠٤/١١) وفي العبر (١٥/٤) ومرآة الجنان (٣/ ١٩٧).
(٣)
ليست اللفظة في ط .
في ط : لطيفاً .
(٤)
(٥)
ليس ما بين الحاصرتين في ط .
(٦)
المنتظم (١٨٠/٩).
في ط : توفي .
(٧)
في ط : ثاني .
(٨)
(٩) مكان ما بين الحاصرتين في ط : منها .

٢٤
أحداث سنة ٥٠٨هـ
ثم دخلت سنة ثمان وخمسمئة
فيها : وقع حريق عظيم ببغداد .
وفيها(١) : كانت زلزلة هائلة بأرض الجزيرة ، سقط(٢) منها ثلاثة عشر برجاً من الرُّها(٣)، وبعض
سور حرّان (٤) ، ودور كثيرة في بلاد شتى ، فهلك من أهلها نحوٌ من مئة ألف ، ومن بالس(٥) نحوٌ من مئة
دار، وقلب بنصف قلعتها ، وسلم نصفها . وخسف بمدينة سُمَيْساط(٦) ، وهلك تحت الردم خلق كثير ،
[فإنّا لله وإنّا إليه راجعون}(٧).
وفيها : قتل(٨) صاحب حلب تاج الدولة أَلْب أَرْسلان(٩) بن رضوان بن تُتُش ، قتله غلمانه ، وقام من
بعده أخوه سلطان شاه بن رضوان .
وفيها : ملك السلطان سنجر بن ملكشاه بلاد غَزْنَه( ١٠) ، وخطب له فيها بعد مقاتلة عظيمة وأخذ منها
أموالاً كثيرة ، لم يُرَ مثلُها ، من ذلك: خمسة تيجان ، قيمة كلّ تاج منها ألف ألف دينار ، وسبعة عشر
سريراً من ذهب وفضة ، وألف وثلاثمئة قطعة مصاغ مرصعة . فأقام بها أربعين يوماً ، وقُرِّر في ملكها
بَهْرام شاه رجل من بيت بني سُبُكْتِكين ، ولم يُخْطَب بغزنة قبل السلطان سنجر من السلجوقية لأحد ،
[ وإنما كان لها ملوك سادة أهل جهاد وسنة ، لا يجسر أحد من الملوك عليهم ، ولا يطيق أحد مقاومتهم ،
وهم بنو سُبُكْتِكين ]١١) .
(١) عن ط وحدها.
(٢) في ط : هدّمت . وسترد في هذا الخبر خلافات كثيرة بين ط والنسختين المخطوطتين . وقد أعرضت عنها لكثرتها ،
واكتفيت بذكر خلافات النسختين فقط .
(٣) الزُّها : بضم أوله ، والمد ، والقصر: مدينة بالجزيرة بين الموصل والشام بينهما ستة فراسخ كما في معجم البلدان
( الرهاء ) .
(٤) في ط : خراسان، وهو تصحيف لأن خراسان بعيدة جداً عن الجزيرة ، وأما حَرَّان فكما يقول ياقوت هي من مدن
الجزيرة ، بينها وبين الرقة يومان على طريق الموصل والشام والروم .
(٥) ليست عبارة: من بالس. في ب، وبالس : بلدة بين حلب والرقة كما في معجم البلدان (بالس ).
(٦) سُمَيْساط : مدينة على شاطىء الفرات الغربي من طرف بلاد الروم . معجم البلدان .
(٧) ليس ما بين الحاصرتين في ط .
(٨) ليست اللفظة في ب .
(٩) ترجمته في مختصر ابن عساكر (٢٢/٥) وعند ابن الأثير (٢٧١/٨) ومختصر أبي الفداء (٣٢٨/٢) وفي العبر
( ط الكويت ١٦/٤) وبيروت (٣٩٢/٢) والشذرات (٢٢/٤).
(١٠) ((غزنة)): مدينة عظيمة وولاية واسعة في طرف خراسان، وهي الحد بين خراسان والهند. قال ياقوت: وهي
كانت منزل بني محمد بن سبكتكين إلى أن انقرضوا . معجم البلدان : غزنة .
(١١) ما بين الحاصرتين زيادة من ط .

٢٥
أحداث سنة ٥٠٩هـ
وفيها : ولي السلطان محمد للأمير آقسُنْقُر البُرْسُقي(١) الموصل وأعمالَها، وأمره بمقاتلة الفرنج ،
فقاتلهم في أواخر هذه السنة، فأخذ منهم الُها وخرّبها٢) وسَرُوج(٣) وسُمَيْسَاط ونهب مَارِدِينُ(٤) ، وأسر
ابن ملكها إياز إيلغازي . فأرسل السلطان محمد إليه [مَنْ يتهدّده ، ففرّ منه إلى طُغْتِكين صاحب دمشق ،
واتفقا على عصيان السلطان محمد}(6) ، فجرت بينهما وبين نائب حمص قراخان(٦) بن قراجة حروب(٧)
كثيرة ثم اصطلحوا .
وفيها : ملكت زوجة [صاحب (٨) مَرْعَش(٩) الإفرنجية بعد وفاة زوجها ، لعنهما الله .
وحجَّ بالناس فيها أمير الجيوش أبو الخير يُمْن الخادم ، وشكر الناس حجّهم معه .
ثم دخلت سنة تسع وخمسمئة
فيها : جهّز السلطان غياث الدين محمد [ بن ملكشاه (١٠) صاحب العراق جيشاً كثيفاً مع الأمير بُرْسُق
[بن بُرْسُق(١١) إلى إيلغازي صاحب ماردين، وإلى طُغْتِكِين صاحب دمشق (١٢)، ليقاتلهما على
عصيان(١٣) السلطان وقطع خُطبته، وإذا فرغ من ذلك صمد(١٤) لقتال الفرنج . فلما اقترب الجيش من بلاد
الشام هرب صاحب ماردين وصاحب دمشق وتحيزا إلى الفرنج ، وجاء الأمير بُرْسُق إلى كَفَرْطاب ففتحها
عَنوة ، وأخذ ما كان فيها من النساء والذرية .
(١) ترجمته عند ابن الأثير في مواضع مختلفة في الجزء التاسع ، وفي وفيات الأعيان (١/ ٢٤٢) ومعجم الألقاب
(٥٨٨/٣/٤ ) .
(٢) في آ: ومر بها وفي ط : حريمها . وكلاهما تصحيف وما أثبته من ب.
(٣) في ط : بروج . وهو تصحيف . وسَروج بفتح أوله : بلدة قريبة من حرّان من دار مضر ، وهي التي يعيد الحريري
في ذكرها ويبدي في مقاماته . معجم البلدان ( سروج ) .
(٤) ماردين : قلعة مشهورة على قنة جبل الجزيرة مشرف على دُنْسِر ودارا ونصيبين . معجم البلدان .
(٥) ما بين الحاصرتين مستدرك في هامش ا .
(٦) اللفظة مصحفة في ا. وهي في ط : قرجان بن قراجة، وفي مختصر أبي الفداء (٢/ ٢٢٧) : قيرخان بن قراجا .
(٧) في آ: حرب ، وليست اللفظة في ب .
(٨) ليست اللفظة في الأصلين ولا في ط ، وقد استدركتها عن ابن الأثير (٢٦٩/٨).
(٩) ((مَرْعَشُ)): مدينة في الثغور بين الشام وبلاد الروم . معجم البلدان.
(١٠) عن ط وحدها .
(١١) ليس في ط ، ولا بد منها .
(١٢) ط : إلى صاحب دمشق طغتكين وإلى أقسنقر البرشقي ليقاتلهما لأجل عصيانهما عليه .
(١٣) ا: على تماليهما على عصيان السلطان.
(١٤) ط : عمد .

٢٦
وفيات سنة ٥٠٩هـ
وجاء صاحب أنطاكية (١) في خمسمئة فارس وألفي راجل، فكبس المسلمين ، فقتل منهم خلقاً
كثيراً، وأخذ أموالاً كثيرة (٢) جزيلة . وهرب بُرْسُق في طائفة قليلة (٣) من الناس ، وتمزّق الجيش الذي
كان معه شذَر مذَر ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفي ذي القَعدة منها قدم [ الملك غياث الدين ]٤) محمد إلى بغداد ، وجاء إليه طُغْتكين صاحب
دمشق معتذراً إليه ، فخلع عليه(٥) ، ورضي عنه ، ورده إلى عمله .
وممن توفي فيها من الأعيان :
إسماعيل بن محمد بن أحمد بن مَلَّة (٦) ، أبو عثمان الأصبهاني(٧) :
أحد الرَّحَّالين في طلب الحديث . وقد وعظ في جامع المنصور ثلاثين مجلساً . واستملى عليه
محمد بن ناصر . توفي بأصبهان .
مُنْجِب بن عبد الله المستظهري(٨) ، أبو الحسن الخادم : كان كثير الصلاح والعبادة . وقد أثنى عليه
محمد بن ناصر ، وقال : وقف على أصحاب الحديث [ كتباً منها مسند الإمام أحمد بن حنبل ]٩) .
هبةٌ ١) الله بن المبارك بن موسى ، أبو البركات السَّقَطي(١):
سمع الكثير ، ورحل فيه (١٢) ، وكان فاضلاً عارفاً باللغة . ودفن بباب حرب .
(١) ط : صاحب أنطاكية رويجل .
(٢) عن ب وحدها .
(٣) ب : كثيرة . واستدركت الرواية الثانية في هامشها .
(٤) ط : السلطان .
(٥) آ: إليه .
(٦) ط : بن علي .
(٧) ترجمته في المنتظم (١٨٣/٩) وابن الأثير (٢٧٣/٨) والعبر (١٨/٤) ومرآة الجنان (١٩٨/٣) وذيل ابن رجب
(١١١/١ - ١١٢).
(٨) ترجم له ابن الجوزي في المنتظم (٩/ ١٨٣) وفيه: منتخب بن عبد الله أبو الحسن الدوامي المستظهري .
(٩) ما بين المعقوفتين مستدرك عن المنتظم ، ومكانها في ط : وقفاً .
(١٠) ط : عبد.
(١١) ترجمته في المنتظم (٩/ ١٨٣) وابن الأثير (٢٧٣/٨) والعبر (١٩/٤) ومرآة الجنان (١٩٨/٣ ) وذيل ابن رجب
( ١١٤/١ ).
(١٢) قال ابن الجوزي: ادعى سماعاً ممن لم يره ، منهم أبو محمد الجوهري ، فإنه لا يحتمل سنه السماع منه . وسئل
شيخنا ابن ناصر عنه فقالوا : أثقة هو ؟ فقال : لا والله ، حدث بواسط عن شيوخ لم يرهم ، فظهر كذبه عندهم .

٢٧
أحداث سنة ٥١٠هـ ووفياتها
يحيى بن تميمٌ(١) بن المُعِزّ بن باديس ، صاحب إفريقية :
كان من خيار الملوك ، عارفاً ، حسن السيرة ، محبّاً للفقراء والعلماء ، له عليهم(٢) أرزاق.
وكان عمره ثنتين وخمسين سنة (٣) . وترك ثلاثين ولداً. وقام بالأمر من بعده ولده علي رحمه الله تعالى
آمين .
ثم دخلت سنة عشر وخمسمئة
فيها: وقع حريق عظيمٌ(٤) ببغداد ، احترقت فيه دور كثيرة ، منها دار نور الهدى الزَّينبي(٥) ورباط
بِهْروز(٦) ودار الكتب النظامية ، وسلمت الكتب لأن الفقهاء نقلوها .
وفيها : قتل صاحب مَراغة في مجلس السلطان محمد ، قتلته الباطنية .
وفي يوم عاشوراء وقعت فتنة عظيمة بين الروافض والسنة بمشهد علي بن موسى الرضا بمدينة طوس ،
فقتل فيها خلق كثير .
وفيها : سار السلطان إلی فارس بعد موت نائبها ، خوفاً عليها من صاحب گزمان .
وحج بالناس أمير الجيوش أبو الحسن نظر الخادم ، وكانت سنةً مخصبة آمنة ، ولله الحمد .
وممن توفي فيها من الأعيان :
البغوي(٧) المفسّر(٨) المحدّث الفقيه: وقيل : في سنة ست عشرة ، كما سيأتي ، والله أعلم .
(١) ترجمته عند ابن الأثير (٢٧٣/٨) ووفيات الأعيان (٢١١/٦ - ٢١٩) والعبر (١٩/٤) ومرآة الجنان
(١٩٨/٣).
(٢)
في ا: ولهم عليه .
ط : مات وله اثنتان وخمسون سنة .
(٣)
(٤)
لیس في ط .
في المنتظم (٩/ ١٨٤) : دار نور الهدى أبي طالب الحسين بن محمد الزينبي . قلت : سترد ترجمته في حوادث
(٥)
سنة ٥١٢ من هذا الجزء .
(٦) ط : نهر زور . تصحيف.
(٧) ليست هذه الترجمة في غيراً.
(٨) هو الحسين بن مسعود بن محمد البغوي. اختلفت المصادر في سنة وفاته بين سنة ٥١٠ في وفيات الأعيان
(١٣٦/٢) وسنة ٥١٦ في العبر (٣٧/٤) ومرآة الجنان (٢١٣/٣) وقد ذكره ابن كثير في السنتين.

٢٨
وفيات سنة ٥١٠هـ
علي بن أحمد بن محمد(١) بن بَيَانُ(٢) الرَّزاز(٣):
آخر من حدث عن ابن مَخْلد بجزء(٤) الحسن بن عرفة ، وتفرّد بأشياء غيره أيضاً . وتوفي في هذه
السنة عن سبع وتسعين سنة .
عقيل بن الإمام أبي الوفاء علي (٥) بن عقيل الحنبلي(٦): كان شاباً قد برع وحفظ القرآن، وكتب مليحاً،
وفهم المعاني جيداً، ولما توفي تصبَّر أبو(٧) عليه وتشكَّر، وأظهر التجلد ، فقرأ قارىء في العزاء: ﴿ قَالُواْ
يَّأَيُّهَا الْعَزِيُ إِنَّ لَهُ أَبََّ شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَ حَدَنَامَكَانَهٌُ ﴾ [ يوسف: ٧٨] الآية، فبكى ابن عقيل بكاءً شديداً.
محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار ، أبو بكر السمعاني (٨):
سمع الحديث(٩) ، وحدّث ، ووعظ بالنظامية ببغداد ، وأملى بمرو مئة وأربعين مجلساً . وكانت له
معرفة تامة بالحديث . وكان أديباً شاعراً فاضلاً ، له قبول عظيم . توفي بمرو عن ثلاث وأربعين سنة .
محمد بن علي بن محمد ، أبو بكر النّسوي الفقيه الشافعي(١٠) :
سمع الحديث ، وكانت إليه تزكية الشهود ببغداد . وكان فاضلاً ديناً ورعاً .
محمد بن أحمد بن طاهر بن حَمْد١١ُ) أبو منصور(١٢) الخازن(١٣): فقيه الإمامية ومفتيهم بالكرخ ،
وقد سمع الحديث من التنوخي وابن غيلان . وكانت وفاته في رمضان .
(١) جاءت هذه الترجمة في ب، ط بعد ترجمة (عقيل). وترجمته في المنتظم (١٨٦/٩) وابن الأثير (٢٧٦/٨ -
٢٧٧) وذيل تاريخ بغداد ( ١٤٤/٣) والعبر (٢١/٤).
(٢) اللفظة مستدركة في هامش ا.
(٣) ط : ابن الرزاز وفي المنتظم : الوزان .
(٤)
ليس في آ .
ليس في اً .
(٥)
ترجمته في المنتظم (١٨٦/٩ - ١٨٨) وذيل تاريخ بغداد (٢٨٨/١).
(٦)
(٧) عن ط وحدها .
(٨) ترجمته في المنتظم (١٨٨/٩) وابن الأثير (٢٧٧/٨) والعبر (٢٢/٤ - ٢٣) ومرآة الجنان (٢٠٠/٣)، وهو
والد أبي سعد .
(٩) ط : الكثير .
(١٠) ترجمته في التحبير للسمعاني (١٩٠/٢ - ١٩١) والمنتظم (١٨٨/٩ - ١٨٩) وتاريخ الإسلام (١٤٤/١١) وقد
تأخرت هذه الترجمة في ا إلى ما بعد ترجمة الخازن .
(١١) في (ط): ((أحمد))، محرف، وما هنا من أ، ب وخط الذهبي في تاريخ الإسلام (١١ / ١٤١).
(١٢) ترجمته في معجم الأدباء (١٧/ ٢٦٧ - ٢٦٩) والمنتظم (١٨٩/٩). قال بشار: ووقع في ط: (( بن منصور ))
وهو تحريف ، والصواب ما أثبتنا ( بشار) .
(١٣) ((المنتظم)) : يعرف بخازن دار الكتب القديمة.

٢٩
أحداث سنة ٥١١هـ
محفوظ بن أحمد بن الحسن ، أبو الخطاب الكَلْوذَاني (١) :
أحد أئمة الحنابلة ومصنفيهم . سمع الكثير . وتفقه بالقاضي أبي يعلى . وقرأ الفرائض على
الوَنّي (٢). ودرّس وأفتى وناظر، وصنف في الأصول والفروع. وله شعر حسن. وجمع قصيدة(٣) يذكر
فيها اعتقاده ومذهبه يقول فيها : [ من الكامل ]
وَالشَّوْقَ نَحْوَ الآنِساتِ الخُرَّدِ
دَعْ عَنْكَ تَذْكَارَ الخَلِيطِ المُنْجِدِ
تَذْكَارُ سُعْدَى شُغْلُ مَنْ لَمْ يَسْعَدِ
وَالنَّوْحَ فِي تَذْكَارُ(٤) سُعْدَى إنَّما
يَوْمَ الحِسَابِ وَخُذْ بَهَدْيِي (٥) تَهْتَدِ
وَأسمَعْ مَقَالي إنْ أَرَدْتَ تَخَلُّصاً
وذكر تمامها٦) ، وهي طويلة . وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثمان وسبعين
سنة ، وصُلي عليه بجامع القصر وجامع المنصور ودفن بالقرب من الإمام أحمد(٧) .
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمئة
وفي رابع عشر(٨) صفر منها انكسف القمر كسوفاً كلياً .
وفي تلك الليلة هجم الفرنج على أرض(٩) حماة، فقتلوا خلقاً كثيراً، ورجعوا - لعنهم الله - إلى
(١٠)
بلادهم١).
وفيها : كانت زلزلة عظيمة ببغداد سقطت منها دور كثيرة بالجانب الغربي ، وغلت الغلاّت ببغداد في
هذه السنة جداً .
(١) ترجمته في طبقات أبي يعلى (٢٥٨/٢) والمنتظم (١٩٠/٩) ومعجم البلدان ( كلوا ذي ) وابن الأثير ( ٨/ ٢٧٧)
ومرآة الزمان (٦٦/٨) والعبر (٢١/٤) ومرآة الجنان (٢٠٠/٣) والمنهج الأحمد (٢٣٣/٢) وذيل ابن رجب
(١١٦/١ - ١٢٦).
(٢) هو الحسين بن محمد أبو عبد الله الوني . تقدمت ترجمته مع وفيات سنة ٤٥١ من الجزء السابق.
(٣) هذه الأبيات من قصيدة مؤلفة من اثنين وخمسين بيتاً في المنتظم (٩/ ١٩١ - ١٩٣).
(٤)
في المنتظم : أطلال .
(٥)
ط : بقولي .
يعني : ابن الجوزي في المنتظم ، فهو ينقل منه .
(٦)
آخر الورقة ٣٤٢/ ب وفي زاويتها التعليقة التالية : الصفحة المواجهة مقابل هذا بياض صحيح ... ثم دخلت سنة
(٧)
إحدى عشرة وخمسمئة .
(٨) ليس في ط ، والخبر في ابن الأثير (٢٧٩/٨).
(٩) ب ، ط : ربض .
(١٠) ليس في ب .

٣٠
وفيات سنة ٥١١هـ
وفيها : قُتل لؤلؤ(١) الخادم الذي كان قد استحوذ على مملكة حلب ، بعد موت أستاذه رضوان بن
تُتُش، قتله جماعة من الأتراك ، وكان قد خرج من حلب متوجهاً إلى جَعْبَر ، فتنادى جماعة من
مماليكه وغيرهم في أثناء الطريق : أرنب أرنب ، فرموه بالسهامُ(٢)، موهمين أنهم يصيدون أرنبا٣ً)،
فقتلوه .
وفيها : كانت وفاة السلطان غياث الدين(٤) محمد بن ملكشاه بن أَلْب أرسلان بن داود بن ميكائيل بن
سلجوق ملك بلاد العراق وخراسان وغير ذلك من البلاد الشاسعة والأقاليم الواسعة ، وكان من خيار
الملوك ، وأحسنهم سيرة ، عادلًا رحيم القلب ، سهل الأخلاق ، محمود العشرة ، رحمه الله .
لما حضرته الوفاة استدعى ولده محموداً ، وضمّه إليه ، ويكى كل منهما ، ثم أمره بالجلوس على
سرير المملكة ، وعمره [ إذ ذاك ]°) أربع عشرة سنة ، فجلس وعليه التاج والسواران ، وحكم . ولما
توفي أبوه صرف الخزائن إلى العساكر، وكان فيها أحد عشر(٦) ألف ألف دينار. واستقر المُلْكُ له(٧) ،
وخُطب له ببغداد وغيرها من البلاد ، [ وقد كان عمر أبيه السلطان محمد تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر
وأياماً ، وقد كان يُخطب له ببغداد عدة مرات ، ونازعه أخوه بَرْكَيَارُوق ثم استقر المُلْك له إلى هذه السنة
رحمه الله وأكرم مثواه ]٨) .
وفيها : ولد (٩) الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بن آقْسنقر ، صاحب حلب ودمشق .
وممن توفي فيها من الأعيان :
القاضي المرتضى (١٠): أبو محمد عبد الله بن القاسم بن المظفر بن علي بن القاسم الشَّهْرزوري والد
القاضي جمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري قاضي دمشق ، إمام نور الدين .
اشتغل ببغداد ، وتفقّه بها . وكان شافعيَّ المذهب بارعاً ديّناً أديباً ، حسن النظم . ثم عاد إلى بلده ،
(١) ترجمته في المنتظم (١٩٤/٩) وابن الأثير (٢٧٩/٨).
(٢) ط : بالنشاب.
(٣) آ، ب : يصيدونه صيداً .
ترجمته في المنتظم (١٩٦/٩) وابن الأثير (/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، وتاريخ الإسلام (١٨٠/١١).
(٤)
(٥)
عن ط وحدها .
(٦) ط : إحدى عشر ألف . خطأ.
(٧) ليس في ا.
(٨) بدل ما بين الحاصرتين في ط : ومات السلطان محمد عن تسع وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأياماً.
(٩) ترجمته في الكواكب الدرية في السيرة النورية (١٥).
(١٠) ترجمته في الخريدة - شعراء الشام (٣٠٨/٢ -٣٢١) وفيات الأعيان (٤٩/٣ -٥٣).

٣١
وفيات سنة ٥١١هـ
فكان يعظ ، ويتكلم على القلوب . وله قصيدة بارعة في علم التصوف ، أوردها١) القاضي ابن خلكان
بتمامها لحسنها وفصاحتها، وأولها٢): [من الخفيف ]
ـل وملّ(٣) الحادي وحار الدليل
لمعت نارهم وقد عسعس الليـ
سن عليل ولحظ عيني كليل
فتأمَّلتها وفكري من البيـ
وغرامي ذاك الغرام الدَّخيل
وفؤادي ذاك الفؤاد المعنّى
ومن شعره(٤) : [ من السريع ]
يا ليل ما إن جئتكم زائراً إلا وجدت الأرض تُطوى لي
إلا تعثّرت(٦) بأذيالي
ولا ثنيت(٥) العزم عن بابكم
ومن شعره [ دو بيت ] :
دع مزحك كم جنى عليك المزح
يا قلب إلام لا يفيد النصح
ما تشعر بالخمار حتى تصحو
ما جارحة منك غذاها جرح
كانت وفاته في هذه السنة . قال ابن خلكان(٧): وزعم العماد في الخريدة(٨) أنه توفي بعد العشرين ،
فالله أعلمُ(٩) .
محمد بن سعيد بن نبهان ، أبو علي الكاتب(١٠) :
سمع الحديث ، وروى . وعُمِّر مئة سنة ، وتغيّر قبل موته . وله شعر حسن ، فمن ذلك قوله في
قصيدة(١) : [ من السريع ]
(١) تختلف العبارة بين الأصلين وط مما يصعب إثباته .
(٢) ليس في أ.
(٣) ا : ومد .
(٤) ط ، ب : وله .
(٥) آ : نفيت.
(٦) ا : تفترت .
(٧) وفيات الأعيان ( ٣/ ٥٣) .
(٨) الخريدة - قسم الشام (٣١٢/٢).
(٩) ذكره الذهبي في المتوفين سنة (٥٢١) من تاريخه (٣٦٧/١١ -٣٦٨) (بشار).
(١٠) ترجمته في المنتظم (١٩٥/٩) وابن الأثير (٢٨٠/٨) والمحمدون من الشعراء (٤٨٥) والعبر (٢٥/٤) والوافي
(١٠٤/٣) ومرآة الجنان (٢٠٣/٣) وفي بعض هذه المصادر وفي ط : محمد بن سعد ، وما أثبتناه هو الصواب ،
وهو الذي بخط الذهبي في تاريخ الإسلام (١٧٩/١١).
(١١) الأبيات في المنتظم (٩/ ١٩٥) وهي الأبيات الأخيرة من قصيدة مؤلفة من ٢٦ بيتاً في: المحمدون (٤٨٥ - ٤٨٧).

٣٢
أحداث سنة ٥١٢هـ - وفاة الخليفة المستظهر بالله
نِعَم ورزقٌ أتوقَّاه
لي أجل قدّره الله
قد تم لي لا أتعدّاه
حتى إذا استوفيت منه الذي
في مجلس قد(١) كنت أغشاه
قال كرام كنت أغشاهم
يرحمنا الله وإياه
صار ابن نبهان إلى ربه
أمير الحاج يُمْن بن عبد الله، أبو الخير المستظهري(٢): كان جواداً كريماً مُمَدَّحاً ذا رأي وفطنة (٣)
ثاقبة ، وقد سمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن طلحة النعالي بإفادة أبي نصر الأصبهاني. وكان يؤمّ
به في الصلوات . ولما قدم رسولاً إلى أصبهان حدث بها . واتفقت(٤) وفاته في ربيع الآخر من هذه
السنة . ودفن هناك رحمه الله تعالى .
ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وخمسمئة
فيها : خُطب للسلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بأمر الخليفة المستظهر بالله .
وفيها : سأل دُبَيْس بن صدقة بن منصور الأسدي من السلطان محمود أن يردّه إلى الحِلَّة وغيرها مما
كان أبوه يتولاه من(٥) الأعمال ، فأجابه إلى ذلك، [وولَاه ما كان أبوه يتولاه من ذلك }٦)، فعظم
وارتفع شأنه .
وفاة الخليفة المستظهر بالله
وهو أبو العباس أحمد بن [ أمير المؤمنين }٧) المقتدي بأمر الله . وكان خيّراً فاضلاً ذكياً بارعاً ، كتب
الخط المنسوب . وكانت أيامه ببغداد كأنها الأعياد ، وكان راغباً في البر والخيرات ، مسارعاً إلى ذلك ،
لا يردّ سائلاً. وكان جميل المعاشرة(٨) ، لا يصغي إلى أقوال الوشاة في الناس ، ولا يثق بالمباشرين .
(١) ليس في ط .
(٢) ترجمته في المنتظم (١٩٦/٩) وتلخيص مجمع الآداب (١١٧٢/٢/٤) وتاريخ الإسلام (١٨٤/١١): غرس
الدين أبو الفضل يمن بن عبد الله العزيزي الأمير .
(٣) آ : وفتنة . خطأ.
(٤) آ : واتفق .
(٥) ليس في ا.
(٦) ليس في ط .
(٧) ليس في ط .
(٨) ط : العشرة .

٣٣
خلافة المسترشد بالله
قد ضبط أمور الخلافة جيداً وأحکمها وعرفها وعلمها ، ولديه علم کثیر وفضل كبير . وله شعر حسن ، قد
ذكرناه أولاً عند ذكر خلافته (١) بعد والده. وقد ولي غسله الإمام ابن عقيل(٢) وابن السَّيبي(٣)، وصلى
عليه ولده أبو منصور الفضل ، وكبّر أربعاً ، ودفن في حجرة كان يسكنها . ومن العجب أنه لما مات
السلطان ألب أرسلان مات بعده الخليفة القائم بأمر الله . ثم لما مات السلطان ملكشاه توفي بعده الخليفة
المقتدي بأمر الله . ولما مات السلطان محمد مات بعده الخليفة المستظهر [ بالله ، رحمهم الله . وكانت
وفاة المستظهر بالله (٤) في سادسَ عشر ربيع الآخر(٥) من هذه السنة ، وله من العمر إحدى وأربعون سنة
وثلاثة أشهر وأحد عشر يوماً .
خلافة المسترشد(٦) بالله
أمير المؤمنين ، أبو منصور الفضل بن المستظهر . لما توفي أبوه ، كما ذكرنا ، بويع له بالخلافة ،
وخُطب له على المنابر . وقد كان ولي العهد من مدة ثلاث وعشرين سنة . وكان الذي أخذ البيعة له قاضي
القضاة أبو الحسن الدامغاني(٧) .
ولما استقرّت البيعة للمسترشد(٨) هرب أخوه أبو الحسن في سفينة ، ومعه ثلاثة أنفار ، وقصد دُبَيْس
ابن صدقة بن منصور بن دُبَيس بن علي بن مَزْيَد الأسدي بالحلّة ، فأكرمه وأحسن إليه ، فقلق أخوه الخليفة
المسترشد بالله(٩) [من ذلك، فراسل دُبَيْساً في ١٣) ذلك مع نقيب النقباء الزَّينبي، فهرب أخو الخليفة
من دُبَيْس ، فأرسل إليه جيشاً فألجؤوه إلى البرِّيّة فلحقه عطش شديد، فلقيه بدويّان ، فسقياه ماءً ،
وحملاه إلى بغداد ، فأحضره أخوه إليه ، فاعتنقا وتباكيا ، وأنزله الخليفة داراً كان يسكنها قبل الخلافة ،
(١) في سنة ٤٨٧ من الجزء السابق من هذا الكتاب .
هو أبو الوفاء علي بن عقيل ، وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥١٣ من هذا الجزء .
(٢)
(٣) هو أحمد بن عبد الوهاب وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥١٤ من هذا الجزء .
(٤) مكان الحاصرتين في ب ، ط : هذا .
(٥) هذا خطأ بيّن تابع فيه المؤلف ابن الأثير في الكامل ، والصواب أنه توفي يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع
الآخر ، كما ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام (١٨٦/١١) وغيره . ويقوي ذلك ويؤكده قول ابن الجوزي في المنتظم
عند كلامه على بيعة ابنه المسترشد، قال: (( وكانت بيعته بكرة الخميس الرابع والعشرين من ربيع الآخر ... ))
( المنتظم ٩/ ١٩٧ ) ( بشار ) .
(٦) ترجمته وأخباره في الكامل لابن الأثير (٢٨١/٨ - ٣٤٩) والعبر (٧٧/٤) ومرآة الجنان (٢٥٥/٣).
(٧) آ : ابن الدامغاني .
(٨) ط : له .
(٩) عن آوحدها .
(١٠) ب : إلى .

٣٤
وفيات سنة ٥١٢هـ
وأحسن إليه ، وطيّب نفسه . وكانت مدة غيبته عن بغداد أحد(١) عشر شهراً. واستقرّت الخلافة بلا منازعة
للمسترشد .
[وفي هذه السنة ]٢) كان غلاءٌ شديد ببغداد، وانقطع الغيث، وعدمت الأقوات ، وتفاقم أمر
العيّارين ببغداد ، ونهبوا الدور(٣) نهاراً جهاراً. ولم يستطع الشرط(٤) لذلك تغييراً ولا إنكارأ٥) .
وحج بالناس في هذه السنة نَظَر الخادم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الإمام (٦) الخليفة المستظهر(٧) بالله [ أبو العباس أحمد ](٨): كما تقدم ذكر ذلك آنفاً في هذا العام .
[ أُزْجوان الأرمنية (٩) : وتوفيت بعده جدته أم أبيه المقتدي بأمر الله أَرْجُوان الأرمنية ، وتدعى قرة
العين . وكان لها بِرّ كثير ، ومعروف ، وصدقات . وقد حجت ثلاث حجات ، أدركت خلافة ابنها
المقتدي بأمر الله ، وخلافة ابنها المستظهر ، وخلافة ابنه المسترشد ، ورأت للمسترشد ولداً . وكانت
وفاتها في هذه السنة ، رحمها الله تعالى .
بكر بن محمد بن علي بن الفضل ، أبو الفضل الأنصاري(١٠)
روى الحديث . وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة . وكان قد تفقّه على عبد العزيز بن
أحمد١١) الحَلْوائي (١٢)، وكان يذكر الدرسُ(١٣) في أي موضع سُئل من غير مطالعة ولا مراجعة ، وربما
(١) ط : إحدى.
(٢) ط : وفيها .
(٣) آ، ب : الديارات.
(٤) آ، ب : الشرطة.
(٥) ط : الشرط دفع ذلك .
(٦) ليس في ط .
(٧) أخباره وترجمته في المنتظم (٩/ ١٩٧ - ١٩٩) وابن الأثير (٢٨١/٨) ومرآة الزمان (٢٧٣/٨) والروضتين
(٢٨/١)، وتاريخ الإسلام (١٨٥/١١)، والعبر (٢٦/٤) ومرآة الجنان (٢٠٣/٣).
(٨) عن ب وحدها .
(٩) ترجمتها في المنتظم (٩/ ٢٠٠) وابن الأثير (٢٨٥/٨) والعبر (٢٦/٤) وتاريخ الإسلام (١٨٨/١١).
(١٠) ترجمته في المنتظم (٩/ ٢٠٠) وابن الأثير (٢٨٥/٨) والعبر (٢٦/٤ -٢٧) ومرآة الجنان (٢٠٣/٣).
(١١) ط: محمد، المنتظم (٩/ ٢٠٠).
(١٢) في (ط) والمنتظم: ((الحلواني))، والحَلْوائي: بفتح الحاء المهملة وسكون اللام هذه النسبة إلى عمل الحلواء
وبيعها ، وقد نسب أبو سعد السمعاني عبد العزيز هذا هذه النسبة ، وهو مجود بخط الذهبي في تاريخ الإسلام
(١٨٩/١١)، وترجمهُ في وفيات سنة ٤٥٦ من تاريخه هذا (١٠ / ٧١) نقلا من خط شيخه الفرضي (بشار).
(١٣) ط : الدروس .

٣٥
وفيات سنة ٥١٢هـ
كان في ابتداء طلبه يكرر على المسألة أربعمئة مرة . [وكانت وفاته}(١) في شعبان من هذه السنة .
الحسين بن محمد بن علي بن الحَسَنُ(٢) بن محمد بن عبد الوهاب الزَّينبي(٣):
قرأ القرآن ، وسمع الحديث ، وتفقّه على أبي عبد الله بن الدامغاني ، فبرع وأفتى ودرّس بمشهد أبي
حنيفة ، ونظر في أوقافها ، وانتهت إليه رئاسة مذهب أبي حنيفة ، ولقبه نور الهدى ، وسار في الرَّسِيلة
إلى الملوك . وولي نقابة [ الطالبيين والعباسيين، ثم استعفى بعد شهور، فولي أخوه طِرَادٌ نقابة ]٤)
العباسيين . وكانت وفاته في يوم الإثنين الحادي عشر من صفر ، وله من العمر ثنتان وتسعون سنة ،
وصلّى عليه ابنُه أبو القاسم علي . وحضرت جنازته(٥) الأعيانُ والعلماءُ ، ودفن عند قبر أبي حنيفة ، داخل
القبة ، رحمه الله .
يوسف بن أحمد(٦)، أبو طاهر، ويعرف بابن الخرزي(٧) : صاحب المخزن في أيام المستظهر ،
وكان لا يوفّي المسترشد حقّه من التعظيم ، وهو ولي عهد، فلما صارت إليه الخلافة صادره بمئة ألف
دينار ، ثم استقر٨ّ) غلاماً له فأومأ إلى بيت ، فوجد فيه أربعمئة ألف دينار ، فأخذها الخليفة ثم كانت وفاته
بعد هذا بقليل في هذا العام .
أبو الفضل بن الخازن(٩): كان أديباً لطيفاً ، شاعراً فاضلاً ، فمن شعره (١) قوله :
إلا تَلَقّاني بوَجْهِ ضاحِكِ
وافَيْتُ مَنْزِلَهُ فَلَمْ أَرَ حَاجِبٌ(١)
لمُقَدِّماتٍ ضِياءٍ(١٢) وَجْهِ المالِكِ
والبِشْرُ فِي وَجْهِ الغُلامِ نَتَيجٌ
فَشَكَرْتُ رِضْواناً، ورَأْفَةَ مالكِ
ودَخَلْتُ جَنَّتَه ، وزُرْتُ جحيمَه
(١) ط : ( توفي ).
(٢) في ط: ((الحسين))، خطأ، وما هنا من المنتظم (٩/ ٢٠١) والكامل لابن الأثير ، وخط الذهبي في تاريخ
الإسلام (١٩٠/١١) وغيرها . ( بشار).
(٣) ترجمته في المنتظم (٢٠١/٩) وابن الأثير (٢٨٥/٨) والعبر (٢٧/٤) وتذكرة الحفاظ (١٢٤٩/٤) ومرآة
الجنان (٢٠٣/٣) والجواهر المضية (١٣٣/٢).
(٤) ليس في ب .
(٥) آ، ب : وحضره .
(٦) ترجمته في المنتظم (٩/ ٢٠٣).
(٧) آ : الحريري ، ط : الجزري ، وماهنا عن المنتظم وب .
(٨) بمعنى حمله على الإقرار والاعتراف.
(٩) ترجمته في المنتظم (٢٠٤/٩) وابن الأثير (٢٨٥/٨) واسمه فيه : أحمد بن الخازن .
(١٠) الأبيات في المنتظم ، وابن الأثير .
(١١) ط ، والمنتظم وابن الأثير : صاحباً.
(١٢) آ، ب : حياء .

ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمئة
فيها : كانت الحروب(١) الشديدة بين السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه وبين عمه السلطان سَنْجَر
ابن ملكشاه . وكان النصر فيها لسَنْجَر ، فخُطب له ببغداد في سادس عشر جمادى الأولى من هذه السنة .
وقُطعت خبطة [ السلطان محمود ثم وقع الصلح بينهما، ورسم السلطان سَنْجَر أن يُخطب(٢) لابن أخيه
محمو(٣) في سائر أعماله بعده(٤) .
وفيها : سارت الفرنج إلى مدينة حلب ففتحوها عنوة وملكوها ، [وقتلوا من أهلها خلقاً}٥) ، فسار
إليهم صاحب ماردين إيلغازي بن أُرْتُق في جيش كثيف(٦) ، فهزمهم عنها ، ولحقهم إلى جبل قد تحصّنوا
فيه فقتلهم هنالك(٧) مقتلة عظيمة، ولله الحمد والمنة ، ولم(٨) يفلت منهم إلا اليسير، وأسر من مُقدَّميهم
نيفا٩) وسبعينُ(١٠) رجلاً. وقتل فيمن قتل سرجال صاحب (١١) أنطاكية، وحمل رأسه ، لعنه الله، فقال
بعض الشعراء في ذلك ، وقد بالغ مبالغة فاحشة : [ من الكامل ]
قُلْ ما تشاءُ فَقَوْلُكَ المَقْبولُ وَعَلَيْكَ بَعْدَ الخَالِقِ التَّغْوِيلُ
وَبَكَى لِفَقْدِ رِجَالِهِ الإِنْجِيلُ(١٢)
وَاسْتَشَرَ القُرْآنُ حِينَ نَصَرْتَهُ
وفيها : قتل الأمير منكوبرس شحنة بغداد ، وكان ظالماً غاشماً ، سيّء السيرة ، قتله الملك محمود
ابن محمد بن ملكشاه صبراً بين يديه لأمور(١٣) ؛ منها : أنه تزوج سرية لأبيه قبل انقضاء عدتها ، ونعم
(١) آ : الحرب .
(٢) ليس في ط .
(٣) ليس في ط .
(٤) ليس في ط .
(٥) عن ط وحدها .
(٦) ب : كبير .
(٧) آ : هناك.
(٨) ب : فلم .
(٩) آ، ب: تسعاً، وكذلك عند ابن الأثير (٢٨٨/٨).
(١٠) ط: وتسعين، وكذلك ابن الأثير (٢٨٨/٨).
(١١) ليس في ب .
(١٢) البيتان في ابن الأثير (٢٨٩/٨).
(١٣) ابن الأثير (٢٩٨/٨)؛ منها : أنه تزوج سرية لأبيه قبل انقضاء عِدَّتها . ونعم ما فعل ، وقد أراح الله المسلمين منه
قبّحه الله ، فما كان أظلمه وأغشمه .

٣٧
وفيات سنة ٥١٣هـ
ما فعل ، وقد أراح الله المسلمين منه قبحه الله ، فما كان أظلمه وأغشمه .
وفيها : تولّى قضاء قضاة بغداد الأكمل أبو القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزَّينبي وخلع
عليه بعد موت أبي الحسن الدامغاني وستأتي ترجمته (١)
[ وفيها : ظهر قبر الخليل إبراهيم ، وقبر إسحاق ويعقوب ، عليهم السلام ، وشاهد ذلك
الناس (٢)، ولم تَبْلَ أجسادهم، وعندهم قناديلُ من ذهب وفضة. ذكر ذلك ابن الخازن في ((تاريخه))
وأظنه نقله من ((المنتظم (٣) لابن الجوزي ، والله أعلم بالصواب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
ابن عَقِيل (٤) : علي بن عَقِيل بن محمد بن عَقِيل ، أبو الوفاء ، شيخ الحنابلة ببغداد ، صاحب
(( الفنون (٥) وغيره من التصانيف المفيدة .
ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة . وقرأ القراءات(٦) على ابن شيطا. سمع الحديث الكثير . وتفقه
بالقاضي أبي يعلى بن الفراء . وقرأ الأدب على ابن برهان(٧) ، والفرائض على عبد الملك الهمذاني ،
والوعظ على أبي طاهر بن العلاف ، صاحب ابن سمعون ، والأصول على أبي الوليد المعتزلي . وكان
يجتمع بجميع العلماء من كل مذهب ، وربما لامه بعض أصحابه ، فلا يلوي عليهم ، فلهذا برز على
أقرانه ، وبذّ أهل زمانه في فنون كثيرة ، مع صيانة وديانة وحسن مروءة ، وكثرة اشتغال . وقد وعظ في
بعض الأحيان ، فوقعت فتنة فترك ذلك ، [ وقد متعه الله (٨) بجميع حواسه ، إلى حين موته . [ وكانت
(١) سترد ترجمته في حوادث سنة ٥٤٣ من هذا الجزء .
(٢) العبارة مختلفة في ط .
لم أجده فيما طبع من المنتظم وفي تاريخ الإسلام (١٥٣/١١) : قاله حمزة بن أسد التميمي في تاريخه على ما
(٣)
حكاه ابن الأثير ، وهو في كامل ابن الأثير كما قال الذهبي .
(٤) ترجمته في طبقات ابن أبي يعلى (٢٥٩/٢) والمنتظم (٢١٢/٩) وابن الأثير (٨/ ٢٩١) ومرآة الزمان (٨٣/٨)
والعبر (٢٩/٤) ومرآة الجنان (٢٠٤/٣) والمنهج الأحمد (٢٥٢/٢) وذيل ابن رجب (١٤٢/١-١٦٣).
(٥) قال الذهبي: (( له كتاب الفنون لم يصنف في الدنيا أكبر منه ؛ حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربع مئة
يحكي فيه بحوثاً شريفة ومناظرات وتواريخ ونوادر ، وما قد وقع له)) ( تاريخ الإسلام ٢٠٤/١١) وقد طبع منه
مجلد في بيروت ( دار المشرق ١٩٦٩ م ) طبعة رديئة التحقيق ورأيت في إحدى رحلاتي إلى تونس مجلداً مخطوطاً
محفوظاً في الزيتونية مخروم الأول أظنه من هذا الكتاب ( بشار ) .
(٦) ب، ط: قرأ القرآن، ا: قرأ القرآن وقرأ على ابن شيطان . وهو تصحيف . والخبر في المنتظم.
(٧) هو أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري ، العلامة شيخ العربية ذو الفنون حتى قال ابن ماكولا : ذهب
بموته علم العربية ، من يعرف الأنساب ، ولم أر مثله . توفي سنة (٤٥٦) وترجمه فيها المؤلف ترجمة قصيرة نقلا
من ابن الجوزي الذي غضَّ من محاسنه وأساء إليه بسبب المخالفة في المذهب ، نسأل الله العافية . ( بشار ) .
(٨) مكانهما في ا، ب : ومتع .

٣٨
وفيات سنة ٥١٣هـ
وفاته }(١) في بكرة الجمعة ثاني جمادى الأولى من هذه السنة ، وقد جاوز الثمانين . وكانت جنازته
حافلة ، ودفن قريباً من قبر الإمام أحمد إلى جانب الخادم مخلص ، رحمه الله .
أبو الحسن [ بن الدامغاني]٢) رحمه الله تعالى (٣): علي بن محمد بن علي بن محمد بن الحسين بن
عبد الملك بن عبد الوهاب بن حمّويه ، أبو الحسن الدامغاني ، قاضي القضاة ابن قاضي القضاة . ولد في
رجب سنة تسع وأربعين وأربعمئة(٤) ، واشتغل وبرع ، وتولى قضاء القضاة بعد أبيه ، ثم عزل بأبي بكر
الشامي ، ثم أعيد إلى الحكم . [ وولي القضاء بباب الطاق من بغداد وله من العمر ست عشرة سنة (٥) .
قال ابن الجوزي : ولا يعرف حاكم ولي الحكم أصغر سناً منه - يعني ببغداد - من قضاة القضاء .
قال: ولا يعرف حاكم [ ولي الحكم ]٦) لأربعة من الخلفاء غيره وغير(٧) شريح [ إلا أبا طاهر محمد
ابن أحمد بن الكرخي قد رأيناه ولي القضاء لخمسة خلفاء وإن كان مستناباً - المستظهر ، والمسترشد ،
والراشد ، والمقتفي، والمستنجد}(٨).
ثم ذكر من أمانته وديانته وصيانته (٩) ما يدل على تحرّيه وتوقّيه ١٠) وقوته ، رحمه الله .
[ وقد ولي (١) الحكم أربعاً وعشرين سنة كذلك وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة عن ثلاث
وستين سنة وستة أشهر ، وقبره عند مشهد أبي حنيفة ، رحمه الله .
المبارك بن علي بن الحسين ، أبو سعد المُخرِّمي (١٢) :
(١) ط : توفي.
(٢) ترجمته في المنتظم (٢٠٨/٩ - ٢١٢) وابن الأثير (٢٩١/٨) وتلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب
(ج ٤ / ق٧٨٩/٢ - ٧٩٠) والعبر (٣٠/٤) ومرآة الجنان (٢٠٤/٣).
(٣) ليس في ط .
(٤) في آ، ب : ست وأربعمئة ، وفي ط وطبقات ابن أبي يعلى: ست وأربعين وأربعمئة ، وما هنا هو المرجح لأنه ورد
عند ابن الجوزي وابن الأثير ، ولأنه يوافق ما في العبر من قوله : توفي عن أربع وستين سنة .
(٥) عن ط وحدها والخبر في المنتظم (٢٠٨/٩)، وفي تاريخ الإسلام (٢٠٨/١١): سبع عشرة سنة.
(٦) ب، ط : قضى . والخبر في المنتظم.
(٧)
في الأصلين وط : إلا . وهو تصحيف .
(٨) ما بين المعقوفتين عن المنتظم (٢٠٨/٩).
(٩) ليس في آ.
(١٠) ط : ( وتفوقه ) وعبارة ابن الجوزي : وكان فقيهاً متديّناً ذا مروءة وصدقات وعفاف. وكان له بصر جيد بالشروط
والسجلات .
(١١) ط : تولى .
(١٢) ترجمته عند أبي يعلى (٢٥٨/٢ - ٢٥٩) والمنتظم (٢١٥/٩) والعبر (٣١/٤) ومرآة الجنان ( ٢٠٥/٣) وذيل
ابن رجب (١٦٦/١ - ١٧١) والمنهج الأحمد (٢٥٠/٢).

٣٩
أحداث سنة ٥١٤هـ
سمع الحديث ، وتفقّه على مذهب الإمام أحمد ، وناظر وأفتى ، ودرّس وجمع كتباً كثيرة ، لم يُسبق
إلى مثلها، وناب في القضاء . وكان حسنَ السيرة ، جميل الطريقة ، سديد الأقضية . وقد بنى مدرسة
بباب الأَزج، وهي المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلي(١)، ثم عُزل عن القضاء وصُودر بأموال
جزيلة ، وذلك في سنة إحدى عشرة . وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة . ودفن إلى جانب أبي بكر
الخلال عند قبر أحمد .
ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمئة
في المنتصف من ربيع الأول كانت وقعة عظيمة بين الأخوين السلطانين محمود ومسعود ابني محمد بن
ملكشاه عند عقبة أَسْدَاباذ. فانهزم عسكر مسعود، وأُسر وزيره الأستاذ أبو إسماعيل (٢) وجماعة من أمرائه.
فأمر السلطان محمود بقتل الوزير أبي إسماعيل فقتل وله نيف [وستون سنة، وله تصانيف(٣) في صناعة
الكيمياء. ثم أرسل(٤) إلى أخيه مسعود الأمان، واستقدمه عليه، فلما اجتمعً°) اعتنقا٦) وبكيا واصطلحا.
وفيها : نهب دُبَيْس [بن صدقة ]٧) صاحب الحِلَّة البلاد ، وركب بنفسه إلى بغداد ، ونصب خيمة
بإزاء دار الخلافة ، وأظهر ما في نفسه من الضغائن ، وذكر كيف طيف برأس أبيه في البلاد ، وتهدّد
المسترشد . فأرسل إليه الخليفة يسكّن جأشه ، ويعده أن سيصلح بينه وبين السلطان محمود . فلما قدم
السلطان بغداد أرسل دبيس يستأمن ، فأمّنه ، وأجراه على عادته ، ثم إنه نهب جيش(٨) السلطان ، فركب
السلطان محمود بنفسه لقتاله ، واستصحب معه ألف سفينة [ليعبر بها إلى الحِلّة(٩) . [فهرب دبيس من
بين يديه ، والتجأ إلى إيلغازي، فأقام عنده سنة، ثم عاد إلى الحِلّة!١٠)، وأرسل إلى الخليفة والسلطان
(١) هذه المدرسة قائمة إلى اليوم عامرة بالطلبة والمدرسين ، وقد جددت في السنيات الأخيرة ضمن تعمير روضة الشيخ
عبد القادر ، ومحلة باب الأزج هي المعروفة اليوم بمحلة باب الشيخ من بغداد حررها الله تعالى ( بشار ) .
(٢) هو الشاعر الطغرائي ، وسترد ترجمته في حوادث سنة ٥١٥ من هذا الجزء ، والتفاصيل في تاريخ الإسلام للذهبي
(١١ /١٥٤ - ١٥٥).
(٣) ليس في ب .
(٤) آ ، ب : نفذ .
(٥) ط : التقيا .
(٦) ب : التقيا .
(٧) ليس في ط .
(٨) ط : جسر .
(٩) ط : ليعبر فيها .
(١٠) ليس في أ.

٤٠
ابتداء ملك محمد بن التومرت ببلاد المغرب
يعتذر إليهما [مما كان منه(١) . فلم يقبلا منه ، وجهز السلطان إليه (٢) جيشاً فحاصروه وضيّقوا عليه قريباً
من سنة ، [وهو في منيع بلاده ، لا يتمكن الجيش من الوصول إليه في تلك الأماكن(٣) .
وفيها : كانت الوقعة العظيمة بين الكرج والمسلمين بالقرب من تفليس ، [ومع الكرج كفار
القَفْجاق(٤) فقتلوا من المسلمين خلقاً كثيراً ، وغنموا أموالاً جزيلة ، وأسروا نحواً من أربعة آلاف أسير ،
فإنا لله وإنا إليه راجعون(٥) . ونهب الكرج تلك النواحي ، وفعلوا أشياء منكرة ، وحاصروا تفليس مدة ثم
ملكوها عنوة ، بعدما أحرقوا القاضي والخطيب حين جاءا لهم(٦) من أهل البلد يطلبون منهم الأمان ،
وقتلوا عامة أهلها ، وسَبّوْا الذرية ، واستحوذوا على الأموال فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم العزيز
الحكيم .
وفيها : أغار جوسكين(٧) الفرنجي صاحب الرُّها على خلق من العرب والتركمان فقتلهم وغنم(٨)
أموالهم .
وفيها : تمرّد العيّارون(٩) ببغداد ، وأخذوا الدور جهاراً ليلاً ونهاراً ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
[وفي هذه السنة] ١٠) كان ابتداء ملك محمد بن التومرت ببلاد المغرب
كان ابتداء أمر هذا الرجل أنه قدم في حداثة سنة من بلاد المغرب إلى بغداد ، فسكن النظامية
ببغداد(١)، واشتغل بالعلم ، فحصَّل منه جانباً جيداً من الفروع والأصول على الغزالي وغيره .
وكان يظهر التعبُّد والزهد والورع، [وربما كان ينكر(١٢) على الغزالي حسن ملابسه ، ولا سيما حين
(١) عن ط وحدها .
(٢) ط : وجهز إليه السلطان .
(٣) ط : وهو ممتنع في بلاده لا يقدر الجيش على الوصول إليه .
(٤) القَفْجاق صحراء واسعة تقع إلى الشمال من بحر قزوين. تقويم البلدان (٢١٦) والأمصار ذوات الآثار (١١٢) -
طبعة دار ابن كثير - وصبح الأعشى (٤/ ٤٦٢) .
(٥) ما بين الحاصرتين مكرر في ا.
(٦) ط: خرجوا إليهم. ا: أوفق. وفي ابن الأثير ( ٢٩٣٨): فأخرقوا بهما .
(٧) كذا في الأصلين وط، وعند ابن الأثير (٨/ ٣٠٢) والكواكب الدرية (١٣٦): جوسلين.
(٨) ط : وأخذ .
(٩) يوجد تفصيلات أكثر عن العيارين في المنتظم (٢١٦/٩).
(١٠) ط : وفيها .
(١١) عن ط وحدها .
(١٢) أ، ب : وربما أنكر .