Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
وفیات سنة ٤٥٠هـ
ولمّا كان يوم الإثنين لليلتين بقيتا من ذي الحجّة أحضر إلى بين يديه الوزير أبو القاسم بن المَسْلَمة
الملقّب برئيس الرؤساء ، وعليه جبّة صوف ، وطرطور من لبد أحمر ، وفي رقبته مختقة من جلود
كالتعاويذ ، فأركب حمارا١ً) ، وطيف به في البلد ، وخلفه من يصفعه بقطعة من جلد ، حتى اجتاز
بالكرخ ، فنثروا عليه خُلْقان المداسات ، وبصقوا في وجهه ولعنوه وسبّوه ، وأوقف بإزاء دار الخلافة وهو
في ذلك كلّه يتلو قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ تَشَاءُ وَتُمِزُ مَن قَشَآءُ
وَتُذِلُ مَن تَشَدَةُ بِيَدِكَ الْخَيْرِّ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ آل عمران: ٢٦].
ثمّ لما فُرغ من التطواف به في محالّ البلد ، وأعيد إلى المعسكر ، ألبس جلد ثور بقرنيه وعلّق بكلوب
في شدقيه ، ورفع إلى الخشبة حيّاً ، فجعل يضطرب إلى آخر النهار ، فمات رحمه الله تعالى ، وكان آخر
كلامه أن قال : الحمد لله الذي أحياني سعيداً وأماتني شهيدا٢ً) .
وفي هذه السنة : وقع بَرد بأرض العراق ، أهلك كثيراً من الغلات ، وقتل بعض الفلاحين ، وزادت
دجلة زيادة عظيمة ، وزلزلت [ بغداد في هذه السنة ] في شوال قبل الفتنة بشهر، زلزالاً شديداً ، فتهدّمت
دور كثيرة ، ووردت الأخبار أنَّها اتصلت من بغداد إلى هَمَذان ، وواسط ، وعانة ، وتكريت ، وذكر أن
الطواحين وقفت من شدّة الزلزال .
وفي هذه السنة : كثر النهب ببغداد حتى كانت العمائم تخطف [ عن الرؤوس ] جهرة ، حتّى إن
الشيخ أبا نصر بن الصّاغ خُطفت عمامته وطيلسانه وهو ذاهب إلى الصلاة يوم الجمعة .
وفي أواخر السنة خرج السلطان طُغْرُلْبَك من هَمَذان فقاتل أخاه وانتصر عليه ، فتباشر الناس بذلك ،
وكثر سرورهم وفرحهم ، ولم يُظهروا ذلك خوفاً من البساسيري ، واستنجد ◌ُغْرُلْبَك بأولاد أخيه داود
- وكان قد مات - ومن معهم من الجنود على أخيه إبراهيم ، فغلبوه له ، وأسروه ، وذلك في أوائل سنة
إحدى وخمسين واجتمعوا على عمّهم طُغْرُلْبَك فسار بهم نحو العراق فكان من أمرهم ما سيأتي ذكره في
السنة الآتية إن شاء الله تعالى .
وممن مات في هذه السنة من الأعيان :
الحسين بن محمد أبو عبد الله الفرضي [ الوَنّي ]٣).
(١)
في ( ط ) : جملاً أحمر .
(٢) خير من كتب في هذه الحوادث هو الخطيب البغدادي في ترجمة القائم من تاريخه (٤٨/١١ - ٥٢) إذ كان شاهد
عيان ، وكان ابن المسلمة صديقاً له ، ولذلك هاجر إثر هذه الحوادث إلى بلاد الشام فما عاد منها إلا قبل وفاته بعام
( بشار ) .
(٣) المنتظم (١٩٧/٨)، الكامل في التاريخ (٦٥١/٩)، وفيات الأعيان (١٣٨/٢)، سير أعلام النبلاء =

١٤٢
وفيات سنة ٤٥٠ هـ
وهو شيخ الحربي ، وكان شافعيّ المذهب قُتل ببغداد في فتنة البساسيري ، ودُفن يوم الجمعة يوم
عرفة من هذه السنة ، رحمه الله .
داود أخو طُغْرُلْبَك الأكبر(١) كان مقيماً ببلخ بإزاء أولاد محمود بن سُبُكْتِكِين توفي في هذه السنة ،
وقام أولاده مقامه فى الملك .
طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر أبو الطيِّب الطبري (٢) ، الفقيه ، شيخ الشافعيّة .
ولد بآمُل طبرستان سنة ثمان وأربعين وثلاثمئة ، وسمع الحديث بجرجان من أبي أحمد الغِطْريفي ،
وبنيسابور من أبي الحسن الماسَرْجسِي، وعليه درس الفقه ، وتفقّه أيضاً على أبي على الزَّجَّاجي ،
وأبي القاسم بن كَجّ ، ثمَّ اشتغل ببغداد على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وشرح (( المختصر ))
و(( فروع)) ابن الحداد ، وصنف في الأصولِ والجدلِ وغير ذلك من العلوم الكثيرة النافعة ، وسمع ببغداد
من الدّار قطني وغيره ، وولي القضاء برُبع الكَرخ بعد موت أبي عبد الله الصَّيْمَري ، وكان ثقة ديناً عالماً
بأصول الفقه وفروعه ، وله المصنَّفات الباهرة في ذلك ، [ حسن الخلق ] ، سليم الصدر ، مواظباً على
تعليم العلم ليلاً ونهاراً ، وقد ذكرت ترجمته في ((الطبقات)(٣) بما فيه الكفاية .
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي(٤) عنه وكان شيخه ، وقد أجلسه بعده في الحلقة : أنّ
[ أبا الطيب] أسلم خفّاً له [ وكان متقللاً من الدنيا فقيراً ] عند خفّاف ليصلحه له فأبطأ عليه ، وكان كلّما مرّ
عليه غمسه في الماء وقال : [ أيها الشيخ ] الساعة ، الساعة ، أصلحه ، فقال له الشيخ: إنّما أسلمته لك
لتصلحه ، ولم أسلمه لتعلِّمه السباحة .
وحكى ابن خلِّكان (٥) : أنّه كان له ولأخيه عمامة واحدة وقميص واحد ، إذا لبسهما هذا جلس الآخر
في البيت ، [ وإذا غسلاهما جلسا في البيت إلى أن يجفا ] وقد قال في ذلك القاضي أبو الطيّب :
(٩٩/١٨)، طبقات السبكي (٣٧٤/٤)، شذرات الذهب (٢٨٣/٣)، وقد ورد اسمه في (أ) و(ط )
=
والمنتظم : الحسن ، وأعاد المصنف ترجمته في السنة التالية .
قال ابن خلكان: (( والونّي)): بفتح الواو وتشديد النون ، هذه النسبة إلى وَنّ ، وهي قرية من أعمال قهستان أظنه
منها .
(١) المنتظم (١٩٨/٨)، الكامل في التاريخ (٥/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ /١٠٦).
(٢)
تاريخ بغداد (٣٥٨/٩)، المنتظم (١٩٨/٨)، الكامل في التاريخ (٩/ ٦٥١)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٦٦٨)،
وفيات الأعيان (٢/ ٥١٢)، طبقات السبكي (١٢/٥)، النجوم الزاهرة (٦٣/٥)، شذرات الذهب
(٢٨٤/٣) .
(٣) طبقات الشافعية للمصنف (٩٥أ).
(٤) طبقات الشيرازي ( ١٢٧).
(٥) وفيات الأعيان (٥١٤/٢).

١٤٣
وفيات سنة ٤٥٠هـ
قومٌ إذا غسِلوا الثيابَ رَأَيَتَهمُ(١)
لبسوا البيوتَ إلى فراغ الغاسل
وكان قد بلغ من العمر مئة سنة وسنتين ، وهو صحيح العقل والفهم والأعضاء يفتي ويشتغل إلى أن
مات في هذه السنة ، رحمه الله تعالى . [ وقد ركب مرّة سفينة فلما خرج منها قفز قفزة لا يستطيعها
الشباب ، فقيل له : ما هذا يا أبا الطيّب، فقال : هذه أعضاء حفظناها في الشبيبة تنفعنا في الكِبَر ].
[ القاضي الماوردي صاحب (( الحاوي الكبير))]٢) علي بن محمد بن حبيب ، أبو الحسن المَاوَزدي
البصريّ .
شيخ الشافعيين ، صاحب التصانيف الكثيرة في الأصول ، والفروع ، والتفسير ، والأحكام
السلطانية، وأدب الدين والدنيا. قال: بسّطت الفقه في أربعة آلاف ورقة، يعني: (( الحاوي الكبير))،
واختصرته في أربعين ورقة ، يعني: (( الإقناع)). وقد ولي الحكم في بلادٍ كثيرة ، وكان حليماً وقوراً
أديباً ، لم ير أصحابه ذراعه يوماً من الدهر من شدّة تحرّزه وأدبه ، وقد استقصيت ترجمته في
((الطبقات)). كانت وفاته في هذه السنة عن ست وثمانين سنة، ودفن بباب حرب . وقد أنشد له ابن
خلِّكان أشعاراً منها قوله :
جرَى قلمُ القضاءِ بما يكونُ فَسِيَّان التَّحرّكُ والسُّكونُ(٣)
جنونٌ منكَ أنْ تسعَى لرزقٍ ويُرزقُ في غِشاوتِهِ الجنينُ
رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المُسلمة(٤) ، عليّ بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر أبو القاسم
وزير القائم بأمر الله .
كان أولًا قد سمع الحديث من أبي أحمد الفَرَضي وغيره ، ثمّ كان أحد المعدَّلين ، ثم استكتبه الخليفة
القائم بأمر الله ، واستوزره ، ولقَّبه رئيس الرؤساء ، شرف الوزراء ، جمال الورى . وكان متضلِّعاً بعلوم
شتّى ، مع سداد رأي ، ووفور عقل ، وقد مكث في الوزارة ثنتي عشرة سنة وشهراً ، حتى قتله البساسيري
(١) في ( ط) : قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم .
(٢) زيادة من (ب) و(ط). وترجمته في تاريخ بغداد (١٢/ ١٠٢)، المنتظم (١٩٩/٨)، الكامل في التاريخ
(٦٥١/٩)، وفيات الأعيان (٢٨٢/٣)، سير أعلام النبلاء (١٨ /٦٤)، طبقات السبكي (٢٦٧/٥)، النجوم
الزاهرة (٦٤/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٤٢٣/١)، شذرات الذهب (٢٨٥/٣).
قال ابن خلَكان : الماوردي ، نسبة إلى بيع الماورد ، هكذا قاله الحافظ ابن السمعاني .
(٣) سقطت هذه الأبيات من ( ط ) .
(٤) تاريخ بغداد (٣٩١/١١)، المنتظم (١٩٦/٨)، الكامل في التاريخ (٥٣٠/٩)، سير أعلام النبلاء (٢١٦/١٨)،
النجوم الزاهرة ( ٦/٥ ).

١٤٤
أحداث سنة ٤٥١ هـ
بعدما شهره ، ثمّ صلبه معلّقاً بشدقيه كما قدّمنا ذلك . [ وله من العمر ثنتان وخمسون سنة وخمسة
أشهر ]١) .
عبد الله بن أحمد بن شيط( ٢) المسند للحديث .
وكان ثقة بصيراً بالعربية ووجوه القراءات ومذاهب القراء ، بلغ الثمانين . وله كتاب في التجويد ،
رحمه الله تعالى .
منصور بن الحسين أبو الفوارس الأسدي(٣) ، صاحب الجزيرة .
كانت وفاته في هذه السنة فاجتمعت العشيرة على إقامة ولده صدقة من بعده ، والله أعلم بالصواب .
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وأربعمئة
استهلت [ هذه السنة ] وبغداد في قبضة البساسيري يخطب فيها للمستنصر الفاطمي [ صاحب مصر ]
والقائم [ الخليفة العباسي ] قاعد بحديثة عانة . ثمّ لما كان يوم الإثنين ثاني عشر صفر أحضر البساسيري
قاضي القضاة أبا عبد الله الدّامغاني وجماعة من الوجوه والأعيان من العلويين والعباسيين وأخذ عليهم
البيعة للمستنصر الفاطمي [ صاحب مصر ] ، ثمّ دخل دار الخلافة وهؤلاء المذكورون معه ، وأمر بنقض
تاج دار الخلافة ؛ فنقضت بعض الشراريف ، ثم قيل له : إن القبح في هذا أكثر من المصلحة فتركه ، ثمّ
ركب إلى زيارة المشهد بالكوفة (٤) ، وعزم على حفر نهر يساق إلى الحائر(٥) لوفاء نذر ما كان عليه . وأمر
بأن تنقل جثة ابن المُسلمة إلى ما يقارب الحريم الطاهري وأن ينصب على دجلة ، وكتبت أمّ الخليفة
- وكانت عجوزاً كبيرة قد بلغت السبعين(٦) - وهي مختفية في مكان إلى البساسيري ، تشكو إليه الحاجة
والفقر وضيق الحال ؛ فأرسل إليها ونقلها إلى الحريم ، وأخدمها جاريتين ، ورتب لها كلّ يوم اثني عشر
رطلاً من الخبز وأربعة أرطال لحم ، ولا يفي هذا قيراطاً مما فعله بولدها وبأهل السنّة .
(١) زيادة من (ب) و( ط ) .
(٢) الكامل في التاريخ (٩/ ٦٥١) وسقطت هذه الترجمة من ( ب) و(ط ).
(٣)
المنتظم (٢٠١/٨)، الكامل في التاريخ (٦٥٠/٩)، تاريخ الإسلام (٧٥٥/٩).
(٤)
يعني مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو المعروف بالنجف .
((الحائر)): هي المعروفة اليوم بكربلاء ، محافظة من محافظات العراق تبعد عن بغداد ٩٠ كيلومتراً، وبها قبر
(٥)
الحسين بن علي رضي الله عنه .
(٦) في ( ط ) : التسعين .

١٤٥
أحداث سنة ٤٥١ هـ
فصل
ولما تخلّص السلطان طُغْرُلْبَك أيده الله من حِصاره بهَمَذان ، وقاتل أخاه إبراهيم وأسره وقتله ،
وتمكّن من أمره ، وطابت نفسه ، واستقرّ حاله ، ولم يبق له في تلك البلاد منازع ، كتب إلى قريش بن
بدران أمير الأعراب يأمره بأن يعاد الخليفة إلى [ وطنه و ] داره على ما كان عليه ، وتوعّده على ترك ذلك
بيأس شديد ؛ فكتب إليه قريش يتلطّف به ويسالمه ويقول : أنا معك على البساسيري بكلِّ ما أقدر عليه
حتى يمكِّن الله منه ، ولكن أخشى أن أتسرع في أمر يكون فيه على الخليفة مفسدة ، أو يبادر إليه أحد بأذيّة
[ يكون عليّ عارها ] ولكنّ سأعمل لما أمرتني بكلّ ما يمكنني، وأمر بردّ امرأة الخليفة الخاتون المعظّمة
أرسلان خاتون إلى دارها وقرارها . ثم إنَّه راسل البساسيري ، وأشار عليه بعود الخليفة إلى داره ، وخوّفه
من جهة الملك ◌ُغْرُلْبك ، وقال له فيما قال : إنّك دعوتنا إلى طاعة المستنصر صاحب مصر ، وبيننا وبينه
ستمئة فرسخ ، ولم يأتنا من جهته رسول ولا أحد [ من عنده ] ، ولم يفكر في شيء مما أرسلنا إليه ، وهذا
الملك من ورائنا بالمرصاد [ قريب منا ] .
وقد جاءني كتاب من الملك طُغْرُلْبَك عنوانه : إلى الأمير الجليل علم الدين أبي المعالي قريش بن
بدران ، مولى أمير المؤمنين ، من شاهنشاه المعظّم ملك المشرق والمغرب طُغْرُلْبَك أبي طالب محمد بن
ميكائيل بن سُلجوق . وعلى رأس الكتاب العلامة السلطانية بخط السلطان حسبي الله [ ونعم الوكيل ] .
وكان في الكتاب : والآن فقد شرقت بنا المقادير إلى قتال كلّ عدوّ للدين والملك ، ولم يبق علينا من
المهمات إلا خدمة سيدنا ومولانا أمير المؤمنين القائم بأمر الله ، واطلاع أبَّهة إمامته على سرير عزّه ، فإنّ
الذي يلزمنا ذلك ، ولا فسحة في التضييعُ(١) فيه ساعة من الزمان ، وقد أقبلنا بخيول وجنود المشرق إلى
هذا المهم العظيم ، ونريد من الأمير الجليل علم الدين إتمام السعي في ذلك ، إذ هو السعي النجيح الذي
وفق له ، وتفرّد به ، وهو أن يتمم وفاءه من أمانته وخدمته في باب سيدنا ومولانا الإمام القائم بأمر الله أمير
المؤمنين من أحد الوجهين : إمّا أن يُقْبِل به إلى وكر عزِّه، ومثوى إمامته ، وموقف خلافته من مدينة
السلام ، وينتدب بين يديه متولياً أمره ، ومنفّذاً حكمه ، وشاهراً سيفه وقلمه ، وذلك المراد ، وهو
خليفتنا في تلك الخدمة المفروضة [ وتلك الخدمة بعض ما يجب له ] ، وتوليه العراق بأسرها ، وتصفو له
مشارع برّها وبحرها ، لا تطأ حوافر خيل من خيول العجم والعرب شبراً من أراضي تلك المملكة إلا
بالتماسه لمعاونته ومظاهرته ، وإمّا أن يحافظ على شخصه الغالي بتحويله من القلعة إلى حلّته ، أو في
القلعة إلى حين لحاقنا بخدمته ؛ فتتكفّل بإعادته ، ويكون الأمير الجليل مخيّراً بين أن يكتفي بنا أو يقيم
(١) في ( ط ) : التقصير.

١٤٦
أحداث سنة ٤٥١ هـ
حيث شاء . فنولَّيه العراق ونستخلفه في الخدمة الإماميّة ، ونصرف أعنّنا إلى الممالك الشرقيّة ، فهمتنا
لا تقتضي إلا هذا الغرض المفترض ، ولا تشفّ إلى مملكة من تلك الممالك. بل الهمّة دينيّة ، وهو أدام
الله تمكينه يتيقّن ما ذكرنا ، ويعلم أن توجّهنا إثر هذا الكتاب لهذا الغرض المعلوم ، ولا غرض سواه ، فلا
تستشعرن قلوب عشائره رهبته ، فإنّهم كلّهم إخواننا ، وفي ذمّتنا وعهدنا ، وعلينا به عهد الله وميثاقه
ما داموا موافقين للأمير الأجل في موالاتنا ، ومن اتصل به من سائر العرب والعجم والأكراد ، فإنَّهم آمنون
في جملته ، وداخلون في عهدنا وذمتنا ، وعهده وذمته ، ولكل مجترم في العراق عفونا وأمننا مما بدر
منه ، إلَّ البساسيري ، فإنّه لا عهد له ولا أمان منا ، وهو موكول إلى الشيطان وتساويله ، فقد ارتكب في
دين الله عظيماً ، وهو إن شاء الله مأخوذ حيث وجد ، ومعذّب على ما عمل ، فقد سعى في دماء خلق كثير
بسوء دخيلته ، ودلّت أفعاله على سوء عقيدته .
وكتب في رمضان سنة إحدى وخمسين وأربعمئة ، وبعث بهذا الكتاب مع رسولين من أهل العلم ،
وبعث معهما بتحفٍ عظيمةٍ للخليفة وأمرهما أن يخدما الخليفة نيابة عنه . جزاه الله عن الإسلام خيراً .
ولما وصل الكتاب إلى قريش بن بدران ، استعلم أخبار الملك طُغْرُلْبَك من الرسل وغيرهم ، فإذا معه
جنود عظيمة ، فخاف من ذلك خوفاً شديداً ، وبعث إلى البريّة فأمر بحفر أماكن الماء ، وتجهيز علوفات
كثيرة إلى هناك . ونفّذ الكتاب والأخبار إلى البَسَاسيري ، فانزعج لذلك البساسيري ، قبحه الله ، وخارت
قوّته ، وضعف أمره ، وبعث إلى أهله فنقلهم عن بغداد ، وأرصد له إقامات عظيمة بواسط ، وجعلها دار
مقرَّته ، ووافق على عود الخليفة إلى بغداد ، ولكن اشترط شروطاً كثيرةً ليذهب خجله ، ولما انتقل أهل
البساسيري من بغداد ، وصحبتهم أهل الكرخ والروافض ، قبحهم الله تعالى ، وانحدروا في دجلة إلى
واسط ، كان خروجهم عن بغداد في سادس ذي القعدة من هذه السنة ، وفي مثله من العام الماضي دخلوا
بغداد ، وعند ذلك ثار الهاشميون وأهل السّنة من باب البصرة إلى الكرخ ، فنهبوه ، وأحرقوا منه محال
كثيرة جداً ، واحترق من جملة ذلك دار العلم التي كان وقفها الوزير أزدشير من مدة سبعين سنة ، وفيها من
الكتب شيء كثير ، وكان في جملة ما احترق درب الزعفران وفيه ألف ومئتا دار ، لكلّ منها قيمة جليلة
عظيمة ، وترحّل قريش بن بدران إلى أرض الموصل(١) ، وبعث إلى حديثة عانة يقول لأميرها مهارش بن
مجلّي الذي سلّم إليه الخليفة : المصلحة تقتضي أن الخليفة تحوّله إليّ حتى نستأمن لأنفسنا بسببه ولا
تسلّمه حتى تستأمن لنا ، وتأخذ أماناً في يدك دون يدي فامتنع عليه مهارش وقال : قد غرّر بي
البساسيري ، ووعدني بأشياء فلم أرها ، ولست بمرسله إليك أبداً ، وله في عنقي أيمان أكيدة لا أغدرها .
وكان مهارش رجلاً صالحاً ثقة أميناً رحمه الله .
(١) من قوله: فهمتنا لا تقتضي إلا هذا الغرض .. إلى هنا، ساقط من ( ط ).

١٤٧
أحداث سنة ٤٥١ هـ
وقال الأمير محيي الدين أبو الحارث مهارش بن مجلّ العقيلي صاحب عانة والحديثة للخليفة : من
المصلحة أن نسير إلى بلد بدر بن مهلهل ، وننظر ما يكون من أمر السلطان طُغْرُلْبَك ، فإن ظهر دخلنا
بغداد ، وإن كانت الأخرى نظرنا لأنفسنا ، فإنّا نخشى من البَسَاسيري أن يعود فيحصرنا في بغداد . فقال له
الخليفة : افعل ما فيه المصلحة ، فسارا في الحادي والعشرين من ذي القعدة إلى أن حصلا بقلعة تل
عُكْبَر(١) ، فلقيته رسل الملك طُغْرُلْبَك بالهدايا والتحف التي كان أنفذها إليه ، وهو متشوق إليه كثيراً ،
وجاءت الأخبار بأن السلطان طُغْرُلْتَك دخل بغداد ، وكان يوماً مشهوداً ، غير أن الجيش نهبوا البلد سوى
دار الخلافة ، وصودر خلق كثير من التجار ، وأُخِذت منهم أموال كثيرة وشرعوا في عمارة دار الملك ،
وأرسل السلطان إلى الخليفة مراكب كثيرة من أنواع الخيول وغيرها ، وسرادق عظيمة وملابس سنّة ،
ومايليق بالخليفة في السفر ، وأرسل ذلك مع [ الوزير ] عميد الملك الكُنْدري ، ولما انتهوا إليه أرسلوا
بتلك الآلات قبل أن يصلوا إليه وقال لمن حوله : اضربوا السرادق ، وليلبس الخليفة ما يليق به ، ثم نجيء
نحن فنستأذن عليه . فلا يأذن لنا إلا بعد ساعة طويلة ، فلما دخل الوزير ومن معه قبّلوا الأرض ، وأخبروه
بسرور السلطان بما حصل من العود إلى بغداد ، واشتياقه إليه جداً ، وأخبروا مهارشاً بشكر السلطان له ،
ونيته له بماينبغي لمثله من الإكرام(٢). وكتب عميد الملك كتاباً إلى الملك يعلمه بصفة ما جرى الأمر
عليه ، وأحبّ أن يأخذ خطّ الخليفة في أعلى الكتاب ليكون أقرّ لعين الملك ، فلم تكن عند الخليفة دواة ،
فأحضر الوزير دواته ومعها سيف ، وقال : هذه خدمة السيف والقلم ، فأُعجب الخليفة بذلك ، وترحّلوا
من منزلهم ذلك بعد يومين . فلمّا وصلوا إلى النّهروان خرج السلطان طُغْرُلْبَك من بغداد لتلقّيه ، فلما انتهى
إلى السرادق قبّل الأرض بين يدي الخليفة سبع مرات ، فأخذ الخليفة مخدّة فوضعها بين يديه ، فأخذها
الملك فقبّلها ، ثمّ جلس عليها كما أشار أمير المؤمنين ، وقدَّم إلى الخليفة الحبل الياقوت الأحمر الذي
كان لبني بُويه ، فوضعه بين يدي الخليفة ، وأخرج اثنتي عشرة حبّة من لؤلؤ كبار جداً . وقال : أرسلان
خاتون - يعني زوجة الملك ــ تخدم الخليفة ، وتسأله أن يُسبِّح بهذه السبحة ، وجعل يعتذر من تأخره عن
الحضرة بسبب عصيان أخيه إبراهيم ، فقتلته ، واتفق موت أخي الأكبر داود ، فاشتغلت بترتيب أولاده
من بعده ، وكنت عزمت على أن أصعد إلى الحديثة لأصون المهجة الشريفة ، ولكن لمّا بلغني بحمد الله
أمر مولاي أمير المؤمنين الخليفة فرحت بذلك ، وأنا شاكر لمهارش بما كان منه من خدمة أمير المؤمنين ،
وأنا إن شاء الله تعالى أمضي وراء هذا الكلب البساسيري ، وأقتنصه ، وأعود إلى الشام ، وأفعل
بصاحب مصر ما ينبغي أن يجازى به من سوء المقابلة ، بما كان من فعل البساسيري هاهنا ؛ فدعا له
الخليفة ، وشكره على ذلك . كلّ ذلك بترجمة عميد المُلك بين الخليفة والملك طُغْرُلْبَك .
(١) ((عكبرا)): بليدة نواحي دجيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ.
(٢) من قوله: واشتياقه .. إلى هنا، ساقط من (ط ).

١٤٨
صفة أخذ البساسيري
وأعطى الخليفة للملك سيفاً كان معه ، لم يبق معه من أمور الخلافة سواه ، واستأذن الملك لبقيّة
الجيش أن يخدموا الخليفة ، فرُفعت الأستار عن جوانب الخركاه(١) فلما شاهد الأتراك الخليفة قبّلوا
الأرض .
ودخل الخليفة بغداد يوم الإثنين لخمس بقين من ذي القعدة ، وكان ذلك يوماً مشهوداً ، الجيش كلّه
معه ، والقضاة والأعيان بين يديه ، والملك طُغْرُلْبَك آخذٌ بلجام بغلته حتى وصل إلى باب الحجرة ، ولما
وصل الخليفة إلى دار ملكه ، ومقرّ خلافته ، استأذنه السلطان طُغْرُلْبَك في الخروج وراء البساسيري ،
فأذن له ، وكان قد عزم على أن يمضي معه ، فقال : يا أمير المؤمنين أنا أكفيك ذلك إن شاء الله ، وأطلق
الملك لمهارش عشرة آلاف دينار فلم يرض ، وشرع السلطان في ترتيب الجيوش للمسير وراء
البساسيري . فأرسل جيشاً من ناحية الكوفة ليمنعوه من الدخول إلى الشام ، وخرج هو في التاسع
والعشرين من الشهر في بقيّة الجيش ، وأمّا البساسيري فإنَّه مقيم بواسط في جمع غلات وتمور يهيئها لقتال
أهل بغداد ومن فيها من الغز(٢) ، وعنده أن الملك طُغْرُلْبَك ومن معه ليسوا بشيء يُخاف منهم ، وذلك لما
يريده الله تعالى من إهلاكه على يدي الملك طُغْرُلْبَك، جزاه الله عن الإسلام خيراً ، آمين .
صفة أخذ البساسيري قبّحه الله تعالى(٣)
لما سار السلطان نحوه ، وصلت إليه السريّة الأولى ، فلقوه بأرض واسط ومعه ابن مَزْيَد ، فاقتتلوا
هنالك ، فانهزم أصحابه ، ونجا البساسيري بنفسه على فرس ، فتبعه بعض الغلمان فرمى فرسه بنشَّابة
فألقته إلى الأرض ، وجاء [ الغلام ] فضربه على وجهه ولم يعرفه ، وأسره واحد منهم يقال له :
كمشتكين(٤) فحزّ رأسه وحمله إلى السلطان ، وأخذت الأتراك من جيش البساسيري من الأموال ما عجزوا
عن حمله ، ولما وصل الرأي إلى السلطان أمر أن يُذهب به إلى بغداد ، وأن يُرفع على قناة ، وأن يُطاف به
في المحالّ و[ أن يطوف معه ] الدبادب، والبوقات، والنقَّاطون . وأن يخرج الناس والنساء للفرجة
عليه ، ففُعل ذلك ، ثمّ نُصب على الطيّار تجاه دار الخلافة ، ولله الحمد والمنّة .
وقد كان مع البساسيري خلق من البَغاددة خرجوا معه ظانّين أنَّه سيعود إليها محبّة فيه ، فهلكوا ،
ونهبت أموالهم كلّها ، ولم ينج من أصحابه إلا القليل ، وفرّ ابن مَزْيَد في ناس قليل إلى البطيحة ، وفيمن
(١) كذا في (أ) و(ب)، وفي ( ط ) : الحركات ، والخركاه : الخيمة الكبيرة المنصوبة بالفارسية.
(٢)
في ( ط ) : وأمور يهيئها لقتال السلطان.
(٣) كذا العنوان في ( أ) و( ب ) وفي ( ط ) : مقتل البساسيري على يدي السلطان طغرلبك.
(٤) في ( ب ) : لمشكين ، وفي ( ط ) : كمسكين .

١٤٩
وفيات سنة ٤٥١ هـ
معه أولاد البساسيري وأَمُّهم ، وقد سلبتهم الأعراب ، فلم يتركوا لهم شيئاً ؛ فوردوا البطيحة مسلوبين
محزونين ، ثمّ استُؤمن لابن مَزْيَد من السلطان ، ودخل معه بغداد ، وقد نهبت العساكر السلطانية مابين
واسط والبصرة والأهواز ، وذلك لكثرة الجيش ، وانتشاره وكثافته .
وأمّا الخليفة فإنّه لما عاد إلى دار الخلافة جعل الله عليه عهداً أن لا ينام على وطأ ، ولا يأتيه أحد
بطعامه إذا كان صائماً ، ولا يخدمه في وضوئه وغسله [ أحد ] ، بل يتولّى ذلك بنفسه لنفسه ، وعاهد الله
أن لا يؤذي أحداً ممن آذاه ، وأن يصفح عمن ظلمه ، وكان يقول : ما عاقبت من عصى الله فيك بأكثر من
أن تطيع الله فيه .
وفيها : ولي الملك ألب أرْسَلان بن داود جَغْريَك بن ميكائيل بن سُلجوق بلاد خراسان (١) بعد وفاة
أبيه بتقرير عمه الملك طُغْرُلْبَك، وكان له من الإخوة ثلاثة: سليمان ، وقارون، وياقوت(٢) ، فتزوّج
طُغْرُلْبَك بأم سليمان هذا ، وأوصى له بالملك من بعده .
وكان في هذه السنّة بمكة رخص لم يسمع بمثله ، إذ بيع البرّ والتمر كلّ مئتي رطل بدينار .
ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة .
وممن توفي فيها من الأعيان والمشاهير :
أرسلان ، أبو الحارث البَسَاسِيريّ التركي (٣) كان من مماليك بهاء الدولة بن عَضُدِ الدولة، وكان أولاً
مملوكاً لرجل من أهل مدينة بسا فنسب إليه ، فقيل له البساسيري ويلقب بالمظفَّر ، ثمّ كان مقدّماً كبيراً عند
الخليفة القائم بأمر الله ، لا يقطع أمراً دونه ، وخطب له على منابر العراق كلّها ، ثمّ طغى وبغى وتمرّد
وعتا ، وخرج على الخليفة بل وعلى المسلمين ، ودعا إلى خلافة الفاطميين ، فتمّ له ما رامه من الأمل
الفاسد ، واستدرج(٤) ، ثمَّ كان أجله في هذه السنة ، على ما ذكرنا ، ولله الحمد . كان دخوله بأهله إلى
بغداد في سادس ذي القعدة من سنة خمسين وأربعمئة ، ثمّ اتفق خروجهم منها في سادس ذي القعدة من
سنة إحدى وخمسين بعد سنة هلالية كاملة . ثمّ كان خروج الخليفة من بغداد في يوم الثلاثاء الثامن عشر من
(١) في ( ط ) : حران . خطأ.
(٢) في ( ط ) : قاروت وياقوتي.
(٣) المنتظم (٢١٢/٨)، الكامل في التاريخ (٥٥٥/٩) وما بعدها، وفيات الأعيان (١/ ١٩٢) ، سير أعلام النبلاء
(١٣٢/١٨)، الوافي بالوفيات (٣٤٠/٨)، شذرات الذهب (٣٨٧/٣).
قال الذهبي : البساسيري : نسبة إلى تاجر باعه من أهل فَسَا ، والصواب : فسوي ، فقيلت على غير قياس كعادة
العجم .
(٤) من قوله : بل وعلى المسلمين . . إلى هنا ساقط من ( ط ).

١٥٠
وفيات سنة ٤٥١ هـ
كانون الأول . واتفق قتل البساسيري في يوم الثلاثاء الثامن عشر من كانون الأول بعد سنة شمسيّة ، وذلك
في ذي الحجة من هذه السنة .
الحسن بن أبي الفضل (١) أبو علي الشَّرْمَقَاني، المؤذِّب، المقرىء، الحافظ [ للقرآن] والقراءات
واختلافها .
كان ضيّق الحال فرآه شيخه ابن العلاف ذات يوم وهو يأخذ أوراق الخسّ من دجلة فيأكلها ؛ فأعلم ابن
المُسلمة [ بحاله ] فأمر غلاماً له أن يذهب إلى الخزانة التي بمسجده ليتخذ لها مفتاحاً غير مفتاحه ، ثمّ كان
يضع فيها كلّ يوم ثلاثة أرطال من خبز السميد ، ودجاجة ، وحلاوة سكر ؛ فظنّ أبو علي الشَّرْمَقَاني أنَّ
ذلك كرامة [ أكرمه الله بها]، وأنَّ هذا الطعام [ الذي يجده في خزانته ] من الجنَّة ؛ فكتمه زماناً ، وجعل
ينشد في غالب أوقاته :
مَنْ أَطْلَعُوهُ عَلى سِرَّ فباحَ بهِ لمْ يَأْمَنُوهُ على الأسرارِ ما عَاشَا
وأبْدَلُوهُ فكانَ الأنسُ إيحاشا ]
[ وأبْعَدُوهُ فلم يَظْفَرْ بِقُرْبِهِمُ
فلما كان في بعض الأيام ، ذاكره ابن العلاف في أمره ، وقال [ فيما قال ] له : أراك قد سمنت ، فما
هذا الأمر وأنت رجل فقير! فجعل يلوّح ولا يصرّح، ويُكنّي ولا يُفصح، ثم [ ألحّ عليه ] فأخبره بأنّه يجد
كلّ يوم في خزانته من طعام الجنّة ما يكفيه [ وأن هذا كرامة أكرمه الله بها ] ، فقال له : ادعُ لابن المُسلمة ،
فإنَّه الذي يفعل معك ذلك . وشرح له صورة الحال ، فانكسر ، ولم يعجبه ذلك .
علي بن محمود بن إبراهيم(٢) بن ماحُرَّةً(٣) أبو الحسن الرَّوْزَني .
شيخ الصوفية ، وإليه ينسب رباط الروزني ، وقد كان بُني لأبي الحسن الخُصْريّ شيخه ، وقد صحب
أبا عبد الرحمن السُّلَميّ ، وقال : صحبت ألف شيخ ، وأحفظ عن كلِّ شيخ حكاية . توفي في رمضان عن
خمس وثمانين سنة .
محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي (٤) أبو طالب الحَرْبِيّ، المعروف بالعُشَاري ، وإنَّما قيل له
ذلك لطول جدّهُ) .
تاريخ بغداد ( ٧/ ٤٠٢)، معرفة القراء الكبار (٤١٢/١).
(١)
(٢) تاريخ بغداد (١١٥/١٢)، تاريخ الإسلام (١٠/ ٢١).
تحرفت في ( ط ) إلى ما جود . وقال الخطيب : كان يقول لنا : كان جدي ماخرة مجوسياً .
(٣)
تاريخ بغداد (١٠٧/٣)، المنتظم (٢١٤/٨)، الكامل في التاريخ (٩/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ /٤٨)،
(٤)
الوافي بالوفيات (١٣٠/٤)، شذرات الذهب (٢٨٩/٣).
(٥) تحرفت في (ط) والمنتظم إلى: جسد.

١٥١
أحداث سنة ٤٥٢ هـ
وقد سمع الدَّار قطنيّ وغيره ، وكان ثقة ديّناً صالحاً ، وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة
وقد نيف على الثمانين .
الوَنّي الفرضي(١) الحسين بن محمد، أبو عبد الله الوَنّي، نسبة إلى وَنّ، قرية من أعمال قهستان(٢) ،
الفَرَضي ، شيخ الخبري - وهو أبو حكيم عبد الله بن إبراهيم - كان الونّي إماماً في الحساب والفرائض ،
وانتفع الناس به ، توفي في هذه السنة ببغداد شهيداً في فتنة البساسيري .
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين وأربعمئة
في يوم الخميس السابع عشر من صفر ، دخل السلطان إلى بغداد ، مرجعه من واسط بعد قتل
البَسَاسيري .
وفي يوم الحادي والعشرين منه جلس الخليفة بدار الخلافة وحضر الملك طُغْرُلْبَك، ومذَّ سِماطاً
عظيماً بين يديه فأكل الأمراء منه والعامّة .
ثمّ في يوم الخميس ثاني ربيع الأول ، عمل الملك طُغْرُ لْبَك سماطاً عظيماً [ للناس ] أيضاً .
وفي يوم الثلاثاء تاسع جمادى الآخرة ؛ ورد الأمير عدّة الدين أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدّين بن
أمير المؤمنين القائم بأمر الله ، وجدّته وعمته وله من العمر يومئذ أربع سنين صحبة أبي الغنائم بن
المحلبان ؛ فتلقّاه الناس إجلالاً لجدِّه ، وقد ولي هو الخلافة بعد ذلك ، وهو المقتدي بأمر الله .
وفي رجب وقف أبو الحسن محمد بن هلال العتَّابي دار كتب بشارع ابن أبي عوف من غربي مدينة
السلام ، ونقل إليها ألف كتاب عوضاً عن دار كتب أزدشير التي احترقت بالكرخ .
وفي شعبان ملك محمود بن نصر حلب وقلعتها ، فامتدحه الشعراء .
وملك عطيّة بن صالح بن مرداس الرحبة ، وذلك كلّه يُنْتَزَعُ من أيدي الفاطميين .
وفيها : عاد الملك طُغْرُلْبَك إلى الجبل ، وعقد بغداد على العميد بمئة ألف دينار في السنة ، ولسنتين
بعدها بثلاثمئة ألف دينار ، فشرع العميد في عمارة الكرخ وأسواقه .
(١) المنتظم (١٩٧/٨)، الكامل في التاريخ (٦٥١/٩)، وفيات الأعيان (١٣٨/٢)، طبقات السبكي
(٣٧٤/٤)، سير أعلام النبلاء (٩٩/١٨)، شذرات الذهب (٢٨٣/٣). وقد ذكره المصنف رحمه الله مع
وفيات السنة السابقة .
(٢) في معجم البلدان : قرية من قرى قوهستان .

١٥٢
وفيات سنة ٤٥٢ هـ
ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة ، غير أن جماعة اجتمعوا إلى الكوفة وذهبوا مع طائفة من
الخفر .
وممن توفي فيها من الأعيان :
باي بن جعفر بن باي أبو منصور الجيلي(١)
من تلامذة الشيخ أبي حامد ، ولي القضاء بباب الطاق ، وبحريم دار الخلافة ، وسمع الحديث من
جماعة .
قال الخطيب(٢): وكتبنا عنه ، وكان ثقة رحمه الله تعالى.
الحسن بن محمد بن أبي الفضل (٣) أبو محمد النَّسَويُ(٤) الوالي .
سمع الحديث ، وكان ذكياً في صناعة الولايةُ(٥) ومعرفة التُّهَم [ والمتهومين ] من بين الغرماء بلطف
من الصنيع ، كما نُقْل عنه أنّه وقف بين يدي جماعة اتهموا بسرقة ، فأتي بكوز ليشرب منه فرمی به ،
فانزعج الواقفون إلا واحداً ، فأمر به أن يقرر ، وقال : السارق يكون جريئاً قوياً فوجد الأمر كذلك . وقد
قتل مرةً واحداً ، وضرب بين يديه ، فادُعي عليه عند القاضي أبي الطيِّب الطبري فحكم عليه بالقصاص ،
ثمّ فادى عن نفسه بمال جزيل حتى خلص من القتل .
محمد بن عُبيد الله بن أحمد بن محمد بن عُمْروس(٦) أبو الفضل البزار .
انتهت إليه رئاسة الفقهاء المالكيين ببغداد ، وكان من القرّاء المجوّدين ، وأهل الحديث المُسندين ،
سمع ابن حَبابة ، والمُخَلَّص ، وابن شاهين . وقد قبل شهادته أبو عبد الله الدّامغاني ، فكان أحد
المعدَّلين .
(١) تاريخ بغداد (١٣٦/٧)، المنتظم (٢١٦/٨)، الكامل في التاريخ (١٣/١٠)، طبقات الإسنوي (٣٥٧/١)،
توضيح المشتبه (٢٩٩/١). وقد تحرف اسمه في ( أ) إلى: بالي، وفي ( ب ) إلى : بابي .
(٢)
تاريخ بغداد ( ١٣٦/٧ ).
(٣)
المنتظم (٢١٧/٨)، الكامل في التاريخ (١٢/١٠)، تاريخ الإسلام (٣٣/١٠).
(٤)
نسبة إلى نَسَا .
(٥)
يعني الشرطة ، كما صَرَّح الذهبي في تاريخ الإسلام .
تاريخ بغداد (٣٣٩/٢)، الأنساب (٥٤/٩)، المنتظم (٢١٨/٨)، الكامل في التاريخ (١٣/١٠)، سير
(٦)
أعلام النبلاء ( ١٨/ ٧٣)، شذرات الذهب (٢٩٠/٣).
((وعمروس)): ضبطه السمعاني بفتح العين ، وضبطه الفيروزآبادي بضمها ، وقال : وفتحه من لحن المحدثين .
وقد تحرف في ( ط ) إلى : عروس . وفي المنتظم إلى : ابن عمرو بن أبي الفضل.

١٥٣
أحداث سنة ٤٥٣ هـ
قَطْرُ النَّدَىُ(١) ويقال: بَدْرُ الدُّجى، ويقال: علم، أمُّ الخليفة القائم بأمر الله ، كانت عجوزاً كبيرة ،
وقد بلغت التسعين سنة ، وكانت أرمنية ، وقد احتاجت في زمان البساسيري ، وألجأتها الحاجة ، حتى
كتبت إليه رقعة تشكو فقرها وحاجتها ، فأجرى عليها رزقاً ، وأخدمها جاريتين ، وهذا كان من أحسن
ما صنع ، ثمّ لم تمت حتى أقرّ الله عينها بولدها ، وأهله ، ورجوعهم إلى دار الخلافة على ما كانوا عليه ،
ثمّ توفيت في رجب من هذه السنة ، فحضر الخليفة جنازتها ، وكانت حافلة جداً . رحمها الله تعالى وأكرم
مثواها .
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمئة
فيها : خطب الملك ◌ُغْرُلْبَك ابنة الخليفة ، فانزعج من ذلك ، وقال : هذا شيءٌ لم تجر العادة
بمثله . ثمّ طلب أشياء كثيرة ، كهيئة المُبْعِدِ له من ذلك . وهو ما كان لزوجته التي توفيت من الإقطاعات
بأرض واسط ، و صداق ثلاثمئة ألف دينار ، وأن يقيم الملك ببغداد لا يترحّل عنها ، ولا يحيد عنها يوماً
أبداً ، فوقع الاتفاق على بعض ذلك ، وأرسل إليها بمئة ألف دينار مع ابنة أخيه داود ، زوجة الخليفة
أرسلان خاتون ، وأشياء كثيرة من آلات الذهب والفضة ، والنثار ، والجواري ، والكراع ، ومن الجواهر
ألفان ومئتا قطعة ، من ذلك سبعمئة وعشرون قطعة من جوهر ، وزن كل واحدة ما بين الثلاثة مثاقيل إلى
المثقال ، وأشياء كثيرة ، فتمنّع الخليفة لفوات بعض الشروط ، فغضب عميد الملك [ الوزير] الكُنْدري
لمخدومه [ السلطان ] ، وجرت شرور طويلة اقتضت أن أرسل السلطان كتاباً يأمر فيه بانتزاع ابنة أخيه
السيدة أرسلان خاتون ، ونقلها من دار الخلافة إلى دار الملك حتى تنفصل هذه القضيّة ، وعزم الخليفة
على النقلة من بغداد ، وأصلح الطيّار ، فانزعج الناس لذلك، وجاء كتاب السلطان إلى [ رئيس ] شحنة
بغداد برشق(٢) يأمره بعدم المراقبة ، وكثرة العسف في مقابلة ردّ أصحابنا بالحرمان ، وعزم على نقلة
الخاتون إلى دار المملكة ليرسل من يحملها إلى البلدة التي هو فيها ، وكلّ ذلك غضب على الخليفة ؛ فإنّا
لله وإنا إليه راجعون .
قال ابن الجوزي (٣): وفي رمضان رأى إنسان من الزّمنى رسول الله بَّر في المنام وهو قائم، ومعه
ثلاثة أنفس ، فجاء إليه أحدهم فقال له : ألا تقوم . فقال : لا أستطيع ، أنا رجل مقعد . فأخذ بيده
وقال : قم ، فقام ، وانتبه ؛ فإذا هو بريء ، وأصبح يمشي في حوائجه .
(١) المنتظم (٢١٧/٨)، الكامل في التاريخ (١٣/١٠).
(٢) في ( ط ): برشتق ، وفي ( ب ): برسق .
(٣) المنتظم (٢٢٢/٨).

١٥٤
وفيات سنة ٤٥٣هـ
وفي ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا الفتح منصور بن أحمد بن دارست الأهوازي ، وخلع عليه ،
وجلس في مجلس الوزارة .
وفي جمادى الآخرة لليلتين بقيتا منه ، كسفت الشمس كسوفاً عظيماً ، جميع القرص غاب فمكثت
أربع ساعات ، حتى بدت النجوم ، وآوت الطيور إلى أوكارها وتركت الطيران وذلك لشدة الظّلمة .
وفيها: وَلِيَ [ أبو تميم ] إبراهيم بن معزّ(١) بن باديس بلاد إفريقية بعد وفاة أبيه صاحبها.
وفيها : ولي نصر بن نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي ديار بكر بعد أبيه أيضاً .
وفيها : ولي سيف الدولة بن قريش بن بدران بلاد الموصل ونصيبين بعد أبيه .
وفيها : خُلع على طِراد بن محمد الزَّيْنَي الملقَّب بالكامل ، وولي نقابة العباسيين ، وخُلع على
أسامة بن أبي عبد الله بن علي، وقلّد نقابةُ(٢) الطالبيين ، ولقِّب بالمرتضى .
وفيها : ضمن أبو إسحاق إبراهيم بن علان اليهودي ضياع الخليفة من صرصر إلى أوانا ، كلّ سنة بستة
وثمانين ألف دينار ، وسبعة عشر ألف كُرِّ من غلّة .
ولم يحجّ أحدٌ من أهل العراق في هذه السنة .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
أحمد بن مروان(٣) أبو نصر الكردي ، صاحب بلاد بكر ، وميّافارِقين ، لقبه القادر بالله نصر الدولة .
ملك هذه البلاد ثنتين وخمسين سنة ، وتنعّم تنعّماً لم يقع لأحد من أهل زمانه ولا أدركه فيه أحد من
بعده [ من أقرانه ] . كان عنده خمسمئة سرِّيّة ، سوى من يخدمهن ، وعنده خمسمئة خادم ، وعنده من
المغنّيات شيءٌ كثير ، كلّ واحدة مشتراها خمسة آلاف دينار وأكثر ، وكان يحضر في مجلسه من الآلات
والأواني ما يساوي مئتي ألف دينار ، وتزوّج بعدة من بنات الملوك .
وكان كثير المهادنة للملوك ، إذا قصده عدوّ أرسل إليه بمقدار ما يغرمه على حربه ، ويصالحه
بذلك ، فيرجع عنه .
وقد أرسل إلى الملك طُغْرُ لْبَك بهديّة عظيمة حين ملك العراق ، من ذلك جَبَل(٤) من ياقوت كان يكون
(١) في (ط): ((معز الدولة))، وهو خطأ بيّن (بشار).
(٢)
من قوله : وولي نقابة العباسيين . إلى هنا ساقط من ( ط ) .
(٣) المنتظم (٢٢٢/٨)، الكامل في التاريخ (١٧/١٠)، وفيات الأعيان (١٧٧/١)، سير أعلام النبلاء
(١١٧/١٨)، دول الإسلام (٢٦٦/١)، الوافي بالوفيات (١٧٦/٨)، شذرات الذهب (٢٩٠/٣).
(٤) في (ط): ((حبل)) بالحاء المهملة، وما أثبتناه هو الصواب، وهو الذي في كامل ابن الأثير وتاريخ الإسلام =

١٥٥
أحداث سنة ٤٥٤ هـ
لبني بويه ، اشتراه بمقدار عظيم ، وبعث إليه بمئة ألف دينار عيناً ، وغير ذلك . وزر له أبو القاسم
المغربي مرتين ، ووزر له أيضاً أبو نصر محمد بن محمد بن جَهِيْر فخر الملك ، وكانت بلاده من آمن
البلاد وأطيبها ، وأكثرها عدلًا . وقد بلغه أن الطيور تتنجع في الشتاء [ فتخرج ] من الجبال إلى القرى
فيصطادها الناس ، فأمر بفتح الأهراء(١) وإلقاء ما يكفيها من الغلات مدّة الشتاء . فكانت تكون في ضيافته
طول [ الشتاء مدة ] عمره ، وكانت وفاته في هذه السّنة وقد قارب الثمانين أو جاوزها .
وقال ابن خلِّكان (٢): قال ابن الأزرق في (( تاريخه)): إنّه لم يصادر أحداً من رعيته سوى رجل
واحد ، ولم تفته صلاة مع كثرة مباشرة اللّذات ، كانت له ثلاثمئة وستون حظّة يبيت عند كلِّ واحدة ليلة
من السّنة ، وخلّف أولاداً كثيرة ، ولم يزل على ذلك الحال إلى أن توفي في التاسع والعشرين من شوال
هذه السنة ، رحمه الله تعالى .
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وأربعمئة
فيها : وردت الكتب الكثيرة من الملك طُغْرُلْبَك تشكو قلّة إنصاف الخليفة ، وعدم موافاته بما أسداه
إليه من الخدم والنّعم إلى الملوك بالأطراف ، وقاضي القضاة ابن الدّامغاني ؛ فلمّا رأى الخليفة ذلك ،
وأن الملك قد أرسل إلى نوّابه بالحوطة على أملاك الخليفة ، وقد انزعج لذلك ، كتب إلى الملك طُغْرُلْتَك
يجيبه إلى ما سأل ، فلما وصل ذلك إلى طُغْرُلْبَك فرح بذلك فرحاً شديداً ، وأرسل إلى نوّابه أن يطلقوا
الأملاك الخليفيّة ، فلما انتهت الركابية بذلك إلى بغداد ، دقت البشائر بدار الخلافة ، وطيف بالركابيّة بين
أيديهم الدبادب والبوقات ، وفرح الناس بإجابة الخليفة إلى ذلك (٣)، واتفقت الكلمة [ بعد أن كادت
تتفرق ] ، فوكل الخليفة في العقد ، وكتب بذلك وكالة ، ثمّ وقع العقد بمدينة تبريز بحضرة الملك
◌ُغْرُلْبَك ، وعمل سماطاً عظيماً ، ولما جيء بالوكالة قام لها الملك ، وقبّل الأرض عند رؤيتها [ ودعا
للخليفة دعاءً كثيراً ] ، ثمّ أوجب العقد على صداق أربعمئة ألف دينار ، وكثر دعاء الناس للخليفة ، وذلك
في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان من هذه السنة . ثم بعثت ابنة أخيه الخاتون أرسلان زوجة الخليفة
في شوال بتحف عظيمة ، وذهب كثير ، وجواهر عديدة ثمينة ، وهدايا عظيمة ، لأمّ العروس وأهلها
كلَّهم ، وقال الملك للناس جهرة : أنا عبدٌ قِنّ للخليفة ما بقيت ، لا أملك شيئاً سوى ما عليّ من الثياب .
(٣٦/١٠) والسير.
(١) ((الأهراء)): جمع هُزي بالضم: بيت كبير يجمع فيه طعام السلطان .
(٢) وفيات الأعيان (١/ ١٧٧).
(٣) من قوله : فلما انتهت الركابية .. إلى هنا ساقط من ( ط ).

١٥٦
وفيات سنة ٤٥٤هـ ـ أحداث سنة ٤٥٥ هـ
وفيها : عزل الخليفة وزيره ، واستوزر أبا نصر محمد بن محمد بن جَهِير ، استقدمه من ميَّافارقين .
وفيها : عمَّ الرخص جميع الأرض ، حتى بيع بالبصرة كل ألف رطل تمر بثمان قراريط [ ولم يحجّ
فيها أحد ] . والله أعلم .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
ثِمال بن صالح(١) معزّ الدولة صاحب حلب .
كان كريماً حليماً وقوراً . ذكر ابن الجوزي : أنّ الفرّاش تقدّم إليه ليغسل يده فصدمت بلبلة الإبريق
ثنيته فسقطت فى الطست ، فعفا عنه ، رحمه الله تعالى .
الحسن بن علي بن محمد (٢) [ أبو محمد ] ، الجوهري .
ولد في شعبان سنة ثلاث وستين وثلاثمئة ، وسمع الحديث على جماعة ، وتفرّد بمشايخ كثيرة
منهم : أبو بكر بن مالك القطيعي ، وكان آخر من حدّث عنه ، توفي في ذي القعدة منها .
الحسين بن أبي زيد(٣) أبو علي الدَّباغ قال: رأيت النبيّ وَّ في المنام فقلت: يا رسول الله: ادعُ الله
أن يحييني على الإسلام ، فقال : وعلى السنّة ، وعلى السنّة، وعلى السنّة ، رحمه الله تعالى .
سعد بن محمد بن منصور(٤) أبو المحاسن الجُولَكي(٥)، كان من الرؤساء القدماء ، وجّه رسولاً إلى
الملك محمود بن سُبُكْتكين في حدود سنة عشر ، وكان من الفقهاء العلماء تخرّج به جماعة ، وروی عن
جماعة الحديث . وعقد له مجلس النظر ببلدان كثيرة ، وقُتل ظلماً بإستراباذ في رجب من هذه السنة ،
رحمه الله تعالى وإيّانا بمنه وكرمه .
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمئة
فيها : دخل السلطان طُغْرُلْبَك بغداد ، وعزم الخليفة على تلقّيه ، ثمّ ترك ذلك ، وأرسل وزيره
أبا نصر عوضاً عنه ، وكان من جيش الملك أذيّة كثيرة للناس في الطريق ، وتعرّض للحريم ،
(١) المنتظم (٢٢٧/٨)، الكامل في التاريخ (٢٤/١٠)، الوافي بالوفيات (١٦/١١).
(٢)
تاريخ بغداد ( ٣٩٣/٧)، المنتظم (٢٢٧/٨)، الكامل في التاريخ (٢٤/١٠)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ٦٨)،
شذرات الذهب ( ٢٩٢/٣).
(٣)
تاريخ بغداد (١١٠/٨)، المنتظم (٢٢٨/٨).
(٤)
المنتظم ( ٢٢٨/٨).
(٥) في (ط): ((الجرجاني)) محرفة، وهو منسوب إلى جولك الغازي ، على ما ظن أبو سعد السمعاني في
((الجولكي)) من الأنساب. وينظر تاريخ الإسلام (٤٦/١٠) (بشار).

١٥٧
دخول الملك طغرلبك على بنت الخليفة
حتى أنّهم هجموا على النساء في الحمامات ، فخلصهنّ منهم العامّة بعد جهد جهيد .
دخول الملك طُغْرُ لْبَك على بنت الخليفة
لما استقرّ الملك طُغْرُلْبَك ببغداد ، أرسل وزيره عميد الملك إلى الخليفة يطالبه بنقل السيدة من الدار
العزيزة النبويّة إلى دار المملكة ، فتمنّع الخليفة من ذلك وقال : إنّكم إنّما سألتم أن يعقد العقد فقط
الحصول التشريف ، والتزمتم لنا بعدم المطالبة بها ، فتردد [ الناس ] في ذلك ، بين الخليفة والملك ،
وأرسل الملك زيادة على النقد مئة ألف دينار، وخمسين ألف درهم(١)، وتحفاً أخر ، وأشياء لطيفة ،
فلما كان ليلة الإثنين الخامس عشر من صفر من هذه السنة زُفّت السيدة ابنة الخليفة إلى دار المملكة ،
فضربت لها السرادقات من دجلة إلى دار المملكة ، وضربت الدبادب والبوقات عند دخولها دار المملكة ،
وكانت ساعة عظيمة ، [ فلما دخلت ] جلست على سرير مكلّل بالذهب ، وعلى وجهها برقع ، ودخل
الملك طُغْرُلْبَك فوقف بين يديها ، وقبل الأرض ولم تقم له [ ولم تره ] ولم يجلس حتى انصرف إلى صحن
الدار ، والحجَّاب والأتراك يرقصون هناك فرحاً وسروراً ، وبعث لها مع الخاتون أرسلان ابنة أخيه زوجة
الخليفة عقدين فاخرين ، وقطعة ياقوت حمراء كبيرة هائلة ، ودخل من الغد فقبّل الأرض ، وجلس على
سرير مكلّل بالفضة بإزائها ساعة ثمّ خرج ، وأرسل إليها جواهر كثيرة ثمينة ، وفرجيّة (٢) نسيج مكلّلة
باللؤلؤ، وما زال كذلك كلّ يوم يدخل ، ويقبّل الأرض ، ويجلس على السرير بإزائها ، ثمّ يخرج فيبعث
التحف والهدايا ، ولم يكن منه إليها شيء ، ويمدّ في كلّ يوم من هذه الأيام السبعة سماطاً عظيماً ، وخلع
يوم السابع على جميع الأمراء . ثمّ عرض له سفر ، واعتراه مرض ، فاستأذن الخليفة في الانصراف
بالسيدة معه إلى تلك البلاد مدّة قريبة ، ثمّ يعود بها ، فأذن بها الخليفة بعد تمنّع شديد ، وحزن عظيم ،
فخرج بها معه ، وليس معها من دار الخلافة سوى ثلاث نسوة برسم خدمتها ، وتألَّمت والدتها لفقدها ألماً
عظيماً جداً لا يُعبَّر عنه ، وخرج السلطان وهو مريض مدنف مأيوس منه ، مثقل لا ترجى منه العافية .
فلمّا كانت ليلة الأحد الرابع والعشرين من رمضان جاء الخبر بأن الملك طُغْرُلْبَك توفي في ثامن الشهر
رحمه الله تعالى . فثارت العيّارون بهمَذان ، فقتلوا العميد والشحنة وسبعمئة من أصحابه ، ونهبوا
الأموال ، وجعلوا يأكلون ويشربون على القتلى نهاراً حتى انسلخ الشهر لعنهم الله وقبّحهم . وأخذت البيعة
بعده لولد أخيه سليمان بن داود ، وكان طُغْرُلْبَك قد نصّ عليه ، وأوصى إليه ، لأنّه كان تزوّج بأمّه بعد
أبيه ، واتفقت الكلمة [عليه ] وأنفقت في الأمراء والأتراك الأموال والخلع ، ولم يبق عليهم خوف إلا من
(١) في (أ): وخمسة آلاف درهم، وفي (ط ): مئة وخمسين ألف درهم، وما أثبت من (ب) والمنتظم
(٢٢٩/٨) .
(٢) ((الفرجية)): ثوب له فتحة من الأمام أو الخلف .

١٥٨
وفيات سنة ٤٥٥ هـ
جهة أخي سليمان وهو الملك عضد الدولة ألب آرسلان محمد بن داود ، فإن الجيش كانوا يميلون إليه ،
ويقبلون عليه ، وقد خطب له أهل الجبل ومعه لنظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق وزيره ،
ولما رأى الكُنْدري قوة أمره خطب له بالريّ ، ثمّ من بعده لأخيه سليمان بن داود . وقد كان الملك
طُغْرُلْبَك عاقلاً حليماً ، كثير الاحتمال ، شديد الكتمان للسرّ ، محافظاً على الصلوات ، وعلى صوم
الإثنين والخميس ، مواظباً على لبس البياض ، وكان عمره يوم مات سبعين سنة ، ولم يترك ولداً ، وكان
مدة ملكه بحضرة القائم بأمر الله سبع سنين وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً ، ولما مات اضطربت الأحوال
وانتفضت الأمور بعده جداً ، وعائت الأعراب في سواد بغداد وأرض العراق ينهبون الأموال ويشلّحون
الرجال ، وتعذّرت الزراعة إلا على المخاطرة ، فانزعج لذلك الناس .
وفيها : كانت زلزلة عظيمة بواسط وأرض الشام ، فهدمت قطعة من سور طرابلس .
وفيها : وقع مُوتان بالجدريّ والفجأة ، ووقع بمصر وباءٌ شديد ، كان يخرج منها في كلّ يوم ألف
جنازة .
وفيها : ملك الصُّلَيحي صاحب اليمن مكّة ، وجلب الأقوات إليها ، وأحسن إلى أهلها .
وفي أوائل هذه السنة طلبت الست أرسلان خاتون زوجة الخليفة النقلة من عنده إلى عمّها ، وذلك لمّا
هجرها بالكليّة وبارت عنده ، فبعثها الخليفة مع الوزير الكُنْدَري ، فلمّا وصلت إلى عمّها كان مريضاً مدنفاً
مثقلاً ، فأرسل إلى الخليفة يعتب عليه في تهاونه بها ، فكتب إليه الخليفة يقول ارتجالاً :
وارتجاعُ الشّبابِ مَا لا يُرامُ
ذهبتْ شِدَّتي وولّى الغرامُ
واللّيالي يَضعُفْن والأيامُ
أذهبَتْ مني اللّيالي جَديداً
وعلى الغَانياتِ منّي السلامُ
فَعَلى ما عَهدتُهُ من شبابي
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
زهير بن الحسن بن علي (١) بن خدام أبو نصر الخِدامي(٢).
ورد بغداد ، فتفقّه على الشيخ أبي حامد الإسفراييني، وسمع بالبصرة (( سنن أبي داود)) على القاضي
أبي عمر ، وحدّث بالكثير ، وكان يُرجع إليه في الفتاوى وحلّ المشكلات . كانت وفاته بسرخس في هذه
السنة .
(١) في (ط): ((زهير بن علي بن الحسن)) مقلوب، وما أثبتناه هو الصواب ، وترجمه الذهبي في وفيات السنة
الماضية من تاريخه ، وقال : وقيل إنه توفي سنة خمس وخمسين ( تاريخ الإسلام ٤٦/١٠) (بشار).
(٢) الأنساب (٥٦/٥ الخدامي)، المنتظم (٢٣٢/٨) وسقط منه ((زهير)) اسم المترجم، وتحرفت نسبته فيه إلى:
الجذامي ، طبقات السبكي (٣٧٩/٤)، سير أعلام النبلاء (١٣٤/١٨)، شذرات الذهب (٢٩٢/٣).

١٥٩
أحداث سنة ٤٥٦ هـ
سعيد بن مروان صاحب آمد(١) .
يقال : إنّه سُمّ ، فانتقم سعيد صاحب ميّافارقين ممن سمّه ، فقطّعه قطعاً .
الملك الكبير أبو طالب محمد بن ميكائيل بن سُلْجوق بن تقاق (٢)، الملقب طُغْرُ لْبَكَ(٣).
وكان أول ملوك السَّلاجقة، وكان خيِّراً مُصلِّياً محافظاً على الصلوات في أوقاتها يديم صيام الإثنين
والخميس ، حليماً عمن أساء إليه ، كتوماً للأسرار ، سعيداً في حركاته وتقلّباته ، ملك في أيام محمود بن
سُبُكْتِكين عامة بلاد خراسان ، واستناب أخاه داود ، وأخاه لأمّه إبراهيم ينّال ، وأولاد إخوته على كثير من
البلاد ، ثمّ استدعاه الخليفة لملك العراق حين فسد الحال ببغداد من البساسيري ، وضعف الملك
الرحيم ؛ فقدمها ، وجلس له الخليفة ، وخَلَعَ عليه سبع خلع ، ولقّبه بملك المشرق والمغرب ، ثمّ
اشتغل بقتال أخيه إبراهيم حين كان من أمر البساسيري ما ذكرناه ، ثمّ ظفر بأخيه إبراهيم فقتله ، ثمّ عاد إلى
بغداد فاستعادها وأعاد الخليفة من حديثة عانة إلى دار خلافته ، ومقرّ سعادته ، ثمّ سعى في التزويج ببنت
الخليفة فتزوجها بعد تمنّع من الخليفة ، ودخل بها في هذه السنة ، ففرح كما ذكرنا ، ولكنه لم يمتّع بها ،
فإنّه عرض له مرض متلف ، واستمر به حتى كانت وفاته في ثامن شهر رمضان من هذه السنة ، وله من
العمر سبعون سنة ، وكان له في الملك مدة ثلاثين سنة ، منها في مملكة العراق ثماني سنين إلا ثمانية عشر
يوماً .
ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمئة
فيها : قبض السلطان ألْب آرسلان على وزير عمّه عميد الملك الكُنْدري ، وسجنه في بعض القلاع
سنة ، ثمّ أرسل إليه من قتله ، واعتمد في الوزارة على نظام الملك ، وكان وزير صدق ، يكرم العلماء
والفقراء . ولما عصى الملك شهاب الدولة قتلمش ، وخرج عن الطاعة ، وطمع في أخذ الملك من ألب
(١) المنتظم (٢٣٢/٨).
(٢) في بعض النسخ: ((نعاق))، محرف، وما أثبتناه هو الموافق لمصادر ترجمته، ويقال فيه ((دقاق)) بالدال المهملة
بدل التاء ثالث الحروف ( بشار ) .
(٣) المنتظم (١٩٠/٨ - ٢٣٤)، الكامل في التاريخ (١٢/١٠ - ٢٨)، وفيات الأعيان (٦٣/٥)، سير أعلام النبلاء
(١٠٧/١٨)، الوافي بالوفيات (١٠٢/٥)، النجوم الزاهرة (٧٣/٥)، شذرات الذهب (٢٩٤/٣)، معجم
الأنساب والأسرات الحاكمة (١٢، ٣٢٢ - ٣٣٣).
قال ابن خلَّكان : طغرلبك، بضم الطاء المهملة ، وسكون الغين المعجمة ، وضم الراء ، وسكون اللام ، وفتح
الباء الموحدة ، وبعدها كاف ، وهو اسم علم تركي ، مركب من طغرل : وهو اسم علم بلغة الترك لطائر معروف
عندهم ، وبه سمي الرجل ، وبك : معناه الأمير ، وضبطه ابن تغري بردي بكسر الراء .

١٦٠
أحداث سنة ٤٥٦ هـ
أرسلان ، وكان من بني عم طُغْرُلْبَك، فجمع وحشد واحتفل له ، وخاف منه ألب أرسلان ؛ قال له
الوزير : أيها الملك لا تخف ، فإني قد استخدمت لك جنداً ليليّاً [ ما بارزوا عسكراً إلا كسروه كائناً
ما كان . فقال له الملك : من هم ؟ قال : جند ] يدعون لك وينصرونك بالتوجّه في صلواتهم وخلواتهم ،
وهم العلماء [ والفقراء ] والصلحاء ، فطابت نفسه بذلك ، وحين التقى مع قتلمش لم ينتظره أن كسره ،
وقتل خلقاً من جنوده ، وقتل قتلمش في المعركة ، واجتمعت الكلمة على ألب أرسلان .
وفيها : أرسل ولده ملك شاه ، ووزيره نظام الملك هذا في جنود عظيمة إلى بلاد الكَرَجُ(١) ففتحوا
حصوناً كثيرة ، وغنموا أموالاً جزيلة جداً ، وفرح المسلمون بنصرهم ، وكتب كتاب ولده على ابنة الخان
الأعظم صاحب ما وراء النهر ، وزفّت إليه ، وزوج ولده بابنة صاحب غزنة ، واجتمع شمل البيتين
السلجوقيّ والمحمودي .
وفيها : أذن ألْب أرسلان للسيدة ابنة الخليفة في الرجوع إلى بغداد ، وأرسل معها بعض القضاة
والأمراء ، فدخلت بغداد في تجمّل عظيم ، وخرج الناس للنظر إليها ، فدخلت ليلاً في أُبَّهة عظيمة ،
ففرح الخليفة وأهلها بذلك ، وأمر الخليفة بالدعاء للملك ألب أرسلان على المنابر في الخطب . فقيل في
الدعاء : اللهمّ وأصلح السلطان المعظّم عَضُد الدولة ، وتاج الملّة أرسَلان أبا شجاع محمد بن داود .
وجلس الخليفة للناس جلوساً عاماً ، وبايعهم للملك ألْب أرسَلان ، وأرسل إليه بالخلع والتقليد مع
الشريف نقيب العباسيين طِراد بن محمد الزَّيْنَبِي ، وأبي محمد التميمي ، وموفق الخادم ، ولقب الوزير
نظام المُلْك : قِوامُ الدين والدولة رضيّ أمير المؤمنين ، وإنّما كان يقال له قبل ذلك : خواجه بُرُرك .
وأرسل الملك ألْب أرسَلان بالهدايا العظيمة ، والتحف النفيسة المفتخرة ، واستقرّ أمره على بغداد وجميع
بلاد العراق .
قال ابن الجوزي(٢): وفي ربيع الأول شاع ببغداد أن قوماً من الأكراد خرجوا يتصيّدون ، فرأوا في
البريّة خيماً سوداً ، وسمعوا فيها لطماً شديداً، وعويلاً كثيراً، وقائلاً يقول: قد مات سيدوك(٣) ملك
الجنّ ، وأيّ بلد لم يلطم به عليه ، ولم يقم له مأتم فيه ، قلع أصله ، وأهلك أهله . قال : فخرج النساء
العواهر من حريم بغداد إلى المقابر يلطمن ثلاثة أيام ، ويخرّقن ثيابهن ، وينشرن شعورهن ، وخرج رجال
من السّفهاء يفعلون ذلك . وفُعل هذا في واسط وخوزستان وغيرها من البلاد ، قال : وكان هذا من الحمق
لم ينقل مثله .
(١) في (ط): ((الكرخ))، وهو تصحيف ظاهر.
(٢)
المنتظم (٢٣٥/٨) .
(٣) في (ب): ((سندرك))، وهو تحريف، وما أثبتناه من (ط) والمنتظم (٢٣٥/٨)، والكامل في التاريخ
(٤٢/١٠)، وتاريخ الإسلام (١٢/١٠) (بشار).