Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ وفيات سنة ٤٣٦ هـ وفيها : استوزر طغرلبك أبا القاسم علي بن عبد الله الجوينيّ ، وهو أول وزير وزر له . وفيها : وزر أبو نصر أحمد بن يوسف لصاحب مصر ، وكان يهودياً فأسلم بعد موت الجرجرائي . وفيها : ولي نقابة العلويين(١) الشريف أبو أحمد عدنان بن الشريف الرَّضي، وذلك بعد وفاة عمّه المرتضى أبي القاسم علي - وستأتي ترجمته - . وفيها : ولي القاضي أبو الطيِّب الطبري ، قضاء الكرخ ، مضافاً إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطّاق ، وذلك بعد موت القاضي أبي عبد الله الصّيمري . وفيها : نظر رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المُسْلمة (٢) في كتابه ديوان الخلافة ، وكان عنده بمنزلة عالية . ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل العراق لفساد الطريق . وممن توفي فيها من الأعيان : الحسين بن علي بن محمد بن جعفر(٣) أبو عبد الله الصَّيْمَري ، نسبة إلى نهرٍ بالبصرة يقال له : الصَّيْمَر ، عليه عدة قنى . أحد أئمّة الحنفيّة ، ولي قضاء المدائن ، ثمّ قضاء ربع الكرخ ، وحدّث عن أبي بكر المفيد وابن شاهين وغيرهما ، وكان صدوقاً وافر العقل ، جميل المعاشرة ، حسن العبارة ، عارفاً بحقوق العلماء ، توفي في شوّال عن خمس وثمانين سنة . عبد الوهّاب بن منصور(٤) بن أحمد أبو الحَسَنُ(٥) ، المعروف بابن المشتري ، الأهوازي . كان على قضاء الأهواز ونواحيها ، شافعيّ المذهب ، وكان له مكانة كبيرةٌ عند السلطان ، [ وكان ] صدوقاً كثير المال ، حسن السيرة ، رحمه الله تعالى . الشريف المُرْتَضى(٦) علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن (١) في ( ط ) : الطالبيين. (٢) في (ط): ((المسلم)) وهو تحريف، وهو معروف مشهور (بشار). (٣) تاريخ بغداد (٩٨/٨)، المنتظم (١١٩/٨)، الجواهر المضية (١١٦/٢)، سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٦١٥)، النجوم الزاهرة (٣٨/٥)، شذرات الذهب (٢٥٦/٣)، تهذيب ابن عساكر (٤/ ٣٤٧). (٥) في بعض النسخ: ((أبو الحسين))، خطأ، وما أثبتناه من (ط): ويعضده ما في تاريخ الخطيب (١٢/ ٩٤ ، (٤) المنتظم (١٢٠/٨)، الجواهر المضية (٢١٤/١)، الكامل في التاريخ (٩/ ٥٢٧). بتحقيقنا ) ، وتاريخ الإسلام بخط الذهبي (٩/ ٥٥٥) ( بشار ). (٦) تاريخ بغداد (٤٠٢/١١)، المنتظم (١٢٠/٨)، الكامل في التاريخ (٥٢٦/٩)، وفيات الأعيان (٣١٣/٣)، سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٥٨٨)، النجوم الزاهرة (٣٩/٥)، شذرات الذهب (٣٥٦/٣)، أعيان الشيعة (١٨٨/٤١). ١٠٢ وفيات سنة ٤٣٦ هـ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، الشريف الموسوي الملقّب بالمرتضى ذي المجدين . وكان أكبر من أخيه الرضي ذي الحسبين ، نقيب الطالبيين ، وكان جيّد الشعر، إماماً في مذهب الإماميّة والاعتزال يُناظر على ذلك، وكان يُنَاظَرُ عنده في كلّ المذاهب ، وله تصانيف في التشيّع أصولًا وفروعاً . وقد نقل ابن الجوزي في ترجمته أشياء من مفردات الشيعة ، فمن ذلك أنّه لا يصحّ السجود إلا على الأرض ، أو ما كان من جنسها ، وأنَّ الاستجمار إنَّما يجزئ من الغائط لا من البول ، وأنّ الكتابيات حرام ، وذبائح أهل الكتاب حرام ، وكذا ما ولوه هم وسائر الكفّار من الأطعمة ، وأنّ الطلاق لا يقع إلا بحضرة شاهدين ، والمعلّق منه لا يقع ، وإن وجد شرطه ، ومن نام عن صلاة العشاء حتى انتصف اللّيل وجب قضاؤها ، ويجب عليه أن يصبح صائماً كَفّارة لما وقع ، ومن ذلك أنّ المرأة إذا جزّت شعرها يجب عليها كفارة قتل الخطأ ، ومن شقّ ثوبه في مصيبة وجب عليه كفارة يمين ، ومن تزوّج بامرأة لها زوج لا يعلمه يجب عليه أن يتصدّق بخمسة دراهم ، وأنّ قطع السارق من أصول الأصابع ، قال ابن الجوزي(١) : نقلتها من خطّ أبي الوفاء بن عقيل ، قال : وهذه مذاهب عجيبة تخرق الإجماع ، وأعجب منها ذمّ الصحابة رضي الله عنهم . ثمّ سرد من كلامه شيئاً قبيحاً في تكفير عمر [ بن الخطاب ] وعثمان ، وعائشة ، وحفصة ، رضي الله عنهم ، وأخزاه الله وأمثاله [ من الأرجاس الأنجاس ، أهل الرفض والارتكاس ] إن لم يكن قد تاب . فقد روى ابن الجوزي ، قال : أخبرنا ابن ناصر ، عن أبي الحسين بن الطيّوري ، قال : سمعت أبا القاسم بن بَرْهان يقول : دخلت على الشريف المرتضى أبي القاسم العلوي في مرضه ، فإذا به قد حوّل وجهه إلى الجدار فسمعته يقول : أبو بكر وعمر وَلِيا فعدلا، واستُرحما فرحما . فأنا أقول ارتدًا بعدما أسلما ، قال : فقمتُ فما بلغت عتبة الباب حتى سمعت الزعقة عليه ، وكانت وفاته في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة . فقد ذكره ابن خلكان ٢) فملس(٣) عليه [ على عادته مع الشعراء في الثناء عليهم ] ، وأورد شيئاً من أشعاره الرائقة، قال: ويقال: إنّه هو الذي وضع ((نهج البلاغة)) تجاوز الله عنه ورحمه . (١) المنتظم (١٢١/٨). (٢) وفيات الأعيان (٣١٣/٣). (٣) (( ملس عليه)): أثنى وتغاضى عن سيئاته. ١٠٣ أحداث سنة ٤٣٧ هـ محمد بن أحمد بن شُعَيب بن عبد الله بن الفضل (١) أبو منصور الرُّوياني ، صاحب الشيخ أبي حامد الإسفراييني . قال الخطيب : سكن بغداد وحدّث بها ، وكتبنا عنه ، وكان صدوقاً ، يسكن بِقَطِيْعَة الربيع ، ومات في ربيع الأول من هذه السّنة ودفن بباب حرب . أبو الحسين البَصْري المعتزلي(٢) محمد بن علي بن الطيِّب ، أبو الحسين البصري ، المتكلِّم . شيخ المعتزلة ، والمنتصر لهم ، والحامي عن ذِمارهم(٣) بالتصانيف الكثيرة ، فكانت وفاته في ربيع الآخر من هذه السنة ، وصلّى عليه القاضي أبو عبد الله الصَّيْمريُّ ، ودفن في الشونيزيّة ، وليس له من رواية الحديث سوى حديث واحد رواه عنه الخطيب البغدادي في (( تاريخه )) . حدّثنا محمد بن علي بن الطّيب : قُرىء على هلال بن محمد بن أخي هلال الرأي بالبصرة وأنا أسمع ، قيل له : حدّثكم أبو مسلم الكجّي، وأبو خليفة الفضل بن الحُبَاب الجُمَحي ، والغَلابي ، والمازني ، والزُّرَيقي ، قالوا : حدّثنا القعنبي ، عن شعبة ، عن منصور ، عن ربعي ، عن أبي مسعود البدري قال: قال رسول الله وَّهُ: ((إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ من كَلامِ النُُّوَّةِ الأولى، إذا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ ما شِئْتَ (٤) . والغلابي ، اسمه محمد ، والمازني ، اسمه محمد بن حيان ، والزريقي : أبو علي محمد بن أحمد بن خالد البصري . ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمئة فيها : بعث السلطان طُغْرُلبَك السّلجوقي أخاه إبراهيم يَّال إلى بلاد الجبل فملكها ، وأخرج عنها صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة ، فالتحق بالأكراد ، ثمّ سار إبراهيم يَنّال إلى الدِّيْنَوَر فملكها . وأخرج منها صاحبها وهو أبو الشوك . فسار أبو الشوك إلى حُلْوان فتبعه إبراهيم فملكها عليه قهراً ، وأحرق داره (١) تاريخ بغداد (٣٠٧/١)، المنتظم (١٢٦/٨). (٢) تاريخ بغداد ( ١٠٠/٣)، المنتظم (١٢٦/٨)، الكامل في التاريخ (٥٢٧/٩)، وفيات الأعيان (٢٧١/٤)، سير أعلام النبلاء ( ١٧ /٥٨٧)، الوافي بالوفيات (١٤٥/٤)، النجوم الزاهرة (٣٨/٥)، شذرات الذهب (٢٥٩/٣). (٣) في ( ط ) : ذمّهم . (٤) رواه البخاري ( ٣٤٨٣) و(٣٤٨٤) في أحاديث الأنبياء ، ورقم ( ٦١٢٠) في الأدب ، باب الحياء وأبو داود (٤٧٩٧ ) في الأدب من حديث أبي مسعود البدري (ع). ١٠٤ وفيات سنة ٤٣٧ هـ وغنم أمواله ، فتجهز الملك أبو كاليجار صاحب بغداد لقتال السّلاجقة الذين غزو(١) أنصاره [ وتعدّوا على أتباعه ] ، فلم يمكنه ذلك لقّة الظهر ، وذلك أن الآفة اعترت في هذه السنة الخيل فمات له فيها نحو من اثني عشر ألف فرس بحيث جافت بغداد من نتن الخيل . وفيها : وقع ببغداد بين الروافض والسنّة ثمّ اتفق الفريقان على نهب دور اليهود ، وإحراق الكنيسة العتيقة التي لهم . واتفق في هذه السنة موت رجل من أكابر النصارى بواسط ، فجلس أهله لعزائه على باب مسجد هناك، وأخرجوا جنازته جهرة ، ومعها طائفة من الأتراك يحرسونها ، فحملت عليهم العامة ، فأخذوا الميت منهم واستخرجوه من أكفانه فأحرقوه ورموه في دجلة ومضوا إلى الدير فنهبوه ، وعجز الأتراك عن دفعهم . ولم يحجّ أهل العراق في هذا العام . وممن توفي فيها من الأعيان : فارس بن محمد٢) بن عنان(٣) صاحب الدِّيْنَوَر وحُلْوان، كانت وفاته في هذا الأوان . خديجة بنت موسى بن عبد الله الواعظة(٤) وتعرف ببنت البقّال ، وتُكْنَى أم سَلَمة . قال الخطيب : كتبت عنها ، وكانت فقيرة٥) صالحة فاضلة . أحمد بن يوسف(٦) [ السليكي ] المَنَازي (٧) ، الشاعر ، الكاتب ، وزير أحمد بن مروان الكردي ، صاحب میّافارقین [ وديار بكر ] . كان فاضلاً بارعاً لطيفاً تردّد في الرسلية إلى القُسْطَنْطينيّة غير مرة ، وحصّل كتباً كثيرة أوقفها على جامعي آمد وميّافارقين ، ودخل يوماً على أبي العلاء المعرّي ، فقال له : إنّي معتزل الناس وهم يؤذونني [ وتركت لهم الدنيا]، فقال: ولِمَ؟ وأنت تركت لهم الدنيا والآخرة أيضاً. [ فقال: والآخرة (١) في ( ب ) : عدوا . المنتظم (١٢٩/٨)، الكامل في التاريخ (٩/ ٥٣١). (٢) كذا في الأصل والمنتظم ، وفي ( ط ) : والكامل في التاريخ : عنّز . (٣) (٤) المنتظم (١٢٨/٨)، تاريخ بغداد (١٤ / ٤٤٦). (٥) في تاريخ بغداد : ثقة . (٦) وفيات الأعيان (١٤٣/١)، سير أعلام النبلاء (٥٨٣/١٧)، الوافي بالوفيات (٢٨٥/٨)، شذرات الذهب (٢٥٩/٣) . (٧) تحرفت في ( ب) : إلى : المازني. ١٠٥ أحداث سنة ٤٣٨ هـ ووفياتها يا قاضي ؟ قال: نعم ] . وله ديوان شعر قليل النظير ، عزيز الوجود ، حرص عليه القاضي الفاضل فلم يقدر عليه، وكانت وفاته في هذه السنة، ومن شعره في وادي بُزَاعَةً(١): وَقَاهُ مُضَاعَفُ النَّبْتِ العَمِيمِ وقَانا لَفْحَةَ الرَّمْضَاءِ وَادٍ حُنُوَّ المُرْضِعَاتِ عَلَى الفَطِيْمِ نَزَلْنَا دَوْحَهُ فَحَنَا عَلَيْنَا أَلَذَّ مِنَ المُدَامَةِ لِلنَّدِيْمِ وَأَرْشَفَنَا عَلَى ظَمَأٍ زُلالا فَيَحْجِبُها وَيَأْذَنُ لِلنَّسِيْمِ يُراعي الشَّمْسَ أنَّى قابَلَتْه فَتَلْمَسُ جَانِبَ العِقْدِ النَّظِيْمِ تَرُوْعُ حَصَاهُ حاليَةَ العَذَارَى قال ابن خلِّكان(٢) رحمه الله تعالى: وهذه الأبيات بديعة في معناها وبابها . ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمئة استهلت [ هذه السنة] والمُوتان في الدواب كثير جداً، حتى جافت بغداد. قال ابن الجوزي(٣): وربّما أحضر بعض الناس الأطباء إلى دوابهم ، فيسقونها ماء الشعير ويطيبونها . وفيها : حاصر السلطان طُغْرُلْتَك أصبهان ، فصالحه أهلها على مال يحملونه إليه ، وأن يُخطّب له في بلدهم ، فأجابوه إلى ذلك . وفيها : ملك مهلهل قَرمِيسين والدِّينَوَر . وفيها : تأمَّر على بني خفاجة [ رجل يقال له ] : رجب بن أبي منيع بن ثِمال بعد وفاة بدران بن سلطان بن ثمال ، وهؤلاء الأعراب أكثر من يصدّ الحجيج عن البيت الحرام ، فلا جزاهم الله خيراً ، وقبّحهم يوم يقوم الأشهاد ، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ، ولهم اللّعنة ولهم سوء الدار . وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخ أبو محمد(٤) عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَيَّويه ، الشيخ أبو محمد الجُوَيْنِيُّ ، إمام الشافعيّة في زمانه . (١) ((وادي بُزَاعة)): كثمامة بين منبج وحلب. (٢) وفيات الأعيان (١٤٣/١). (٣) المنتظم (١٢٩/٨). المنتظم (١٣٠/٨)، الكامل في التاريخ (٥٣٥/٩)، وفيات الأعيان (٤٧/٣)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٦١٧)، (٤) طبقات السبكي (٧٣/٥)، النجوم الزاهرة (٤٢/٥)، طبقات المفسرين للداوودي (٢٥٣/١)، شذرات الذهب ( ٢٦١/٣). قال ابن خلّكان : والجويني ، بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ، هذه النسبة إلى = ١٠٦ أحداث سنة ٤٣٩ هـ وهو والد إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن أبي محمد ، وأصله من قبيلة يقال لها : سِنْبس ، وجُوَين من نواحي نيسابور ، سمع الحديث في بلاد شتى على جماعة ، وقرأ الأدب على أبيه ، وتفقّه بأبي الطيّب سهل بن محمد الصُّعلوكي ، ثمّ خرج إلى مرو ، إلى أبي بكر عبد الله بن أحمد القفّال ، ثمّ عاد إلى نيسابور ، وعقد مجلس المناظرة ، وكان مهيباً لا يجري بين يديه إلا الجدّ ، وصنّف التصانيف الكثيرة في أنواع من العلوم ، وكان ورعاً زاهداً ، شديد الاحتياط [ لدينه حتى ] ربّما أخرج الزكاة مرّتين، وقد ذكرته في ((طبقات الشافعيّة))، و[ذكرت ] ما قاله الأئمة في مدحه. كانت وفاته في ذي القعدة . وقال ابن خلّكان(١): صنّف ((التفسير الكبير)) المشتمل على أنواع العلوم، وله في الفقه ((التبصرة)) و((التذكرة))، و((مختصر المختصر))، و((الفرق والجمع))، و((السلسلة)) وغير ذلك. وكان إماماً في الفقه ، والأصول ، والعربيّة ، والأدب . توفي في هذه السنة ، وقيل : في سنة أربع وثلاثين ، قاله السّمعاني في كتابه (( الأنساب)(٢) ، ومات وهو في سن الكهولة ، رحمه الله وإيانا بفضله ورحمته . ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأربعمئة فيها : اصطلح الملك طُغْرُلْبك السَّلْجُوقيّ وأبو كاليجار صاحب بغداد ، وتزوّج طغرلبك بابنة أبي كاليجار ، وتزوّج أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك . وفيها : أسرت الأكراد سُرْخاب أخا أبي الشوك ، وأحضروه بين يدي إبراهيم يَنّال ، فأمر بقلع إحدى عينيه . وفيها : استولى أبو كاليجار على بلاد البطيحة ، ونجا صاحبها أبو نصر بنفسه . وفيها : ظهر شخص يقال له الأصْفَر التغلبيُّ ، وادّعى أنه من المذكورين في الكتب ، فاستغوى خلقاً من الناس ، وقصد بلاد الروم ، فغنم منها أموالاً فقوي بها وعظم أمره ، فاتفق أنّه أُسِرَ وحُمِل إلى نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر ، فاعتقله ، وسدّ عليه باب السجن (٣). وفيها : كان وباء شديد بالعراق والجزيرة وبغداد [ بسبب جيف الدواب التي ماتت ] ، فمات خلق كثير حتى خلت الأسواق ، وغلت الأسعار [وقلّت الأشياء ] التي يحتاج إليها المرضى ، وورد كتاب من جُوَين ، وهي ناحية كبيرة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة مجتمعة . = (١) وفيات الأعيان (٤٧/٣). (٢) الأنساب (٣٨٥/٣). (٣) الكامل في التاريخ (٩/ ٥٤٠_٥٤١). ١٠٧ وفيات سنة ٤٣٩ هـ الموصل بأنّه لا يصلّي الجمعة من أهلها إلا نحو أربعمئة ، وأنّ أهل الذمّة لم يبق منهم إلا نحو من مئة وعشرين نفساً . [ وفيها : وقع غلاء شديد أيضاً ] وجرت فتنة بين الروافض والسنّة ببغداد ، قُتل فيها خلق كثير . ولم يحجّ أحد من ركب العراق في هذا العام ، فلا قوّة إلا بالله . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد(١) أبو الفضل ، القاضي الهاشمي الرَّشيديّ . ولي القضاء بِسِجِسْتان ، وسمع الحديث من الغِطْريفي ، وعنه الخطيب ، فقال : أنشدني لنفسه : عَدْلٌ وَذو الإِنْصافِ لَيْسَ يَجُورُ قَالُوا اقْتَصِدْ فِي الجُودِ إِنَّكَ مُنْصِفٌ فَأْجَبْتُهُمْ إِنِّي سُلالَةُ مَعْشَرٍ لَهُمُ لِواءٌ في النَّدَى مَنْشُورُ جَدِّي الرَّشِيْدُ وَجَدِّيَ المَنْصُورُ(٢) تَاللهِ إِنِّي شَائِدٌ ما قَدْ بِنى عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب (٣) أبو القاسم ، الشاعر المعروف بالمطرِّز، ومن شعره : يا عَبْدُ كَمْ لَكَ مِنْ ذَنْبِ وَمَعْصِيةٍ إِنْ كُنْتَ نَاسِيْها فالله أحْصَاهَا بِوَقْفَةٍ لَكَ يُدْمِي القَلْبَ ذِكْرَاهَا٤) لابُدَّ يا عَبْدُ مِنْ يَوْمٍ تَقُومُ لَهُ وَسَاءَ ظَنِّي أَقُولُ: اسْتَغْفِرِ الله(٥) إذا عَرَضْتُ عَلى قَلْبِيَ تَذَكّرَها محمد بن الحسين بن علي بن عبد الرحيم(٦) أبو سَعْد الوزير . وَزَر للملك أبي طاهر ستّ مرات ، ثم كان موته بجزيرة ابن عمر في هذه السنة ، عن ست وخمسين سنة . محمد بن أحمد بن موسى(٧) أبو عبد الله الواعظ الشيرازي . (١) تاريخ بغداد (٥٠/٥)، المنتظم (١٣٢/٨). (٢) في ( ط ) : والمنتظم : تالله إني شائد ما قدموا جدّي الرشيد وقبله المنصور (٣) المنتظم (١٣٤/٨)، الكامل في التاريخ (٥٤٣/٩). (٤) في ( ط ) والمنتظم : ووقفة لك يدمي القلب ذكراها لابد يا عبد من يوم تقوم به (٥) في ( ط ) والمنتظم : قد ساء ظني فقلت أستغفر الله . المنتظم (١٣٤/٨)، الكامل في التاريخ (٥٤٢/٩). (٦) (٧) تاريخ بغداد (٣٥٩/١)، المنتظم (١٣٤/٨). ١٠٨ وفيات سنة ٤٣٩ هـ قال الخطيب : قدم بغداد وأظهر الزهد ، والتقشّف ، والورع ، وعزوف النفس عن الدنيا ، فافتتن الناس به ، وكان يحضر مجلسه خلق كثير، ثم إنّه قبل ما كان يُعرض عليه فيأبى قبوله (١) ، فكثرت أمواله ، ولبس الثِّياب الناعمة ، وجرت له أمور كثيرة ، وكثرت أتباعه ، وأظهر أنّه يريد الغزو فاتبعه خلق كثير ، فبرز ظاهر البلد ناحيةً منها ، وكان يضرب له الطبل في أوقات الصلوات ، وسار إلى ناحية بلاد أذربيجان ، فالتفّ عليه خلق كثير ، وضاهى أمير تلك الناحية ، فكانت وفاته هناك في هذه السنة . قال الخطيب : وقد حدّث ببغداد ، وكتبت عنه أحاديث يسيرة ، وحدثني بعض أصحابنا بشيء يدلّ على ضعفه في الحديث ، وأنشدني هو لبعضهم : نُسْتَ إلى غَيْرِ الحِجَى وَالتَّكُرُّمِ إِذَا ما أطَعْتَ النَّفْسَ في كُلِّ لَذَّةٍ دَعَتْكَ إلى الأمْرِ القَبِيحِ المُحَزَّمِ إِذَا ما أجَبْتَ النَّفْسَ فِي كُلِّ دَعْوَةٍ محمد بن الحسن بن عمر بن بَرْهانُ(٢) أبو الحسن الغزال ، سمع [ محمّد ] بن المظفّر وغيره ، وكان صدوقاً ، رحمه الله تعالى . محمد بن علي بن إبراهيم أبو الخطّاب(٣) الجَبُّليّ(٤) الشاعر ، فمن شعره قوله : وَمَا جَنَاهُ الحَبِيْبُ مُحْتَمَلُ مَا حَكَمَ الحُبُّ فَهُوَ مُمْتَثَلٌ يَهْوَى وَيَشْكُو الضّنى (٥) وَكُلُّ هَوَى لا يُنْحِلُ الجِسْم فَهْوَ مُنْتَحَلُ وقد سافر إلى الشام فاجتاز بمعرّة النعمان ، فامتدحه أبو العلاء المعري بن سليمان بأبيات فأجابه مرتجلاً عنها ، وقد كان حسن العينين حين سافر ، فما عاد إلا وهو أعمى ، وكانت وفاته في ذي القعدة من هذه السنة ، ويقال : إنّه كان شديد الرفض ، والله أعلم . الشيخ أبو علي السَّنْجِيّ(٦) الحسين بن شُعَيب بن محمد شيخ الشافعيّة في زمانه . (١) في ط: (( ثم إنه بعد حين كان يعرض عليه الشيء فيقبله))، وما أثبتناه من النسخ ، وهو الموافق لما في تاريخ الخطيب الذي ينقل منه ( بشار ) . المنتظم (١٣٥/٨) . (٢) تاريخ بغداد (١٠١/٣)، المنتظم (١٣٥/٨). (٣) في ( ط): ((الحنبلي)) محرف، وما أثبتناه مجود في نسخ تاريخ الخطيب (٤/ ١٧٠ بتحقيقنا)، وبخط الذهبي (٤) في تاريخ الإسلام (٥٨٥/٩)، وهو رافضي جلد فكيف يكون حنبلياً؟ ( بشار). (٦) وفيات الأعيان (١٣٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٥٢٦/١٧)، الوافي بالوفيات (٣٧٨/١٢)، طبقات السبكي (٥) في المنتظم : الصبا . ( ٤ / ٣٤٤ ) . قال ابن خلكان : والسِّنجي ، بكسر السين المهملة وسكون النون بعدها جيم نسبة إلى سنج ، وهي قرية كبيرة من قرى مرو . ١٠٩ أحداث سنة ٤٤٠ هـ أخذ عن أبي بكر القفّال، وشرح ((الفروع)) لابن الحدّاد ، وقد شرحها قبله شيخه ، وبعده القاضي أبو الطيّب الطبري(١)، وشرح أبو علي السِّنْجي كتاب ((التلخيص)) لابن القاصّ شرحاً كبيراً وله كتاب ((المجموع)) وأخذ منه الغزالي في (( الوسيط))، قال ابن خلِّكان٢): وهو أوّل من جمع بين طريقتي العراق وخراسان ، وكانت وفاته سنة بضع وثلاثين وأربعمئة، رحمه الله تعالى(٣). ثم دخلت سنة أربعين وأربعمئة في جمادى الأولى منها ، مرض الملك أبو كاليجار صاحب بغداد ، وهو في بريّة ، ففصد في يوم ثلاث مرات ، وحمل في محفّةٍ فمات في ليلة الخميس ، وانتهبت الغلمان الخزائن ، وأحرق الجواري الخيام ، سوى الخيمة التي هو فيها ، والخركاه٤) التي كان بها ، وولي بعده ابنه أبو نصر وسمّوه الملك الرحيمُ(٥) ، ودخل دار الخلافة في يوم مشهود ، وخلع عليه الخليفة سبع خِلَع ، وسوّره ، وطوّقه ، وعلى رأسه التاج والعمامة السوداء الرُّصافيّة ، ووصّاه الخليفة ، وسار إلى داره ، وذهب الناس لتهنئته . وفيها : دار السور(٦) على شيراز ، وكان دوره اثني عشر ألف ذراع ، وارتفاعه ثمانية أذرع ، وعرضه ستة أذرع ، وفيه أحد عشر باباً . وفيها : غزا إبراهيم يَنّال بلاد الروم فغنم مئة ألف رأس ، وأربعة آلاف درع ، وقيل : تسعة عشر ألف درع ، ولم يبق بينه وبين القسطنطينية إلا خمسة عشر يوماً ، وحمل ما حصل له من الغنائم على عشرة آلاف عجلة . وفيها : خُطِب الذخيرة الدين أبي العباس أحمد بن الخليفة القائم بأمر الله على المنابر بولاية العهد ، من بعد أبيه ، وحُيي بذلك . (١) في ( أ) و(ب ) : السكري ، خطأ. والقاضي أبو الطيب، شيخ الإسلام، فقيه بغداد. سترد ترجمته في وفيات سنة ( ٤٥٠ هـ ) . (٢) وفيات الأعيان (١٣٥/٢). (٣) هكذا ذكر وفاته في هذه السنة استناداً إلى تقدير ابن خَلَكان، وترجمه الذهبي في وفيات سنة ( ٥٣٢) من تاريخه وسماه الحسن بدلاً من الحسين ، وقال : توفي بمرو في ربيع الأول ، كذا سماه وورخه أبو علي محمد بن الفضل بن جهاندار، وسماه ابن خلكان: الحسين .. إلخ)) (٩/ ٥١٧) فهذا أدق وأثبت . والله أعلم ( بشار) . (٤) ((الخركاه)): الخيمة الكبيرة بالفارسية. (٥) ذكر ابن الأثير في الكامل (٥٤٨/٩) : أن الخليفة امتنع من تلقيبه بهذا الاسم ، قال : لا يجوز أن يلقّب بأخص صفات الله تعالى . (٦) ((دار السور)): أي انتهى من بنائه حول المدينة. ١١٠ وفيات سنة ٤٤٠ هـ وفيها : اقتتل الروافض والسنّة وجرت ببغداد فتن طويلة منكرة . ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذا العام أيضاً . وممن توفي فيها من الأعيان : السيد الكبير ، الحسنُ بن عيسى بن المقتدر بالله(١) أبو محمد العبّاسيّ. ولد في المحرّم من سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة ، وسمع من مؤدّبه أحمد بن منصور اليَشْكري ، وأبي الأزهر عبد الوهّاب بن عبد الرحمن الكاتب ، وكان فاضلاً ديّناً ، حافظاً لأخبار الخلفاء ، عالماً بأيام الناس ، صالحاً ، أعرض عن ولاية الخلافة عن قدرةٍ وآثر بها القادر بالله . وكانت وفاته في هذه السنة عن سبع وتسعين سنة ، وأوصى أن يدفن بباب حرب بغير تابوت ، فدفن قريباً من قبر الإمام أحمد ، وكان يوم جنازته مشهوداً ، مشى الأمراء والوزراء والبساسيري إلى المقبرة ، وجلس رئيس الرؤساء أبو القاسم بن المسلمة للعزاء من الغد . عُبيد الله(٢) بن عمر بن أحمد بن عثمان(٣) أبو القاسم(٤) الواعظ ، المعروف بابن شاهين . سمع من أبي بكر بن مالك ، وابن ماسي ، وأبا بحر(٥) البَزبهاري ، وابن المظفر . قال الخطيب(٦) : كتبت عنه وكان صدوقاً ، ومولده في سنة إحدى وخمسين وثلاثمئة ، وتوفي في ربيع الأول(٧) من هذه السنة ودفن بباب حرب ، رحمه الله تعالى . علي بن الحسن بن محمد بن المنتاب(٨) أبو القاسم ، المعروف بابن أبي عثمان الدقّاق . (١) تاريخ بغداد (٧/ ٣٥٤)، المنتظم (١٣٧/٨)، الكامل في التاريخ (٥٥٢/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٦٢١)، الوافي بالوفيات (١٩٩/١٢)، شذرات الذهب (٢٦٤/٣). (٢) في ( ط): (( هبة الله ))، وهو تحريف . تاريخ بغداد (٣٨٦/١٠)، المنتظم (١٣٨/٨)، سير أعلام النبلاء (٦٠١/١٧)، شذرات الذهب (٣) ( ٢٦٤/٣) . (٤) في السير : أبو الفتح في (ب): يحيى، وفي (ط): ((البرقاني))، وكله تحريف ، والصواب ما أثبتنا ، وهو أبو بحر محمد بن (٥) الحسن البربهاري . (٦) تاريخ بغداد ( ٣٨٦/١٠). في (ط): ((ربيع الآخر)) خطأ، فالذي في تاريخ الخطيب: ((مات في يوم الخميس رابع شهر ربيع الأول من سنة (٧) أربعين وأربع مئة)) (١٢/ ١٢٢ بتحقيقنا)، وكذلك نقله الذهبي عن الخطيب في تاريخ الإسلام ، وهذا القسم وصل إلينا بخطه (٩/ ٥٩٠) ( بشار ) . (٨) تاريخ بغداد (٣٩٠/١١)، المنتظم (١٣٨/٨). ١١١ أحداث سنة ٤٤١ هـ قال الخطيب : سمع القطيعي وغيره ، وكان شيخاً صالحاً ، صدوقاً ، ديناً ، حسن المذهب . محمد بن جعفر بن أبي الفرج بن فَسَانْجس (١) الوزير، أبو الفرج المُلقَّب بذي السعادات . وزر لأبي كاليجار بفارس وبغداد ، وكان ذا مروءةٍ غزيرةٍ ، مليح الشعر والترسّل ، ومن محاسنه أنّه كُتِبَ إليه في رجل مات عن ولد له ثمانية أشهر ، وله ما يقارب مئة ألف دينار ، فإن رأى الوزير أن يقترض من العين إلى [ حين ] بلوغ الطفل ، فكتب [ الوزير ] على ظهر الورقة: المتوفّى رحمه الله ، والطفل [ اليتيم ] جبره الله، والمال ثمّره الله، والسّاعي لعنه الله، ولا حاجة لنا إلى مال الأيتام. اعتُقِل ثمَّ قُتِل في رمضان من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة . محمد بن محمد بن إبراهيم(٢) بن غَيْلان بن عبد الله بن غَيْلان بن حكيم بن غَيْلان أبو طالب البزّاز . روى عن جماعة ، وهو آخر من حدَّث عن أبي بكر الشافعي ، وكان ثقةً ، صدوقاً ، ديّناً ، صالحاً ، قويّ النفس على كبر السنّ ، كان يملك ألف دينار ، فيصبّها كلَّ يوم في حجْره فيقلِّبها ثمّ يردّها إلى موضعها ، وقد خرّج له الدّار قطني (( الأجزاء الغيلانيات)(٣) وهي سماعنا ، وكانت وفاته يوم الإثنين سادس شوّال من هذه السنة عن أربع وتسعين سنة ، ويقال : إنّه بلغ مئة سنة وخمس سنين ، فالله أعلم . الملك أبو كاليجار(٤) واسمه المَرْزُبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عَضُدِ الدولة ، كانت وفاته في هذه السنة عن أربعين سنة وأشهرٍ ، وقد وَلي العراق نحواً من أربع سنينٍ ، ونُهبت له قلعة كان فيها ما يزيد على ألف ألف دينار ، وقام بالأمر من بعده ابنه الملك الرحيم أبو نصر كما تقدّم ذكره في الحوادث . ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمئة في عاشر المحرم تقدّم إلى أهل الكرخ ألا يعملوا بدعة النَّوح ، فجرت بينهم وبين أهل باب البصرة ما يزيد على الحدّ من الجراح والقتل . (١) المنتظم (١٣٨/٨)، الكامل في التاريخ (٥٤٢/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٢٠)، الوافي بالوفيات (٢/ ٣٠٤)، النجوم الزاهرة (٤٥/٥). (٢) المنتظم (١٣٩/٨)، وفيه اسمه: محمد بن أحمد. تاريخ بغداد ( ٢٣٤/٣)، الكامل في التاريخ (٩/ ٥٥٢) ، سير أعلام النبلاء (٥٩٨/١٧)، الوافي بالوفيات (١١٩/١)، النجوم الزاهرة (٤٧/٥)، شذرات الذهب (٢٦٥/٣) . (٣) حققها في مجلدين تحقيقاً علمياً حلمي كامل أسعد ، ونشرتها دار ابن الجوزي بالرياض سنة ١٤١٧ هـ ( بشار). (٤) المنتظم (١٣٦/٨)، الكامل في التاريخ (٥٤٧/٩)، سير أعلام النبلاء (٦٣١/١٧)، النجوم الزاهرة (٤٦/٥)، شذرات الذهب (٢٦٣/٣). ١١٢ أحداث سنة ٤٤١ هـ وفيها : بنى أهل الكرخ سوراً عليه ، وبنى أهل السنّة سوراً على سوق القلائين ، ونقض كلّ من الفريقين أبنية الآخرين ، وحملوا الآجر إلى مواضعه بالطبول والمزامير ، وجرت بينهم مفاخرات في ذلك ، وسخف لا ينحصر ولا ينضبط [ وإنشاد أشعار في فضل الصحابة وثلبهم، ثم وقعت بينهم فتن يطول أمرها١) ، وأحرقوا دوراً كثيرة جداً . وفيها : وقعت وحشة بين الملك ◌ُغْرُلْتَك وأخيه إبراهيم يَنّل ، فأمر طُغْرِلْتَك بضربه وسمل إحدى عينيه ، وقطع شفتيه ، فسار إبراهيم فجمع جموعاً كثيرة ، واقتتل هو وأخوه فهزمه طُغْرُلْبَك ، ثمّ أسره من قلعة قد تحصّن بها بعد محاصرة أربعة أيام فاستنزله منها مقهوراً ، فأحسن إليه وأكرمه ، وأقام عند أخيه مكرّماً . وكتب ملك الروم إلى طُغْرُلْبك في فداء بعض ملوكهم ممن كان أسره إبراهيم يَنّال ، ويبذل له فيه قطعة كبيرة من المال ، فبعثه إليه مجّاناً من غير عوض اشترطه عليه ، فأرسل ملك الروم هدايا كثيرة وتحفاً غزيرة ، وأمر بعمارة المسجد الذي بالقُسْطَنْطينيّة ، وأقيمت فيه الصلاة ، والجمعة ، وخُطِبَ فيه للملك طُغْرُلْبَك ، فبلغ هذا الأمر العجيب سائر الملوك ، فعظّموا الملك طُغْرُلْبَك تعظيماً زائداً ، وخطب له نصر الدولة بن مروان بالجزيرة . وفيها : ولي مسعود بن مودود بن مسعود بن محمود بن سُبُكْتكين الملك بعد وفاة أبيه ، وكان صغيراً فمكث أياماً ثمّ عدل عنه إلى عمّه علي بن مسعود ، ثمّ نازعه عمّه عبد الرشيد بن محمود فاستقرّ الملك بيده ، وانعزل علي بن مسعود ، وهذا أمر غريب جداً . وفيها : ملك المصريون مدينة حلب ، وأجلوا عنها صاحبها ثِمال بن صالح بن مرداس . وفيها : كان بين البساسيري وبين بني عقيل حرب . وفيها : ملك البساسيري الأنبار من يد قرواش فأصلح أمورها . وفي شعبان : سار البساسيري إلى طريق خراسان ، وقصد ناحية الدزّدار وملكها، فغنم مالاً كثيراً كان فيها ، وكان سعْدي بن أبي الشوك قد حصّنها . قال ابن الجوزي(٢): وفي ذي الحجّة ارتفعت سحابة سوداء ليلاً فزادت على ظلمة اللّيل، وظهر من جوانب السماء كالنار المضيئة ، فانزعج الناس لذلك ، وخافوا ، وأخذوا في الدّعاء والتضرّع ، فانكشف في باقي اللّيل بعد ساعة جيدة، وكانت قد هبّت ريح شديدة جداً قبل ذلك، فأتلَفَتْ شيئاً كثيراً من الأشجار (١) في ( ط ) : ذكرها. (٢) المنتظم (٨/ ١٤٢). ١١٣ وفيات سنة ٤٤١ هـ وهدمت رواشن كثيرة ، من دار الخلافة ، ودار المملكة ، ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمد بن منصور(١) أبو الحسن ، المعروف بالعَتِيقي نسبة إلى جدٍّ له كان يسمّى عتيقاً . سمع من ابن شاهين وغيره ، وكان صدوقاً ، توفي في صفر وقد جاوز السبعين(٢). علي بن عبد الله بن الحسين أبو القاسم العلوي(٣) ، ويعرف بابن الشَّبيه(٤). قال الخطيب : سمع من ابن المظفر ، وكتبت عنه، وكان صدوقاً ديِّناً ، حسن الاعتقاد ، يورِّق بالأجرة ، ويأكل منه ، ويتصدّق ، توفي في رجب منها وقد جاوز الثمانين . عبد الوهّاب بن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي (٥) يكنّى بأبي الفائز ، شهد عند ابن ماكولا في سنة إحدى وثلاثين ، فأجاز شهادته احتراماً لأبيه ، وكانت وفاته في المحرَّم من هذه السنة . الحافظ أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن محمد الصُّوري(٦) الحافظ . طلب الحديث بنفسه بعدما كبر وأسنّ ، فرحل في طلب الحديث إلى الآفاق ، وكتب الكثير ، وصنَّف واستفاد على الحافظ عبد الغني بن سعيد المصريّ ، وكتب عنه شيخه عبد الغني شيئاً من تصانيفه ، وكان من أعظم أهل الحديث همَّة في الطلب وهو شابٌّ ، ثمّ كان من أقوى الناس عزيمةً على العمل الصالح ، كان يسرد الصوم كلَّ يومُ(٧) إلا يومي العيدين و[أيام ] التشريق، وكان مع ذلك حَسَن الخُلق ، جميل المعاشرة ، وقد ذهبت إحدى عينيه فكان يكتب بالأخرى المجلّد في جزء . قال أبو الحسن بن الطُُّوري : يقال : إنّ عامّة كتب الخطيب سوى التاريخ مستفادة من كتب عبد الله (١) تاريخ بغداد (٣٧٩/٤)، المنتظم (١٤٣/٨)، الكامل في التاريخ (٥٦١/٩)، سير أعلام النبلاء (٦٠٢/١٧)، الوافي بالوفيات (٣٥٨/٧)، شذرات الذهب (٢٦٥/٣). (٢) في ( ط ) : التسعين ، وهذا خطأ إذ ذكر الخطيب وابن الجوزي والذهبي أنه ولد سنة سبع وستين وثلاثمئة . (٣) المنتظم (١٤٢/٨)، تاريخ بغداد (٩/١٢). (٤) تحرفت في ( ط ) إلى : محيي السنة . (٥) المنتظم (١٤٣/٨)، الكامل في التاريخ (٩ / ٥٦١). (٦) تاريخ بغداد ( ١٠٣/٣)، المنتظم (١٤٣/٨)، الكامل في التاريخ (٥٦١/٩)، سير أعلام النبلاء (٦٢٧/١٧)، النجوم الزاهرة (٤٨/٥)، شذرات الذهب (٢٦٧/٣). (٧) سرد الصوم كل يوم مخالف للسنة ، وفيه نهي ، وأفضل الصيام ، صيام داود عليه السلام ، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً (ع ) . ١١٤ وفيات سنة ٤٤١ هـ الصُّوري(١)، وترك كتبه اثني عشر عدلًا عند أخيه ، فلمّا صار الخطيب إلى الشام أعطى أخاه شيئاً وأخذ بعض تلك الكتب فحوّلها في كتبه ، ومن شعر أبي عبد الله الصُّوريّ : وَجَاءَ المَشِيْبُ بِأَحْزَانِهِ تَوَلَّى الشَّبابُ بِرَيْعَانِهِ كَئِيبٌ بِهَذَا وَوِجْدَانِه وَلَا جَاءَ في غَيْرِ إبّانِهِ ــلٍ فَوَيْلِي مِنْ قُرْبِ إِنْذَانِه لَمَا رَاعَنِي حَالَ إِثْيَانِهِ(٣) جَنَاهُ شَبَابِي بِطُغْيَانِهِ وَيَنْدُبُ طِيْبَ أَزْمَانِهِ(٤) نَ مِنِّي لِوَحْشَةِ فُقْدَانِهِ عَلَيَّ بِوَثْبَاتِ شَيْطَانِهُ(٥) عَليَّ مَلِيْكِي بِرِ ضْوَانِهِ جَنَيْتُ بِواسِعِ غُفْرَانِهٍ(٧) يَخُلُّ بِهَا أهْلُ قُزْبَانِه(٨) ◌ِوَى حُسْنِ ظَنِّي بِإِحْسَانِهِ عَلِيمٌ بِعِزَّةِ سُلْطَانِهِ وأهل الفُسُوق وعُذْوَانِه فَقَلْبِي لِفِقْدَانِ ذَا مُؤْلِمٌ وَإِنْ كَانَ مَا جَارَ فِي سَيْرِهُ(٢) وَلَكِنْ أَتَّى مُؤْذِناً بِالرّحِبـ ولَوْلا ذُنُوبٌ تَحَمَّلْتُهَا وَلَكِنَّ ظَهْرِي ثَقِيْلٌ بِمَا فَمَنْ كَان يَبْكِي شَبَاباً مَضَى فَلَيْسَ بُكَائِيْ وَمَا قَدْ تَرَو وَلَكِنْ لِمَا كَانٍ قَدْ جَرَّه فَوَيْلي(٦) وَوَيْحِي إِنْ لَمْ يَجُدْ وَلَمْ يَتَغْمّد ذُنُوبِي وَمَا ويَجْعَلْ مَصِيري إلى جَنَّةٍ وَإِنْ كُنْتُ مَا لِي مِن قُرْبَةُ(٩) وأنّي مُقِرٌّ بِتَوْحِيْدِهِ أخالِفُ فِي ذَاكَ أهْلَ الجُحوهُ (١) (١) هذا كلام لا يصح البتة، وقد فندناه بتفصيل في مقدمتنا لتاريخ الخطيب، فراجعها إن شئت (٤٣/٣_٤٥) ( بشار ) . (٢) في ( ط ) : حكمه . في ( ط ) : لما راعني إتيانه . (٣) (٤) في ( ط ) : زمانه . (٥) لم يرد هذا البيت في (أ) و(ب)، وفي المنتظم ( ١٤٤/٨): فولّى وأبقى عليّ الهموم مما قد تحملت في شانه في المنتظم : فويلي وعوني لئن . (٦) في ( ط ) : حنيت برحمته وغفرانه . (٧) (٨) في ( ط ) : يحلّ بها أهل رضوانه وغفرانه . (٩) في ( ط ) : فإن كنت مالي من طاعة . (١٠) في ( ط) : الهوى . ١١٥ أحداث سنة ٤٤٢ هـ مُقِرّ لأعْيُنِ سُكّانٍِ(١) وأرجُو بِهِ الفَوْزَ في مَنْزِلٍ دِ وَمَنْ أَقَرَّ بإنْمَانِهِ وَلَنْ يَجْمَعَ اللهُ أهْلَ الجُحُو وَهَذَا يَبُوءُ بِخُسْرَانِهِ فَهَذَا يُنَجِّيهِ إِيْمَانُهُ وَهَذَا يَنْعِمُ فِي جَنَّةٍ وَذَلك في قَعْرِ ثِيْرَانِهُ(٢) ومن شعر أبي عبد الله الصُّوريّ أيضاً ، رحمه الله تعالى : عَائباً أهْلَهُ ومَنْ يَذَّعِيْهِ قَلْ لِمِنْ عَانِدَ الحَديثَ وأضْحَى أَمْ بِجَهْلٍ فَالجْهَلُ خُلُقُ السَّفيهِ أبِعِلْمٍ تَقُولُ هَذَا أبِنْ لي ـنَ من التُّزَّهَاتِ وَالتَّمْوِيْهِ أَيُعَابُ الذينَ هُم حَفِظُوا الدِّيْـ رَاجِعٌ كلُّ عالمٍ وفقيهِ وَإِلى قَوْلِهِمْ وَمَا قَدْ رَوَوْهُ وكان سبب وفاته رحمه الله أنّه افتصد فورمت يده ، لأنّه على ما ذكر ، كانت ريشة الحاجم مسمومة لغيره ، فغلط ففصده بها ، فكانت فيها منيته بإذن الله وقَدَرِه ، فحُمل إلى المارستان فمات به في يوم الأربعاء سلخ جمادى الآخرة من هذه السَّنة ، ودفن بمقبرة جامع المدينة ، وقد نيّف على الستين سنة ، أسأل الله تعالى أن يرحمنا وإيّاه بمنّه وكرمه . ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وأربعمئة فيها : فتح السلطان طُغْرُلْبَك أصبهان بعد حصار سنة ، فنقل إليها حواصله من الريّ ، وجعلها دار إقامته . وخرّب قطعة من السور ، وقال : إنّما يحتاج إلى السور من تضعف قوته ، وأنا حصني عساكري وسيفي ، وقد كان فيها أبو منصور قرامرز(٣) بن علاء الدولة أبي جعفر بن كاكويه ، فأخرجه منها ، وأقطعه بعض بلادها . وفيها : سار الملك الرحيم إلى الأهواز ، وأطاعه عسكر فارس ، وملك عسكر مَكْرَمُ(٤) . وفيها: استولت الخوارج على عُمان ، وأخربوا دار الإمارة منها ، وأسروا أبا المظفَّر بن أبي كاليجار. وفيها : دخلت العرب بإذن المستنصر الفاطمي بلاد إفريقيّة ، وجرت بينهم وبين المعزّ بن باديس حروب طويلة ، وعاثوا في الأرض فساداً عدّة سنين . في ( ط ) : معدٍّ مهيأ لسكانه . (١) في ( ط ) : وذاك قرين لشيطانه . (٢) (٣) في ( ط ) : قرامز . (٤) بلد مشهور من نواحي خوزستان منسوب إلى مَكرَم بن مغراء. معجم البلدان (٤/ ١٢٣). ١١٦ وفيات سنة ٤٤٢ هـ وفيها : اصطلح الروافض والسنّة ببغداد وذهبوا كلُّهم لزيارة المشهدين ، مشهد عليّ ، ومشهد الحسين ، وترضّوا في الكرخ عن الصحابة وترحّموا عليهم ، وهذا عجيب جداً ، إلا أن يكون من باب التقيّة ، ورخصت الأسعار ببغداد جداً . ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة أيضاً ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . وممن توفي فيها من الأعيان : علي بن عمر بن الحسن أبو الحسن الحَرْبي، المعروف بالقَزْويني(١) وُلد في مستهلّ المحرّم من سنة ستين وثلاثمئة ، وهي اللّيلة التي توفي فيها أبو بكر الآجريّ ، وسمع أبا بكر بن شاذان ، وأبا حفص الزيّات ، وابن حَيُّويه . وكان وافر العقل من كبار عباد الله الصالحين ، له كراماتٌ كثيرة ، يقرأ القرآن بالقراءات . ويروي الحديث ، ولا يخرج إلا للصّلاة ، وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة ، فغلقت بغداد يومئذ لموته ، وحضر الناس جنازته ، وكان يوماً مشهوداً رحمه الله . عمر بن ثابت الثَّمانيني ، النَّحوي، الضرير(٢)، شارح ((اللُّمع)). وكان في غاية العلم بالنحو ، وكان يأْتَجِرُ عليه(٣). ذكر ابن خلِّكان : أنّه اشتغل على ابن جنيّ وشرح كلامه ، وكان ماهراً في صناعة النحو ، قال : وهذه النسبة إلى قرية بالجزيرة ، يقال لها : ثمانين ، باسم الثمانين الذين كانوا مع نوح عليه السلام في السَّفينة ، والله أعلم . قِرواش بن مُقلَّد٤) أبو المَنيع ، صاحب الموصل والكوفة وغيرهما ، كان من الجبّارين ، وقد كاتبه الحاكم صاحب مصر في بعض الأحايين ، فاستماله إليه ، فخطب له ببلاده ، ثمّ تركه واعتذر إلى القادر فعذَرَهُ ، وقد جمع هذا الجبّار بين أختين في النكاح فلامته العرب ، فقال : وأيّ شيء نعمله هو مباح في الشريعة . وقد نكب في أيام المعزِّ الفاطمي ، ونهبت حواصله ، وحين توفي قام بالأمر من بعده ابن أخيه قريش بن بدران بن مقلَّد . (١) تاريخ بغداد (٤٣/١٢)، المنتظم (١٤٦/٨)، سير أعلام النبلاء (١٧ /٦٠٩)، طبقات السبكي (٢٦٠/٥)، النجوم الزاهرة (٤٩/٥)، شذرات الذهب (٢٦٨/٣). المنتظم (١٤٦/٨)، وفيات الأعيان (٤٤٣/٣)، شذرات الذهب (٢٦٩/٣). (٢) يعلمه بالأجرة . (٣) (٤) المنتظم (١٤٧/٨)، الكامل في التاريخ (٥٥٣/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٦٣٣)، ووفاته فيه سنة أربع وأربعين وأربعمئة . النجوم الزاهرة (٤٩/٥)، شذرات الذهب ( ٢٦٦/٣). ١١٧ أحداث سنة ٤٤٣ هـ ووفياتها مَوْدود بن مَسْعود بن محمود بن سُبُكْتِكِينُ(١) صاحب غَزْنَة ، توفي في هذه السنة ، وقام بالأمر من بعده عمّه عبد الرّشيد بن محمود بن سُبُكْتِكين ، والله أعلم . ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمئة في صفر منها وقع الحرب بين الروافض والسنّة ، فقتل من الفريقين خلق كثير ، وذلك أنّ الروافض نصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذهب ، محمّد وعليّ خير البشر ، فمن رضي شكر ، ومن أبى فقد كفر . فأنكرت السنّة اقتران عليّ مع النبيّ وَّر في هذا، فنشبت الحرب بينهم واستمرّ القتال بينهم إلى ربيع الأول ، فقُتل رجلٌ هاشميّ فدفن عند الإمام أحمد ، ورجع السنّة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر ، وأحرقوه ، وأحرق ضريح موسى ومحمّد الجواد ، وقبور ملوك بني بويه ، ومَنْ هناك من الوزراء ، واحترق قبر جعفر بن المنصور ، ومحمّد الأمين ، وأمّه زبيدة وقبور كثيرة [ جداً ] ، وانتشرت الفتنة ، وتجاوزت الحدّ ، وقد قابلهم أولئك [ الرافضة ] أيضاً بمفاسد كثيرة ، وأحرقوا محالّ كبيرة ، وبعثروا قبوراً قديمة ، وأحرقوا من فيها من الصالحين ، حتى همّوا بقبر الإمام أحمد فمنعهم النَّقيب ، وخاف من غائلة ذلك ، وتسلّط على الرافضة عيّار يقال له: القطيعي (٢) تتبّع رؤوسهم وكبارهم فقتلهم جهاراً وغيلةً ، وعظمت المحنة بسببه جداً ، ولم يقدر عليه أحد ، وكان في غاية الشجاعة والبأس والمكر ، ولما بلغ ذلك دُبَيس بن علي بن مَزْيَد ، وكان رافضيّاً قطع خطبة الخليفة القائم بأمر الله ، ثمّ روسل فأعادها . وفي رمضان جاءت الهدايا من الملك طُغْرُلْتَك إلى الخليفة ، شكراً له على إنعامه عليه ، وإحسانه إليه بما كان بعثه له من الخلع والتقليد ، وأرسل إلى الخليفة بعشرين ألف دينار ، وإلى الحاشية بخمسة آلاف ، وإلى رئيس الرؤساء بألفي دينار ، وقد كان طُغْرُلْبَك حين عمَّر الريَّ وخرّب فيها أماكن ليصلحها ، وجد فيها دفائن كثيرة من الذهب والجوهر ، فعظم شأنه بذلك ، وقوي ملكه بسببه . وممن توفي فيها من الأعيان : محمد بن محمد بن أحمد (٣) أبو الحسن الشاعر البُصْرويّ نسبة إلى قرية دون عُكْبَرا يقال لها بُصْرَىُ(٤) ، باسم المدينة التي هي أمّ حَوران . (١) المنتظم (١٤٨/٨)، الكامل في التاريخ (٥٥٨/٩)، سير أعلام النبلاء (٦٣٤/١٧)، شذرات الذهب ( ٣/ ٦٣٤ ) . (٢) كذا في الأصل، وفي (ب): القطيطقي، وفي المنتظم (٨/ ١٥٠)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٦١٠/٩): الطقطقي . (٣) تاريخ بغداد (٢٣٦/٣)، المنتظم (١٥٢/٨)، الكامل في التاريخ (٥٨٠/٩)، معجم البلدان (١/ ١٤١). (٤) وهي من قرى بغداد . ١١٨ أحداث سنة ٤٤٤ هـ ووفياتها وقد سكن بغداد ، وكان متكلماً مطبوعاً ، له نوادر ، ومن شعره الذي رواه عنه الخطيب قوله : وَمَا يَخْلُو من الشهوات(٢) قَلْبُ نَرَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتَهَا١) فَنَصْبُو وَأَكْثَرُ مَا يَضُرُكَ مَا تُحِبُّ فَضُولُ العَيْشِ أكْثَرُها هُمُومٌ وَعَيْشٌ لَيِّنُ الأَعْطَافِ رَطْبُ فَلا يَغْرُرْكَ زُخْرُفُ مَا تَرَاهُ فَخُذْها فَالغِنَى مَرْعًى وشُرْبُ إِذَا مَا بُلْغَةٌ جَاءَّتْكَ عَفْواً فَلا تُرِدِ الكَثِیر وَفِيْهِ حَرْبُ إذا اتّفَقَ القَلِيْلُ وفيه سِلْمٌ ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمئة فيها : كتبت محاضر بذكر الخلفاء المصريين ، وأنّهم أدعياء [ كذبة ] لا نسب لهم صحيحاً إلى رسول الله وَله، وكتب فيها القضاة والفقهاء والأشراف. وفيها : كانت زلازل عظيمة بنواحي أرَّجان ، والأهواز ، وتلك البلاد ، فهدم بسببها شيء كثير من العمران والدور ، وشُرُفات القصور ، وحكى بعض من يعتمد قوله ، إنّه انفرج إيوانه حتى رأى السماء منه ، وشاهد ذلك ثمّ عاد إلى حاله كأن لم يتغيّر . وفي ذي القعدة منها تجددت الحرب بين الروافض وأهل السنّة ، وأحرقوا أماكن كثيرة ، وقتل من الفريقين خلائق وكتبوا على مساجدهم : محمد وعليّ خير البشر ، وأذّنوا بحيّ على خير العمل ، واستمرّت الحروب بينهم ، وتسلّط القطيعي العيّار على الروافض بحيث إنّه لم يقرّ لهم معه قرار ، وهذا من جملة ما جرت به الأقدار . وممن توفي فيها من الأعيان : ابن المُذْهِب راوي ((المسند (٣) الحسنُ بنُ عليّ بن محمّد بن عليّ بن أحمد بن وهب بن سنبل (٤) بن قرّة بن واقد ، أبو علي التميميُّ الواعظ . (١) كذا الأصل ، وفي (ط ) والمنتظم ، ومعجم البلدان : شهوتها ، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ الخطيب الذي ينقل منه المؤلف . (٢) في الأصل: ((الشبهات))، وما أثبتناه من (ط )، وهو الموافق لما في تاريخ الخطيب الذي ينقل منه المؤلف ، وهو كذلك في المنتظم ومعجم البلدان . (٣) تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٠)، المنتظم (١٥٥/٨)، الكامل في التاريخ (٥٩٢/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٦٤٠)، النجوم الزاهرة (٥٣/٥)، الوافي بالوفيات (١٢١/١٢)، شذرات الذهب (٢٧١/٣). (٤) في المنتظم : شبل. ١١٩ أحداث سنة ٤٤٥ هـ ولد سنة خمس وخمسين وثلاثمئة ، وسمع مسند الإمام أحمد من أبي بكر بن مالك القطيعي ، عند عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه ، وقد سمع الحديث من أبي محمد بن ماسي ، وابن شاهين ، والدّار قطني ، وخلق ، وكان ديّناً خيّراً . وقد ذكر الخطيب (١): أنّه كان صحيح السماع لمسند أحمد من القطيعي ، غير أنّه ألْحَق اسمَه في أجزاء . قال ابن الجوزي : وليس هذا بقدح [ في سماعه ] ، لأنّه إذا تحقّق سماعه ، جاز أن يلحق اسمه الذي غَفَل عنه الكاتب ، والعجب أن يجاز قول الشيخ : أخبرني فلان ولا يسمع منه ، ولا يجيز إلحاقه اسمه فيما تحقّق سماعه له ، وقد تعنَّت عليه الخطيب أشياء لا حاجة إليها ، رحمه الله تعالى (٢). علي بن الحسين بن محمد أبو الحسن ، المعروف بالشاشي(٣) البغدادي ، وقد أقام بالبصرة ، فاستحوذ هو وعمّه عليها ، وعلى أهلها ، وعمل أشياء من الحيل يوهم بها أنّه من ذوي الأحوال والمكاشفات ، وهو في ذلك كاذب فاجر ، قبّحه الله ، وقبّح عمّه ، وقد كان مع هذا رافضيّاً خبيثاً ، قرمطّاً - لا كثّر الله أمثاله في العالمين - كانت وفاته في هذا العام ، ولله الحمد . القاضي أبو جعفر السَّمْناني(٤) محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد القاضي . أحد المتكلِّمين على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري ، وقد سمع الحديث من الدّار قطني وغيره ، وكان عالماً ، فاضلاً ، سخيّاً، وتولّى القضاء بالموصل ، وكان له في داره مجلس للمناظرة ، وتوفي بعدما كفّ بصره بالموصل وهو قاضيها في هذه السنة ، في ربيع الأول ، وقد بلغ خمساً وثمانين سنة . ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمئة فيها : تجدد الشّ والقتال والحريق بين الروافض والسنّة ، وقوي وتفاقم الحال. ووردت الأخبار بأنّ المعزّ الفاطمي عازم على قصد العراق . وفيها : نقل إلى الملك ◌ُغْرُلْتَك : أن الشيخ أبا الحسن الأشعريّ يقول : بكذا وكذا ، وذكر أشياء من الأمور التي أنكر الملك [ والتي لا تليق بالدين والسّنة ] ، فأمر بلعنه ، وصرّح أهل نيسابور بتكفير من يقول (١) تاريخ بغداد (٧/ ٣٩٠). (٢) كلام ابن الجوزي في الرد على الخطيب غير مُسَلَّم له ، وقد أجاد الحافظ الذهبي في تقصي ترجمته وما قيل فيه ، في تاريخ الإسلام (٦٥٢/٩ - ٦٥٤)، وسير أعلام النبلاء (١٧ /٦٤٠ - ٦٤٣) (بشار). (٣) كذا في ( ط ) : الشاشي وفي بعض النسخ : الشباشي. (٤) تاريخ بغداد (٣٨٢/٤)، المنتظم (١٥٦/٨)، الكامل في التاريخ (٥٩٢/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ٦٥٢). ١٢٠ وفيات سنة ٤٤٥هـ ذلك. فضجّ الشيخ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيري(١)، وصنّف رسالة سمّاها (( شكاية أهل السّنة لما نالهم من المحنة )) واستدعى السلطان جماعة من رؤوس الأشعريين ، منهم القشيري فسألهم عمّا أنهي إليه من ذلك ، فأنكروا أن يكون الأشعري قال ذلك ، فقال : نحن إنّما لعنّا من يقول بذلك ، وجرت فتن عظيمة طويلة . وفيها : استولى الملك فولاسون(٢) أبو منصور ابن الملك أبي كاليجار على شيراز ، وخرج منها أخوه أبو سعيد(٣) . وفي شعبان أو شوّال سار البساسيري إلى أكراد وأعراب أفسدوا بالبَوَازِيجُ(٤) فهزمهم وأخذ أموالهم . ولم يحجّ أحد من أهل العراق فيها . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن عمر بن رَوْعُ(٥) أبو الحُسين(٦) النَّهْروَانِيُّ . كان ينظر في العيار بدار الضرب ، وله شعر حسن ، قال : كنت يوماً على شطّ النَّهروان فسَمعت رجلاً يتغنّى في سفينة منحدرة يقول : فهان عليّ ما طلبوا وما طلبوا سوى قتلي فاستوقفته وقلت : أضف إليه غيره أيضاً : عَلَى قَتْلِيْ الأَحِبّةُ بالت تمادِي فِي الجَفَا غَلَبُو(٧) (١) الإمام القدوة أبو القاسم القشيري المفسّر، توفي سنة خمس وستين وأربعمئة ، ورسالته المذكورة طبعت عدة مرّات ، وللشيخ زكريا الأنصاري شرح لها . (٢) كذا الأصل وفي ( ط ): فولابسور، وفي الكامل (٩/ ٥٩٥): فولاستون. وفي تاريخ الإسلام (٩/ ٦١١): فولاذ . (٣) كذا الأصل وفي ( ط ) : والكامل : أبو سعد. (٤) في (ط ) : قد أفسدوا في الأرض . والبوازيج: بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصب في دجلة . معجم البلدان (١/ ٥٠٣ ) . (٥) المنتظم (١٥٨/٨)، الكامل في التاريخ (٦٠٤/٩) وفيه وفاته سنة ست وأربعين وستمئة . وما هنا أصح ، فقد ورخه الخطيب في هذه السنة ، وقد سمع منه ، وتابعه الذهبي في تاريخ الإسلام (٦٦٦/٩). (٦) في (ط): ((الحسن))، وما أثبتناه يعضده ما في تاريخ الخطيب وقد كتب عنه ، فكان به عارفاً ، وكذلك هو في تاريخ الإسلام وهو بخط المؤلف (٦٦٦/٩) (بشار). (٧) في الكامل : على قلبي الأحبةُ با لتمادي في الهوى غلبوا