Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
أحداث سنة ٤٢٠ هـ
ـرُ وفي حُكْمِهِ على الحرِّ قُبِحُ(١)
بِتُّ ضَيْقاً لَهُ كَمَا حَكَمَ الذَّهْـ
ـسكْرٍ بِالهَمِّ طافِحٌ لَيْسَ يَصْحُو
فابْتَدَانِي يَقُولُ وهُوَ مِن الـ
لِمْ تَغَرَّبْتَ قُلْتُ قَال رسول اللَّ
ـهِ والقولُ مِنْهُ نُصْحٌ ونُجْحُ
((سافروا تَغْنموا)) فقال وقدْ
قالَ تَمامُ الحديثِ: ((صُوموا تصحّوا)(٢)
ثم دخلت سنة عشرين وأربعمئة
فيها : سقط بناحية المشرق مطر شديد، معه بَرَدّ كبار. قال ابن الجوزي(٣): حزرت البَرَدة الواحدة
منه بمئةٍ وخمسين رطلاً ، وغاصت في الأرض نحواً من ذراع .
وفيها : ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين أنّه أحلّ بطائفة من أهل الريّ الباطنية
والروافض قتلاً ذريعاً، وصَلْباً شنيعاً ، وأنّه انتهت إليه أموال رئيسهم رستم بن علي الدَّيلمي ، فحصّل منها
ما يقارب ألف ألف دينار ، وقد كان في حيازته نحو من خمسين امرأة حُرّة ، قد ولدنَ له ثلاثاً وثلاثين ولداً
من ذكر وأنثى ، وكانوا يرون الإباحة [ في ذلك ] .
وفي رجب من هذه السنة انقضت كواكبُ كثيرةٌ شديدةُ الصوت قويةُ الضَّوء .
وفي شعبان كَثُرَت العملات(٤) ، وضعف رجال المعونة عن مقاومة العيّارين، وفي يوم الإثنين
الثاني(٥) والعشرين منه، غار ماء دجلة (٦) حتى لم يبق منه إلا القليل ، ووقفت الأرحاء ، وتعذَّر الطحن .
وفي هذا اليوم جُمِعَ القضاة والعلماء في دار الخلافة ، وقُرىء عليهم كتاب جمعه أمير المؤمنين
القادر بالله ، فيه مواعظ وتفاصيل مذاهب أهل السنّة ، والردِّ على أهل البدع ، وتفسيق من قال بخلق
القرآن، وصفة ما وقع بين بِشْرِ المَرِيسي(٧) وعبد العزيز بن يحيى الكِناني(٨) من المناظرة، ثمّ خَتَمَ
(١) في ( ط ) : فتح .
(٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) رقم (٨٣١٢) من حديث أبي هريرة بلفظ ((اغزوا تغنموا)) وصوموا تصحوا ،
وسافروا ((تستغنوا)) وإسناده ضعيف (ع).
(٣) المنتظم (٣٨/٨).
(٤) العملات : السطو على المنازل .
(٥) في ( ط) : الثامن عشر من رجب .
في المنتظم (٤٠/٨) وتاريخ الإسلام للذهبي (١٨٨/٩): الفرات.
(٦)
بشر المريسي هو ابن غياث بن أبي كريمة العدوي ، كان من كبار الفقهاء ، أخذ عن القاضي أبي يوسف ، وناظر
(٧)
الشافعي ، ثم نظر في الكلام فغلب عليه ، ودعا إلى القول بخلق القرآن . توفي في سنة ٢١٨ . ترجمته في تاريخ
بغداد ( ٥٦/٧)، وفيات الأعيان (٢٧٧/١)، سير أعلام النبلاء (١٩٩/١٠).
(٨) عبد العزيز بن يحيى الكناني ، تفقه بالشافعي واشتهر بصحبته ، وكان من أهل العلم والفضل ، وله مصنفات عدة =

٦٢
وفيات سنة ٤٢٠ هـ
القول بالوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأخذ خطوط الحاضرين بالموافقة لما سمعوه .
وفي يوم الإثنين غرة ذي القعدة جُمعوا أيضاً كلّهم وقرىء عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان السنّة
والردّ على أهل البدعة ، ومناظرة بِشْر المريسي والكناني ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفضل
الصحابة ، وذكر فضائل أبي بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، ولم يفرغوا منه إلا بعد العتمة ، وأخذ
خطوطهم بموافقة ما سمعوا ، وعُزِلَ خُطباء الشيعة ، ووُلّي خطباءٌ غيرهم من أهل السّنّة ، وجرت فتنة
عظيمة بمسجد براثا ، وضربوا الخطيب السنيّ بالآجر ، حتى كسروا أنفه ، وخلعوا كتفه ، وانتصر له
الخليفة فأهان الشيعة ، وأذلَّهم ، حتى جاؤوا يعتذرون مما وقع ، وإنَّه ما تعاطاه إلا سفهاؤهم ،
وسقطهم ، ولم يتمكن أحد من أهل العراق وخراسان في هذه السنة من الحجّ ، والله أعلم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسن بن أبي العِيسُ(١) أبو علي الزاهد .
أحد العبّاد أصحاب الأحوال ، دخل على بعض الوزراء فقبّل يده ، فعوتب الوزير في ذلك فقال :
كيف لا أقبل يداً ما امتدت قطّ إلا إلى الله تعالى.
علي بن عيسى بن الفَرجِ بن صالحُ(٢) أبو الحسن الرَّبَعي.
أخذ العربيّة عن أبي سعيد السِّيرافي ، ثمَّ عن أبي علي الفارسي ، ولازمه عشرين سنة ، حتى كان
يقول : قولوا له : لو سار من المشرق إلى المغرب لم يجد أحداً أنحى منه ، وكان يوماً يتمشى على
شاطىء دجلة إذا نظر إلى الشريفين : الرضي والمرتضى في سفينة ، ومعهما عثمان بن جنّ فقال لهما
مداعباً : من أعجب الأشياء أن عثمان معكما ، وعلي بعيد منكما يمشي على شاطىء دجلة [ فضحكا ،
وقالا : باسم الله ] .
وكانت وفاته في المحرّم من هذه السنة عن ثنتين وتسعين سنة ، ودفن بباب الدير ، ويقال : إنه لم
يشيع جنازته سوى ثلاثة أنفس .
تظهر فيها آثار الشافعي عند ذكر الخصوص والعموم . توفي سنة ٢٤٠هـ . ترجمته في : تاريخ بغداد
=
(٤٤٩/١٠)، طبقات السبكي (١٤٤/٢)، شذرات الذهب (٩٥/٢).
(١) المنتظم (٤٥/٨)، الكامل في التاريخ (٣٩٤/٩) والعيس كذا وردت في (أ) و(ب) وفي (ط): القين، وفي
المنتظم والكامل : الهبيش .
(٢) المنتظم (٤٦/٨)، الكامل في التاريخ (٣٩٢/٩)، سير أعلام النبلاء (٣٩٢/١٧)، الوفيات (٣٣٦/٣) وقال
في نسبته الرَّبعي : بفتح الراء والباء الموحدة وبعدها عين مهملة ، هذه النسبة إلى ربيعة ، ولا أعلم أهو ربيعة بن نزار
أم غيره ، فقد جاءت هذه النسبة إلى جماعة اسم كل واحد منهم ربيعة ، والله أعلم .

٦٣
أحداث سنة ٤٢١ هـ
أسد الدولةُ(١) أبو علي صالح بن مرداس بن إدريس الكِلابيّ .
أول ملوك بني مِرداس بحلب ، انتزعها من يد نائب الظاهر بن الحاكم العبيدي ، في ذي الحجّة سنة
سبع عشرة وأربعمئة ، ثم جاءه جيش كثيف من مصر ، فاقتتلوا فقُتِل أسد الدولة هذا في سنة تسع عشرة ،
وقام حفيده نصر .
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وأربعمئة
فيها : توفي الملك الكبير [ المجاهد الغازي فاتح بلاد الهند ] محمود بن سُبُكْتِكين ، رحمه
الله تعالى . لما كان في ربيع الأول من هذه السنة توفي الملك العادل المجاهد [ الثاغر المرابط ، المؤيَّد،
المنصور ] يمين الدولة ، أبو القاسم محمود بن سُبُكْتِكين صاحب بلاد غَزْنة ، ومالك تلك الممالك
الكبار ، وفاتح أكثر بلاد الهند قهراً، وكاسرُ أصنامهم وبدودهم وأوثانهمُ(٢) كسراً ، وقاهر جنودهم ،
وسلطانهم الأعظم قسراً ، وقد تمرّض نحواً من سنتين ، لم يضطجع فيها على فراش ، ولا توسّد وساداً ،
بل كان ينام قاعداً حتى مات وهو كذلك ، وذلك لشهامته ، وصرامته ، وقوّة عزمه ، وله من العمر ستون
سنة ، وقد عهد بالأمر من بعده لولده محمد ، فلم يتمّ أمره حتى غافصه(٣) أخوه مسعود بن محمود
فاستحوذ على ممالك أبيه ، مع ما كان إليه ممايليه ، وفتحه هو بنفسه من بلاد الكفّار من الرساتيق الكبار
والصغار ، فاستقرَّت له الممالك شرقاً وغرباً في تلك النواحي في أواخر هذا العام ، وجاءته الرسل من كلّ
ناحية ، ومن كلّ ملك همام بالتحية والإكرام ، [ وبالخضوع التام ] وستأتي ترجمة محمود في الوفيات .
وفيها : استحوذت السريّة التي كان بعثها الملك محمود إلى بلاد الهند على أكبر مدائنهم ، وهي
المسمّاة نَرْسَى ، دخلوها في نحو من مئة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل ، فنهبوا سوق العطر والجوهر
بها نهاراً كاملاً ، [ ولم يستطيعوا أن يحولوا ما فيه من أنواع الطيب والمسك والجواهر واللآليء
واليواقيت ] ولم يدر أكثر أهلها بشيء لاتساعها ، وذلك أنها كانت في غاية الكبر ، طولها مسيرة منزلة من
منازل الهند ، وعرضها كذلك ، وأخذوا منها من الأموال والتحف [والأثاث ] ما لا يحدّ ولا يوصف،
حتى قيل : إنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل ، ولم يصل إلى هذه المدينة جيش من جيوش
المسلمين ، لا قبل هذه السنة ولا بعدها [ وهذه المدينة من أكثر بلاد الهند خيراً ومالاً ، بل قيل : إنه
لا توجد مدينة أكثر منها مالًا ورزقاً مع كفر أهلها ، وعبادتهم الأصنام ، فليسلم المؤمن على الدنيا
(١) وفيات الأعيان (٢/ ٤٨٧)، الكامل في التاريخ (٣٩٢/٩).
(٢)
البدود جمع بُدّ : بيت فيه أصنام وتصاوير .
(٣) غافصه : فاجأه ، وأخذه على غرة .

٦٤
أحداث سنة ٤٢١ هـ
سلام ، وقد كانت محل الملك ، وأخذوا منها من الرقيق : من الصبيان والبنات ما لا يحصى كثرة ١٣) .
وفي هذه السنة : عملت الروافض بالكرخ بدعتهم الشنعاء [وحادثتهم الصلعاء ]٢) في يوم عاشوراء
من تعليق المسوح(٣)، وتغليق الأسواق ، والنواح والبكاء في الأزقة والأرجاء ، فأقبل أهل السُنّة إليهم في
الحديد ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فقُتِلَ من الفريقين طوائف كثيرة ، وجرت بينهم فتن كبيرة [ وشرور
مستطيرة ] .
وفي هذه السنة : مرض أمير المؤمنين القادر بالله ، وعهد بولاية العهد من بعده إلى ولده أبي جعفر
القائم بأمر الله ، بمحضر من القضاة والوزراء والكبراء ، وخطب له بذلك على المنابر ، وضرب اسمه على
السكة المتعامل بها .
وفيها : أقبل ملك الروم من قسطنطينية في ثلاثمئة ألف مقاتل ، فسار حتى بلغ بلاد حلب وعليها شِبْلُ
الدولة نصر بن صالح بن مِرْداس ، فنزلوا على [ مسيرة ] يوم منها ، ومن عزم ملك الروم قبّحه الله ، أن
يستحوذ على بلاد الشام بكمالها ، وأن يستردّها إلى ما كانت عليه في أيديهم قبل الإسلام ، وقد قال
رسول الله وَله: (([إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده و] إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده)(٤) ، وقيصر هو
من ملك الشام مع بلاد الروم ، فلا سبيل لملك الروم إلى هذا الرّؤْم الذي أراده هذا المذموم ، فلما حصل
بجيشه قريباً من حلب كما ذكر ، أرسل الله عليهم عطشاً شديداً ، وخالف بين كلمتهم ، وذلك أنّه كان معه
الدمستق ، فعامل طائفة من الجيش على قتله ليستقلّ بالأمر من بعده ، ففهم ذلك ملك الروم ، فكرّ من
فوره راجعاً [﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالْ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّاً عَزِزًا﴾]
[ الأحزاب: ٢٥] ولمّا كروا راجعين إلى بلادهم اتبعهم الأعراب ينهبونهم ليلاً ونهاراً، وكان في جملة
ما أخذوا أربعمئة بغلٍ محمّلةٍ مالاً وثياباً للملك ، وهلك أكثر الروم جوعاً وعطشاً ونهبتهم الأعراب من كلِّ
جانب .
وفيها : ملك جلال الدولة واسطاً ، واستناب ولده عليها ، وبعث وزيره أبا علي بن ماكولا إلى
البطائح والبصرة ، ففتح البطائح ، وسار في الماء إلى البصرة ، وعليها نائب لأبي كاليجار ، فهزمهم
البصريون ، فسار إليهم جلال الدين والدولة بنفسه ، فدخلها في شعبان هذه السّنة ، ودقت البشائر فرحاً
ببغداد .
(١) الخبر في الكامل في التاريخ (٣٩٥/٩ -٣٩٦).
(٢)
الصلعاء : الداهية الشديدة والشنيعة .
المسوح : جمع مسح ، وهو الكساء من الشعر .
(٣)
الحديث أخرجه البخاري ( ٣٦١٨) في المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام، ومسلم (٢٩١٨/ ٧٥) في
(٤)
الفتن ، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .

٦٥
وفيات سنة ٤٢١ هـ
وفيها : جاء سيل عظيم بغزنة ، فأهلك شيئاً كثيراً من الزروع والأشجار .
وفي رمضان منها تصدّق مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بألف ألف درهم ، وأجرى أرزاقاً [ كثيرة ]
للفقهاء والعلماء ببلاده على عادة أبيه من قبله ، وفتح بلداناً كثيرة ، واتسعت ممالكه جداً ، وعَظُمَ شأنه ،
وقَوِيَتْ أركانه ، وكَثُرَتْ جُنْدُه ، وأعوانه .
وفيها : دخل خلق كثير من الأكراد إلى بغداد ، يسرقون خيلَ الأتراك ليلاً ، فتحصّن الناس ، وحصّنوا
أنفسهم [ فأخذوا ] خيولهم حتى خيل السلطان .
وفيها : سقط جسر بغداد ، وهو الذي عند الدباس على نهر عيسى .
وفيها : وقعت فتنة بين الأتراك النازلين بباب البصرة وبين الهاشميين ، فرفعوا المصاحف ، ورمتهم
الأتراك بالنشاب ، وجرت خبطة عظيمة ، ثمّ اصطلحت الحال بين الفريقين .
وفيها : كثرت العملات ببغداد ، وأُخِذَتِ الدور جهرةً ؛ وكثُر العيّارون ، ولصوص الأكراد .
وفيها : تعطّل الحجّ أيضاً ، من بلاد العراق وخراسان ، لفساد البلاد ، ولم يحجّ سوى سرية من أهل
العراق ركبوا من جِمَال البادية مع الأعراب مخاطرة ، ففازوا بالحجّ، والله أعلم .
ذكر من توفي هذه السنة من الأعيان :
أحمد بن عبد الله بن أحمد أبو الحسن الواعظ ، المعروف بابن الرَّالُ(١) ، صاحب كرامات
ومعاملات ، كان من أهل الجزيرة ، فسكن دمشق ، وكان يعظ الناس بالزيادة ٢) القبليّة حیث کان يجلس
القصّاص ، قال ذلك الحافظ ابن عساكر ، قال : وصنّفَ كتباً في الوعظ ، وحكى حكايات كثيرة قال :
سمعت أبا القاسم بن السمرقندي يقول : سمعت أبا طاهر محمد بن أحمد بن أبي الصقر يقول : سمعت
أبا الحسن أحمد بن عبد الله الرَّاني ينشد أبياتاً:
ذاتٍ شُغْلِي بِالذِنُوبِ
أنا ما أصنَعُ باللذ
زَ بِحَظٍّ من حَبِيْبِ
إنَّما العيدُ لمنْ فا
أصْبحَ الناسُ على رَوْ
حِ ورَنْحانٍ وطِيْبِ
حِ وحُزْنٍ وَنَحِيْبٍ
ثمَّ أصْبَحتُ على نَوْ
شَهْرَهُمْ بَعْدَ المَغِيْبِ
فَرِحُوا حِيْنَ أهَلُّوا
مِنْ وَرَا حُجْبِ الغُيُوبِ
وَهِلالِي مُتَوارٍ
(١) فى (ط): أكرات. خطأ. والران نسبة إلى مدينة بين مراغة وزنجان.
(٢) في ( ط ) : الرفادة . خطأ .

٦٦
وفيات سنة ٤٢١ هـ
قُلْتُ لِلَّذَّاتِ غِيْبِيٍ(١)
فَلِهَذَا يَا خَلِيْلِي
نَ من الدنيا نصيبي
وَجَعَلْتُ الهَمَّ والحُزْ
وسَقَامي(٢) وطَبِيبي
يَاحَيَاتي ومَمَاتي
جُد لصَبِّ(٣) يتلظّى مِنْكَ بِالرَّحْبِ الرَّحِيْبِ
ثم أرّخ وفاته لعشر بقين من جمادى الأولى من هذه السنة ، ودفن بمسجد القدم .
الحسين بن محمد الخَلِيع الشاعر(٤) له ديوان شعر حسن مليح [عمّر طويلاً ]، ووفاته في هذه السنة
عن سنِّ عالية .
الملك الكبير(٥) ، الشهيد العادل ، محمود بن سُبُكْتِكين أبو القاسم الملقّب بيمين الدولة ، وأمين
الملّة ، صاحب بلاد غَزْنة وماوالاها ، وجيشه يقال لهم : السّامانيّة ، وكان أبوه قد تملّك عليهم ، وتوفي
سنة سبع وثمانين وثلاثمئة ، فتملك بعده ولده [ محمود ] هذا ، فسار فيهم وفي سائر الرعايا سيرة
عادلة ، وقام بأعباء الإسلام قياماً تاماً ، وفتح فتوحات كثيرة في بلاد الهند وغيرها ، وعظم شأنه في
العالمين ، واتسعت مملكته ، وامتدت رعاياه ، وطالت أيامه [ لعدله وجهاده وما أعطاه الله إيّاه ] ، وكان
يخطب في سائر ممالكه للخليفة العباسيّ القادر بالله . وكانت رسل الفاطميين من الديار المصريّة تَفِد عليه
بالكتب والهدايا والتحف ، [ لأجل أن يكون من جهتهم ] فيخرِّق بهم، ويقطّع كتبهم [ وهداياهم ] ،
ويحرّق حُلَلَهم ، وقد اتفق له في الهند فتوحات [ هائلة ] لم تتفق لغيره من الملوك ، لا قبله ولا بعده ،
وغَنِم مغانم كثيرة لا تنحصر ولا تنضبط كثرة من الذهب واللآليء والسبي ، وكسّر من أصنامهم وأبدادهم
وأوثانهم شيئاً كثيراً جداً [وأخذ من حليِّها ] بيّض الله وجهه، وقد ذكرنا ذلك مفصّلاً فيما سلف مُفَرَّقاً في
السنين [ المتقدمة من أيامه ]، كان [ من جملة ] ما كسر من الأصنام بدٌّ عظيم للهنود يقال له: سومنات،
بلغ ما تحصّل منه من الذهب عشرين ألف ألف دينار ، وكسر ملك الهند الكبير الذي يقال له : جبيال(٦)
وقهر ملك الترك الأعظم الذي يقال له : إيلك خان ، وأباد ملك السامانيّة ، وقد ملكوا بخراسان مئة سنة
(١) في ( ط ):
فلهذا قلت للذا ت غيبي ثم غيبي
(٢) في ( ط ) : شقائي.
(٣) في ( ط ) : لنفس.
(٤)
المنتظم ( ٨ / ٥١ ) .
(٥) المنتظم (٥٢/٨)، الكامل في التاريخ (١٣٩/٩)، وفيات الأعيان (١٧٥/٥)، طبقات السبكي (٣١٤/٥)،
الجواهر المضية (١٥٧/٢)، النجوم الزاهرة (٣٧٣/٤)، سير أعلام النبلاء (٤٨٣/١٧)، شذرات الذهب
(٢٢٠/٣) .
(٦) في ( ط ) : صينال .

٦٧
وفيات سنة ٤٢١ هـ
بلاد سمرقند وماحولها ، ثم هلكوا ، وبنى على جيحون جسراً [ تعجز الملوك والخلفاء عنه ] غرم عليه
ألفي ألف دينار ، وهذا شيء لم يتفق لغيره من الملوك ، وكان معه في جيشه أربع مئة خيل تقاتل ، وهذه
مرتبة هائلة ، ومرتبة طائلة ، وجرت له فصول ، ذكر تفصيلها يطول ، وكان [ مع هذا ] في غاية الديانة
والصيانة ، [ وكراهة المعاصي وأهلها ، لا يحب منها شيئاً ولا يألفه ، ولا أن يسمع بها ، ولا يجسر أحد
أن يظهر معصية ولا خمراً في مملكته ولا غير ذلك ، ولا يحب الملاهي ولا أهلها ] ، وكان يُحب العلماء
والمحدثين ، ويُكرمهم ويُجالِسهم ويحسن إليهم ، [ ويحب أهل الخير والدين والصلاح ] وكان حنفي
المذهب ، ثمّ صار شافعيّاً على يدي أبي بكر القفال الصغير ، على ما ذكره إمام الحرمين وغيره ، وكان
كرامياً على اعتقادهم ، وكان من [ جملة ] من يجالسه منهم محمد بن الهيضم ، تناظر هو وأبو بكر بن
فُورك بين يدي محمود بن سُبُكْتكين في مسألة العرش ، مناظرة طويلة ، ذكرها ابن الهيضم في مصنّف له ،
فمال [ السلطان ] محمود بن سُبُكْتِكين إلى قول ابن الهيضم [ ونقم على ابن فورك كلامه ، وأمر بطرده
وإخراجه ، لموافقته لرأي الجهميّة ، وكان عادلاً جيداً ] .
اشتكى إليه رجل أن ابن أخت الملك يهجم عليه وعلى أهله في كلِّ وقت ، فيخرجه من البيت ،
ويختلي بامرأته ، وقد حار في أمره ، وكلّما اشتكاه إلى أحد من أولي الأمر ، لا يتجاسر على إقامة الحدِّ
عليه ، يهابون الملك [ فلما سمع الملك ذلك غضب غضباً شديداً ] ، وقال له : ويحك ! متى جاءك فأتني
فأعلمني ، ولا تسمعنّ من أحد منعك من الوصول إليّ ، ولو كان في الليل ، [ ثم إن الملك ] تقدَّم إلى
الحَجَبَةِ ، أنّ هذا لا يمنعه أحد متى جاء من ليلٍ أو نهارٍ ، [ فما كان إلا ليلة أو ليلتان حتى هجم عليه ذلك
الشاب فأخرجه من البيت واختلى بأهله ] فذهب باكياً إلى دار الملك ، فقيل له : إن الملك نائم ، فقال :
وقد تقدّم إليكم بما سمعتم ، فنَّهوا الملك ، فخرج معه بنفسه وحده ، وجاء منزل ذلك الرجل ، فنظر إلى
الغلام وهو نائم مع المرأة في فراش الرجل ، وعندهما شمعة تقد ، فتقدّم الملك فأطفأ الضوء ، ثم جثا
فاحتز رأس الغلام ، وقال للرجل : ويحكَ الحقني بشربة من ماء ، فسقاه ثم انطلق الملك ليذهب فقال له
الرجل : سألتك بالله لم أطفأت الشمعة ؟ فقال : ويحك ! إنه ابن أختي كرهت أن أشاهده حالة الذبح ،
فقال : ولم طلبت الماء سريعاً ؟ فقال : إني كنت آليت [ على نفسي ] منذ أخبرتني أن لا أطعم طعاماً،
ولا أشرب شراباً ، حتى [ أنصرك و] أقوم بحقّك، فكنت عطشاناً هذه الأيام [ كلَّها ] ، حتى كان
ما رأيت ، فدعا له ، وانصرف [ الملك راجعاً إلى منزله، ولم يشعر بذلك أحد ] رحمه الله تعالى.
وكان مرضه سوءً مزاج اعتراه ، وانطلاق البطن سنتين ، فكان فيهما لا يضطجع على فراشٍ ، ولا
يتكىء على شيء لقوّة بأسه [وسوء مزاجه ] ، بل يستند إلى مخادٌّ توضع له ، ويحضر مجلس ملكه ،
ويفصل بين الناس على عادته ، حتى مات وهو كذلك ، في يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر من هذه
السنة ، عن ثلاث وستين سنة ، ملك منها ثلاثاً وثلاثين سنة ، وخلف من الأموال شيئاً كثيراً ، من ذلك :

٦٨
أحداث سنة ٤٢٢ هـ - خلافة القائم بالله أبي جعفر
سبعون رطلاً من جوهر [ الجوهرة منه لها قيمة عظيمة ] ، وقام بالأمر من بعده ولده محمّد ، ثمّ صار
الملك إلى ابنه الآخر مسعود بن محمود ، فأشبه أباه ، وقد صنّف بعض العلماء مجدّداً في سيرته ،
وأيامه ، وأحكامه ، وفتوحاته ، وممالكه ، فأفاد .
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وأربعمئة
فيها : كانت وفاة القادر بالله ، وخلافة ابنه القائم بالله ، على ما سيأتي تفصيله . وفيها : وقعت فتنة
عظيمة بين السنّة والروافض ، فقويت عليهم السُّنّة ، وقتلوا خلقاً منهم ، ونهبوا الكرخ ، ودار الشريف
المرتضى ، ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نُسبوا إلى معاونة أهل الكرخ من الروافض ، وتعدّى النهب إلى
دور كثيرة [ وانتشرت الفتنة جداً ثمّ سكنت بعد ذلك، وفيها كثرت العملات ] ، وانتشرت المحنة بأمر
العيّارين في أرجاء البلد، وتجاسروا على أمور كثيرة ، ونهبوا دوراً وأماكن سِرّاً وجهراً ، ليلاً ونهاراً ، فلا
حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم .
خلافة القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله
بويع له بالخلافة لمّا توفي أبوه القادر بالله ، أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر بالله بن المعتضد
ابن الأمير أبي أحمد الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور في ليلة الإثنين
الحادي عشر من ذي الحجة من هذه السنة عن ستّ وثمانين سنة ، وعشرة أشهر ، وواحد وعشرين يوماً ،
ولم يعمّر أحد من الخلفاء قبله هذا العمر ولا بعده ، من ذلك في الخلافة إحدى وأربعون سنة وثلاثة
أشهر ، وهذا أيضاً شيء لم يسبقه أحد في ذلك ، وأمّه أم ولد اسمها تمنِّي مولاة عبد الواحد بن المقتدر ،
وقد كان رحمه الله حليماً كريماً ، محبّاً لأهل العلم والدين والصلاح ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ،
وكان على طريقة السّلف في الاعتقاد ، وله في ذلك مصنّفات كانت تقرأ على الناس ، وكان أبيض ، حسن
الجسم، طويل اللِّحية، عريضها، يخضّبها، وكان يقوم اللَّيل، كثير الصَّدقة ، محبّاً للسّنة وأهلها ،
يُبغض البدعة والقائمين بها ، وكان يُكثر الصَّوم ويبرّ الفقراء من إفطاره ، يبعث منه إلى المجاورين
[ بالحرمين ] وبجامع المنصور ، وجامع الرصافة ، وكان يخرج من داره في زيّ العامَّة ، فيزور قبور
الصالحين ، وقد ذكرنا طرفاً صالحاً من سيرته عند ذكر ولايته ، في سنة إحدى وثمانين وثلاثمئة ،
وجلسوا في عزائه سبعة أيام ، لعظم المصيبة فيه ، ولتوطيد البيعة لولده القائم بالله أبي جعفر عبد الله بن
القادر بالله ، وأمّه قطر النَّدى ، أرمنيّة أدركت خلافته ، وكان مولده في يوم الجمعة الثامن عشر من ذي
القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمئة ، وكانت بيعته بحضرة القضاة ، والأمراء ، والكبراء ، والأعيان ،
فكان أول من بايعه الشريف المرتضى ، وأنشده قصيدة هائلة منها :

٦٩
وفيات سنة ٤٢٢ هـ
فمنكَ لَنَا جَبَلٌ قَدْرَسَا
فإمّا مضى جَبَلٌ وانْقَضى
فَقَدْ بَقِيَتْ منه شَمْس الضُّحَى
وإنّا فُجِعنا ببدرِ التَّمام
فَكَم ضحكٍ في خِلال(١) البكا(٢)
لَنَا بَعدَكَ الصَّارِمُ المِنْتَضى
لَنَا حِزَنُ في مَحَلِّ الشُّرورِ
فَيَا صارِماً أغْمَدَتْه يَدٌ
عَرَفْنا بِهَذْبِكَ طُرُقَ الهُدَى
ولَمّا حَضَرْنا لِعَقْدِ البياعِ
فقابَلْتَنا بِوقارِ المَشْبِ
كَمَالًا وسِنُّكَ سِنُّ الفَتَى
وطالَبتِ الأتراكُ برسم البيعة فلم يكن مع الخليفة شيء [ يعطيهم ] لأن أباه لم يترك مالاً، فكادت
الفتنة تقع بين الناس بسبب ذلك ، حتى دفع عنه الملك جلال الدَّولة ، مالاً جزيلاً ، نحواً من ثلاثة آلاف
دينار ، واستوزر الخليفة أبا طالب محمد بن أيوب ، واستقضى ابن ماكولا .
ولم يحجّ أحد من أهل المشرق سوى شرذمة خرجوا من الكوفة مع العرب [ فحجّوا ].
وممن توفي فيها من الأعيان والكبراء [ غير الخليفة ] :
الحسن بن جعفر(٣) أبو علي بن مَاكُوْلا، الوزير لجلال الدولة ، وقد تقدّم أنّ بُعث إلى البطيحة
ففتحها ، ورام أخْذَ البصرة فلم يمكنه ذلك ، وقاتلوه دونها ، فأسروه ، فسأل أن يُذْهب به إلى الملك
أبي كاليجار فعفا عنه ، وأطلقه ، فلمّا صار إلى الأهواز ، تعامل عليه غلام له وجارية ، فقتلاه في ذي
الحجة من هذه السنة عن ست وخمسين سنة .
عبد الوهّاب بن علي(٤) بن نصر بن أحمد بن الحسين بن هارون بن مالك بن طَوْق صاحب الرَّحْبَة ،
التَّغْلبيّ، البغداديّ، أبو محمد، أحد أئمّة المالكيّة، ومصنّفهم، ومنصفهم، له كتاب (( التلقين))
يحفظه الطلبة ، وله غيره في الفروع والأصول ، وقد أقام ببغداد دهراً ، وولي قضاء بادرايا ،
وباكسايه(٥) ، ثم خرج من بغداد لضيق حاله بها ، فلما دخل مصر أكرمه المغاربة ، وأعطوه ذهباً كثيراً ،
وتموّل وسعد جداً ، فأنشأ يقول متشوّقاً إلى بغداد ومعالمها :
سَلامٌ على بَغْدادَ في كُلِّ مَوْقِفٍ وَحُقَّ لَها مِنِّي سَلامٌ مضَاعفُ
(١) في ( ط ) : محل .
(٢)
في المنتظم : الرجا .
(٣)
في المنتظم : ( ٨/ ٦١).
(٤) تاريخ بغداد (٣١/١١)، المنتظم (٦١/٨)، الكامل في التاريخ (٤٢٢/٩)، وفيات الأعيان (٢١٩/٣)،
سير أعلام النبلاء (٤٢٩/١٧)، النجوم الزاهرة (٢٧٦/٤)، شذرات الذهب (٢٢٣/٣).
(٥) بادرايا وباكسايا: بليدتان من أعمال العراق. معجم البلدان (٣١٦/١ و٣٢٧ ٤٩٩).

٧٠
وفيات سنة ٤٢٢ هـ
فَواللهِ ما فارقْتُها عَنْ قِلا١ً) لها وَإِنِّي بِشَطَّي جَانِبَيْها لَعَارِفُ
وَلَمْ تَكُنِ الأزْزَاقُ فيها تُساعِفُ
وَلَكِنَّهَا ضَاقَت عَليَّ بِأَسْرِهَا
وَأَخْلاقُهُ تَنْأَى بِهِ وَتُخَالِفُ
فَكَانَتْ كَخِلٌّ كُنْتُ أهْوَى دُنُوَّهُ
قال الخطيب البغدادي(٢) : سمع القاضي عبد الوهّاب من ابن السّماك وكتب عنه، وكان ثقة ، ولم
نرَ في المالكيّة أحداً أفقه منه .
وقال القاضي ابن خلِّكان(٣) في الوفيات عنه : عندما وصل إلى الديار المصريّة ، حصل له شيء من
المال وحسن حاله ، مرض من أكلة اشتهاها ، فذُكر عنه أنّه كان يتقلّب ويقول : لا إله إلا الله ، عندما
عشنا متنا ، قال : وله أشعار رائقة ظريفة ، فمن ذلك قوله :
وَنائِمِةٍ قَبَّلْتُها فَتَتَّهَتْ وَقَالَتْ تَعَالوا فاطلبُوا اللصَّ بالحَدِّ
وَمَا حَكَمُوا في غاصِبٍ بسوى الرّدِّ
فَقُلْتُ لها إنّي لَثَمْتُكِ(٤) غاصبٌ
وإنْ أنتِ لم تَرضيْ فألفاً من (٦) العدِّ
خُذِيْها وَفِّي(٥) عن أثيمٍ ظُلامةً
على كَبِدِ الجَانِي ألذُّ مِنَ الشَّهْدِ
فَقَالَتْ قِصَاصٌ يَشْهِدُ العقلُ أنَّهُ
وبَاتَتْ يسَاري وهْيَ وَاسِطَةُ العِقْدِ
فباتت يميني وهي هِمْيانُ خصْرِهَا
فَقُلْتُ : بَلَى ، ما زِلْتُ أزْهَدُ في الزُّهْدِ
فَقَالَتْ: أَلَمْ أخبر(٧) بأنَّكَ زاهدٌ
ومما أنشده ابن خلِّكال(٨) للقاضي عبد الوهّاب المالكي - رحمه الله - :
بَغْدادُ دارٌ لأَهْلِ المالِ طَيِّبَةٌ وَللمَفاليسِ دَارُ الضَّنْكِ والضِّيْقِ
ظَلَّلْتُ حيرانَ أمشي في أزِقَّتها كأنَّني مُصْحَفٌ فِي بَيْتِ زِنْدِيْقٍ(٩)
(١) في ( ط ) : ملالة .
تاريخ بغداد (٣١/١١-٣٢).
(٢)
وفيات الأعيان ( ٢٢١/٣).
(٣)
في ( ط ) والسير : فديتك .
(٤)
(٥)
في ( ط ) والسير : كفي .
في ( ط ) والسير : والوفيات : على .
(٦)
(٧)
في ( ط ) تخبر .
(٨) وفيات الأعيان (٢٢١/٣).
(٩) في الوفيات : دار زنديق.

٧١
أحداث سنة ٤٢٣ هـ
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة
في سادس المحرم [ منها ] استسقى أهل بغداد لتأخّر الأمطار عن أوانها ، فلم يسقوا ، وكثر الموت
في الناس .
ولما كان يوم عاشوراء عملت [ الروافض ] البدعة الشنعاء ، وكثر النوح والبكاء ، وامتلأت بذلك
الطرقات والأسواق والأرجاء .
ثم في صفر أمر الناس بالخروج إلى الاستسقاء لقحوط البلاد ، فلم يخرج من أهل بغداد باتساعها
[ وكثرة أهلها ] مئة إنسان في الجوامع كلّها .
وفيها : وقع بين الجيش وبين جلال الدولة ، فاتفق الحال على خروجه إلى البصرة ، فردّ كثيراً من
جواريه إلى أساتيذهنّ قبله ، واستبقى بعضهن ، وخرج من بغداد ، ليلة الإثنين سادس ربيع الأول من هذه
السنة ، وكتب الغلمان والإسفهسلارية إلى الملك أبي كاليجار ليقدم عليهم ، فقد تمهّدت له البلاد ، ولم
يبق أحد من أهل العناد ، ولا الحسّاد ، ونهبوا دار جلال الدولة وغيرها ، وتأخّر مجيء أبي كاليجار ،
وذلك أنّ وزيره العادِل بن صافنة ، أشار عليه بعدم القدوم إلى بغداد [ فأطاعه في ذلك ] ، فكثرت
العيارون ببغداد ، وتفاقم الحال بهم ، وفسد البلد ، وافتقر جلال الدولة بحيث احتاج إلى أن باع بعض
ثيابه في الأسوق ، وجعل أبو كاليجار يتوهم من الأتراك ، ويطلب منهم رهائن ، فلم يتفق ذلك ، وطال
الفصل ، فرجعوا إلى مكاتبة جلال الدولة أن يرجع إلى بلده ، وشرعوا في الاعتذار إليه ، وخطبوا له في
البلد على عادته ، ثمّ رجع بعد ثلاث وأربعين ليلة إلى بغداد ، وأرسل الخليفة الرسل إلى الملك
أبي كاليجار ، وممن بعث إليه : القاضي أبو الحسن الماوردي ، يسلّم عليه ويستوحش منه ، فدخلوا عليه
وقد تجمّل تجمّلاً عظيماً ، فسأل أن يلقّب بالسلطان المعظّم مالك الأمم [ فقال الماوردي : هذا
ما لا سبيل إليه ، لأن السلطان المعظم هو الخليفة ، وكذلك مالك الأمم ] ثم اتفقوا على تلقيبه بملك
الدولة . فأرسل مع الماوردي بتحفٍ عظيمةٍ منها ألف ألف دينار سابورية وغير ذلك ، ومن الدراهم آلاف
[مؤلّفة]، وتحف وألطاف، واجتمع الجند على طلب أرزاقهم من الخليفة فتعذّر ذلك، فراموا أن
يقطعوا خطبته ، فلم يصلّ الجمعة في هذا الوقت ، ثمّ خطب له من الجمعة القابلة ، وتخبّط البلد جداً ،
وكثر العيارون . ثم في ربيع الآخر من هذه السنة حلف الخليفة لجلال الدولة بخلوص النيّة وصفائها ، وأنه
على ما يحب من الصدق ، وصلاح النيّة والسريرة (١) . ثم وقع بينهما بسبب لعب جلال الدولة ، وشربه
النبيذ وتهتُّكه به ، ثم اعتذر إلى الخليفة واصطلحا على فساد .
(١) أورد ابن الجوزي نص القسم في المنتظم (٨٦/٨).

٧٢
وفيات سنة ٤٢٣ هـ
وفي رجب غلت الأسعار جداً ببغداد ، وغيرها من أراضي العراق ، ولم يحجّ أحد منها .
وفي هذه السنة : وقع مُوتان عظيم ببلاد الهند وغزنة ، وخراسان وجرجان والريّ وأصبهان ، خرج
منها في أدنى مدة ، أربعون ألف جنازة ، وفي نواحي الجبل والموصل وبغداد طرف قوي من ذلك
بالجدري ، بحيث لم تخل دار من مصاب به ، واستمرّ ذلك في حزيران ، وتموز ، وآب ، وأيلول ،
وتشرين الأول ، والثاني ، وكان في الصيف أكثر منه في الخريف ، قاله ابن الجوزي في المنتظم (١).
وقد رأى رجل من أهل السنّة من أصبهان ، في منامه منادياً [ ينادي ] بصوت جَهْوَري : يا أهل
أصبهان ، سكت ، نطق ، سكت ، نطق . فانتبه الرجل مذعوراً ، فلم يدر أحد تأويلها ، حتى قيل ذلك
لرجل لبيب فقال : احذروا يا أهل أصبهان فإني قرأت في شعر أبي العتاهية :
سَكَتَ الذَّهرُ زَماناً عَنْهُمُ ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَماً حين نطق
فما كان غير قليل حتى جاء الملك مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين ، فقتل منهم خلقاً كثيراً ، حتى قتل
أناساً في الجوامع والصوامع معتكفين ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
وفي هذه السنة : ظفر الملك أبو كاليجار بالخادم صندل فقتله ، وكان قد استحوذ على مملكته ، ولم
يبق له معه سوى الاسم ، فاستراح منه .
وفيها : مات ملك الترك الكبير صاحب بلاد ما وراء النهر ، واسمه بَدْرخان ، والله تعالى أعلم
بالصواب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
رَوْح بن محمد بن أحمد أبو زُرْعة الرازي(٢)
قال الخطيب(٣): سمع جماعة وقدم علينا حاجًّاً ، فكتبت عنه، وكان صدوقاً فهماً ، أديباً ، يتفقّه
على مذهب الشافعي، وولي قضاء أصبهان ، قال : وبلغني أنّه مات بالكرخ سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة.
علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نُعيم بن الحسن البصري المعروف بالنُّعيمي(٤) الحافظ ،
الشاعر ، المتكلّم ، الفقيه الشافعي .
(١) المنتظم (٦٨/٨).
تاريخ بغداد (٤١٠/٨)، المنتظم (٧٠/٨)، سير أعلام النبلاء (٥١/١٧)، طبقات السبكي (٤٧٩/٤).
(٢)
(٣)
تاريخ بغداد ( ٤١٠/٨).
تاريخ بغداد (٣٣١/١١)، المنتظم (٧٠/٨)، سير أعلام النبلاء (٤٤٥/١٧)، طبقات السبكي (٢٣٧/٥)،
(٤)
النجوم الزاهرة (٢٧٧/٤ )، شذرات الذهب (٢٢٦/٣).

٧٣
أحداث سنة ٤٢٤ هـ
قال البَرْقاني: هو كامل في كلِّ شيء لولا بادرة فيه، وقد سمع على جماعة ، ومن شعره الحسن قوله:
كَفَتْكَ القَنَاعةُ شِبْعاً وَرِيًّا
إذا أَظْمَأَتْكَ أكُفُّ اللََّامِ
وهَامةُ مِمَّتِهٍ(١) في الثُّرَيَّا
فَكُنْ رَجُلاً رِجْلُهُ فِي الثَّرَىَ
تَرَاهُ بما في يَدَيْهِ أيًّا
أبيّاً لتأمِيلٍ(٢) ذِي ثَرْوَة(٣)
◌ِ دُونَ إِرَاقَةِ مَاءِ المُحَيَّا(٤)
فَإِنَّ إِرَاقَةَ مَاءِ الحَيَا
محمّد بن الطيّب بن سعد بن موسى أبو بكر الصّاعُ(٥) .
حدّث عن النّجاد وأبي بكر الشافعي، وكان صدوقاً، وقد حكى الخطيب البغدادي(٦) : أنّه تزوّج
بتسعمئة (٧) امرأة ، وذكر أنّه توفي عن خمس وتسعين سنة ، رحمه الله تعالى .
علي بن هلال الكاتب المشهور(٨)
ذكر ابن خلِّكانُ(٩) : أنّه توفي في هذه السنة ، وقيل : في سنة ثلاث عشرة كما قدمنا .
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمئة
فيها : تفاقم الحال بأمر العيّارين، وتزايد أمرهم، وأخذهم العملات [ الكثيرة ] ، وقوي أمر
مقدَّمهم البُرجُمي ، وقُتل صاحب الشرطة غيلة ، وتواترت النهبات في اللّيل والنهار ، واحتفظ الناس
بدورهم وحرسوها ، حتى دار الخليفة ، وسور البلد ، وعظم الخطب بهم جداً . وكان من شأن هذا
البرجمي أنّه لا يؤذي امرأة ، ولا يأخذ مما عليهن شيئاً، وهذه مروءة في الظلم. فيقال له( ١٠):
(( حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض »
(١)
في ( ط ) : همه .
(٢)
في السير : لنائل .
(٣)
في ( ط ) : أبياً لنائل ذي نعمة .
(٤)
الأبيات في تاريخ بغداد (١١/ ٣٣٢).
تاريخ بغداد (٣٨٣/٥)، المنتظم (٧١/٨)، سير أعلام النبلاء (٤٢٤/١٧)، النجوم الزاهرة (٤/ ٢٧٧).
(٥)
(٦)
تاریخ بغداد ( ٥/ ٣٨٣).
في بعض النسخ : بسبعمئة . وما هنا هو الذي في ( ط ) ومصادر ترجمته ، وهو الذي جوده الذهبي بخطه في تاريخ
(٧)
الإسلام (٣٩٢/٩) (بشار).
(٨) تقدمت ترجمته .
(٩) وفيات الأعيان (٣/ ٣٤٣).
(١٠) فى ( ط ) : وهذا كما قيل .

٧٤
وفیات سنة ٤٢٤ هــ أحداث سنة ٤٢٥ هـ
وفيها : أخذ جلال الدولة البصرة ، وأرسل إليها ولده العزيز ، فأقام بها الخطبة لأبيه ، وقطعت منها
خطبة أبي كاليجار هذه السنة والتي بعدها ، ثمّ استُرجعت من يد جلال الدولة ، وأخرج منها ولده ،
ورجعت الخطبة لأبي كاليجار .
وفي هذه السنة : ثارت الأتراك بالملك جلال الدولة لتأخر أرزاقهم . وأخرجوه من داره ، ورسموا
عليه في مسجده ، وأخرجت حريمه ، فذهب في الليل إلى دار الشريف المرتضى فنزلها ، ثم اصطلحت
الأتراك معه ، وحَلَفوا له على السمع والطاعة ، ورجع إلى داره ، وكثر العيارون ببغداد ، واستطالوا على
الناس ليلاً ونهاراً ، وإسراراً وإجهاراً .
ولم يحجّ أحد من أهل العراق وخراسان لفساد الطرقات .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن الحسين بن أحمد(١) أبو الحسين الواعظ ، المعروف بابن السمّاك.
ولد سنة ثلاثين وثلاثمئة ، وسمع جعفر الخُلْدي وغيره ، وكان يعظ بجامع المنصور ، وجامع
المهديّ ، ويتكلّم على طريقة التصوّف ، وقد تكلّم بعض الأئمة فيه ، ونُسِبَ إلى الكذب ، توفي في هذه
السنة عن أربع وتسعين سنة ، ودفن بباب حرب ، والله تعالى أعلم .
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمئة
فيها : غزا السلطان مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بلاد الهند ، وفتح حصوناً كثيرة ، فكان من
جملتها أنَّه حاصر قلعة حصينة ، فخرجت من السور عجوز كبيرة ساحرة ، وأخذت مكنسة قبلّتها ،
ورشّتها على ناحية جيش المسلمين ، فمرض السلطان مسعود تلك الليلة مرضاً شديداً ، فارتحل عن تلك
القلعة ، فلمّا استقلّ ذاهباً عنها ، عوفي عافية كاملة ورجع إلى غزنة سالماً .
وفيها : تولّى البساسيري حماية الجانب الغربي من بغداد لما تفاقم أمر العيّارين ، وكثر شرّهم
وفسادهم .
وفيها : ولي سنان بن سيف الدولة عريب بن محمد بن معان بعد وفاة أبيه ، فقصد عمّه قرواشاً ،
فأقرّه وساعده على استقامة أموره .
وفيها : هلك ملك الروم أرمانوس ، فملكهم من بعده رجل ليس من بيت ملكهم ، وقد كان
(١) المنتظم (٧٦/٨)، الكامل في التاريخ (٤٣٢/٩)، تاريخ الإسلام (٣٩٦/٩).

٧٥
وفیات سنة ٤٢٥هـ
صيرفياً في بعض الأحيان ، إلا أنه من سلالة الملك قسطنطين ، باني المدينة التي لهم .
وفيها : كثرت الزلازل بمصر والشام فهدّمت شيئاً كثيراً ، ومات تحت الردم خلق كثير ، وانهدم من
الرَّملة ثلثها ، وتقطّع جامعها تقطعاً ، وخرج أهلها منها [ هاربين ] ، فأقاموا ظاهرها ثمانية أيام ، ثم سكن
الحال ، فعادوا إليها ، وسقط حائط بيت المقدس ، ووقع من محراب داود قطعة كبيرة ، ومن مسجد
إبراهيم قطعة ، وسلمت الحجرة ، وسقطت منارة عسقلان ، ورأس منارة غزّة ، وسقط نصف بنيان
نابلس ، وخسف بقرية بإزائها بأهلها ، وبقرها ، وغنمها ، وساخت في الأرض ، وكذلك قرى كثيرة
هنالك ، ذكره ابن الجوزي(١).
وكان غلاء شديد ببلاد إفريقية .
وعصفت ريح سوداء بنصيبين فأتلفت شيئاً كثيراً من الأشجار ، حتى من التوت والجوز والعنَّاب ،
واقتلعت قصراً مشيداً بحجارة وآجر وكلس [فألقته وأهله فهلكوا ]، ثم سقط مطر معه بَرَد ، أمثال الأكفّ
والزنود والأصابع ، وجَزَرَ البحر من تلك الناحية ثلاثة فراسخ ، فذهب الناس خلف السمك فرجع الماء
عليهم ، فهلك منهم خلق كثير .
وفيها : كثر الموت بالخوانيق ، حتى كان يُغلق الباب على من في الدار كلّهم قد مات . وكان أكثر
ذلك ببغداد ، فمات من أهلها في شهر ذي الحجة تسعون ألفاً .
وفيها : وقعت الفتنة بين السّنة والروافض ، حتى بين العيّارين من الفريقين ، ومنع ابنا الأصبهاني
وهما مقدما عيّاري أهل السنة ، منعا أهل الكرخ من ورود ماء دجلة ، فضاق عليهم النطاق ، وقُتِل ابن
البُرجُمي وأخوه في هذه السنة .
ولم يحجّ أحد من أهل العراق في هذه السنة ، والله تعالى أعلم بالصواب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن أحمد (٢) بن غالب(٣) الحافظ ، أبو بكر ، المعروف بالبَرْقاني.
(١) المنتظم (٧٧/٨).
(٢) سقطت من بعض النسخ ، وهي ثابتة في ( ط ) ومصادر ترجمته .
(٣) تاريخ بغداد (٣٧٣/٤)، المنتظم (٧٩/٨)، تاريخ دمشق (١٦٨/٧)، مختصر تاريخ دمشق (٢٢٥/٣)،
سير أعلام النبلاء (٤٦٤/١٧)، الوافي بالوفيات (٧/ ٣٣١)، طبقات السبكي (٤٧/٤)، النجوم الزاهرة
(٢٨٠/٤)، شذرات الذهب (٢٢٨/٣).
قال السمعاني في الأنساب (١٥٦/٢) البرقاني: نسبة إلى قرية من قرى كاث بنواحي خوارزم ، خرب أكثرها ،
وصارت مزرعة ، وهي بفتح الباء . وقال ياقوت : وبعضهم يقول بكسرها .

٧٦
وفيات سنة ٤٢٥ هـ
ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمئة ، وسمع الكثير ، وجمع كتباً كثيرة جداً ، وكان عالماً بالقرآن والفقه
والحديث ، والنحو ، وله مصنفات في الحديث حسنة نافعة .
قال الأزهري : إذا مات البرقاني ذهب هذا الشأن ، وما رأيت أنفس منه (١) .
وقال غيره : ما رأيت أعبد منه في أهل الحديث .
توفي يوم الخميس مستهلّ رجب ، وصلّى عليه أبو علي بن أبي موسى الهاشمي ، ودفن في مقبرة
الجامع ببغداد ، وقد أورد له الحافظ ابن عساكر من شعره قوله :
وَأحملُ فيهِ لها الموْعِدا
أَعَلِّلُ نَفْسِي بِكَتْبِ الحَدِيثِ
وَتَخْرِيجِهِ دَائماً سَرْمَدًا
وَأَشْغِلُ نَفْسِي بِتَصْنِيفِهِ
وَطَوْراً أُصَنِّفُهِ مُسْنَدا
فَطَوْراً أُصَنَّفُه في الشُّيوخِ
وَصَنَّفَهُ جَاهِداً مُجهدًا
وَأَقْفُو البُخاري فيما نَحَاه
بِتَصْنِيْفِهِ مُسْلِماً مُرشِدا
وَمُسْلِم إِذْ كَانَ زَيْنَ الأنَامِ
أَرَاهُ هَوىّ صَادفَ المَقصِدَا
وَمَا لِي فِيْهِ سِوَى أَنَّنِي
عَلَى السيِّد المُصْطَفَى أحْمَدا
وَأَرْجُو الثوابَ بِكَتْبِ الصَّلاةِ
أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن سعيد أبو العباس الأنيوزدي (٢) .
أحد أئمة الشافعيّة من تلاميذ الشيخ أبي حامد الإسفراييني ، وكانت له حلقة في جامع المنصور
للفتيا ، ويدرس في قطيعة الربيع ، وولي الحكم ببغداد نيابة عن ابن الأكفاني ، وقد سمع الحديث ، وكان
حسن الاعتقاد ، جميل الطريقة ، فصيح اللسان ، صبوراً على الفقر ، كاتماً له ، وكان يقول الشعر
الجيد، كان كما قال الله عز وجل: ﴿يَخْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ لَا
يَسْتَلُونَ النَّاسَ إِلَحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
توفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة ، ودفن بمقبرة باب حرب .
الحسن بن عبيد الله بن يحيى (٣) الشيخ أبو علي البَنْدَنِيجي .
أحد أئمة الشافعيّة ، وتلاميذ أبي حامد الإسفراييني ، ولم يكن في أصحابه مثله [ تفقه و ] درّس
وأفتى وحكم ببغداد ، وكان ديّناً ورعاً . توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة أيضاً ، رحمه الله تعالى .
(١) في ( ط ) وتاريخ بغداد: أتقن منه.
(٢) المنتظم (٨٠/٨)، الأنساب (١٢٨/١)، وذكر أن نسبته إلى أبيورد من بلاد خراسان.
(٣) تاريخ بغداد (٧/ ٣٤٣)، المنتظم (٨١/٨)، الكامل في التاريخ (٤٣٩/٩).

٧٧
أحداث سنة ٤٢٦ هـ ووفياتها
عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد(١) أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي الواعظ .
سمع من أبيه أثراً مسلسلاً عن علي ((الحنَّان : الذي يُقْبِل على من أعرض عنه، والمنّان : الذي يبدأ
بالنَّوال قبل السؤال )) .
توفي في ربيع الأول ودفن في مقبرة أحمد بن حنبل .
غريب بن محمد بن معن بن سيف الدَّولةُ(٢) أبو سِنان ، كان قد ضرب السكّة باسمه ، وكان ملكاً
متمكِّناً في الدَّولة ، وخلّف خمسمئة ألف دينار ، وقام ابنه سنان بعده ، وتقوَّى بعمّه قرواش ، فاستقامت
أموره به ، وكانت وفاته بكرخ سامرّاء عن سبعين سنة ، رحمه الله وإيّانا بمنِّهِ وكرمِهِ .
ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمئة
في المحرّم كثر تردد الأعراب في قطع الطريق إلى حواشي بغداد وما حولها ، بحيث كانوا يستلبون
ما على النِّساء ، ومن أسروه أخذوا ما معه ، وطالبوه بفداء نفسه ، واستفحل أمر العيَّارين ببغداد ، وكثرت
شرورهم وإفسادهم .
وفي مستهلّ صفر زادت دجلة بحيث ارتفع [ الماء ] على الضياع ذراعين ، وسقط من البصرة في مدّة
ثلاثة أيام [ نحو ] ألفي دار .
وفي شعبان ورد كتاب من مسعود بن محمود بن سُبُكْتِكين بأنّه قد فتح فتحاً عظيماً في الهند ، وقتل
منهم خمسين ألفاً ، وأسر تسعين ألفاً ، وغنم شيئاً كثيراً .
ووقع فتنة بين البغاددة والعيّارين ، ووقع حريق كثير في أماكن متعددة منها ، واتّسع الخرق على
الراقع ، ولم يحجّ أحد من أهل العراق وخراسان في هذا العام .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن كُلَيب الشاعر(٣) وهو أحد من هلك بالعشق، روى ابن الجوزي في ((المنتظم)) بسنده من
طريق أبي عبد الله الحُميدي بسنده ، أن أحمد بن كليب هذا المُعَثَّر(٤) ، تعشّق شاباً يقال له : أسلم بن
أبي الجعد من بني خالد ، وكان فيهم وزارة وحجابة ، فأنشد فيه أشعاراً تحدّث الناس بها ، وهذا
المنتظم (٨١/٨)، الكامل في التاريخ (٤٣٩/٩).
(١)
الكامل في التاريخ (٤٣٩/٩) واسمه فيه غريب بن محمد بن مقن .
(٢)
(٣)
المنتظم (٨٣/٨).
في (ط): ((المغتر))، وما هنا أصوب.
(٤)

٧٨
وفيات سنة ٤٢٧ هـ
[ الشاب ] كان يطلب العلم في مجالس المشايخ [ فلما بلغه عن ابن كليب ما قال فيه ] استحيا من الناس ،
وانقطع في داره فلا يجتمع بأحد من الناس ، فازداد غرام ابن كُلَيب به حتى مرض من ذلك مرضاً شديداً ،
عاده الناس منه ، وكان في جملة من عاده بعض المشايخ [ من العلماء ] فسأله عن مرضه فقال : أنتم
تعلمون دائي ودوائي ، لو زارني أسلم ونظر إليّ نظرة [ ونظرته نظرة ] واحدة برئت ، وإلا فأنا هالك ،
فرأى ذلك الشيخ من المصلحة أن لو دخل على [ أسلم ] وسأله أن يزوره ولو مرة واحدة مختفياً ، فلم يزل
به حتى [ أجابه إلى زيارته ] فانطلقا إليه ، فلمّا دخلا دربه [ومحلّته ] تغيّر الغلام واستحيا من الدخول
[عليه ، وقال للرجل العالم: لا أدخل عليه وقد ذكرني ونوّه باسمي ، هذا مكان ريبة وتهمة ، وأنا
لا أحب أن أدخل مداخل التهم ] فحرص به الرجل كلّ الحرص ليدخل عليه فأبى [ عليه فقال له : إنّه ميّت
لا محالة ، فإذا دخلت عليه أحييته ، فقال : يموت ، وأنا لا أدخل مدخلاً يسخط الله عليّ ويغضبه ، وأبى
أن يدخل ] وانصرف راجعاً إلى دارهم ، فدخل الرجل فذكر له ما كان من أمره ، وقد كان غلام ابن كُلَیب
قد دخل إليه [ قبل ذلك ] فبشّره بقدوم أسلم عليه ، ففرح بذلك جداً ، فلما تحقّق رجوعه [ عنه ] اختلط
كلامه ، واضطرب في نفسه ، ثمّ قال لذلك الرجل : اسمع يا عبد الله مني ، واحفظ عنّي ، ثمّ أنشأ
يقول :
أسلمُ يا رَاحةَ العَليلِ رِفْقاً على الهائِمِ النَّحِيلِ
وَصْلُكَ أَشْهَى إلى فُؤادي مِنْ رحمةِ الخالقِ الجَليلِ
فقال له الرجل: [ ويحك ] اتقِ الله تعالى! ما هذه العظيمة. فقال: قد كان [ ما سمعت ] ، فخرج
الرجل من عنده ، فما توسط الدَّرب حتى سمع الصراخ عليه [ وسمع صيحة الموت ] وقد فارق الدنيا ،
وهذه مذلّةٌ شنعاء ، وعظيمةٌ صلعاء ، وداهية دهياء ، ولولا أنّ هؤلاء الأئمة ذكروها لما ذكرتها ، ولكن
فيها عبرة لأولي الألباب ، وتنبيه لذوي [ البصائر و] العقول ، أن يسألوا الله رحمته ولطفه بهم، [ وأن
يستعيذوا بالله من الفتن ، ما ظهر منها وما بطن ، وأن يرزقهم حسن الخاتمة ] ، وأن يثبّتهم على الخير
والإسلام والسنّة عند الممات ، إنّه كريم جواد .
قال الحميدي : وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال : أنشدني محمد بن عبد الرحمن التميمي
لأحمد بن كُليب ، وقد أهدى إلى أسلم كتاب (( الفصيح )) الثعلب وكتب عليه :
هذا كِتَابُ الفَصِيحِ بِكلِّ لَفْظِ مَلِيحِ
وَهَبْتُه لَكَ طَوْعاً كَما وَهَبْتُكِ رُوحِي
الحسن بن أحمد(١) بن إبراهيم بن الحسن بن شَاذَان بن حرب بن مهران أبو علي بن شاذان البَزّاز ،
(١) تاريخ بغداد (٢٧٩/٧)، المنتظم (٨٦/٨)، الكامل في التاريخ (٤٤٥/٩)، الجواهر المضية (٣٨/٢)، =

٧٩
أحداث سنة ٤٢٨ هـ
أحد مشايخ الحديث ، سمع الكثير ، كان ثقة صدوقاً ، جاءه يوماً شاب غريب فقال له : إني رأيت
رسول الله وَّر في المنام فقال لي : اذهب إلى أبي علي بن شاذان ، فسل عنه وأقْرِهِ مني السَّلام ، ثمّ
انصرف الشاب ، فبكى الشيخ وقال : ما أعلم لي عملاً أستحقُّ به هذا غير صبري على إسماع الحديث ،
وصلاتي على رسول الله وَّة، كلَّما ذُكِر. توفي بعد شهرين أو ثلاثة [ من هذه الرؤيا ] في محرَّم هذه
السّنة (١) عن سبع وثمانين سنة ، ودفن بباب الدّير . رحمه الله تعالى.
الحسن (٢) بن عثمان بن أحمد بن الحسين بن صورة ٣) أبو عمر الواعظ ، المعروف بابن الفلو ، سمع
الحديث من جماعة ، قال ابن الجوزي : وكان يعظ وله بلاغة ، وفيه كرم ، وكان ثقة ، يأمر بالمعروف ،
وينهى عن المنكر ، ومن شعره :
دخلتُ على السلطانِ في دارٍ عزِّهِ بِفَقْرٍ ، ولم أجْلِب بخيلٍ ولا رَجِلٍ
بمقدارِ ما بَيْنَ الولايةِ والعَزْلِ
وَقُلتُ انظرُوا ما بينَ فَقْري وَمُلكِكُمْ
توفي في صفر ، وقد قارب الثمانين ، ودفن في مقبرة باب حرب إلى جانب ابن السّماك ، [ رحمهما
الله ] .
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمئة
في المحرّم تكاملت عمارة قنطرة عيسى التي كانت قد سقطت ، وكان الذي يلي مشارفة الإنفاق عليها
الشيخ أبو الحسن القدوري الحنفي .
وفيه ، وفيما بعده تفاقم أمر العيّارين ، وكبسوا الدور ، وتزايد شرّهم وعملاتهم .
وفيها : توفي صاحب مصر الظاهر لإعزاز دين الله ، أبو الحسن علي بن الحاكم بن العزيز بن المعزّ
الفاطمي ، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة وأشهر ، وكان مدة ولايته ست عشرة سنة وتسعة أشهر ،
وكانت سيرته جيّدة ، وقام بالأمر من بعده ولده المستنصر ، وعمره سبع سنين ، واسمه معدّ ، وكنيته
أبو تميم ، وتكفّل بأعباء المملكة بين يديه الأفضل أمير الجيوش ، واسمه بدر بن عبد الله الجمالي ، وكان
الظاهر ، المذكور ، قد استوزر الصاحب أبا القاسم الجرجرائي ، وكان مقطوع اليدين من المرفقين في
سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٤١٥)، النجوم الزاهرة (٢٨٠/٤)، شذرات الذهب (٢٢٨/٣).
(١) هكذا قال ، والصواب أنه توفي في آخر يوم من سنة خمس وعشرين ، ودفن في أول يوم من سنة ست وعشرين
هذه ، كما في تاريخ الخطيب وتاريخ الإسلام (٩/ ٤٠٧) (بشار ).
(٢) المنتظم (٨٧/٨).
(٣) في ( ط ) والمنتظم : سورة .

٨٠
وفيات سنة ٤٢٧ هـ
سنة ثماني عشرة ، فاستمر في الوزارة مدة ولاية الظاهر ثمّ لولده المستنصر حتى توفي الوزير الجرجرائي
المذكور في سنة ست وثلاثين ، وكان قد سلك في وزارته العفّة العظيمة ، وكان الذي يعلم عنه القاضي
أبو عبد الله القضاعي صاحب كتاب (( الشهاب)) وكانت علامته عنه : الحمد لله شكراً لنعمته . وكان الذي
قطع يديه من المرفقين الحاكم ، لخيانة ظهرت عليه في سنة أربع وأربعمئة ، ثمّ استعمله في بعض الأعمال
سنة تسع ، فلمّا فُقد الحاكم لعنه الله في التاسع والعشرين من شوّال سنة إحدى عشرة ، ثم تملّك من بعده
ولده الظاهر المذكور ، تنقّلت بالجرجرائي المذكور الأحوال ، حتى استوزر سنة ثماني عشرة كما ذكرنا ،
وقد هجاه بعض الشعراء فقال :
وَدَعِ الرقاعةَ والتحامُق
يا أحمقاً إسمعْ وقلْ
تِ وَهبْك فيما قلْتَ صادقْ
أَأَقَمْتَ نفسَك في الثِقَا
قُطِعتْ يداكَ من المرافقِ
فمنَ الأمانةِ والتّقى
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن محمد بن إبراهيم الثَّعالبي(١) ويقال: الثّعْلبيّ أيضاً، وهو لقب وليس بنسبة ، النيسابوري
المفسّر [المشهور ] .
له: ((التفسير الكبير))، وله كتاب (( العرائس)(٢) في قصص الأنبياء ، وغير ذلك ، وكان كثير
الحديث ، واسع السماع ، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب الشيء الكثير .
وذكره عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في ((تاريخ نيسابور)(٣) وأثنى عليه ، وقال : هو صحيح
النقل ، موثوق به ، توفي سنة سبع وعشرين وأربعمئة .
وقال غيره : توفي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرّم منها ، ورُئيت له منامات صالحة .
قال السمعاني (٤): ونيسابور كانت مقصبةً، فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة، و((ني)) هو القصب
بالفارسية ، والله أعلم . .
(١) وفيات الأعيان (٧٩/١)، سير أعلام النبلاء (٤٣٥/١٧)، الوافي بالوفيات (٧/ ٣٠٧)، طبقات السبكي
(٥٨/٤)، النجوم الزاهرة (٢٨٣/٤)، شذرات الذهب (٢٣٠/٣).
(٢) واسمه : عرائس المجالس في قصص الأنبياء . طبع أكثر من مرة ، وفيه كثير من الإسرائيليات والغرائب.
(٣) منتخب السياق ، الترجمة رقم ١٩٧ .
(٤) لم ترد ترجمة الثعلبي في الأنساب ، وقد استدرك هذه الترجمة ابن الأثير في اللباب .