Indexed OCR Text
Pages 1-20
النَّدْ لَّوَالتَّهَارُ ٤٠١ هـ - ٥٠٠ هـ الطبعة الثانية 1431 هـ - 2010 حقوق الطبع محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دارابن للطباعة والنشر والتوزيع دمشق - سوريا - ص.ب : 311 حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450 الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541 بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318 برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة تلفاكس : 817857 01 - جوال : 204459 03 www.ibn-katheer.com info@ibn-katheer.com الموضوع: تاريخ العنوان: البداية والنهاية 20/1 التأليف: الإمام ابن كثير التحقيق: مجموعة من العلماء الورق: كريم ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: 10128 القياس: 17×24 التجليد: فني - لوحة الوزن: 15215 غ التنفيذ الطباعي : مطبعة ايبكس - بيروت التجليد : مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت ISBN: 978-9953-520-84-1 9 789953 520841 البَدَامَةِ وَالتَّهَامُ ٤٠١ هـ ـ ٥٠٠ ھـ تأليف الإمَامِ الْحَافِظِ المُؤَرْخِ أَبِي الفِدَاءِ إِسْمَاعِيل بن كَثِير ٧٠١ - ٧٧٤ هـ مَتَّقَهُ وَفََّ أَحَادِينَهُ وَعَلَّىَعَلَيْهِ صَلاح محمّد الخيمي رَاجَعَهُ الدكتوربشار عوادمعروف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط الجُزْءُالثَّالِثَ عَشْر دَار اتركتير رِقَشق - بَيْرُون -3 - C 1 ٥ أحداث سنة ٤٠١ هـ ثم دخلت سنة إحدى وأربعمئة١) في يوم الجمعة الرابع من محرّم فيها خُطِبَ بالمَوصل للحاكم العُبيدي عن أمر صاحبها قِرواش بن مُقلَّد، أبي مَنيعُ(٢) ، وقهر رعيته على ذلك. وقد سرد ابن الجَوْزِي(٣) صيغة الخطبة يومئذ بحروفها ، وفي آخرها : صلّوا على آبائه من الخلفاء ، المهديّ ، ثمّ ابنه القائم ، ثمّ ابنه المنصور ، ثمّ ابنه المعزّ ، ثمّ ابنه العزيز ، ثمّ على ابنه الحاكم صاحب الوقت ، وبالغوا في الدّعاء لهم ، ولا سيّما للحاكم المذكور . وكذلك ببقيّة أعماله(٤) من الأنبار والمدائن وغيرهما . وكان سبب ذلك أنّ الحاكم تردَّدت مكاتباته ورسله وهداياه إلى قِرواش ، يستميله إليه ليُقبل بوجههِ إليه ، حتى فعل ما فعل مما ذكرنا [ من الخطبة وغيرها ] فلمّا بلغَ الخبر إلى القادر [ بالله ]°) العبّاسي ، كتب يعاتب قِرواش بن مُقلَّد على ما صنع ، ونفَّذ بهاء الدَّولة إلى عميد الجيوش بمئة ألف دينار لمحاربة قِرواش . فلمّا بلغ ذلك قرواشاً رجع عن رأيه وندم على ما كان منه ، وأمر بقطع الخطبة للحاكم من بلاده ، وأعادها إلى القادر العباسي على عادته . قال ابن الجوزي(٦) : ولخمس بقين من رجب ، زادت دِجْلة زيادةً كثيرةً ، واستمرت الزِّيادة إلى رمضان ، وبلغت أحداً وعشرين ذراعاً وثلثاً . ودخل الماء إلى أكثر دور بغداد . وفيها : رجع الوزير أبو غالب بن خَلَف إلى بغداد ، ولُقِّبَ فَخْرِ المُلْكِ بِعَميد الجيوش . (١) في نسخة برلين ( ب ) : ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلاثمئة ، وهذا خطأ واضح في هذه النسخة مستمر حتى سنة تسع وسبعين وأربعمئة حيث يتم التصحيح على أصل النسخة بعد شطب العنوان الخاطىء ، أما ما في كل سنة من الأحداث والوفيات ؛ فإنه موافق تماماً لنسخة الأحمدية والمطبوع سوى بعض الفروق التي أشرنا إليها في مواضعها . (٢) قرواش بن مقلّد بن المسيَّب العقيلي، صاحب الكوفة والموصل والمدائن توفي سنة ٤٤٢هـ، ترجمته في وفيات هذه السنة من هذا الجزء . (٣) المنتظم (٢٤٨/٧)، وأكثر اعتماد المصنف رحمه الله في هذا الجزء في الحوادث على المنتظم . (٤) في ط : تبعته أعمالها . (٥) ما بين معقوفتين زيادة من ط لإفادة المعنى ، وكذلك وضعنا كل زيادة مفيدة في هذا الجزء إلا ما أشرنا إليه في موضعه . (٦) المنتظم ( ٢٥٠/٧) . ٦ وفيات سنة ٤٠١هـ وفيها : عصا أبو الفتح، الحسنُ بن جعفر العلويّ، ودعا إلى نفسه، وتلقَّب بالراشد بالله(١). ولم يحجّ في هذه السنة أحد من أهل ركب العراق أيضاً [والخطبة للحاكم ] ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون . وممن توفي فيها من الأعيان : أبو مسعود الدمشقي (٢) إبراهيمُ بن محمّد بن عُبَيْد، الحافظ الكبير، مُصنّ كتاب ((الأطراف على الصحيحين )(٣) رحل إلى بلاد شتّى ، كبغداد ، والبصرة ، والكوفة ، وواسط ، والأهواز ، وأصفهان ، وخُراسان ، وكان من الحفّاظ الصادقين الأمناء [ الضابطين ] الفاهمين، ولم يروِ إلا اليسير. روى عنه أبو القاسم الطَبَرِيّ ، وأبو ذَرِّ الهَرَوِيّ، وحمزة السَّهْميّ وغيرهم . وكانت وفاته ببغدادَ في رجب (٤) . وأوصى إلى الشيخ أبي حَامِدِ الإسْفَرايينيّ، فصلّى عليه ، ودفن في مقبرة جامع المنصور ، قريباً من السكك ، رحمه الله ، وقد ترجمه ابنُ عساكر وأثنى عليه(٥). خَلَفُ بن محمّد بن عَلي بن حَمْدُونُ(٦) أبو مُحمد(٧) الوَاسِطَيّ ، رحل إلى البلاد وسمع الكثير ، ثمَّ عاد إلى بغداد، ثمّ رحل إلى الشام ومصر، وكتب الناس بانتخابه فصنّف (( أطرافاً على الصحيحين)). وكانت له معرفةٌ تامّة ، وحِفْظ جيّد ، ثمّ عاد إلى بغداد ، واشتغل بالتجارة ، وترك النظر في العلم ، حتى توفي في هذه السّنة(٨). وممن روى عنه الأزْهَرِيّ(٩) . (١) وذلك في مكة إذ كان واليها للحاكم العبيدي. (٢) تاريخ بغداد (١٧٢/٦)، المنتظم (٢٥٢/٧)، الكامل في التاريخ (٢٢٦/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٢٧) ، شذرات الذهب ( ١٥٨/٣) . (٣) كتاب الأطراف هذا : يذكر أحاديث كلِّ صحابي على حدة ، كما هو عند أصحاب المسانيد ، ولكنه يقتصر على ذكر طرف منه ، وهو بمثابة فهرس للأحاديث ، تسهّل على الباحث معرفة مكان وجود الحديث الذي يبحث عنه في الكتب والدواوين . (٤) ورجح الذهبي وفاته في سنة (٤٠٠ هـ) المتقدمة (تاريخ الإسلام ٨١٢/٨ - ٨١٣) (بشار). (٥) تهذيب تاريخ دمشق لابن منظور (٢٩٠/٢). (٦) تاريخ بغداد (٣٣٤/٨)، المنتظم (٧/ ٢٥٢)، الكامل في التاريخ (٢٢٦/٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٦٠). (٧) في السير : أبو علي . (٨) هذا صنيع ابن الجوزي في المنتظم ، أما الذهبي فلم يظفر له بتاريخ وفاة لذلك ترجمه فيمن توفي بعد الأربعمئة من تاريخ الإسلام (١٦٥/٩)، وصرح في السير بأنه لم يظفر له بتاريخ وفاة ( بشار) . (٩) هو أبو القاسم ، عبيد الله بن أحمد بن عثمان الأزهري البغدادي ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٣٥هـ من هذا الجزء . ٧ وفيات سنة ٤٠١ هـ عَمِيْدُ الجيوشِ [ الوزير ]١) الحُسين(٢) بنُ أبي جعفر أستاذ هُرْمُز، أبو علي، وزير بَهَاء الدّوْلةِ . ولد سنة خمسين وثلاثمئة ، وكان أبوه من حُجّاب عَضُدِ الدّوْلةِ ، وولاه بهاءُ الدّولة النظر في وزارته سنة ثنتين وتسعين . والشُّرورُ عامّة كثيرة [ منتشرة ] ، فمهّد البلاد ، وأخاف العيّارين ، واستقامت على يديه الأمور ، وأمر بعض غلمانه أن يحمل صينيّة فيها فضّةُ(٣) مكشوفةٌ من أول بغداد إلى آخرها ، [ وأن يدخل ] في [ جميع ] أزقَّتها . فإن اعترضه أحد فليدفعها إليه ، وليعرف ذلك المكان ، فذهب الغلام فلم يعترضه أحدٌ [ فحمد الله وأثنى عليه ]. ومنع الروافض مما كانوا يتعاطونه من النياحة في [ يوم ] عاشوراء ، وإقامة العِيد المبتدع [ وما يتعاطونه من الفرح ] في اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة ، الذي يقال له : عيد غَدِيْرِ خُمُ(٤) ، وكان عادلاً منصفاً . أبُو عُبَيْدِ الهَرَويّ(٥)، ((صاحب الغريبين)(٦) أحْمَد بنُ مُحمّد بن محمد بن أبي عبيد العَبْدي اللّغويّ البارع ، كان من علماء النّاس في الأدب واللغة. وكتابه ((الغريبين)) في معرفة غريب القرآن والحديث ، يدلّ على اطلاعه وتبحّره في هذا الشأن، وكان من تلامذة أبي منصور الأزْهَرِيّ(٧) . قال ابن خلِّكان(٨): وقيل: إنّه كان يحب البِذْلَهُ(٩) : ويتناول في الخلوة ، ويعاشر أهل الأدب (١) المنتظم (٢٥٢/٧)، الكامل في التاريخ (١٧٤/٩ - ٢٢٥)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣٠) ، النجوم الزاهرة (٢٢٨/٤)، شذرات الذهب (١٦٠/٣). وفي ط : وردت هذه الترجمة قبل سابقتها دون زيادة أو نقص يذكر. (٢) في ط: ((الحسن)) محرف، وما أثبتناه من مصادر ترجمته (بشار). (٣) في ط والسير : دراهم. غدير خم: واد بين مكة والمدينة ، وفيه قال رسول الله وَيهر في جمع من الصحابة: ((ألستم تعلمون أني أولى الناس (٤) بالمؤمنين من أنفسهم؟)). قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((من كنت مولاه فإن هذا مولاه ، اللهم والٍ من والاه، وعادٍ من عاداه)). هذا الحديث رواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٧٠) رقم (١٩٣٠٢) بسنده إلى فطر عن أبي الطفيل ، قال : جمع علي رضي الله عنه الناس في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد الله كلّ امرىء مسلم سمع رسول الله وَّل يقول يوم غدير خم .. وذكر الحديث وابن حبان رقم ( ٦٩٣١) من حديث علي ، وهو حديث صحيح . ورواه أحمد رقم (١٩٢٧٩) والترمذي رقم (٣٧١٣) من حديث زيد بن أرقم وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده (ع ) . (٥) وفيات الأعيان (٩٠/١)، طبقات السبكي (٨٤/٤)، سير أعلام النبلاء (١٤٦/١٧)، النجوم الزاهرة (٢٢٨/٤)، الوافي بالوفيات (١١٤/٨) شذرات الذهب (١٦١/٣). قال ابن خلّكان : والهروي ، بفتح الهاء والراء ، نسبة إلى هراة ، وهي إحدى مدن خراسان الكبار ، فتحها الأحنف بن قيس صلحاً من قِبل عبد الله بن عامر . (٦) كتاب الغريبين : جمع فيه مصنفه رحمه الله بين غريبي القرآن والحديث ورتبه على حروف المعجم ، وجمع ما في كتب من تقدَّمه ، فجاء جامعاً في الحسن . كشف الظنون ( ٢/ ١٢٠٦). (٧) محمد بن أحمد بن الأزهر ، عالم لغوي، توفي سنة ٣٧٠ هـ. وفيات الأعيان (٣٣٤/٤). (٨) وفيات الأعيان (٩٥/١). (٩) أي : ما يُمتهن من الثياب (ع ) . ٨ أحداث سنة ٤٠٢ هـ في مجالس أهل اللذَّة والطّرب ، سامحه الله تعالى . قال : وكانت وفاته في رجب . وذكر ابن خلّكان في هذه السنة أو التي قبلها ، وفاة أبي الفتح(١) البُسْتي الشاعر ، وهو : عليٌّ بن محمد بن الحسين بن يوسف بن محمد بن عبد العزيز الكاتب صاحب [ الطريقة الأنيقة ] والتجنيس [ الأنيس، البديع التأسيس، والحذاقة ] ، والنظم والنثر وقد أسلفنا ذكره(٢) . ومما أورد له ابن خلِّكان قوله : من أصلح فاسده ، أرغم حاسده . ومن أطاع غضبه ، أضاع أدبه . من سعادة جدِّك وقوفك عند حدِّك. المنيَّة تضحك من الأمنيّة . الرِّشوة رشاء الحاجات . حدّ العفاف، الرضى بالكَفَاف . ومن شعره : أنْسَاكَ كُلَّ كُمِيٍّ هَزَّ ذَابِلَهُ(٣) إِنْ هَزَّ أَقْلامَهُ يَوْماً لِيُعْمِلَهَا وإنْ أمَرَّ على رِقِّ أنامِلَهُ(٤) أَقَرَّ بالرِّقِّ كُتّابُ الأنَامِ لَهُ وله أيضاً ، سامحه الله تعالى ، وغفر له : بما تُحدِّثُ مِن مَاضٍ ومِنْ آتِ إذا تَحدَّثْتَ في قومٍ لِتُؤنِسَهُمْ مُوَكَّل بِمُعادَاةِ المُعَادَاتِ فَلا تعُد لحديْثٍ إِنّ طَبِعَهُمُ ثم دخلت سنة ثنتين وأربعمئة في المحرم [ منها ] : أذن فخرُ الملك الوزير للروافض في عمل البدعة الشنعاء ، والفضيحة الصَّلعاء(٥) من الانتحاب ، والنَّوح والبكاء ، وتعليق المسوح(٦)، وتغليق الأسواق من الصّباح إلى المساء ، ودوران النساء حاسرات عن وجوهنّ ورؤوسهنّ ، يلطمن خدودهن كفعل الجاهلية الجهلاء [ على الحسين بن علي] . فلا جزاه الله عن السنّة خيراً، [ وسوّد الله وجهه يوم الجزاء ، إنه سميع الدعاء ] . وفي ربيع الآخر : أمر القادر بالله بعمارة مسجد الكفّ بقطيعة الدّقيق ، وأن يُعاد إلى أحسن مما كان، ففُعِل ذلك، وزُخْرِف زَخرفةً عظيمة جدّاً. [ فإنّا لله وإنا إليه راجعون ]. (١) وفيات الأعيان (٣٧٦/٣)، تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي (٤٩)، سير أعلام النبلاء (١٧ / ١٤٧). (٢) مع وفيات سنة ٤٠٠ هـ . (٣) في الوفيات : عامله . في الوفيات : وإن أقرَّ على رقِّ أنامله . (٤) (٥) الصلعاء : الداهية الشديدة . (٦) المسوح : جمع مسح ، وهو الكساء من الشعر . ٩ الطعن في نسب الفاطميين ذكر الطَّعن في نسب الفاطميين ، من أئمة بغداد وغيرها من البلاد وفي ربيع الآخر من هذه السنة ، كُتبت ببغداد محاضر تتضمّن الطَّعن والقدح في نسب الخلفاء(١) وهم ملوك مصر ، يزعمون أنَّهم فاطميّون ، وليسوا ذلك . ونسبُهم إلى ديصان بن سعيد الخُرَّميُّ(٢) . وكتب في ذلك جماعة من العلماء ، والقضاة ، والفقهاء، والأشراف والأماثل والمحدّثين والمعدَّلين والصالحين . شهدوا جميعاً أن الناجم بمصر ، هو منصور بن نزار الملقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار ، والدّمار ، والخزي ، والنَّكال ، والاستئصال - ابن معدّ بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن سعيد - لا أسعده الله - فإنّه لمّا صار إلى بلاد المغرب تسمّى بعُبيد الله، وتلقَّب بالمهدي، [ وأنّ ] من تقدّم من سلفه أدعياء خوارج ، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، ولا يتعلّقون منه بسبب ، وأنّه منزّه عن باطلهم ، وأنّ الذي ادّعوه من الانتساب إليه باطل وزور ، وأنّهم لا يعلمون أن أحداً من أهل بيوتات الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج : إنهم أدعياء [ كذبة ] . وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعاً في الحرمين ، وفي أول أمرهم بالمغرب منتشراً انتشاراً يمنع من أن يدلّس على أحد كذبهم، أو يذهب وهمٌّ إلى تصديقهم [ فيما ادعوه] . وأن هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفّار، وفسّاق فجّار، ملحدون ، زنادقة، معطّلون، وللإسلام جاحدون ، ولمذهب الثنوية(٣) والمجوسيّة (٤) معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروج ، وأحلّوا الخمور ، وسفكوا الدماء ، وسبّوا الأنبياء ، ولعنوا السَّلف، وادَّعَوا الربوبية . وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمئة ، وقد كتب خطّه في المحضر خلق كثير . فمن العلويين : المرتضى(٥) والرضيّ(٦)، وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيّب ، ومحمد بن محمد بن (١) في ط : الفاطميين. (٢) في ط : عبيد بن سعد الجرمي. وما أثبت موافق لنص الوثيقة في المنتظم (٧/ ٢٥٥) ولم أقف على ترجمة لديصان هذا، إنما نسبته إلى الخُرّمية، وهم أصحاب التناسخ والإباحة. توضيح المشتبه (٣٣٦/٢). (٣) الثنوية : هم أصحاب الاثنين الأزليين ، يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوسية ؛ فإنهم قالوا بحدوث الظلام ، وذكروا سبب حدوثه . وهؤلاء - أي الثنوية - قالوا بتساويهما في القِدم ، واختلافهما في الجوهر والطبع والفعل والخير والمكان والأجناس والأبدان والأرواح. الملل والنحل (٢٤٤/١). (٤) المجوسية : يقال لها : الدين الأكبر ، والملة العظمى ، وقد أثبتوا أصلين اثنين ، مدبِّرين قديمين ، يقتسمان الخير والشر، والنفع والضرر، والصلاح والفساد، يسمون أحدهما: النور والآخر الظلمة. الملل والنحل (٢٣٠/١ - ٢٣٣) . (٥) المرتضى ، هو علي بن الحسين بن موسى ، الشريف الموسوي، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٣٦ . (٦) الرضي ، هو محمد : أخو الشريف المرتضى ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٠٦ . ١٠ الطعن في نسب الفاطميين عمر(١) ، وابن أبي يعلى . ومن القضاة: أبو محمد بن الأكفاني(٢)، وأبو القاسم الحريري(٣)، وأبو العباس بن الأبيوردي(٤). ومن الفقهاء : أبو حامد الإسفراييني(٥)، وأبو محمد(٦) بن الكَشْفَلي (٧)، وأبو الحسين القدوري(٨)، وأبو عبد الله الصيمري(٩)، وأبو عبد الله البيضاوي، وأبو عليّ بن حمكال١٠) . ومن الشهود: أبو القاسم التنوخي (١١) في خلق كثير، وقرىء بالبصرة، وكتب فيه خلق كثير(١٢) . هذه عبارة الشيخ أبي الفرج بن الجوزي(١٣). قلت : ومما يدلّ على أن هؤلاء أدعياء [ كذبة ] ، كما ذكر هؤلاء السادة العلماء ، والأئمة الفضلاء ، وأنهم لا نسبة لهم إلى عليّ [ بن أبي طالب ] ولا إلى فاطمة ، كما يزعمون . قول عبد الله بن عمر للحسين بن علي حين أراد الدخول إلى العراق ، عن كتب عوام أهل الكوفة إليه بالبيعة له ، فقال له ابن عمر : لا تذهب إليهم ، فإنِّي أخاف عليك أن تُقْتل، وإنَّ جدَّك قد خُيِّر بين الدنيا والآخرة ، فاختار الآخرة على الدنيا . وأنت بضعة منه، وأنت - والله - لا تنالها ، ولا أحد من أهل بيتك . فهذا الكلام الحسن الصحيح المتوجِّه المعقول ، من هذا الصحابيّ الجليل ، يقتضي أنَّه لا يلي الخلافة أحد من أهل البيت إلا محمّد بن عبد الله المهديّ ، الذي يكون في آخر الزمان ، في وقت نزول (١) محمد بن محمد بن عمر، أبو الحارث العلوي، توفي سنة ٤٠٣، ترجمته في المنتظم (٢٦٥/٧). (٢) ابن الأكفاني، عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو محمد الأسدي ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٠٥ . (٣) في المنتظم (٧/ ٢٥٦) : أبو القاسم الخرزي . (٤) تحرف في المنتظم إلى السوري ، في الأصل إلى : السيوري . وأبو العباس الأبيوردي هو أحمد بن محمد بن عبد الرحمن ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٢٥ . (٥) أحمد بن محمد بن أحمد ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٠٦ . (٦) هكذا كنّاه ابن الجوزي في هذا الموضع من المنتظم (٢٥٦/٧) ومنه نقل الذهبي في تاريخ الإسلام (١١/٩) وابن كثير هنا . وستأتي ترجمته في وفيات سنة (٤١٤) من هذا الكتاب وسيكنيه هناك ((أبا عبد الله)) وهو الصواب الذي قاله الخطيب في تاريخه (٦٧٨/٨ بتحقيقنا)، وابن الجوزي نفسه في المنتظم (١٣/٨) (بشار). (٧) في ط: ((الكسفلي)) بالسين المهملة. وهو تصحيف صوابه بالمعجمة، وهو منسوب إلى ((كشفل)) من قرى آمل طبرستان على ما قرره أبو سعد السمعاني في ((الأنساب)) وتابعه ابن الأثير في ((اللباب)) ( بشار) . (٨) أحمد بن محمد بن أحمد ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٢٨. (٩) الحسين بن علي بن محمد ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٣٦ . (١٠) الحسن بن الحسين بن حمكان ، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٠٥ . (١١) علي بن المحسِّن بن علي، سترد ترجمته مع وفيات سنة ٤٤٧ . (١٢) وقد أعيدت كتابة هذه الوثيقة سنة ٤٤٤ لتأكيد الطعن في نسب الفاطميين. (١٣) المنتظم (٢٥٥/٧). ١١ وفيات سنة ٤٠٢ هـ عيسى ابن مريم من السماء إلى الأرض [ رغبة بهم عن الدنيا وأن لا يدنّسوا بها ] - كما سيأتي بيان ذلك مفصّلاً في أحاديث الملاحم ، ومعلوم أنّ هؤلاء قد ملكوا ديار مصر مدّة طويلة ، فدلّ ذلك دلالة قوية ظاهرة أنّهم ليسوا من أهل بيت النبوة . كما نصّ عليه سادة القضاة والشهود والفقهاء والكبراء وقد صنّف القاضي الباقلاني كتاباً في الردّ على هؤلاء القوم المنتسبين إلى الفاطميين وسمّاه (( كشف الأسرار، وهتك الأستار)) نثر فيه فضائحهم وقبائحهم ، ووضّح أمرهم لكلّ أحدٍ يفهم شيئاً من مطاوي أفعالهم وأقوالهم . وقد كان يقول في عبارته : هؤلاء قوم يظهرون الرفض ويبطنون الكفر المحض . وفي رجب ، وشعبان ، ورمضان أخرج الوزير فخر الملك صدقات كثيرة على الفقراء والمساكين والمقيمين بالمشاهد والمقابر [ والمساجد] ، وزار بنفسه المساجد والمشاهد ، وغير ذلك ، وأخرج خلقاً من المسجونين بالحبوس ، وأظهر نسكاً كبيراً ، وعَمر داراً عظيمة عند سوق الدقيق هائلة . وفي شوال عصفت ريح شديدة سوداء فقَصفت شيئاً كثيراً من النخيل ، أكثر من عشرة آلاف [ نخلة ]. وورد كتاب من يمين الدولة أبي القاسم محمود بن سُبُكْتُكين صاحب غزنة ، أيّده الله تعالى : بأنّه ركب بجيشه إلى دار العدوّ ، فاجتاز بهم في مفازة ، فأعوزهم فيها الماء ، حتى كادوا أن يهلكوا [ عن آخرهم ] عطشاً ، فبعث الله لهم سحابةً ، فأمطرت عليهم حتى شربوا ورَووا ، ثمّ توافقوا هم وعدؤُهم ، ومع الأعداء نحو من ستمئة فيل ، فهزموهم وغنموا منهم شيئاً كثيراً من الأموال . وفيها عملت الشيعة [ بدعتهم التي كانوا يعملونها ] يوم غدير خُمٍّ، وهو [ اليوم ] الثامن عشر من ذي الحجّة ، البدعة التي ابتدعوها ، لا لابتغاء وجه الله . وزيّنت الحوانيت ، وتمكّنوا بسبب الوزير ، وكثير من الأتراك تمكّناً كثيراً . وممن توفي فيها من الأعيان : الحسن بن الحسين بن علي بن العبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل نُوْبَخْت(١) أبو محمد النُّوْبَخْتي ، الكاتب . ولد سنة عشرين وثلاثمئة ، وروى عن المحاملي وغيره . وعنه البرقاني . وقال : كان شيعياً معتزلياً ، إلا أنه تبيَّن لي أنّه كان صدوقاً . [ ورَوَى عنه ] الأزهري وقال : كان رافضيّاً رديء المذهب . وقال العتيقيّ : كان ثقة في الحديث ، ويذهب إلى الاعتزال . عُثمان بن عيسى(٢) أبو عمرو البَاقِلاني أحد الزّهاد الكبار المشهورين ، كانت له نخَلات يأكل منهن ، (١) المنتظم (٢٥٨/٧) وتاريخ الإسلام (٤٢/٩). (٢) تاريخ مدينة السلام ٢٠٧/١٣ - ٢٠٨، والمنتظم (٢٥٨/٧)، تاريخ الإسلام (٤٥/٩). ١٢ أحداث سنة ٤٠٣ هـ ويعمل بيده في البواري ، ويأكل من ذلك ، وكان في غاية الزهادة والعبادة الكثيرة ، وكان لا يخرج من مسجده إلا من الجمعة إلى الجمعة ، يصلّي في الجامع ثمّ يعود إلى مسجده وكان مسجده لا يحصل له شيء يشعله فيه ، فطلب منه بعض الأمراء أن يقبل منه شيئاً ولو زيتاً يشعله في قناديله ، فأبى الشيخ ذلك ، ولمّا مات رأى بعضهم بعض الأموات من جيران قبره ، فسأله عن جواره ، فقال : وأين هو ، لما [ مات و] وضع في قبره سمعنا قائلاً يقول : إلى الفردوس الأعلى، [ إلى الفردوس الأعلى ] ، أو كما قال. وكانت وفاته في رجب من هذه السنة عن نيف (١) وثمانين سنة . محمد بن جعفر بن محمد بن هارون بن فَروة بن ناجية ٢) : أبو الحسن النَّحوي ، المعروف بابن النَّجار ، التميمي الكوفي ، قدم بغداد ، وروى عن ابن دريد والصولي ونِفْطَويه وغيرهم . وكانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة عن تسع وتسعين(٣) سنة . أبو الطيب(٤) سهل بن محمد الصُّعْلوكي التَّيْسابوري ، قال أبو يعلى الخليلي : توفي في هذه السنة ، وقد قدّمناه في سنة سبع وثمانين وثلاثمئة(٥) . ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمئة في سادس عشر المحرم قُلَّدَ الشريف الرضي أبو الحسن الموسوي ، نقابة الطالبيين في سائر الممالك ، وقُرىءَ تقليده في دار الوزير فخر المُلْك بمحضر القضاة والأعيان ، وخلع عليه السواد ، وهو أول طالبيّ خُلِع عليه السواد . وفيها : جيء بأمير بني خفاجة أبي فُلیته(٦) ، قبحه الله ، وجماعة من رؤوس قومه أسارى ، وكانوا قد اعترضوا الحجيج في السنة الماضية ، وهم راجعون ، وغوروا المناهل التي يردها الحجاج ، ووضعوا (١) في ( ط ) : ست. (٢) تاريخ بغداد (١٥٨/٢)، المنتظم (٧/ ٢٦٠)، معرفة القراء الكبار (٢٩٥/١)، سير أعلام النبلاء (١٠٠/١٧)، الوافي بالوفيات (٣٠٥/٢)، شذرات الذهب (١٦٤/٣). (٣) في ( ط ) : سبع وسبعين . وما أثبت موافق لما في السير، إذ قال : وعاش مئة عام. (٤) وفيات الأعيان (٤٣٥/٢)، طبقات السبكي (٣٩٣/٤)، طبقات الإسنوي (١٢٦/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٠٧/١٧)، شذرات الذهب ( ١٧٢/٣). قال ابن خلِّكان : والصعلوكي : بضم الصاد المهملة ، وسكون العين المهملة ، وضم اللام ، وسكون الواو ، وفي آخرها كاف ، هذه النسبة إلى صعلوك ، هكذا ذكره السمعاني وما زاد عليه . (٥) الصواب أن وفاته كانت في سنة ٤٠٤ هـ كما تقدم في التعليق على ترجمته في سنة ( ٣٨٧)، وفي سنة (٤٠٤ هـ) ترجمة الذهبي في تاريخ الإسلام (٧٥/٩) ( بشار) . (٦) في (ط): قلنبه. وما أثبت موافق لما في المنتظم (٧/ ٢٦١)، والعبر (٨٢/٣). ١٣ أحداث سنة ٤٠٣ هـ فيها الحنظل بحيث إنه مات [ من الحجاج ] من العطش نحو من خمسة عشر ألفاً ، وأخذوا بقيتهم فجعلوهم رعاة لمواشيهم في أسوإ حال ، وأخذوا جميع ما كان معهم من الأحمال والأجمال . فحين أحضرهم الوزير فخر الملك سجنهم ومنعهم الماء ، ثمّ صلبهم تِلقاء دجلة ، يرون صفاء الماء ، ولا يقدرون على شيء منه حتى ماتوا عطشاً جزاءً وِفاقاً ، ولقد أحسن فخر الملك في هذا الصنيع ، واقتدى بحديث أنسٍ في الرُّعاة الذين كانوا في زمن النبي وَّر، والحديث في ((الصحيحين)(١) ثمّ بعث إلى أولئك الذين اعتُقِلوا في [ بلاد ] بني خفاجة من الحجاج فجيء بهم ، وقد تزوجت نساؤهم ، وقسّمت أموالهم ، فردّوا إلى أهاليهم وأموالهم . قال ابن الجوزي (٢) : وفي رمضان انقضّ كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوؤه على ضوء القمر ، وتقطّع قطعاً وبقي ساعة طويلة . قال : وفي شوال توفيت زوجة بعض رؤساء النصارى (٣) ، فخرجت النوائح والصلب معها جَهْرَةً ، فأنكر ذلك بعض الهاشميين ، فضربه بعض غلمان [ ذلك الرئيس النصراني ] بدبوس في رأسه فشجَّه، فثار المسلمون بهم فانهزموا ولجؤوا إلى كنيسة لهم هنالك ، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها ، وما قرب منها من دور النصارى ، وتتبّعوا النصارى في البلد ، وقصدوا دار الناصح وابن أبي إسرائيل فقاتلهم غلمانهم ، وانتشرت الفتنة ببغداد ، ورفع المسلمون المصاحف في الأسواق وعطلت الجمعة في بعض الأيام ، واستعانوا بالخليفة ، فأمر بإحضار ابن أبي إسرائيل فامتنع ، فعزم الخليفة على الخروج من بغداد ، وقویت الفتنة جداً ، ونهبت دور کثیر من النصارى ، ثمّ أحضر ابن أبي إسرائيل ، وبذل أموالًا جزيلة ، فعفا عنه ، وسكنت الفتنة . وفي ذي القعدة : ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين إلى الخليفة ، يذكر أنّه ورد إليه رسول من الحاكم صاحب مصر [ ومعه كتاب ] ، يدعوه إلى طاعته ، فبصق فيه ، وأمر بتخريقه ، وأسمع رسوله أغلظ ما يقال . وفيها : قُلِّد أبو نصر بن مروان الكردي إمرة آمد(٤) وميّافارقين(٥)، وديار بكر(٦) ، وخُلع عليه بطوق وسواران ، ولُقب نصير الدولة . (١) حديث أنس في الرعاة الذين سمَل رسول الله وَّل أعينهم. رواه البخاري (٦٨٠٢) في الحدود، ومسلم ( ١٦٧١) في القسامة . (٢) المنتظم ( ٢٦١/٧). في المنتظم (٢٦٢/٧) : أن المتوفاة بنت أبي نوح الأحوازي الطبيب زوجة أبي نصر بن إسرائيل كاتب الناصح ، (٣) أبي الهيجا . (٤) آمد: بلد قديم حصين تحيط دجلة بأكثره مستديرة كالهلال. معجم البلدان ( ١/ ٥٦). (٥) ميّافارقين: أشهر مدينة بديار بكر. معجم البلدان (٢٣٥/٥). (٦) دياربكر: هي بلاد كبير واسعة ، حدّها ما غرّب من دجلة إلى بلاد الجبل المطل على نصيبين. معجم البلدان (٤٩٤/٢). ١٤ وفيات سنة ٤٠٣ هـ ولم يتمكن ركب العراق وخراسان في هذه السنة من الحجّ [ لفساد الطريق وغيبة فخر الملك في إصلاح الأراضي ] . وفي هذه السنة عادت مملكة الأمويين بالأندلس ، فتولى فيها سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي ، ولُقِّبَ بالمستعين بالله، وبايعه الناس بقرطبة (١) . وفيها : مات بهاءُ الدولة أبو نصر فيروز بن عضد الدولة بن بويه الديلمي [ صاحب بغداد وغيرها وقام بالأمر من بعده ولده ] سلطان الدولة أبو شجاع(٢) . وفيها : مات ملك الترك الأعظم إيلك خال (٣) فتولى أمرهم من بعده أخوه طغان خان . وفيها : هلك شمس المعالي قابوس بن وشمكير(٤) ؛ أُدْخل بيتاً بارداً في الشتاء وليس عليه شيء من اللباس ، حتى مات كذلك ، وولي الأمر من بعده ، ولده منوجهر ، ولُّقِّب فلك المعالي ، وخطب لمحمود بن سُبُكْتِكِين ، وقد كان شمس المعالي قابوس عالماً فاضلاً أديباً شاعراً ، فمن شعره قوله : قَلْ للّذي بصرُوفِ الدَّهْرِ عَيَّرَنا هلْ عانَدَ الدّهْرَ إلا مَنْ لَهُ خَطَرُ وَيَسْتَقِرُّ بِأقْصَى قَعْرِهِ الدُّرَرُ أَمَا تَرَى البَحْرِ تَطْفُو فَوَقَهُ جِيفٌ ومَسَّنَا مِنْ توالي صَرْفها ضَرَرُ فَإِنْ تَكُنْ نَشِبَتْ أنْدِي الخُطُوبِ بِنا فَلَيْسَ يُكْسَفُ إلا الشّمسُ والقَمَرُ فَفِي السّماءِ نُجومٌ غَيْرُ ذِي عَدَدٍ ومِنْ شِعره المستجاد الحسن قولُه : فَأُحِسُ فيها في الفُؤَادِ دَبِئْبًا خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَبِينَ موَدّتي فَكَأنَّ أعْضَائي خُلِقْنَ قُلوبَا لا عُضْوَ لي إلا وَفِيْهِ صَبَابَةٌ وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد(٥) بن علي : أبو الحسن البَتّي(٦) ، كان يكتب للقادر وهو بالبطيحة ، ثمّ كتب له على ديوان (١) الكامل في التاريخ (٩/ ٢٤١ - ٢٤٢). (٢) المصدر نفسه (٩/ ٢٤١). (٣) المصدر نفسه (٩/ ٢٤٠). قابوس بن وشمكير بن زياد بن وردان شاه. الكامل في التاريخ (٢٣٨/٩)، وفيات الأعيان (٤٢٥/١). (٤) تاريخ بغداد (٣٢٠/٤)، المنتظم (٢٦٣/٧)، معجم الأدباء ( ٢٥٤/٣)، الوافي بالوفيات (٢٣١/٧) . وقد (٥) ذكر الخطيب ومن تابعه أنه توفي سنة خمس وأربعمئة . (٦) في ( ط ) : الليثي، خطأ، والصحيح ما أثبت بالباء الموحدة وفي آخرها التاء المنقوطة باثنتين من فوقها، نسبة إلى البت : موضع بنواحي البصرة . الأنساب ( ٢/ ٧٧). ١٥ وفيات سنة ٤٠٣ هـ الخبر(١) والبريد، وكان يحفظ القرآن [ حفظاً ] حسناً، مليح الصوت والتلاوة ، حسن المجالسة ، ظريف النادرة والمجالسة ، [ ظريف المعاني ، كثير الضحك والمجانة ] ، خرج في بعض الأيام ، والشريفان الرضي والمرتضى ، وجماعة من رؤوس الأكابر لتلقِّي بعض الملوك ، فخرج عليهم بعض اللصوص فجعلوا يرمونهم بالحرّاقات ويقولون: يا أزواج القِحَاب . فقال البتّ : ما خرج هؤلاء علينا إلا بعين ، فقالوا : ومن أين علمت هذا؟ فقال : وإلا من أين علموا أننا أزواج قحاب . الحسنُ بن حامد بن علي بن مروانٌ(٢) : أبو عبد الله الورّاق الحنبليّ . كان مدرّس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه، وله المصنَّفات المشهورة منها: (( كتاب الجامع في اختلاف العلماء )) في أربعمئة جزء. وله: ((أصول الفقه والدين))، وعليه اشتغل القاضي أبو يعلى بن الفرّاء، وكان معظّماً في النفوس ، مقرّباً عند السلطان ، ولا يأكل إلا من كسب يده من النسخ ، وروى الحديث عن أبي بكر الشافعي ، وابن مالك القطيعي وغيرهما ، خرج في هذه السنة إلى الحجّ ، فلمّا عطش الناس في الطريق استند هو إلى حجر هنالك في الحرّ الشديد ، فجاءه رجل بقليل من ماء ، فقال له ابن حامد : من أين لك هذا؟ فقال : ما هذا وقته ، اشرب . فقال : بلى هذا وقته عند لقاء الله تعالى ، فلم يشرب ومات من فوره [ رحمه الله ] . الحسين بن الحسن بن محمد بن حَلِيمٌ(٣): أبو عبد الله الحَلِيْمي، صاحب (( المنهاج في أصول الديانة))، وكان أحد مشايخ الشافعية ، ولد بجرجان ، وحُمل إلى بخارى ، وسمع الحديث الكثير حتى انتهت إليه رياسة المحدثين في عصره . وولي القضاء ببخارى . قال ابن خلِّكان(٤) : انتهت إليه الرياسة إلى ما وراء النهر ، وله وجوه حسنة في المذهب ، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ، رحمه الله تعالی . فَيْرورُ(٥) : أبو نصر، الملقب بهاءُ الدولة بن عضُد الدولة الدئْلَميّ ، صاحب بغداد والعراق ، وهو الذي قبض على الطائع ، وولَّى القادر ، وكان يُحبّ المصادرات ، فجمع من الأموال ما لم يجمعه أحد (١) في ( ط) : الخراج. تاريخ بغداد (٣٠٣/٧)، المنتظم (٢٦٣/٧)، الكامل في التاريخ (٨٣/٩)، طبقات الحنابلة (١٧١/٢)، (٢) سير أعلام النبلاء (٢٠٣/١٧)، الوافي بالوفيات (٤١٥/١١)، النجوم الزاهرة (٢٣٢/٤)، شذرات الذهب ( ١٦٦/٣) . (٣) المنتظم (٢٦٤/٧)، وفيات الأعيان (١٣٧/٢)، طبقات السبكي (٣٣٣/٤)، طبقات الإسنوي (٤٠٤/١)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢٣١)، الوافي بالوفيات (٣٥١/١٢)، شذرات الذهب (١٦٧/٣). (٤) وفيات الأعيان (١٣٧/٢ - ١٣٨). (٥) المنتظم (٢٦٤/٧)، الكامل في التاريخ (٩/ ٢٤١) . ١٦ وفيات سنة ٤٠٣ هـ ممن كان قبله من بني بُوَيْه ، وكان بخيلاً جدّاً، توفي بأَّجال(١) في جمادى الآخرة من هذه السنة عن ثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر وعشرين يوماً . وكانت مدة ملكه أربعاً وعشرين سنة وثلاثة أشهر ، وكان مرضه الصرع ، ودفن بمشهد علي إلى جانب أبيه . قَابوسُ بن وَشْمَكِير(٢) : كان أهل دولته قد تغيروا عليه ، فبايعوا ولده منوجهر فقتلوا أباه كما ذكرنا في الحوادث ، وكان قد نظر في النجوم فرأى أنّ ولده يقتله ، فكان يتوهم أنّه ولده دَارًا لما يرى من مخالفته له ، ولا يخطر بباله منوجهر لما يرى من طاعته له ، فكان هلاكه على يديه ، وقد قدمنا شيئاً من شعره الحسن الجيد في الحوادث . القاضي أبو بكر الباقلاني(٣) محمد بن الطيّب، رأس المتكلّمين على مذهب الشيخ(٤) أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، ومن أكثر الناس كلاماً وتصنيفاً في الكلام ، يقال : إنّه كان لا ينام كلّ ليلة حتى يكتب عشرين ورقة في مدة طويلة من عمره ، فانتشرت عنه تصانيف كثيرة ، من جيدها كتاب ((التبصرة)) و((دقائق الحقائق)) و((التمهيد في أصول الفقه)) و((شرح الإبانة)) وغير ذلك. من المجاميع الكبار والصغار ، ومن أحسن تصانيفه، كتابه في الردّ على الباطنية الذي سمّاه ((كشف الأسرار وهتك الأستار)) . وقد اختلفوا في مذهبه في الفروع ، فقيل : شافعيّ ، وقيل : مالكيّ . حكى ذلك عنه أبو ذرّ الهرويّ ، وقد قيل : إنّه كان يكتب على الفتاوى : كتبه محمد بن الطيب الحنبلي ، وهذا غريب جداً . وقد كان في غاية الذكاء والفطنة . ذكر الخطيب البغدادي(٥) وغيره ، أنّ عضد الدولة بعثه في رسالة إلى ملك الروم ، فلما انتهى إليه إذا هو لا يدخل [ عليه أحد إلا ] من باب قصير ؛ ففهم [ الباقلاني ] أن مراده بذلك أن ينحني [ الداخل عليه ] (١) أرجان: مدينة كبيرة كثيرة الخير ، بها نخيل كثير وزيتون وفواكه ، وهي برية سهلية جبلية ، بينها وبين شيراز ستون فرسخاً ، وبينها وبين سوق الأهواز ستون فرسخاً . المنتظم (٢٦٤/٧)، الكامل في التاريخ (٢٣٨/٩)، وفيات الأعيان (٧٩/٤). (٢) تاريخ بغداد (٣٧٩/٥)، المنتظم (٢٦٥/٧)، وفيات الأعيان (٢٦٩/٤)، سير أعلام النبلاء (١٧ /١٩٠)، (٣) الوافي بالوفيات (١٧٧/٣)، النجوم الزاهرة (٢٣٤/٤)، شذرات الذهب (١٦٨/٣). قال ابن خلَّكان : الباقلاني : نسبة إلى الباقلى وبيعه ، وفيه لغتان : من شدد اللام قصر الألف ، ومن خففها مد الألف فقال : باقلاء ، وهذه النسبة شاذة لأجل زيادة النون فيها ، وهو نظير قولهم في النسبة إلى صنعاء : صنعاني ، وإلى بهراء : بهراني . (٤) في ط: ((على مذهب الشافعي)) ولا يصح، لأنَّ الباقلاني كان مالكي المذهب أشعري العقيدة على الصحيح ( بشار ) . (٥) تاريخ بغداد (٣٧٩/٥). ١٧ وفيات سنة ٤٠٣ هـ كهيئة الراكع للملك (١) ؛ فدخل البابَ بظهره وجعل يمشي القهقرى إلى نحو الملك ، [ فلما وصل إليه ] انفتل فسلَّم عليه ، فعرف الملك [ ذكاءه و] مكانه من العلم والفهم فعظّمه ، ويذكر أن الملك أحضر بين يديه آلة الطرب المسماة بالأرغل (٢) ليستفزّ عقله [ بها ]؛ فلما سمعها القاضي [ الباقلاني ] خاف أن يظهر منه حركة ناقصة بحضرة الملك فجعل لا يألوا جُهْداً أن جرح رجله حتى خرج منها دمٌ كثير ، فاشتغل بالألم عن الطرب ، ولم يظهر عليه شيء من النقص والخفّة ، فعجب الملك من كمال عقله ، ثمّ [ إن الملك ] استكشف عن أمره ، فإذا هو قد جرح نفسه بما أشغله عن الطرب ، فتحقق [ الملك ] وُفورَ علمه(٣)، وعُلوَّ فهمه(٤) ، [ فإن هذه الآلة لا يسمعها أحد إلا طرب شاء أم أبى ] ، وقد سأله بعض الأساقفة بحضرة ملكهم فقال : ما فعلت زوجة نبيكم ، وما كان من أمرها فيما رميت به من الإفك ، فقال [ الباقلاني ] مجيباً له على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء: مريم وعائشة ، فبرأهما الله تعالى ، وكانت هذه٥) ذات زوج ولم تأت بولد ، وأتت تلك (٦) بولد ولم يكن لها زوج. يعني أن عائشة أولى بالبراءة من مريم عليهما السلام . [ وكلاهما بريئة مما قيل فيها ] . فإن تطرّق في الذهن الفاسد احتمال [ ريبة ] إلى هذه ، فهو إلى تلك أسرع، وهما [ بحمد الله منزَّهتان ] مبرأتان من السماء بوحي الله عز وجل رضي الله عنهما . وقد سمع الباقلاني الحديث من أبي بكر بن مالك القَطيعي ، وأبي محمد بن ماسي وغيرهما . وقد قبّله الدار قطني يوماً بين عينيه ، وقال : هذا يردُّ على أهل الأهواء باطلهم ، ودعا له . وكانت وفاة الباقلاني يوم السبت لسبع(٧) بقين من ذي القعدة ودفن بداره ، ثمّ نقل إلى مقبرة باب حرب . محمد (٨) بن موسى بن محمد أبو بكر الخُوارزميّ ، شيخ الحنفية وفقيههم . وقد أخذ العلم عن أبي بكر أحمد بن علي الرازي ، وانتهت إليه رئاسة الحنفية ببغداد ، وكان معظّماً عند الملوك ، ومن (١) في ( ط ) : لله عز وجل. الأرغل : آلة موسيقية نفخية ، بها منافيخ جلدية ، وأنابيب لتنغيم الصوت وهي يونانية . (٢) (٣) في ( ط ) : همته . (٤) في ( ط ) : عزيمته . (٥) في ( ط ) : عائشة : (٦) في ( ط ) : مريم . في بعض النسخ: ((لتسع)) وهو خطأ ، وما أثبتناه موافق لما في مصادر ترجمته ومنها تاريخ الخطيب وخط الذهبي (٧) في تاريخ الإسلام (٦٥/٩) (بشار). تاريخ بغداد (٢٤٧/٣)، المنتظم (٢٦٦/٧)، سير أعلام النبلاء (٢٣٥/١٧)، النجوم الزاهرة (٢٣٤/٤)، (٨) الوافي بالوفيات (٩٣/٥)، شذرات الذهب (١٧٠/٣). ١٨ وفيات سنة ٤٠٣ هـ تلاميذه الرضيّ ، والصَّيْمَري ، وقد سمع الحديث من أبي بكر الشافعي وغيره ، وكان ثقة ديّناً [ حسن الصلاة ] على طريقة السّلف . يقول [ في الاعتقاد ] : دِينُنا دين العجائز لسنا من الكلام في شيء. وكان فصيحاً حسن التدريس ، دُعي إلى ولاية القضاء غير مرّة فلم يقبل ، كانت وفاته ليلة الجمعة الثامن عشر من جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعمئة ، ودفن بداره من درب عبدة . الحافظ أبو الحسن(١): عليّ بن محمد بن خَلَف المعافري القابِيّ، مصنف ((الملخّص)(٢) أصله قَزْويني ، وإنما غلب عليه القابسيّ لأن عمّه كان يتعمم قابسية ، فقيل لهم ذلك (٣) وقد كان حافظاً بارعاً في علم الحديث ، رجلاً صالحاً جليل القدر . ولمّا توفي في ربيع الآخر من هذه السّنة، عكف الناس على قبره ليالي يقرؤون [ القرآن]، ويدعون له . وجاء الشعراء من كلّ أوب يرثون ، ويترحّمون ، ولما أجلس للمناظرة أنشد لغيره : لِعَمْرُ أَبِيْكَ مَا نَسَب العُلا إلى كَرَم وَفِي الدّنْيَا كَرِيْمُ وَلَكِنَّ الِبِلادَ إذَا اقشعرَّتْ وَصَوَّحَ نَّبْتُها رُعِيَ الهَشِيمُ ثمّ بكى وأبكى وجعل يقول : أنا الهشيم ، أنا الهشيم ، رحمه الله تعالى . الحافظ [ ابن الفرضي ]٤): أبو الوليد ، عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأَزْديّ الفَرضي ، قاضي بَلَنْسِيةُ(٥)، سمع الكثير، وجمع وحصّل، وصنف التاريخ، وفي (( المؤتلف والمختلف)) و((مشتبه النسبة)) وغير ذلك، وكان علامة زمانه قُتِل شهيداً على يدي البربر، فَسُمِعَ وهو جريح طريح (١) وفيات الأعيان (٣٢٠/٣)، سير أعلام النبلاء (١٥٨/١٧)، النجوم الزاهرة (٢٣٣/٤)، شذرات الذهب (١٦٨/٣). (٢) في الأصل : التلخيص ، وما أثبت من مصادر الترجمة، وقال ابن خلِّكان في كتاب الملخّص: جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك بن أنس رضي الله عنه في كتاب الموطأ رواية أبي عبد الله ، عبد الرحمن بن القاسم المصري ، وهو على صغر حجمه جيد في بابه . وقال أبو عمرو الداني : كان شيخنا أبو الحسن القابسي يقرأ الملخّص بكسر الخاء يجعله فاعلاً ، يريد أنه يلخص المتصل من حديث مالك بن أنس رحمه الله تعالى . وفيات الأعيان ( ٣٢٠/٣). (٣) كلام المصنف هذا يخالف ما ذكره ابن خلكان وغيره من أصل المترجم من قابس ، وهي مدينة بإفريقية بالقرب من المهدية ، وإليها نسبته . (٤) جذوة المقتبس (٢٥٤)، وفيات الأعيان (١٠٥/٣)، سير أعلام النبلاء (١٧٧/١٧)، نفح الطيب (١٢٩/٢)، شذرات الذهب (١٦٨/٣). (٥) بلنسية : كورة ومدينة مشهورة بالأندلس ، وهي شرقي قرطبة ، وهي برية بحرية ذات أشجار وأنهار . معجم البلدان (٤٩٠/١ ) . ١٩ أحداث سنة ٤٠٤ هـ يقرأ على نفسه الحديث في الصحيح: (( مَا يُكْلَمُ أحَدٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيْلِهِ . إلا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لونُ الدِّمِ وَالرِّيحُ ريحُ المِسْكِ(١). وقد كان سأل الله تعالى عند أستار الكعبة الشهادة فأعطاه الله ذلك . ومن شعره قوله : عَلَى وَجَلٍ مِمَّا بِه أنْتَ عَارِفُ أسِيْرُ الخَطَايَا عِنْدَ بَابِكَ وَاقِفٌ وَيَرْجُوكَ فِيْهَا فَهِوَ رَاجٍ وخَائِفُ يَخافُ ذُنُوباً لم يَغِبْ عَنْكَ غَيْبُها وَمَا لَكَ فِي فَضْلِ القَضَاءِ مُخَالِفُ ومَنْ ذَا الذي يُرجَى سِوَاكَ وَيُتَّقَى إذا نُشِرَتْ يومَ الحِسَابِ الصّحَائِفُ فَيَا سَيِّدِي لا تُخْزِنِي فِي صَحِيْفَتِي يَصُدّ ذوو القُرْبَى وَيَجْفُو المُؤَالِفُ وَكُنْ مُؤْنِسِي فِي ظُلْمَةِ القَبْرِ عِنْدَما لَئِنْ ضَاقَ عنّي عَفْوُكَ الوَاسِعُ الذي أُرَجِّي لإسْرَافِي فإِنِّي تَالِفُ ثم دخلت سنة أربع وأربعمئة في يوم الخميس غرّة ربيع الأول منها ، جلس الخليفة القادر بالله في أُبَّهة الخلافة وأُحضر إلى بين يديه سلطان الدولة ابن بهاء الدولة ، والحجبة بين يديه ، فخلع عليه سبع خلع على العادة [ وعمّمه ] بعمامة سوداء ، و[قلّد ] سيفاً وتاجاً مرصّعاً، وسواراً وطوقاً ، ولواءين عقدهما الخليفة بيده ، ثمّ أعطاه سيفاً ، وقال لخادم : قلّده به فهو شرف له ولعقبه يفتح به شرق الأرض وغربها ، وكان ذلك يوماً مشهوداً بمحضر من القضاة والأمراء ، والوزراء ، والأماثل ، والأعيان ، والكبراء بدار الخلافة . وفيها : غزا محمود بن سُبُكْتِكِين بلاد الهند ففتح وقتل ، وسبى ، وغنم ، وسَلِمَ . وكتب إلى الخليفة القادر بالله أن يوليه ما بيده من مملكة خراسان وغيرها من البلاد ، فأجابه إلى ذلك . وفيها : عائت بنو خفاجة ببلاد الكوفة ، فبرز إليهم نائبها أبو الحسن بن مَزْيَد(٢) فواقعهم ، فقتل منهم خلقاً ، وأسر محمد بن ثمال(٣) ، وجماعة من رؤوسهم ، وانهزم الباقون ، فأرسل الله عليهم ريحاً حارّة ، فأهلكت منهم خمسمئة إنسان ، وحجّ بالناس في هذه السنة ، أبو الحسن محمد بن الحسن الأقساسي . (١) الحديث، رواه البخاري (٢٢/٤) ومسلم (١٠٣) في الإمارة. وغيرهما من حديث الأعرج عن أبي هريرة. (٢) في الأصل: يزيد، خطأ، والتصحيح من الكامل في التاريخ (٢٤٥/٩). (٣) في الأصل : يمان ، خطأ . ٢٠ وفيات سنة ٤٠٤ هـ ـ أحداث سنة ٤٠٥ هـ وممن توفي فيها من الأعيان : الحسين بن أحمد بن جعفر بن عبد الله(١): المعروف بابن البغدادي ، سمع الحديث ، وكان زاهداً عابداً كثير المجاهدة لا ينام إلا عن غَلَبَةٍ ، وكان لا يدخل الحمّام ، ولا يغسل ثيابه إلا بالماء وحده ، رحمه الله . الحسين بن عثمان بن علي(٢) أبو عبد الله، المقرىء الضرير المُجَاهِدِي ، قرأ على ابن مجاهد القرآن وهو صغير ، وكان آخر من بقي من أصحابه ، كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة وقد جاوز المئة ، ودفن في مقابر الرزازين(٣). علي بن سعيد الإضطَخْريّ(٤) أحد شيوخ المعتزلة، صنف للقادر بالله (( الردّ على الباطنية )) فأجرى عليه جراية سنّة ، وكان يسكن درب رباح . كانت وفاته في شوال وقد جاوز الثمانين . ثم دخلت سنة خمس وأربعمئة فيها : منع الحاكم صاحب مصر النِّساء من الخروج من المنازل ، أو أن يطَّلعن من الأسطحة أو من الطاقات ، ومنع الخفّافين من عمل الأخفاف لهن ، ومن الخروج إلى الحمامات ، وقتل خلقاً من النساء على مخالفته في ذلك . وهدم بعض الحمامات عليهنّ ، وجهز عجائزَ كثيراتٍ يطفْن في البيوت ، يستَعْلِمْن أحوال النساء ، مَنْ منهنّ تعشق أو تُعشق، بأسمائهن، وأسماء من يتعرّض لهن [ فمن وجد منهن كذلك أطفأها وأهلكها ] ، وأكثر من الدوران بنفسه في الليل والنهار بالبلد [ في طلب ذلك ] ، وغرّق خلقاً ممن يطّلع على فسقهم من الرجال والنساء [ والصبيان ] ، فضاق النطاق على النساء والفسّاق ، ولم يتمكن أحد أن يصل إلى أحد إلا نادراً ، حتى إنّ امرأة [ كانت عاشقة لرجل عشقاً قوياً، كادت أن تهلك بسببه لمّا حيل بينها وبينه ] نادت قاضي القضاة بالديار المصرية وهو مالك بن سعيد الفارقي ، وحلّفته بحق الحاكم لما وقف لها ، فاستمع كلامها [ فرحمها ] فوقف لها ، فبكت بكاءً شديداً [ مكراً وحيلة وخداعاً ] وقالت [ له: أيها القاضي ] إنَّ لي أخاً ليس لي غيره وهو في السياق، وأنا أسألك [ بحقّ الحاكم عليك ] لما أوصلتني إليه لأنظره قبل الموت [ وأجرك على الله ] ، فرقَّ لها القاضي رقّةً (١) المنتظم (٢٦٧/٧). تاريخ بغداد (٨٤/٨)، المنتظم (٢٦٨/٧)، معرفة القراء الكبار (١/ ٣٦٠). (٢) في ( ط ) : الزرادين ، وفي تاريخ بغداد والمنتظم : دفن في مقابر باب الفراديس . قال بشار : الذي ذكر وفاته في (٣) هذه السنة هو أبو علي الأهوازي المقرىء المشهور المتوفى سنة ٤٤٦ أما الكتاني فقد ذكر وفاته في سنة ٤٠٠ ، لذلك ترجمه الذهبي في تاريخه مرتين (٨١٣/٨ و٧٣/٩) وينظر تاريخ دمشق ١٤/ ١٠٢ - ١٠٣. (٤) المنتظم (٢٦٨/٧)، الكامل في التاريخ (٢٤٦/٩).