Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
أحداث سنة ٣٥٦هـ
وكَمْ آيةٍ أَبْدى النَّبيُّ محمدٌ
تساوَى جميعُ النَّاسِ في نَصْرِ حَقِّهِ
فَعُرْبٌ وأخْبُوشٌ وفُرْسٌ وبَزبرٌ
وقِبْطٌ وأَنباطٌ وخَزْرٌ ودَيْلمٌ
أبَوْا كُفْرَ أسْلافٍ لهمْ فتحتَّفوا
به دَخَلُوا في مِلَّةِ الحقِّ كُلُّهِمْ
به صَعَّ تفسيرُ المنامِ الذي أتى
وسِنْدٌ وهِنْدٌ أسْلَمُوا وتديَّنوا
وشَقَّ لنا بَذْرَ السَّمواتِ آيةً
وسالَتْ عيونُ الماءِ في وَسْطِ كَفِّه
وجاء بما تَقْضي العُقُولُ بصِدْقِهِ
عليه سلامُ اللهِ ما ذرَّ شارِقٌ
بَرَاهِيْنُهُ كالشَّمْسِ لا مِثْلُ قَوْلِكُمْ
لنا كلُّ عِلْمٍ من قديمٍ ومُحدثٍ
أتيتم بشِعْرٍ باردٍ متخاذلٍ
فدونكها كالعِقْد فيهِ زمؤُدٌ
وكَمْ عَلَمِ أبداهُ للشِّرْكِ حاطِمٍ
فَلِلْكُلِّ في إعظامهِ حالُ خادمٍ
وكُزْدُهم قد فازَ قِدْعُ المُرَاحِمِ
ورُومٌ رَمَوْكُمْ دونَهُ بِالقَواصمِ
فآبوا بحظٍّ في السَّعادةِ جائمٍ
ودانُوا لأحكامِ الإله اللَّوازِمِ
به دانيالُ قَبْلهُ حتم حاتمٍ
بدينِ الهُدى في رَفْضِ دِيْنِ الأعاجم
وأشْبَعَ منْ صاعٍ له كلَّ طاعِمٍ
فَأرْوى به جيشاً كثيرَ الهماهمِ
ولا كَدَعاوِ غيرِ ذاتِ قوائمٍ
تعاقبَهُ ظلماءُ أسْحم قائمٍ
وتَخْلِيْطُكُمْ في جَوْهرٍ وأقانِمٍ
وأنتم حميرٌ دامياتُ المحازمِ
ضعيف معاني النَّظْمِ جَمّ البلاغمِ
ودُرِّ وياقوتُ بإحكام حاكمٍ(١)
ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمئة
استهلت والخليفة المطيع الله ، والسلطان معز الدولة بن بويه الديلمي ، وعملت الروافض في يوم
عاشوراء عزاء الحسين [ بن علي ] على ما ابتدعوه من النوح .
(١) انظر القصيدة بتمامها في طبقات الشافعية للسبكي (٢١٤/٣ - ٢٢٢) وقد غمضت عليَّ بعض كلماتها ، أرجو أن تسفر
لي يوماً عن نفسها .

٢٤٢
وفاة معز الدولة
[ وفاة معز الدولة ] ١)
ولما كان ثالث عشر ربيع الأول٢) من هذه السنة توفي معز الدولة أبو الحسين أحمد بن بويه الديلمي
بعلة الذرب ، وصار لا يثبت في مَعِدته شيءٌ بالكلية ، ولما أحس بالموت أظهر التوبة ، وأناب إلى الله
عزَّ وجلَّ، ورَدَّ كثيراً من المظالم ، وتصدق بكثير من أمواله ، وأعتق خلقاً كثيراً من مماليكه ، وعَهِدَ إلى
ابنه بختيار عز الدولة بن معز الدولة ، وقد اجتمع ببعض العلماء ، فكلمه في السُّنَّة ، وأخبره أنَّ علياً زوَّج
ابنته أم كلثوم لعمر بن الخطاب ، فقال : ما سمعت والله بهذا قط . ورجع إلى السنة ومتابعتها ، ولما
حضر وقتُ الصلاة خرج ذلك الرجل إلى الصلاة فقال له : أما تصلي هاهنا ؟ قال : لا . قال : ولِمَ ؟
قال : لأن دارك مغصوبة . فاستحسن منه ذلك .
وكان معز الدولة حليماً كريماً عاقلاً ، وكانت إحدى يديه مقطوعة ، وهو أول من أحدث السُّعاة بين
يدي الملوك ليبعث بأخباره إلى أخيه ركن الدولة إلى شيراز سريعاً ، وحظي عنده أهل هذه الصناعة ،
وتعلم أهل بغداد ذلك حتى كان بعضهم يجري في اليوم الواحد نيفاً وأربعين فرسخاً ، وكان في البلد
ساعيان ماهران ، وهما فَضل ومرعوش ، يتعصَّب لهذا عوام أهل السنة ، ولهذا عوام الشيعة ، وجرت
لهما مناصف ومواقف .
ولما مات معز الدولة ، ودفن بباب التبن ، في مقابر قريش ، وجلس ابنه للعزاء ، وأصاب الناسَ مطر
ثلاثة أيام متتابعاً ، فبعث عزّ الدولة إلى رؤوس الدولة في هذه الأيام بمالٍ جزيل لئلا تجتمع أمراء الدولة
على مخالفته قبل استحكام مبايعته ، وهذا من عقله ودهائه .
وكان عمره٣) ثلاثاً وخمسين سنة ، ومدَّة ولايته إحدى وعشرين سنة وأحدَ عشر شهراً ويومين ، وقد
كان نادى في أيامه برد المواريث إلى ذوي الأرحام قبل بيت المال ، وقد سمع بعض الناس ليلة توفي معز
الدولة أبو الحسين أحمد بن بُوَيه هاتفاً يقول :
لمَّا بَلَغْتَ أبا الحسيـ
ـنِ مُراد نَفْسِكَ في الطَّلبْ
لي واحْتَجَبْتَ عن النُّوَبْ
وأمِنْتَ من حَدَثِ اللَّيا
(١) ما بين حاصرتين من (ب) وترجمة معز الدولة في تجارب الأمم (١٤٦/٦) ٢٣١ وغيرها، المنتظم (٣٨/٧ - ٣٩)
الكامل لابن الأثير (٥٧٣/٨ - ٥٨٠) وفيات الأعيان (١٧٤/١ - ١٧٧) المختصر في أخبار البشر (١٠٦/٢) سير
أعلام النبلاء (١٨٩/١٦ - ١٩٠) العبر (٣٠٣/٢) الوافي بالوفيات (٢٧٨/٦ - ٢٧٩) النجوم الزاهرة (١٤/٤ _ ١٥)
شذرات الذهب (١٨/٣).
(٢)
في الكامل (٨/ ٥٧٥): ربيع الآخر ، وهو الصحيح.
أي معز الدولة .
(٣)

٢٤٣
وفيات سنة ٣٥٦هـ
مُدَّت إليكَ يدُ الرَّدَى وأُخِذْتَ من بيتِ الذَّهَبْ
ولما مات معز الدولة قام بالأمر بعده ولده عز الدولة ، فأقبل على اللعب واللهو والاشتغال بأمر
النِّساء ، فتفرَّق شمله واختلفت الكلمة عليه ، وطمع الأمير منصور بن نوح السَّاماني صاحب بلاد خراسان
في ملك بني بُوَيه ، وأرسل الجيوش الكثيفة صحبة الملك وشمكير ، فلما علم بذلك ركن الدولة بن بويه
أرسل إلى ابنه عضد الدولة وابن أخيه عز الدولة يستنجدهما ، فأرسل(١) إليه بجنود كثيرة ، فركب فيها
ركن الدولة ، وبعث إليه وشمكير يتهدده ويتوعده ، ويقول : لئن قدرت عليك لأفعلن بك ولأفعلن .
فكتب إليه ركن الدولة : لكنى إن قدرت عليك لأحسنن إليك ولأصفحن عنك . فكانت العاقبة لهذا ،
فدفع الله عنه شرّه ؛ وذلك أن وشمكير ركب فرساً صعباً فتصيَّدَ عليها ، فحمل عليه خنزير ، فنفرتٍ
الفرس ، فألقته على الأرض ، فخرج الدم من أذنيه ، فمات من ساعته وتفرَّقت العساكر . وبعث ابن
وشمكير يطلب الأمان من ركن الدولة فأمَّنه ، وأرسل إليه بالمال والرِّجال ، ووفى بما قال ، وصرف الله
عنه كيد السَّامانية ، وذلك بصدق النية وحُسن الطوية .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو الفرج (٢) [ الأصبهاني صاحب الأغاني ]٣) ، علي بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن
عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، الأموي ، الأصْبهاني ،
صاحب كتاب ((الأغاني)) وكتاب (( أيام العرب)) ذكر فيه ألفاً وسبعمئة يومٍ من أيامهم ووقائعهم .
وقد كان شاعراً أديباً كاتباً ، عالماً بالأخبار وأيام الناس إلا أنه كان يتشيع .
قال ابن الجَوْزي : ومثله لا يوثقُ به ، فإنه يصرِّح في كتبه بما يوجب تفسيقه ويهوِّن شرب الخمر ،
وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمَّل كتاب ((الأغاني)) رأى كلَّ منكر وقبيح(٤) .
وقد روى الحديث عن محمد بن عبد الله مُطَيَّن وخَلْق ، وروى عنه الدَّارَ قُطني وغيره . توفي في ذي
الحِجَّة من هذه السنة .
(١) أي عضد الدولة، انظر الكامل (٥٧٨/٨).
(٢) يتيمة الدهر (١٠٩/٣ - ١١٣) ذكر أخبار أصبهان (٢٢/٢) الفهرست (١٦٦ - ١٦٧) فهرست الطوسي (١٩٢) تاريخ
بغداد (٣٩٨/١١ - ٤٠٠) المنتظم (٤٠/٧ - ٤١) معجم الأدباء (٩٤/١٣ - ١٣٦) إنباه الرواة (٢٥١/٢ - ٢٥٣)
الكامل لابن الأثير (٥٨١/٨) وفيات الأعيان (٣٠٧/٣ -٣٠٩) سير أعلام النبلاء (٢٠١/١٦ - ٢٠٣) العبر (٣٠٥/٢)
ميزان الاعتدال (١٢٣/٣ - ١٢٤) النجوم الزاهرة (١٥/٤ -١٦) شذرات الذهب (١٩/٣ -٢٠).
(٣) ما بين حاصرتين من ( ب).
(٤) المنتظم (٧/ ٤٠ - ٤١).

٢٤٤
وفيات سنة ٣٥٦هـ
وقال ابن خَلِّكان : وقيل في التي بعدها ، وكان مولده في سنة أربع وثمانين ومئتين ، التي توفي فيها
البُخْتري الشّاعر. وقد ذَكَرَ له مصنَّفَاتٍ عديدةً، منها ((الأغاني)) و ((الديارات)) و (( أيام العرب)) وغير
ذلك(١).
سَيْفُ الدَّولة (٢) [ بن حمدان صاحب حلب (٣) ، أبو الحسن ، علي بن أبي الهيجاء عبد الله بن
حمدان(٤) بن حمدون ، التَّغْلبي ، الرَّبَعي ، الملقَّب بسيف الدولة .
أحد الأمراء الشجعان ، والملوك الكثيري الإحسان ، على ما كان فيه من تشتُّعٍ ، وقد ملك دمشق في
بعض الأوقات ، واتَّفقَ له أشياء غريبة ، منها أن خطيبه كان مصنَّف الخُطب النباتية أحد الفصحاء البلغاء ،
وشاعره المتنبي ، ومطربه أبو نَصْر الفارابي ، وكان [كريماً }°) جواداً ممدَّحاً، مِعْطاءً للجزيل .
ومن شعره في أخيه ناصر الدولة صاحبِ المَوْصل :
وقُلْتُ لهم بيني وبين أخي فَرْقُ ؟
رَضِيتُ لكَ العَلْيَّ(٦) وقدْ كُنْتُ أهْلَها
تجاوزْتُ عن حَقِّي فَتَمَّ لكَ الحقُّ
وما كان لي عنها نُكُولٌ وإنَّما
إذا كنتُ أرْضَى أن يكون لك السَّبْقُ(٨)
أما كُنْتَ تَرْضَى (٧) أنْ أكونَ مُصَلِّياً
وله أيضاً :
فـإلى كَمْ أنتَ تَظْلِمُهُ
قذْ جَرَى في دَمْعِهِ دمُهُ
جَرَحْتْه٩ُ) منكَ أَسْهُمُهُ
رُدَّ عنهُ الطَّرْفَ منكَ فقد
خَطَرَاتُ الوَهْمِ تُؤْلِمُهُ(١٠)
كيفَ يَسْطِيعُ التَّجلُّدَ مِنْ
وكان سببُ موته الفالج ، وقيل : عُسْرَ البول ، وتوفي بحلب ، وحمل تابوته إلى مَيَّافارِقين فدفن
(١) وفيات الأعيان (٣٠٧/٣ - ٣٠٩).
(٢) يتيمة الدهر (١٥/١ - ٣٤) المنتظم (٤١/٧) الكامل لابن الأثير (٣٩٦/٨ - ٣٩٩، ٤٥٧، ٤٥٨، ٥٤٤ - ٥٥٢)
وغيرها، وفيات الأعيان (٤٠١/٣ - ٤٠٦) المختصر في أخبار البشر (١٠٧/٢ - ١٠٨) سير أعلام النبلاء (١٦ / ١٨٧
- ١٨٩) النجوم الزاهرة (١٦/٦ - ١٨) شذرات الذهب (٢٠/٣ -٢١).
(٣) ما بين حاصرتين من ( ب) .
في (ح): عبيد الله بن أحمد حمدون، وهو وهم، والمثبت من وفيات الأعيان (٤٠١/٣، ١١٤/٢).
(٤)
ما بين حاصرتين من ( ب ) .
(٥)
في ( ب ) : الدنيا .
(٦)
(٧)
في ( ب ) : أرضى .
الأبيات في يتيمة الدهر (٢٦/١) والكامل (٨/ ٥٨٠ -٥٨١) ووفيات الأعيان (١١٦/٢) مع اختلاف في اللفظ .
(٨)
(٩) في وفيات الأعيان : خرقته .
(١٠) الأبيات في يتيمة الدهر (٢٦/١) والكامل (٥٨١/٨) ووفيات الأعيان (١١٦/٢).

٢٤٥
وفيات سنة ٣٥٦هـ
بها ، وعمره ثلاث وخمسون سنة ، وقام بملك حلب من بعده ولده سعد الدولة أبو المعالي شريف ، ثم
تغلَّب عليه مولى أبيه قرغويه، فأخرجه من حلب إلى أمه(١) بميَّافارِقين، ثم عاد إليها كما سيأتي بيانه (٢).
وذكر القاضي ابن خَلِّكان شيئاً كثيراً مما قاله سيفُ الدولة ، وقيل فيه ، قال : ولم يجتمع بباب أحد
من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشُّعراء ، وقد أجاز لجماعةٍ من الكبار كالمتنبي والخالدِّين
والسَّري الرَّفاء ، والنامي والببغاء وغيرهم، وذكر [ القاضي (٣) ابن خلِّكان أنه ولد سنة ثلاث، وقيل :
إحدى وثلاثمئة ، وأنه ملك حلب بعد الثلاثين والثلاثمئة ، وكان قبل ذلك يملك واسط ، ثم تنقلت به
الأحوال حتى ملك حلب ، انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكِلابي صاحب الأخشيد(٤) وملك دمشق في
وقت .
وقد قال يوماً لندمائه : أيكم يجيز قولي ، وما أظن أحداً يجيزه :
لكَ جسمي تُعِلُّه فَدَمي لِمْ تُحِلُّه؟
فقال ابن عمه (٥) أبو فراس بديهةً :
قال إن كنتُ مالكاً فليَ الأمرُ كلُّه(٦)
وفيها توفي (٧) :
كافور الإخْشيذي(٨) مولى محمد بن طُغْج الإخشيذ: وقد قام بالأمر من بعد مولاه لصغر أولاده،
فملك مِصْر ودمشق ، وناوى (٩) سيفَ الدولة وغيره، وقد كُتبَ على قبره :
انظر إلى غِيَرِ الأيّام ما صَنَعَتْ أَقْتَتْ أُناساً بها كانوا وما فَنِيَتْ
في (ح ) : أبيه ، والمثبت من ( ب) .
(١)
(٢) انظر حوادث سنة (٣٦٧هـ) .
ما بين حاصرتين من ( ب ) .
(٣)
(٤) تملك حلب سنة (٣٣٣ هـ)، حوادث سنة (٣٣٣هـ).
(٥)
في (ح) و(ب ) : أخوه ، وهو وهم.
انظر يتيمة الدهر (١٥/١) ووفيات الأعيان (٤٠٣/٣).
(٦)
في بعض المصادر توفي سنة (٣٥٧هـ) ، وسترد ترجمته فيها . وصحح ابن خلكان وفاته في هذه السنة ، انظر وفيات
(٧)
الأعيان (١٠٥/٤) وذكر ابن الجوزي وفاته سنة (٣٥٨هـ) فأغرب، انظر المنتظم (٧/ ٥٠) وأحداث سنة (٣٥٨هـ).
(٨)
المنتظم (٥٠/٧ - ٥١) الكامل لابن الأثير (٤٤٥/٨، ٤٥٧، ٥٨٠ - ٥٨٤) وفيات الأعيان (٩٩/٤ - ١٠٥)
المختصر في أخبار البشر (١٠٧/٢) سير أعلام النبلاء (١٩٠/١٦ - ١٩٣) العبر (٣٠٦/٢) النجوم الزاهرة (١/٤ -
١٠) شذرات الذهب (٢١/٣ -٢٢).
(٩) أي ناوأ ، غير مهموز . انظر اللسان ( نوأ) .

٢٤٦
وفيات سنة ٣٥٦هـ
دُنْياهُمُ ضَحِكَتْ أَيَّامَ دَوْلَتِهِمْ حتى إذا فَنِيَتْ ناحَتْ لهمْ وبَكَتْ
أبو علي القالي (١): [ صاحب الأمالي (٢) إسماعيل بن القاسم بن عَيْذُون بن هارون بن عيسى بن
محمد بن سَلْمان(٣) ، أبو علي ، القالي اللُّغوي، الأُموي مولاهم ؛ لأن سَلْمان هذا كان مولى
لعبد الملك بن مروان ، والقالي نسبة إلى قالي فَلا ، ويقال إنها أرزن الرُّوم ، فالله أعلم .
وكان مولده بمَنازْجِزْد من أرضِ الجزيرة من ديار بكر ، وسمع الحديث من أبي يعلى المَوْصلي
وغيره، وأخذ النَّحْو واللُّغة من ابن دُرَيد وأبي بكر بن الأنباري ونِفْطَويه وغيرهم، وصنَّف ((الأمالي))
وهو مشهور(٤)، وله كتاب (( البارع)(٥) على حروف المعجم في خمسة آلاف ورقة ، وغير ذلك من
المُصَنَّفات في اللغة ، ودخل بغداد ، وسمع بها ، ثم ارتحل إلى قُرْطبة ، فدخلها في سنة ثلاثين وثلاثمئة
واستوطنها ، وصنَّف كتباً كثيرة فيها إلى أن توفي بها في هذه السنة عن ثمانٍ وستين سنة ، قاله القاضي ابن
خلِّكان(٦).
وفيها توفي أبو علي محمد بن إلياس صاحب بلاد كَزْمان وأرضها ومعاملاتها ، فأخذ عضد الدولة بن
ركن الدولة بلاد كرمان من أولاد محمد بن إلياس وهم ثلاثة : اليسع ، [ وإلياس (٧) وسليمان .
والملك الكبير وشمكير ، كما قدَّمنا ذكره في هذه السنة .
وممن توفي فيها من الملوك الحسن بن الفيرزان ، ومعز الدولة بن بويه الدَّيلمي ، وسيف الدولة
صاحب حلب كما قدمنا ذكر ذلك(٨).
قال ابن الأثير : وفيها هلك النقفور ملك الروم(٩) . يعني الدمستق صاحب بلاد الأرمن ، وقد ذكرنا
(١) طبقات النحويين واللغويين (١٣٢ و٢٠٢ - ٢٠٥) تاريخ علماء الأندلس (٦٩/١) جذوة المقتبس (١٦٤ - ١٦٧)
الأنساب (٣٣/١٠) فهرست ابن خير (ص ٣٩٥) بغية الملتمس (٢٣١ - ٢٣٤) معجم الأدباء (٢٥/٧ - ٣٣) معجم
البلدان (٣٠٠/٤) إنباه الرواة (٢٠٤/١ - ٢٠٩) اللباب (٩/٣) وفيات الأعيان (٢٢٦/١ -٢٢٨) سير أعلام النبلاء
: (٤٥/١٦ - ٤٧) العبر (٣٠٤/٢) مرآة الجنان (٣٥٩/٢) المزهر (٤٢٠/٢) بغية الوعاة (٤٥٣/١) نفح الطيب
(٣٦٤/١، ٣٦٨، ٣٦٩) وغيرها، شذرات الذهب (١٨/٣).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ب ) .
في ( ح ) : سليمان، والمثبت من ( ب )، وهو ما عليه أغلب المصادر .
(٣)
(٤)
طبع في دار الكتب المصرية - القاهرة سنة ١٣٤٤ هـ/١٩٢٦ م.
في (ح) و(ب) و( ط): التاريخ، وهو تحريف، والمثبت من وفيات الأعيان (٢٢٦/١).
(٥)
انظر وفيات الأعيان (٢٢٦/١ -٢٢٨).
(٦)
(٧) ما بين حاصرتين من ( ب ).
(٨) انظر الصفحة السابقة .
(٩) الكامل (٥٨٠/٨).

٢٤٧
أحداث سنة ٣٥٧ هـ
ترجمته وما ورد عنه من الشعر ، وأوردنا جوابها للإمام العلامة أبي محمد بن حزم الفقيه الظاهريُ(١)
رحمه الله تعالى .
وممن توفي بها كافور الإخشيدي في قول ابن خلكان(٢)
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمئة
فيها شاع الخبر ببغداد وغيرها من البلاد أن رجلاً قد ظهر يقال له محمد بن عبد الله ، ويلقب بالمهدي
وزعم أنه الموعود به في الحديث الوارد في المهدي ، وأنه يدعو إلى الخير وينهى عن الشر ، ودعا إليه
أُناسٌ ببغداد ، فإن دعوا سنياً قالوا : هو من سلالة العباس ، وإن كان المدعو شيعياً ، قالوا له : هو
علوي ، وكان الرجل إذ ذاك مقيماً بمصر عند كافور الإخشيذي قبل أن يموت ، وكان يكرمه ، فكان من
جملة المستجيبين له سُبُكْتكين الحاجب ، وكان شيعياً فظنّه علوياً ، وكتب إليه أن يقدم إلى بغداد ليأخذ له
البلاد ، فترحل من مصر ، فلقيه سُبُكْتِكين إلى قريب الأنبار ، فلما رآه عرفه ، وإذا هو محمد بن
المُسْتكفي بالله العَبَّاسي ، فلما تحقق أنه عباسيٍّ وليس بعلوي انثنى رأيه عنه ، وتفرَّق شمله وتمزّق أصحابه
كل ممزَّق ، وحمل إلى عز الدولة بن معز الدولة ، فأمنه ، وتسلَّمه المطيع لله ، فجدع أنفه واختفى أمره ،
فلم يعرف له خبر بالكلية بعد ذلك .
وفيها وردت طائفة من الرُّوم - لعنهم الله - إلى بلاد أنطاكية ، فقتلوا خلقاً من حواضرها ، وسبوا اثني
عشر ألفاً من أهلها ، ورجعوا إلى بلادهم ، ولم يعرض لهم أحد .
وعملت الرّوافض في عاشورها المأتم ، وفي يوم غدير خُمّ الهناء والسرور .
وفيها عرض للناس في تشرين داء الماشرى ، فمات به خَلْقٌ كثير فجأة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها مات أكثر جمال الحجيج في الطَّريق من العطش ، ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل ، وفات
أكثر منْ وصل منهم الحج عامه ذلك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها اقتتل أبو المعالي شريف بن سيف الدولة هو وخاله وابنُ عم أبيه أبو فراس بن سعيد بن حمدان
الشاعر عند قرية يقال لها صَدَد ، فقتل أبو فراس في المعركة . قال ابنُ الأثير : ولقد صدق من قال : إن
المُلْك عقيمُ(٣) .
انظر حوادث سنة (٣٥٥هـ) .
(١)
(٢)
انظر وفيات الأعيان (١٠٥/٤).
الكامل (٥٨٨/٨) .
(٣)

٢٤٨
وفيات سنة ٣٥٧هـ
وفيها أظهرت الشيعة الحزن الشديد يوم عاشوراء من المحرم ، وعملوا عيد غدير خم في اليوم الثاني
عشر من ذي الحجة ، وأظهروا الفرح والسرور .
وممن توفي فيها أيضاً :
إبراهيم المتقي الله بن جعفر المقتدر ، وكان قد ولي الخلافة ، ثم ألجىء إلى أن خُلع عنها سنة ثلاث
وثلاثين وثلاثمئة كما ذكرنا١) ، وألزم بيته ، فمات في هذه السنة ، ودفن بداره عن ستين سنة ، [ رحمه
الله ]٢) .
. عمر بن جعفر بن عبد الله(٣) بن أبي السّري: أبو حفص ، البَصْري الحافظ .
ولد سنة ثمانين ومئتين ، وكان انتخب على المشايخ ، وحدَّث عن أبي خليفة الفَضْل بن الحُباب
وغيره ، وقد انتقد عليه مئة موضع، قال الدَّارَقُطني: فنظرت فيها ، فإذا الصَّواب مع عمر بن جعفر(٤).
ومحمد بن أحمد بن علي بن مَخْلَد(٥) : أبو عبد الله، الجَوْهري، المُحْتَسِب، ويعرف بابن المُحْرِمُ(٦) .
وكان أحد أصحاب ابن جرير ، وقد روى عن الكُدَيمي وغيره ، وقد اتفق أنه تزوَّج امرأةً ، فلما
أُدخلت (٧) عليه جلس يكتب الحديث ، فجاءت أمها ، فأخذت الدَّواة فرمت بها ، وقالت : هذه أضرُّ على
ابنتي من ثلاثمئة ضرّة . وقد توفي في هذه السنة عن ثلاثٍ وتسعين سنة ، وكان يضعَّف في الحديث .
وكافُور بن عبد الله الإخْشيْدِي(٨): كان مولى للسُّلطان محمد بن طُغْج الإخشيد . اشتراه من بعض
أهل مِصر بثمانية عشر ديناراً ، وقرَّبه وأدناه ، واختصَّه من بين الموالي واصطفاه ، ثم جعله أتابكاً حين
ملك ولداه ، ثم استقلَّ بالأمور بعد موتهما في سنة خمسٍ وخمسين ، واستقرَّت المملكة باسمه ، فدعي له
على المنابر بالدِّيار المِصْرية والشَّامية وبلاد الحجاز جميعاً ، وكان شَهْماً ذكياً فاتكاً جيد السِّيرة ، مدحه
(١) انظر حوادث سنة (٣٣٣هـ).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ب ).
تاريخ بغداد (٢٤٤/١١ -٢٤٩) المنتظم (٤٤/٧ -٤٥) تذكرة الحفاظ (٩٣٤/٣ - ٩٣٥) سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٧٢
(٣)
- ١٧٣) العبر (٣٠٩/٢) ميزان الاعتدال (١٨٤/٣) لسان الميزان (٢٨٧/٤ -٢٨٩) طبقات الحفاظ (٣٧٨) شذرات
الذهب (٢٦/٣).
انظر تاريخ بغداد (١١ /٢٤٤) .
(٤)
تاريخ بغداد (٣٢٠/١ - ٣٢١) المنتظم (٤٥/٧) سير أعلام النبلاء (٦٠/١٦ - ٦١) العبر (٣٠٩/٢ -٣١٠) ميزان
(٥)
الاعتدال (٤٦٢/٣) مشتبه النسبة (٥٧٩/٢) لسان الميزان (٥١/٥ -٥٢) النجوم الزاهرة (٢٠/٤) شذرات الذهب
(٢٦/٣) .
(٦)
انظر تبصير المنتبه (١٢٦٨/٤).
في (ح ) : دخلت ، والمثبت من ( ب ) .
(٧)
(٨) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣٥٨هـ).

٢٤٩
أحداث سنة ٣٥٨هـ ـ دخول جوهر القائد إلى الديار الإسلامية
الشعراء ، ووفد إليه المتنبي حين ذهب مغاضباً لسيف الدولة بن حمدان ، فآوى إلى كافور ، وحصل له
منه رِفْد ، ثم تغيَّر عليه ، فأبعده كافور فهجاه ، ورحل عنه إلى عضد الدولة بن بويه ، وكان هناك حتفه
كما تقدم بيانه . وأما كافور فإنه لما توفي دفن بتربته المشهورة به ، وقام بالملك بعده أبو الحسن علي بن
الإخشيد(١)، ومنه أخذ الفاطميون الأدعياء بلادَ مِصْر كما سيأتي . وكانت مملكة كافور سنتين وثلاثة
أشهر ، رحمه الله .
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمئة
في عاشوراء عملت الرَّوافض بدعتهم ، وفي يوم غدير خُمّ عملوا الفرح المبتدع .
وحصل بالعراق غلاء عظيم حتى كاد يعدم الخبز بالكلية .
وعائت الروم في البلاد فساداً ، وحرقوا حمص ، وأفسدوا فيها فساداً عظيماً ، وسَبَوْا من المسلمين
نحواً من مئة ألف إنسان ، [ فإنا لله وإنا إليه راجعون }٢).
دخول جوهر القائد إلى الديار المصرية
وفيها دخل أبو الحسن جوهر القائد الرُّومي في جيشٍ كثيف من جهة المعز الفاطمي إلى ديار مصر يوم
الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من شعبان ، فلما كان يوم الجمعة خطب للمعزِّ الفاطمي على منابر الديار
المصرية وسائر أعمالها ، وأمر جوهر المؤذنين بالجامع العتيق ويجامع ابن طولون أن يؤذنوا بحي على خير
العمل ، وأن يجهر الأئمة بالبسملة ، وذلك لأنه لما توفي كافور الإخشيدي لم يبق بمصر من تجتمع
القلوب عليه ، وأصابهم غلاءٌ شديد أضعفهم ، فلما بلغ ذلك المُعزّ وهو ببلاد إفريقية بعث جوهر القائد
الرومي ، مولى أبيه المنصور - في جيش كبير إلى الديار المصرية ، فلما بلغ ذلك أصحابَ كافور هربوا
منها قبل وصول جوهر القائد إليها ، فدخلها آخذاً لها بلا ضربة ولا طعنة ولا ممانعة ، ففعل ما ذكرنا من
الأمور ، واستقرَّت أيديهم على تلك البلاد بعد كافور الإخشيدي .
وفي هذه السنة شرع جوهر القائد في بناء القاهرة المُعزِّية ، وبناء القَصْرين عندها على ما سنذكره ،
وهيأ الإقامات لمولاه المعز الفاطمي .
(١) كذا في (ح) و(ب)، والصواب أنهم أقاموا ابنه أبا الفوارس أحمد بن علي بن الإخشيد، وكان عمره إذ ذاك
إحدى عشرة سنة ، وقد قرَّ في صدر الترجمة هذه أن كافوراً استقل بالأمر سنة (٣٥٥هـ) ، وهي سنة وفاة علي بن
الإخشيد ، انظر الولاة والقضاة للكندي (٢٩٧) ووفيات الأعيان (١٠٥/٤ و٥٩/٥) .
(٢) ما بين حاصرتين من ( ب) .

٢٥٠
أحداث سنة ٣٥٩ هـ
وأرسل جوهر [ القائد ]١) جعفرَ بنَ فلاح في جيش كثيف إلى الشام ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وكان
بدمشق الشريف أبو القاسم بن أبي يعلى الهاشمي ، وكان مطاعاً فيهم ، فحاجف (٢) عن العباسيين مُدَّة
طويلة ، ثم آل الأمر إلى أن خطب للمعز بدمشق ، وحمل الشريف أبو القاسم إلى الديار المصرية ، وأسر
الحسن بن عبد الله بن طُغْج وجماعة من الأمراء ، [ فحملوا إلى الديار المصرية (٣) فحملهم جوهر إلى
المعز بإفريقية، واستقرَّت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين كما سيأتي(٤) ، وأذن حي على خير
العمل أكثر من مئة سنة ، وكتبت لعنة الشيخين رضي الله عنهما على أبواب الجوامع ، وأبواب المساجد
بدمشق، [ فإنا لله وإنا إليه راجعون }(٥) . ولم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك على
ما سيأتي بيانه وتفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى .
وفيها دخلت الرُّوم إلى حمص فوجدوا أكثر أهلها قد جلوا عنها وانتقلوا منها ، فحرقوها ، وأسروا من
بقي بها ومن حولها نحواً من ألف إنسان ، [ فإنا لله وإنا إليه راجعون ](٥).
وفي ذي الحجّة نَقَلَ عِزُّ الدولة والدَه معز الدولة بن بُوَيْه من داره إلى تربته بمقابر قريش .
وممن توفي فيها من الأعيان وذكره ابن الجوزي في ((منتظمه) (٦) كافور الإخشيدي [ وقد تقدم ]. قال
ابن الجوزي : وقد رأيت مدح المتنبي لكافور يحتمل الذم والمدح ، وكأنه تلعب به ، والله تعالى أعلم .
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمئة
في عاشر المحَرَّم منها عملت الرَّوافض بدعتهم الشَّنعاء ، فغلقت الأسواق ، وتعطَّت المعايش
ودارت النِّساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن علي ، ويلطمن وجوههن ، والمسوح معلّقة
في الأسواق والتبن مذرور فيها .
وفيها دخلتِ الروم الملاعين أنطاكية ، فنفوا أهلها الشيوخ والعجائز ، وسبوا من النِّساء والأطفال
نحواً من عشرين ألفاً ، وذلك كلُّه بتدبير ملك الأرمن النقفور ، لعنه الله .
قال ابن الجَوْزي .: وكان قد تجبر وطغا وتمرد ، وقد تزوج مع ذلك بامرأة الملك الذي كان قبله ،
(١) ما بين حاصرتين من ( ب).
(٢) أي دافع عنهم ، انظر اللسان ( حجف).
(٣) ما بين حاصرتين من (ب).
(٤) انظر أحداث سنة (٣٥٩هـ) .
(٥) ما بين حاصرتين من ( ب ).
(٦) انظر المنتظم (٥٠/٧ -٥١).

٢٥١
أحداث سنة ٣٥٩ هـ
ولها منه ابنان ، فأراد أن يخصيهما ويجعلهما في الكنيسة لئلا يصلحا بعد ذلك للملك ، فلما فهمت أمهما
ذلك عملت عليه وسلَّلتُ(١) عليه الأمراء ، فقتلوه وهو نائم، وملَّكوا عليهم أكبر ولديها .
وفي ربيع [ الأول (٢) صُرف عن القضاء أبو بكر أحمد بن سيار ، وأعيد إليه أبو محمد بن معروف .
قال ابنُ الجوزي : وفي هذه السنة نقصت دجلة حتى غارت الآبار . وحجّ بالناس الشريف أبو أحمد
النقيب(٣) .
قال : وانقضَّ كوكبٌ في ذي الحجَّة فأضاءت منه الدنيا حتى بقي له شعاعٌ كالشمس ، ثم سُمِع له
صوت كالزّعد٤) .
قال ابنُ الأثير : وفي المحرّم من هذه السنة خطب للمعز الفاطمي بدمشق عن أمر جعفر بن فلاح الذي
سيَّره جوهر القائد من مصر إلى الشام ، فقاتله أبو محمد الحسن بن عبد الله بن طُغْج بالرَّمْلة ، فغلبه ابنُ
فلاح ، وأسر ابن طُغْج وسيَّره إلى جوهر ، فأرسله جوهر إلى المعز وهو بإفريقية واستقرَّت يد الفاطميين
على دمشق أيضاً بعد حروب يطول ذكرها ، تطاول أمرها إلى آخر هذه السنة(٥) .
وفي هذه السنة وقع بين ناصر الدولة بن حمدان وبين ابنه أبي تغلب ، وسببه أنه لما مات معز
الدولة بن بويه عزم أبو تغلب ومن وافقه من أهل بيته على الدخول إلى بغداد وأخذ مملكة العراق ، فقال
لهم أبوهم : إن معز الدولة (٦) قد ترك لابنه أموالاً جزيلة لا تقدرون عليه ما دامت في يده ، ولكن اصبروا
حتى ينفقها ، فإنه مبذِّر ، فإذا أفلس فثوروا عليه فإنكم تغلبونه لا محالة ، فحقد عليه ولده أبو تغلب بسبب
ذلك ، ولم يزل بأبيه حتى سجنه في القلعة ، فاختلف أولاده بينهم وصاروا أحزاباً ، وضعفوا عن حفظ
ما بأيديهم ، حتى بعث أبو تغلب إلى عز الدولة ، فضمن منه بلاد المَوْصل بألف ألف درهم كل سنة
يحملها إليه ، واتفق موت أبيه ناصر الدولة في هذه السنة ، واستقرَّ أبو تغلب بالمَوْصِل ملكها ، إلا أنهم
فيما بينهم مختلفين متحاربين ، فهلكوا ، ولو اتفقوا لملكو(٧) .
وفي هذه السنة دخل ملك الرُّوم إلى طرابلس ، فأحرق كثيراً منها ، وملك قلعة عرفة ونهبها وسبى
أهلها ، وكان في قلعتها صاحب طرابلس كان لجأ إليها حين أخرجه أهل طرابلس لأجل شدَّة ظلمه ،
في ( ب ) و( ط ) : وسلطت.
(١)
ما بين حاصرتين من المنتظم (٧/ ٥١) .
(٢)
(٣)
المنتظم (٥١/٧ - ٥٢) .
(٤)
المنتظم (٧/ ٥٢) .
انظر الكامل (٥٩١/٨ - ٥٩٢) .
(٥)
في (ح ) : عز الدولة ، وهو وهم ، والخبر ساقط من ( ب )، والمثبت من ( ط)
(٦)
(٧) انظر الكامل (٥٧٩/٨ - ٥٨٠، ٥٩٣ -٥٩٦).

٢٥٢
أحداث سنة ٣٥٩هـ
فأسرته الروم ، واستحوذوا على جميع حواصله وأمواله ، وكانت كثيرة جداً ، ثم مالوا على السواحل ،
فملكوا ثمانية عشر منبرا١ً) سوى القرى، وتنصَّر خَلْق كثير على أيديهم [ لعنهم الله ]٢) ، وجاؤوا حمص
فحرقوا ونهبوا ، ومكث ملك الرُّوم شهرين ، فأخذ ما شاء من البلاد ، وأسر من قدر عليه من العباد ،
وصارت له مهابة عظيمة في قلوب النَّاس ، ثم عاد إلى بلاده ومعه من السَّبي نحو من مئة ألف صبيٍّ
وصبية ، وكان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه ، واشتياقهم إلى أولادهم وأهليهم
وأوطانهم ، وبعث سريةً إلى الجزيرة ، فنهبوا وسبوا ، وكان قرغويه غلام سيف الدولة قد استحوذ على
حلب ، وأخرج منها ابنَ أستاذه أبا المعالي شريف بن سيف الدولة ، فسار إلى حَرَّان وهي تحت حكمه ،
فأبوا أن يدخلوه إليهم ، فذهب إلى أمه بميَّافارِقين ، وهي ابنة سعيد بن حَمْدان ، فمكث عندها حيناً ، ثم
سار إلى حماة فملكها ، ثم عاد إلى حلب بعد سنتين كما سنذكره فيما بعد ، ولما عائتِ الروم في هذه
السنة بالشَّام صانعهم قرغويه عن حلب ، وبعث إليهم بأموالٍ وتحف ، ثم عادوا إلى أنطاكية فملكوها
وقتلوا خلقاً كثيراً بها ، وسبوا عامة أهلها ، وركبوا إلى حلب وأبو المعالي محاصر غلامه قرغويه ،
فخافهم أبو المعالي ، فهرب عنها وحاصرها الرُّوم فأخذوا البلد ، وامتنعت القلعة عليهم ، ثم اصطلحوا
مع قرغويه على هدنة مؤبدة ومال يحمله كل سنة ، وسلَّموا إليه البلد ، ورجعوا عنه .
وفي هذه السنة خرج على المعز الفاطمي وهو بإفريقية رجلٌ يقال له أبو خزر ، فنهض إليه المعز بنفسه
وجنوده فهرب منه، فأرسل في طلبه يوسف بُلُكين(٣) بن زيري، فردَّه وطرده ، ثم عاد فاستأمن ، فقبل
منه المعز ذلك ، وصفح عنه .
وجاء الرسول من جوهر القائد إلى المعز في هذه السنة يبشِّره بفتح الديار المصرية وإقامة الدعوة لهم
فيها ، وطلبه إليه ، ففرح بذلك المعز الفاطمي فرحاً شديداً وامتدحه الشعراء ، فكان ممن امتدحه شاعره
محمد بن هانىء في قصيدةٍ أولها :
يقول بنو العَبَّاس هل فُتِحتْ مِصْرُ فَقُلْ لبني العَبَّاس قد قُضِيَ الأَمْرُ
وذكر ابنُ الأثير أن في هذه السنة توفي النقفور الذي كان دُمَستقاً ثم صار ملك الروم ، وأراد قتل ابني
الملك الذي كان قبله ، فغارت أمهما له ، فقتلته غيلة . قال : وقد كان هذا اللعين من أبناء المسلمين ،
كان أبوه من أهل طَرْسُوس من خيار المسلمين يعرف بابن الفقَّاس ، فتنصَّر هذا الكلب ، وحظي عند
النصارى حتى صار من أمره ما صار ، وكان من أشدِّ الناس على المسلمين ، وقد أخذ بلاداً كثيراً عَنْوةً ؛
أي بلداً ، لأن المنبر لا يقام إلا في مسجد تقام به صلاة الجمعة .
(١)
(٢) ما بين حاصرتين من ( ب).
(٣) في (ح): يوسف بن بلكين بن زيري، وهو وهم، والمثبت من (ب)، وانظر وفيات الأعيان (٢٨٦/١ -
٢٨٧) .

٢٥٣
وفيات سنة ٣٥٩هـ
من ذلك طرسوس وأذَنة وعين زَرْبة والمَصِّيصة وغير ذلك من البلاد ، وقتل خلقاً كثيراً لا يعلمهم إلا الله ،
وسبى من المسلمين والمسلمات ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم ، وهذا اللعين هو الذي بعث تلك
القصيدة إلى المطيع لله . وقد أوردناها في آخر الجزء الذي قبل هذا في سنة خمس وخمسين وثلاثمئة ، ثم
انتدب لها بعدئد الفقيه الإمام ، أبو محمد بن حزم الظاهري ، فأجاب عنها جواباً شافياً كافياً ، فجزاه الله
عن الإسلام خير١ً) .
وفيها رام ◌ِزُّ الدولة صاحب بغداد محاصرة عمران بن شاهين فلم يقدر عليه ، فصالحه ورجع إلى
بغداد .
وفيها اصطلح قرغويه وأبو المعالي ، فخطب له قرغويه بحلب ، وخطبا جميعاً في معاملتيها للمعز
الفاطمي ، بحلب وحمص ، وخطب بمكة للمطيع الله والقرامطة أيضاً ، وبالمدينة للمعز الفاطمي .
وخطب أبو أحمد الموسوي بظاهرها للمطيع ، والله أعلم .
وممن توفي فيها من الأعيان :
محمد بن أحمد بن الحسن(٢) بن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله ، أبو علي ، ابن الصَّوَّاف.
روى عن عبد الله بن أحمد وطبقته ، وعنه خَلْقٌ منهم الدَّارَقُطْني ، وقال : ما رأت عيناي مثله في
تحرُّزه ودينه ، وقد بلغ تسعاً وثمانين سنة ، رحمه الله تعالى .
محارب بن محمد بن محارب (٣): أبو العلاء القاضي الفقيه الشَّافعي من ذُرِّية محارب بن دِثار(٤) .
وكان ثقة عالماً فاضلاً ، روى عن جعفر الفِزْيابي ، وغيره .
أبو الحسين أحمد بن محمد(٥) : المعروف بابن القَطَّان ، أحد أئمة الشافعية .
تفقه بابن سُرَيج ، ثم بالشيخ أبي إسحاق المَروزي ، وتفرَّد برياسة المذهب بعد موت أبي القاسم
(١) انظر وفيات سنة (٣٥٥هـ) .
(٢) في (ح) و(ب) و(ط): الحسين، وهو تحريف، والمثبت من تاريخ بغداد (٢٨٩/١) ومثله في مصادر
ترجمته : تاريخ بغداد (٢٨٩/١) الأنساب (٩٩/٨) المنتظم (٥٢/٧ - ٥٣) سير أعلام النبلاء (١٦ /١٨٤ - ١٨٦)
الوافي بالوفيات (٤٤/٢) شذرات الذهب (٢٨/٣).
(٣) المنتظم (٥٣/٧) طبقات الشافعية للسبكي (٤٧٧/٣).
(٤) قاضي الكوفة لخالد بن عبد الله القسري ، المتوفى سنة (١١٦ هـ)، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (٢١٧/٥ -
٢١٩) .
(٥) تاريخ بغداد (٣٦٥/٤) طبقات الفقهاء للشيرازي (١١٣) وفيات الأعيان (١/ ٧٠) سير أعلام النبلاء (١٦ / ١٥٩)
الوافي بالوفيات (٣٢١/٧) طبقات ابن هداية الله (٨٥) شذرات الذهب (٢٨/٣).

٢٥٤
أحداث سنة ٣٦٠هـ
الدَّارَكيُ (١)، وصنَّف في أُصول الفِقْه وفروعه ، وكانت الرحلة إليه ببغداد ، ودرَّس به ، وكتب شيئاً
كثيراً ، وكانت وفاته رحمه الله تعالى ورضي عنه في جمادى الأولى من هذه السنة .
ثم دخلت سنة ستين وثلاثمئة .
في عاشر محرَّمها عَمِلَتِ الرَّوافض بِدْعتهم المحرَّمة على عادتهم المتقدِّمة .
وفي ذي القَعْدة منها أخذت القرامطة دمشق ، وقتلوا نائبها جَعْفر بن فَلاحُ(٢) من جهة المعز
الفاطمي ، وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسن(٣) بن أحمد بن بَهْرام ، وقد أمدَّه ◌ِزُّ الدولة من بغداد
بسلاحٍ وعُدَدٍ كثيرة ، ثم ساروا إلى الرَّمْلة فأخذوها ، وتحصَّن منْ كان فيها من المغاربة بيافا ، فتركوا
عليها من يحصرها ، وساروا نحو الديار المصرية في جَمْع كثير من الأعراب والإخشيدية والكافُورية ،
فوصلوا عين شمس ، فاقتتلوا هم وجنود جوهر قتالاً شديداً، والظفر كان القرامطة ، وحصروا المغاربة
حَضْراً عظيماً . ثم حملت المغاربة في بعض الأيام على ميمنة القرامطة فهزمتها ، ورجعت القرامطة إلى
الشَّام ، فجدُّوا في حصار يافا ، فأرسل جوهر إلى أصحابه خمسة عشر مركباً ميرةً لأصحابه ، فأخذتها
مراكب القرامطة سوى مركبين أخذتهما الفرنج ، وجَرَتْ خطوبٌ كثيرة .
ومن شعر الحسن بن أحمد بن بَهْرام أمير القرامطة :
زَعَمَتْ رجالُ الغَرْبِ أَنّي هِبْتُها٤) فَدَمي إذاً ما بَيْنِهُمْ مَطْلُولُ
يا مِصْرُ إن لم أسْقِ أرْضَكِ من دمٍ يَزوي ثَراكِ فلا سَقاني النِّيْلُ
وفيها تزوَّج أبو تغلب بن حمدان ابنة بَخْتيار عز الدولة وعمرها ثلاث سنين على صَدَاق مئة ألف
دينار ، ووقع العَقْد في صفرٍ .
وفيها استوزر مؤيّد الدولة بن ركن الدولة الصَّاحب أبا القاسم بن عَبَّاد ، فأصلح أموره كلها وساس
دولته جيداً .
وفيها أُذِّن بدمشق وسائر الشَّام بحيَّ على خير العمل .
(١) ما أدري كيف يصح هذا إذا كانت وفاة أبي القاسم الداركي سنة (٣٧٥هـ) كما سيأتي في ترجمته في وفيات سنة
(٣٧٥هـ) .
مَرَّ أنه دخل دمشق سنة (٣٥٨هـ)، وانظر ترجمته في وفيات الأعيان (٣٦١/١ - ٣٦٢).
(٢)
في (ح) و (ب) و (ط ) : الحسين، وهو تحريف ، والمثبت من مصادر ترجمته التي سترد في وفيات سنة
(٣)
(٣٦٦ هـ) .
(٤) في (ح ): هبتهم ، والمثبت من ( ب ).

٢٥٥
وفيات سنة ٣٦٠هـ
قال الحافظ ابن عساكر في ترجمة جعفر بن فلاح نائب دمشق : أول من تأمر بها عن الفاطميين وهو
الذي أمر بذلك نيابة عن المعز الفاطمي صاحب القاهرة ، أخبرنا أبو محمد بن الأكْفاني(١) قال: قال
أبو بكر أحمد بن محمد بن شرام : وفي يوم الخميس لخمسٍ خَلَون من صفر من سنة ستين وثلاثمئة أعلن
المؤذنون في الجامع بدمشق وسائر منائر البلد ، ومآذن المساجد بحي على خير العمل بعد حي على
الفلاح ، أمرهم بذلك جعفر بن فلاح ، ولم يقدروا على مخالفته ، ولا وجدوا من المسارعة إلى طاعته
بدأ . وفي يوم الجمعة الثامن من جمادى الآخرة منه أُمر المؤذنون أن يثنوا الأذان والتكبير في الإقامة مثنى
مثنى ، وأن يقولوا في الإقامة حي على خير العمل ، فاستعظمَ النَّاس ذلك ، وصبروا على حكم
الله تعالى .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الشَّري بن أحمد بن السَّريّ(٢): أبو الحسن، الكِنْدي، الرَّفَّاء ، الشَّاعر المَوْصلي ، أَّخِ وفاته ابنُ
الأثير في هذه السنة أعني سنة ستين وثلاثمئة ، وكانت وفاته ببغداد(٣).
وذكر ابنُ الجوزي أنه توفي سنة ثنتين وستين وثلاثمئة كما سيأتي(٤).
محمد بن جعفر(٥) بن محمد بن الهيثم بن عمران بن يزيد: أبو بكر البُنْدار(٦) ، أصله أنباري .
سمع من أحمد بن الخليل البُرْجُلاني ، ومحمد بن [ أبي (٧) العَوَّام الرِّياحي ، وجعفر بن محمد
الصَّائغ ، وأبي إسماعيل التِّزْمذي .
قال ابنُ الجوزي : وهو آخر من روى عنهم(٨).
(١) هو هبة الله بن أحمد بن محمد، مفيد الشام، وأحد أئمة الحديث، ولد سنة (٤٤٤ هـ)، وتوفي سنة (٥٢٤هـ) ،
وهو من شيوخ الحافظ ابن عساكر ، سمع منه الكثير ، انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٧٦ - ٥٧٨).
(٢) يتيمة الدهر (١١٧/٢ - ١٨٢) تاريخ بغداد (١٩٤/٩) الأنساب (١٤١/٦) المنتظم (٦٢/٧ - ٦٣) معجم الأدباء
(١٨٢/١١ - ١٨٩) الكامل لابن الأثير (٦١٧/٨) وفيات الأعيان (٣٥٩/٢ - ٣٦٢) سير أعلام النبلاء (٢١٨/١٦)
العبر (٣٥٧/٢) النجوم الزاهرة (٦٧/٤) شذرات الذهب (٧٣/٣ - ٧٤).
(٣) الكامل لابن الأثير (٨/ ٦١٧).
(٤) المنتظم (٦٢/٧ - ٦٣) وانظر وفيات سنة (٣٦٢هـ) .
(٥) تاريخ بغداد (١٥٠/٢ - ١٥١) المنتظم (٥٥/٧) سير أعلام النبلاء (٦٣/١٦ - ٦٤) العبر (٣١٦/٢) النجوم الزاهرة
(٤/ ٦٢) شذرات الذهب (٣١/٣).
(٦) البندار : لفظ فارسي معناه التاجر ، ومنه البندر: وهو المرسى ومقر التجار ، ومنه أيضاً الشاهبندر، انظر الألفاظ
الفارسية المعربة (٢٧ - ٢٨).
(٧) ما بين حاصرتين من السير (٤/١٣).
(٨) انظر المنتظم (٥٥/٧).

٢٥٦
وفيات سنة ٣٦٠هـ
قالوا : وكانت أصوله جياداً بخط أبيه ، وسماعه صحيحاً ، وقد انتقى عليه عمر البَصْري ، وكانت
وفاته فجأة يوم عاشوراء وقد جاوز التسعين ، رحمه الله(١).
محمد بن الحسين بن عبد الله(٢): أبو بكر الآجُرِّي .
سمع جعفر الفِرْيابي ، وأبا شُعيب الحَرَّاني ، وأبا مسلم الكَجِّي ، وخلقاً .
وكان ثِقَةً صدوقاً دَيّناً ، وله تصانيف كثيرة مفيدة، منها ((الأربعون الآجُرِّية))، وقد حدَّث بغداد قبل
سنة ثلاثين وثلاثمئة ، ثم انتقل إلى مكة ، فأقام بها حتى مات بعد إقامته بها ثلاثين سنة ، رحمه الله تعالى.
محمد بن جعفر بن محمد بن مَطَر(٣) : أبو عمرو الزَّاهد .
سمع الكثير ، ورحل إلى الآفاق المتنائية ، وسمع منه الحُفَّاظ الكبار ، وكان فقيراً متقلِّلاً ، يضرب
اللَّبِنَ لقبور الفقراء ، ويتقوَّت برغيف ، بجزرة أو بصلة ، ويقوم اللَّيل كله ، وكانت وفاته في جُمادى
الآخرة من هذه السنة عن خمسٍ وتسعين سنة(٤) .
محمد بن داود ، أبو بكر الصُّوفي (٥) : ويعرف بالذُّقِّي ، أصله من دِينور ، وأقام ببغداد ، ثم انتقل إلى
دمشق ، وقد قرأ على ابن مجاهد ، وسمع الحديث من محمد بن جعفر الخرائطي ، وصَحِبَ ابنَ
الجَلَّء، والدَّقَّاق ، وكانت وفاته في هذه السنة ، وقد جاوز المئة ، رحمه الله تعالى.
محمد بن الفَرُّخان(٦) بن روزبةً(٧): [ أبو (٨) الطَّيِّب الذروي(٩)، دخل بغداد، وحدَّث بها
(١)
انظر تاريخ بغداد (١٥١/٢) .
(٢) الفهرست (٣٠١ - ٣٠٢) تاريخ بغداد (٢/ ٢٤٢) الأنساب (٩٤/١) المنتظم (٥٥/٧) معجم البلدان (١/ ٥١) وفيات
الأعيان (٢٩٢/٤ - ٢٩٣) سير أعلام النبلاء (١٣٣/١٦ - ١٣٦) تذكرة الحفاظ (٩٣٦/٣) العبر (٣١٨/٢) الوافي
بالوفيات (٣٧٣/٢ - ٣٧٤) مرآة الجنان (٣٧٣/٢) طبقات الشافعية للسبكي (١٤٩/٣) طبقات الشافعية للإسنوي
(٧٩/١ - ٨٠) العقد الثمين (٣/٢ -٥) النجوم الزاهرة (٦٠/٤) طبقات الحفاظ (٣٧٨) شذرات الذهب (٣٥/٣).
في (ح) و (ب): مظفر، وهو تحريف، ومثله في المنتظم (٥٦/٧) والمثبت من اللباب لابن الأثير (١٥٠/٣)
وترجمته في: المنتظم (٥٦/٧) اللباب (١٥٠/٣) سير أعلام النبلاء (١٦٢/١٦ - ١٦٣) العبر (٣١٦/٢ - ٣١٧)
النجوم الزاهرة (٦٢/٤) شذرات الذهب (٣١/٣).
(٣)
(٥)
طبقات الصوفية (٤٤٨ - ٤٥٠) تاريخ بغداد: (٢٦٦/٥ -٢٦٧) الرسالة القشيرية (٢٨) الأنساب (٣٢٧/٥ -٣٢٨)
المنتظم (٥٦/٧) اللباب (٥٠٥/١) المختصر في أخبار البشر (١١١/٢) سير أعلام النبلاء (١٣٨/١٦ -١٣٩) الوافي
بالوفيات (٦٣/٣) طبقات الأولياء (٣٠٦ - ٣١٠) طبقات الشعراني (١٤٠/١) نتائج الأفكار القدسية (٣/٢).
(٦)
(٧)
تاريخ بغداد (١٦٧/٣) الأنساب (٣٥٨/٥و٢٦٤/٩) المنتظم (٥٦/٧) ميزان الاعتدال (٤/٤ -٥).
انظر ترجمة أبيه الفرخان بن روزبة مولى المتوكل على الله في تاريخ بغداد (٣٩٩/١٢).
ما بين حاصرتين مثبت من الأنساب (٩/ ٢٦٤).
(٨)
نسبة إلى دور سُرَّ من رأى ، انظر الأنساب (٣٥٨/٥).
(٩)
(٤)
انظر سير أعلام النبلاء (١٦ / ١٦٣).

٢٥٧
وفيات سنة ٣٦٠هـ
عن أبيه بأحاديث منكرة ، روى عن الجُنيد وابن مسروق(١).
قال ابن الجوزي : وقد كان فيه ظَرْفٌ ولباقة ، غير أنهم كانوا يتهمونه بوضع الحديث(٢).
الطَّبَراني سليمان بن أحمد بن أيوب(٣): أبو القاسم ، الطبراني ، اللَّخْمي ، الحافظ الكبير ، صاحب
المعجم الكبير، والأوسط، والصغير، و((كتاب السُّنَّة)) وكتاب ((مسند الشَّاميين))، وغير ذلك من
المصنفات المفيدة .
عَمَّر مئة سنة ، وكانت وفاته في هذه السنة بأصبهان ، ودفن على بابها عند قبر حُمَمَة الدَّوسي
الصَّحابي رضي الله عنه(٤)، قاله أبو الفَرَج بن الجوزي في (( المنتظم)(٥) .
وقال ابنُ خَلِّكان : سمع من ألف شيخ ، قال : وكانت وفاته يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القَعْدة
في هذه السنة ، وقيل : في شؤَّال منها .
أحمد بن محمد بن الفتح(٦) : ويقال: ابن أبي الفتح ، الخاقان ، أبو العباس النَّجَّاد ؛ إمام جامع
دمشق .
قال ابن عساكر : كان عابداً صالحاً ، وذكر أن جماعةً جاؤوا لزيارته ، فسمعوه يتأوَّه من وجعٍ كان
به ، فأنكروا عليه [ ذلك ]٧)، فلما خرج إليهم، قال لهم: إن آه اسمٌ من أسماء الله يستروح إليه
الأعِلاء . قال : فزاد في أعينهم وعَظّموه(٨) .
قلت : لكن هذا الذي قاله لا يُؤخذ عنه مُسَلَّماً بلا دليل ، بل يحتاج إلى نقل صحيحٍ عن المعصوم ،
فإن أسماء الله تعالى توقيفية على الصَّحيح ، والله تعالى أعلم بالصَّواب .
(١) في (ح): ابن مرزوق، والمثبت من (ب)، وانظر سير أعلام النبلاء (١٣ / ٤٩٤ - ٤٩٥).
(٢) المنتظم (٥٦/٧) .
(٣) ذكر أخبار أصبهان (٣٣٥/١ - ٣٣٦) طبقات الحنابلة (٤٩/٢ - ٥١) الأنساب (١٩٩/٨ - ٢٠٠) المنتظم (٥٤/٧)
معجم البلدان (١٨/٤ - ١٩) اللباب (٨٠/٢) وفيات الأعيان (٤٠٧/٢) سير أعلام النبلاء (١١٩/١٦ - ١٣٠) تذكرة
الحفاظ (٩١٢/٣ - ٩١٧) ميزان الاعتدال (١٩٥/٢) العبر (٣١٥/٢ -٣١٦) مرآة الجنان (٣٧٢/٢) غاية النهاية
(٣١١/١) لسان الميزان (٧٣/٣ - ٧٥) النجوم الزاهرة (٥٩/٤ - ٦٠) طبقات الحفاظ (٣٧٢ - ٣٧٣) طبقات
المفسرين الداودي (١٩٨/١ -٢٠١) شذرات الذهب (٣٠/٣).
(٤) انظر ترجمته في أسد الغابة (٥٣/٢) والإصابة (٣٩/٢).
(٦) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٨٠/٣).
(٥)
المنتظم (٧ /٥٤) .
(٧) ما بين حاصرتين من (ب).
(٨) انظر تاريخ ابن عساكر مختصره (٢٨٠/٣).

٢٥٨
أحداث سنة ٣٦١هـ
ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمئة
في عاشرها عَمِلَتِ الرَّوافض ببغداد البدعة التي تقررت من النوح على الحسين بن علي .
وفي المحرّم منها أغارتِ الرُّوم على الجزيرة وبلاد بكر ، فقتلوا خَلْقاً كثيراً من أهل الرُّها ، وساروا
[ في البلاد }(١) كذلك يقتلون ويأسرون ويغنمون إلى [ أن وصلوا (٢) نَصِيبين ، وفعلوا كذلك ببلاد بكر،
ولم يُغْنِ عن تلك النواحي [ أبو تغلب ]٣) بن حمدان متوليها شيئاً ، ولم يكن عنده دفاع ولا قوة ، فعند
ذلك ذهب أهل الجزيرة إلى بغداد يستنصرون ويستصرخون ، فرثى لهم أهلُ بغداد ، وأرادوا إدخالهم على
الخليفة المطيع لله فلم يمكنهم ذلك (٤) ، وكان بَخْتيار بن معزّ الدولة مشغولاً بالصَّيد، فذهبت الرُّسُل
وراءه ، فبعث الحاجب سُبُكْتِكين يستنفر الناس ، فتجهّز خَلْقٌ كثير من العامة ، وكتب إلى أبي تغلب أن
يُعدَّ الميرة والإقامات، فأظهر السُّرور بذلك والفرح والابتهاج ، ولما تجهّزت العامة للغزاة وقعت بينهم
فتنة شديدة بين الرَّوافض [ وأهل °) السُّنَّة، فأحرقتِ السُّنَّة دورَ الرَّوافض في الكَرْخ ، وثار(٦) العيارون
ببغداد يأخذون أموال الناس ، وتنافس النقيب أبو أحمد الموسوي والوزير أبو الفَضْل الشِّيرازي ، وأرسل
بَخْتيار بن معز الدولة إلى الخليفة يطلب منه أموالاً يستعين بها في هذه الغزاة ، فبعث إليه يقول : لو كان
الخَراج يجبى إليَّ لدفعت منه ما يحتاج المسلمون إليه ، ولكن أنتَ تصرف منه ما للمسلمين إليه(٧)
، ضرورة ، وأنا فليس عندي شيء أبعث به إليك. فترددت البُرُرُ(٨) بينهما، وأغلظ بختيار للخليفة في ذلك
وتهدَّده ، فاحتاجَ الخليفةُ أن يحصِّلَ له شيئاً ، فباع بعض ثياب بدنه ، وشيئاً من أثاثه ، ونقض بعض
سقوف دوره ، وحصَّل أربعمئة ألف دِرْهم ، فَصَرَفها بختيار في مصالح نفسه وأبطل تلك الغَزاة ، فتغمَّمُ(٩)
الناس للخليفة ، وساءهم ما فعل ابن بويه من أخذه مال الخليفة وتركه الجهاد في سبيل الله ، فلا جزاه الله
خيراً عن المسلمين ولا عن إمامهم .
(١) ما بين حاصرتين من (ط).
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط ).
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٣)
في (ح) و(ب) : لم يمكن ذلك ، والمثبت من (ط).
(٤)
(٥)
ما بين حاصرتين من ( ط ) .
في (ح ) : وصارت ، وفي ( ب ) : سارت، والمثبت من ( ط ).
(٦)
في (ح ) : به ، والمثبت من ( ب ) .
(٧)
البرد ، مفردها بريد : الرسل ، انظر اللسان ( برد ) .
(٨)
كذا في (ح) و ( ب): فتغم، وفي (ط ): فنقم، ولعلها: فاغتمَّ .
(٩)

٢٥٩
وفيات سنة ٣٦١هـ
وفيها تسلّم أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين ، فنقل حواصلها وما فيها إلى المَوْصل .
وفيها اصطلح الأمير منصور بن نوح السَّاماني صاحب خراسان هو وركن الدولة بن بُوَيه وابنه عضد
الدولة على أن يحملا إليه في كل سنة مئة ألف دينار وخمسين ألف دينار ، وتزوَّج بابنة ركن الدولة (١) ،
فحمل إليه من الهدايا والتُّحَف ما لا يحدُّ ولا يوصف .
وفي شؤَّال منها خرج المعزُّ الفاطمي بأهله وحاشيته وجنوده من مدينة المنصورة من بلاد المغرب
قاصداً الدِّيار المِصْرية ، بعد ما مهَّد له مولاه جوهر القائد أمرها وبنى له بها القصرين ، واستخلف المعز
الفاطمي على بلاد المغرب ونواحيها وصِقِلِّية وأعمالها نواباً من حزبه وأنصاره من أهل تلك البلاد ،
واستصحب معه شاعره محمد بن هانىء الأندلسي ، فتوفي في أثناء الطَّريق، على ما سنذكره(٢) ، وكان
قدوم المُعزِّ إلى القاهرة في رمضان من السنة الآتية، [على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ]٣).
وفيها حجَّ بالناس الشريف أبو أحمد الموسوي النقيب على الطّالبيين كلِّهم، والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصَّواب .
وممن توفي فيها من الأعيان :
سعيد بن أبي سعيد الجَنَّبيّ(٤) : أبو القاسم ، القِرْمطي الهَجَري ، وقام بالأمر من بعده أخوه
أبو يعقوب يوسف(٥) ، ولم يبق من سلالة أبي سعيد سواه .
عثمان بن عمر بن خفيف(٦) : أبو عمرو ، المقرىء ، المعروف بالدَّرَّاج .
روى عن أبي بكر بن [ أبي ]٧) داود، وعنه ابن رِزْقويه، وكان من أهل القرآن والفِقْه [والدِّراية ]٨)
والديانة والسِّتر ، جميل المذهب ، وكان يُعدُّ من الأبدال .
توفي يوم الجمعة من رمضان هذه السنة ، رحمه الله .
(١) في الكامل (٦٢٦/٨): وتزوَّج نوح بابنة عضد الدولة. وما عندنا أشبه بالصَّواب.
(٢)
انظر وفيات سنة (٣٦٢هـ) .
(٣)
ما بين حاصرتين من ( ب ) .
(٤)
النجوم الزاهرة (٦٣/٤) .
(٥)
سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٦٦هـ) .
تاريخ مدينة السلام ١٩٥/١٣ - ١٩٦ (بتحقيق الدكتور بشار) تاريخ الإسلام ١٩٥/٨، وذكرا وفاته في سنة ٣٦١
(٦)
هذه .
(٧) ما بين حاصرتين من (ب)، وهو ابن المحدث أبي داود صاحب السنن؛ انظر سير أعلام النبلاء (٢٠٣/١٣ -
٢٣٧) .
(٨) ما بين حاصرتين من ( ب).

٢٦٠
أحداث سنة ٣٦٢هـ
وأبو الحسين (١) علي بن إسحاق بن خَلَف(٢) القَطَّان، الشَّاعر المعروف بالزَّاهي.
ومن شِعْره :
أصبحا مُصْطَبحين(٣)
قُمْ نهنىءْ عاشقينِ
فُجِعا منهُ وبَيْن
جُمعا بَعْدَ فِراقٍ
من صُدودٍ آمِنين
ثُمَّ عادا في سُرورٍ
رُكِّبَتْ فِي بَدَنِينُ(٤)
فهما رُوحٌ ولكنْ
[محمد بن ]°) حُمَيد بن سَهْل(٦) بن شَدَّاد: أبو بكر المُخَرِّمي(٧).
سمع أبا خليفة ، وجعفر الفِرْيابي ، وابن جرير وغيرهم ، وعنه الدَّارَقُطْني وابن رزْقويه وأبو نُعيم ،
وقد ضعَّفه البَرْقاني وابن أبي الفوارس، [ وغيرهما، والله أعلم (٨) .
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وثلاثمئة
عملت الرَّوافض بدعتهم في عاشوراء من النِّياحة وتعليق المسوح وغَلْق الأسواق .
وفيها اجتمع الفقيه أبو بكر الرّازي الحنفي ، وأبو الحسن علي بن عيسى الرُّمَّاني، وابن الدقاق
الحنبلي بعز الدولة بَخْتيار بن معز الدولة بن بُوَيه ، وحرَّضوه على غزو الرُّوم ، فبعث جيشاً لقتالهم ،
فأظفرهم(٩) الله بهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وبعثوا برؤوسهم إلى بغداد ، فسكنَتْ أنفسُ النَّاس .
(١) يتيمة الدهر (٢٣٣/١ - ٢٣٥) تاريخ بغداد (٣٥٠/١١) الأنساب (٢٣١/٦) المنتظم (٥٩/٧) اللباب (٢ /٥٥ - ٥٦)
وفيات الأعيان (٣٧١/٣ - ٣٧٣) تاريخ الإسلام (٤٧/٨) سير أعلام النبلاء (١١١/١٦) النجوم الزاهرة (٤/ ٦٣ -
٦٤) .
(٢) في تاريخ بغداد والمنتظم : أبو الحسن ، وفي يتيمة الدهر ووفيات الأعيان: أبو القاسم، وفيه توفي سنة ١٥٢ هـ،
وتابعه على ذلك الذهبي في تاريخ الإسلام والسير .
(٣)
في تاريخ بغداد والمنتظم : مصطلحين ، وفي ( ب ) : مصطحبين .
(٤)
في تاريخ بغداد : في جسدين .
ما بين حاصرتين من مصادر ترجمته وفي ( ب ) : أحمد بن سهل ، وهو وهم .
(٥)
تاريخ بغداد (٦٧/٣ - ٨٦) (ط - الدكتور بشار)، السمعاني في ((المخرمي)) من الأنساب، المنتظم (٥٩/٧)
(٦)
تاريخ الإسلام (١٩٧/٨) ميزان الاعتدال (٥٣١/٣).
(٧) في (ح): المخزومي، وهو تصحيف، والمثبت من (ب).
(٨) ما بين حاصرتين من (ب).
في (ح) : فأظفر الله بهم ، والمثبت من (ب ).
(٩)