Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
وفيات سنة ٣٣٨هـ
وليَّ عهده من بعده ، فلما قَدِم عليه فرح به فرحاً شديداً ، وخرج بنفسه في جميع جيشه لتلقيه ، فلما دخل
به دار المملكة ، أجلسه على السَّرير ، وقام بين يديه كأحد الأمراء ، ليرفع من شأنه عند أمرائه ووزرائه
وأعوانه . ثم عقد له البيعة على ما يملكه من البُلْدان والأموال ، وتدبير الملك والرجال . وفَهِمَ من بعض
رؤوس الأمراء كراهية لذلك ، فشرع في القبض عليهم ، وقَتَلَ من شاء منهم وسجنَ آخرين ، حتى تمهَّدتِ
الأمور لعَضُدِ الدولة . ثم كانت وفاة عماد الدولة بشيراز في هذه السنة عن سبع وخمسين سنة ، وكانت مدة
ملكه ست عشرة سنة ، وكان هو من خيار الملوك في زمانه ، وممن حاز قصب السبق دون أقرانه ، وكان
هو في الحقيقة أمير الأمراء ، وبذلك كان يكاتبه الخلفاء ، ولكن أخوه معز الدولة كان ينوب عنه ببغداد
والعراق والسَّواد .
ولما مات عماد الدولة اشتغل الوزير أبو جعفر الصَّيْمَري عن محاربة عمران بن شاهين ، وكتب إليه
معز الدولة أن يسير إلى شِيراز ويضبط أمورها ، فقوي أمر عمران بعد ضعفه ، وكان من أمره ما سيأتي بيانه
في موضعه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو جعفر النحاس النَّحْوي (١) أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس: أبو جعفر المُرَادي المِصْري
النَّحْوي ، المعروف بالنَّخَاس ، اللُّغوي المفسر الأديب ، له مصنَّفات كثيرة في التفسير وغيره .
وقد سمع الحديث ، ولقي أصحاب المبرِّد ، وكانت وفاته في ذي الحجَّة من هذه السنة .
قال ابن خَلِّكان : لخمسٍ خلون منها يوم السبت(٢).
وكان سبب وفاته أنه جلس عند المقياس(٣) يقطِّع شيئاً من العَروض، فظنَّه بعض العامة يَسْحرُ النيل
لئلا يوفي ، فرفسه برجله ، فسقط فغرق ، ولم يُدْرَ أين ذهب ، رحمه الله .
وكان قد أخذ النحو عن علي بن سليمان الأخفش ، وأبي بكر [ بن ] الأنباري ، وأبي إسحاق
الزَّجَّاج، ونِفْطَوَيْه وغيرهم، وله مصنَّفات كثيرة مفيدة، منها: تفسير ((القرآن)) و((النَّاسخ
(١) طبقات النحويين واللغويين (٢٣٩) نزهة الألباء (٢٠١ - ٢٠٢) المنتظم (٣٦٤/٦) معجم الأدباء (٢٢٤/٤ - ٢٣٠)
إنباه الرواة (١٠١/١ - ١٠٤) وفيات الأعيان (٩٩/١ - ١٠٠) سير أعلام النبلاء (٤٠١/١٥ -٤٠٢) العبر (٢٤٦/٢)
الوافي بالوفيات (٣٦٢/٧ - ٣٦٤) مرآة الجنان (٣٢٧/٢) النجوم الزاهرة (٣٣٠/٣) بغية الوعاة (١٥٧) شذرات
الذهب (٣٤٦/٢).
(٢) وفيات الأعيان (١/ ١٠٠).
(٣) المقياس : هو عمود من رخام ، قائم في وسط بركة على شاطىء النيل بمصر ، له طريق إلى النيل ، يدخل الماء إذا زاد
عليه ، وفي ذلك العمود خطوط معروفة عندهم ، يعرفون بوصول الماء إليها مقدار زيادته . معجم البلدان (١٧٨/٥).

١٨٢
وفيات سنة ٣٣٨هـ
والمنسوخ))، و((شرح أبيات سيبويه))، ولم يُصنَّف مثله، وشرح المعلقات والدواوين العشرة ، وغير
ذلك . وروى الحديث عن أبي عبد الرحمن النَّسائي ، وكان بخيلاً جداً ، وانتفع الناس به ، رحمه الله .
وفيها كانت وفاة الخليفة :
المُسْتكفي بالله(١) عبد الله بن علي المكتفي بالله: وقد ولي الخلافة سنةً وأربعة أشهر ويومين ، ثم خلع
وسُمِلَتْ عيناه كما تقدَّم ذكره(٢) . وكانت وفاته في هذه السنة وهو معتقلٌ في داره ، وله من العمر ستٍّ
وأربعون سنةً وشهران .
علي بن حَمْشاءُ(٣) بن سَخْتويه(٤) بن نَصْر : أبو الحسن المعدَّل.
محدِّث عصره بنيسابور، رحل إلى البُلْدان، وسمع الكثير، وحدَّث، وصنّف ((مسنداً)) في أربعمئة
جُزْء ، وله غير ذلك مع شدَّة الإتقان والحفظ ، وكثرة العبادة والصِّيانة والخشية لله عزَّ وجلَّ .
قال بعضهم(٥): صحبته في السَّفَر والحضر فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة (٦).
وله تفسير في مئتي جُزْء ونيِّق ، دخل الحمّام من غير مرض ، فتوفي فيه فجأة ، وذلك يوم الجمعة
الرابع عشر من شؤَّال من هذه السنة ، رحمه الله .
علي بن محمد بن أحمد (٧) بن الحسن : أبو الحسن ، الواعظ البغدادي .
ثم ارتحل إلى مصر ، فأقام بها حتى عُرف بالمِصري ، ثم رجع إلى بغداد وقد سمع الکثیر ، وروى
عنه الدَّارَقُطْني وغيره ، وكان له مجلس وعظ يحضره فيه الرجال والنساء ، وكان يتكلم وهو متبرقع لئلا
يرى النِّساء حسنه وجماله، وقد حضر وعظه أبو بكر النَّقَّاش(٨) مستخفياً، فلما سمع كلامه قام قائماً
وشهَرَ نفسه وقال له : القصص بعدك حرام .
(١) مروج الذهب (٥٤٠/٢) تاريخ بغداد (١٠/١٠ -١١) المنتظم (٣٣٩/٦ -٣٦٤) الكامل لابن الأثير (٤٢٠/٨) وما
بعدها، النبراس (١٢٠ - ١٢١) سير أعلام النبلاء (١١١/١٥ -١١٣) العبر (٢٤٥/٢) نكت الهميان (١٨٢ - ١٨٣)
النجوم الزاهرة (٢٩٩/٣) تاريخ الخلفاء (٣٩٧ -٣٩٨) شذرات الذهب (٣٤٥/٢).
(٢) انظر حوادث سنة (٣٣٤هـ).
(٣) هكذا ضبط في الأنساب (٢٢١/٤) وفي مرآة الجنان اليافعي (٢٣٧/٢) بحاء مهملة مكسورة ، وميم مكسورة
مشدّدة .
(٤) المنتظم (٣٦٤/٦ - ٣٦٥) سير أعلام النبلاء (٣٩٨/١٥ - ٤٠٠) تذكرة الحفاظ (٨٥٥/٣ - ٨٥٦) العبر (٢٤٨/٢)
مرآة الجنان (٢/ ٢٣٧) طبقات الحفاظ (٣٥٨) شذرات الذهب (٣٤٨/٢).
(٥) هو أبو بكر أحمد بن إسحاق ، كما نص عليه الذهبي في تاريخ الإسلام (٧/ ٧٢٠).
(٦)
المنتظم (٦/ ٣٦٤ _ ٣٦٥).
الفهرست (٢٦٣) تاريخ بغداد (٧٥/١٢-٧٦) سير أعلام النبلاء (٣٨١/١٥ -٣٨٢).
(٧)
(٨) سترد ترجمته في وفيات (٣٥١هـ).

١٨٣
أحداث سنة ٣٣٩هـ
قال الخطيب : وكان ثِقَةً أميناً عرافاً ، جمع حديث اللَّيث، وابن لَهيعة ، وله كُتبٌ كثيرة في
الزُّهْد(١).
وكانت وفاته في ذي القَعْدة من هذه السنة ، وله سبع وثمانون سنة .
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمئة
في هذه السنة المباركة في ذي القعدة منها رُدَّ الحجر الأسود المكي إلى مكانه ، وكانت القرامطة قد
أخذوه في سنة سبع عشرة وثلاثمئة كما ذكرنا٢) ، وقتلوا من وجدوه من الحجيج ذلك العام حول الكعبة
المطهرة ، وكان ملكهم إذ ذاك أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن الجنَّابي لعنه الله ، ولما وقع ذلك
أعظم المسلمون ذلك جداً ، وقد بذَلَ لهم الأمير بحكم التركي خمسين ألف دينار ليردُّوه إلى موضعه فلم
يقبلوا ، وقالوا : نحن أخذناه بأمرٍ ولا نرده إلا بأمر من أخذناه بأمره . فلما كان في هذا العام حملوه إلى
الكوفة ، وعلَّقوه على الأسطوانة السابعة من جامعها ليراه النَّاس ، وكتب أخو أبي طاهر كتاباً فيه : إنَّا
أخذنا هذا الحجر بأمر ، وقد رددناه بأمر من أمرنا بأخذه ليتمَّ حج الناس ومناسكهم . ثم أرسلوه إلى مكة
بغير شيء على قَعُودٍ(٣) ، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة ، ولله الحمد والمنَّة ، وكان مُدَّة مقامه
عندهم ثنتين وعشرين سنة ، ففَرِحَ المسلمون بذلك فرحاً شديداً . وقد ذكر غير واحد أن القرامطة حين
أخذوه وحملوه على عِدَّة جمالٍ فَعَطِبَتْ تحته ، ويعتري أسنمتها العَقْر(٤)، ولما ردوه حمله قَعُود واحد
ولم يصبه بأس ، ولله الحمد والمنّة .
وفي هذه السنة دخل سيفُ الدولة بن حَمْدان بجيشٍ كثيف نحو من ثلاثين ألفاً إلى بلاد الرُّومِ ، فَوَغَلَ
فيها ، وفتح حصوناً ، وقتل خلقاً وأسر أمماً ، وغَنمَ شيئاً كثيراً، ثم رجع ، فأخذت الروم عليه الدَّرب
الذي يخرج منه ، فقتلوا عامة من معه ، وأسروا بقيتهم ، واستردُّوا ما كان أخذه لهم ، ونجا سيف الدولة
في نفرٍ يسير من أصحابه ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفيها مات الوزير أبو جعفر الصَّيْمري ، فاستوزر معز الدولة مكانه أبا محمد الحسن بن محمد
المُهَلَّبيُ(٥) في جمادى الأولى ، فاستفحل أمر عمران بن شاهين أيضاً، وتفاقم الحال به ، وبعث إليه
(١) تاريخ بغداد (١٢ / ٧٦) .
انظر حوادث سنة (٣١٧هـ) .
(٢)
(٣)
القعود من الإبل : هو البكر حين يركب اللسان ( قعد ) .
أي أثر الحزِّ من الرحل. اللسان (عقر ) ومعجم متن اللغة (١٦٠/٤).
(٤)
(٥) سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٥١هـ) .

١٨٤
وفیات سنة ٣٣٩هـ
معز الدولة جيشاً بعد جيش ، فيهزمهم مرة بعد مرة ، ثم عدل معز الدولة إلى مصالحته واستعماله على
بعض تلك النواحي .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسن بن داود بن بابشاه(١) : أبو الحسن (٢) المِصْري.
قدم بغداد ، وكان من أفاضل الناس وعلمائهم بمذهب أبي حنيفة ، مفرط الذكاء قوي الفهم ، كتب
الحديث ، وكان ثِقَةً. مات يبغداد في هذه السنة ، ودفن بمقبرة الشُّونِيزِيَّة (٣) ولم يبلغ من العمر أربعين
سنة .
محمد القاهر بالله أمير المؤمنين(٤) ، بن المعتضد بالله .
ولي الخِلافة سنةً وستةَ أشْهُر وسبعةً أيام ، وكان بطَّاشاً سريعَ الانتقام ، فخاف منه وزيره أبو علي بن
مُقْلة، فاستتر وشَرَعَ في العمل عليه عند الأتراك ، فخلعوه وسملوه وأودع دارَ الخلافة بُرْهةً من الدَّهر ، ثم
أَخرج في سنةِ ثلاثٍ وثلاثين إلى دار ابنٍ طاهر ، وقد نالَتْهُ فاقةٌ وحاجةٌ شديدة ، وسألَ في بعض الأيام .
ثم كانت وفاته في هذا العام ، وله ثنتان وخمسون سنة ، ودُفِنَ إلى جانب أبيه المعتضد .
محمد بن عبد الله بن أحمد(٥) : أبو عبد الله الصَّفَّار الأصْبَهاني.
محدِّثُ عَصْرِهِ بخُرَاسان ، سَمِعَ الكثير، وحدَّث عن [ ابن ]٦) أبي الدُّنيا ببعضِ كُتُبُه ، وكان مجابَ
الدَّعْوة، ومكَثَ لا يرفعُ رأسَه إلى السَّماء نيفاً وأربعين سنة ، وكان يقول : اسمي محمد بن عبد الله ،
واسم أمي آمنة . يفرح بهذه الموافقة في الاسم واسم الأب والأم .
(١) المنتظم (٣٦٧/٦) الجواهر المضية (١٩٢/١).
(٢)
في المنتظم : أبو سعيد .
مقبرة ببغداد ، بالجانب الغربي منها معجم البلدان (٣/ ٣٧٤).
(٤) مروج الذهب (٥١٣/٢) تاريخ بغداد (٣٣٩/١ - ٣٤٠) المنتظم (٢٤١/٦، ٣٦٨) الكامل (٢٤٤/٨) وما بعدها ،
(٣)
النبراس (١١٣) العبر (٢٥٠/٢ - ٢٥١) سير أعلام النبلاء (٩٨/١٥ - ١٠٢) الوافي بالوفيات (٣٤/٢ - ٣٥) نكت
الهميان (٢٣٦ - ٢٣٧) النجوم الزاهرة (٣٠٣/٣ - ٣٠٤) تاريخ الخلفاء (٣٨٦ - ٣٩٠) شذرات الذهب (٣٤٩/٢ -
٣٥٠) .
(٥) ذكر أخبار أصبهان (٢٧١/٢) الأنساب (٧٤/٨ - ٧٥) المنتظم (٣٦٨/٦) العبر (٢٥٠/٢) سير أعلام النبلاء
(٤٣٧/١٥ -٤٣٨) الوافي بالوفيات (٣١٦/٣) طبقات الشافعية للسبكي (١٧٨/٣ -١٧٩) النجوم الزاهرة (٣٠٤/٣)
شذرات الذهب (٣٤٩/٢).
(٦) ما بين حاصرتين ليس في (ح)، والمثبت من ( ب).

١٨٥
أحداث سنة ٣٤٠هـ
أبو نَصْر الفارابي(١) محمد بن محمد : أبو نصر الفارابي ، التركي الفيلسوف.
وكان من أعلم الناس بالموسيقى ، بحيث كان يتوسل بصناعته إلى النَّاس في الحاضرين من
مستمعيه ، إن شاء حَرَّك ما يُبكي أو ما يُضْحك أو ما ينوِّم . وكان حاذقاً في الفلسفة ، ومن كتبه تفقه ابنُ
سينا فيها ، وكان يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني ، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة ،
وله مذاهب في ذلك يخالف المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين ، فعليه إن كان مات على ذلك لعنة
رب العالمين. وقد كانت وفاته بدمشق فيما قاله ابن الأثير في (( كامله (٢) ، ولم أر الحافظ ابن عساكر
ترجمه في ((تاريخه)) ، فالله أعلم .
ثم دخلت سنة أربعين وثلاثمئة
فيها قَصَدَ صاحب عُمان البصرةَ ليأخذها في مراكب كثيرة ، وجاء لنصره أبو يعقوب الهَجَري ، فمانعه
عنها الوزير أبو محمد المُهَلبي فصدَّه عنها ، وأسر جماعةً من أصحابه وسبى كثيراً من مراكبه ، فساقها معه
في دِجْلة ، ودخل بها إلى بغداد في أُبَّهة عظيمةٍ ، ولله الحمد .
وفيها رُفع إلى الوزير أبي محمد المُهلَّبي أمر رجلٍ من أتباع أبي جعفر محمد بن علي بن أبي العَزَاقر
الذي كان قُتِل على الزندقة كما قتل الحلاج(٣)، وأن هذا يدَّعي ما كان يدعي ابن أبي العَزَاقر ، وقد اتبعه
جماعةٌ من الجهلة من بغداد ، وصدَّقوه في دعواه الربوبية ، وأن أرواح الأنبياء والصدِّيقين انتقلت إليهم ،
وَوُجدَ في منزله كُتُبٌ تدلُّ على ذلك . فلما تحقَّق أنه هالك ادعى أنه شيعي ليحظى عند معز الدولة بن
بُوَيه . وقد كان يحبُّ الرَّافضة، قبَّحه الله. فلما اشتهر [ عنه (٤) ذلك لم يتمكَّن الوزير منه خوفاً على
نفسه [ من معز الدولة] وأن تقوم عليه الشِّيعة(٥)، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون ، غير أنه احتاط على شيء من
أموالهم ، فكان يسميها أموال الزنادقة .
قال ابن الجوزي . وفي رمضان وقعت فِتْنَةٌ عظيمة بسب المذهب .
(١) الفهرست (٣٦٧) طبقات الأمم (٥٣ - ٥٤) تاريخ الحكماء (٢٧٧ - ٢٨٠) طبقات الأطباء (٦٠٣ - ٦٠٩) وفيات
الأعيان (١٥٣/٥ - ١٥٧) العبر (٢٥١/٢) سير أعلام النبلاء (٤١٦/١٥ -٤١٨) الوافي بالوفيات (١٠٦/١ - ١١٣)
مرآة الجنان (٣٢٨/٢ - ٣٣١) شذرات الذهب (٣٥٠/٢ - ٣٥٤).
(٢) الكامل (٤٩١/٨).
(٤) ما بين حاصرتين ليس في (ح ) ، والمثبت من ( ب).
(٣)
انظر أحداث سنة (٣٢٢هـ)
(٥) في (ح ): خوفاً على نفسه أن يقوم على الشيعة ، والمثبت من ( ط ) . وما بين حاصرتين منها.

١٨٦
وفيات سنة ٣٤٠هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
أشهب بن عبد العزيز (١) بن داود بن إبراهيم: أبو عمرو العامري؛ نسبةً إلى عامر بن لؤي(٢).
وكان أحد الفقهاء المشهورين من المالكية ، وكانت وفاته في شعبان منها .
أبو الحسن الكَرْخي(٣) عبيد الله بن الحسين بن دلال بن دَلهم : أبو الحسن الكرخي .
أحد أئمة الحنفية المشهورين ، ولد سنة ستين ومئتين ، وسكن بغداد ، ودَرَسَ بها فِقْه أبي حنيفة ،
وانتهت إليه رياسة أصحابه ، وانتشر أصحابه في البلاد(٤)، وكان متعبِّداً، كثيرَ الصَّوم والصَّلاة ، صبوراً
على الفقر ، عَزُوفاً عمَّا في أيدي النَّاس ، وكان مع ذلك رأساً في الاعتزال .
وقد سَمِعَ الحديثَ من إسماعيل بن إسحاق القاضي ، وروى عنه ابن حَيُّويه ، وابن شاهين .
وأصابه الفالج في آخر عمره ، فاجتمعَ عنده بعضُ أصحابه ، واشتوروا فيما بينهم أن يكتبوا إلى سيف
الدولة بن حَمْدان ليساعِده بشيء يستعين به في مرضه ، فلما عَلِمَ بذلك رَفَعَ رأسه إلى السَّماء وقال : اللهم
لا تجعلْ رِزْقي إلا من حيثُ عَوَّدتني . فمات عقب ذلك قبل أن يصلَ إليه ما أرسلَ به سيفُ الدولة ، وهو
عشرة آلاف دِرْهم . فتُصِدِّق بها بعد وفاته .
وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة عن ثمانين سنة ، وصلَّى عليه أبو تمام الحسن بن محمد
الزَّينبي ؛ وكان صاحبه ، ودُفِنَ في دَرْب أبي زيد على نهر الواسطيين .
محمد بن صالح بن زيد(٥) : أبو جعفر الوَرَّاق .
سَمِعَ الكثيرَ ، وكان يَفْهمُ ويحفظ ، وكان ثِقَةً زاهداً لا يأكل إلا من كَسْب يده ، ولا يقطع صلاةَ
الليل .
قال بعضُهم : صحبته سنين كثيرة ، فما رأيته فعل ما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ ، ولا قال ما يسأل عنه ،
وكان يقوم أكثر الليل (٦) .
(١) كذا ذكر في المنتظم (٣٦٩/٦) وفي الأنساب (٣١٩/٨) في وفيات هذه السنة ، وهو خطأ، والصواب أنه توفي سنة
(٢٠٤ هـ) كما سلف في وفياتها من هذا الكتاب .
(٢) في الأنساب : منسوب إلى عامر بن صعصعة ؛ وهو الصواب .
(٣) الفهرست (٢٩٣) تاريخ بغداد (٣٥٣/١٠ - ٣٥٥) طبقات الفقهاء للشيرازي (١٤٢) الأنساب (٣٨٦/٥ - ٣٨٧)
المنتظم (٣٦٩/٦ - ٣٧٠) العبر (٢٥٥/٢) سير أعلام النبلاء (٤٢٦/١٥ - ٤٢٧) الجواهر المضية (٣٣٧/١) طبقات
المعتزلة (١٣٠) لسان الميزان (٩٨/٤ - ٩٩) النجوم الزاهرة (٣٠٦/٣) شذرات الذهب (٢٥٨/٢).
في (ح ) : واشتهر أصحابه ببغداد، والمثبت من ( ب).
(٤)
(٥)
المنتظم (٦/ ٣٧٠) .
المنتظم (٦/ ٣٧٠).
(٦)

١٨٧
أحداث سنة ٣٤١هـ ـ وفيات سنة ٣٤١ هـ
وفيها كانت وفاة منصور بن قراتِكِين صاحب الجيوش الخُرَاسانية من جهة الأمير نوح الشَّاماني
ولمرضٍ حصل له ، وقيل : لأنه أدمن شرب الخمر أياماً متتابعة ، فهلك بسبب ذلك ، فأقيم بعده في
الجيوش أبو علي بن المحتاج .
الزجَّاجي مصنَّ ((الجُمَل)(١): هو أبو القاسم ، عبد الرحمن بن إسحاق ، النَّحْوي ، البغدادي
الأصل، ثم الدِّمَشقي، مصنِّف ((الجُمَل)(٢) في النحو ، وهو كتابٌ نافع ، كثير الفائدة ، صنَّه بمكة ،
وكان يطوف بعد كل بابٍ منه ، ويدعو الله أن ينفع به .
وأخذ النحو أولاً عن محمد بن العَبَّاس اليزيدي ، وأبي بكر بن دُرَيد ، وابن الأنباري .
وكانت وفاته في رجب سنةً سبعٍ ، وقيل : تسع وثلاثين ، وقيل سنة أربعين وثلاثمئة هذه بدمشق ،
وقيل: بطبرية(٣). وقد شُرحت ((الجمل )) بشروح كثيرةٍ من أحسنها وأجمعها ما وضعه ابنُ عصفور .
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وثلاثمئة
فيها ملكت الرُّوم سَرُوج(٤) ، وقتلوا أهلها ، وخرَّبوا مساجدها .
قال ابن الأثير : فيها قصد يوسف بن وجيه صاحب عُمان البصرة ، فمنعه منها المُهَلَّبي كما تقدَّمُ(٥) .
قال : وفيها نقم معز الدولة على وزيره ، فضربه مئة وخمسين مقرعة ، ولم يعزله بل رسم عليه (٦) .
وفيها اختصم المصريون والعراقيون بمكة فَخُطبَ لصاحب مِصْر ، ثم غلبهم العراقيون فخطبوا لركن
الدولة بن بُوَيهُ(٧) .
المنصور الفاطمي(٨): وهو أبو طاهر، إسماعيل بن القائم بأمر الله [ أبي ] القاسم [ محمد ] بن
وفيها كانت وفاة :
(١) طبقات النحويين واللغويين (١٢٩) نزهة الألباء (٢١١) الأنساب (٢٥٦/٦) تاريخ ابن عساكر (خ) ٩/ ١٤٣٢ -٤٣٢ب)
إنباه الرواة (١٦٠/٢ - ١٦١) وفيات الأعيان (١٣٦/٣) العبر (٢٥٤/٢) سير أعلام النبلاء (٤٧٥/١٥ - ٤٧٦).
(٢) كتاب مطبوع مشهور ، متداول .
انظر وفيات الأعيان (١٣٦/٣) وفيه أن الأصح في وفاته سنة (٣٣٧هـ).
(٣)
(٤) بلدة قريبة من حران . معجم البلدان (٢١٦/٣).
(٥) انظر حوادث سنة (٣٤٠هـ) .
(٧) انظر المنتظم (٣٧٠/٦ -٣٧١).
(٦)
الكامل (٤٩٩/٨).
(٨) الكامل (٤٥٥/٨) وما بعدها، البيان المغرب (٢١٨/١) وما بعدها، وفيات الأعيان (٢٣٤/١ - ٢٣٦) العبر =

١٨٨
وفيات سنة ٣٤١هـ
المهدي عبيد الله(١)؛ صاحب المغرب، وله من العمر تسع وثلاثون سنة ، وكانت خلافته سبعَ سنينٍ
وستةَ عَشَرَ يوماً .
وكان عاقلاً شجاعاً فاتكاً ، قهر أبا يزيد الخارجي الذي كان لا يطاق شجاعةً وإقداماً وصبراً ، وكان
فصيحاً بليغاً ، يرتجل الخطبة على البديهة في السَّاعة الراهنة . وكان سبب موته ضعف الحرارة الغريزية
بسببٍ أوْرَده ابنُ الأثير في ((كامله (٢) ، فاختلف عليه الأطباء .
وقد عَهِدَ بالأمر من بعده لولده المعز الفاطمي ؛ وهو باني القاهرة المُعِزِّية كما سيأتي بيان ذلك(٣)
واسمه مَعَدّ ، وعمره إذ ذاك أربعٌ وعشرون سنة (٤)، وكان شُجَاعاً ، عاقلاً أيضاً ، حازم الرأي ، أطاعه من
البَرْبَر وأهل تلك الناحية خَلْقٌ كثير ، وبَعَثَ مولاه جَوْهر القائد ، فبنى له القاهرة المتاخمة لِمِصْر ، واتخذ
له فيها دار الملك ، وهما القَصْران اللذان هناك(٥)، وذلك في سنة أربع وستين وثلاثمئة(٦) .
قال أبو جعفر المَرْورُذي : خرجت معه(٧) لما كَسَرَ أبا يزيد الخارجي ، فبينما أنا وهو نسير إذ سقط
رمحه ، فنزلت ، فأخذته ، وناولته إياه وذهبتُ أفاكهه (٨) بقول الشاعر :
فألْقَتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوى كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافِرُ
فقال: هلا قلت كما قال الله تعالى: ﴿﴿ وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَاكٌ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا
(٢٥٧/٢) سير أعلام النبلاء (١٥٦/١٥ - ١٥٩) مرآة الجنان (٣٣٣/٤ - ٣٣٤) تاريخ ابن خلدون (٤٣/٤ - ٤٥)
=
ايقاظ الحنفا : (١٢٩ - ١٣٣) خطط المقريزي (٣٥١/١) النجوم الزاهرة (٣٠٨/٣) شذرات الذهب (٣٥٩/٢ -
٣٦٠) .
(١) في (ح) و(ب): هو أبو طاهر، إسماعيل بن القائم بأمر الله القاسم بن المهدي محمد بن عبيد الله ، وهو وهم ،
والمثبت من ( ط ) .
(٢) انظر الكامل (٤٩٨/٨).
(٣) انظر حوادث سنة (٣٥٨هـ) .
(٤) أي حين ولايته الخلافة ، والأصح أن عمره إذ ذاك ثنتان وعشرون سنة ، وذلك لأن ولادته سنة (٣١٩هـ)، كما سيرد
في ترجمته في وفيات سنة (٣٦٦هـ) .
في ( ط ) زيادة : اللذان يقال لهما بين القصرين اليوم.
(٥)
(٦) كان بعث جوهر إلى مصر سنة (٣٥٨هـ)، ودخول المعز إليها سنة (٣٦٢هـ)، كما سيرد في حوادث سنة (٣٥٨هـ)
و (٣٦٢ هـ) .
في ( ح ) يأتي عقب هذا ترجمة ابن الأعرابي والصفار ، وفي ( ط ) ترجمة الصفار ثم ابن الأعرابي ، ثم تعودان إلى
تكملة ترجمة المنصور ، وفي ( ب ) ترد الترجمة كاملة دون هذا الانقطاع ، وهو ما أثبتناه .
(٧) أي مع المنصور .
(٨) في (ح) و(ب): أذهبت بفأله بقول الشاعر، والمثبت من ( ط).

١٨٩
وفيات سنة ٣٤١هـ
،فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١٧ - ١١٩] قال: فقلت
يَأَفِكُونَ (١) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٦)
له: أنت ابن رسول الله وَله، قلت كما علمت، وأنا قلت بما بلغ إليه علمي.
قال ابن خلِّكان : وهذه كما جرى لعبد الملك بن مروان حين أمر الحجَّاج أن يبنيَ باباً ببيت
المقدس ، ويكتب عليه اسمه ، فبنى له باباً آخر ، فوقعت صاعقة على باب عبد الملك ، فأحرقته ،
فكتب إليه الحجّاجُ من العراق يسليه عما أهمَّه من ذلك يقول : يا أمير المؤمنين ، أنا وأنت كما قال
الله تعالى: ﴿﴿ وَأَتْلُ عَلَيَهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَنُقُئِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ ﴾
[ المائدة : ٢٧ ] الآية .
وكانت وفاة المنصور هذا في هذه السنة ، أصابه بَرْدٌ شديد ، فمات به .
وممن توفي فيها أيضاً من الأعيان :
أحمد بن محمد بن زياد(١) بن بِشْر بن دِرْهم: أبو سعيد [ بن ]٢) الأعرابي ، البصري .
سكن مكة ، وصار شيخ الحرم ، وصحب الجُنَيد بن محمد ، والنُّوري وغيرهما ، وأسند الحديث ،
وصنف كتباً للصُّوفية .
إسماعيل بن محمد بن إسماعيل (٣) بن صالح: أبو علي ، الصَّفَّار ، النَّحْوي.
لقي المبرِّد ، واشتهر بصحبته ، وكان مولده في سنة سبع وأربعين ومئتين .
سمع الحسن بن عَرَفَة ، وعباساً الدُّوري ، وغيرهما . وروى عنه جماعة منهم الدَّارَقُطْني ، وقال :
صام أربعة وثمانين رمضان(٤) .
وقد كانت وفاته في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة ، رحمه الله .
(١) طبقات الصوفية (٤٢٧ - ٤٣٠) حلية الأولياء (٣٧٥/١٠ - ٣٧٦) الرسالة القشيرية (٢٨) تاريخ ابن عساكر (٢/ ٢٨٦ -
٨٦ب) المنتظم (٣٧١/٦)، تذكرة الحفاظ (٨٥٢/٣ - ٨٥٣) العبر (٢٥٢/٢) سير أعلام النبلاء (٤٠٧/١٥ - ٤١١)
طبقات الأولياء (٧٧ - ٧٨) لسان الميزان (٣٠٨/١ - ٣٠٩) النجوم الزاهرة (٣٠٦/٣ - ٣٠٧) شذرات الذهب
(٣٥٤/٢ - ٣٥٥) .
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٣) تاريخ بغداد (٣٠٢/٦ - ٣٠٤) نزهة الألباء (١٩٥ - ١٩٦) المنتظم (٣٧١/٦ -٣٧٢) معجم الأدباء (٣٣/٧ - ٣٦) إنباه
الرواة (٢١١/١ - ٢١٣) العبر (٢٥٦/٢) سير أعلام النبلاء (٤٤٠/١٥ -٤٤١) لسان الميزان (١/ ٤٣٢) بغية الوعاة
(١٨٨) شذرات الذهب (٣٥٨/٢).
(٤) المنتظم (٣٧١/٦) .

١٩٠
أحداث سنة ٣٤٢هـ ـ وفيات سنة ٣٤٢هـ
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وثلاثمئة
فيها دخل سيف الدولة بن حَمْدان ؛ صاحبُ حلب إلى بلادِ الرُّوم ، فقتل منهم خَلْقاً ، وأسر آخرين ،
وغَنِمَ أموالًا جزيلة ، ورجع سالماً غانماً .
وفيها اختلف الحجيج بمكة ، ووقعت حَرْبٌ بين أصحاب ابن طُغْج وأصحاب معز الدولة ، فغلبهم
العراقيون ، ثم بعد انقضاء الحج اختلفوا١) ، فغلبهم العراقيون أيضاً .
وجرت حروبٌ كثيرة وخطوبٌ كبيرة بين ركن الدولة والخراسانية والسَّامانية ، تقصَّى ذكرها ابنُ الأثير
في ((كامله )(٢) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
علي بن محمد بن أبي الفَهْمُ(٣) : أبو القاسم ، التَُّوخي ، جدُّ القاضي أبي القاسم التُّوخِي ، شيخٍ
الخطيب .
ولد بأنطاكية ، وقَدِمَ بغداد ، فتفقَّه بها على مذهب أبي حنيفة ، وكان يعرف(٤) الكلام على طريقة
المعتزلة ، ويعرف النجوم ، ويقول الشِّعْر ، وولي القضاء بالأهوازِ وغيرها ، وقد سَمِعَ الحديثَ من
البَغَوي وغيره .
وكان فَهِماً ذكياً ، حفظ وهو ابن خمس عشرة سنة قصيدةً لدِعْبلِ الشَّاعر في ليلة واحدة ؛ وهي ستمئة
بيت ، وعَرَضَها على أبيه صبيحتها ، فقام إليه وضمَّه ، وقبّل بين عينيه وقال: يا بني لا تخبر بهذا أحداً
لئلا تصيبك العين (٥) .
(١) في (ح): اتفقوا، وهو وهم، والعبارة ساقطة من ( ب)، والمثبت من (ط ).
(٢) انظر الكامل (٥٠٠/٨ _ ٥٠٥) .
(٣) يتيمة الدهر (٣٠٩/٢ - ٣١٨) تاريخ بغداد (٧٧/١٢ - ٧٩) الأنساب (٩٣/٣) المنتظم (٣٧٢/٦ - ٣٧٣) معجم
الأدباء (١٦٢/١٤ - ١٩١) وفيات الأعيان (٣٦٦/٣ - ٣٦٩) العبر (٢٦٠/٢) ميزان الاعتدال (١٥٣/٣) سير أعلام
النبلاء (٤٩٩/١٥ - ٥٠٠) مرآة الجنان (٣٣٤/٢ - ٣٣٥) الجواهر المضية (٣٧٨/١) لسان الميزان (٢٥٦/٤ - ٢٥٧)
النجوم الزاهرة (٣١٠/٣) شذرات الذهب (٣٦٢/٢ - ٣٦٤).
في (ح ) : لا يعرف، وهو خطأ، والمثبت من ( ب).
(٤)
(٥) تاريخ بغداد (١٢ / ٧٨ -٧٩) وقصيدة دعبل التي حفظها مطلعها:
كفاكِ اللَّوْمَ مَرُّ الأربعينا
أفيقي من ملامك يا ظعينا
ولم يصلنا منها سوى خمسة وعشرين بيتاً، انظر ((شعر دعبل)) (١٩٣ - ١٩٧).

١٩١
أحداث سنة ٣٤٣ هـ
وذكر ابنُ خَلِّكان أنه كان نديماً للوزير المُهلَّبِي ، ووفدَ على سيف الدولة بن حَمْدان ، فأكرمه وأحسن
إليه . وأورد له من شِعْره أشياءً حسنةً ، فمن ذلك قوله في الخمر :
وراحٍ من الشَّمْسِ مخلوقةٌ بَدَتْ لك في قَدَحِ منْ نهارٍ
وماءٌ ولكنَّهُ غيرُ جارٍ
هواءٌ ولكنَّهُ جامِدٌ
إذا مالَ للسَّقْي أو باليسار
كأنَّ المُدِيْرَ لها باليمين
لهُ فردُ كُمٍّ مِنَ الجُلَّنَارِ(١)
تدرَّعَ ثوباً منَ الياسمينِ
محمد بن إبراهيم(٢) بن الحسين بن الحسن بن عبد الخلاق : أبو الفَرَج ، البغدادي ، الفقيه الشَّافعي
يعرف بابن سُكَّرة .
سكن مِصْر ، وحدَّث بها ، وسَمِعَ منه أبو الفتح بن مسرور(٣)، وذكر أن فيه لِينا٤ً) .
محمد بن موسى بن يعقوب (٥) بن المأمون بن الرَّشيد هارون: أبو بكر ، ولي إمرة مكة في سنة ثمانٍ
وستين ومئتين ، وقَدِمَ مصر ، فحدَّث بها عن علي بن عبد العزيز البَغَوي بموطأ مالك ، وكان ثقة مأموناً ،
توفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة .
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وثلاثمئة
فيها كانت وقعة بين سيف الدولة بن حمدان وبين الدُّمَسْتَقَ(٦)، فَقُتل خَلْقٌ من أصحاب الدُّمَسْتَقِ
وأُسر جماعةٌ من رؤساء بطارقته ولله الحمد ، وكان في جملة من قتل قسطنطين بن الدُّمَسْتق ، وسبى خلقاً
وأسر آخرين ، وذلك في ربيع الأول من هذه السنة ، ثم جمع الذُّمَسْتَق خلقاً كثيراً ، فالتقوا مع سيف
الدولة في شعبان ، فَجَرَتْ بينهم حروب عظيمة وقتال شديد ، فكانت الدائرة للمسلمين ، وخذل الله
(١) وفيات الأعيان (٣٣٧/٣).
(٢) تاريخ بغداد (٤١٢/١) المنتظم (٣٧٤/٦) حسن المحاضرة (١٨٧/١).
(٣) في (ح) و ( ب): سرور، والمثبت من (ط) وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٢٢ - ٤٢٣، ٥١٦ -
٥١٧) .
(٤) في تاريخ بغداد (١/ ٤١٢): أن أبا الفتح سمع منه سنة (٣٥٥هـ)، فإذا صحَّ تاريخ هذا السماع تكون وفاة محمد بن
ابراهيم بعد هذه السنة أو فيها ، والله أعلم .
قال بشار : ذِكْره في وفيات هذه السنة متابعة منه لابن الجوزي في المنتظم ؛ وابن الجوزي نقل الترجمة من
الخطيب ، فلا أدري من أين جاء بهذا التاريخ ، وننظر بلابد تعليقي على تاريخ الخطيب (٢/ ٣١٠ بتحقيقي).
(٥) المنتظم (٣٧٥/٦).
(٦) الضبط من صبح الأعشى (٣٥٨/٥).

١٩٢
وفيات سنة ٣٤٣هـ
الكافرين ، فقُتِلَ منهم خَلْقٌ كثير ، وأسر جماعة من الرُّوس ، فكان منهم صهر الدُّمَسْتق وابن ابنته أيضاً .
وفيها حصل للنَّاس أمراض كثيرة وحميات وأوجاع في الحلق .
وفيها ماتَ الأمير الحميد نوح بن نَصْر السَّاماني ؛ صاحب خراسان وما وراء النهر ، وقام بالأمر من
بعده ولده عبد الملك .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسن بن أحمد (١) : أبو علي ، الكاتب ، المِصْري .
صَحِبَ أبا علي الرُّوذباري وغيره ، وكان أبو عثمان المَغْربي يعظِّم أمره ويقول : أبو علي الكاتب من
السَّالكين .
ومن كلامه الذي حكاه عنه أبو عبد الرحمن السُّلَمي قوله : روائح نسيم المحبة تفوحُ من المُحبِّين وإن
كتموها ، وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها ، وتبدو عليهم وإن ستروها . وأنشد :
إذا ما استسرَّتْ أنفسُ النَّاسِ ذِكْرَهُ تَبَّنْتُهُ فِيهِمْ ولم يتكلَّمُوا
تُطَيُّهُمْ أنفاسُهُمْ فتذيعها وهل سِرُ مسكٍ أُودعَ الرِّيحَ يُكْتَمُ(٢)
علي بن محمد [ بن محمد ]٣) بن عُقْبة بن هَمَّا(٤) : أبو الحسن ، الشَّيْباني الكُوفي .
قدم بغداد ، فحدَّث بها عن جماعة ، وروى عنه الدَّارَ قُطْني . وكان ثِقَةً عَدْلًا ، كثيرَ التّلاوة ، فقيهاً ،
مكَثَ يشهد على الحُكَّام ثلاثاً وسبعين سنة ، [ مقبولاً عندهم ، وأذَّن في مسجد حمزة الزَّيَّات نيفاً وسبعين
سنة (٥) ، وكذلك أبوه من قبله .
محمد بن علي بن أحمد بن العباس(٦) : الكَرْخي ، الأديب .
كان عالماً زاهداً ورعاً ، يختمُ القرآن كل يوم ، ويديم الصَّوم ، وسمع الحديث من عَبْدان وأقرانِهِ .
:
١
ترجمته في طبقات الصوفية (٣٨٦ - ٣٨٨) المنتظم (٣٧٥/٦ -٣٧٦) طبقات الأولياء (٥٧ - ٥٨).
(١)
(٢)
انظر طبقات الصوفية (٣٨٧ -٣٨٨) والبيتان فيه مع اختلاف في اللفظ.
(٣) ما بين حاصرتين من سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٤٣).
تاريخ بغداد (٧٩/١٢ - ٨١) المنتظم (٣٧٦/٦) العبر (٢٦٢/٢) سير أعلام النبلاء (٤٤٣/١٥ - ٤٤٤) مرآة الجنان
(٤)
(٣٣٥/٢) شذرات الذهب (٣٦٥/٢ -٣٦٦).
(٥) ما بين حاصرتين ساقط من (ح)، والمثبت من ( ب).
(٦) المنتظم (٣٧٦/٦) وفيه : محمد بن علي بن حماد ، أبو العباس الكرخي .

١٩٣
أحداث سنة ٣٤٤هـ
أبو الخير القِّيْنَاتي(١): العابد الزَّاهدُ(٢).
أصله من المَغْرب ، وكان مقيماً بقرية يقال لها تِينات من عمل أنطاكية ، ويعرف بالأقْطع ؛ لأنَّه كان
مقطوعَ اليد ، كان قد عاهد الله عهداً ثم نكثه ، فاتفق أن مُسِك في جماعةٍ من اللصوص من الصَّحراء وهو
هناك [ سائح يتعبد }٣)، فأخذ معهم، فقطعت يده معهم ، وكانت له أحوال وكرامات ، وكان يَنْسُجُ
الخُوصَ بيده الواحدة . ودخل عليه بعضهم فشاهد منه ذلك ، فأخذ عليه العهد أن لا يخبر به أحداً ما دام
حيّاً ، فوفئ له بذلك(٤) .
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وثلاثمئة
قال ابن الجَوْزي : فيها شَمِلَ الناسَ ببغداد وواسط وأصْبَهان والأهواز داءٌ مركّب من دمٍ وصفراء
ووباء ، مات بذلك خَلْقٌ كثير ، بحيث كان يموت في كلِّ يوم قريبٌ من ألف نفس(٥) .
وجاء فيها جَرَادٌ عظيم أكل الخضروات والأشجار والثمار(٦).
وفي المُحرَّم عقد مُعزُّ الدولة لابنه أبي منصور بختيار الأمر من بعده بأمرة الأمراء(٧) .
وفيها خرج رجل بأذْرَبيجان ادَّعى أنه يعلم الغيب ، وكان يحرِّم اللحم وما يخرج من الحيوانات ،
فأضافَه مَّةً رجلٌ ، فجاءه بطعام كشكية بشحم فأكله ، فقال له الرجل بحضرة منْ معه : إنك تدَّعي أنك
تعلم الغيب ، وهذا الطعام فيه شَحْمٌ وأنت تحرِّمُه ، فلم لا علمته ؟ قال : فتفرَّق النَّاس عنه(٨).
وفيها جَرَتْ حروب كثيرة بين المُعِزِّ الفاطمي وبين صاحب الأندلس عبد الرحمن الناصر الأموي ،
استقصاها ابنُ الأثير(٩) .
(١) طبقات الصوفية (٣٧٠ - ٣٧٢) حلية الأولياء (٣٧٧/١٠ -٣٧٨) الرسالة القشيرية (٢٦) الأنساب (١٢١/٣) المنتظم
(٣٧٦/٦ - ٣٧٧) صفة الصفوة (٢٠٦/٤) معجم البلدان (٦٨/٢) اللباب (٢٣٤/١) سير أعلام النبلاء (٢٢/١٦ -
٢٣) طبقات الأولياء (١٩٠ - ١٩٥) طبقات الشعراني (١٢٨/١) نتائج الأفكار القدسية (١٩٣/١).
(٢) في معجم البلدان (٦٨/٢) واسمه عباد بن عبد الله، وفي السير (١٦/ ٢٢) ويقال اسمه حماد.
في السير (٢٣/١٦): توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمئة ، وقيل : سنة تسع وأربعين .
(٣) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٤)
المنتظم (٦/ ٣٧٧) .
(٥)
المصدر السالف .
(٦)
المصدر السالف .
(٧)
(٨) انظر الكامل (٥١٢/٨).
(٩) الكامل (٥١٢/٨ - ٥١٣).

١٩٤
وفيات سنة ٣٤٤هـ
وممن توفي فيها من الأعيان :
عثمان بن أحمد(١) بن عبد الله بن يزيد: أبو عمرو الدَّقَّاق، ويُعرف بابن السَّمَّاك .
روى عن حنبل بن إسحاق وغيره ، وعنه الدَّارَقُطْني وغيره ، وكان ثِقَةً ثَبْتاً ، كَتبَ المصنَّفات الكثيرة
بخطّه . توفي في ربيع الأول من هذه السنة ، ودفن بمقبرة باب التِّبْن ، وحَضَرَ جنَازَتَه خمسون ألفاً .
محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد (٢) : أبو جعفر القاضي ، السِّمْناني .
ولد سنة إحدى وستين ومئتين (٣) ، وسكن بغداد ، وحدث بها ، وكان ثِقَةً عالماً سخياً ، حسن
الكلام ، عراقي المذهب ، وكانت داره مجمعاً للعلماء ، ثم ولي قضاء المَوْصل ، وكانت وفاته بها في
هذه السنة في ربيع الأول منها .
محمد بن أحمد بن بُطَّة بن إسحاق الأصفهاني(٤) : أبو عبد الله .
سكن نَيَّسابور ، ثم عاد إلى أصبهان .
وليس هذا بأبي عبد الله بن بَطَّة العُكْبَرِي(٥)، هذا متقدِّمٌ على الآخر، هذا شيخ الطَّبراني، وابن بَطَّة
يروي عن الطَّبراني، وهذا بضم الباء من بُطَّة، والفقيه الحَنْبلي بفتحها .
وقد كان جدُّ هذا، وهو بُطَّة بن إسحاق، أبو سعيد من المحدِّثين أيضاً . ذكره ابنُ الجَوْزي في
((منتظمه)(٦) .
محمد بن محمد بن يوسف بن الحَجَّاج(٧) : أبو النَّصْر ، الفقيه ، الطُوسي .
كان فقيهاً عالماً ثِقَةً عابداً ، يصومُ النَّهار ويقوم الليل ، ويتصدَّق بالفاضل من قوته ، ويأمر بالمعروف
(١) تاريخ بغداد (٣٠٢/١١ -٣٠٣) الأنساب (١٢٧/٧) المنتظم (٣٨٧/٦) العبر (٢٦٤/٢) سير أعلام النبلاء (٤٤٤/١٥
- ٤٤٥) ميزان الاعتدال (٣١/٣) غاية النهاية (٥٠١/١) لسان الميزان (١٣١/٤ -١٣٢) شذرات الذهب (٢ /٣٦٦ -
٣٦٧) .
(٢) تابع ابنُ كثير ابنَ الجوزي في المنتظم (٣٧٨/٦) إذ ذكره في وفيات هذه السنة، والصواب أن وفاته سنة (٤٤٤ هـ)،
: وسيترجم له ابن كثير في وفياته متابعاً كذلك ابن الجوزي .
(٣)
الصحيح أنه ولد سنة إحدى وستين وثلاثمئة ، انظر تاريخ بغداد (٣٥٥/١) .
(٤)
المنتظم (٣٨٧/٦ -٣٧٩).
(٥)
سترد ترجمته في وفيات سنة (٣٨٧هـ) .
(٦) انظر المنتظم (٣٧٩/٦).
الأنساب (٢٦٤/٨ - ٢٦٥) المنتظم (٣٧٩/٦) تذكرة الحفاظ (٨٩٣/٣ - ٨٩٤) العبر (٢٦٤/٢ - ٢٦٥) سير أعلام
(٧)
النبلاء (٤٩٠/١٥ - ٤٩٢) الوافي بالوفيات (٢١٠/١) مرآة الجنان (٣٣٦/٢) النجوم الزاهرة (٣١٣/٣ - ٣١٤)
طبقات الحفاظ (٣٦٥) شذرات الذهب (٣٦٨/٢).

١٩٥
وفيات سنة ٣٤٤هـ
وينهى عن المنكر ، وقد رحل في طلب الحديث إلى الأقاليم النائية والبلدان المتباينة ، وكان قد جَزَّأ الليل
ثلاثة أجزاء : فثلث للنَّوْم ، وثلث للتَّصْنيف ، وثلث للقراءة .
وقد رآه بعضُهم [ في النوم (١) بعد وفاته فقال له : وصلت إلى ما طلبتَ ؟ فقال : إي والله ، نحن
عند رسول الله بَّه، وقد عَرضْتُ مصنَّقاتي في الحديث عليه ، فقبلها .
أبو بكر بن الحدَّاد٢) : الفقيه الشَّافعي، هو محمد بن أحمد بن محمد، أبو بكر بن الحدَّاد ، أحد
أئمة الشَّافعية .
روى عنه النَّسائي ، وقال : رضيتُ به حُجَّة بيني وبين الله عزَّ وجلَّ .
وقد كان ابنُ الحدَّاد فقيهاً فروعياً ، ومحدِّثاً ونحوياً وفصيحاً في العبارة ، دقيقَ النظر في الفروع ، له
كتاب في ذلك غريب الشكل ، وقد ولي القضاء بمصر نيابةً عن أبي عبيد بن حَرْبَويه(٣) ، وذكرناه في
((طبقات الشَّافعية)).
أبو يعقوب الأذْرَعي(٤) إسحاق بن إبراهيم بن هاشم بن يعقوب بن إبراهيم النَّهْدي .
قال ابنُ عساكر : من أهل أذْرِعات ؛ مدينة بالبلقاء ، أحد الثقات من عُبَّاد الله الصالحين ، رحل
وحدَّث عن جماعةٍ ، وعنه آخرون. وقال غيره : كان من أجلَّة أهل دمشق وعُبَّدها وعلمائها(٥) .
وقد روى عنه ابن عساكر أشياء تدل على صلاحه وخرق العادة له ، فمن ذلك أنه قال : سألتُ الله أن
يقبض بصري فعميت ، فلما استضررت بالطهارة سألت الله عوده فردّه علي(٦) . توفي بدمشق في هذه
السنة ؛ سنة أربع وأربعين وثلاثمئة، وصحَّحهُ ابنُ عساكر ، وقد نَّفَ على التسعين .
(١) ما بين حاصرتين من ( ط ).
(٢) طبقات الفقهاء الشيرازي (١١٤) الأنساب (٧١/٤ - ٧٢) المنتظم (٣٧٩/٦) وفيات الأعيان (١٩٧/٤ - ١٩٨) تذكرة
الحفاظ (٨٩٩/٣ - ٩٠٠) العبر (٢٦٤/٢) سير أعلام النبلاء (٤٤٦/١٥ - ٤٥١) الوافي بالوفيات (٦٩/٢) مرآة
الجنان (٣٣٦/٢) طبقات الشافعية للسبكي (٧٩/٣ -٩٨) النجوم الزاهرة (٣١٣/٣) طبقات الحفاظ (٣٦٧) طبقات
ابن هداية الله (٧٠ - ٧٢) شذرات الذهب (٣٦٧/٢ -٣٦٨).
(٣) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣١٩ هـ) من هذا الجزء.
تاريخ ابن عساكر (١٣٦٩/٢ - ٣٧٠ب) العبر (٢٦٣/٢) سير أعلام النبلاء (٤٧٨/١٥ - ٤٧٩) الوافي بالوفيات
(٤)
(٣٩٨/٨) شذرات الذهب (٣٦٦/٢) .
تاريخ ابن عساكر (خ) (٢ / ١٣٧٠).
(٥)
(٦) المصدر السالف .

١٩٦
أحداث سنة ٣٤٥ هـ ـ وفيات سنة ٣٤٥هـ
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وثلاثمئة
فيها عصى الروزبهان على مُعِزِّ الدَّولة، وانحاز إلى الأهواز ، ولحق به عامَّةُ منْ كان مع المُهلَّبي الذي
كان يحاربه ، فلما بلغ ذلك معز الدولة لم يصدِّق؛ لأنه كان قد أحسن إليه ورفع من قدره بعد الضَّعَة
والخمول ، [ ثم تبيَّن له أن ذلك حق (١)، ثم ركب إليه لقتاله فاتَّبعه الخليفة المطيع الله خوفاً من ناصر
الدَّولة بن حَمْدان ، فإنه قد بلغه أنه قد جهّز جيشاً مع ولده أبي المرجَّى إلى بغداد ليأخذها حين بلغه أن معز
الدولة قد خرج منها . فأرسل معز الدولة حاجبه سُبُكْتكين إلى بغداد ليحفظها ، وصمد معز الدولة إلى
روزبهان ، فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، فهزمه معز الدولة وفرَّق أصحابه ، وأخذه أسيراً ، ودخل به أسيراً معه
إلى بغداد في أبهةٍ عظيمةٍ فسجنه ، ثم أخرجه ليلاً وغَرَّقه ؛ لأن الدَّيلم أرادوا إخراجه من السِّجْن قهراً .
وانطوى ذكر روزبهان وإخوته ، وكان قد اشتعل اشتعال النَّار ، وحظيت الأتراك عند معز الدولة ،
وانحطت رتبة الديلم عنده ، لأنه ظهر له خيانتهم في أمر الروزبهان وإخوته .
وفيها دخل سيف الدولة إلى بلاد الزُّوم ، فقتل وسبى ورجع إلى أذنة ، ثم عاد إلى حلب ، فحميت
الرُّوم ، فجمعوا وأقبلوا إلى مَيَّافارقين ، فقتلوا [ وسبَوْا وحرقوا ورجعوا لعنهم الله، وركبوا في البحر إلى
طَرَسُوس، فقتلوا من أهلها ألفاً وثمانمئة (٢) ، وسبوا وحرقوا قرى كثيرة .
وفيها زلزلت هَمَذَان زلزالاً عظيماً ؛ انهدمت البيوت ، وانشقَّ قصر شيرين بصاعقة ، ومات تحت
الهدم خَلْقٌ كثير لا يحصون كثرةً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
ووقعت فِتْنَةٌ عظيمة بين أهل أصبهان وأهل قُمّ بسبب سَبِّ الصَّحابة من أهل قُمّ ، فثار عليهم أهلُ
أصبهان ، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، ونهبوا أموال التجار ، فغضب ركنُ الدولة لأهل قُمّ ؛ لأنه كان شيعياً ،
فصادر أهلَ أصْبهان بأموالٍ كثيرة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
غلامُ ثَعْلَب(٣) محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم ، أبو عمر ، الزَّاهد ، غُلام ثعلب .
(١) ما بين حاصرتين من (ط).
ما بين حاصرتين ليس في ( ح ) ، والمثبت من ( ب).
(٢)
طبقات النحويين واللغويين (٢٣٩) الفهرست (١١٣ - ١١٤) تاريخ بغداد (٣٥٦/٢ -٣٥٩) طبقات الحنابلة (٢ / ٦٧ -
(٣)
٦٩) نزهة الألباء (١٩٠ - ١٩٥) المنتظم (٣٨٠/٦ - ٣٨٢) معجم الأدباء (١٨ - ٢٢٦ - ٢٣٤) انباه الرواة (١٧١/٣ -
١٧٧) وفيات الأعيان (٣٢٩/٤ - ٣٣٣) تذكرة الحفاظ (٨٧٣/٣ - ٨٧٦) العبر (٢٦٨/٢) سير أعلام النبلاء
(٥٠٨/١٥ - ٥١٣) الوافي بالوفيات (٧٢/٤ - ٧٣) مرآة الجنان (٣٣٧/٢ - ٣٣٩) لسان الميزان (٢٦٨/٥ - ٢٦٩)=

١٩٧
وفيات سنة ٣٤٥هـ
روى عن الكُدَيْمي ، وموسى بن سَهْل الوَشَّاء ، وغيرهما ، وروى عنه جماعة ، وآخر من حدَّث عنه
أبو علي بن شَاذَان .
وكان كثيرَ العِلْم والزُّهد ، حافظاً مطيقاً ، يملي من حِفْظه شيئاً كثيراً ، ضابطاً لما يحفظه ، ولكثرة
إغرابه اتهمه بعضهم ورماه بالكذب ، وقد اتفق له مع القاضي أبي عمر(١) - وكان يؤدِّب ولدَه - أنه أملى من
حفظه ثلاثين مسألة بشواهدها وأدلتها من لغة العرب ، واستشهد على بعضها ببيتين غريبين جداً ، فعرضها
القاضي أبو عمر على ابن دُرَيد وابن الأنباري وابن مِقْسم، فلم يعرفوا منها شيئاً . حتى قال ابن دُرَيد : هذا
ما وضعه أبو عمر من عنده . فلما جاء أبو عمر ذكر له القاضي ما قال ابن دريد عنه ، فطلب أبو عمر من
القاضي أن يحضر له من كتبه دواوين العرب . فلم يزل [ أبو عمر يعمد إلى كل مسألة و (٢) يأتيه بشاهد
لما ذكره بعد شاهدٍ حتى خرج من الثلاثين مسألة ثم قال : وأما البيتان ، فإنَّ ثعلباً أنشدناهما وأنت
حاضر ، فكتبتهما في دفترك . فطلب القاضي دفتره . فإذا هما فيه ، فلما بلغ ذلك ابنَ دُرَيد كفَّ لسانه عن
أبي عمر الزَّاهد ، فلم يذكره حتى مات .
وتوفي أبو عمر هذا يوم الأحد ، ودفن يوم الإثنين الثالث عشر من ذي القَعْدة ، ودفن في الصُّفَّة
المقابلة لقبر معروف الكرخي ببغداد .
محمد بن علي بن [ أحمد ]٣) بن رُسْتمُ(٤) : أبو بكر المادَرَائي ، الكاتب .
كان مولده في سنة سبع وخمسين ومئتين(٥) بالعراق ، ثم صار إلى مصر هو وأخوه أحمد مع أبيهما ،
وكان على الخَرَاجِ لِخُمارَوَيْه بن أحمد بن طولون ، ثم صار هذا الرجل من رؤساء النَّاس وأكابرهم .
وقد سمع الحديث من أحمد بن عبد الجبّار وطبقته . وقد روى الخطيب عنه أنه قال : كان ببابي شیخٌ
كبير من الكُتَّاب قد بَطَلَ عن وظيفته ، فرأيتُ والدي في المنام وهو يقول : يا بني ، أما تتقي الله ؟! أنت
مشغولٌ بلذَّاتك ، والنَّاسُ ببابك يهلكون من العُري والجوع ، هذا فلان قد تقطّع سراويله ولا يقدر على
إبداله ، فلا تهمل أمره . فاستيقظتُ مذعوراً وأنا ناوٍ له الإحسان ، فنمت ثم استيقظت وقد أُنسيت المنام ،
=
بغية الوعاة (٦٩ - ٧٠) شذرات الذهب (٣٧٠/٢ - ٣٧١).
(١) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٣٢٠هـ) من هذا الجزء.
(٢) ما بين حاصرتين من ( ط ) .
(٣) ما بين حاصرتين من ( ط).
(٤) تاريخ بغداد (٧٩/٣ - ٨١) الأنساب (٤٩٩) تاريخ ابن عساكر (٣٤١/١٥ب - ٣٤٢ب) المنتظم (٣٨٣/٦) العبر
(٢٦٨/٢ - ٢٦٩) سير أعلام النبلاء (٤٥١/١٥ - ٤٥٢) الوافي بالوفيات (١١٥/٤) خطط المقريزي (١٥٥/٢ -
١٥٧) شذرات الذهب (٣٧١/٢).
(٥) في ( ط ) : سنة خمس وخمسين ومئتين ، وهو تحريف .

١٩٨
أحداث سنة ٣٤٦ هـ
فبينا أنا أسير إلى دار الملك ، إذا بذلك الشيخ على دابة ضعيفة ، فلما رآني أراد أن يترجَّل ، فبدا لي
فخذه ، وليس عليه سراويل وقد لبس الخُفَّ بلا سراويل ، فلما رأيته ذكرتُ المنام ، فاستدعى به عند
ذلك وأطلق له ألف دينار وثياباً ، ورتّب له على وظيفته مئتي دينار كل شهر ، ووعده بخيرٍ في الآجل
أيضاً ١) .
أحمد بن محمد بن إسماعيل (٢) بن إبراهيم طَبَاطَيا بن إسماعيل بن إبراهيم بن حسن بن حسن بن
[علي (٣) بن أبي طالب، الشّريف الحَسَني الرَّسِّي؛ قبيلة من الأشراف، أبو القاسم ، المِصْري ،
الشَّاعر ، كان نقيب الطالبيين بمصر ، ومن شعره قوله :
بالله صِفْهُ ولا تَنْقُصْ ولا تَزِدٍ
قالتْ لطَيْفِ خيالٍ زارني ومضى
وقلتِ قفْ لا ترد للماءِ لم يردٍ
فقال أبصرتُهُ لو ماتَ من ظمأٍ
يا بردَ ذاكَ الذي قالتْ علی کَبِدِي
قالتْ صدقتَ وفاءُ الحبِّ عادَتُهُ
قال ابن خَلِّكان : توفي ليلة الثلاثاء لخمسٍ بقين من شعبان من هذه السنة(٤) .
ثم دخلت سنة ست وأربعين وثلاثمئة
فيها كانت فتنة بين أهل الكَرْخ وأهل السُّنَّة في المذهب بسبب السبِّ ، فقتل من الفريقين خَلْقٌ كثير .
وفيها نقص البحر ثمانين ذراعاً ، ويقال باعاً ، فبدت به جبال وجزائر لم تكن تُرَى قبل ذلك .
وفيها كان بالعراق وبلاد الرَّي والجبل وقُمّ ونحوها زلازل كثيرة مستمرة نحواً من أربعين يوماً ، تسكن
ثم تعود ، فتهدَّمت بسبب ذلك أبنية كثيرة وغارت مياه كثيرة ، ومات خلق كثير ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون .
وفيها تجهّز مُعزُّ الدولة بن بُوَيه لقتال ناصر الدولة بن حمدان الذي بالمَوْصل ، فراسله ناصر الدولة ،
والتزم له بأموالٍ يحملها إليه في كلِّ سنة ، [ فسكت عنه ]°) ثم إنه منع حمل ما اشترط على نفسه ، فقصده
معز الدولة في السَّنة الآتية كما سيأتي .
تاريخ بغداد (٨٠/٣ - ٨١) .
(١)
(٢) يتيمة الدهر (٣٦٩/١ -٣٧٠) وفيات الأعيان (١٢٩/١ - ١٣١).
(٣) ما بين حاصرتين من (ب) و( ط ).
(٤) انظر وفيات الأعيان (١٢٩/١ - ١٣٠) والأبيات فيه مع اختلاف في بعض الألفاظ.
(٥) ما بين حاصرتين من (ط ).

١٩٩
وفيات سنة ٣٤٦هـ
وفيها وفي تشرين منها كَثُرَتْ في النَّاس أوجاع في الحلق والماشرى ، وكثر موت الفُجَاءة ، حتى إن
لصاً نقَّب داراً ليدخلها فمات وهو في النقب ، ولبس القاضي خِلْعة القضاء ليخرج للحكم بين الناس فلبس
أحد خُفَّيه ، فمات قبل أن يلبس الأخرى .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن عبد الله بن الحسن (١) : أبو هريرة، العَدَويّ(٢).
المُسْتملي على المشايخ، كتب عن أبي مسلم الكَجِّي وغيره، وكان ثقة، توفي في ربيع الأول(٣) منها.
الحسن بن خَلَف بن شَاذَانُ(٤) : أبو علي الواسِطِي .
روى عن إسحاق الأزرق ، ويزيد بن هارون ، وغيرهما ، وروى عنه البخاري في (( صحيحه))،
وتوفي في هذه السنة .
هكذا رأيت هذه الترجمة في هذه السَّنة من ((المنتظم)) لأبي الفرج بن الجَوْزي(٥).
أبو العَبَّاسِ الأَصَمُ(٦) محمد بن يعقوب بن يوسف بن مَعْقِل بن سِنان بن عبد الله ، الأُموي مولاهم ،
أبو العباس الأصم .
مولده في سنة سبع وأربعين ومئتين .
رأى الذُّهلي ولم يسمع منه، ورحل به أبوه إلى أصهبان ومكة ومِصر والشَّام والجزيرة وبغداد وغيرها
من البلاد ، فسمع الكثير عن الجَمِّ الغفير ، ثم رجع إلى خُرَاسان وهو ابن ثلاثين سنة ، وقد صار محدِّثً
كبيراً ، ثم طرأ عليه الصَّمم واستحكم حتى كان لا يسمع نهيق الحمار ، وكان مؤذناً في مسجده سبعين
سنة ، وحدَّث ستاً وسبعين سنة ، فألحق الأحفاد بالأجداد ، وكان ثقةً صادقاً ضابطاً لما سمعه ويسمعه ،
كُفَّ بصرُه قبل موته بشهر ، وكان يحدِّث من حفظه بأربعة عشر حديثاً ، وسبع حكايات ، ومات وقد بقي
له سنة من المئة .
(١) الأنساب (٤١٢/٨) المنتظم (٣٨٤/٦).
(٢) في ( ط ) العذري ، وهو تحريف.
(٣) في ((الأنساب)) و ((المنتظم)): ربيع الآخر.
تابع ابنُ كثير ابنَ الجوزي في إيراد ترجمة الحسن بن خلف في هذه السنة ، ولكن ابن كثير توقف فقال : هكذا رأيت
(٤)
هذه الترجمة في هذه السنة من ((المنتظم)). قلت: والصحيح في وفاته أنها كانت سنة (٢٤٦ هـ).
(٥) المنتظم (٣٨٥/٦).
(٦) الأنساب (٢٩٤/١ - ٢٩٧) تاريخ ابن عساكر (١٦٧/١٦ -٦٩ب) المنتظم (٣٨٦/٦ - ٣٨٧) تذكرة الحفاظ (٣ - ٨٦٠
- ٨٦٤) العبر (٢٧٣/٢ - ٢٧٤) سير أعلام النبلاء (٤٥٢/١٥ - ٤٦٠) الوافي بالوفيات (٢٢٣/٥) نكت الهميان
(٢٧٩) غاية النهاية (٢٨٣/٢) النجوم الزاهرة (٣١٧/٣) طبقات الحفاظ (٣٥٤) شذرات الذهب (٣٧٣/٢ - ٣٧٤).

٢٠٠
أحداث سنة ٣٤٧ هـ ــ وفيات سنة ٣٤٧هـ
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وثلاثمئة
فيها كانت زلزلة ببغداد في شهر نيسان وفي غيرها من البلاد الشَّرقية ، فمات بسببها خَلْقٌ كثير ،
وخَرِبَتْ دور كثيرة ، وظهر في آخر نيسان وشهر أيار جَرَاد عظيم أتلف الغَلَّت الصَّيفية والثمار .
ودخلت الرُّومُ آمِد ، ومَيَّافارِقِين ، فقتلوا ألفاً وخمسمئة إنسان ، وأخذوا مدينة سُمَيْساط وأخربوها
فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وفي المحرَّم منها ركب معزُّ الدولة إلى المَوْصل ، فأخذها من يد ناصر الدولة ، وهرب منها ناصر
الدولة إلى نَصِيبين ، ثم إلى مَيَّافارِقِين، ثم لحقه معزُّ الدولة ، فصار إلى أخيه سيف الدولة بحلب ، ثم
راسل سيفُ الدولة معزَّ الدولة في المصالحة بينه وبين أخيه ناصر الدولة ، فوقع الصُّلح على حمل كل سنة
" ألفي ألف وتسعمئة ألف [ درهم }١)، ورجع معز الدولة إلى بغداد بعد انعقاد الصلح(٣).
وفيها بعث المُعِزُّ الفاطمي مولاهم أبا الحسن جوهر القائد في جيوشٍ ، ومعه زيري بن مناد
الصِّنْهاجي ، ففتحوا بلاداً كثيرة في أقصى المغرب ، حتى انتهوا إلى البحر المحيط ، فأمر جوهر بأن
يُصْطاد له منه سمك ، فأرسل به في قلال الماء إلى المعز الفاطمي ، وحظي جوهر عنده ، وعظم شأنه
حتى صار بمنزلة الوزير .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الزُبير بن عبد الواحد (٣) بن محمد بن زكريا بن صالح بن إبراهيم: أبو عبد الله، الأسَدَاباذي(٤) .
رحل وسَمِعَ وطوَّف الأقاليم ، سمع الحسنَ بن سفيان وابن خُزيمة ، وأبا يعلى، وخَلْقاً ، وكان
حافظاً مُتْقناً صدوقاً ، وصنَّف الشيوخُ(٥) والأبواب .
(١) مابين حاصرتين من الكامل (٥٢٣/٨).
(٢) في (ط ) : زيادة ، وهي: وقد امتلأت البلاد رفضاً وسباً للصحابة من بني بويه وبني حمدان والفاطميين ، وكل
ملوك البلاد مصراً وشاماً وعراقاً وخراسان ، وغير ذلك من البلاد كانوا رفضاً ، وكذلك الحجاز وغيره ، وغالب بلاد
المغرب ، فكثر السب والتكفير منهم للصحابة .
(٣) في (ط): عبد الرحمن، وهو تحريف. وترجمته في تاريخ بغداد (٤٧٢/٨ - ٤٧٣) الأنساب (٢٢٤/١) تاريخ ابن
عساكر (٢١٧١/٦ - ١١٧٢) تذكرة الحفاظ (٩٠٠/٣ - ٩٠١) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٧٠ - ٥٧١) طبقات الحفاظ
(٣٦٨) .
(٤) في (ط ) : الإستراباذي ، وهو تحريف.
(٥) في (ط) : الشروح! وهو تحريف.