Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ أحداث سنة ٣١٧ هـ لأُمِّ المقتدر بالله ستمئة ألف دينار ، [ وكانت }١) قد دفنتها في قبر بتربتها ، فحُمِلَتْ إلى بيت المال. وأُخرج المقتدر وأمه وخالته وخواصُّ جواريه من دار الخلافة ، وذلك بعد محاصرة دار الخلافة ، وهَرَب منْ كان بها من الحجبة والخدم منها ، وولي نازوك الحجوبة مضافاً إلى ما بيده من الشرطة ، وأُلزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتاباً بالخلع من الخلافة ، وأشهد على نفسه بذلك جماعةً من الأمراء [ والأعيان (٢)، وسلَّم الكتاب إلى القاضي أبي عمر محمد بن يوسف، فقال لولده أبي الحسين (٣): احتفظ بهذا الكتاب ، فلا ترينَّه أحداً من خلق الله . ولما أُعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين ردَّه إليه ، فشكره على ذلك جداً، وولَّه قضاء القُضَاة. ولما كان يوم الأحد السادس عشر من المُحرَّم جلس القاهر بالله في منصب الخلافة ، وجلس بین یدیه الوزير أبو علي بن مُقْلة ، وكتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالله الخلافة عوضاً عن المقتدر ، وأطلق عليَّ بن عيسى من السجن ، وزاد في إقطاع جماعةٍ من الأمراء الذين قاموا بنصره ، منهم أبو الهيجاء بن حَمْدان . ولما كان يوم الإثنين جاء الجند ، وطلبوا أرزاقهم وشغبوا، وسارعوا إلى نازوك فقتلوه ، وكان مخموراً ، ثم صلبوه . وهرب الوزير والحَجَبة ، ونادوا : يا مقتدر يا منصور . ولم يكن مؤنس يومئذٍ هناك، وجاءت الجنود إلى بابه يطالبونه بالمقتدر ، فأغلق بابه ، وحاجف (٤) دونه خَدَمه . فلما رأى مؤنس أنه لابد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج ، فخاف(٥) أن يكون حيلة عليه ، ثم تجاسر فخرج ، فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة ، فسأل عن أخيه القاهر وأبي الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أماناً ، فما كان عن قريبٍ حتى جاءه خادم ومعه رأس أبي الهيجاء قد احتَّزه وأخرجه من بين كتفيه ، وجاء المقتدر بالله فجلس في الدست ، واستدعى بالقاهر ، فأجلسه بين يديه واستدناه إليه ، وقبّل بين عينيه ، وقال : يا أخي أنت لا ذنب لك، وقد عَلِمْتُ أنك قهرت . والقاهر يقول : الله الله ! نفسي نفسي يا أمير المؤمنين . فقال : وحَقّ رسول الله لا جرى عليك مني سوء أبداً . وعاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر [ إلى الخلافة ]٦) . وتراجعت الأمور إلى حالها الأوّل ببغداد ، واستقر المقتدر في الخلافة ، وحُمِلَ رأس نازوك (١) ما بين حاصرتين من (ط) . وفيها : وأخذوا لأم المقتدر خمسمئة ألف دينار. (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٣) في (ط ) الحسين ، وهو خطأ. أي دافع . اللسان ( حجف ) . (٤) في ( ط ) : فخاف المقتدر . (٥) (٦) ما بين حاصرتين من ( ط ). ٨٢ ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم وأبي الهيجاء بن حمدان فنودي عليهما : هذا رأس من عصى مولاه ، وهَرَبَ أبو السَّرايا بن حَمْدان إلى المَوْصل ، وكان ابن نفيس من أَشَدِّ النَّاس على المقتدر ، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكراً فدخل المَوْصل ، ثم صار إلى إزمينيَة، ثم لحق بمدينة القُسْطَنْطينيّة، فتنصَّرَ [ بها ]١) مع أهلها لعنه الله وإياهم . وأما مُؤْنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر ، وإنما وافق جماعة الأمراء مكرهاً ، ولهذا لما أودع المقتدر في داره لم ينله منه سوء ، بل كان يطيِّبُ قلبه ، ولو شاء لقتله لما طُلب من داره . فلهذا لما عاد [المقتدر ]٢) إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات [ بها ]٣) عنده لثقته به. وقرَّر أبا علي بن مقلة على الوزارة ، وولَّى محمد بن يوسف أبا عمر قضاء القضاة ، وجعل محمداً أخاه - وهو القاهر بالله - عند والدته بصفة محبوس(٤) عندها ، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان ، وتشتري له السَّراري ، وتكرمه غاية الإكرام . ذِكْرُ أخْذِ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم وما كان منهم إلى الحجيج ، لعن الله القرامطة خرج ركب العراق وأميرهم مَنْصور الدَّيْلَمي ، فوصلوا إلى مكة سالمين ، وتوافت الركوب من كلِّ جانب(٥) ، فما شعروا إلا بالقِرْمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية ، فانتهب أموالهم ، واستباح قتالهم ، فقتل النَّاس في رحاب مكة وشعابها حتى في المسجد الحرام ، وفي جَوْف الكعبة ، وجلس أميرهم أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي لعنه الله على باب الكعبة ، والرجال تصرع حوله ، [ والسيوف تعمل في الناس]٦) في المسجد الحرام في الشهر الحرام ثم في يوم التروية ، الذي هو من أشرف الأيام ، وهو يقول : أنا بالله وبالله أنا يخلق الخَلْق وأُفنيهم أنا فكان النَّاس يفرون [ منهم ]٧) فيتعلَّقون بأستار الكعبة، فلا يجدي ذلك عنهم شيئاً، [ بل ]^) (١) ما بين حاصرتين من (ط ). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) ما بين حاصرتين من (ط). في النسخ الخطية : بصفته محتبس عندها ، والمثبت من ( ط ) . (٤) في ( ط ) : وتوافت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) (٧) ما بين حاصرتين من (ط). (٨) ما بين حاصرتين من ( ط). ٨٣ ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم يقتلون وهم كذلك ، ويطوفون فيقتلوه في الطّواف ، وقد كان بعض أهل الحديث يومئذٍ يطوف ، فلما قضى طوافه أخذته السُّيوف ، فلمّا وَجَبَ(١) إلى الأرض أنشد وهو كذلك : ترى المحبّينَ صَرعى في ديارِهُمُ كِفِتْية الكهفِ لا يدرُونَ كم لبثوا ثم أمر(٢) القِرْمِطِي أن يُدْفن القتلى في بئر زمزم ، ودُفن كثير منهم في أماكنهم من الحرم حتى في المسجد الحرام ، ويا حَبَّذا تلك القتلة وتلك الضجعةُ(٣). ولم يُغسلوا ولم يكفنوا، ولم يُصَلَّ عليهم ، لأنهم [ مُخْرِمون (٤) شهداء في نفس الأمر ومن خيار الشهداء . وهَدَمَ قبة زمزم ، وأمر بِقَلْعِ باب الكعبة ، ونَزَعَ كسوتها عنها ، وشققها بين أصحابه ، وأمر رجلاً أن يصعد على ميزاب الكعبة ، فأراد ذلك الرجل أن يقتلعه من موضعه ، فسقط على أَمِّ رأسه ، فمات لعنه الله ، وصار إلى أمه الهاوية ، فانكفَّ اللعين عند ذلك عن الميزاب ، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود ، وجاءه رجل فضرب الحجر بمثقَّل في يده وقال : أين الطير الأبابيل ؟ أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسود - شرفه الله وكرمه وعظمه - وأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم ، فمكث عندهم ثنتين وعشرين سنة حتى ردّوه كما سنذكره في موضعه في سنة تسعٍ وثلاثين وثلاثمئة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولما رجع إلى بلاده تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده ، وسأله وتشفع إليه في أن يرد الحجر [ الأسود }٥) ليوضع في مكانه ، وبذل له جميع ما عنده من الأموال ، فلم يفعل ، فقاتله أمير مكة ، فقتله القِرْمِطِي ، وقتل أكثر أهله وجُنْده ، واستمر ذاهباً إلى بلاده لعنه الله ومعه الحجر وأموال الحجيج . وقد ألحد [ هذا اللعين }٦) في المسجد الحرام إلحاداً لم يسبقه إليه أحد ، ولا يلحقه فيه أحد ، وسيجازيه على ذلك الذي ﴿ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (﴿ وَلَا يُؤثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ [ الفجر: ٢٥ -٢٦]. وإنما حمل هؤلاء على هذا الصَّنيع لأنهم كانوا كفاراً زنادقة ، وقد كانوا ممالئين للفاطميين الذين نبغوا في هذه السنين ببلاد إفريقية من أرض المغرب ، ويلقب أميرهم بالمهدي ، وهو أبو محمد عُيَيد الله بن ميمون القَدَّاح، وقد كان صباغاً بسَلَمْيَةُ(٧)، ( وكان (٨) يهودياً ، فادعى أنه أسلم ، ثم سار منها فصار (١) أي سقط . اللسان (وجب ) . في ( ط ) : فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره ، وفعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة أمر .. (٢) (٣) في ( ط ) وذلك المدفن والمكان . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٥) (٦) ما بين حاصرتين من (ط). (٧) قال ياقوت: وأهل الشام يقولون: سَلَميَّة، وهي بلد من أعمال حمص معجم البلدان (٢٤٠/٣ - ٢٤١) وفى (ط ) : صباغاً . (٨) ما بين حاصرتين من ( ط). ٨٤ ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم إلى بلاد إفريقية ، فادعى أنه شريف فاطميّ ، فصدَّقه على ذلك طائفةٌ كثيرة من البربر وغيرهم من الجهلة ، وصارت له دولة ، فملك مدينة سِجِلْمَاسةُ(١) ، ثم ابتنى مدينةً وسماها المَهْدية ، فكان قرار ملكه بها ، وكان هؤلاء القرامطة يراسلونه ويدعون إليه ، ويترامون عليه ، ويقال : إنهم إنما كانوا يفعلون ذلك سياسة ودولة لا حقيقة له (٢). وذكر ابنُ الأثير أن المهديَّ كتب إلى أبي طاهر القِرْمطي يلومه على فعله بمكة ، حيث سلَّط النَّاس على الكلام في عرضهم ، وانكشفت أسرارهم التي كانوا يبطنونها بما ظهر من صنيعهم هذا القبيح ، وأمره برَدِّ ما أخذ منها ، وعَوْده إليها . فكتب إليه بالسَّمْعِ والطاعة ، وأنه قد قبل ما أشار به من ذلك(٣). وقد أُسر بعض أهل الحديث في أيدي هؤلاء القرامطة لعنهم الله(٤)؛ ثم فرّج الله عنه ، فكان يحكي(٥) أن الذي أسره كان يستخدمه [ في ]٦) أشق الخدمة وأشدها، وأنه كان يعربد عليه إذا سكر . فقال لي ذات ليلة وهو سكران: ما تقول في محمدكم؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان رجلاً سائساً . ثم قال : ما تقول في أبي بكر؟ فقلت : لا أدري . فقال : كان ضعيفاً مهيناً . وكان عمر فظاً غليظاً . وكان عثمان جاهلاً أحمق . وكان عليٍّ ممخرقاً، أليس(٧) كان عنده أحد يعلمه ما ادَّعى أن في صدره من العِلْم ؟ أما كان يمكنه أن يعلِّم هذا كلمة وهذا كلمة ؟ ثم قال : هذا كله مخرقة . فلما كان الغد قال لي : لا تخبر بهذا الذي قلت لك أحداً . رواه ابن الجَوْزي في ((منتظمه(٨). وروي عن بعضهم [ أنه]٩) قال: كنت في المسجد الحرام يوم اقتلع الحجر الأسود ١٠)، إذ دخل رجل وهو سكران ، راكب على فرس ، فصفر لها حتى بالت في المسجد الحرام في مكان الطواف ، ثم حمل على رجلٍ كان إلى جانبي فقتله، ثم نادى بأعلى صوته: يا حمير(١١) ، أليس قلتم في بيتكم هذا ﴿ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَا﴾ [ آل عمران: ٩٧] فأين الأمن؟ فقلت له: أتسمع (٢) (١) مدينة في جنوب المغرب، بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب. معجم البلدان (١٩٢/٣). سترد ترجمة المهدي في وفيات سنة (٣٢٢هـ) . (٣) الكامل (٢٠٨/٨) . في ( ط ) : فمكث في أيديهم مدة . (٤) في ( ط ) : يحكى عنهم عجائب من قلة عقولهم وعدم دينهم ، وأن ... (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) (٧) في ( ط ) ليس ، وهو خطأ . (٨) المنتظم (٢٢٤/٦). (٩) ما بين حاصرتين من ( ط ). (١٠) في (ط ) كنت في المسجد الحرام يوم التروية في مكان الطواف ، فحمل على رجل كان إلى جانبي فقتله القرمطي . (١١) في (ط ): ورفع صوته بذلك. ٨٥ ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم جواباً ؟ قال: نعم. قلت : إنما أراد الله: فأمّنوه . قال: فثنى رأس فرسه، وانصرف(١). وقد سأل بعضهم هاهنا سؤالًا ، فقال : قد أحلَّ الله عزَّ وجلَّ بأصحاب الفيل - وكانوا نصارى وهؤلاء شرٌّ منهم - ما ذكره في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ ﴿ أَلَمْ بَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيّْا أَبَابِيلَ (٥ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِيلٍ ﴿ فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾(٢) [الفيل: ١ - ٥] ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود والنصارى والمجوس ، بل ومن عَبَدَةِ الأصنامُ(٣)، فهلا عوجلوا بالعقوبة كما عوجل أصحاب الفيل ؟ وقد أجيب عن ذلك بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت الحرام ، لما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي كان هذا البيت فيه ، ليُعْلَم شرف هذا الرسول الكريم الذي هو خاتم الأنبياء ، فلما أراد إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها عما قريب أهلكهم الله ، سريعاً عاجلاً غير آجل كما ذكر في كتابه(٤) . وأما هؤلاء فكان من أمرهم ما كان بعد تقرر الشَّرائع وتمهيد القواعد ، والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة والكعبة ، وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء(٥) من أكبر الملحدين الكافرين ، بما تبين من كتاب الله وسنَّة رسوله ، فلهذا لم يحتج الحال إلى معاجلتهم بالعقوبة، بل أخّرهُمُ الرَّبُّ جل جلاله ليوم تشخص فيه الأبصار ، والله سبحانه وتعالى يمهل ويملي ويستدرج ، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، كما قال رسول الله وَله: ((إن الله ليملي للظّالم حتى إذا أخذه لم يفلته)(٦)، ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] وقال رسول الله لَّه: ((لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم)(٧) . وقال تعالى : ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] وقال تعالى: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى الْبِلَدِ (١) مَتَعُ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الِهَادُ﴾ [ آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧] وقال تعالى: ﴿ نُمِنِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤]. وقال: ﴿ مَتَحُ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [ يونس: ٧٠] . وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَؤُّوذي الحَنْبلي(٨)، وبين طائفة من العامة ، اختلفوا (١) المنتظم (٢٢٣/٦). (٢) في ( ط ) : ولم يفعلوا بمكة شيئاً مما فعله هؤلاء. (٣) في ( ط ) : وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد . في ( ط ) : ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله ، فلو دخلوه وأخربوه لأنكرت القلوب فضله . (٤) في ( ط ) : قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً ، وأنهم من أكبر . (٥) هو في صحيح البخاري (٤٤٠٩) في التفسير، وصحيح مسلم (٢٥٨٣) في البر والصلة . (٦) (٧) صحيح مسلم (٢٨٠٤/ ٥٠) في صفة الجنة . (٨) سلفت ترجمة أبي بكر في وفيات سنة (٢٧٥ هـ) من هذا الكتاب . ٨٦ وفيات سنة ٣١٧ هـ في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَّ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فقال الحنابلة : يجلسه معه على العرش . وقال الآخرون : المراد بذلك الشَّفاعة العُظْمى ، فاقتتلوا بسبب ذلك ، وقتل بينهم قتلى ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون. وقد ثبت في ((صحيح)) البخاري(١) أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، يشفع عند الله عزَّ وجلَّ في أن يأتي لفصل القضاء بين عباده ، وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم ، حتى إبراهيم الخليل ، ويغبطه به الأوَّلون والآخرون . وفيها وقعت فتنة بالمَوْصل بين العامة فيما يتعلق بأمر المعاش ، وانتشرت ، وكثر أهل الشر [ فيها ]٢) واستظهروا، وجرت بينهم شرور ثم سكنت(٣). وفيها وقعت فتنة ببلاد خُرَاسان بين بني سامانٌ(٤) وأخيهمُ(٥) نصر بن أحمد الملقب السَّعيد (٦). وخرج في شعبان خارجيٌّ بالمَوْصِل ، وخرج آخر بالبوازيج(٧) ، فقاتلهم أهل تلك الناحية حتى سكن شَرُّهم وتفرق أصحابهم(٨). وفيها التقى مفلح السَّاجي وملك الرُّوم الدُّمُسْتق ، فهزمه مفلح ، وطرد وراءه إلى أرض الروم ، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، ولله الحمد . وفيها هبت ريح شديدة ببغداد تحمل رماداً أحمر يشبه رمل أرض الحجاز ، فامتلأت منه البيوت . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن الحسن (٩) [ بن العباس (١٠) بن الفرجُ(١١) بن شُقَيْر(١٢)، أبو بكر النَّحْوي. (١) حديث الشفاعة في صحيح البخاري (٤٤٣٥) في التفسير، وصحيح مسلم (١٩٤) في الإيمان. (٢) ما بين حاصرتين من (ط) . (٣) الكامل لابن الأثير (٢١٢/٨ -٢١٣). (٤) في ( ط ) ساسان ، وهو تصحيف . (٥) من (ط ) وأميرهم ، وهو تحريف. (٦) الكامل (٢٠٨/٨ -٢١٢) . البواريج - بالراء المهملة - وهو تصحيف . والبوازيج : بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل ، حيث يصب في (٧) دجلة . معجم البلدان (١/ ٥٠٣) . (٨) الكامل (٢١٤/٨) وسيأتي خبره في أحداث سنة (٣١٨هـ). (٩) في معجم الأدباء (١١/٣) الحسين، وهو تحريف. (١٠) ما بين حاصرتين من تاريخ بغداد (٨٩/٤). (١١) تاريخ بغداد (٨٩/٤) نزهة الألباء (١٧١ - ١٧٢) معجم الأدباء (١١/٣) إنباه الرواة (٣٤/١ - ٣٥) تاج العروس ( شقر ) . (١٢) في (ط) و(ح ) سفيان، وهو تحريف. ٠ ٨٧ وفيات سنة ٣١٧هـ كان عالماً بمذهب الكوفيين ، وله فيه تصانيف . أحمد بن مهدي بن رستمُ(١) : العابد الزَّاهد ، أنفق في طلب العِلْم ثلاثمئة ألف دِزْهم ، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش ، وقد روى الحافظ أبو نُعَيْم بسنده عنه أنه جاءته امرأة ذات ليلة فقالت له : إني قد امتحنت بمحنة ؛ أكرهت على الزِّنا وأنا حُبْلى منه ، وقد تسترتُ بك، وزعمت أنك زَوْجي ، وأن هذا الحَمْلِ منك ، فاسترني سَتَرَك الله ولا تفضحني . فسكت عنها ، فلما وضعت جاءني أهل المحلَّة وإمام مسجدهم يهنئونني بالولد ، فأظهرت البِشْر ، وبعثت فاشتريت بدينارين شيئاً حلواً [وأطعمتهم ]٢)، وجعلت أرسل إليها مع إمام المسجد كل شهر دينارين صفة نفقة الولد ، [ وأقول : اقرئها مني السَّلام ، فإنه قد سبق مني ما فَرَّق بيني وبينها ]٣) . فمكثت كذلك سنتين ، ثم مات المولود ، فجاؤوني يعزونني فيه ، فأظهرت التغمم والحزن عليه ، فجاءتني المرأة بالدَّنانير التي كنت أرسل بها إليها [ نفقة الولد ]٤)، قد جمعتها [ في صرة ]°) عندها [ فقالت لي: سترك الله وجزاك خيراً، وهذه الدنانير التي كنت ترسل بها]٦) فقلت: يا هذه إني إنما كنت أرسل بها صِلَةً للولد [وقد مات وأنت ترثينه ]٧)، فخذيها ، فافعلي بها ما شئت . [ فدعت ، وانصرفت ]٨) . بَدْر بن الهَيْئمُ(٩) بن خَلَف بن خالد بن راشد بن الضَّحَّاك بن النُّعْمان [ بن محرق بن النعمان بن المنذر }١٠) أبو القاسم، اللَّخْميُ(١١) ، القاضي ، الكوفي . نزل بغداد، وحدَّث بها عن أبي كُرَيب وغيره . وكان سماعُه للحديث بعدما جاوز أربعين سنة ، وكان ثِقَةٌ نبيلاً ، عاش مئة سنة وسبع عشرة سنة . وكانت وفاته في شوال من هذه السنة بالكوفة . (١) في (ط) رميم، وهو تحريف وترجمته في حلية الأولياء (٣٩٦/١٠ - ٣٩٧) المنتظم (٢٢٥/٦ -٢٢٦) النجوم الزاهرة (٢٢٦/٣). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٥) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٦) (٧) ما بين حاصرتين من ( ط). (٨) ما بين حاصرتين من (ط). (٩) تاريخ بغداد (١٠٧/٧ - ١٠٨) المنتظم (٢٢٦/٦) سير أعلام النبلاء (٥٣٠/١٤ - ٥٣١). (١٠) ما بين حاصرتين من ( ط). (١١) في (ط ) البلخي، وهو تحريف. ٨٨ وفيات سنة ٣١٧هـ عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز(١) بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهِنْشاه، أبو القاسم، البَغَويُ(٢)، ويعرف بابن بنت مَنيع . ولد سنة ثلاث عشرة ، وقيل أربع عشرة ومئتين . ورأى أبا عبيد [ القاسم بن سلام ]٣) ولم يسمع منه، وسمع من أحمد [ بن حنبل ]٤) ، وعليٍّ بن المَديني ، ويحيى بن معين، وعلي بن الجَعْد ، وخَلَف بن هشام البَزَّار ، وخَلْق . وكان معه جُزْءٌ فيه سماعه من ابن معين ، فأخذه منه موسى بن هارون الحافظ ، فرماه في دِجلة ، وقال : تريد أن تجمع بين الثلاثة ؟ وقد تفرَّد عن سبعة وثمانين شيخاً ، وكان ثِقَةً حافظاً ضابطاً ، روى عنه الحُفَّاظ ، وله مصنَّفات . قال موسى بن هارون الحافظ : كان ابن بنت منيع ثقة صدوقاً ، فقيل له : إن هاهنا ناساً يتكلَّمون فيه . فقال : يحسدونه ، ابن بنت منيع لا يقول إلا الحق . وقال ابن أبي حاتم وغيره : [ أحاديثه ]°) تدخل في الصَّحيح . وقال الدَّار قطني : كان البغوي قلَّما يتكلّم على الحديث ، فإذا تكلَّم كان كلامه كالمِسْمار في السَّاج . وقد ذكره ابن عديٍّ في ((كامله))، فتكلَّم فيه، وقال: حَدَّث بأشياء أُنكرت عليه ، وكان معه طرف من معرفة الحديث والتَّصانيف . وقد انتدب ابن الجَوْزي للردِّ على ابن عَدِيٍّ في هذا الكلام ، وذَكَرَ أنَّه توفِّي ليلة عيد الفِطْر من هذه السنة، وقد استكمل مئة سنة وثلاث سنين وشهوراً، وهو مع ذلك صحيح السَّمْع والبَصَر والأسنان ، يطأ الإماء(٦) . وكانت وفاته ببغداد ، ودُفِن بمقبرة باب التِّبْن ، رحمه الله وأكرمَ مثواه . (١) تاريخ بغداد (١١١/١٠ - ١١٧) طبقات الحنابلة (١٩٠/١ - ١٩٢) الأنساب (٢٥٥/٢) المنتظم (٢٢٧/٦ - ٢٣٠) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٤٠ -٤٥٦). قيل له البغوي لأن جده أحمد بن منيع أصله من بغ، أما هو فقد ولد ببغداد ، وبها نشأ. الأنساب (٢٥٥/٢). (٢) (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ) . ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) (٥) ما بين حاصرتين من (ط). (٦) المنتظم (٢٢٩/٦ - ٢٣٠). ٨٩ وفيات سنة ٣١٧هـ محمد بن أبي الحسين [ أحمد ]١) بن محمد بن عمَّار(٢): الشَّهيد الحافظ ، أبو الفَضْلِ الهَرَوي ، ويُعْرَف بابن أبي سَعْد(٣) . قَدِمَ بغداد ، وحدَّث بها عن محمد بن عبد الله الأنصاري . وحدَّث عنه ابنُ المُظَفَّر الحافظ . وكان من الثِّقات الأثبات الحُفَّاظ المتقنين، له مناقشاتٌ على بضعة عشر حديثاً من ((صحيح)) مُسْلم . قتلته القرامطة يوم التّروية بمكة في هذه السَّنة في جُمْلة منْ قَتَلوا ، رحمه الله وأكرم مثواه ، وجعل جنات الفِرْدوس منقلبه ومثواه . الكَعْبِيُّ المُتَكَلِّمُ(٤) : هو أبو القاسم ، عبد الله بنُ أحمدَ بن محمود ، البَلْخي، الكَعْبي، المتكلِّمُ(٥) ، نسبةً إلى بني كعب ؛ أحد مشايخ المُعْتزلة ، وهو الذي تنسب إليه الطائفة الكَعْبية منهم . قال القاضي ابن خَلِّكان : وكان من كبار المتكلِّمين ، وله اختياراتٌ في عِلْم الكلام ؛ من ذلك أنه كان يزعم أن أفعال الله تعالى تقع بلا اختيار ولا مشيئة(٦) . هكذا أورده عنه . قلت : وقد خالف الكَعْبِيُّ نَضَّ القرآن في غير ما موضع منه. قال الله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارٌ﴾ [ القصص: ٦٨]. وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَّةٌ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَنَيْنَا كُلَّ نَفْسِ هُدَنهَا﴾ [السجدة: ١٣] وقال: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبهَا فَفَسَقُواْ فِيَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾ [ الإسراء: ١٦] إلى غير ذلك مما هو معلوم بالضرورة بصريح العقل وصحيح الشرع. (١) في النسخ الخطية محمد بن الحسين، وهو وهم، وما بين حاصرتين من سير أعلام النبلاء (١٤ / ٥٣٩). (٢) فى (ط) عثمان، وهو تحريف. وترجمته في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٤٠/٥٣٨) تذكرة الحفاظ (٨٣٤/٣ - ٨٣٥) العبر (١٦٩/٢) طبقات الحفاظ (٣٤٧). (٣) هو جده لأمه يحيى بن منصور الزاهد الهروي ، المتوفى سنة (٢٨٧ هـ) وقيل سنة (٢٩٢ هـ) ترجمته في تاريخ بغداد (١٤ / ٢٢٥ -٢٢٦) والعبر (٨٠/٢، ٩٤) وفيه أبو سعيد، وهو تصحيف. (٤) الفرق بين الفرق (١٦٥ - ١٦٧) تاريخ بغداد (٣٨٤/٩) الملل والنحل (٧٦/١ - ٧٨) الأنساب (٤٤٤/١٠ - ٤٤٥) المنتظم (٢٣٨/٦) وفيات الأعيان (٤٥/٣) سير أعلام النبلاء (٣١٣/١٤، ٢٥٥/١٥) طبقات المعتزلة (٨٨ - ٨٩) . (٥) ثمة اختلاف بين المؤرخين في سنة وفاته ، أغلب المصادر على أنها سنة (٣١٩ هـ)، وصححها الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣١٣/١٤) على أنها سنة (٣٢٩هـ)، وذكر ابن خلكان وفاته سنة (٣١٧هـ)، وتابعه على ذلك ابن كثير هنا . (٦) وفيات الأعيان (٤٥/٣). ٩٠ أحداث سنة ٣١٨ هـ ثم دخلت سنة ثماني عشرة وثلاثمئة فيها عزل الخليفة المقتدر بالله وزيره أبا علي بن مُقْلة، فكانت مُدَّة وزارته سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام ، واستوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مَخْلَد ، وجعل عليَّ بن عيسى ناظراً معه . وفي جُمادى الأولى منها أُحرقت دار أبي علي بن مقلة ، وكان قد أنفقَ عليها مئةَ ألفِ دينار ، فانتهبَ النَّاس أخشابها وما وجدوا فيها منْ حديدٍ ورصاصٍ وغير ذلك ، وصادره الخليفة بمئتي ألف دينار . وفيها طرد الخليفة الرَّجَّالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد ؛ وذلك أنهم لما ردُّوا المقتدر إلى الخلافة شرعوا يَنْفِسُون بكلام كثير عليهم(١) ، يقولون: منْ أعان ظالماً سُلَّط عليه. ومن أصعد الحمار إلى السطح [ لم (٢) يقدر ينزله. فأمر بإخراجهم عن بغداد ، ومن أقام منهم عوقب .. فأُحرقت دورٌ كثيرة من أقربائهم ، واحترق بعض نسائهم وأولادهم ، فخرجوا منها في غاية الإهانة ، فنزلوا واسط ، وتغلَّبوا عليها ، وأخرجوا عامِلَها [ منها ]٣) ، فركب إليهم مؤنسٌ الخادم ، فأوقع بهم بأساً شديداً ، وقتل منهم خَلْقاً كثيراً ، فلم يقم لهم بعد ذلك راية (٤) . وفي ربيع الأول منها عَزَلَ الخليفة ناصرَ الدَّوْلة بنَ حمدان عن المَوْصل ، وولَّى عليها عمَّيْه سعيداً ونصراً ابني حمدان ، وولَّاه ديار ربيعة : نَصِيبين وسِنْجار والخابور ورأس العين ، ومعه مَيَّافارقين وأرْزَن ، ضمن ذلك من الخليفة بمالٍ يحمله [ إليه ]°) في كل سنة . وفي جمادى الأولى خرج رجل ببلاد البوازيج يقال له صالح بن محمود ، فاجتمع عليه جماعةٌ من بني مالك ، ثم سار إلى سِنْجار فحاصرها ، فدخلها ، وأخذ شيئاً كثيراً من أموالها ، وخطب بهاخطبة ، وعظ وذكر وحذر ، فقال في جملة ما قال: نتولَّى الشَّيْخين، ونبرأُ من الخبيثين(٦)، ولا نرى المسحَ على الخُفَين . ثم سار فعات في الأرض فساداً ، فانْتُدبَ له نصر بن حمدان فقاتله ، فَأُسر صالح بن محمود هذا ومعه ابنان له ، فحمل إلى بغداد ، فدخلها وقد أُشهر شهرة فظيعة(٧) . (١) في ( ط ) عليه ، وهو تصحيف. (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٤) في ( ط ) قائمة. ما بين حاصرتين من ( ط ). (٥) في النسخ الخطية و( ط) الحسين، وهو تحريف، والمثبت من الكامل لابن الأثير (٢٢٠/٨). (٦) (٧) سلفت نتف من أخباره في أحداث سنة (٣١٧هـ). ٠ ٩١ وفيات سنة ٣١٨هـ وخرج آخر ببلاد المَوْصل ، فاتَّبعه ألف رجل ، فحاصر أهل نَصِيبين ، فخرجوا إليه ، فاقتتلوا معه ، فَقَتَلَ منهم مئة وأسر ألفاً ، ثم باعهم من نفوسهم ، وصادر أهلها بأربعمئة ألف دِرْهم ، فانْتُدُبَ له ناصر الدولة بن حمدان فقاتله ، فظفر به ، فأسره وسيره إلى بغداد أيضاً ، ولله الحمد . وفيها خلع الخليفة على ابنه هارون ، وركب معه الوزير والجيش ، وأعطاه نيابة فارس وگزمان وسِجِسْتان ومُكْرَانٌ(١)، وخلع على ابنه أبي العَبَّاس الرَّاضي، وجَعَله نائب بلاد المغرب ومِصْر والشَّام، ويكون مؤنس الخادم يَسُدُّ عنه أمورها . وحجَّ بالنَّاس في هذه السنة عبد السميع بن أيوب بن عبد العزيز الهاشمي ، وخرج الحجيج بخُفَارة وبَذْرَقَةٍ (٢) حتى سلموا في الذهاب والإياب من القرامطة ، ولله الحمد . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن إسحاق(٣) بن البُهْلول بن حَسَّان بن سِنَانُ(٤) : أبو جعفر، التَّنُوخي ، القاضي ، الحَنَفي ، العَدْل الثِّقة ، الرِّضى . وكان فقيهاً ثقة نبيلاً ، سمع الحديث الكثير ، وورى عن أبي كُرَيب حديثاً واحداً ، وكان عالماً بالنَّحْو ، فصيحَ العِبارة ، جَيِّدَ الشّعْر ، محموداً في الأحكام . اتفق أن السيدة أُمَّ المقتدر وقفت وقفاً ، وجعل الحاكم هذا عنده نسخة في سلة الحكم ، ثم أرادت أن تنقض ذلك الوقف ، فطلبت الحاكم وأن يُخْضِرَ معه كتاب الوقف لتأخذه منه فتعدمه ، فلما حَضَرَ من وراء الستارة فَهِمَ المقصود فقال لها : لا يمكن هذا ، لأني خازن المسلمين ، فإما أن تعزلوني عن القضاء وتولّوا على هذا غيري ، وإما أن تتركوا هذا الذي تريدونه ، فلا سبيل إليه . فشكته إلى ولدها المقتدر ، فشفع عنده المقتدر بذلك ، فذكر له صورة الحال . فرجع إلى أمه فقال : إن هذا الرجل ممن يُرغب فيه ، ولا سبيل إلى عزله والتلاعب به . فرضيت السيدة عنه ، وبعثت تشكره على ما صنع من ذلك . فقال : من قَدَّم أمر الله على أمر العباد كفاه الله شرَّهمُ(٥)، [ ورزقه خيرهم ]٦) . (١) في (ط ) ومكرمات، وهو تحريف. (٢) البذرقة تعني أيضاً الخفارة ، فارسي معرب . اللسان (بذرق ). (٣) تاريخ بغداد (٣٠/٤ - ٣٤) نزهة الألباء (١٧٢ - ١٧٥) المنتظم (٢٣١/٦ - ٢٣٤) معجم الأدباء (١٣٨/٢ - ١٦١) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٩٧ - ٥٠٠). (٤) في ( ط ) ابن أبي سنان ، وهو خطأ . (٥) المنتظم (٢٣٣/٦ - ٢٣٤). (٦) ما بين حاصرتين من ( ط ). ٩٢ أحداث سنة ٣١٩هـ كانت وفاته فى هذه السنة ، وقد جاوز الثمانين . يحيى بن محمد بن صاعد (١): أبو محمد ، مولى أبي جعفر المنصور. رحل في طلب الحديث ، وكتب وَسَمعَ وحفظ، وكان من كبار الحُفَّاظ ، وشيوخ الرُّواة ، وكتب عنه جماعة من الأكابر ، وله تصانيف تَدُلُّ على حفظه وفقهه وفهمه . وكانت وفاته ببغداد ، ودُفن بباب الكوفة في هذه السنة ، وله تسعون (٢) سنة . الحسن بن علي بن أحمد (٣) بن بشَّار بن زياد: المعروف بابن العلاف، الضَّرير، النَّهْرواني ، الشَّاعر المشهور . كان أحد سُمَّار الخليفة المعتضد بالله ، وله مَرْثَاة طَنَّنة في هِرَّ له ، قتله جيرانه لأنه أكل فراخ الحمام من أبراجهم ، وفيها آداب ورِقَّة ، ويقال : إنه أراد بها رثاء ابن المعتز(٤) ، لكنه لم يتجاسر أن ينسبها إليه من الخليفة المقتدر بالله حين قتله . وأولها : يا هِرُ فارقْتَنَا ولم تَعُدِ وكُنْتَ عِنْدِي بِمَنْزِلِ الوَلَدِ وهي خمسة وستون بيتاً . ثم دخلت سنة تسع عشرة وثلاثمئة في المحرم من السنة دخل الحجيج إلى بغداد ، وقد خرج مؤنس الخادم للحج في هذه السنة في جيشٍ كثيف ، خوفاً من القرامطة ، ففرح المسلمون بذلك ، وزينت بغداد يومئذٍ ، وضربت الخيام والقباب لمؤنس الخادم ، وقد بلغ مؤنس الخادم في أثناء الطريق أن القرامطة أمامه ، فعدل بالناس عن جادة (١) تاريخ بغداد (٢٣١/١٤ - ٢٣٤) المنتظم (٢٣٥/٦ - ٢٣٦) تذكرة الحفاظ (٧٧٦/٢ - ٧٧٨) سير أعلام النبلاء ( ١٤ / ٥٠١ _٥٠٦ ) . (٢) في ( ط ) سبعون ، وهو تصحيف . تاريخ بغداد (٣٧٩/٧ _ ٣٨٠) الأنساب (٩٥/٩ - ٩٦) المنتظم (٢٣٧/٦ -٢٣٨) وفيات الأعيان (١٠٧/٢ - (٣) ١١١) سير أعلام النبلاء (١٤ / ٥١٤ - ٥١٨). (٤) وقيل : إنما كنى بالهر عن المحسن بن الفرات أيام محنته ، وذكر أيضاً أنها في غلام أبي بكر الذي قتل لأنه هوي جارية لعلي بن عيسى. وفيات الأعيان (١٠٨/٢ - ١٠٩) وفيه مقاطع من القصيدة ، وأيضاً سير أعلام النبلاء (٥١٥/١٤ - ٥١٨) وقال الصفدي في نكت الهميان (١٤٢): وأنا شديد التعجب ممن يزعم أن هذه القصيدة رثا بها غير هر . ٩٣ أحداث سنة ٣١٩ هـ الطريق ، فأخذ بهم في شعاب وأودية ، فتاهوا هنالك أياماً ، فشاهد النَّاس هنالك عجائب ، وغرائب ورأَوا عظاماً في غاية الضخامة ، وشاهدوا أناساً قد مُسخوا حجارة ، ورأى بعضهم امرأةً واقفة على تَنُّور [ تَخبز فيه (١) قد مُسِخت حجراً، والتَّنُّور قد صار حجراً. وحمل مؤنسٌ من ذلك شيئاً كثيراً إلى الحضرة ليصدق ما يخبر به من ذلك . ذكره ابنُ الجَوْزي في « منتظمه)) . فيقال : إنهم مِنْ قَوْمٍ عاد أو ثمود٢) . وفيها عزل المقتدر سليمان بن الحسن الوزير بعد سنة وشهرين وتسعة أيام ، واستوزر مكانه أبا القاسم عبيد الله بن محمد الكَلَوْذاني ، ثم عزله بعد شهرين وثلاثة أيام ، واستوزر الحسين بن القاسم ، ثم عزله أيضاً . وفيها وقعت وحشة بين الخليفة ومؤنس الخادم ؛ بسبب أن الخليفة ولّى الحِسْبة لرجل اسمه محمد بن ياقوت ، وكان أميراً على الشرطة أيضاً . فقال مؤنس : إن الحسبة لا يتولاها إلا القضاة والعدول ، وهذا لا يصلح لها . ولم يزل بالخليفة حتى عزل محمد بن ياقوت عن الحسبة والشرطة أيضاً ، وانصلح الحال بينهما . ثم تجدَّدتِ الوحشة بينهما في ذي الحِجَّة من هذه السنة ، وما زالت تتزايد حتى آل الحال إلى قتل المقتدر بالله كما سنذكره(٣) . وفي هذه السنة أوقع ثَمَل متولي طَرَسُوس بالرُّوم وقعةً عظيمة جداً، قتل منهم خَلْقاً كثيراً ، وأسر نحواً من ثلاثة آلاف ، وغنم من الذهب والفضة والدِّيباح شيئاً كثيراً جداً ، ثم أوقع بهم مَرَّة ثانية كذلك . وكتب ابن الدَّيْراني الأزمني إلى الرُّوم يحضُّهم على الدُّخول إلى بلاد الإسلام، ووعَدَهُمْ منه النَّصْر والإعانة ، فدخلوا في جحافلَ كثيرة جداً ، وانضاف إليهم الأزمني ، فركب إليهم مفلح غلام يوسف بن أبي السَّاج وهو يومئذ نائب أذْرَبِيجَان ، واتبعه خَلْقٌ كثير من المطَّوِّعة ، فقصد أولاً بلاد ابن الدَّيْراني ، فقتل من الأزْمَن نحواً من مئة ألف ، وأسر خَلْقاً كثيراً، وغنم أموالًا جزيلة جداً ، وتحصَّن ابن الدَّيْراني بقلعة له هنالك ، وكاتَب(٤) الرُّومَ ، فوصلوا إلى سُمَيْساط فحاصروها ، فبعثوا يستصرخون بسعيد بن حمدان ؛ نائب المَوْصل ، فسار إليهم مسرعاً ، فوجدَ الرُّوم قد كادوا يفتحونها ، فلما عَلِموا بقدومه أجلوا عنها ، واجتازوا بمَلَطْية فانتهبوها ، ورجعوا خاسئين إلى بلادهم ، ومعهم ابن نفيس الذي كان قد تنصر (١) ما بين حاصرتين من (ط). (٢) المنتظم (٢٣٦/٦) وفي (ط): من قوم عاد أو من قوم شعيب أو من ثمود ، فالله أعلم . (٣) انظر أحداث سنة (٣٢٠هـ). (٤) في (ح): وجاءت. ٩٤ وفيات سنة ٣١٩هـ معهم ، وقد كان من أهْلِ بغداد قبل ذلك كما ذكرناه قبل . وركب ابن حمدان في آثار الرُّوم ، فدخل بلادهم ، فقتل خلقاً كثيراً منهم [وأسر ]١) وغَنِمَ أشياء كثيرة أيضاً . قال ابنُ الأثير : وفي هذه السنة في شوال منها جاء سَيْلٌ [ عظيم ]٢) إلى تكريت ارتفع في أسواقها أربعة عشر شبراً ، وغرق بسببه أربعمئة دار ، وخَلْقٌ لا يعلمهم إلا الله ، حتى كان المسلمون والنصارى يُدْفنون جميعاً ، لا يعرف هذا من هذا٣) . قال : وفيها هاجت بالمَوْصل ريحٌ فيها حمرة ، ثم اسْوَدَّت حتى كان الإنسان لا يبصر صاحبه [ نهاراً ]٤)، وظَنَّ النَّاس أن القيامة قد قامت، ثم انجلى ذلك بمطرٍ أرسله الله عليهم(٥). • وممن توفي فيها من الأعيان : الحسين بن الحسين بن عبد الرحمن(٦): أبو عبد الله الأنطاكي، قاضي ثغور الشَّام ، ويُعْرف بابن الصَّابوني ، وكان ثِقَةً نبيلاً ، قَدِمَ بغداد ، وحدَّث بها . علي بن الحسين بن حَرْب بن عيسى (٧) : أبو عبيد بن حَرْبَوَيْه القاضي بمصر مُدَّة طويلة جداً . وكان ثِقَةً عالماً جليلاً ، من خيار القُضَاة وأعدلهم ، وكان يتفقه على مذهب أبي ثور(٨) ، وقد ذكرناه في (( طبقات الشافعية)) بما فيه مقنع وكفاية ، وقد استعفى عن القضاء ، فعزل عنه في سنة إحدى عشرة وثلاثمئة ، ورجع إلى بغداد ، فأقام بها حتى مات بها في هذه السنة في صفر ، وصلَّى عليه أبو سعيد الإضْطَخْري ، ودفن بداره . قال الدَّارَقُطْني: حدَّث عنه أبو عبد الرحمن النَّسائي في ((الصحيح))، ولعله مات قبله بعشرين سنة. وذَكَرَ من جلالته وفضله(٩) ، رحمه الله . (١) ما بين حاصرتين من (ط). (٢) ما بين حاصرتين من (ط). (٣) الكامل (٢٣٥/٨ -٢٣٦). ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٤) (٥) الكامل (٢٣٦/٨). تاريخ بغداد (٣٩/٨ -٤٠) المنتظم (٢٣٨/٦). (٦) (٧) الولاة والقضاة (٥٢٣ - ٥٣١) تاريخ بغداد (٣٩٥/١١ - ٣٩٨) طبقات الفقهاء للشيزازي (١١٠) الأنساب (٩٨/٤ - ٩٩) المنتظم (٢٣٨/٦ - ٢٣٩) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٣٦ - ٥٣٨) طبقات الشافعية للسبكي (٤٤٦/٣ -٤٥٥) رفع الإصر (٣٨٩/٢). (٨) سلفت ترجمته في وفيات سنة (٢٤٠ هـ) من هذا الكتاب. (٩) انظر تاريخ بغداد (١١/ ٣٩٧). ٩٥ وفيات سنة ٣١٩هـ محمد بن الفَضْل بن العباسُ(١) : أبو عبد الله ، البَلْخِي، الزَّاهد . حُكي عنه أنه مكث أربعين سنةً لم يخط فيها خُطوة لغير الله ، ولا نظر إلى شيء ، فاستحسنه حياءً من الله عزَّ وجلَّ ، وأنه مكث ثلاثين سنة لم يُمْلِ على مَلَكَيْه قبيحا٢ً) . محمد بن سَعْدٍ (٣) أبو الحسين الوَرَّاق : صاحب أبي عثمان النَّيْسابوري . وكان فقيهاً يتكلَّم على المعاملات ، ومن جَيِّد كلامه قوله : مَنْ غَضَّ بصره عن مُحرَّم أوْرَثَه الله بذلك حكمةً على لسانه يهتدي بها سامعوه ، ومن غَضَّ بَصَره عن شُبْهةٍ نوَّر الله قلبه بنورٍ يهتدي به إلى طُرُقِ مرضاته . يحيى بن عبد الله بن موسى(٤) . أبو زكريا الفارسي. كتب بمِصْر عن الرَّبيع بن سليمان ، وكان ثِقَةً صدوقاً ، حسن الصلاة ، عدلاً عند الحكام(٥) . (١) طبقات الصوفية (٢١٦/٢١٢) حلية الأولياء (٢٣٢/١٠ -٢٣٣) الرسالة القشيرية (٢١) المنتظم (٢٣٩/٦ - ٢٤٠) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٢٣ -٥٢٦). (٢) انفرد الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤ / ٢٢٥ -٢٢٦) نقلاً عن السُّلَمي وابن مندة أنه توفي (٣١٧هـ) ، وقد وهَمَ من قال: سنة تسع عشرة . والذي في مطبوع (( طبقات الصوفية)) يوافق ما عندنا ، وكذلك كل مصادر ترجمته . (٣) طبقات الصوفية (٢٩٩ - ٣٠١) المنتظم (٢٤٠/٦) طبقات الشعراني (١٣٤/١ - ١٣٥) وفيه: أبو الحسن محمد بن سعيد ؛ وهو تحريف . (٤) المنتظم (٦/ ٢٤٠). (٥) انفردت نسخة ( ب) و(ظا) في هذه الترجمة ، وهي مخالفة لأسلوب ابن كثير في إيراد تراجمه ، ولمنحاه الفكري . ابن مَسَرَّة المغربي محمد بن عبد الله بن مسرة ، أبو عبد الله ، مولى قريش ، أحد أفراد زمانه ، وبلغاء أهل عصره وأوانه ، له المصنفات العديدة ، والفوائد في الأصول والفروع والتصوف ، وله اليد الطولى في التفسير والحديث والكلام على أحوال القلوب والمعاملات، وقد أطراه ابن عبد الرؤوف؛ أحد أولياء العهد بالأندلس في ((طبقاته))، وذكر عنه أعاجيب ، قال : وجملة القول فيه أنه عالم الدهر ، وحبر العصر ، وبديع البشر، ورباني الأمة ، وعلم الهدى ، وكهف التقى ، وبحر العلم ، ومعدن الحلم ، والسراج المنير ، والطور المنيف ، ومن جعل القرآن عصمته ، والسُّنَّة قِبْلَتَه ، والآخرة همته ، والزهد ذخيرته . كان كثير العلم بالأخبار والرواية للآثار ، وفيلسوفاً عظيماً ، طبيباً حكيماً ، منطقياً جدلياً ، منجماً فلكياً ، شاعراً مغلقاً ، خطيباً مطبقاً . ثم أطنب فيما ذكره إلى أن قال : وقد أولع به قوم غيره جهلة من أهل مصرنا وعصرنا ، فيقولون ويسبون ، وينسبون إليه ما لا يعلمون . إلى أن قال : وصاحب أين كان هو الجماعة والإجماع . وذكره محمد بن الحارث بن أسد القيرواني الفقيه، أحد أهل الشَّورى بقرطبة في (( تاريخ الأندلس)) ، فقال : الناس فيه فرقتان : فرقة تبلغ به مبلغ الإمامة في العلم والزهد ، لما ظهر من براعته في العلم ، وصدقه في الزهد . وفرقة = ٩٦ أحداث سنة ٣٢٠هـ ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمئة(١) فيها كان مقتل الخليفة المقتدر بالله ، وكان سبب ذلك أن مؤنساً الخادمَ خرج من بغداد في المُحرَّم من هذه السنة مغاضباً للخليفة في مماليكه وحشمه، متوجّهاً نحو المَوْصِل ، وَرَدَّ من أثناء الطريق مولاه بشرى إلى المقتدر ليستعلم له [ أمره ]٢)، وبعث معه رسالة يخاطب بها أمير المؤمنين ، [ ويعاتبه في أشياء ]٣) فلما وصل أمَرَه الوزير الحسين بن القاسم - وكان من أكبر أعداء مؤنس ـ بأن يؤديها إليه ، . فامتنع من أدائها إلا إلى الخليفة ، فأحضره بين يديه ، فأمره أن يقولها للوزير فامتنع ، وقال : ما أمرني صاحبي بهذا . فشتمه الوزير ، وشتم صاحبه [ مؤنساً ]٤) وأمر بضَرْبِهِ ومصادرته بثلاثمئة ألف دينار ، وأخذ خطَّه بها ، وأمر بنهب داره ، ثم أمر الوزير بالقَبْض على إقطاع مؤنس وأملاكه وأملاك من معه ، فحصل من ذلك مالٌ عظيم ، وارتفع أمر الوزير عند المقتدر ، ولقبه عميد الدَّولة ، وضرب اسمه على الدَّرَاهم والدَّنانير، وتمكّن من الأمور جداً، فَعَزل وولَّى، وقطعَ ووصل ، وفرح بنفسه حيناً قليلاً . وأرسل إلى هارون بن غريب الخال(٥) ، وإلى محمد بن ياقوت يستحضرهما إلى الحَضْرة عِوَضاً عن مؤنس ، فصمَّم المُظفَّر مؤنس في مسيره إلى الموصل ، وجعل يقول لأمراء الأعراب : إن الخليفة قد ولَّني المَوْصل وديار ربيعة . فالتفَّ عليه [ منهم (٦) خَلْقٌ كثير ، وجعل ينفق فيهم الأموال الجزيلة ، وله إليهم قبل ذلك أيادٍ سابغة . وقد كتب الوزير إلى آل حَمْدان - وهم ولاة المَوصل وتلك النواحي - يأمرهم بمحاربة مؤنس الخادم ، فركبوا إليه في ثلاثين ألفاً ، وواجههم مؤنس في ثمان من ممالكيه وخدمه ، فهزمهم ، ولم يُقتل منهم سوى رجلٍ واحد ، يقال له داود ، وكان من أشجعهم ، وقد كان مؤنس رَبَّاه وهو صغير . تطعن عليه في البدع لما ظهر لها من كلامه في الوعد والوعيد ، ولتأويلات يذكرها في الكتاب والسُّنَّة ، ومخالفته = العلوم المشهورة بالأندلس ، الجارية على مذهب التقليد والتسليم . قال : وكان محمد بن مَسَرَّة قد رحل عن حاضرة قرطبة إلى مكان من جبلها ، وانقبض عن أكثر الناس ، وكانت وفاته في شوال سنة تسع عشرة وثلاثمئة . قلت : انظر ترجمته في جذوة المقتبس (٥٨ - ٥٩) تاريخ قضاة الأندلس للنباهي (٧٨) تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي ( ق ٣٩/٢ - ٤٠) تاريخ السلكة الأندلسي (٣٢٦ -٣٣٢). (١) في (ظا ) من الهجرة النبوية . (٢) ما بين حاصرتين من ( ط ). (٣) ما بين حاصرتين من ( ط). (٤) ما بين حاصرتين من ( ط). في ( ط ) الحال ... بالحاء المهملة. وهو تصحيف . (٥) (٦) ما بين حاصرتين من (ط). ٩٧ أحداث سنة ٣٢٠ هـ ودخل مؤنس المَوْصل فقصدته العساكر من كلِّ جانب يدخلون في طاعته ؛ لإحسانه إليهم قبل ذلك من أهل بغداد والشَّام ومصر ومن الأعراب ، حتى صار في جحافل من الجنود . وأما الوزير الحسين بن القاسم ، فإنه ظهرت خيانته وعجزه ، فعزله المقتدر في ربيع الآخر [ منها ]١) وولّى مكانه الفَضْل بن جعفر بن محمد بن الفُرَات، فكان آخر وزراء المقتدر . وأقام مؤنس بالمَوصل تسعة أشهر ، ثم ركب في الجيوش في شؤَّال قاصداً بغداد ليطالب المقتدر بأرزاق الأجناد وإنصافهم ، فسار - وقد بَعَثَ بين يديه الطلائع - حتى جاء فنزل بباب الشَّمَّاسيَّة من بغداد ، وقابله عنده ابنُ ياقوت وهارون بن غريب عن كره منه ، وأُشير على الخليفة بأن يستدين منْ والدته ما ينفق في الأجناد ، فقال : لم يبق عندها شيء . وعزم الخليفة على الهرب إلى واسط ، وأن يترك بغداد لمؤنس حتى يتراجع أمْرُ النَّاسِ ، ثم يعود إليها ، فردّه عن ذلك ابنُ ياقوت ، وأشار عليه بمواجهة مؤنس وأصحابه ، فإنهم متى رَأَوْه كرُّوا كلُّهم إليه ، وتركوا مؤنساً . فَرَكبّ وهو كارهٌ ، وبين يديه الفقهاء ، ومعهم المصاحف منشرةً ، وعليه البُرْدة والنَّاس حَوْله ، فوقف على تلِّ عالٍ بعيدٍ من المعركة ، ونُوديّ في جيشه : منْ جاء برأسٍ فله خمسة دنانيرٍ ، ومن جاء بأسيرٍ فله عشرة دنانير ، ثم بعث إليه أمراؤه يعزمون عليه أن يتقدّم ، فامتنع من التقدُّم إلى محلّة المعركة ، ثم ألحّوا عليه ، فجاء بعد تمنُّع شديد ، فما وصل إليهم حتى انهزموا وفرُّوا راجعين ، ولم يلتفتوا إليه ولا عطفوا عليه ، فكان أول من لقيه من أمراء مؤنس علي بن بُلَيق، فلما رآه ترجَّل ، وقبّل الأرض بين يديه وقال : لعن الله منْ أشار عليك بالخروج في هذا اليوم . ثم وّل به قوماً من المغاربة البربر ، فلما تركهم وإياه شهروا عليه السلاح، فقال لهم: ويلكم، أنا الخليفة. فقالوا : قد عرفناك يا سِفْلَة، إنما أنت خليفةُ إبليس، تنادي في جيشك من جاء برأسٍ فله خمسة دنانير؟ وضربه أحدُهم بسيفه على عاتقه (٢) ، فسقط إلى الأرض ، وذبحه آخر ، وتركوا جثته ، وقد سلبوه كلَّ شيء كان عليه ، حتى سراويله ، ويقي مكشوف العورة ، مجدَّلاً على وجه الأرض، حتى جاء رجلٌ فغطّى عورته بحشيشٍ ، ثم دفنه في موضعه وعفّى أثره . وأخذت المغاربة رأسَ المقتدر على خشبةٍ قد رفعوها وهم يلعنونه ، فلما انتهوا به إلى مؤنس - ولم يكن حاضراً الوقعة - فحين نظر إلى رأس المقتدر لطم رأسه ووجهه وقال : ويلكم، لم آمركم بهذا ، (١) ما بين حاصرتين من (ط). (٢) العاتق: ما بين المنكب والعنق. اللسان ( عنق ). ٩٨ ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين لعنكم الله، قتلتموه والله لنقتلن كلّنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب ، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ، وابنا رائق إلى المدائن ، وكان صنيع مؤنس هذا سبباً لطمع أصحاب الأطراف في الخلفاء ، وضَعْفِ أمْرِ الخلافة جداً ، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط في الأموال ، وطاعة النساء ، وعَزْلِ الوزراء ؛ حتى قيل: إن جُمْلَة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار . وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين(١) هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد المُوَفَّق بن جعفر المتوكل [ على الله (٢) بن محمد المعتصم بن هارون الرّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، يكنَّى أبا الفضل العَبَّاسي . مولده في ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومئتين ، وأمه أمُّ ولدٍ اسمها شَغَب ، ولقِّبَتْ في خِلافة ولدها بالسيدة . وبويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي ، يوم الأحد لأربع عشرة مَضَتْ من ذي القَعْدة من سنة خمس وتسعين ومئتين ، وهو يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام . ولهذا أراد الجُنْدُ خَلْعَه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بُلُوغه ، وتولية عبد الله بن المعتز ، فلم يتمَّ ذلك ، وانتقض الأمر في ثاني يوم كما ذكرنا٣) . ثم لما كان شهر المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمئة أحضره مؤنس واجتمع الأمراء والقواد ، وألزموه بخلع نفسه ، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد ، فبايعوه بالخلافة ، ولقبوه القاهر ، فلم يتمَّ ذلك سوى يومين ، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا٤) . وقد كان المقتدر بالله رَبْعةً من الرجال ، حسن الوجه والعينين ، بعيد ما بين المنكبين ، حسن الشَّعْر، مدوَّر الوجه ، مُشْرب اللون، حَسَن الخَلْق ، قد شاب رأسه وعارضاه ، وقد كان كريماً جواداً ممدَّحاً ، له عقل جيد ، وفهم وافر ، وذِهْنٌ صحيح ، وقد كان كثيرَ التحجب والتوسُّع في النَّفقات ، وزاد في رُسوم الخلافة وأمور الرِّياسة ، وما زاد شيءٌ إلا نَقَصَ . كان في داره أحدَ عشر (١) مروج الذهب (٥٠١/٢) تاريخ بغداد (٢١٣/٧ - ٢١٩) المنتظم (٢٤٣/٦ - ٢٤٤) الكامل (٨/٨) وما بعدها ، النبراس (٩٥ - ١٨٣) سير أعلام النبلاء (٤٣/١٥ -٥٦) العبر (١٨١/٢ -١٨٢) تاريخ الخلفاء (٣٧٨ -٣٨٦). (٢) ما بين حاصرتين من ( ط). (٣) انظر حوادث سنة (٢٩٦ هـ) من هذا الكتاب. (٤) انظر أحداث سنة (٣١٧هـ) . ٩٩ ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين ألف خادمٍ خصي، غير الصَّقَالبة [ وأبناء فارس }١) والروم والسودان ، وكان له دار يقال لها دار الشجرة ، فيها من الأثاث والأمتعة شيء كثير جداً ، كما ذكرنا ذلك في سنة خمس وثلاثمئة حين قَدِمَ رسول ملك الروم(٢) . وقد ركب المقتدر يوماً في حرَّاقة وجعل يستعجل الطّعام، فأبطؤوا به فقال لملاح حراقته : ويلك ، أعندك شيء نأكله ؟ قال : نعم . فأتاه بشيءٍ من لحم الجداية وخبز خشن وملوحات وغير ذلك . فأعجبه ، ثم استدعاه فقال : هل عندك شيء من الحَلْواء ، فإني لا أحسُّ بالشبع حتى آكل شيئاً من الحلواء . فقال: يا أمير المؤمنين، إن حلاوتنا التمر والكسب . فقال: هذا شيء لا أُطيقه. ثُمَّ جيء بطعامه ، فأكل منه وأتي بالحلاوات ، فأكل وأطعَمَ الملاحين ، وأمر بترتيب حلاوة تعمل في كل يوم بنحو مئتي درهم تكون في الحراقة إن اتفق ركوبه فيها يأكل منها ، [ وإن لم يتفق ركوبه كانت للملاح ]٣) . فكان الملاح يأخذ ذلك في كل يوم مدة سنين متعددة ، ولم يتفق ركوب المقتدر فيها مرة أخرى . وقد أراد بعض خواصِّه أن يطهر ولده ، فعمل أشياء هائلة ، ثم طلب من أم الخليفة أن يعار القرية التي عُمِلَتْ في طهور المقتدر من فِضَّة ليراها الناس في هذا المهم ، فتلطّفَتْ أم المقتدر عنده حتى أطلقها له بالكلية ، وكانت صِفَة قريةٍ من القرى ، كلُّها من فضة ؛ بيوتها وأهاليها وأبقارها وأغنامها وجمالها وخيولها ، وأشجارها وزروعها وثمارها وأنهارها ، وما يتبع ذلك مما يكون في القرى ، الجميع من فِضَّة مصوَّر، وأمر بنقل سِمَاطه(٤) إلى دار هذا الرَّجل ، وأن لا يتكلَّف شيئاً من المطاعم سوى سمك طري . فاشترى الرجل بثلاثمئة دينار سمكاً ، وكان جملة ما أنفق المقتدر على سماطه يومئذٍ ألفاً وخمسمئة دينار(٥) . وكان كثير الصَّدقة والإحسان إلى أهل الحرمين وأرباب الوظائف ، وكان كثير التنفل بالصلاة والصَّوْم والعِبَادة ، ولكنه كان مؤثراً لشهواته ، مطيعاً لحظياته(٦) ، كثير التلون والولاية والعزل ، وما زال ذلك دَأْبه حتى كان هلاكه على يدي مؤنس الخادم كما ذكرنا ، فقتل عند باب الشَّمَّاسية لليلتين بقيتا من شوّال من هذه السنة - أعني سنة عشرين وثلاثمئة - وله من العمر ثمانٍ وثلاثون سنة وشهر (١) ما بين حاصرتين من ( ط). (٢) انظر أحداث سنة (٣٠٥هـ) . (٣) ما بين حاصرتين من ( ط ). السماط : ما يمد ليوضع عليه الطعام في المآدب ونحوها. المعجم الوسيط (١/ ٤٥١). (٤) (٥) في ( ط ) : والجميع من عند المقتدر . (٦) في ( ط ) لخصاياه. ١٠٠ خلافة القاهر - وفيات سنة ٣٢٠هـ وخمسة أيام ، وكانت مدة خلافته أربعاً وعشرين سنة وأَحَدَ عشر شهراً وأربعة عشر يوماً ، فكان أكثر مدَّة من كل من تقدَّمه . خِلافة القاهر لما قُتِلَ المقتدر بالله - كما ذكرنا - عزم مؤنس الخادم على تولية أبي العبّاس بن المقتدر(١) بعد أبيه ليطيب قلب أُم المقتدر ، فعدل عن ذلك جمهور منْ حضر من الأمراء ، فقال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النُّؤْبختي : بعد التعب والكد نبايع لخليفةٍ له أم وخالات يطيعهن ويشاورهن ؟ ثم أحضر (٢) محمدَ بنَ المعتضد - وهو أخو المقتدر - وبايعه القضاة والأمراء والوزراء ، ولقبوه القاهر بالله ، وذلك في سَحَر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال من سنة عشرين وثلاثمئة ، واستُوزر له أبو علي بن مُقْلة ، ثم أبو جعفر محمد بن القاسم بن عبيد الله٣)، ثم أبو العباس بن الخَصيب(٤) . وشرع القاهر في مصادرة أصحاب المقتدر وتتُّع أولاده ، واستدعى بأم المقتدر وهي مريضة بالاستسقاء ، وقد تزايد بها [ الوجع ٣°) من شدة جزعها على ولدها حين بلغها قتلُه، وكيف بقي مكشوفَ العورة ، فبقيت أياماً لا تأكل شيئاً ، ثم وعظها النساء حتى أكلت شيئاً يسيراً من الخبز والمِلْح ، ومع هذا كله استدعى بها القاهر ، فقرَّرها على أموالها ، فذكرت له ما يكون للنساء من الحُلِيِّ والمصاغ والثياب ، ولم تقرّ بشيء من الأموال والجواهر ، وقالت : لو كان عندي من هذا شيء ما سلَّمْتُ ولدي ، فأمر بضربها ، وعلقت برجلها ، ومسّها بعذاب شديد من العقوبة ، وأشهدت على نفسها ببيع أملاكها ، فأخذه الجند مما يحاسبون به من أرزاقهم . وأرادها على بيع أوقافها ، فامتنعت من ذلك، وأبت أشدَّ الإباء . واستدعى القاهر بجماعةٍ من أولاد المقتدر ، منهم : أبو العبّاس الراضي وهارون والعَبَّاس وعلي والفَضْل وإبراهيم، فأمر بمصادرَتِهم وحَبْسهم ، وسلَّمهم إلى حاجبه علي بن بُلَيق، وتمكَّن الوزير أبو علي بن مُقْلة فعزَلَ وولّى ، وأخذ وأعطى ، ومنع بني البريدي من أعمالهم . وممن توفي فيها من الأعيان : أحمد بن عُمَيْر بن جَوْصَا٦) : أبو الحسن الدِّمَشْقي ، أحد المحدِّثين الحُفَّاظ، والرواة الأيقاظ. (١) هو الراضي بالله، وقد ولي الخلافة بعد القاهر، انظر أحداث سنة (٣٢٢هـ). (٢) في ( ط ) أحضروا ، وهو تصحيف . (٣) في ( ط ) عبد الله ، وهو تصحيف . ترجمته في سير أعلام النبلاء ٢٩٢/١٥ - ٢٩٣). (٤) ما بين حاصرتين من ( ط ) . (٥) (٦) تاريخ ابن عساكر س (خ) (٢٦/٢ب ـ ٢٨ ب) المنتظم (٢٤٢/٦) سير أعلام النبلاء (١٥/١٥ -٢١) تذكرة الحفاظ =