Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
أحداث سنة ٢٩٧ هـ ـ وفيات سنة ٢٩٧هـ
بالأخبار وأيام الخلفاء ، له مصنفات في ذلك . روى عن عمر بن شَبَّة وغيره ، وكانت وفاته في ربيع الأول
منها ، عن ثلاث وخمسين سنة .
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومثتين
فيها : غزا القاسم بن سيما الصائفة ، وفادى مؤنس الخادم الأسارى الذين بأيدي الروم .
وحكى ابن الجوزي (١) عن ثابت بن سنان : أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأةً بلا ذراعين ولا
عضدين ، وإنما كفَّاها ملصقان بكتفيها ، لكن لا تعمل بهما شيئاً ، وكانت تعمل برجليها٢) ما تعمله
النساء بأيديهن ؛ من الغزل ومشط الرأس وغير ذلك .
وتأخرت الأمطار عن بغداد في هذه السنة ، وارتفعت الأسعار بها ، وجاءت الأخبار بأن مكَّة - شرّفها
الله - جاءها سيل عظيم بحيث إنَّ أركان البيت غرقت من السيول وإنَّ زمزم فاضت ، ولم ير ذلك قبل هذه
السنة .
وحجّ بالناس الفضلُ بن عبد الملك الهاشميّ .
وممن توفي فيها من الأعيان :
محمّد بن داود بن عليّ(٣) : أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظَّاهري، ابن الظّاهري . كان عالماً بارعاً أديباً
شاعراً فقيهاً ماهراً، وهو مصنف كتاب ((الزّهرة)).
اشتغل على أبيه ، وتبعه في مذهبه ، وما كان يسلكه ويختاره من الطريق ويرتضيه . وكان أبوه يحبُّه
ويقرِّبه ويدنيه .
قال رويم بن محمد٤) : كنا يوماً عند داود إذ دخل عليه ابنه محمد باكياً ، فقال : ما لك؟ قال : إنَّ
الصّبيان يلقِّبونني عصفورَ الشوك . فضحك أبوه ، فاشتدَّ غضبُ ولده ، وقال لأبيه: أنت أضرُّ عليَّ منهم،
فضمَّه أبوه إليه ، وقال : لا إلّه إلَّ الله ! ما الألقاب إلَّ من السَّماء، ما أنت يا بنيَّ إلَّ عصفور الشوك.
ولما توفي أبوه جلس ابنه محمد هذا مكانه في الحلقة ، فاستصغره الناس عن ذلك ، فسأله سائل يوماً
(١)
المنتظم (٨٩/٦).
(٢)
في المنتظم : برجليها ورأسها .
تاريخ بغداد (٢٥٦/٥)، المنتظم (٩٣/٦)، وفيات الأعيان (٢٥٩/٢)، سير أعلام النبلاء (١٠٩/١٣)، شذرات
(٣)
الذهب (٢٢٦/٢).
(٤) المنتظم (٩٣/٦).

٤٠٢
وفيات سنة ٢٩٧ هـ
عن حدِّ السُّكْر ، فقال : إذا عَزَبَتْ عنه الهموم ، وباح بسِرِّه المكتوم . فاستُحسن ذلك منه ، وعظم في
أعين الناس(١) .
قال ابنُ الجوزي في (( المنتظم(٢): وقد ابتُليَ بحبِّ صبيٍّ اسمه محمّد بن جامع ، ويقال :
محمد بن زخرف ، فاستعمل العفافَ والدِّين ، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته من ذلك .
قلت : فدخل في الحديث المرويِّ عن ابن عباس موقوفاً عليه، ومرفوعاً عنه: (( مَنْ عَشِقَ فَكتَمَ فعَفَّ
فماتَ ماتَ شهيداً (٣) .
وقد قيل عنه : إنَّه كان يبيح العِشقَ ، يعني : بشرط العفاف .
وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشَّق منذ كان في الكتَّاب، وأنه صنف كتاب ((الزّهرة )) في ذلك من
صغره ، وربَّما وقف أبوه داود على بعض ذلك .
وكان يتناظر هو وأبو العبّاس بن سُرَيج كثيراً بحضرة القاضي أبي عمر محمد بن يوسف ، فيتعجّب
الناس من مناظرتهما وحسنهما. وقد قال له ابن سُرَيج يوماً في مناظرته: أنت بكتاب ((الزّهرة)) أشهر(٤)
منك بهذا . فقال له : تعيِّرني بكتاب ((الزّهرة)) وأنتَ لا تحسن تستتمُّ قراءته ؛ وهو كتاب جمعناه هزلاً ،
فاجمع أنتَ مثلَه جدّاً .
وقال القاضي أبو عمر محمد بن يوسف : كنت يوماً أنا وأبو بكر بن داود راكبين فإذا جارية تغنِّي
بشيء من شعره(٥) :
شَكْوَى عَليلٍ إلى إِلْفٍ يُعلِّلهُ
أَشْكُو غَلِيلَ فؤادٍ أنتَ مُتْلِفُهُ
وأنْتَ في عُظُم ما ألْقَى تُقُلِّلهُ
سُقْمي تَزِيدُ على الأيَّامِ كَثْرَتُهُ
(١) المنتظم (٩٣/٦)، سير أعلام النبلاء (١٠٩/١٣).
(٢) المنتظم (٩٤/٦)، وسير أعلام النبلاء (١٣ / ١١٢).
(٣) هذا الحديث أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٥٦/٥ و٢٦٢ و٥٠/٦ و٥١ و١٨٤/١٣)، وابن عساكر
وغيرهما ؛ من طريق عن سويد بن سعيد الحدثاني ، حدّثنا عليُّ بن مسهر ، عن أبي يحيى القتات، واتفق الأئمة
المتقدمون من أهل الحديث على تضعيف هذا الحديث ، وأعلوه بسويد بن سعيد .
وله طريق آخر عن الخرائطي في اعتلال القلوب ، وهي من رواية يعقوب بن عيسى ، وهو ضعيف أيضاً ، ضعفه أهل
الحديث ونسبوه إلى الكذب .
قال السخاوي في المقاصد الحسنة صفحة (٤٣٠) : ورواه ابن المرزبان عن أبي بكر الأزرق ، حدثنا سويد به
موقوفاً . وقال ابن المرزبان : إن شيخه كان حديثه مرفوعاً فعاتبه فيه ، فأسقط الرفع ، ثم صار بعد يرويه موقوفاً ،
وهو مما أنكره ابن معين وغيره على سويد . أقول : لم يصح مرفوعاً ، ولا موقوفاً (ع).
(٤)
في سير أعلام النبلاء : أمْهَرُ منك بهذه الطريقة .
(٥) الأبيات في المنتظم (٩٤/٦)، وسير أعلام النبلاء (١٣ /١١٢)، والوافي بالوفيات (٥٨/٣).

٤٠٣
وفيات سنة ٢٩٧ هـ
وأنْتَ يا قاتِلي ظُلْماً تُحلِّلهُ
اللهُ حَرَّمَ قتلي في الهَوَى أسَفاً
فقال أبو بكر محمد بن داود: كيفَ السَّبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت : هيهات! سارت به الركبان(١).
كانت وفاة محمد بن داود رحمه الله تعالى في رمضان من هذه السنة . وجلس ابن سُرَيج لعزاه ،
وقال : ما آسى إلا على التراب الذي أكل لسان محمد بن داود ، رحمه الله تعالى(٢).
محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَةُ(٣) : أبو جعفر، حدَّث عن يحيى بن مَعين ، وعليّ بن المَديني ،
وخَلْقٍ . وعنه : ابنُ صاعد، والخُلْدي ، والبَاغَنْدِيّ ، وغيرهم . وله كتاب في التاريخ وغيره من
المصنفات ، وقد وثَّقَه صالح بن محمد جَزَرة وغيره . وكذَّبه عبد الله بن الإمام أحمد ، فقال : هو كذَّاب
بَيِّن(٤) الأمر ، وتعجَّب ممن يروي عنه . كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة .
محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسين بن مُصْعَب(٥) : من بيت الإمارة والحشمة ، باشَرَ نيابة العراق
مدة [ ثم خراسان (٦) ، ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخمسين ، فأسره وبقي معه يطوف به
في الآفاق أربع سنين ، ثم نجا في بعض الوقَعات(٧) بنفسه ، ولم يزل مقيماً ببغداد إلى أن توفي في هذه
السنة .
موسى بن إسحاق(٨) : ابن موسى بن عبد الله أبو بكر الأنصاري الخَطْمِيّ ، مولده سنة عشر ومئتين ،
سمع أباه ، وأحمد بن حنبل ، وعليّ بن الجَعْد ، وغيرهم. وحدَّث عنه النَّاس وهو شاب وقرؤوا عليه
القرآن . وكان ينتحِلُ مَذهَب الشافعي ، وولي قضاء الرّيّ والأهواز . وكان ثقة فاضلاً نبيلاً عفيفاً فصيحاً ،
كثير الحديث . وتوفي في المحرم من هذه السنة .
يوسف بن يعقوب (٩) : ابن إسماعيل بن حمّاد بن زيد ، والد القاضي أبي عمرو محمد بن يوسف ،
تاریخ بغداد (٢٥٨/٥) .
(١)
(٢)
تاريخ بغداد (٢٥٩/٥)، سير أعلام النبلاء (١١٢/١٣).
تاريخ بغداد (٤٢/٣)، المنتظم (٩٥/٦)، تذكرة الحفاظ (٦٦١/٢)، سير أعلام النبلاء (٢١/١٤)، الوافي
(٣)
بالوفيات (٨٢/٤)، طبقات الحفاظ (٢٨٧)، شذرات الذهب (٢٢٦/٢).
قوله : بيِّن الأمر لم يرد في آ، وأثبته من ط والمنتظم . وهو في ب ، ظا : سيىء الأمر .
(٤)
(٥)
تاريخ بغداد (٣٧٧/٥)، المنتظم (٩٦/٦)، الوافي بالوفيات (١٦٥/٣).
(٦)
زيادة من ط .
(٧)
في اَ : الأوقات .
تاريخ بغداد (٥٢/١٣)، المنتظم (٩٦/٦)، تذكرة الحفاظ (٦٦٨/٢)، سير أعلام النبلاء (٥٧٩/١٣)، طبقات
(٨)
الحفاظ (٢٩١)، شذرات الذهب (٢٢٦/٢).
(٩) تاريخ بغداد (٣١٠/١٤)، المنتظم (٩٦/٦)، سير أعلام النبلاء (٨٥/١٤)، طبقات الحفاظ (٢٨٧)، شذرات
الذهب (٢٢٧/٢) .

٤٠٤
أحداث سنة ٢٩٨ هـ
قاتل الحلاج ، وكان يوسف بن يعقوب هذا أيضاً من أكابر القضاة وأعيان العلماء . ولد سنة ثمان ومئتين .
وسمع سليمان بن حَرْب ، وعمرو بن مرزوق ، وهُذْبَة ، ومُسَدّداً ، وغيرهم .
وكان ثقة ، قد ولي قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد ، وكان ثقة ، نزهاً ، عفيفاً ،
شديد الحرمة، جاءه يوماً بعضُ خدم الخليفة المعتضد فترفَعُ(١) في المجلس [على خصمه ]٢) ، فأمره
حاجب القاضي أن يساوي خصمَه ، فامتنع إدلالاً بجاهه عند الخليفة ، فنهره (٣) القاضي ، وقال : ائتوني
بدلال النخس حتى أبيعَ هذا العبدَ وأبعثَ بثمنه إلى الخليفة ، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع
خصمه ، فلمَّا انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه ، وأخبره بما قال القاضي .
فقال : واللهِ لو باعك لأجزْتُ بيعه ، ولما استرجعتك أبداً، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة
الحكم ؛ فإنَّه عمود السُّلطان وقوام الأديان (٤) . كانت وفاته في رمضان من هذه السنة .
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومثتين
فيها : قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم ، فدخل بغداد ومعه الأسارى والعُلُوج(٥) بأيديهم أعلام
عليها صلبان من ذهب ، وخلق من الأسارى .
وفيها : قدمت [ على الخليفة المقتدر بالله ]٦) هدايا من نائب خراسان أحمد بن إسماعيل بن أحمد
الساماني ؛ من ذلك : مئة وعشرون غلاماً بمراكبهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه ، وخمسون بازياً ،
وخمسون جملاً تحمل مرتفع الثياب ، وخمسون رطلاً من مسك .
وفيها : فلج القاضي عبد الله بن عليّ بن محمّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، فقُّد مكانه على
الجانب الشرقي والگزخ ابنه محمد .
وفي شعبان منها أخذ رجلان يقال لأحدهما: أبو كبيرة(٧) والآخر يعرف بالشمري . فذكرا أنهما من
أصحاب رجل يقال له : محمد بن بشر ، وأنه يدَّعي الربوبية ، لعنهم الله تعالى .
(١) في آَ : فرفع ، وفي المنتظم : فارتفع .
(٢) زيادة من ط.
(٣)
في ١ : فزبره .
(٤)
المنتظم (٦/ ٩٦ - ٩٧).
(( العُلوج)): جمع عِلْج، وهو الواحد من الكفار .
(٥)
(٦) زيادة من ب ، ظا .
(٧) في الأصول غير معجمة ، وفي المنتظم : أبو كثيرة ، والمثبت من ط .

٤٠٥
وفيات سنة ٢٩٨ هـ
وفيها : وردت الأخبار أنَّ الروم قصدت اللاذقية .
وفيها : وردت الأخبار بأن ريحاً صفراء هبَّت بحديثة الموصل ، فمات من حرِّها خَلْق كثير .
وحجَّ بالناس الفضل الهاشميّ .
وممن توفي فيها من الأعيان المشاهير :
ابن الرَّاوَنْديّ(١) : أحمد بن يحيى بن إسحاق ، أبو الحسين ، المعروف بابن الرَّاوندي ، أحد مشاهير
الزَّنادقة الملحدين ، عليه اللعنة من رب العالمين . كان أبوه يهودياً فأظهر الإسلام ، فيقال : إنه حرَّف في
التوارة ، كما عادَى ابنُه القرآن وألحَدَ فيه، وصنَّف كتاباً في الرَّدِّ على القرآن سمَّاه ((الدامغ))، وكتاباً في
الرَّدِّ على الشريعة والاعتراض عليها سمَّاه ((الزُّمرّد)(٢)، وله كتاب (( التاج)) في معنى ذلك ، وكتاب
((الفريد))، وكتاب ((إمامة المفضول)).
وقد انتصب للردِّ عليه في كتبه هذه جماعة ؛ منهم : الشيخ أبو علي محمّد بن عبد الوهاب الجُبَّائي،
شيخ المعتزلة في زمانه ، وقد أجا(٣) في ذلك . وكذلك ولده أبو هاشم عبد السَّلام بن أبي علي .
قال الشيخ أبو علي الجُبَّائي: قرأت كتاب الملحد الجاهل السفيه ابن الرَّاونديّ ، فلم أجد فيه إلا
السفَهَ والكذبَ والافتراءَ ، قال: وقد وضع كتاباً في قِدَم العالَم ونفي الصانع ، وتصحيح مذهب الذَّهر ،
والرَّدِّ على أهل التوحيد. ووضع كتاباً في الرَّدِّ على محمد بِّهِ في سبعة عشر موضعاً من كتابه، ونسبه إلى
الكذب ، وطعن على القرآن ، ووضع كتاباً لليهود والنصارى على المسلمين ، يحتجّ لهم فيها على إبطال
نبوّة محمدٍ بَّه، إلى غير ذلك من الكتب التي يتبين بها خروجه عن الإسلام؛ نقله ابنُ الجوزيّ (٤).
وقد أورد الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في ((منتظمه (٥) طرفاً من كلامه الملعون في الطعن على
الآيات والشريعة ؛ وردّ عليه في ذلك ، وهو أقلُّ وأخسٌّ من أن يلتفت إلى شيء من جهله وهذيانه وسفهه
وخذلانه وتمويهه وترويجه وطغيانه . وقد أسند إليه حكايات من المسخرة(٦) والاستهتار والكفريات
الكبار ؛ منها ما هو صحيح عنه ، ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله ، وعلى مسلكه في الكفر والتستر
(١) المنتظم (٩٩/٦)، وفيات الأعيان (٩٤/١)، سير أعلام النبلاء (٥٩/١٤)، الوافي بالوفيات (٢٣٢/٨)، النجوم
الزاهرة (١٧٥/٣)، شذرات الذهب (٢٣٥/٢).
(٢) في ط والسير : الزُّمُّدَة.
(٣)
في أ: صنف .
المنتظم (٦/ ١٠١).
(٤)
(٥) المنتظم (٦/ ١٠١ - ١٠٥).
(٦) تقرأ في الأصول : المرعزة ، وأثبت ما جاء في ط .

٤٠٦
وفيات سنة ٢٩٨ هـ
بالمسخرة (١)، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا غَخُوُضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاَللَّهِ وَءَايَتِهِ،
لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَغَرَّتُ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَغْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ تُعَذِّبْ طَانِفَةٌ بِأَنَّهُمْ
وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ [ثّ
كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ -٦٦]. الآية.
وقد كان أبو عيسى الورّاق مصاحباً لابن الرّاوندي هذا ، قبَّحهما الله ، فلمَّا علم الناس بأمرهما طلب
السُّلطانُ أبا عيسى فأودِعَ السجن إلى أن مات . وأمَّا ابنُ الرَّاوندي فهرب ولجأ إلى ابن لاوي اليهودي ،
وصنَّفَ له كتابه الذي سماه ((الدامغ للقرآن))، فلم يلبث إلا أياماً يسيرة حتى مات، لعنه الله . ويقال: إنه
أخذ وصُلب .
قال أبو الوفاء بن عَقيل (٢): ورأيت في كتاب محقَّق أنه عاش ستاً وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من
التوغّل في المخازي ، لعنه الله وقبَّحه ، ولا رحم عظامه .
وقد ذكره القاضي ابن خلكان في ((الوفيات )(٣) ودلّس عليه(٤)، ولم يخرجه بشيء(٥)، وأرَّخ وفاته
في سنة خمس وأربعين ومئتين .
الجُنَيْد شيخ الصوفية، رحمه الله(٦): الجُنَيَّد بن محمد بن الجُنَيَّد، أبو القاسم الخزَّاز، ويقال :
القَوارِيري ، أصله من نَهاوَنْد ، ولد ببغداد ونشأ بها . وسمع الحديث من الحسن(٧) بن عَرَفَة . وتفقَه
بأبي ثَور إبراهيم بن خالد الكلبي ، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة ، وقد ذكرناه في ((طبقات
الشافعية))، واشتهر بصحبة الحارث بن أسد المُحاسبي، وخاله سَرِيّ السَّقطي، ولازم التعبُّد(٨)،
وتكلم على طريقة التصوف .
(١) بعدها في ط : يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة ، وهذا كثير موجود فيمن يدعي
الإسلام وهو منافق ، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه ، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم ...
(٢)
المنتظم (١٠٥/٦).
(٣) وفيات الأعيان (١/ ٩٤ _ ٩٥).
(٤)
(٥)
في ب ، ظا، ط: قلس. و((التدليس)): كتمان العيب.
بعدها في ط : ولا كأن الكلب أكل له عجيناً ، على عادته في العلماء والشعراء ؛ فالشعراء يطيل تراجمهم ، والعلماء
يذكر بهم ترجمة يسيرة ، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم . وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته سنة خمس وأربعين ومئتين ،
وقد وهم وهماً فاحشاً ، والصحيح أنه توفي في هذه السنة ، كما أرخه ابن الجوزي وغيره .
(٦) حلية الأولياء (٢٥٥/١٠)، تاريخ بغداد (٢٤١/٧)، المنتظم (١٠٥/٦)، صفة الصفوة (٤١٦/٢)، وفيات
الأعيان (٣٧٣/١)، سير أعلام النبلاء (٦٦/١٤)، طبقات الشافعية للسبكي (٢٦٠/٢)، شذرات الذهب
(٢٢٨/٢) .
(٧) في ط: ((الحسين)) محرف، وهو من رجال التهذيب، وصاحب الجزء المشهور.
(٨) بعدها في ط : ففتح الله عليه بسبب ذلك علوماً كثيرة .

٤٠٧
وفيات سنة ٢٩٨هـ
وكان ورده في كلِّ يوم ثلاثمئة ركعة ، وثلاثين ألف تسبيحة (١) . ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى
فراش ، وكان مع ذلك يعرف سائر فنون العلم(٢) ، رحمه الله.
ولما حضرته الوفاة جعل يتلو القرآن ، فقيل له : لو رفقت بنفسك ؟ فقال : ما أحدٌ أحوج إلى ذلك
منّي الآن ، وهذا أوان طيّ صحيفتي .
قال القاضي ابن خلكان(٣) : أخذ الفقه عن أبي ثَور ، صاحب الشافعي ، ويقال : كان يتفقه على
مذهب الثوري ، وكان ابن سُرَيج يصحبه ويلازمه ، [ وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال ،
ويقال : إنه سأله مرة عن مسألة ، فأجابه فيها بجوابات كثيرة ، فقال : يا أبا القاسم ! لم أكن أعرف فيها
سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت ، فأعِدْها عليَّ ، فأعادها بجوابات أخرى كثيرة . فقال : والله ما سمعت هذا
قبل اليوم ، فأعده . فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك ، فقال له : لم أسمع بمثل هذا فأمْلِهِ عليَّ حتى
أكتبه . فقال الجُنَيْد : لئن كنت أجريه فأنا أمليه ، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به
لساني ، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلُّم ، وإنما هذا من فضل الله عزَّ وجلَّ يلهمنيه ويجريه على
لساني . فقال : فمن أين استفدت هذا العلم ؟ قال : من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة . والصحيح أنه
كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه ، والله أعلم ٤٤) .
قال(٥) : وسئل الجُنَيِّد عن العارف؟ فقال : مَنْ نطق بسرّك وأنت ساكت . كان يقول : مذهبنا هذا
مقيّد بالكتاب والسنة ، [ فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يُقْتَدَى به في مذهبنا وطريقتنا (٦) .
ورأى بعضهم معه مِسْبَحَة ، فقيل له : أتتخذ مِسْبَحَة مع شرفك ؟ فقال : طريقٌ وصلت به إلى الله
لا أفارقه .
وقال له خاله سَرِيُّ السَّقَطي: تكلم على الناس، فلم ير نفسه لذلك أهلا٧ً) . فرأى في النوم
رسولَ الله ◌ِصَّله، وهو يقول: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له خاله(٨): لم تصدقنا حتى قيل
(١) المنتظم (١٠٦/٦).
(٢) بعدها في ط ، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة ، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوهاً كثيرة لم
تخطر للعلماء ببال ، وكذلك التصوف وغيره .
(٣)
وفيات الأعيان (١/ ٣٧٣) .
ما بين قوسين لم يرد في الأصول ولا في الوفيات ، وهي من زيادات المطبوع .
(٤)
(٥)
وفيات الأعيان (١/ ٣٧٣).
(٦)
زيادة من ط .
في ب ، ظا ، ط : موضعاً .
(٧)
) لفظة خاله لم ترد في ب ، ظا ، ط .
(٨)

٤٠٨
وفيات سنة ٢٩٨هـ
لك . قال : فتكلم على الناس ، فجاءه يوماً شاب نصراني في صورة مسلم ، فقال له : ما معنى قول
النبيِ نَّهِ: ((اتَّقُوا فَرَاسَة المُؤْمِنِ فإنَّه يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ(١) ؟ قال: فأطرقت، ثم رفعت رأسي إليه، فقلت
له : أسلِمْ ، فقد آن وقت إسلامك. قال: فأسلَمَ الغلام(٢) .
وقال الجُنَيّد : ما انتفعت بشيء كانتفاعي بأبيات سمعتها من جاريةٍ تغنِّي بها في غرفة ، وهي
(٣)
تقول(٣) :
تَقُولينَ لولا الهَجْرُ لم يَطِبِ الحُبُّ
إذا قُلْتُ أهْدَى الهَجْرُ لي حُلَلَ البِلى
تقولي بنيرانِ الجَوَى شَرُفَ القَلْبُ
وإن قلْتُ هذا القلبُ أحرَقَهُ الجَوَى
حياتُكَ ذَنْبٌ لا يُقاسُ به ذَنْبُ
وإن قلْتُ ما أذنبْتُ ، قَالَتْ مُجيبةً
قال : فصعقْتُ وصحْتُ ، فخرَجَ صاحبُ الدَّار ، فقال : يا سيدي ، ما لَكَ ؟ قلت : مما سمعت .
قال : هي هبة منّي إليك . فقلت: قد قبلتُها ، وهي حُرّة لوجه الله. ثم زوَّجتُها لرجلٍ ، فأولدها ولداً
صالحاً ، حجَّ على قدميه ثلاثين حجة .
سعيد بن إسماعيل(٤) : ابن سعيد بن منصور ، أبو عثمان الواعظ . ولد بالرَّيِّ، ونشأ بها ، ثم انتقل
إلى نَيْسَابور فسكنها إلى أن مات ، وقد دخل بغداد . وكان يقال : إنه مجاب الدعوة .
قال الخطيب(٥) : أخبرنا عبد الكريم بن هوازن ، قال : سمعت أبا عثمان يقول : منذ أربعين سنة
ما أقامني الله في حالٍ كرهته ، ولا نقلني إلى غيره فسخطته .
وكان أبو عثمان ينشد (٦) :
وأينَ لِعَبْدٍ من مَوَالِيهِ مَهربُ ؟
أسأتُ ولم أحسِنْ ، وجئتَكَ هارباً
فما أحَدٌ منهُ على الأرضِ أخْيَبُ
يؤمِّلُ غُفراناً ، فإِنْ خَابَ ظنّه
(١) رواه الترمذي في سننه رقم (٣١٢٧) في التفسير ، تفسير سورة الحجر ، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه ، وفي سنده عطية بن سعد العوفي ، وهو ضعيف ، ورواه أيضاً البخاري في تاريخه عن عطية أيضاً ، ورواه
الطبراني وابن عدي عن أبي أمامة ، وابن جرير عن ابن عمر ، وكلها ضعيفة ، وهو في المقاصد الحسنة
صفحة(١٩) .
شذرات الذهب (٤١٦/٣ - ٤١٧).
(٢)
(٣)
شذرات الذهب (٤١٧/٣ -٤١٨)، وفيات الأعيان (١/ ٣٧٤).
(٤)
طبقات الصوفية (١٧٠)، حلية الأولياء (١٠ / ٢٤٤)، تاريخ بغداد (٩٩/٩)، المنتظم (١٠٦/٦)، صفة الصفوة
(١٠٣/٤)، وفيات الأعيان (٣٦٩/٢)، سير أعلام النبلاء (١٤ /٦٢)، شذرات الذهب (٢٣٠/٢).
(٥)
تاريخ بغداد (١٠١/٩)، المنتظم (١٠٧/٦).
المنتظم (٦/ ١٠٧).
(٦)

٤٠٩
وفیات سنة ٢٩٨هـ
وروى الخطيب(١) عنه أنه سئل : أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إنِّي لمَّا ترعرعْتُ وأنا بالرّيِّ
وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع ، فجاءتني امرأة فقالت : يا أبا عثمان قد أحببتك حبّاً أذهب نومي
وقراري ، وأنا أسألك بمقلِّب القلوب [ وأتوسَّل به إليك (٢) لما تزوجتني. فقلت: ألكِ والد ؟ قالت :
نعم . فأحضرته ، فاستدعى بالشهود فتزوجتها ، فلما خلوْتُ بها إذا هي عوراء عَرْجاء ، مشوَّهة الخَلْق ،
فقلت : اللهم لك الحمدُ على ما قدَّرته لي ، وكان أهلي(٣) يلومونني على تزويجي بها ، فكنت أزيدها
[ بِرّاً و(٤) إكراماً، وربما احتبستني عندها ومنعتني من الحضور في بعض المجالس ، وكأني في بعض
أوقاتي على الجمر ، وأنا لا أبدي لها من ذلك شيئاً . فمكثتُ كذلك خمس عشرة سنة ، فما شيء أرجى
عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي .
سَمْنُون بن حَمزة(٥) : ويقال: ابن عبد الله، أحد مشايخ الصوفية ، كان وِزْدُه في كلِّ يومٍ وليلة
خمسمئة ركعة ، وسمَّى نفسه الكذَّاب ، لدعواه في قوله (٦):
فليس لي في سِوَاك حَظٌّ فكيفما شئتَ فامتَحِنِّي
فابتلي بحصار (٧) البول ، فكان يدور على المكاتب ويقول للصبيان : ادعوا لعمّكم الكذَّاب ، وكان له
كلام متين في المحبّة ، وقد وُسوِسَ في آخر عمره ، وكلامه في المحبة مستقيم كما كان .
ضافي الحرمي(٨): من أكابر أمراء الدولة العباسية ورؤوس الدولة المقتدرية . أوصى في مرضه أن
ليس له عند غلامه القاسم شيء ، فلمَّا توفي حَمَلَ غلامُه القاسمُ إلى الوزير مئة ألف دينار وسبعمئة وعشرين
منطقة من ذهب مكلَّلة ، فاستمرَّ غلامُه على إمرته ومنزلته .
إسحاق بن حُنَيْن بن إسحاق (٩) : أبو يعقوب العِبَادي ، نسبة إلى قبائل الجزيرة . الطبيب بن
الطبيب ، له ولأبيه مصنَّفات كثيرة في هذا الشأن ، وكان أبوه يعرب كلام أرسطاطاليس وغيره من حكماء
اليونان . توفي في هذه السنة .
(١) تاريخ بغداد (١٠١/٩)، والمنتظم (٦/ ١٠٧).
(٢) زيادة من ط .
(٣) في ط : أهل بيتي .
(٤) زيادة من ط .
(٥) حلية الأولياء (٣٠٩/١٠)، تاريخ بغداد (٢٣٤/٩)، المنتظم (١٠٨/٦)، صفة الصفوة (٤٢٦/٢).
(٦) المنتظم (١٠٨/٦)، حلية الأولياء (١٠/ ٣١٠)، تاريخ بغداد (٢٣٥/٩).
(٧) في ب ، ط : بعسر البول .
(٨) المنتظم (١٠٨/٦).
(٩) طبقات الأطباء (٢٠١/١)، والفهرست (٢٩٨/١)، ووفيات الأعيان (٢٠٥/١).

٤١٠
أحداث سنة ٢٩٩ هـ
الحسين بن أحمد بن محمّد بن زكريّا١) : أبو عبد الله الشِّيعي ، الذي أقام الدعوة للمهديّ ، عُبَيْد الله
ابن مَيْمون الذي يزعم أنه فاطميّ ، وقد زعم غيرُ واحد من أهل التاريخ أنه كان يهودياً صبّاغاً بسلمية .
والمقصود الآن : أن أبا عبد الله الشيعيّ هذا دخل بلاد إفريقية وحدَه لا مال معه ولا رجال ، فلم يزل
يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يدي أبي نَصْر زيادة الله ، آخر ملوك بني الأغلب على بلاد إفريقية ،
واستدعى حينئذ مخدومَه المهديَّ من بلاد الشرق ، فقدِمَ ، فلم يخلص إليه إلا بعد شدائدَ طوال ، وحُبس
في أثناء الطريق ، فاستنقذه الشِّيعي وسلَّمه المملكة ، فندّمه أخوه أحمد ، وقال له : ماذا صنعتَ ؟
وهل(٢) كنت أنا استبددت بالأمر دون هذا؟ فندم ، وشَرَعَ يعمل الحيلة على المهديّ ، فاستشعر المهديُّ
بذلك ، فدسَّ إليهما مَنْ قتلهما في هذه السنة . وكان قَتْلُهما بمدينة رَقَّادة من بلاد القَيْروان ، من إقليم
إفريقية . هذا ملخص من كلام ابن خلكان (٣) .
ثقَّ دخلت سنة تسع وتسعين ومثتين
قال ابن الجوزي(٤) : فيها ظهرت ثلاثة كواكب مذنّبة ؛ أحدها في رمضان ، واثنالُ(٥) في ذي
القعدة ، تبقى أياماً ثم تضمحل .
ووقع طاعون بأرض فارس مات بسببه سبعة آلاف إنسان .
وغضب الخليفة على الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات ، وعزله عن الوزارة ، وأمر بنهب دورة(٦) ،
فنهبت أقبح نهب . واستُوزر أبو علي محمّد بن عُبيد الله(٧) بن يحيى بن خاقان ، وكان قد التزم لأم
المقتدر(٨) بمئة ألف دينار ، حتى سعت في ولايته .
(١) وفيات الأعيان (١٩٢/٢)، سير أعلام النبلاء (٥٨/١٤)، العبر (١١٠/٢)، الوافي بالوفيات (٣٢٨/١٢)،
شذرات الذهب (٢٢٧/٢) .
في ا: وهلا كنت ذلك ، فدس ...
(٢)
وفيات الأعيان (١٩٢/٢ - ١٩٤). و((رقّاده)»: مدينة من أعمال القيروان.
(٣)
(٤)
المنتظم (١٠٩/٦).
(٥)
في آ : والثاني .
(٦)
في آ، ط : داره ، والمثبت من ب ، ظا ، والمنتظم .
في ط: ((عبد الله)) محرف. وينظر سير أعلام النبلاء (١٤ / ٤٧٤).
(٧)
في أ، ط والمنتظم : لأم ولد المعتضد ، وهو تحريف ، وصححت من ب ، ظا . وهي : شغب، أم جعفر ،
(٨)
المقتدر بالله ، كانت من جواري المعتضد بالله ، وأعتقها وتزوجها ، ولما آلت الخلافة إلى ابنها المقتدر سنة
٢٩٥ هـ، وعمره ثلاث عشرة سنة ، قامت بتوجيهه ، واستولت على أمور الخلافة .

٤١١
وفيات سنة ٢٩٩هـ
وفيها : وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها ؛ من ذلك خمسمئة ألف دينار
من الديار المصرية استخرجت من كنز وجد هنالك من غير موانع ، كما يدَّعيه كثير من جهلة بني آدم ، حيلة
ومكراً وخديعة ؛ ليأكلوا أموال العوامُ(١) والجهلة الطغام من قليلي العقول والأحلام، وقد وجد في هذا
الكنز ضلع إنسان طوله أربعة ٢) عشر شبراً ، وعرضه شبر ، وذكر أنه من قوم عاد ، فالله أعلم .
وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبناً . ومن ذلك بساط أرسله ابن أبي السَّاج [ في جملة
هداياه (٣) ، طوله سبعون ذراعاً وعرضه ستون ذراعاً ، عُمِل في عشر سنين لا قيمة له . وهدايا فاخرة
أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد السَّاماني من بلاد خراسان كثيرة جداً .
وحجَّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي ، أمير الحجيج من مدة سنين متطاولة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أحمد بن نَصْر بن إبراهيم أبو عمرو الخَفَّاف (٤) : الحافظ . كان يذاكر بمئة ألف حديث ، سمع
إسحاق بن رَاهَوَيْه وطبقته ، وكان كثير الصّيام ، سرده نيفاً وثلاثين سنة ، وكثير الصدقة ، سأله سائل
فأعطاه درهمين ، فحمد الله فجعلها خمسةً ، فحمد الله فجعلها عشرة ، ثم ما زال يزيده حتى بلغ مئة .
فقال: جَعَلَ الله عليك واقيةً باقية! فقال للسائل : والله لو لزمت الحمدَ لأزيدنَّك، ولو إلى عشرة آلاف
درهم .
يُهْلُول بن إسحاق بن بُهْلُول(٥) : ابن حسَان بن سنان، أبو محمّد التَّنُوخِيّ . سمع إسماعيل بن
أبي أُوَيْس ، وسعيد بن منصور ، ومصعباً الزبيري وغيرهم . وعنه جماعة آخرهم أبو بكر
[ الإسماعيلي (أ) الجرجاني الحافظ، وكان ثقة، ضابطاً ، بليغاً ، فصيحاً في خطبته . توفي في هذه
السنة عن خمس وتسعين سنة ، رحمه الله ، آمين .
الحسين(٧) بن عبد الله بن أحمد أبو علي الخِرَقي(٨): صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام
في آ : الأغشام .
(١)
(٢)
في ط : أربعة أشبار .
ما بين قوسين لم يرد في ا .
(٣)
المنتظم (١١٠/٦)، تذكرة الحفاظ (٦٥٤/٢)، سير أعلام النبلاء (٥٦٠/١٣)، شذرات الذهب (٢٣١/٢).
(٤)
(٥)
تاريخ بغداد (١٠٩/٧)، المنتظم (١١٠/٦)، سير أعلام النبلاء (٥٣٥/١٣)، شذرات الذهب (٢٢٨/٢).
(٦)
زيادة من ط والمنتظم .
من هنا وحتى بداية ترجمة الصنوبري بعد أربع صفحات ساقط من نسخة آ، وهو موجود في ب ، ظا ، ط .
(٧)
(٨) المنتظم (١١١/٦)، اللباب (٤٣٥/١)، وفيهما: أبو علي الخرقي، والد عمر صاحب المختصر.

٤١٢
وفيات سنة ٢٩٩هـ
أحمد بن حنبل . وكان خليفة المروذيّ . توفي يوم عيد الفطر ، ودفن عند قبر [ الإمام]١) أحمد [ بن
حنبل ٢٤) .
محمد بن إسماعيل أبو عبد الله المغربي (٣) : تلميذ علي بن رزين ، وهو أستاذ إبراهيم الخوّاص ،
كانت له أحوال صالحة جداً ، وقد عمّر هو وشيخه كل واحد منهما عشرين ومئة سنة .
وحجّ أبو عبد الله المغربيّ على قدميه سبعاً وتسعين حجّة ، وكان يمشي في الليل المظلم حافياً كما
يمشي الرجل في ضوء النهار ، وكان المشاة يأتقُّون به فيرشدهم إلى الطريق ، وقال : ما رأيت ظلمةً منذ
سنين كثيرة ، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة ، وله كلامٌ مليحٌ نافع . ولما مات
أوصى أن يُدفن إلى جانب شيخه عليّ بن رزين ، [ فهما]) على جبل الطور .
[ قال أبو نعيم(٥): كان أبو عبد الله المغربيّ من المعمّرين ، توفي عن مئة وعشرين سنة ، وقبره بجبل
طور سيناء ، عند قبر أستاذه عليّ بن رزين . قال أبو عبد الله : أفضلُ الأعمال عمارة الأوقات
[ بالموافقات ] . وقال: الفقيرُ هو الذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقرُه ؛
ليعينه بالاستعانة(٦)، كما عزَّره بالافتقار إليه . وقال: أعظمُ النَّاس ذلا فقيرٌ داهَنَ غنيّاً وتواضع له ،
وأعظمُ النَّاس عزّاً غنيٌّ تذلَّلَ لفقيرٍ أو حفظ حرمته (٧) .
محمد بن أبي بكر بن أبي خَيْثَمةُ(٨) : أبو عبد الله الحافظ ، ابن الحافظ . كان أبوه يستعين به في جمع
التاريخ ، وكان فهماً حاذقاً عارفاً حافظاً ، توفي في ذي القعدة من هذه السنة .
ابن كَيْسان النَّحويّ(٩) : محمد بن أحمد بن کَیْسان النّحويّ . أحد حفاظه والمكثرین فیه ، كان يحفظ
طريقة البصريين والكوفيين معاً . قال ابن مجاهد المقرىء : كان ابن كَيْسان أنحى من الشيخين ؛ المبرّد
وثعلب .
زيادة من ط ، وفي المنتظم : دفن بباب حرب عند قبر الإمام أحمد بن حنبل .
(١)
(٢)
زيادة من ( ط )
المنتظم (١١٣/٦)، وطبقات الصوفية (٢٣٨)، وحلية الأولياء (٣٣٥/١٠).
(٣)
(٤)
زيادة من ط .
حلية الأولياء (٣٣٥/١٠) والزيادة منه. وطبقات الصوفية للسلمي (٢٤٠-٢٤١).
(٥)
في الحلية : بالاستغناء به .
(٦)
ما بين قوسين زيد في المطبوع نقلاً عن النسخة المصرية .
(٧)
(٨)
المنتظم (١١٣/٦)، تذكرة الحفاظ (٧٤٢/٢).
المنتظم (١١٤/٦)، معجم الأدباء (١٧ / ١٣٧)، العبر (١١٣/٢).
(٩)

٤١٣
أحداث سنة ٣٠٠ هـ
محمد بن يحيى (١) : أبو سعيد ، سكن دمشق ، روى عن إبراهيم بن سعيد الجَوهريّ ، وأحمد بن
منيع ، وابن أبي شيبة وغيرهم . روى عنه أبو بكرة النقَّاش وغيره . وكان يُعرف محمد بن يحيى هذا
بحامل كفنه ، وسبب ذلك ما ذكره الخطيب (٢) البغدادي ، قال :
بلغني : أنَّه تُوقِّي فغسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه ودُفن ، فلمَّا كان الليل جاءه نبَّاش ، ففتح عليه قبره . فلمَّا
حلَّ عنه كفنه استوى جالساً ، وفرّ النَّاش [ هارباً من الفزع (٣) ، ونهض محمد بن يحيى هذا، وأخذ معه
كفنه وخرج من القبر ، وقصد منزله ، فوجد أهله وهم يبكون عليه ، فدقَّ عليهم الباب ، فقالوا : من
هذا ؟ فقال : أنا فلان . فقالوا : يا هذا، لا يحلُّ لك أن تزيدنا حزناً إلى حزننا . فقال : افتحوا ، فوالله
أنا فلان ، فعرفوا صوته ، وفتحوا له ، فلما رأوه فرحوا به فرحاً شديداً [ وأبدل الله حزنهم سروراً (٤) ،
وذكر لهم ما كان من أمره . وكأنه كان قد أصابته سكتة ، ولم يكن قد مات حقيقة ، فقدَّر الله بحوله وقدرته
وقوَّته له هذا النَّاش ، ففتح عليه قبره ، فكان ذلك سبب حياته بعد ذلك مدة ، ثم كانت وفاته في هذه
السنة .
فاطمة القهرمانةُ(٥) : غضب عليها المقتدِرُ مرَّة فصادرها ، فكان في جملة ما أخذ منها مئتا ألف
دينار ، ثم غرقت في طيارةً(٦) لها في هذه السنة .
ثم دخلت سنة ثلثمئة من الهجرة النبوية
فيها : كثر ماء دجلة وتراكمت الأمطار ببغداد ، وتناثرت نجومٌ كثيرة في ليلة الأربعاء لسبعٍ بقين من
جمادى الآخرة .
وفيه : كثرت الأمراض ببغداد والأسقام والآلام ، وكلِبَت الكلاب ، حتى الذّئاب بالبادية ، وكانت
تقصد الناس والبهائم ، فمن عضَّته أهلكته .
وفيها : انحسر جبلٌ بالدِّينَور يعرف بالتل ، فخرج من تحته ماء عظيم غرّق عِدَّةً من القرى .
وفيها : سقطت شِرْذِمة من جبل لبنان إلى البحر .
تاريخ بغداد (٤٢٣/٣)، والمنتظم (١١٤/٦).
(١)
(٢)
تاريخ بغداد (٤٢٤/٣).
(٣) زيادة من ط ، وفي تاريخ بغداد هارباً منه وعاد حزنهم فرحاً.
(٤)
زيادة من ط .
هذه الترجمة سقطت من ظا، وهي ساقطة من نسخة (أ)، وهي في ب، ط. المنتظم (٦/ ١١٢).
(٥)
(٦) في المنتظم : ركبت في طيارها في آخر شعبان ، فغرقت تحت الجسر في يوم ريح عاصف ، وأخرجت بعد يومين .

٤١٤
وفيات سنة ٣٠٠هـ
وفيها : حملت بَغْلَةٌ ووضعَتْ مُهْرَة .
وفيها : صُلب الحسين بن منصور الحلاجُ(١) وهو حي أربعة أيام ؛ يومين في الجانب الشرقي ،
ويومين في الجانب الغربي ، وذلك في ربيع الأول منها .
وحجَّ بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميّ العباسيّ ، أثابه الله وتقبّل منه .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الأحوص بن المفضّل (٢): ابن غسان بن المفضّل بن معاوية بن خالد بن غلاب ، أبو أميّة الغلابي ،
القاضي بالبصرة وغيرها ، روى عن أبيه ((التاريخ)). استتر عنده مرّة ابنُ الفرات، فلمَّا أعيد إلى الوزارة
ولاه قضاءَ البصرة والأهواز وواسط .
وكان عفيفاً نزهاً ، فلمَّا نُكب ابنُ الفرات قبض عليه نائبُ البصرة فأودعه السجن ، فلم يزل به حتى
مات فيه .
قال ابن الجوزي(٣) : ولا نعلم قاضياً مات في السجن سواه .
عُبَيْد الله بن عبد الله بن طاهر(٤) : ابن الحسين بن مصعب ، أبو أحمد الخُزَاعي ، ولي إمرة بغداد .
وحدَّث عن الزُّبير بن بكَّار. وعنه : الصّولي ، والطَّبرانيّ، وكان أديباً فاضلاً، شاعراً، ومن شعر!٥) :
حقُّ التنائي بينَ أهلِ الهوى تَكَاتُبٌ يُسْخِنُ عَيْنَ النَّوَى
وفي الثَّدَاني - لا انقضَى عُمْرُهُ - تَزَاورٌ يَشْفِي غَليلَ الجَوَى
وقد اتفق أنَّ جارية له كانت حظية عنده جداً ، مرضت فاشتهت ثلجاً ، فلم يوجد إلا عند رجلٍ ،
فساومه الوكيل على رطلٍ منه ، فامتنع من بيعه إلا كُلّ رطلٍ بخمسة آلاف درهم ، وذلك لعلم صاحب
البضاعة بالحال . فرجع الوكيل ليشاوره ، فقال: ويلك! اشتر(٦) ولو بما كان ، فرجع ، فقال له
صاحبُ الثلج : لا أبيعه إلا بعشرة آلاف ، فاشتراه بعشرة آلاف . ثم اشتهت الجارية ثلجاً أيضاً ، وذلك
٠
قتل الحلاج سنة ٣٠٩هـ ، وترجمته في حوادث تلك السنة .
(١)
تاريخ بغداد (٧/ ٥٠)، المنتظم (١١٦/٦) .
(٢)
(٣)
المنتظم (١١٦/٦).
الأغاني (٤٠/٩)، تاريخ بغداد (٣٤٠/١٠)، المنتظم (١١٧/٦)، وفيات الأعيان (١٢٠/٣)، سير أعلام النبلاء
(٤)
(١٤ / ٦٢) .
تاريخ بغداد (٣٤٢/١٠)، المنتظم (١١٧/٦).
(٥)
في المنتظم : اشتره بأي ثمن كان .
(٦)

٤١٥
ظهور أمر العبيديين
لموافقته لها ، فرجع فاشترى منه رطلاً آخر بعشرة آلاف. ثمّ رطلاً آخر بعشرة أخرى(١) . وبقي عند
صاحب الثلج رطلان ، فنطَفَت نفسُه إلى أكل رطل منه ؛ ليقول : أكلتُ الرطل من الثلج بعشرة آلاف ،
فأكله . وبقي عنده آخر ، فجاءه الوكيل ، فامتنع أن يبيعه الرطلَ إلا بثلاثين(٢) ألفاً، فاشتراه منه ، فشفيت
الجارية ، وتصدَّقت (٣) بمال جزيل . فاستُدعي الرجل فأعطي من تلك الصدقة مالاً جزيلاً جداً ، وصار من
أغنى الناس بعد ذلك وأكثرهم مالاً، واستخدمه(٤) ابنُ طاهر عنده .
[ ظهور(٥) أمر العبيديين الذين يزعمون أنهم فاطميون
كان أول ظهور أمرهم وشأنهم - بتقدير الله تعالى - قبيل سنة ثلاثمئة بقليل على يدي أبي عبد الله
الشّيعي ، واسمه الحسين بن أحمد بن زكريا المغربي البربري المتشيّعُ(٦).
وملخص خبره أنه كان فقيراً لا مال له ولا شيء ، فأقام رجلاً شريفاً من بيت النبوَّة ، وسمَّاه المهديّ ،
ولفَّ عليه خلقاً من البربر ببلاد المغرب ، وحارب له صاحب سجلماسة ، وهو أبو نصر زيادة الله ، وكان
آخر ملوك بني الأغلب ببلاد إفريقية ، فكان بينهما حروب يطول بسطها ، لكن ظفر صاحب سجلماسة به
في بعضها ، فأسر منه الشريف ، وسجنه عنده في قلعة ، فرجع الشِّيعي فحشد وجمع ، وجاء فحاصر البلد
فظفر بها ، ثم حاصر القلعة ، فعمد الملك إلى الشريف فقتله في السجن وافتتح الشِّيعي القلعة قهراً ،
وجاء إلى السجن فوجد الشریفَ قد قضى نحبه ووجد معه في السجن رجلاً يهودياً اسمه عبد الله بن ميمون
من أهل سلمية الشام ، كان صبّاغاً بها ، فأقامه مكان الشريف ، وقال : قل لهم : أنا المهدي ، فراج ذلك
على أولئك العوام ، واستبدَّ بالمملكة ، وبنَى المهديَّة ، وانتشرت أعلامه ، وطالت أيامه .
ثم إن أبا عبد الله الشِّيعي ندم حيث لا ينفعه الندم ، وأحاطت به خطيئته ، وعمل على إزالة المملكة
عن المهدي ، وصرفها إلى أخيه أحمد ، ففهم ذلك المهدي ، وبعث من قتلهما برَقًّا في سنة ثمان وتسعين
ومئتين .
هذا ما وقفت عليه من تواريخهم ، وهو أولى ما يذكر هاهنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .
في ط : ثم آخر بعشرة آلاف .
(١)
بعدها في المنتظم : فقال : خذ ، فاستحييت من الله أن أبيع رطل ثلج بثلاثين ألفاً ، فقلت : هات عشرين .
(٢)
(٣)
في المنتظم : وتصدق عبيد الله بمال عظيم .
(٤)
في المنتظم : فاستخدمني في شرابه وثلجه وكثير من أمر داره ، فكانت تلك الدراهم أصل نعمتي .
ما بين قوسين زيادة من نسختي ب ، ظا ولم ترد في النسخة الأحمدية المعتمدة والمطبوع .
(٥)
(٦) ترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٩٨ هـ .

٤١٦
وفيات سنة ٣٠٠هـ
وسنبيِّنه مستقصىّ في حدود سنة أربعمئة(١) حين وضعت كبار أئمة العلماء خطوطهم بأنهم أدعياء كذبة في
قولهم: إنهم فاطميون ، وغالب ملوكهم كانوا زنادقة، ومنهم ((الحاكم)) لعنه الله ؛ رام أن يدّعي الإلهية
كفرعون ، فما تجاسر على إظهار ذلك صريحاً ، ومازال حتى قتل - لعنه الله - شرَّ قتلة تحت أديم
السماء(٢) . وكانت عوامهم يظهرون الرفض تبعاً لهم وخيفة منهم ، ويؤذّن في نحو مئة سنة أو أزيد
بدمشق بـ ((حيَّ على خير العمل))، وأما بديار مصر فإلى آخر تاريخ. وأما أخذاتهم وما يطلع على جلية
أمرهم ، فكما قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الذي صنفه في الزَّدِّ على بعض قضاتهم في كتابه الذي
سماه ((الناموس الأعظم والبلاغ الأكبر)) ، وقد كفر فيه كفراً لم يصل إلى شم رائحته إبليس ، بل ربما
استفاد منه ما لم يخطر بباله ، فردّ عليه القاضي أبو بكر رحمه الله في كتاب الذي سمَّاه: (( كشف الأسرار
وهتك الأستار)) مجلدان كبيران مفيدان عظيمان ؛ قال فيه : فهؤلاء قوم يظهرون الرفض ، ويبطنون الكفر
المحض ] .
وممن توفي في حدود الثلثمئة تقريباً .
الصَّنَوْبَريّ الشاعر(٣): وهو أحمد بن محمّد بن مرَّار، أبو بكر الضَّبِّ الصَّنَّوْبَري الحلبي.
قال الحافظ ابن عساكر : كان شاعراً محسناً . وقد حكى عن عليّ بن سليمان الأخفش ، ثم ذكر أشياء
من لطائف شعره ؛ فمن ذلك قوله (٤):
يدري بهذينٍ مَنْ بهِ رَمَقُ
لا النَّومُ أدري بهِ ولا الأرَقُ
كلَّت فما تستطيعُ تَسْتَبِقُ
إنَّ دُموعي من طولِ ما استبقَتْ
مُذ كانَ إلا صَلَّتْ له الحَدقُ
ولي مَلِكٌ لم تبدُ صورتُهُ
نويْتُ تقبيلَ نَارٍ وَجْنَتِهِ وخِفْتُ أدنُو منها فأَخْتَرِقُ
وله أيضاً(٥) :
(١) حوادث سنة ٤٠٢ هـ .
(٢) مات الحاكم بأمر الله سنة ٤١١ هـ. وترجمته وصفة مقتله في حوادث تلك السنة.
(٣) هذه الترجمة لم ترد في ب ، ظا، وهي من زيادات آ والنسخة المصرية في المطبوع .
وتوفي الصنوبري سنة ٣٣٤هـ، وترجمته في تهذيب تاريخ ابن عساكر (٤٥٦/١)، ومختصره لابن منظور
(٢٣٧/٣)، وفوات الوفيات (٦١/١)، والعبر (٢٣٧/٢)، واللباب (٢٤٨/٢)، وأعيان الشيعة (٣٥٦/٩)،
وشذرات الذهب (٣٣٥/٢) .
(٤) الديوان (٤٣٦)، وتهذيب ابن عساكر (١/ ٤٥٧)، والنجوم الزاهرة (٢٨٨/٣).
(٥) تهذيب ابن عساكر (٤٥٨/١)، وفوات الوفيات (١١٢/١)، وملحقات الديوان (٤٧٥).

٤١٧
وفيات سنة ٣٠٠هـ
وخذُّها في النورِ (٢) منْ خدِّهِ
شمسٌ(١) غدا يشبه شمساً غَدَتْ
من بَعْدِ ذا تطلعُ في خدِّهِ
تغيبُ في فيهِ ولكنَّها
وقد روى الحافظ البيهقي ، عن شيخه الحاكم ، عن أبي الفضل نَصْر بن محمد الطوسيّ ، قال أنشدنا
أبو بكر الصَّنَّوْبَري ، فقال(٣):
والغَوَاني ما عصيْنَ غِضابُ
هدَمَ الشيبُ ما بناهُ الشَّبابُ
ـينٍ منه وللقلوبِ انقلابُ
قلب الآبنوسُ عاجاً فللأعـ
زي ، على حسنهِ، ويُهْوَى الغرابُ(٤)
وضلالٌ في الرأي أن يُشنأ البا
وله أيضاً ، وقد أورده ابنُ عساكر في ابنٍ له فُطم فجعل يبكي على ثديه(٥) :
من جميعِ الوَرَى ومِنْ والديهِ
منعوهُ أحبَّ شيءٍ إليهِ
مباحاًلَهُ وبِينَ يديهِ
منعُوهُ غِذاهُ وَقَدْ كانَ
سنٌّ هوى فاهتدى الفراقُ إلیهِ
عَجباً له على صغرِ السِّـ
وممن توفي بهذا العصر أيضاً :
إبراهيم بن أحمد بن محمّد(٦): ابن المُؤَلَّد ، أبو إسحاق الصُّوفي الواعظ الرَّقِّيّ ، أحد مشايخها ،
روى الحديث ، وصحب أبا عبد الله بن الجلاد الدِّمشقي، والجُنَيد ، وغير واحدٍ . وروى عنه : تمَّام بن
محمد ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي . وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله(٧):
لم يَنْهُ على الدُّنُوِّ حَبيبُ
لكَ منِّي على البعادِ نَصیبُ
وعلى القلبِ من هَواكَ رقيبُ
وعلى الطَّرْفِ مِن سواكَ حجابٌ
والهَوَى فِيهِ زائٌِ ومَشُوبُ
زِينَ في ناظري هواكَ وقلبي
أنتَ أسقمتَهُ وأنتَ الطَّبِيبُ
كيفَ يُغني قربُ الطَّيبِ عَلیلاً
(١) في المصادر : بدر غدا يشرب . وفي ط : شمس غدا يشبه .
(٢) في المصادر : في الوصف .
(٣) الأبيات الثلاثة في تهذيب ابن عساكر (٤٥٩/١)، وملحقات الديوان (٤٥٩).
(٤) ((يشنأ)): يبغض .
تھذیب ابن عساكر (٤٦٠/١)، وديوانه (٥١٢) .
(٥)
(٦) توفي ابن المولَّد هذا سنة ٣٤٢ هـ، وليس موضعه هنا. وترجمته في حلية الأولياء (١٠/ ٣٦٤)، وتاريخ دمشق لابن
عساكر ، ومختصره لابن منظور (١٣/٤)، وطبقات الصوفية (ص٤١٢)، وشذرات الذهب (٣٦٢/٢).
(٧) تاريخ دمشق لابن عساكر ( المجلد ٥/ الورقة ١٨٤). ومختصره لابن منظور (١٤/٤).

٤١٨
فصل في الغني الشاكر والفقير الصابر
وقوله(١) :
مَنْ نالَهُ نَالَ أفْضَلَ القِسَمِ
الصَّمْتُ أمْنٌّ مِنْ كُلِّ نازلةٍ
أعظمُ ضُرّاً من لَفْظةٍ بِفَمٍ
ما نزلَتْ بالرِّجالِ نازِلةٌ
ليسَتْ لدينا كَعَثْرَةِ القَدَمِ
عثرةُ هذا اللِّسانِ مُهلكةٌ
فَرُبَّ قولٍ أَذَلَّ ذا كَرَمٍ
احفظ لساناً يُلقيك في تَلَفٍ
فصل(٢)
اختلف النَّاس أيُّما أفضل : الغنيُّ الشاكر ، أو الفقير الصَّابر؟ على قولين مشهورين . وقيل : هما
سواء . وقيل : أفضلهما أتقاهما لله فيما هو فيه ، فإن استويا فهما سواء . وقد سئل أبو علي الدَّقَّاق عن
هذه المسألة؟ فقال: الغنيُّ أفضلُ؛ لأنَّ الغنيَّ من صفات الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ
أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَِّىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]. قال: ولكن الغنيَّ الذي يكون واثقاً بما عند الله
لا بما في يديه، يعني: ما قاله رسولُ الله ◌ِ له في الحديث المتَّفْق عليه: ((ليس الغِنَى عن كثرة العَرض،
إنَّما الغِنى غنَى النَّفْسِ (٣) . وما أحسن ما قال بعضهم :
غنيتُ بلا مالٍ عن النَّاسِ كلِّهم وإنَّ الغنَى العالي عن الشيء لا بهِ
وقال الآخر :
وإذا تذلََّتِ الرِّقابُ تواضُعاً منَّا إليك فعزُّها في ذُلِّها
وقال الآخر :
فإنَّك لا تَدري أتصبحُ أمْ تمسي
تقنَّغْ بما یکفیكَ واستعمل الرِّضا
يكون الغِنَى والفقرُ مِن قبل النَّفْسِ
فليس الغنى عن كثرةِ المالِ إنَّما
تاريخ دمشق لابن عساكر ( المجلد ٢ / الورقة ١٨٤). ومختصره لابن منظور (١٤/٤).
(١)
هذا الفصل من زيادات النسخة الأحمدية ، ولعلها من الناسخ ، وأثبتها حفاظاً على الأصل المعتمد .
(٢)
(٣) رواه البخاري (٢٣١/١١ و٢٣٢) في الرقاق، باب الغنى عن النفس؛ ومسلم رقم (١٠٥١) في الزكاة ، باب ليس
الغنى عن كثرة العرض. ورواه أيضاً الترمذي رقم (٢٣٧٣) في الزهد ، باب ما جاء أن الغنى غنى النفس .

٤١٩
فهرس الموضوعات
فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
أحداث سنة ٢٠١ هـ
٥
بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي
٦
٧
وفيات سنة ٢٠١ هـ
حمَّاد بن أسامة
حماد بن مسعدة
حرمي بن عمارة
علي بن عاصم
محمد بن محمد صاحب أبي السرايا
٧
أحداث سنة ٢٠٢ هـ
وفيات سنة ٢٠٢ هـ
٩
أیوب بن سويد
ضمرة بن ربيعة
عمر بن حبيب
الفضل بن سهل
أبو يحيى الحماني
أحداث سنة ٢٠٣ هـ
١٠
١٠
ذكر خلع أهل بغداد لابن المهدي
وفيات سنة ٢٠٣ هـ
١١
علي بن موسى
١٢
أحداث سنة ٢٠٤ هـ
وفيات سنة ٢٠٤ هـ
محمد بن إدريس الشافعي
إسحاق بن الفرات
أشهب بن الفرات
أشهب بن عبد العزيز المصري
الحسن بن زياد
١٣
.....

٤١٩
فهرس الموضوعات
فهرس الموضوعات
الصفحة
٥
الموضوع
أحداث سنة ٢٠١ هـ
بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهدي
٦
وفيات سنة ٢٠١ هـ
٧
حمَّاد بن أسامة
حماد بن مسعدة
حرمي بن عمارة
علي بن عاصم
محمد بن محمد صاحب أبي السرايا
أحداث سنة ٢٠٢ هـ
٧
٩
وفيات سنة ٢٠٢ هـ
أیوب بن سوید
ضمرة بن ربيعة
عمر بن حبيب
الفضل بن سهل
أبو يحيى الحماني
١٠
أحداث سنة ٢٠٣ هـ
١٠
ذکر خلع أهل بغداد لابن المهدي
وفيات سنة ٢٠٣ هـ
١١
علي بن موسى
أحداث سنة ٢٠٤ هـ
١٢
١٣
وفيات سنة ٢٠٤ هـ
محمد بن إدريس الشافعي
إسحاق بن الفرات
أشهب بن الفرات
أشهب بن عبد العزيز المصري
الحسن بن زیاد