Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
ذكر خارجيّ ادّعى أنه من أهل البيت
قال(١) : وقد خرج في سنة تسع وأربعين ومئتين ، فادَّعى أنَّه عليّ بن محمد بن الفضل بن الحسن بن
عُبيد الله(٢) بن عباس بن عليّ بن أبي طالب ، فدعا الناس بهَجَر إلى طاعته ، فاتبعه جماعة من أهلها ،
فوقع بسببه قتالٌ كثير ، وفتن كبار ، وحروب كثيرة منتشرة .
ولمَّا خرج خَرْجتَه هذه(٣) التفَّ عليه خلْق من الزَّنج الذين كانوا يكسَحُون السِّباخٌ(٤) ، فعبر بهم
دِجلة ، فنزل الدِّيناريّ . وكان يزعم لبعض الجهلة من أتباعه : أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول
بناحية الكوفة ، وكان يدَّعي أنه حفظ سوراً من القرآن في ساعة واحدةٍ جرى بها لسانه لا يحفظها غيرُه في
مدة ، وهنّ سبحان والكهف وصّ . وزعم أنه فكّر يوماً وهو في البادية إلى أي البلاد يسير(٥) ، فخوطب
من سحابة أن يقصد إلى البصرة فقصدها ، ولمّا اقترب منها وجَدَ أهلها مفترقين على شعبتين ؛ سعديّة ،
وبلالية ، فطَمِع أن ينضمَّ إلى إحداهما ، فيستعين بها على الأخرى ، فلم يقدر على ذلك ، فارتحل إلى
بغداد ، فأقام بها سنةً ، انتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد ، وكان يزعم بها أنَّه يعلم بما في
ضمائر أصحابه ، وأنَّ الله يعلمه بذلك ، فتبعه على ذلك جَهَلَةٌ من الطّغام ، وطائفة من رعاع العوام.
ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان من هذه السنة ، فاجتمع معه بشر كثير ، ولكن لم يكن معهم
عُدد ، يقال : إنه تقدَّم إليهم جيش من ناحية البصرة فالتقوا جميعاً ، فلم يكن في جيش هذا الخارجيّ سوى
ثلاثة أسياف ، ومع هذا هزموا عدوَهم ، وكانوا في أربعة آلاف مقاتل .
ثم مضى نحو البصرة بمن معه ، فأهدى له رجل من أهل جُبَّى فرساً فلم يجد لها سَرْجاً ولا لجاماً ،
فألقى(٦) عليها حبلاً وركبها، وشنق حنكها بليف. ثم صادر رجلاً فتهدَّده بالقتل، فأخذ منه مئة(٧)
وخمسين ديناراً وألف درهم ، فكان هذا أوَّلَ مالٍ غنمه من هذه البلاد ، وأخذ من آخر ثلاثة بَرَاذين(٨)،
وأخذ من موضع آخر شيئاً من الأسلحة والأمتعة ، ثم سار في جيشٍ قليل بلا سلاح وخيول ، ثم جرت بينه
وبين جيوش من جهة نائب البصرة وقَعات متعددة ، يهزمهم(٩) فيها ، وكلما لاموه يقوى ، ويتزايد
أصحابه ، ويعظم جيشه ، وهو مع ذلك لا يتعرَّض لأموال الناس ، وإنَّما يريد أخذ أموال السّلطان .
(١) المصدر السابق .
(٢)
في ط: ((عبد الله))، خطأ.
(٣)
بعدها في ط : الثانية بظاهر البصرة .
((السَّبَخة)»: أرض ذات ملح ونز، وجمعها سِباخ .
(٤)
في اً: أسير ، وفي ب ، ظا : يصير ، والمثبت من ( ط) .
(٥)
عبارة الطبري : فركبه بحبل ، وسَنَفْه بليف .
(٦)
في الطبري (٩/ ٤١٧): فأتاه بمئتي دينار وخمسين ديناراً وألف درهم .
(٧)
(٨) ((البراذين)): جمع بزذون، وهو ضرب من الدواب يخالف الخيل العراب، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء.
(٩) في اً : يهزموهم .

٢٤٢
وفيات سنة ٢٥٥هـ
وقد انهزم أصحابه في بعض تلك الحروب هزيمة فظيعة ، ثم تراجعوا إليه ، واجتمعوا عليه ، ثم كرُّوا
على أهل البصرة ، فهزموهم ، وقتلوا منهم خلقاً وأسروا آخرين ، فكان لا يؤتى بأحدٍ من الأسرى إلا
قتله . ثمَّ قوي أمره بعد ذلك وخافه أهل البصرة ، وبعث الخليفة إليها مدداً يكونون لهم على صاحب الزَّنج
هذا الخارجيّ ، قبَّحه الله. ثم أشار عليه رؤوس أصحابه أن يهجم بهم على أهل البصرة فيدخلوها عَنْوَةً ،
فهَجَّن آراءهم ، وقال : بل نكون منها قريباً حتَّى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها ، ويخطبوننا عليها .
وسيأتي ما كان من أمره وأمر أهل البصرة في السنة المستقبلة إن شاء الله تعالى .
وحجَّ بالناس في هذه السنة عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن
عبّاس .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
الجاحظ المتكلِّم المعتزلي(١): وإليه تُنسَبُ الفرقة الجاحظية. وهو أبو عثمان عمرو بن بَحْر بن
مَحْبُوب الكِنانيّ الليثي ، المعروف بالجاحظ ؛ لجحوظ(٢) عينيه، ويقال له الحَدقيّ ، وكان شنيعَ
المنظر، سيء المخبر ، رديء الاعتقاد، ينسب إلى البدعة، وربما جاز(٣) به بعضهم إلى الانحلال حتى
يقال في المثل : يا ويحَ من كفره ككفرِ الجاحظ ، والله أعلم بحاله .
وكان بارعاً فاضلاً قد أتقن علوماً كثيرةً ، وصنَّف كتباً جمَّة تدل على قوَّة ذهنه وجودة تصرُّفه . ومن
أجلِّ كتبه: كتاب ((الحيوان))، وكتاب ((البيان والتبيين)).
قال ابن خلكان(٤) : وهما أحسن مصنفاته وأمتعها . وقد أطال ترجمته بحكايات ذكرها عنه . وذكر
أنه أصابه الفالج في آخر عمره ، وحكى أنه قال : أنا من جانبي الأيسر مفلوجٌ، لو قُرِضَ بالمقاريض
ما عِلِمْتُ به، ومن جانبي الأيمن مُنَقْرسُ(٥) لو مرَّت به الذُّبابة لألِمْتُ، وبي حصاةٌ ، وأشدُّ ما عليَّ ستّ
وتسعون سنةً . وكان ينشد (٦):
أَتَرْجُو أَنْ تَكُونَ وَأَنْتَ شَيْخٌ كَمَا قَدْ كُنْتَ أيَّامَ الشَّبابِ
٠
(١) له ترجمة في الفهرست (٢٠٨)، أمالي المرتضى (١٩٤/١)، تاريخ بغداد (٢١٢/١٢)، نزهة الألباء (١٣٢)،
معجم الأدباء (١٦ / ٧٤)، وفيات الأعيان (٣/ ٤٧٠)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٦).
(٢)
في بعض النسخ : لسوء .
(٣)
في ب ، ظا : جاوز .
(٤)
وفيات الأعيان (٤٧١/٣).
((منقرس)) : مصاب بالنقرس.
(٥)
تاريخ بغداد (٢١٩/١٢)، ومعجم الأدباء (١١٣/١٦)، ووفيات الأعيان (٤٧٣/٣).
(٦)

٢٤٣
وفيات سنة ٢٥٥ هـ
لَقَدْ كَذَبَتْكَ نَفْسُكَ لَيْسَ ثَوْبٌ دَريسٌ(١) كالجَديدِ من القِّابِ
وعبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدَّارِمي (٢) ، صاحب الكتاب المشهور ، وقد سمعناه بعلو .
وعبد الله بن هاشم الطُّوسيّ(٣)
والخليفة أبو عبد الله محمد المعتزّ بالله بن جعفر المتوكّل على الله ، في رجب ، كما تقدَّم .
ومحمد بن عبد الرحيم ، الملقب : صَاعِقَةُ(٤).
ومحمّد بن كَرَّامُ(٥) : المتكلِّم الذي تنسب إليه الفرقة الكَرَّاميَّة . وقد نُسب إليهمُ(٦) جواز وضع
الأحاديث . وهو محمد بن كَرَّام - بفتح الكاف وتشديد الراء ، على وزن جَمَّال - بن عراق [ ابن
حزابة (٧) بن البراء ، أبو عبد الله السِّجِسْتانيّ العابد، يقال: إنه من بني تراب(٨) . ومنهم من يقول :
محمد بن کِرَام ، بكسر الكاف وتخفيف الراء ، كمجع کریم .
وفرَّق البيهقيّ بينهما ، فجعل الذي تنسب إليه الكرّاميّة ، بفتح الكاف وتشديد الراء ، وهو الذي سكن
بيت المقدس إلى أن مات [ بها (٩) . وجعل الآخر شيخاً من أهل نيسابور .
والصحيح الذي يظهر من كلام الحاكم أبي عبد الله الحافظ ، والحافظ ابن عساكر أنهما واحد .
روى ابن كَرَّام عن عليّ بن حجر ، وعليّ بن إسحاق الحنظليّ السَّمر قنديّ ؛ سمع منه التفسير عن
محمد بن مروان عن الكلبي ، وإبراهيم بن يوسف الماكيانيّ ، ومالك بن سليمان الهرويّ ، وأحمد بن
(١) ((الدَّريس من الثياب)): البالي.
(٢) أبو محمد التّميمي، ثم الدَّارمي السمر قندي، أحد الأعلام، صاحب المسند المشهور، رَحَل وطوَّف ، وسمع
النَّضْر بن شُميل وزيد بن هارون وطبقتهما . أظهر علم الحديث بسمرقند .
سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٢٤)، العبر (٨/٢).
(٣) أبو عبد الرحمن الطوسي المولد، النيسابوري الوطن. سمع سفيان بن عيينة، ووكيعاً، وعدة . حافظ متقن ثقة.
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٣٢٨)، تهذيب الكمال ( لوحة ٧٥٠ ).
(٤) أبو يحيى ، العدويّ العمريّ مولاهم ، الفارسي ثم البغدادي ، البزّاز . قيل: سمي صاعقة؛ لأنه كان جيّد الحفظ .
قال الخطيب : كان متقناً ضابطاً عالماً حافظاً .
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٩٥) العبر (١٠/٢).
(٥) له ترجمة في الملل والنحل (١٥٨/١) وتاريخ دمشق (١٢٧/٥٥)، اللباب (٨٩/٣)، ميزان الاعتدال (٢١/٤)،
سير أعلام النبلاء (١١/ ٥٢٣)، الوافي بالوفيات (٣٧٥/٤).
(٦)
في ط : إليه .
زيادة من ب ، ظا .
(٧)
في ب ، ظا : نزار .
(٨)
(٩) زيادة من ب ، ظا.

٢٤٤
أحداث سنة ٢٥٦ هـ
حرب، وعُتَيْق بن محمد الحَرَشي(١)، وأحمد بن الأزهر النَّيْسَابوريّ، وأحمد بن عبد الله
الجُونِياري(٢)، ومحمد بن تميم الفاريابي، وكانا كذابين وضاعَين - وغيرهم.
وعنه : محمد بن إسماعيل بن إسحاق ، وأبو إسحاق إبراهيم بن سفيان ، وعبد الله بن محمد
القيراطي ، وإبراهيم بن الحجاج النيسابوري .
ذكر الحاكم أنه حبسه محمد بن طاهر بن عبد الله ، وطال حبسه فكان يتأهبُ لصلاة الجمعة(٣)،
فيمنعه السجَّان ، فيقول : اللهم ! إنك تعلم أنَّ المنع من غيري .
وقال غيره : أقام ببيت المقدس أربع سنين ، وكان يجلس للوعظ عند العمود(٤) الذي عند مشهد(٥)
عيسى عليه السلام ، واجتمع عليه خلق كثيرٌ ، ثم تبيَّن لهم أنه يقولُ : إنَّ الإيمان قول ، فترَكَهُ أهلُها ،
ونفاه متولّيها إلى غور زغر ، فمات بها ، ونقل إلى بيت المقدس . وكانت وفاته في صفر من هذه السنة .
وقال الحاكم : توفي ببيت المقدس ليلاً ، ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء عليهم السلام ، وله
ببيت المقدس من الأصحاب نحو من عشرين ألفاً .
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومثتين
في صبيحة يوم الإثنين الثاني عشر من المحرّم قدم موسى بن بُغَا الكبير إلى سامُرًا ، فدخلها في جيشٍ
هائلٍ قد عبَّأه ميمنةً وميسرة وقلباً وجناحين ، فقصد(٦) دار الخلافة التي فيها المهتدي جالس (٧) للعامّة ؛
لكشف المظالم ، فاستأذنو(٨) عليه، فتمادى الإذن ساعةً، وتأخَّر عنهم، فظنُّوا في أنفسهم أنَّ الخليفة
إنَّما طلبهم خديعة منه ؛ ليسلَّط عليهم صالحَ بن وصيف، فدخلوا عليه هجماً فجعلوا يتراطنون(٩)
(١) في ط: ((الجسري))، محرف. وتنظر ترجمته في إكمال ابن ماكولا (١١٢/٦)، وتوضيح المشتبه لابن ناصر
الدين (١٧٥/٦) .
(٢) نسبة إلى قرية من قرى هراة واسمها جُويبار، وهو الكذاب الخبيث أبو علي، أحمد بن عبد الله بن خالد التميمي
الجويباري الهروي ، يروي عن ابن عيينة ووكيع، ويضع عليهما الكثير. اللباب (٣١٣/١).
(٣) بعدها في ط : ويأتي إلى السجان فيقول: دعني أخرج إلى الجمعة ، فيمنعه ...
(٤)
في النسخ : العامود .
(٥)
في ب ، ظا : مهد .
في ط : فأتوا .
(٦)
في ب ، ظا : والخليفة جالس للعامّة .
(٧)
(٨)
في ب ، ظا : فاستأذنوه .
(٩) في آ: يراطنوهم وفي ظ: يتراطنون عليه، وأثبت ما جاء في (ب). و((التراطن)): التخاطب بالأعجمية.

٢٤٥
أحداث سنة ٢٥٦ هـ
بالتركي ، ثم عزموا فأقاموه من مجلسه ، وانتهبوا ما كان فيه ، ثم أخذوه مهاناً إلى دارٍ أخرى ، فجعل
يقول لموسى بن بُغَا : مالك ويحك ! إنِّي إنما جئت بك لأتقوَّى بك على صالح بن وصيف . فقال [ له
موسى ﴾(١): لا بأس عليك، احلفْ لي أنك لا تريد لي خلافَ ما أظهرت. فحلَفَ له الخليفة ، فطابت
أنفسهم ، وبايعوه بيعةً ثانيةً مشافهةً، وأخذوا عليه العهودَ والمواثيقَ أن لا يمالىءَ صالحاً عليهم ،
واصطلحوا على ذلك .
ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتزِّ ومَنْ قَتَلَه صالحُ بن وصيف من
الكتَّاب وغيرهم ، فوعدهم أن يأتيهم ، ثم اجتمع بجماعةٍ من الأمراء من أصحابه ، وأخذ يتأهَّبُ لجمع
الجيوش عليه ، ثم اختفى من ليلته فلم يدرِ أحدٌ أين ذهب في تلك الساعة ، فبعثت المنادية عليه في أرجاء
البلد ، وتُهدِّدَ من أخفاه ، فلم يزل في خفاءٍ إلى أواخر صفر على ما سنذكر .
ورُدَّ سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى نيابة بغداد .
وسُلِّم الوزير عبد الله بن محمد بن يَزداد إلى الحسن بن مَخْلَد الذي كان أراد صالح بن وصيف قَتْلَه مع
ذينك الرجلين ، فبقي في السِّجن حتى رجع إلى الوزارة .
ولما أبطأ خبرُ صالح بن وصيف على موسى بن بُغَا وأصحابه قال بعضُهم لبعض : اخلعوا هذا
الرجل ، يعني الخليفة ، فقال بعضهم: أتقتلون رجلاً صوَّاماً قوَّاما، لا يشرب الخمر (٢) ، ولا يأتي
الفواحش ؟ والله إن هذا ليس كغيره ، ولا يطاوعكم الناس عليه . وبلغ ذلك الخليفة ، فخرج إلى الناس
وهو متقلِّد سيفاً ، فجلس على السرير ، واستدعى بموسى بن بُغَا وأصحابه ، فقال: قد بلغني ما تَمَالأتم
عليه من أمري ، وإنِّي والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنِّط وقد أوصيت إلى أخي بولدي ، وهذا سيفي ،
والله لأضربنَّ به ما استمسك قائمُه بيدي ؛ والله لئن سقط من شعري شعرة ليهلكنَّ أو ليذهبنَّ بها أكثركم .
أمَا دِين ؟ أمَا حياء ؟! أما رِعة ؟! كم يكون هذا الإقدام على الخلفاء والجرأة على الله عزَّ وجلَّ ؟! سواء
عندكم(٣) مَنْ قصد الإبقاءَ عليكم ومن كان إذا بلغه هذا عنكم ، دعا بأرطال الشراب فشربها سروراً
بمكروهكم ، واذهبوا فانظروا منزلي ومنازل إخوتي ومَنْ يتصل بي هل فيها من آلات الخلافة أو فرشها
شيء غير ما يكون في بيوت آحاد الناس ! ويقولون : إني أعلم علم صالح ، وهل هو إلا كواحدٍ منكم ؟
فاذهبوا فاعلموا علمه ، فابلغوا شفاء نفوسكم منه ، وأمَّا أنا فلست أعلم علمه .
(١) زيادة من ( ط ).
(٢) في آ : النبيذ .
(٣) في ب ، ظا والطبري : عليكم .

٢٤٦
ذكر خلع المهتدي وولاية المعتمد
قالوا: فاحلف لنا على ذلك. قال: أمَّا اليمين فإنِّي أبذُلها [لكم }١)، ولكنِّي أدَّخرها حتَّى تكون
بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدّلين وأصحاب المراتب في غدٍ إذا صلَّيت صلاة الجمعة . قال : فكأنهم
لانوا لذلك قليلا٢ً) .
ولمّا كان يوم الأحد لثمانٍ بقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف ، فقتل وجيء برأسه إلى المهتدي
بالله وقد انفتَلَ من صلاة المغرب ، فلم يزِدْ على أن قال : واروه ، ثم أخذ في تسبيحه وذكره . ولما أصبح
الصباح يوم الإثنين رُفع الرأس على رمح ونودي عليه في أرجاء البلد : هذا جزاء مَنْ قتل مولاه . وما زال
الأمر مضطرباً حتى تفاقم الأمر وعظم الخطب .
ذكر خلْع المهتدي وولاية المعتمد
أحمد بن المتوكل وإيراد شيء من فضائل المهتدي
لمَّا بلغ موسى بن بُغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية ، ركب إليه في جيشٍ كثيفٍ ومعه مُفْلِح
وبايكباك٣) التركي ، فاقتتلوا هم ومساور الخارجي ، فلم يظفروا منه بشيء ، فعجزهم وهرب منهم
وأعجزهم ، وقد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة . والمقصود أنَّ الخليفة المهتدي بالله أراد أن يخالف
بين كلمة الأتراك ، فكتب إلى بايكباك : أن يتسلم الجيش من موسى بن بُغا ، ويكون هو الأميرَ على
الناس ، وأن يقبلَ بهم إلى سامُرّاء . فلمّا وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بُغا، فاشتدَّ غضبه على
المهتدي ، واتفقا عليه ، وقصدا إليه إلى سامُرًا، وتركا ما كانا فيه . فلمَّا بلغ ذلك المهتدي استخدم من
فوره جنداً من المغاربة والفراعنة والأشروسْنيَّة والأرزكشّة والأتراك أيضاً ، وركب في جيشٍ كثيفٍ ، فلمَّا
سمعوا به رجع موسى بن بُغا إلى طريق خراسان وأظهر بايكباك السمع والطاعة ، فدخل في ثاني عشر
رجب إلى الخليفة سامعاً مطيعاً ، فلمَّا أوقف بين يديه وحوله الأمراء والسادة من بني هاشم شاورهم فيه ،
فقال له صالح بن عليّ بن يعقوب بن أبي جعفر المنصور : يا أمير المؤمنين ! لم يبلغ أحدٌ من الخلفاء في
الشجاعة والإقدام ما بلغْتَ ، وقد كان أبو مسلم الخراساني شرّاً من هذا وأكثرَ جنداً ، ولما قتله أبو جعفر
المنصور سكنت الفتنة ، وخَمَدَ صوتُ أصحابه . فأمر عند ذلك المهتدي بالله بضرب عنق بايكباك ، ثم
ألقى رأسه إلى الأتراك ، فلما رأوا ذلك أعظموه ، وأصبحوا من الغد مجتمعين على أخيه طغوتيا ، فخرج
إليه الخليفة فيمن معه ، فلمَّا التقوا خامرت الأتراك الذين كانوا مع الخليفة إلى أصحابهم ، وصاروا إلباً
(١) زيادة من ط والطبري.
انظر تاريخ الطبري (٩/ ٤٤١ - ٤٤٣).
(٢)
في ب ، ظا والنجوم الزاهرة : باكباك ، وفي الكامل لابن الأثير : بابكيال . وفي سير أعلام النبلاء وتاريخ الخلفاء :
(٣)
باکیال .

٢٤٧
ذكر خلع المهتدي وولاية المعتمد
واحداً على الخليفة وأصحابه ، فقتل منهم نحو من أربعة آلاف ، ثم حملوا عليهم فهزموهم ، وانهزم
المهتدي بالله وبيده السيف صلتاً وهو ينادي : يا أيها الناس ! انصروا خليفتكم . فدخل دار أحمد بن
جُمَيل صاحب المعونة ، فوضع فيها سلاحه ، ولبس البياض ، وأراد أن يذهب فيختفي ، فعاجله
أحمد بن خاقان فيها ، فأخذه قبل أن يذهب ، ورُمي بسهم ، وطعن في خاصرته وحمل على دابّةٍ وخلفَهُ
سائسٌ، وعليه قميصٌ وسراويلُ حتى حصل (١) في دار أحمد بن خاقان ، فجعل مَنْ هناك يصفَعُونه
ويبزُقون في وجهه ، وأخذوا خطَّه بستمئة ألف دينار ، وسلَّموه إلى رجل ، فلم يزل يطأ خصييه حتى
مات ؛ رحمه الله . وذلك يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلةً بقيت من رجب .
وكانت خلافته أقلّ من سنةٍ بخمسة أيام ، وولد في سنة تسع عشرة ، وقيل : سنة خمس عشرة
ومئتين . وصلَّى عليه جعفر بن عبد الواحد ودفن بمقبرة المنتصر بن المتوكّل .
وكان أسمر رقيقاً، أجْلَى (٢)، حسن اللحية، أشهب(٣)، حسن العينين، عظيم البطن ، عريض
المنكبين ، قصيراً ، طويل اللحية ، يكنى أبا عبد الله .
قال الخطيب(٤) : وكان من أحسن الخلفاء مذهباً ، وأجملهم طريقة ، وأظهرهم ورعاً ، وأكثرهم
عبادة . وإنَّما روى حديثاً واحداً ، ثم أسند عنه. قال: حدَّثني عليّ بن أبي هاشم بن طِبْرَاخُ(٥) ، عن
محمد بن الحسن الفقيه ، عن ابن أبي ليلى ، عن داود بن عليّ ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قال
العباس : يا رسولَ الله! ما لنا في هذا الأمر؟ قال: (( لي النبوة ولكم الخلافة ، بكم يفتح هذا الأمر وبكم
يختم)). وقال للعباس: ((من أحبك نالته شفاعتي، ومن أبغضك لا نالته شفاعتي)(٦) .
(١) في ظا : صار .
(٢) (( الأجلى)): الحسن الوجه .
(٣) الأشهب: الذي حال لونه وتلوَّح من برد أو حرّ. وفي الطبري: أَشْهَل، وهو الذي شهلت عينه، وهو اختلاط أحد
اللونين بالآخر . و (( الشَّهل)) : أن يشوب إنسانَ العين حمرةٌ .
(٤)
تاريخ بغداد (٣٤٨/٣) .
في آ: علي بن هاشم بن طراح ، وفي ب ، ظا: علي بن هاشم طباخ ، وفي تاريخ بغداد علي بن هاشم بن
(٥)
طَبْراخ . وهو علي بن أبي هاشم عبيد الله بن طِبْرَاخ البغدادي ، صدوق ، تكلم فيه للوقف في القرآن . وتقريب
التهذيب (٤٥/٢). كما في تهذيب التهذيب (٧/ ٣٩٣).
(٦) هو في تاريخ بغداد (٣٤٨/٣ - ٣٤٩). قال بشار: وهو خبر باطل وإسناد تالف ، وسيماء الوضع ظاهرة عليه ،
داود بن علي بن عبد الله بن عباس ضعيف ، ومحمد بن عمر الجعابي ، كان فاسقاً رقيق الدين لا يتورع . وقد تفرد
الخطيب برواية هذا الحديث من طريق الجعابي .

٢٤٨
ذكر خلع المهتدي وولاية المعتمد
وروى الخطيب(١): أنَّ رجلاً استعدى المهتدي على خصمه(٢)، فحكم بينهما بالعَدْلِ ، فأنشأ الرجلُ
يقولُ :
أَبْلَجُ مثلُ القَمَرِ الزَّاهرِ
حَكَّمْتُمُوه فقضی بینكُمْ(٣).
لا يقبَلُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ ولا يُبَالِي غَبَنَ الخاسرِ
فقال له المهتدي بالله : أمَّا أنت أيُّها الرَّجُلُ فأحسَنَ اللهُ مقالتك، وأمَّا أنا فإنِّي ما جلست حتَّى قرأت
قوله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَزِيْنَ الْقِسْطَ لِيَؤْمِ الْقِيَئِمَةِ فَلَا نُظْلَمُ نَفْسُ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدٍَ أَنْيَّنَا
بِهَا وَكَفَى بِنَاحَسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال: فبكَى الناس حوله ، فما رؤي أكثر باكياً من ذلك اليوم .
وقال بعضُهم : سَرَك٤ُ) المهتدي الصَّوْمَ منذ ولي إلى أن قتل ، رحمه الله .
وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمرُ بن عبد العزيز الأموي في أيام خلافته ، من الورع والتقشّف وكثرة
العبادة وشدة الاحتياط(٥) .
وقال أحمد بن سعيد الأمويّ : كنا جلوساً بمكّة وعندي جماعة يبحثون في النَّحو وأشعار العرب ، إذ
وقف علينا رجلٌ نظنه مجنوناً ، فأنشأ يقول(٦):
شُغِلْتُمْ بذا والنَّاسُ في أعظمِ الشغْلِ
أمَا تَسْتَحُونَ اللهَ يا مَعْدِنَ الحِلْمُ(٧)
وقد أصبحَ الإِسلامُ مفترِقَ الشَّمْلِ
إمامُكُم أضْحَى قتيلاً مجدًّاً(٨)
تصيحونَ بالأصواتِ في أحسنِ السُّبْل١٠ُّ)
وأنتمْ على الأشعارِ والنَّحوِ عُكَّفٌ(٩)
تاريخ بغداد (٣٤٩/٣)، وفيه البيتان، وهما في الكامل لابن الأثير (٢٣٤/٧).
(١)
في ا : حقه . وفي تاريخ بغداد عن عبد الله بن إبراهيم الإسكافي قال : حضرت مجلس المهتدي وقد جلس
(٢)
للمظالم ، فاستعداه رجل على ابن له ، فأمر بإحضاره ، فأحضر ، وأقامه إلى جنب الرجل ، فسأله عمّا ادعاه عليه
فأقرَّ به ، فأمره بالخروج له عن حقه ، فكتب له بذلك كتاباً ، فلما فرغ ، قال له الرجل : والله يا أمير المؤمنين
ما أنت إلا كما قال الشاعر : ...
(٣)
في ب ، ظا : عليكم .
((سرد الصوم)): أي تابعه. تاريخ بغداد (٣٥٠/٣).
(٤)
بعدها في ط : ولو عاش ووجد ناصراً لسار سيرته ما أمكنه ، وكان من عزمه أن يبيد الأتراك الذين أهانوا الخلفاء
(٥)
وأذلوهم ، وانتهكوا منصب الخلافة .
(٦)
(٧)
تاریخ بغداد (٣٥١/٣).
في تاريخ بغداد : الجهل ، وفي ط : النحو .
(٩) في ب ، ظا وتاريخ بغداد: عكّفاً .
(٨)
في ظا : مجندلا ، وهما بمعنى .
(١٠) في ظا: في أنسب السبل، وفي ب : في العقل. وفي تاريخ بغداد : في است أم ذا العقل .

٢٤٩
خلافة المعتمد على الله
قال : فنظرنا ، وأرَّخنا ذلك اليوم ، فإذا المهتدي بالله قد قُتِلَ في ذلك اليوم ، وكان يوم الإثنين لأربع
عشرة بقيت من رجب سنة ستَّ وخمسين ومئتين .
خلافة المعتمد على الله
أحمد بن المتوكّل على الله، ويعرف بابن فِياهُ(١) ، بويع بالخلافة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من
رجب من سنة ست وخمسين ومئتين في دار الأمير بارجوع(٢) وذلك قبل خلع المهتدي بأيام . ثم كانت
بيعة العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب .
ولعشر بقين من رجب دخل موسى بن بُغَا ومُفْلِح إلى سُرَّ مَنْ رأى ، فنزل موسى في داره ، وسكن
الناس ؛ وخَمَدَت الفتن هنالك .
وأمَّا صاحبُ الزَّنْج المدَّعي أنه علويّ، فهو محاصِر للبصرة ، والجيوش (٣) الخليفية في وجهه
دونها ، وهو في كُلِّ وقت يقهرها ، ويغنم ما يفد إليهم في المراكب من الأطعمة وغيرها ، واستحوذَ بعد
ذلك على الأبُلَّة وعبّادان وغيرهما من البلاد ، وخاف منه أهلُ البصرة خوفاً شديداً ، وكل ما لأمره يقوى ،
ولجيوشه تكثر ، ولعدده يتزايد ، ولم يزل ذلك دأبه إلى انسلاخها .
وفي هذه السنة خرج رجل آخر بالكوفة يقال له : عليّ بن زيد الطالبيّ ، وجاءه جيشٌ من جهة الخليفة
فكسره الطالبيُّ ، واستفحل أمره بالكوفة وقويت شوكته ، وتفاقم أمره .
وفيها : وثَبَّ محمّد بن واصل [ بن إبراهيم (٤) التميمي على نائب الأهواز الحارث بن سيما
الشرابيُ(٥) ، فقتله واستحوذ على بلاد الأهواز .
وفي رمضان منها تغلَّب الحسن بن زيد الطالبيّ على بلاد الرَّيّ ، فتوجَّه إليه موسى بن بُغَا في شوال من
عند المعتمد ، وخرج لتوديعه .
وفيها : كانت وقعة عظيمة على باب دمشق بين أماجور نائب دمشق - ولم يكن معه إلا قريب من
أربعمئة فارس - وبين ابن لعيسى بن الشيخ ، وهو في قريب من عشرين ألفاً ، فهزمه أماجور وجاءت من
الخليفة ولاية لابن الشيخ على بلادِ أرمينية على أن يترك أهل الشام ، فقبل ذلك وانصرف عنهم .
في ا : قينان ، وفي ب ، ظا : عينان ، والمثبت من الطبري ومصادر أخرى . وفتيان أمه ، وهي رومية .
(١)
في الأصل غير معجمة ، وفي الكامل لابن الأثير : ياركوج . وما أثبته يوافق ما جاء في ط والطبري .
(٢)
(٣)
في آ : وجيوش الخليفة .
(٤)
من ب ، ظا والطبري .
في الأصول : الشارباني ، وأثبت ما جاء في ط والطبري .
(٥)

٢٥٠
وفيات سنة ٢٥٦ هـ
وحجَّ بالناس في هذه السنة محمّد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور .
وكان في جملة الحجاج أبو أحمد بن المتوكّل ، فتعجَّل وعجّل السيرَ إلى سامُرّاء ، فدخلها ليلة
الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الخليفة المهتدي بالله ، في رجب منها ، كما تقدّم .
والزُّبَير بن بَكَّارُ(١) : ابن عبد الله بن مُصْعَب بن ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر بن العَوَّامِ القُرَشِيُّ الزُّبَيْرِيُّ،
قاضي مكة. قدم بغداد وحدث بها. وله كتاب (( أنساب قريش))، وكان ٢) من أهل العلم بذلك ، وكتابه
في ذلك حافل جداً ، وقد روى عنه ابنُ ماجَه وغيرُه .
وقد وثقه الدَّارَ قُطْنِيُّ والخطيب(٣) وأثنى عليه وعلى كتابه .
وتوفي بمكّة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة ، ودفن بمكة ، رحمه الله .
البُخَارِيُّ صاحبُ الصَّحيحَ(٤): وقد ذكرنا له ترجمةً حافلةً في أول شرحنا ((لصحيحه))، ولنذكر
هاهنا نُبْذَةً من ذلك ، فنقول وبالله المستعان :
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه(٥) الجُعْفِيّ مولاهم ، أبو عبد الله البخاري
الحافظ ، إمام أهل الحديث في زمانه ، والمقتدى به في أوانه (٦) ، والمقدَّم على سائر أضرابه وأقرانه ،
وكتابه الصحيح يُسْتَسْقَى بقراءته الغمام ، وأجمع على قبوله وصحة ما فيه أهلُ الإسلام .
ولد البخاريّ رحمه الله في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ، ومات أبوه وهو
(١) له ترجمة في الأغاني (٤١/٩)، الفهرست (١٢٣)، تاريخ بغداد (٤٦٧/٨)، معجم الأدباء (١١/ ١٦١)، وفيات
الأعيان (٣١١/٢)، سير أعلام النبلاء (٣١١/١٢)، تهذيب الكمال (٢٩٣/٩)، ومقدمة كتابه جمهرة نسب قريش
بقلم محمود محمد شاكر .
في ب ، ظا : وكان من أعلم الناس بذلك .
(٢)
المصدر السابق (٤٦٨/٧)، وجاء فيه: وكان ثقة ثبتاً عالماً بالنسب ، عارفاً بأخبار المتقدِّمين ومآثر ( أو سائر)
(٣)
الماضين ، وله الكتاب المصنف في نسب قريش وأخبارها .
(٤) له ترجمة في طبقات الحنابلة (٢٧١/١)، تاريخ بغداد (٤/٢)، تهذيب الأسماء واللغات (٦٧/١)، وفيات
الأعيان (١٨٨/٤)، طبقات الشافعية للسبكي (٢١٢/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٩١/١٢)، شذرات الذهب
(١٣٤/٢)، وغيرها كثير .
(٥) ((بَرْدِزْبَة)): بباء موحدة مفتوحة، وراء ساكنة ، ودال مهملة مكسورة ، ثم زاي ساكنة ، ثم باء موحدة ، ثم هاء.
هكذا قيده ابن ماكولا ، وقال : هو بالبخارية ، ومعناه بالعربية : الزّاع . تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٦٧).
(٦) في آ : آدابه .

٢٥١
وفيات سنة ٢٥٦هـ
صغير ، فنشأ في حجر أَمِّه ، فألهم حفظ الحديث وهو في المكتب ، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابنُ ستَّ
عشرةَ سنة حتى قيل : إنه كان يحفظ وهو صبيٌّ سبعين ألفَ حديثٍ سرداً .
وحجَّ وعمرُه ثماني عشرةَ سنةً ، فأقام بمكة يطلب بها الحديث ، ثم ارتحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ
الحديث في البلدان التي أمكنه(١) الرحلة إليها ، وكتب عن أكثر من ألف شيخ .
وروى عنه خلائق وأمم ، وقد روى الخطيب البغدادي (٢) عن الفِرَبْرِيّ(٣)، أنَّه قال: سمع الصحيح
من البخاري معي نحو من تسعين(٤) ألفاً لم يبقَ منهم أحد غيري .
وقد روي(٥) البخاريُّ من طريق الفِرَبْريّ كما هي رواية الناس اليوم من طريقه ، وحَمَّاد بن شاكر ،
وإبراهيم بن مَعْقِل ، وطاهر بن محمد بن مَخْلَد .
وآخر من حدَّث عنه أبو طلحة منصورُ بن محمد بن عليّ البَزْدَوِيّ(٦) النَّسَفِيّ، وقد توفي النَّسَفِيُّ هذا
في سنة تسع وعشرين وثلاثمئة ، ، وثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا(٧).
وممن روى عن البخاريِّ مسلمٌ في غير ((الصحيح)) ، وكان يتّلْمَذُ له ويعظِّمُه، وروى عنه الترمذيُّ
في جامعه ، والنَّسائيُّ في ((سننه)) في قول بعضِهم(٨) .
وقد دَخَلَ بغدادَ ثمان مرات ، وفي كُلِّ منها يجتمع بالإمام أحمد بن حنبل ، فيحثُّه أحمدُ على المقام
ببغداد ، ويلومُه على الإقامة بخراسان (٩) .
وقد كان يستيقظُ في الليلة الواحدة من نومه ، فيُورِي السّراجَ فيكتب الفائدةَ تمرُّ بخاطره ، ثم يُطفىء
سراجَه، ثم يقومُ مرَّةً أخرى ، حتَّى كان يتعدَّد ذلك منه قريباً من عشرين مرةً ١٠) .
وقد كان أصيبَ بصرُه وهو صغيرٌ، فرأت أمُّه إبراهيمَ الخليلَ ؛ عليه السلام ، فقال : يا هذه!
(١) في ظا : أمكنه ، وفي ط : أمكنته .
(٢) تاريخ بغداد (٩/٢)، سير أعلام النبلاء (٣٩٨/١٢).
(٣) هو محمد بن يوسف الفِرَبْريّ.
(٤)
في ب ، ظا ، ط : سبعين .
في سير أعلام النبلاء (١٢ / ٣٩٨): روى صحيح البخاري جماعة ، منهم: الفِرَبْريُّ ...
(٦) ويقال: البَزْدِيّ النَّسَفي، دِعْقَان قرية بَزْدَة، وهي قلعة على ستة فراسخ من نسف. كان آخر من حدَّث بـ الجامع
(٥)
الصحيح عن البخاري .
(٧) الإكمال (٢٤٣/٧)، سير أعلام النبلاء (٣٩٨/١٢)، و(٢٧٩/١٥).
(٨) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٣٩٧).
(٩) تاريخ بغداد (٢٢/٢)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٠٣) .
(١٠) تاريخ بغداد (١٣/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٠٤/١٢).

٢٥٢
وفيات سنة ٢٥٦ هـ
قد رَدَّ اللهُ على ولدك بصرَهُ بكثرة دُعائِكِ ، أو قال : بكائِكِ ، فأصبح وهو بَصير(١)
وقال البخاري : فكّرت البارحة فإذا أنا قد كتبت في مصنفاتي نحواً من مئتي ألف حديث مسندة ،
وكان يحفظها كلَّها٢) .
ودخل مرَّةً إلى سمرقند فاجتمع أربع مئةٍ من علماء الحديث بها ، فركّبوا له أسانيد ، وأدخلوا إسنادَ
الشام في إسناد أهل العراق ، وخلطوا الرجال في الأسانيد ، وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها ،
ثم قرأوها على البخاريِّ، فردَّ كلَّ حديثٍ إلى إسناده ، وقوَّم تلك الأسانيد كلّها ، وما تعلَّقوا عليه بسقطة
" في إسنادٍ ولا في متيٍ(٣) . وكذلك صنع بمئة محدِّثٍ من أهل بغداد .
وذكروا أنَّه كان ينظر في الكتاب مرَّةً واحدة فيحفظ ما فيه من نظرة واحدة ؛ والأخبار عنه في هذا
المعنى كثيرة٤) .
وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه . فقال الإمام أحمد : ما أخرجت خراسان مثل٥ً) .
وقال إسحاق بن راهَوَيْه : لو كان في زمن الحسنِ لاحتاجَ الناسُ إليه ؛ لمعرفته بالحديث وفِقهًِ) .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نُمَير: [ ما رأينا !١) مثل(٨).
وقال عليّ بن المدينيّ: لم يَرَ مِثْلَ نفسِه؟) .
وقال عليّ بن حُجْر: لا أعلَمُ مِثْلَه(١) .
وقال محمود بن النضر بن سهل الشافعي : دخلْتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيت
علماءها، كلَّما جرى ذكرُ محمد بن إسماعيل البخاريّ فَضَّلُوه على أنفسهم١١ُ). وقال أبو العباس
تهذيب الكمال (١١٧٠)، سير أعلام النبلاء (٣٩٣/١٢).
(١)
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤١٢).
(٢)
سير أعلام النبلاء. (١٢ / ٤١١).
(٣)
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٠٨) وما بعدها .
(٤)
تاريخ بغداد (٢١/٢)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢١).
(٥)
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢١).
(٦)
(٧)
زيادة من ب ، ظا .
(٨)
تهذيب الكمال ( اللوحة ١١٧١) ، سير أعلام النبلاء (١٢ /٤٢١).
تهذيب الكمال ( اللوحة ١١٧٠)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢١). وفي المطبوع: لم يَرَ البخاريّ مثل نفسه .
(٩)
(١٠) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢١).
(١١) تاريخ بغداد (١٩/٢)، تهذيب الكمال (لوحة ١١٧١)، سير أعلام النبلاء (٤٢٢/١٢).

٢٥٣
وفيات سنة ٢٥٦هـ
الدَّغُولي١ُّ) : كتب أهلُ بغداد إلى البخاري(٢) :
المُسْلِمُونَ بِخَيْرٍ ما حييتَ لَهُم وليسَ بَعْدَكَ خَيْرٌ حينَ تُفْتَقَدُ
وقال الفلاَّس(٣) : كُلُّ حديثٍ لا يعرفه البخاريُّ فليس بحديثٍ . وقال نُعَيْمُ بن حمّاد : هو فقيه هذه
الأم٤ُ) . وكذا قال يعقوبُ بن إبراهيمَ الدَّوْرَقيُ(٥) . ومنه من فضله في الفقه والحديث على الإمام
أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه٦) .
وقال قتيبة بن سعيد: رُحِلَ إليَّ من شرق الأرض وغربها، فما رحل إليَّ مثلُ محمّد بن إسماعيل البخاري(٧).
وقال مُرَجَّى بن رجاء٨) : فَضْلُ البخاريّ على العلماء - يعني في زمانه - كفضل الرجال على النساء ،
وقال : هو آيةٌ من آيات الله يمشي على الأرض .
وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارِميّ : محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا ، وأعلمنا ،
وأغْوَصُنا ، وأكثرنا طلبه) .
وقال إسحاق بن راهويه : هو أبصرُ منّي (١) .
وقال أبو حاتم الرَّازي: محمد بن إسماعيل أعلَمُ مَنْ دَخَلَ العراقُ(١)
وقال عُبيد العجلي(١٢) : رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يستمعان ما يقول ، ولم يكن مُسلم
يبلغه ، وكان أعلَمَ من محمد بن يحيى الذّهلي بكذا وكذا ، وكان ديّناً فاضلاً يُحسِنُ كُلَّ شيءٍ.
وقال غيره : رأيت محمد بن يحيى الذّهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكُنى والعِلل ،
هو محمد بن عبد الرحمن الفقيه الدَّغولي ، أبو العباس .
(١)
(٢)
تاريخ بغداد (٢٢/٢)، تهذيب الكمال (لوحة ١١٧١)، سير أعلام النبلاء (١٢ /٤٣٤).
هو عمرو بن علي بن بحر ، أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي الفلاس ، حافظ مجوِّد ناقد ، ثقة ، صاحب
(٣)
حديث . مات سنة ٢٤٩هـ. والخبر في تاريخ بغداد (١٨/٢)، وسير أعلام النبلاء (١٢ /٤٢٠).
تاريخ بغداد (٢٢/٢)، تهذيب الكمال ( لوحة ١١٧١)، سير أعلام النبلاء (٤١٩/١٢).
(٤)
(٥)
سير أعلام النبلاء (١٢ /٤٢٤)، ومقدمة الفتح (٤٨٣).
(٦)
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢٠ و٤٢٩ و٤٣١) .
(٧)
نفس المصدر السابق .
كذا في الأصول، ولعل صوابه : رجاء بن مُرَجَّى، كما في تاريخ بغداد (٢٥/٢)، وسير أعلام النبلاء
(٨)
(١٢ / ٤٢٧)، ومقدمة الفتح (٤٨٤). ومرجّى بن رجاء متقدم على البخاري ، وقد التقى رجاء بن مرجّى بالبخاري
رحمه الله في بخاری وتذاكرا . مات رجاء سنة ٢٤٩ هـ .
(٩) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٢٦).
(١٠) سير أعلام النبلاء (١٢ /٤٢٩).
(١١) المصدر السابق (١٢/ ١٤٣١).
(١٢) سير أعلام النبلاء (٤٣٦/١٢): الحسين بن محمد المعروف بعُبيد العجل. تاريخ بغداد (٢٩/٢).

٢٥٤
وفيات سنة ٢٥٦ هـ
وهو يمرُّ فيها كالسَّهم، كأنه يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾(١).
وقال أحمدُ بن حمدون القصَّار : رأيت مُسلمَ بنَ الحجَّاج جاء إلى البخاري ، فقبَّل بين عينيه ، وقال : دعني
حتى أُقبَّلَ رجليك يا أستاذ الأستاذِين، وسَيِّدَ المُحدِّثين، وطبيبَ الحديثِ في عِلَلِهِ(٢) . ثم سأله عن حديث كَفَّارة
المجلس (٣)، فذكر له علَّته. فلمَّا فرغ قال مسلم: لا يبغضُكَ إلا حاسدٌ ، وأشهدُ أنَّه ليس في الدنيا مثلُك (٤).
وقال الترمذي : لم أرَ بالعراق ولا بخراسان في معنى العِلل والتاريخ ومعرفةِ الأسانيد أعلَمَ مِنَ
البخاريّ(٥). وكنّا يوماً عند عبد الله بن منير فقال للبخاري: جَعَلَكَ اللهُ زَيْنَ هذه الأمّة . قال الترمذي :
فاستجيب له فيه(٦). وقال ابنُ خَزَيْمة: ما رأيتُ تحتَ أديم السَّماء أعلَمَ بحديث رسول الله ◌َّهِ وأحفَظَ له
من محمّدٍ بن إسماعيل البخاري(٧) . ولو ذهبنا نسطّر ما أثنى عليه الأئمة في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه
تاريخ بغداد (٣١/٢)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣٢ و٤٣٦).
(١)
(٢) طبقات السبكي (٢٢٣/٢)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٣٢ و٤٣٦).
(٣) رواه أحمد في مسنده (٤٩٤/٢) والترمذي في سننه رقم (٣٤٣٣). قال الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء) (١٩٣/٢) أخرجه
الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه ورواه الحاكم في مستدركه (١/ ٥٣٧) من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح على شرط
مسلم، ولكن أعله البخاري بحديث وهيب عن ابن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب قوله . قال الحافظ ابن حجر في ( فتح
الباري) (٥٤٤/١٣) كذا قال الحاكم، ووهم في ذلك فليس في هذا السند ذكر لوالد سهيل ولا كعب ، والصواب عن سهيل
عن عون وكذا ذكره على الصواب في (علوم الحديث). قال الحافظ: وأخرجه البيهقي في (المدخل) عن الحاكم بسنده
المذكور في (علوم الحديث ) عن البخاري فقال : عن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين كلاهما عن حجاج بن محمد ، وساق
كلام البخاري ، لكن قال : لا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا الحديث وهو المنقول عن البخاري ، لا قوله : لا أعلم في
الدنيا في هذا الباب ، فإن في الباب عدة أحاديث لا تخفى على البخاري . وكأن الحاكم وهم في هذه اللفظة ، وهي قوله : في
هذا الباب وإنما هي بهذا الإسناد ، وهو كما قال . قال الحافظ: وأما من صححه، فإنه لا يرى هذا الاختلاف علة قادحة ..
قال الحاكم (٥٣٧/١) بعدما ذكر حديث أبي هريرة . ولهذا الحديث شواهد عن جبير بن مطعم، وأبي برزة الأسلمي، ورافع بن
خديج . فذكرها، وصحح حديث جبيربن مطعم، ووافقه الذهبي . قال الحافظ : وذكر شيخنا شيخ الإسلام أبو الفضل
عبد الرحيم بن الحسين العراقي في النكت التي جمعها على علوم الحديث لابن الصلاح : أن هذا الحديث ورد من رواية جماعة
من الصحابة ، عدتهم سبعة زائدة على ما ذكره الترمذي . قال الحافظ : وقد تتبعت طرقه فوجدته من رواية خمسة آخرين ،
فكملوا خمسة عشر نفساً، ووقد خرجت طرقه فيما كتبته على علوم الحديث ، فذكرها وقال : ووقع لي مع ذلك من مراسيل
جماعة من التابعين ، وقال : وأسانيد هذه المراسيل جياد ، وفي بعض هذا ما يدل على أن للحديث أصلاً . وقد استوعبت
طرقها وبنيت اختلاف أسانيدها، وألفاظ متونها . ورأيت ختم هذا الفتح يعني ( فتح الباري) بطريقة من طرق هذا الحديث
مناسبة للختم أسوقها بالسند المتصل العالي بالسماع والإجازة إلى متنها ، فذكره بطوله سنداً ومتناً، وختم الحديث بقوله
( سبحانك اللهم وبحمد ، لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ) . أقول : فالحديث صحيح مرفوعاً وموقوفاً بطرقه وشواهده
الكثيرة، والحمد لله وانظر (فتح الباري) (١٣/ ٥٤٤ - ٥٤٦) (ع) .
(٤)
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٣٦).
(٥)
تهذيب الأسماء واللغات (٧٠/١)، سير أعلام النبلاء (١٢/ ٤٣٢).
(٦)
تاريخ بغداد (٢٦/٢)، طبقات السبكي (٢٢١/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٣٣/١٢).
(٧) تهذيب الأسماء واللغات (١/ ٧٠)، طبقات السبكي (٢١٨/٢)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٣١).

٢٥٥
وفيات سنة ٢٥٦ هـ
وورعه وزهده لطال علينا ، ونحن على عجلٍ من أجل الحوادث . وقد ذكرنا ذلك مبسوطاً في أول شرح
الصحيح . والله سبحانه وتعالى هو المستعان .
وقد كان رحمه الله في غاية الحياء والشجاعة والسَّخاء والورع والزهد في الدنيا دارِ الفَنَاء ، والرغبة في
الآخرة دارِ البقاء . قال: أرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني أنّي اغتبتُه. فذُكر له ((التاريخ)) وما ذَكَّرَ
فيه من جرحٍ وتعديلٍ وغير ذلك، فقال: ليس هذا من هذا، قال النبيِ وَلَّ: ((ائذنوا له ولبئسَ أخو
العَشِيرة)(١) ونحن روينا ذلك رواية ولم نقلْهُ من عند أنفسنا.
وقد كان رحمه الله يصلِّي في كُلِّ ليلةٍ ثلاثَ عشرةَ ركعةً ، وكان يختمُ في كُلِّ يوم من رمضان خَتْمة ،
وكانت له جدة ومال جيدٌ يُنفِقُ منه سرّاً وجهراً ، ويكثر الصَّدَقة بالليل والنهار سرّاً وعلانية .
وكان مستجاب الدعوة ، مسدَّد الرمية ، شريف النفس، بَعَثَ إليه بعضُ السلاطين ليأتيه حتى يسمَعَ
أولادُه عليه، فأرسل إليه: ((في بيته يُؤتى الحَكَمُ (٢) ، يعني إن كنتم تريدون ذلك فهلمُّوا إليَّ ، وأبَى أن
يذهَبَ إليهم. وهو (٣) خالد بن أحمد الذّهلي، نائب الظاهريّة ببخارى .
فبقي في نفس الأمير من ذلك ، فاتفق أن جاء كتابٌ من محمد بن يحيى الذّهلي من نيسابور بأن
البخاري يقول بأنّ لفظَه بالقرآن مخلوق . وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك
كلامٌ ، وصنَّف البخاري في ذلك كتابه (( خلْق أفعال العباد )) ، فأراد الأميرُ أن يصرفَ النَّاسَ عن السّماع من
البخاري ، وقد كانوا يعظّمونه جدّاً؛ حين رجع إليهم نثروا على رأسه الذَّهَب والفضة يوم دخل بُخارى
عائداً إلى أهله ، وكان له مجلس للإملاء بجامعها ، فلم يقبلوا من الأمير ، فأمر عند ذلك بنفيه من
البلاد(٤) ، فخرج منها ، ودعا على خالد بن أحمد ، فلم يمضِ شهرٌ حتى أمر ابنُ طاهر بأن ينادَى على
خالد بن أحمد على أتان ، وزال ملكه ، وسُجن ببغداد حتى مات، ولم يبقَ أحدٌ ساعدَه على ذلك إلا
ابتُلي بيلاءٍ شديد(٥) .
(١) أخرجه البخاري (٣٧٨/١٠، ٣٧٩) في الأدب، باب لم يكن النبي ◌ّفر فاحشاً ولا متفحشاً؛ ومسلم (٢٥٩١) في
البر والصلة ، باب مداراة من يتَّقي فحشه؛ وأبو داود (٤٧٩١)، والترمذي (١٩٩٦)، وأحمد (٣٨/٦) عن عائشة:
أنَّ رجلاً استأذن على النبيِوَّهِ، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة ، وبئس ابن العشيرة، فلما دخل عليه ألان له
القول ، قالت عائشة : فقلت : يا رسول الله! قلتَ له الذي قلت،. ثم ألنت القول؟ قال: يا عائشة! إنَّ شرَّ
الناس منزلة عند الله يوم القيامة مَنْ تركه الناس اتقاء شرّه .
(٢) سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٠٦). وقوله: في بيته يؤتى الحَكَم ، أي : الحاكم ، وهو مثل ، قصته في كتاب الأمثال
لابن سلام (٥٤)، والعسكري (١٠١/٢)، وأمثال الميداني (٧٢/٢)، واللسان (حكم) .
(٣) في ط : والسلطان .
(٤) في ب ، ظا : البلد .
(٥) تاريخ بغداد (٣٣/٢)، تهذيب الكمال (لوحة ١١٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٦٤).

٢٥٦
وفيات سنة ٢٥٦هـ
فنزح البخاري إلى بلدة يقال لها : خَرْتَنْك ، على فرسخين من سَمَرْقَنْد ، فنزل عند أقارب له ، وجعل
يدعو الله أن يقبضَه إليه حين رأى الفِتَن، كما جاء في الحديث: ((وإذا أردتَ بقوم فتنةٌ فتوقّنا إليكَ غيرَ
مفتونين )(١) .
ثم اتفق مرضُه على إثر ذلك ، وكانت وفاته ليلة عيد الفطر ، وكانت ليلة السبت عند صلاة العشاء ، وصلّي
عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة ، أعني سنة ستٍّ وخمسين ومئتين ، وكُفِّنَ في ثلاثة أثواب بيضٍ ، ليس
فيها قميص ولا عمامة . وَفْقَ ما أوصى. وحين دُفن فاحت من قبره رائحةُ غاليةٍ(٢) أطيب من المسك ، فدام ذلك
أياماً ، ثم علت سواري بيض بحذاء قبره . وكان عمره يوم مات ، رحمه الله ، اثنتين وستين سنة .
وقد ترك بعده رحمه الله علماً نافعاً لجميع المسلمين ، فعمله فيه لم ينقطع ، بل هو موصول بما أسداه
من الصَّالحات في الحياة؛ وقد قال رسولُ اللهِوَ ◌ّ: ((إذا مات ابن آدم انقطَعَ عَمَلُه إلا من ثلاث؛ من علم
ينتفع به)) الحديث، رواه مسلم(٣) .
وشرطه في ((صحيحه)) هذا أعزُّ من شرط كُلِّ كتابٍ صُنِّفَ في الصحيح ، لا يوازيه فيه غيرُه ،
لا صحيح مسلم ولا غيره . وما أحسَنَ ما قال بعضُ الفصحاء من الشعراء(٤):
صحيحُ البُخَارِيِّ لَوْ أَنْصَفُوهُ لَمَا خُطَّ إلا بماءِ الذَّهَبْ
هو السّدُّ بين الفَتَى والعَطَبْ
هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الهُدَى والعَمَى
أمامَ مُتونٍ لها كالشُّهُبْ (٥)
أسانيدُ مِثلُ نُجومِ السَّماءِ
ودانَ بِهِ العُجمُ بعدَ العَرَبْ
به قامَ ميزانُ دِينِ الرَّسُولِ
يميّزُ بينَ الرِّضا والغَضَبْ
حِجابٌ مِنَ النَّارِ لا شَكَّ فيهِ
(١) هو جزء من حديث طويل رواه أحمد (٢٤٣/٥) والترمذي رقم (٣٢٣٥) في تفسير القرآن، من سورة ( ص ) من
حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . ورواه أحمد (٣٦٨/١) والترمذي
رقم (٣٢٣٣) من حديث ابن عباس ، وهو حديث صحيح ، وهو حديث المنام الطويل المشهور بـ ( حديث اختصام
الملأ الأعلى ) ، وقد شرحه الحافظ ابن رجب الحنبلي شرحاً جيداً في رسالة سماها ( اختيار الأولى في شرح حديث
اختصام الملأ الأعلى ) .
((الغالية)): أخلاط من الطيِّب ، كالمسك والعنبر.
(٢)
رواه مسلم رقم (١٦٣١) في الوصية ، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ، وأخرجه أحمد في المسند
(٣)
(٣٧٢/٢)، وأبو داود رقم (٢٨٨٠) في الوصايا ، باب ما جاء في الصدقة عن الميت ، والترمذي رقم (١٣٧٦) في
الأحكام ، باب في الوقف ، والنسائي (٦/ ٢٥١)؛ كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ولفظه عند مسلم :
إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة ؛ إلا من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولدٍ صالح يدعو له .
(٤)
الأبيات في سير أعلام النبلاء (١٢ / ٤٧١) .
(٥) في ب ، ظا وسير أعلام النبلاء : كمثل الشُّهب .

٢٥٧
أحداث سنة ٢٥٧ هـ
ونَصٌّ مُبِينٌ لِكَشْفِ الرِّيبْ
وسِتْرٌ رَقيقٌ إلى المُصْطَفَى
نَ على فَضْلِ رتبتهِ في الرّتَبْ
فيا عالماً أجمعَ العالِمو
سَبَقْتَ الأئمةَ فيما جَمَعْتَ
وفُزْتَ على رَغْمِهِمُ(١) بِالقَصَبْ
ومَنْ كَانَ مُتَّهماً بالكَذِبْ
نَفَيْتَ الضَّعِيفَ مِنَ النَّاقِلِينَ
وتبويِهِ عَجَباً لِلْعَجَبْ
وأبْرَزْتَ في حُسْنٍ تَرتيبهٍ
وأجْزَلَ حَظّكَ فیما وَهَبْ
فأعطاكَ مَوْلاكَ ما تَشْتَهِيهِ
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومثتين
فيها ولي الخليفة المعتمد على الله ليعقوب بن الليث بَلْخ وطَخارستان وما يلي ذلك من كَرْمان
وسِجِسْتان والسِّند وغيرها .
وفي صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكّة والحرمين واليمن وأضاف إليه في
رمضان نيابة بغداد والسّواد وواسط وكُور دِجلة والبصرة والأهواز وفارس ، وأذن له أن يستنيبَ في ذلك .
وفيها : تواقع سعيد الحاجب وصاحب الزَّنج في أراضي البصرة ، فهزمه سعيد واستنقَذَ من يده خلْقاً
من النساء والذرّية ، واسترجع منه أموالً جزيلة ، وأهان الزَّنْجَ غايةَ الإهانة والمذلَّة .
ثم إنَّ الزَّنجِ بَيَّتوا سعيداً وجيشَه، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ويقال: إن سعيدَ بن صالح قُتل أيضاً . ثم(٢)
التقى مع منصور بن جعفر الخيَّاط في جيشٍ كثيفٍ ، فهزمهم هذا الخارجيّ المدَّعي أنَّه طالبيّ، وهو كاذب .
قال ابنُ جري(٣): وفيها ظُفِ(٤) ببغداد بموضعٍ يقال له : بِركةُ زلزلٍ برجلٍ خنّاق ، قد قتل خلقاً من
النساء(٥)، فحمل إلى المعتمد، فضُرِب بين يديه ألفي سوط وأربعمئة أرزٌَ) ، فلم يمتْ حتَّى ضربه
الجلادون على أنثييه بخشب العقابين ، فمات ، فَرُدَّ إلى بغدادَ ، وصُلِبَ هناك ، ثم أحرقت جثته .
وفي ليلة الرابع عشر [ من شوال (1) من هذه السنة كُسِفَ القمر وغابَ أكثره .
في الأصل بغير إعجام ، وفي ظا، ط ، : زعمهم والمثبت من ب وسير أعلام النبلاء .
(١)
(٢)
في ط : ثم إنَّ الزَّنج التقواهم ومنصور .
(٣)
الطبري (٤٧٩/٩) .
(٤)
الطبري : ظُهِر .
بعدها في ط : كان يؤلف المرأة ثم يخنقها ويأخذ ما عليها ، فحمل ..
(٥)
(٦)
((الأزْزَنُ)) : شجر صُلْب تتخذ منه عِصِيّ صُلْبة .
(٧) من ب ، ظا، ط .

٢٥٨
أحداث سنة ٢٥٧ هـ
وفي صبيحة هذا اليوم دخل جيشُ الخبيث إلى البصرة قَهْرا ، فقتَلَ من أهلها خلْقاً كثيراً ، وهرب نائبها
بُغْراج ومَن معه ، وحرقت الزَّنجُ جامعَ البصرة ودوراً كثيرة ، وانتهبوها ، ثم نادى فيهم إبراهيم بن يحيى
المهلبي أحدُ أصحاب الخارجي : مَنْ أراد الأمان فليحضر . فاجتمع خلْق كثير من أهلها ، فرأى أنَّه قد
أصاب فرصةً ، فغدَرَ بهم ، وأمر بقتلهم ، فلم يفلت منهم إلا الشاذ . كانت الزَّنج تحيط بالجماعة من أهل
البصرة ، ثم يقول بعضهم لبعض : كيلوا ، وهي الإشارة بينهم إذا أرادوا قتلَ أحدٍ ، فيحملون عليه
بالسيوف، فلا تسمع إلا١) تشهّد أولئك، وضجيجهم عند القتل، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
وهكذا [يفعلون في (٢) كُلِّ مَحَلَّةٍ من محالّ البصرة في عدة أيام ، وهرب الناس منهم كُلَّ مهربٍ ،
وأحرقوا الكلأ من الجبل إلى الجبل ، فحرقت (٣) النار ما وجدت من شيءٍ ؛ من إنسان ، أو بهيمة ، أو
أثاث أو غير ذلك؛ وأحرقوا المسجد الجامع أيضاً . [ وقد قتل في هؤلاء جماعةٌ كثيرة من الأعيان والأدباء
والفضلاء والمحدّثين والعلماء ؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون }٤) .
وكان هذا الخبيث قد أوقع بأهل فارس وقعةً عظيمةُ(٥) ، ثم بلَغَه أنَّ أهل البصرة قد جاءهم من الميرة
شيءٌ كثيرٌ، وقد اتسعوا بعد الضّيق ، فحسدهم على ذلك، فروى ابنُ جرير(٦) عمَّن سمعه يقول : دَعَوْتُ
اللهَ على أهل البصرة . فخوطبْتُ، فقيل لي: إنَّما أهلُ البصرة خُبْزَةٌ [ لك }٧) تأكلها من جوانبها ؛ فإذا
انكسر نصْفُ الرَّغيف خربت البصرة ، فأوَّلتُ ذلك بانكساف القمر . وقد كان هذا شائعاً في أصحابه ،
حتَّى وقَعَ الأمرُ طِبْقَ ذلك .
ولا شك أنَّ هذا كان مع شيطان يخاطبه ، كما كان يأتي شيطان مسيلمة إلى مسيلمة ، [ والله
أعلم ٨).
ولما أوقَعَ أصحابه من الزَّنْج وغيرهم ما أوقعوا بأهل البصرة ، قال لمن معه ؛ أي : صبيحة ذلك
اليوم : دَعَوْتُ اللهَ على أهل البصرة ، فرُفعت لي [ البصرة (٩) بين السَّماء والأرض، ورأيتُ أهلَها
(١) في ط : إلا قول أشهد أن لا إله إلا الله من أولئك المقتولين ، وضجيجهم عند القتل ، أي صراخ الزنج وضحكهم ،
١
فإنا لله ...
(٢) من ب ، ظا ، ط .
في آ : تحرق .
(٣)
زيادة من ب ، ظا والنسخة المصرية من المطبوع .
(٤)
(٥)
في اً: كبيرة .
الطبري (٩/ ٤٨١) .
(٦)
زيادة من ط والطبري .
(٧)
من ب ، ظا .
(٨)
(٩) من ط والطبري .

٢٥٩
وفيات سنة ٢٥٧ هـ
يُقتَلُون، ورأيتُ الملائكة تقاتل مع أصحابي ، وإني لمنصور على الناس ، والملائكة تقاتل معي ،
وتثبّت(١) جيوشي ، وتؤيدني في حروبي(٢) .
ولمَّا صار إليه العلويّة الذين كانوا بالبصرة ، انتسب حينئذ إلى يحيى بن زيد ، وهو كاذب في ذلك
بالإجماع ، لأن يحيى بن زيد لم يعقِب إلا بنتاً ماتت وهي ترضع(٣) ؛ فقبَّح الله هذا اللعين ما أكذبَهَ وأَفجَرَه
وأغدَرَه .
وفي مستهل ذي القَعْدَة وجَّه الخليفةُ من سامُرّاً جيشاً كثيفاً مع الأمير محمد ، المعروف بالمولَّد ،
لقتال صاحب الزَّنْج ، فقبض في طريقه على سعيد(٤) بن أحمد الباهليّ ، الذي كان قد تغلَّب على أرض
البطائح ، وأخاف السبيل .
وفيها : خالف محمد بن واصل السلطانَ بأرض فارس ، وتغلّب عليها .
وفيها : وثَبَ رجلٌ من الروم يقال له : بسيل الصّقلبيّ ، على ملِكِ الروم ميخائيل بن توفيل ، فقتله ،
واستحوذ على مملكة الروم ، وقد كان ميخائيل(٥) في ملك الروم أربعاً وعشرين سنة .
وحجَّ بالناس في هذه السنة : الفضلُ بن إسحاق بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن علي .
وممن توفي فيها من الأعيان :
الحسَنُ بنُ عَرَفَةَ بن يَزِيد(٦) : صاحبُ الجزء المشهور المرويّ ، وقد جاوز المئة بعشر سنين ،
وقيل : بسبع ، وكان له عشرة من الولد ، سمَّاهم بأسماء العشرة(٧) رضي الله عنهم .
وقد وثقه يحيى بن معين وغيرُه ، وكان يتردّد إلى الإمام أحمد .
وكان مولده في سنة خمسين ومئة ، وتوفي في هذه السنة عن مئةٍ وسبع سنين .
(٢)
في الطبري : وتثبّت مَن ضعف قلبه من أصحابي .
(١)
تاريخ الطبري (٤٨٧/٩) مع شيء من الاختلاف .
(٣)
تاريخ الطبري (٩/ ٤٨٧) .
في ط: ((سعد))، وما أثبتناه من ب وتاريخ الطبري.
(٤)
(٥)
في الأصول : لميخائيل .
تاريخ بغداد (٣٩٤/٧)، طبقات الحنابلة (١٤٠/١)، المنتظم (٣/٥)، تهذيب الكمال (٢٠١/٦)، سير أعلام
(٦)
النبلاء (١١ /٥٤٧)، العبر (٢٨٠/١)، شذرات الذهب (١٣٦/٢).
(٧) أي أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي، وطلحة ، والزبير، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد،
وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عُبَيدة بن الجراح .

٢٦٠
وفيات سنة ٢٥٧هـ
وزَيْد(١) بن أخْرم الطائيّ، والرِّياشي(٢): ذبحهما الزَّنْج في جملة مَن قتلوا من أهل البصرة ، كما
قدمنا قصتهم قبَّحهم الله ، وما قتلوا من المسلمين ، رحمهم الله .
وعليّ بن خَشْرَمُ(٣).
وأبو سعيد الأشَجُ(٤) ، أحد مشايخ مسلم الذي يكثر عنهم الرواية .
والعبَّاس بن الفَرَج: أبو الفضل الرِّياشي النَّحويّ اللغويُّ(٥).
كان عالماً بأيام العرب والسير ، وكان كثير الاطلاع ، ثقةً ، عالماً .
روى عن الأصمعيّ ، وأبي عبيدة وغيرهما .
وعنه إبراهيم الحربيّ، وأبو بكر بن أبي الدنيا وغيرهما. قُتِلِ الرِّياشي(٦) في البصرة في هذه السنة ،
قَتَلَه الزَّنْج فیمن قتلوا .
ذكره القاضي ابن خلكان(٧) في (( الوفيات)).
وحكي عنه [ عن ٣) الأصمعي، أنه قال: مرَّ بنا أعرابيٌّ يَنْشُدُ ابْنَه ، فقلنا له : صفه لنا ، فقال :
كأنه دنينير ، فقلنا : لم نره، فلم يلبث أن جاء يحمله على عنقه أُسَيِّد٩ُ) كأنه سفل١٠) ، فقلنا له : لو
(١) في آ، ط: يزيد. وهو زيد بن أخْزَم ، بمعجمتين ، الطائي، النبهاني، أبو طالب البصري . ثقة ، حافظ ،
استشهد في كائنة الزَّنج بالبصرة .
سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٦٠)، وتقريب التهذيب (٢٧١/١) .
في أ، ط : الرقاشي، وهو تحريف . وهو عبَّاس بن الفرج الرَّياشي، أبو الفضل البصري النحوي، شيخ الأدب.
قتلته الزَّنج بالبصرة وله ثمانون سنة . وكان إماماً في اللغة والنحو ، أخبارياً ، علامة ، ثقة .
(٢)
مراتب النحويين (٧٥)، تاريخ بغداد (١٣٨/١٢)، معجم الأدباء (٤٤/١٢)، وفيات الأعيان (٢٧/٣) ، سير
أعلام النبلاء (١٢ / ٣٧٢)، معجم الأدباء (١٢ /٤٤)، وفيات الأعيان (٢٧/٣).
عليّ بن خَشْرم بن عبد الرحمن، أبو الحسن المروزي ، ابن أخت بشر الحافي . الإمام الحافظ الصدوق . حدث
(٣)
عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وطائفة . قال أبو رجاء : سمعته يقول : صُمت ثمانية وثمانين رمضاناً .
سير أعلام النبلاء (١١ / ٥٥٢) .
عبد الله بن سعيد الكندي الكوفي الحافظ المفسِّر ، صاحب التصانيف . صدوق ، توفي في هذه السنة وقد نيف على
(٤)
التسعين . سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٨٢)، العبر (١٥/٢).
(٥)
تقدمت ترجمته قبل قليل . وفي أ : الرقاشي .
(٦)
في آ : الرقاشي .
(٧)
وفيات الأعيان (٢٧/٣) .
(٨)
زيادة من ب ، ظا. وفيات الأعيان (٣/ ٢٧).
(٩)
((أَسَيِّد )»: تصغير أسود ، ويقال: أسَيْود ، أي : قارب السَّواد.
(١٠) في ط : سفل القدر . وفي الوفيات: كأنه جُعَلٌ قد حمله على عنقه .