Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
أحداث سنة ٢٥١ هـ
وكثير بن عبيد الحِمْصِيّ(١).
ونَصْر بن عليّ الجَهْضَميّ(٢) .
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومثتين
فيها اجتمع رأي المستعين وبُغَا الصغير ووصيف على قتل باغر التركيّ ، وكان من القواد الكبار الذين
باشروا قتل المتوكّل، وقد اتسع إقطاعه، وكثرت أعماله (٣) ، فقُتِلَ ونُهبت دارُ كاتبه دُلَيَل بن يعقوب
النّصرانيّ ، وأمواله وحواصله . وركب الخليفة في حراقة من سامُرًا إلى بغداد ، فاضطربت الأمور بسبب
خروجه إليها ، وذلك في [ خامس ]٤) المحرم ؛ فنزل الخليفة دار محمد بن عبد الله بن طاهر .
وفي هذه السنة وقعت فتنة شنعاء بين جند بغدادَ وجند سامُرًا ، دعا أهل سامُرًا إلى بيعة المعتز ،
واستقرّ أمرُ أهل بغداد على المستعين ، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن ، فبايع أهلُ سامُرًا
المعتز، واستحوذَ على حواصل بيت المال بها ، فإذا فيها٥) خمس مئة ألف دينار ، وفي خزانة(٦)
أمّ المستعين ألف ألف دينار ، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمئة ألف دينار ، واستفحل أمر المعتز
بسامُرًا .
وأمر المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر أن يحصِّنَ بغداد ، ويعمل في السُّورَين والخندق ، وغرم
على ذلك ثلاث مئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار ، ووكّل بكل باب أميراً يحفظه ، ونصب على السور
خمسة مَجانيق ؛ منها واحد كبير جدّاً ، يقال له الغضبان ، وست عَرَّادات(٧)، وأعدوا آلات الحرب
والعدد ، وقطعت القناطر من كُلِّ ناحية لئلا يصلَ الجيشُ إليهم .
معجم الأدباء (١٦ / ٧٤)، سير أعلام النبلاء (١١ /٥٢٦)، العبر (٤٥٦/١).
(١) كثير بن عبيد بن نمير المَذْحِجِيّ الحذّاء ، أبو الحسن الحمصي ، المقرىء، إمام جامع حمص مدة ستين سنة .
وكان عبداً صالحاً .
العبر (٤٥٦/١)، وتهذيب التهذيب (٤٢٣/٨).
(٢) أبو عمرو البصري الحافظ ، أحد أوعية العلم . روى عن يزيد بن زريع وطبقته .
سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٣٦)، العبر (٤٥٦/١).
(٣)
في ب ، ظا : أمواله ، وفي ط : عماله .
زیادة من ب ، ظا .
(٤)
في ب ، ظا : فيه .
(٥)
في ب ، ظا : حواصل .
(٦)
(٧) ((العَرَّادة)) : آلة من آلات الحرب، وهي مَنْجنيق صغير .

٢٢٢
أحداث سنة ٢٥١ هـ
وكتب المعتزّ إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره ، ويذكِّره ما كان أخذه
عليه المتوكّلُ من العهود والمواثيق ؛ أن تكون الخلافة بعد المنتصر له ، فلم يلتفت إليه ، بل ردّ عليه ،
واحتجَّ بحججٍ يطول ذكرها .
وكتب كلُّ واحدٍ من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بُغًا الكبير ، وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل
حمص ، يدعوه إلى نفسه ، وبعث إليه بألوية يعقِدها لمن اختار من أصحابه ، وكتب إليه المستعين يأمره
بالمسير إليه إلى بغداد ، ويستنيب في عمله ، فركب مسرعاً فسار(١) إلى سامُرًا ، فكان مع المعتزّ على
المستعين .
وكذلك هرب عبد الله بن بُغَا من عند أبيه من بغداد إلى سامُرًا، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك .
وعقد المعتز لأخيه أبي أحمد بن المتوكّل على حرب المستعين ، وجهّز معه جيشاً لذلك ، فسار في
خمسة آلافٍ من الأتراك وغيرهم نحوَ بغداد، وصلَّى بعُكْبَر(٢) يوم الجمعة ، ودعا لأخيه المعتزّ .
ثم وصل إلى بغداد في ليلة الأحد لسبع خلون من صفر ، فاجتمعت العساكر هنالك ، وقد قال رجلٌ
يقال له: باذنجانة ، كان في عسكر أبي أحمد (٣):
ـلَّهِ والموتُ بينها منثورُ
يا بني طاهرٍ أتتكُمْ جُنودُ الـ
وجيوشٌ أمَامَهُنَّ أبو أخْ ـمَدَ نِعْمَ المَوْلَى ونِعْمَ النَّصِيرُ
ثم جرت بينهم حروبٌ طويلة وفتنٌّ مهولة جدّاً ، وقد أوردها ابنُ جرير(٤) مطوّلة .
ثم بعث المعتزُّ مع موسى بن أشناس ثلاثة آلافٍ مدداً لأخيه أبي أحمد بن المتوكل ، فوصلوا لليلةٍ
بقيت من ربيع الأول ، فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قُطْرُيُّل ، وأبو أحمد وأصحابُه على باب
الشَّماسية ، والحرب مستعرة ، والقتال كثير ، والقتل واقع .
قال ابن جرير(٥) : وذكر أن المعتزَّ كتب إلى أخيه أبي أحمد يلومُه على التقصير في قتال أهلِ بغداد ،
فكتب إليه أبو أحمد :
لِأَمْرِ المنَايا علينا طَرِيقُ وللذَّهرِ فينا اتّساعٌ وضِيقُ
في ب ، ظا : فصار .
(١)
((عُكْبَرا)): بليدة من نواحي دُجَيل، بينها وبين بغداد عشرة فراسخ، والنسبة إليها عكبري وعكبراويّ ، ياقوت.
(٢)
(٣)
تاريخ الطبري (٢٩١/٩)، والكامل لابن الأثير (١٤٥/٧).
(٤)
تاريخ الطبري (٢٩٠/٩ -٢٩٦).
تاريخ الطبري (٣١٦/٩) .
(٥)

٢٢٣
أحداث سنة ٢٥١ هـ
وأيَّامُنا عِبَرٌ للأنامٍ
ومنها هَنَاتُ (٢) تُشِيبُ الوليدَ
وفتنةُ دينٍ لها ذُرْوَةٌ(٣)
قِتَالٌ متين(٤)، وسَيْفٌ عَتِيدٌ
وطُولُ صِياحٍ لداعي الصَّباحِ الـ
فهذا طَرِيحٌ ، وهذا جَریحٌ
وهَذا قَتِيلٌ ، وهذا تَلِيلٌ(٥)
هُناكَ أغْتِصابٌ وَثَمَّ انْتِهَابٌ
إذا ما سَمَوْنا٦) إلى مَسْلَكٍ
فباللهِ نَبَّلُغُ ما نَرْتَجِيٍ(٧)
فمنها البُكُورُ ومنها الطُروقُ(١)
ويَخذُلُ فيها الصَّديقَ الصَّديقُ
تَفُوتُ العُيُونَ وبَحْرٌ عميقٌ
وخَوْفٌ شديدٌ ، وحِصْنٌ وَثيقُ
-سلاحَ السلاحَ، فما يَسْتَفِيقُ
وهذا حَرِيقٌ ، وهذا غَرِيقُ
وآخَرُ يَشْدَخُهُ المَنْجَنيقُ
ودُورٌ خَرَابٌ وكانَتْ تَرُوقُ
وَجَدْناهُ قدْ سُدَّ عَنَّا الطريقُ
وباللهِ نَذْفَعُ ما لا نطيقُ
قال ابنُ جرير(٨) : هذا الشعر ينشد لعليّ بن أميّة في فتنة المخلوع والمأمون .
وقد استمرَّت الفتنة والقتال ببغدادَ بين أبي أحمد أخي المعتز ، وبين محمد بن عبد الله بن طاهر نائب
المستعين ، والبلد محصور ، وأهله في ضيق شديد جداً ، بقية شهور هذه السنة ، وقُتل من الفريقين خلْق
كثير في وقَعات متعددات ، وأيام نَحْسات ، فتارةً يظهرُ أصحابُ أبي أحمد ويأخذون بعضَ الأبواب ،
فتحملُ عليهم الطاهريّةُ فيزيحونهم عنها٩) ، ويقتلون منهم خلقاً ، ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم
مصابرةً عظيمة. لكنَّ أهلَ بغداد كلَّما هم إلى ضعفٍ بسبب قلّة الميرة، والجلب إليهم ١٠).
ثم شاع بين العامّة أنَّ محمد بن عبد الله بن طاهر يريد أن يخلعَ المستعين ويبايعَ للمعتزّ ، وذلك في
أواخر السنة ، فتنصَّل من ذلك واعتذَرَ إلى الخليفة وإلى العامّة، وحلف بالأيمان العظيمةُ (١) ، فلم تبرأ
(١) ((الظُّروق)): ما يطرق ليلاً.
(٢) ((الهنات)) : الدواهي.
في ط والطبري : وسور عريض له ذروة .
(٣)
(٤)
في الطبري : مبيدٌ .
((التليل)) : الصريع .
(٥)
في آ : شمرنا وابن الأثير : شرعنا .
(٧)
(٦)
في الطبري : نرتجيه .
تاريخ الطبري (٣١٧/٩)، وابن الأثير (١٥٣/٧).
(٨)
(٩) في الأصول عنه ، وأثبت ما جاء في ط .
(١٠) في ط : إلى داخل البلد .
(١١) في ط : الغليظة .

٢٢٤
أحداث سنة ٢٥١ هـ
ساحتُه من ذلك حقَّ البرَاءة عند العامّة . واجتمعت العامّة والغَوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازلٌ بها ،
فسألوا أن يبرزَ لهم الخليفة ليروه(١) ويسألوه عن ابن طاهر أهو راضٍ عنه أم لا . وما زالت الضجَّة
والأصواتُ حتَّى برزَ لهم الخليفة من فوق المكان الذي هم فيه ، وعليه السَّواد ، ومن فوقه البُردة النبويَّة ،
وبيده القضيبُ . وقال لهم فيما خاطبهم به : أقسمْتُ عليكم بحق صاحب هذه البُردة والقضيب لَما رجعتم
إلى منازلكم ورضيتم عن ابن طاهر ، فإنه غير متَّهم لديَّ . فسكت الغَوغاء وتراجعوا إلى منازلهم .
ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم ، وذلك في أوائل شهر ذي الحجة ، وصلَّى
بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر ، وبرز الخليفةُ للناس يومئذ وبين يديه الحربة
وعليه البُردة ، وبيده القضيب ، وكان يوماً مشهوداً ببغداد على ما بأهلها من الحصار وغلاء الأسعار
المترجمين عن لباس الجوع والخوف ، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة .
ولمّا تفاقم الأمر، واشتدَّ الحال ، وضاق المجالُ ، وجهد الرجال ، وجاع العيال ، شرع ابنُ طاهر
يُظهر ما كان كامناً في نفسه من خلْع المستعين ، فجعل يعرِضُ له بذلك، ثم كاشفَهُ به ، وناظره فيه ، وقال
له : إنَّ المصلحة تقتضي أن تصالحَ عن الخلافة٢) على مال تأخذه سلفاً وتعجيلاً ، ويكون لك من الخراج
في كُلِّ عامٍ ما تختاره وتحتاجه؛ ولم يَزَلْ يَفْتِلُ في الذِّرْوَةِ والغَارِبِ(٣) حتى أجاب إلى ذلك وأناب .
فكُتب بما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتاب .
ولمَّا كان يوم السَّبْت لعشر بقين من ذي الحجّة ركب محمد بن [ عبد الله بن ] طاهر إلى الرُّصافة ،
وجمع القضاة والفقهاء ، وأدخلهم على المستعين فوجاً فوجاً ، وأشهدهم عليه أنه قد صيَّر أمره إلى
محمد بن عبد الله بن طاهر ، وكذلك جماعة الحجّاب والخدَم ، ثم تسلّم منه جوهر الخلافة ، وأقام عند
المستعين إلى هُويٌّ(٤) من الليل. وأصبح الناس يَدوكولُ(٥) ويتنوعون فيما يقولون من الأراجيف .
وأمَّا ابنُ طاهر فإنَّه أرسل بالكتاب مع جماعةٍ من الأمراء إلى المعتزّ بسامُرًا ، فلمَّا قدِمُوا عليه بذلك
(١)
في ا: ليرده .
(٢)
في ا: الخليفة :
(٣) في حديث الزبير: فما زال يَفْتِلُ في الذُّروة والغارب حتى أجابته عائشة إلى الخروج. ((الغارب)): مقدَّم السَّنام ،
و ((الذُّروة)): أعلاه . أراد أنه ما زال يخادعها ويتلطفها حتى أجابته، والأصل فيه : أن الرجل إذا أراد أن يؤنس
البعير الصَّعْب ، ليزمَّه وينقاد له ، جَعَل يُمِزُّ يده عليه ، ويمسح غاربه ، ويفتِلُ وَبَرُه حتى يستأنِسَ ، ويضع فيه
الزِّمام . اللسان ( غرب ) .
((الهويّ)): الساعة الممتدّة من الليل . ومضى هويٌّ من الليل : أي هزيع منه .
(٤)
في ط: يذكرون وهو تحريف. وجاء في حديث خيبر: أنّ النبي ◌َّيهِ، قال: لأعطين الراية غداً رجلا يفتح الله على
(٥)
يديه ، فبات الناس يَدوكون تلك الليلة فيمن يدفعها إليه . أي يخوضون ويموجون ويختلفون فيه. اللسان (دوك).

٢٢٥
وفيات سنة ٢٥١هـ
أكرمَهُم وخَلَعَ عليهم ، وأجازهم فأسنى جوائزهم . وسيأتي ما كان من الأمر في أوّل السنة الداخلة .
وفي هذه السنة في ربيع الأول منها كان ظهور رجلٍ من أهل البيت أيضاً بأرض قزوين وزَنجان ، وهو
الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن
أبي طالب ، ويعرف الحسين بن أحمد هذا بالكوكبي . وسيأتي ما كان من أمره هناك .
وفيها : خرج إسماعيل بن يوسف العلوي ، وهو ابن أخت موسى بن عبيد الله الحسني ، وسيأتي
ما كان من أمره أيضاً .
وفيها : خرج بالكوفة أيضاً رجل من الطالبيين ، وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن
حسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، فوجَّه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا ، فهزم
العلويّ، وقُتل من أصحابه بشرٌ كثير. ولما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألفَ دار ونهبَ أموالَ الذين
خرجوا معه ، وباع بعض جواري الحسين بن محمد هذا ، وكان معتقه على باب المسجد الجامع .
وفيها : ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن(١) بن علي بن أبي طالب
بمكّة ، فهرب منه نائبُها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى ، فانتهب إسماعيل بن يوسف منزله ومنازلَ
أصحابه ، وقتلَ جماعةً من الجند وغيرهم من أهل مكّة، وأخذ ما في الكعبة من الذَّهبِ والفِضَّة والطّيب
وكُسوة الكعبة ، وأخذ من الناس نحواً من مئتي ألف دينار ، ثم خرج إلى المدينة النبويّة ، فهرب منه
عاملُها عليّ بن الحسين بن إسماعيل ، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكّة في رجب ، فحصرَ أهلَها
حتَّى هلكوا جوعاً وعطشاً ، وبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم ، واللحم الرطل بأربعة ، وشربة الماء بثلاثة
دراهم، ولقيَ منه أهلُ مكّة كُلَّ بلاءٍ، ثم ترخَّل عنهم إلى جُدّة ، بعد مقام سبعة وخمسين يوماً ، فانتهب
أموال التجار(٢) هنالك، وأخذَ المراكبَ، وقطع الميرةَ عن أهل مكّة حتّى جلبت إليها من اليمن ، ثم عاد
لا جزاه الله خيراً عن المسلمين إلى مكّة .
فلمَّا كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهاراً ولا ليلاً ، وقتل من الحجيج ألفاً ومئة ، وسلب
أموالهم، ولم يقف بعرفة عامئذ سواه ومَنْ معه من أصحابه، لا تقبّل الله منهم صَرْفاً ولا عَدْلّا٣ً) .
وفيها : توفي من الأعيان :
إسحاق بن منصور الكَوْسَجُ(٤) .
(١) فى ط: ((الحسين))، خطأ. وتنظر ترجمته في العقد الثمين (٣١١/٣).
(٢)
في آ : الكبار .
أي لا تقبَّل الله منهم توبة ولا فدية .
(٣)
(٤) أبو يعقوب المَرْوَزي ، نزيل نيسابور. سمع سفيان بن عيينة وطائفة . وهو أحد الأئمة من أصحاب الحديث من=

٢٢٦
أحداث سنة ٢٥٢ هـ ـ ذكر خلافة المعتز
وحُمَيْد بن زَنْجَوَيه(١) .
وعمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي(٢)
وأبو التَّقيِّ هشام بن عبد الملك اليَزَّنِيُ(٣)
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومثتين
ذكر خلافة المعتزّ بعد خلع المستعين نفسه
استهلّت وقد استقرَّت الخلافةُ باسم أبي عبد الله المعتزّ ، محمد بن جعفر المتوكّل بن محمد
المعتصم بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور . وقيل : إنَّ اسم المعتزّ أحمد ،
وقيل : الزبير، وهو الذي عوّل عليه الحافظ ابنُ عساكر وترجمه في ((تاريخه)(٤) .
وقد خلع المستعين أحمد بن محمد المعتصم نفسَه من الخلافة ، وبايع للمعتزّ .
ولمَّا كان يوم الجمعة رابع المحرم دعا الخطباء بجوامع(٥) بغداد على المنابر للخليفة المعتزّ بالله،
وانتقل المستعين من الرُّصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو وعيالُه وولَدُه وجواريه ، ووگّل بهم سعيد بن
رجاء في جماعة معه ، وأخذ من المستعين البُرْدة ، والقضيب ، والخاتم ، وبعث بذلك إلى المعتزّ ، ثم
أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهرٍ بقيا٦ً) عنده، يقال لأحدهما بُرْج، والآخر جَبَل ،
فأرسلهما .
وطلب المستعين أن يسير إلى مكّة فلم يمكن ، فطلب البصرةَ ، فقيل : إنها وبيّة . فقال : إنَّ تَرْكَ
الخلافة أوبأُ منها .
الزُّهَّاد والمتمسكين بالسُّنة . وهو صاحب المسائل عن أحمد بن حنبل .
=
سير أعلام النبلاء (١٢ /٢٥٨)، والعبر (١/٢).
(١) أبو أحمد النَّسائي، صاحب المصنفات. روى عن النَّضْر بن شُميل وخلق بعده. ثقة.
سير أعلام النبلاء (١٢ /١٩)، والعبر (١/٢).
(٢) أبو حفص ، حافظ ثبت ، محدّث حمص . روى عن إسماعيل بن عيّاش وجماعة.
سير أعلام النبلاء (١٢ /٣٠٥)، والعبر (١/٢).
(٣) حافظ متقن، حدث عن إسماعيل بن عيَّاش، وبقيَّة بن الوليد، وعدة. ثقة. سير أعلام النبلاء (٣٠٣/١٢)،
والعبر (١/٢).
(٤) مختصره لابن منظور (٥/٩).
(٥) في ب ، ظا : في البلدان مع بغداد .
(٦) في آ : ثميناً .

٢٢٧
ذكر خلافة المعتز
ثم أذن له في المسير إلى واسط ، فخرج ومعه حرسٌ يوصلوه إليها نحواً(١) من أربعئمة .
واستَوزر المعتزُّ أحمد بن إسرائيل (٢)، وخلَعَ عليه، وألبَسَه تاجاً على رأسه. ولمَّا تمهَّد أمرُ بغدادَ
واستقرَّت البيعة للمعتزّ بها ، ودان له أهلُها ، واجتمع شملُها ، وقدمتها الميرةُ من كُلِّ جانب ، واتَّسَعَ
النَّاس في الأرزاق والأطعمة ، ركبَ أبو أحمد منها في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من المحرّم إلى
سامُرًا، وشيَّعه محمد بن عبد الله بن طاهر في وجوه القواد ، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمسَ خلع
وسيفاً ، وردّه من الرُّوذَبار(٣) .
وقد ذكر ابنُ جرير(٤) مدائحَ الشعراء في المعتزِّ وتشفّيهم بخلْعِ المستعين ، فأكثَرَ من ذلك جدّاً . فمن
ذلك قولُ محمد بن مروان بن أبي الجَنوب بن مروان في مدح المعتزّ وذمِّ المستعين ، كما جرت عادة
الشعراء(٥) :
والمُستعينُ(٦) إلى حالاتِهِ رَجَعا
إنَّ الأمورَ إلى المعتزِّ قد رَجَعتْ
وَأَنَّهُ لَكَ لكنْ نفسَهُ خَدَعا
آتاكَ مُلْكاً ومنهُ الملكَ قَدْ نَزَعا
كانَتْ كَذَاتِ حَليلٍ زُوَّجَتْ مُتَعًا
وكانَ أحسَنَ قَوْل النَّاسِ قد خُلِعا
نفسي الفِداءُ لملاحٍ بهِ دَفَعَا
لو كانَ حُمِّلَ ما حُمِّلْتَهِ ظَلَعَا (٧)
والهُ يَجعلُ بعدَ الضِّيقِ مُتَّسَعَا
فإنَّه بكَ عنَّا السوءَ قد دَفَعَا
وكانَ يَعلَمُ أنَّ المُلْكَ ليسَ لَهُ
ومالكُ المُلْكِ مُؤْتِيهِ ونازِعُهُ
إنَّ الخِلافَةَ كانتْ لا تُلائِمُهُ
ما كان أقبحَ عندَ النَّاسِ بَيْعَتَهُ
[ ليتَ السَّفِينَ إلى قافٍ دَفَعْنَ بهِ
كم سَاسَ قبلَكَ أمْرَ النَّاسِ من مَلِكِ
أمْسَى بكَ النَّاسُ بعد الضِّيقِ فِي سَعَةٍ
واللهُ يدفَعُ عنكَ السّوءَ من مَلِكٍ
وكتب أمير المؤمنين المعتزُّ من سامُرّاء إلى نائب بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر أن يُسقِطَ أَسْمَ
في أ : نحو .
(١)
(٢) في ط: ((أحمد بن أبي إسرائيل)) خطأ. وتنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٢ / ٣٣٢).
(٣) تحرفت في ط إلى: وردّه من الطريق إلى بغداد. و((الرُّوذبار)): لفظة لمواضع عدة عند الأنهار ، منها قرية قرب
بغداد . ياقوت .
(٤)
انظر تاريخ الطبري (٣٥٠/٩-٣٥٣).
(٥)
تاريخ الطبري (٩/ ٣٥١) .
(٦) الطبري : والمستعان .
(٧) ما بين قوسين زيادة من ط والطبري. و((ظَلع في مشيه)): عَرَجَ .

٢٢٨
ذكر مقتل المستعين - وفيات سنة ٢٥٢ هـ
وصيفٍ وبُغَامَ(١) كان من رسومهما في الدواوين ، وعزم على قتلهما ، ثم استُرضي عنهما فرضي عنهما .
وفي رجب من هذه السنة خلع المعتزَّ أخاه إبراهيم الملقب بالمؤيد من ولاية العهد وحبَسَه ، وأخاه
أبا أحمد ، بعدما ضرب المؤيدَ أربعين مِقْرَعةً .
ولمَّا كان يوم الجمعة سابعه خطب بخلعه ، وقر(٢) كتابه على نفسه بذلك .
وكانت وفاته بعد ذلك بخمسة عشر يوماً ، فقيل: إنه أدرِجَ في لحاف سَمّور(٣) ، وأمسِكَ طرفاه حتَّى
مات غمّاً . وقيل : بل ضُرِب بحجارةٍ من ثَلْجِ حتَّى ماتَ بَرْداً ، وبعد ذلك أُخرِج من السّجن ولا أثَرَ به ،
فأحضر القضاةُ والأعيان فأشهِدوا على موته من غير سببٍ وليس به أثر ، ثم حُمِلَ على حمارٍ ومعه كفنُه إلى
أُمِّه فدفنته .
ذكر مقتل المستعين
في شؤَّال من هذه السنة كتب المعتزُّ إلى نائبه محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتجهيز جيشٍ نحو
المستعين ، فجهز أحمد بن طولون التركيّ فوافاه ، فأخرجه لستِّ بقين من رمضان ، فقدم به القاطولَ
لثلاثٍ مضيْنَ من شوَّال ، ثم قتل ، فقيل : ضُرِبَ حتى مات، وقيل : بل غرق في دُجَيل ، وقيل : بل
ضُربت عنقه .
وقد ذكر ابنُ جري(٤) أنَّه) سأل من سعيد بن صالح التركيّ حين أراد قتله أن يمهلَه حتَّى يصلِّيَ
ركعتين ، فلمَّا كان في السّجدة الأخيرة قتلَهُ وهو ساجدٌ ، ودفَنَ جثته في مكانها ، وعفّى أثره .
وحمَلَ رأسه إلى المعتزِّ ، فدخَل به عليه وهو يلعب بالشطرنج ، فقيل : هذا رأس المخلوع ، فقال :
ضعوه حتى أفرغَ من الدَّسْتُ(٦)، فلمَّا فَرَغَ نظر إليه وأمرَ بدفنه ، ثم أطلق لسعيد بن صالح الذي قتله
خمسين ألف درهم ، وولاه معونة البصرة .
وفي هذه السنة مات إسماعيل بن يوسف العلويّ الذي فعل بمكّة ما فعل ، وألحد في حرم الله
ما ألْخْدَ ، كما تقدم ، فهلك في هذه السنة ، ولم يُنظره ربُّه عزَّ وجلَّ .
في ب ، ظا : ما كان في رسومهما ، وفي الطبري : ومن كان في رسمهما من الدواوين .
(١)
(٢)
في ب ، ظا : وقرىء ، وفي ط : وأمره أن يكتب كتاباً على نفسه بذلك .
(٣)
في ب ، ظا : في لحاف من سمّور .
(٤)
الطبري (٣٦٤/٩).
(٥)
في ب ، ظا : أنَّ المستعين .
(((الدّسْت)): اللعبة، يقال : فلان حسن الدّست : شطرنجي ماهر.
(٦)

٢٢٩
أحداث سنة ٢٥٣ هـ
وأحمد بن محمد ، المستعين بالله .
وإسحاق بن بُهْلُول(١).
وزياد بن أيّوب(٢) .
ومحمد بن بشار، بُنْدار(٣).
ومحمد بن المُثَنَّى ، الزَّمِنِ(٤) .
ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيّ(٥) .
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومثتين
في رجب منها عقد المعتزُّ لموسى بن بُغَا الكبير على جيشٍ قريبٍ من أربعة آلاف ؛ ليذهبوا إلى قتال
عبد العزيز بن أبي دُلَف بناحية همذان ؛ وذلك لأنه خرج عن الطاعة ، وهو في نحوٍ من عشرين ألفاً .
فهزموا عبد العزيز في أواخر هذا الشهر هزيمةٌ فظيعة . ثم كانت بينهم وقعةٌ أخرى في رمضان عند الكَرَج ،
فهُزِم عبدُ العزيز أيضاً ، وقُتِلَ من أصحابه بشرٌ كثير. وأسروا ذرارِي كثيرةً ، حتَّى أسَروا أمَّ عبد العزيز ،
وبعثوا إلى الخليفة سبعين حملاً من الرؤوس ، وأعلاماً كثيرة . وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه
من بلاد الخليفة .
(١) أبو يعقوب التَّنوخي الأنباري الحافظ، سمع ابن عيينة وطبقته. وكان من كبار الأئمة، صنَّف في القراءات وفي
الحديث والفقه ، وله مذاهب اختارها ، وكان ثقة .
سير أعلام النبلاء (١٢ /٤٨٩)، العبر (٣/٢).
(٢) أبو هاشم الطُّسيّ البغدادي، ويلقّب أيضاً: دَلَّوَيْه. وكان يقال له: شُعبة الصغير؛ لإتقانه ومعرفته . صدوق .
سير أعلام النبلاء (١٢ /١٢٠) والعبر (٣/٢).
(٣) محمد بن بشار بن عثمان ، أبو بكر العبديّ البصريّ ، بُنْدَار، لُقِّب بذلك ، لأنه كان بُنْدَار الحديث في عصره ببلده ،
و((البُنْدَار)): الحافظ. قال أبو داود: كتبت عنه خمسين ألف حديث. سمع معتمر بن سليمان، وغُنْدَراً
وطبقتهما . روى عنه الستة في كتبهم .
سير أعلام النبلاء (١٤٤/١٢)، العبر (٣/٢).
(٤) أبو موسى العَنَزيّ البصريّ، ولد مع بُنْدار في عام وفاة حمَّاد بن سلمة ، حافظ ثبت ، جمع وصنف وكتب الكثير .
كان صدوقاً ورِعاً .
سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٢٣)، العبر (٤/٢).
أبو يوسف العَبْديّ القيسيّ مولاهم . سمع هشيماً وإبراهيم بن سعد وطبقتهما . حدث عنه الجماعة . قال الخطيب :
(٥)
كان ثقة حافظاً متقناً ، صنف المسند .
سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٤١)، العبر (٤/٢).

٢٣٠
أحداث سنة ٢٥٣ هـ
وفي رمضان منها خَلَعَ المعتزُّ على بُغَا الشرابيّ وألبَسَه التَّاجَ والوشاحين .
وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له : البَوازِيْج(١)، وذلك أنَّ رجلاً يقال له :
(( مُساور بن عبد الحميد)) حكّم(٢) فيها، والتفَّ عليه نحو من سبعمئة من الخوارج ، فقصَدَ له رجلٌ يقال
له : (( بُتْدار الطبريّ)) في ثلاثمئة من أصحابه، فالتقوا في هذا اليوم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فَقُتِلَ من
الخوارج نحو من خمسين ، وقُتِلَ من أصحاب بُنْدار مئتان وخمسون رجلاً ، وقُتِلَ بُنْدَار فيمن قُتِلَ :
رحمه الله .
ثم صَمَدُ(٣) مُساور إلى حُلوان، فقاتله أهلُها، وأعانهم حُجّاج أهلِ خراسان ، فقتَلَ مُساور منهم
نحواً من أربعمئة إنسانٍ ؛ قبَّحه الله . وقُتِلَ من أصحابه جماعة كثيرون أيضاً .
ولثلاث بَقِين من شوال قُتِلَ وصيف التركيّ ، وأرادت العامة أن تنتهبَ دارَه بسامُرًا ودورَ أولاده ، فلم
يمكنهم ذلك . جعَلَ المعتزُّ الخليفة ما كان إليه إلى بُغَا الشرابيّ .
وفي ليلة أربعَ عشرة من ذي القعدة من هذه السنة كُسِفَ (٤) القمرُ حتَّى غاب أكثرُه وغرق نورُه ، وعند
انتهاء كُسُوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر نائبُ العراق ببغداد . وكانت عِلَّتُهُ قروحاً في رأسه وحَلْقِه
فذبحته .
ولمَّا أتي به لِيُصلَّى عليه اختلف أخوه عُبيدُ الله وابنُه طاهر ، أيُّهما يُصلّ عليه ، وتنازعا حتى جُذبت
السّيوف، وترامى الناس بالحجارة ، وصاحت الغَوْغَاءُ : يا طاهر ، يا منصور ؛ فمال عُبيدُ الله إلى
الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس ، فدخل داره وكان أخوه قد أوصى إليه . وحين بلَغَ المعتزَّ ما وقع ،
بعثَ بالخِلَع والولاية لِعُبيد الله بن محمد بن عبد الله بن طاهر ، فأطلَقَ عُبيد الله للذي قدِمَ بالخلع خمسين
ألف درهم .
وفيها : نَفَى الخليفةُ المعتزُّ أخاه أبا أحمد من سُرَّ مَنْ رأى إلى واسط ، ثم إلى البصرة ، ثم رُدَّ إلى
بغداد ، [ فأنزل في الشرقية ، في قصر دينار بن عبد الله .
(١) بلد قرب تكريت على فم الزاب الأسفل حيث يصب في دجلة ، وهي الآن من أعمال الموصل . ياقوت.
(٢) أي قال : لا حكم إلا الله .
(٣) في الطبري : مضى .
في ط : خُسِف خسوفه، ويوافق ذلك ما جاء في الطبري . قال ابن الأثير : ورد الخسوف في الحديث كثيراً
(٤)
للشمس ، والمعروف لها في اللغة الكسوف لا الخسوف ، وخسوف القمر : كسوفه . وأجود الكلام : كسفت
الشمس وخسف القمر . اللسان : خسف .

٢٣١
وفيات سنة ٢٥٣هـ
وفيها : نفي عليّ بن المعتصم إلى واسط، ثم رُدَّ إلى بغداد }١) أيضاً .
وفي يوم الإثنين سَلْخ ذي القعدة التقى موسى بن بُغا الكبير ، هو والحسين بن أحمد الكوكبيّ
الطالبي ، الذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين ، فاقتتلا قتالاً شديداً ، ثم هُزِمَ الكوكبيُّ ، وأخذ
موسى قزوين وهَرَب الكوكبيُّ إلى الدَّيْلَم .
وذكر ابنُ جرير(٢) عن بعضٍ من حَضَرَ هذه الوقعة أنَّ الكوكبيَّ حين التقى أمر أصحابه أن يتترّسوا
بالحجف(٣) ، وكانت السهام لا تعمل فيهم ، فأمر موسى بن بُغَا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من
النفط بالأرض ، ثم حاولوهم وأروهم أنَّهم قد انهزموا منهم ، فتبعهم أصحابُ الكوكبيّ ، فلمَّا توسَّطوا
الأرضَ التي فيها النفطُ أمَرَ عند ذلك بإلقاء النار فيه ، فجعلت النار تحرق أصحابَ الكوكبيِّ ، ففرُّوا سراعاً
هاربين ، وكرّ عليهم موسى وأصحابُه ، فقتَلُوا منهم مقتلةً عظيمةً، وهربَ الكوكبيُّ إلى الدَّيْلَم ، وتسلّم
موسی بن بُغا قزوين .
وفيها : حجَّ بالناس عبد الله بن محمد بن سليمان الزينبيُّ .
وممن توفي فيها من الأعيان :
أبو الأشعث (٤) .
وأحمد بن سعيد الدَّارِمِيُ(٥) .
وسَرِيّ السَّقَطِيُ(٦): أحد كبار مشايخ أئمة الصّوفية. وهو السَّرِيُّ بن المُغَلَّس، أبو الحسن السَّقطيّ
البغدادي ، تلميذ مَعروف الكَرْخِيّ .
(١) زيادة من ب، ظا. والطبري (٩/ ٣٧٧).
(٢) الطبري (٣٧٨/٩).
(٣) ((الحَجَف)): ضربٌ من التَّرسَة، واحدتها حَجَفة، وهي الترس إذا كان من جلود ليس فيه خَشَب ولا عَقَب .
(٤) هو أحمد بن المِقْدام بن سليمان بن الأشعث ، أبو الأشعث العِجْليّ البصري . محدّث ، سمع حماد بن زيد وطائفة
كثيرة ، ثقة ، صدوق .
سير أعلام النبلاء (٢١٩/١٢)، العبر (٥/٢).
(٥) أحمد بن سعيد بن صخر الدَّارميّ السَّرَخْسي ، أبو جعفر. الفقيه الحافظ الثَّبت ، أحد الفقهاء والأئمة في الأثر ،
سمع النّضْر بن شميل وطبقته .
سير أعلام النبلاء (١٢/ ٢٢٣)، العبر (٤/٢).
(٦) طبقات الصوفية ٤٨، حلية الأولياء (١١٦/١٠)، تاريخ بغداد (٩/ ١٨٧)، صفة الصفوة (٣٧١/٢) ، سير أعلام
النبلاء (١٨٥/١٢)، العبر (٥/٢)، شذرات الذهب (١٢٧/٢).

٢٣٢
وفيات سنة ٢٥٣ هـ
حدَّث عن هُشَيم، وأبي بكر بن عيَّاش، وعليٍّ بن غُراب، ويحيى بن يَمَان، ويزيدَ بنِ هارون ، وغيرهم .
وعنه : ابنُ أخته الجُنَيد بن محمد، وأبو الحسين (١) النُّوري ، ومحمد بن الفضل بن جابر السَّقَطِيّ،
وجماعة .
وكانت له دكانٌ يتَّجر فيها ، فمرت به جارية قد انكسَرَ إناءٌ كان معها تشتري فيه شيئاً لسادتها ، فجعلتْ
تبكي ، فأعطاها سَرِيٌّ شيئاً تشتري به بدله ، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية ، فقال له : بَغَّضَ الله
إليك الدنيا ٢) .
وقال سرِيّ : مررت في يوم عيدٍ فإذا معروفٌ ومعه صبيٌّ صغير شعث الحال ، فقلت : ما هذا؟
فقال : هذا كان واقفاً والصّبيان يلعبون وهو منكسرٌ ، فقلت : ما لك لا تلعبُ ؟ فقال : أنا يتيم ، لا شيءَ
معي أشتري به جوزاً ألعبُ به ، فأخذته لأجمع له نوى يشتري به جوزاً يفرح به . فقلت : ألا أكسوه وأعطيه
شيئاً يشتري به ؟ فقال : أو تفعلُ؟ قلت : نعم . فقال : خذْه ، أغنى الله قلبك ! قال سريّ : فسويت
عندي الدّنيا أقلَّ شيءٍ .
وكان عنده مرّة لوزٌ، فساومه رجلٌ على الكُؤ(٣) بثلاثة وستين ديناراً ، ثم ذهب الرجل ، فإذا اللوز
يساوي الكُرُ منه تسعين ديناراً ، فقال له : إني أشتري منك الكُرَّ بتسعين ديناراً . فقال : إنِّي ساومتك بثلاثة
وستين ديناراً ، وإني لا أبيعه إلا بذلك ، فقال الرجل : فأنا أشتري منك بتسعين ، فقال : لا أبيعه إلا بما
ساومتك عليه . فقال الرجل : إنَّ من النُّصح أن لا أشتري منك إلا بتسعين ديناراً ، وذهَبَ فلم يشتر منه.
وجاءت امرأة يوماً إلى سَرِيّ ، فقالت : إنَّ ابني قد أخذه الحرس ، وإنِّي أحبُّ أن تبعثَ إلى صاحب
الشُّرْطة لئلا يضربَ ، فقام فصلَّى فطوَّل في الصلاة ، وجعلت المرأة تحترقُ في نفسها ، فلمَّا انصرَفَ من
الصَّلاة ، قالت : اللهَ اللهَ في ولدي! فقال: [ ها أنا ذا في حاجتك. فما رامٌ(٤) من مجلسه حتَّى جاءت
امرأة إلى تلك المرأة ، فقال لها : أبشري ، فقد أطلق المتولي ولدك ، فانصرفت إليه .
وقال السَّرِيُّ: أشتهي أن آكل أكلةً ليس عليَّ فيها تَبِعَةُ() ، ولا لأحد عليَّ فيها مِنَّة، فما أجدُ إلى
ذلك سبيلاً .
(١) في الأصول والمطبوع : أبو الحسن ، وهو أحمد بن محمد الخراساني البغوي الزاهد ، أبو الحسين النوري ، شيخ
الطائفة بالعراق ، وأحذقهم بلطائف الحقائق. صحب السرِيَّ السَّقطي وغيره . وكان الجُنَيد يعظّمه .
بعدها في ط : فوجد الزهد من يومه. تاريخ بغداد (١٨٨/٩)، وسير أعلام النبلاء (١٢ /١٨٦).
(٢)
ترجمته ومصادرها في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٧٠).
((الكُرُّ)»: مكيال لأهل العراق، أو ستون قفيزاً، أو أربعون إردبّاً .
(٣)
(٤)
في ب ، ظا : قام .
(( التَّبعة )) : ما فيه إثم يُتَبَع به .
(٥)

٢٣٣
وفيات سنة ٢٥٣ هـ
وفي رواية : قال : إني لأشتهي البَقْلَ منذ ثلاثين سنة فما أقدِرُ عليه .
وعن السَّرِيِّ أنه قال : احترَقَ سوقُنا ، فقصدْتُ المكانَ الذي فيه دُكّاني ، فتلقَّاني رجل ، فقال :
أبشر، فإنَّ دَكَّانَكَ سَلِمَتْ. فقلت: الحمدُ لله. ثم تذكّرت ذلك التَّحميد(١)، فأنا أستغفر اللهَ منه منذ
ثلاثين سنة ، رواها الخطيب(٢) .
وقال السَّريُّ: صَلَّيْتُ وِرْدِي ذاتَ ليلةٍ ، ثم مدَدْتُ رجلي في المحراب، فنُوديتُ: يا سَرِيُّ ! كذا
تجالسُ الملوكَ ؟! قال : فضمَمْتُ رِجْلي ، ثم قَلْتُ: وعِزَّتِك لا مدَدْتُ رِجْلي أبدا٣ً) .
وقال الجُنَيْد بن محمد : ما رأيت أعبَدَ [الله ]٤) من السَّرِيّ السَّقَطِيِّ، أتَتْ عليه ثمانٌ وتسعون سنة
ما رُئي مُضطجعاً إلا في علَّةِ الموت (٥).
وروى الخطيبُ(٦)، عن أبي نعيم، عن جعفر الخُلْديّ، عن الجُنَيْد بن محمد، قال : دخلْتُ عليه
أعودُه ، فقلت : كيفَ تجدُك ؟ فقال :
كيفً(٧) أشكُو إلى طبيبي ما بي؟ والذي قد أصابني مِنْ طبيبي
قال : فأخذْتُ المِرْوَحَةَ أروّحه ، فقال لي: كيف يجد رَوح(٨) المِزْوَحَةِ مَنْ جَوْفُه يحترِقُ من داخل ؟
ثم أنشأ يقول :
والكَرْبُ مجتمِعٌ ، والصَّبرُ مُفترِقُ
القلبُ محترِقٌ ، والدَّمْعُ مُستِقٌ
ممَّا جناهُ الهَوَى والشَّوقُ والقَلَقُ
كيفَ القرارُ على مَنْ لا قَرارَ لَه
فأمْنُنْ عليَّ به ما دامَ بي رَمَقُ
يا ربّ إنْ كان شيءٌ فيه لي فَرَجٌ
قال(٩) : وقلت له : أوصني، فقال: لا تصحَبِ الأشرارَ ، ولا تشتغِلْ عن الله بمجالسة الأخيار .
(١) بعدها في ط : إذ حمدت الله على سلامة دنياي ، وأني لم أواس الناس فيما هم فيه .
(٢)
تاريخ بغداد (١٨٨/٩).
تاريخ بغداد (١٨٧/٩)، سير أعلام النبلاء (١٨٥/١٢).
(٣)
(٤)
من ب .
سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٨٦).
(٥)
تاريخ بغداد (١٩٢/٩).
تاريخ بغداد (١٩١/٩).
(٦)
في أ : أنا وسقطت في ب ، ظا .
(٧)
في آ، ظا: ريح .
(٨)
(٩) أي الجنيد، وانظر تاريخ بغداد (١٩١/٩)، وصفة الصفوة (٣٨٥/٢).

٢٣٤
أحداث سنة ٢٥٤ هـ ـ وفيات سنة ٢٥٤ هـ
وقد ذكر الخطيب(١) وفاته يوم الثلاثاء لستِّ خَلَوْنَ من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومئتين ، بعد أذان
الفجر ، ودفن بعد العصر. [ قال: ودفن (٢) بمقبرة الشُّونيزيّ، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجُنَيَّد .
وروى(٣) عن القاضي عن أبي عبيد بن حربويه ، قال : رأيت سَرِيّاً في المنام فقلت: ما فعلَ الله بك ؟
فقال : غفَرَ لي ولكُلِّ من شهد جنازتي . فقلت : فإنِّي ممَّن حضر جنازتك وصَلَّى عليك . قال : فأخرَجَ
درجاً، فنظَرَ فيه فلم يَرَ اسمي فيه ، فقلت : بلى! قد حضرت [ جنازتك، فنظر ]٤) ، فإذا اسْمِي في
الحاشية .
وحكى ابن خلكان(٥) قولاً: أنَّ سَرِيّاً توفي سنة إحدى وخمسين . وقيل : سنة ست وخمسين ، فالله
أعلم . قال ابن خلكان(٦) : ومما كانَ ينشده السَّريُّ ، رحمه الله :
إذا ما شكَوْتُ الحبَّ قالتْ كَذَبْتَني فما لي أرَى الأَعْضَاءَ منك کَواسيا
وتُذْهَلَ حتَّى لا تُجِيبَ المنادِیا
فلا حُبَّ حتَّى يَلْصَقَ الجِلدُ بالحَشَا
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومثتين
فيها أمر الخليفة المعتزُّ بقتل بُغَا الشرابيّ ، ونصب رأسه بسامُرَّاء ، ثم ببغداد ، وحرّقت جثته
[ بالنار }٧) ، وأخذت أمواله وحواصله .
وفيها : ولي أحمد بن طولون الدِّيار المصريّة ، وهو باني الجامع المشهور بها .
وحجَّ بالناس فيها علي بن الحسين بن إسماعيل بن العبَّاس بن محمّد .
وتوفي فيها من الأعيان :
زياد بن أيوب الحَسَّاني(٨).
تاريخ بغداد (١٩٢/٩).
(١)
(٢) من ب ، ظا .
تاريخ بغداد (٩/ ١٩٢).
(٣)
(٤)
من ب ، ظا .
وفيات الأعيان (٣٥٩/٢).
(٥)
وفيات الأعيان (٣٥٩/٢).
(٦)
زيادة من ب ، ظا .
(٧)
كذا هو في الأصول ، ولعله زياد بن يحيى بن زياد بن حسَّان بن عبد الله الحَسَّانيّ ، أبو الخطاب النُّريّ ، العَدَني ،
(٨)
البَصريّ . ذكره ابن حبان في الثقات . تهذيب الكمال (٩/ ٥٢٣).

٢٣٥
وفيات سنة ٢٥٤ هـ
وعلي بن محمد [ بن علي }(١) بن موسى الرضا٢)، يوم الإثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة
ببغداد ، وصلَّى عليه أبو أحمد بن المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبي أحمد ، ودفن بداره ببغداد .
(٣)
ومحمد بن عبد الله المُخرِّمی
ومُؤمّل بن إهاب(٤)
وأبو الحسن عليّ الهادي(٥) : ابن محمد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن
محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن عليّ بن أبي طالب . أحدُ الأئمة الاثني عشر ،
وهو والد الحسن بن عليّ العسكريّ المنتظَر عند الفرقة الضَّالّة الجاهلة الكاذبة الخاطئة .
وقد كان عابداً زاهداً ، نقله (٦) المتوكّل إلى سامُرًا فأقام بها أزيدَ من عشرين سنةً بأشهر . ومات بها في
هذه السنة .
وقد ذُكِرَ للمتوكّل أنَّ بمنزله سلاحاً وكتباً كثيرةً من الناس ، فأرسل فكَبَسه ، فوجدوه جالساً مستقبل
القِبْلَة وعليه مِدْرَعة من صوفٍ ، وهو على بسيط الأرض ليس دونها حائلٌ ، فأخذوه كذلك فحملوه إلى
المتوكّل وهو على شرابه ، فلمَّا مَثَلَ بين يديه أجلَّه وأعظمَه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس الذي في
يده ، فقال : يا أميرَ المؤمنين! إنَّه لم يخالط لحمي ودمي قطّ ، فاعْفِني منه ، فأعفاه ، ثم قال له :
أنشدني شعراً ، فأنشده(٧) :
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرُسُهُمْ غُلْبُ الرّجال فما أغنتَهُمُ القُلَلُ(٨)
فأودِعُوا حُفَراً يا بئسَ ما نَزَلُوا
واستُنزِلوا بعدَ عِزّ عن مَعاقِلِهِمْ
(١) زيادة من ب ، ظا.
(٢)
سيترجم له المؤلف بعد قليل .
أبو جعفر القرشي مولاهم البغدادي المخرِّمي المدائني ، قاضي حلوان . روى عن وكيع وطبقته . وكان من كبار
(٣)
الحفاظ . ثقة . سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٦٥)، العبر (٦/٢).
(٤) مؤمّل بن إهاب بن عبد العزيز الربعي ، العجلي ، أبو عبد الرحمن الكوفي . نزل الرملة ومصر ، وهو كرماني
الأصل ، روى عن ضمرة بن ربيعة ويحيى بن آدم وطبقتهما . ذكره ابن حبان في الثقات . مات في الرملة . تهذيب
التهذيب (١٠ / ٣٨٢)، العبر (٧/٢).
(٥) له ترجمة في وفيات الأعيان (٢٧٢/٣)، ومنهاج السنة (١٢٩/٢)، وتاريخ بغداد (٥٦/١٢)، ونزهة الجليس
(٢/ ٨٢) .
(٦)
في أ : انتقله .
(٧) وفيات الأعيان (٢٧٢/٣)، والبصائر والذخائر (٢٢٣/٤).
(٨) ((القُلل)): أعالي الجبال وقلة كل شيءٍ أعلاه.

٢٣٦
أحداث سنة ٢٥٥ هـ
أينَ الأسِرَّةُ والتّيجانُ والحُللُ
نادى بهم صارخٌ مِن بعدٍ ما قُبِرو{(١)
من دونها تُضربُ الأستارُ والكِلَلُ(٢)
أينَ الوجوهُ التي كانتْ منقَمةٌ
تلكَ الوجُوهُ عليها الدُّودُ يَقْتِلُ
فأفصَحَ القَبْرَ عنهمْ حين ساءَلَهُمْ
فأصبَحُوا بعدَ طُولِ الأكْلِ قد أُكِلُوا
قد طالَ ما أكلوا دهراً وماشربوا
قال : فبكى المتوكّلُ حتَّى بلَّ الثَرَى، وبكى مَنْ حولَه بحضرته ، وأمَرَ برفع الشراب ، وأمَر له بأربعة
آلاف دينار، وحالل(٣) منه، وردّه إلى منزله مكرَّماً، رحمه الله .
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومثتين
فيها كانت وقعةٌ بين مُفلِح وبين الحسن بن زيد الطالبيّ، فهزمه مُفْلِحٌ ودَخَل آمُل طَبَرستان ، وحرق
منازل الحسن بن زيد ، ثم سار وراءه إلى الذَّيْلَم .
وفيها : كانت محاربةٌ شديدةٌ بين يعقوب بن الليث وبين عليّ بن الحسين بن قُرَيش بن شِبْل ، فبعث
عليّ بن الحسين رجلاً من جهته يقال له : طَوْق بن المغلِّس، فصابره أكثرَ من شهر ثم ظفر يعقوب بطَوْقٍ،
فأسرَهُ وأَسَرَ وجوه أصحابه .
ثم سار إلى عليّ بن الحسين هذا ، فأسَره أيضاً وأخذ بلاده ، وهي كِزْمان ، فأضافَها إلى ما بيده من
مملكة سِجِسْتان .
ثم بعث يعقوب بن الليث بهديّةٍ سنيَّة إلى المعتزّ بالله ؛ دوابٌ ، وبُزَاة ، وثيابٍ فاخرة .
وفيها : ولَّى الخليفةُ سليمان بن عبد الله بن طاهر نيابة بغداد والسّواد في ربيع الأوّل منها .
وفيها : أخذ صالحُ بن وصيف أحمدَ بن إسرائيل كاتبَ المعتزِّ ، والحسنَ بن مخلد كاتبَ قَبيحة
أُمّ المعتزّ ، وأبا نوح عيسى بن إبراهيم ، وكانوا قد تمالؤوا على أكل أموال بيت المال ، فضربهم ، وأخذ
خطوطهُم بأموالٍ جزيلةٍ يحملونها ، وذلك بغير رضىّ من المعتزِّ في الباطن . واحتيط على أموالهم
وحواصلهم وضياعهم ، وسُمُوا الكتَّاب الخونة ، وولَّى الخليفةُ عن قهرٍ غيرَهم .
وفي رجب من هذه السنة ظهر عيسى بن جعفر ، وعليّ بن زيد الحسنيّان بالكوفة ، وقتلا بها
عبدَ الله بن محمد بن داود بن عيسى ، واستفحل أمرهما بها .
(١) في ظ : دفنوا .
(٢) الكلل : مفردها كِلَّة وهي الشيء الرقيق .
(٣) قوله : وحالل منه لم يرد في ب ، ظا . وفي ط : وتحلل منه .

٢٣٧
أحداث سنة ٢٥٥هـ
موت الخليفة المعتزّ بالله : ولثلاث بَقِين من رجب من هذه السنة خُلِعَ الخليفةُ المعتزُّ بالله ، ولليلتين
[ مضتا }(١) من شعبان أظهِرَ موتُه .
وكان سببُ خلْعه أنَّ الجند اجتمعوا ، فطلبوا منه أرزاقهم ، فلم يكن عنده ما يعطيهم ، فسأل من أمِّه
أن تقرضَه مالا يدفعهم عنه، فلم تعطِهِ ، وأظهرَتْ أنَّه لا شيءً عندها . فاجتمع الأتراك على خلْعه ،
فأرسلوا إليه ليخرجَ إليهم ، فاعتذر بأنَّه قد شرِبَ دواءً ، وأن عنده ضعفاً ، ولكن ليدخلْ إليَّ بعضُكم ،
فدخَلَ إليه بعضُ الأمراء ، فتناولوه بالدَّبابيس يضربونه ، وجرّوا بِرِجْلِه ، وأخرجوه وعليه قميص مخرّق
متلطخ بالدَّم ، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حَرٍّ شديدٍ ، حتَّى جَعَلَ يراوح (٢) بين قدميه من شدَّة الحرّ ،
وجعَلَ بعضُهم يلطِمُه وهو يتقي (٣)، ويقول له الضاربُ: اخلعْها والناس مجتمعون، ثم أدخلوه حجرَةً
مضيّقاً عليه فيها . وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتَّى خلَعَ نفسه من الخلافة ، فولِّي بعدَه المهتدي بالله ،
كما سيأتي .
ثم سلَّموه إلى من يسومُه سوءَ العذاب بأنواع المَثُلات(٤) ، ومُنع من الطعام والشراب ثلاثة أيامٍ حتَّى
جعل يطلب شَرْبةً من ماء البئر فلم يُسْقَ ، ثم أدخلوه سَرَب٥ّ) فيه خِصّ ثخين ، فدسُوه فيه ، فأصبح ميتاً .
فاستلّوه من الجِصّ سليمَ الجسَدِ ، فأشهدوا عليه جماعةٌ من الأعيان أنَّه مات وليس به أثرٌ .
وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة ، وكان يوم السبت . وصلَّى عليه المهتدي بالله ،
ودفن عند أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصّوامع ، عن أربع وعشرين سنة .
وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوماً . وكان طويلاً ، جسيماً ، وسيماً ، أقنى
الأنف ، مدوّر الوجه ، حسنَ الضحك (٦)، أبيضَ، أسودَ الشعر جَعْده كثيفه ، كثيفَ اللحية ، حسن
العينَيْن والوجه ، ضيّق الجبين ، أحمر الوجنتين ؛ رحمه الله .
وقد أثنى الإمام أحمد بن حنبل على جودة ذهنه وحسن فهمِه وأدبه حين دخلَ عليه في حياة أبيه
المتوكّل ، كما قدمنا(٧) في ترجمة الإمام أحمد .
(١) زيادة من ب .
(٢) في آ، ظا: يراوح . وراوح بين قدميه: قام على كُلّ منهما مرَّةً .
(٣) في آ، ط : يبكي ، والمثبت من ب ، ظا . وفي الطبري : يتقي بيده .
(٤)
أي بأنواع العقوبات .
(٥) ((السَّرَب)): بفتحتين: بيت في الأرض.
(٦) في ب ، ظا : المضحك .
(٧) تقدم في حوادث سنة ٢٤١هـ.

٢٣٨
أحداث سنة ٢٥٥ هـ
وروى الخطيبُ البغداديّ(١) عن عليّ بن حرب، قال : دخلت على المعتزِّ بالله ، فما رأيت خليفة
أحسن وَجْهاً منه ، فلما رأيتُهُ سجدْتُ ، فقال: يا شيخ ، تسجد لأحدٍ من دون الله؟ .
فقلت : حدَّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النَبيل ، حدثنا بكار بن عبد العزيز بن أبي بَكْرة ، عن
أبيه ، عن جده: أنَّ رسولَ اللهِ وَّرَ كان إذا رأى ما يفرحُ به، أو بُشِّرَ بما يُسرُ به، سجَدَ شكراً لله
عزَّ وجل (٢) .
وقال الزّبير بن بكار : سرتُ إلى المعتز وهو أمير ، فلمَّا سمع بقدومي خرج مستعجلاً إليَّ فعثر ،
فأنشأ يقول(٣) :
وليسَ يموتُ المرءُ مِنْ عَثْرةِ الرِّجْلِ
يَمُوتُ الفَتَى مِنْ عَثْرةٍ بِلسَانِهِ
وعَثْرَتُه بالرِّجْلِ تُبْرًا على مَهْلِ
فَعَثْرَتُه مِنْ فيهِ تَزْمِي برأسِهِ
وذكر الحافظُ ابنُ عساكر(٤): أنَّ المعتزَّ لمَّا حَذَقَ القرآنَ في حياة أبيه المتوكّل ، اهتمَّ أبوه لذلك ،
واجتمعت الكبراء والأمراء والرؤساء بسُرَّ مَنْ رأى ، واحتفلوا لذلك أياماً عديدة ، وجرَتْ أحوالٌ عظيمة .
ولمَّا جلس الصَّبيُّ على المنبر ، وسلَّم على أبيه بالخلافة ، وخَطَبَ الناسَ ، نُثِرَت الجواهرُ في الصواني
والذَّهب والدَّراهم على الخواصّ والعوامّ بدار الخلافة ، فكان قيمةُ ما نُثِرَ من الجوهر ما يساوي مئة ألف
دينار ، ومثلها ذهباً ، وألف ألف درهم ، غير ما كان من خِلَعٍ وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر ، وكان
وقتاً مشهوداً لم يكن سرور بدار الخلافة أبهَجَ منه ولا أحسَنَ . وخلع الخليفةُ على أُمِّ ولده المعتزِّ ، وهي :
قبيحة ، خلعاً سنية ، وأعطاها وأجزل العطاء ، وكذلك على مؤدِّب المعتزّ ، وهو محمد بن عمران ، من
الجوهر والذَّهب وغير ذلك شيئاً كثيراً جدّاً .
تاريخ بغداد (١٢٤/٢)، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه، ومختصره لابن منظور (٨/٩).
(١)
(٢) ورواه أيضاً أبو داود في سننه رقم (٢٧٧٤) في الجهاد، باب في سجود الشكر، والترمذي في سننه رقم (١٥٧٨) في
الجهاد باب ما جاء في سجدة الشكر ، من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه ، ورواه ابن ماجه في
سننه رقم (١٣٩٢) في إقامة الصلاة، باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر، من حديث أنس بن مالك.
وفي الباب أحاديث كثيرة عن جابر ، وابن عمر ، وجرير ، وأبي جحيفة ، وقال المنذري : وقد جاء حديث سجدة
الشكر من حديث البراء بن عازب ، ومن حديث كعب بن مالك وغير ذلك . فالحديث صحيح بطرقه وشواهده .
قال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا سجدة الشكر .
(٣) الأول في تاريخ بغداد (١٢٥/٢)، وهما في وفيات الأعيان (٣٩٩/٦)، ومختصر تاريخ ابن عساكر (٩/٩)، مع
اختلاف في الرواية .
(٤) مختصر تاريخ ابن عساكر (٩/ ٧).

٢٣٩
خلافة المهتدي بالله
خلافة المهتدي بالله
أبي عبد الله محمد بن الواثق بن المعتصم ، وكانت بيعته يوم الأربعاء لليلة (١) بقيت من رجب من هذه
السنة بعد خلع المعتزِّ نفسه بين يديه وإشهاده على نفسه بأنه عاجز عن القيام بأمر الخلافة ، وأنَّه قد رغِبَ
إلى من يقوم بأعبائها : محمد بن الواثق بالله، ثم مَدَّ يده فبايعه قبلَ الناس كلِّهم ، ثم بايعه الخاصّة ، ثم
كانت بيعة العامّة . وكتب على المعتزِّ كتاباً أشهد عليه فيه بالخلع والعجز والمبايعة للمهتدي .
وفي آخر يومٍ من رجب هذا وقع ببغداد فتنة هائلة ؛ وثبت العامّة على نائبها سليمان بن عبد الله بن
طاهر ، ودعوا إلى بيعة أبي أحمد بن المتوكّل ، وذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامُرًا من بيعة
المهتدي بالله بن الواثق ، وقُتل من أهل بغداد وغَرِق منهم خلْق كثير ، ثم لمَّا بايع الناس بيعة العامّة
للمهتدي بالله في سابع شعبان ، وبلغ أهلَ بغداد ذلك ، سكتوا واستقرَّت الأمور واستقل المهتدي
بالخلافة ، ولله الحمد .
وفي رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أُمّ المعتزِّ أموالٌ عظيمة ، وجواهرُ نفيسة ؛ كان من جملة
ذلك ما يقارب ألفي ألف دينار ، ومن الزمرّد الذي لم يُرَ مثله مقدار مَكُوكُ(٢) ، ومن الحبّ الكبار مكُّوك ،
وكَيْلَجَة ياقوت أحمر مما لم يُرَ مثله أيضاً .
وقد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف ، ثم نزعت(٣) عنه ، فكانت تدعو عليه ؛ تقول :
اللهم! اخز صالح بن وصيف كما هتك ستري ، وقتل ولدي ، وبدّد شملي ، وأخذ مالي ، زغرّبني عن
بلدي ، وركب الفاحشة مني .
هذا وقد كان الأتراك قد طلبوا من ابنها المعتزّ خمسين ألفَ دينار تُصرف في أرزاقهم ، وضمِنوا له أن
يقتلوا صالحَ بن وصيف ، فلم يكن عنده من ذلك شيء ، فطلب من أمِّه قَبيحة - قَّحها الله - فامتنعت أن
تقرضه ذلك ، فأظهرت أنَّه لا شيء عندها . ثمَّ ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا . وكان لها من الغلات في
كُلِّ سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار .
واستقرَّت الخلافة للمهتدي بالله . وكان - ولله الحمد - خليفةً صالحاً ؛ قال يوماً للأمراء : إنِّي ليست
لي أمّ لها من الغلات(٤) ما يقاوم عشرة آلاف ألف دينار، ولست أريد إلا القوت فقط، لا أريد فضلاً على
ذلك إلَّ لإخوتي ، فإنَّهم قد مسَّتْهم الحاجة .
في ا: لليلتين بقيتا ، وفي ب ، ظا: لثلاث بقيت ، وأثبت ما جاء في ط والطبري وابن الأثير.
(١)
((المكوك)»: مكيال، وهو ثلاث كيلجات، والجمع مكاكيك وهو يعادل (٤) ليترات تقريباً.
(٢)
(٣)
في ب ، ظا : نزحت ، وفي ط : تزوجت به .
(٤) في ب ، ظا : الغلة .

٢٤٠
ذكر خارجيّ ادّعى أنه من أهل البيت
وفي يوم الخميس لثلاث بَقِين من رمضان أمَرَ صالح بن وصيف بضرب أحمد بن إسرائيل الذي كان
وزيراً ، وأبي نوح عيسى بن إبراهيم الذي كان نصرانياً فأظهر الإسلام ، وكان كاتبَ قَبيحةَ ، فضربَ كلّ
واحدٍ منهما خمسمئة سوطٍ ، بعد استخلاص أموالهما ، ثم طِيفَ بهما على بغْلَين منكّسين ، فماتا وهما
كذلك . ولم يكن ذلك عن رضى المهتدي بالله ، ولكنه لا يقدر على الإنكار على صالح بن وصيف في
بادىء الأمر .
وفي رمضان هذا وقعت فتنةٌ ببغداد أيضاً ، بين محمد بن أوس ومن تبعه من الشاكرية والجند
وغيرهم ، وبين العامّة والرَّعاع ، فاجتمع من العامَّة نحو من مئة ألفٍ ، وكان بين الناس قتال بالنّبال
والرماح والسيوف ، وقتل خلْق كثير ، ثم انهزم محمد بن أوس وأصحابُه ، فنَهبت العامَّةُ ما وجدوا من
أمواله ، فكان منه شيء يعدل ألفي ألف [ درهم (١) أو نحو ذلك . ثم اتفق الحال على إخراج محمد بن
أوس من بغداد إلى أينما أراد من سائر البلاد ، فخرج منها خائفاً طريداً ؛ وذلك لأنَّه لم يكن عند النَّاس
مرضيَّ السّيرة ، بل كان جبّاراً عنيداً ، وشيطاناً مريداً .
وأمر الخليفةُ المهتدي بالله بإخراج(٢) القيان والمغنين من سامُرًا، وأمر بقتْل السّباع التي في دار
السلطان ، والكلاب(٣) المعدّة للصيد أيضاً، وإبطال الملاهي، وردِّ المظالم، وجلس للعامة . وكانت
ولايته والدّنيا كلُّها من أرض الشام(٤) مفتونة .
ثم استدعى الخليفة المهتدي موسى بن بُغَا الكبير ليتقوَّى به على مَنْ عنده من الأتراك ؛ لتجتمع كلمة
الخلافة ، واعتذر من استدعى به بما هو فيه من الجهاد بتلك البلاد .
ذكر خارجيّ آخر أذَّعى أنَّه من أهل البيت بالبصرة
وفي النصف من شؤَّال من هذه السنة ظهر رجلٌ بظاهر البصرة ، زعم أنَّه عليّ بن محمد بن أحمد بن
عيسى بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، ولم يكن صادقاً في دعواه هذا النسب ، وإنما
كان عبقسيّاً من عبد القيس، واسمُه عليّ بن محمد بن عبد الرحيم، وأمُّه قرَّ(٥) بنت عليّ بن رحيب بن
محمد بن حكيم ، من بني أسد بن خُزَيمة ، وأصله من قرية من قرى الرَّيّ ؛ قاله ابنُ جرير(٦) .
(١) من الطبري .
في أ: أن تنفى القينات والمغنيين وفي ب ، ظا : أن ينفى القيان والمغنون ، وأثبتت عبارة الطبري.
(٢)
(٣)
في الطبري وابن الأثير : وطرد الكلاب .
في الطبري : الإسلام . وعبارة ابن الأثير : ولمَّا ولي كانت الدنيا كلها بالفتن منسوخة ، وفي نسخ منه مشحونة .
(٤)
(٥)
في ا : فروة .
الطبري (٤١٠/٩)، وفيه: قرية من قرى الرَّي يقال لها : وَرْزَنين .
(٦)