Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
وفيات سنة ١٨٩ هـ
تُوفي الكِسَائيُّ في هذه السنةِ على المشهور ، عن سبعين سنة ، وكان في صُحْبةِ الرشيدِ ببلادِ الرَّيّ ،
فمات بنواحيها ، هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد . وكان الرشيدُ يقول : دفنتُ الفقهَ والعربيةَ بالزّي .
قال ابن خَلِّكادُ(١): وقيل: إنَّ الكِسَائي توفي بطُوسَ سنةً ثنتين [ أو ثلاث] وثمانين ومئة. والله
أعلم .
وقد رأى بعضُهم الكِسَائي في المنام ووجهُه كالبَدْر ، فقال : ما فعل بكَ ربُّك؟ فقال: غَفَرَ لي
بالقرآن . فقلت : ما فعل حمزة ؟ قال : ذاك في عِلَّيِّين، ما نراهُ إلا كما نَرَى الكوكب .
وفيها توفي :
محمد بن الحسن بن فَرْقَد٢) أبو عبد الله الشيباني مولاهم ، صاحبُ أبي حنيفة ، أصلُهُ من قريةٍ من
قُرى دمشق ، قدم أبوه العراق ، فولد بواسط سنةً ثنتين ومئة ، ونشأ بالكوفة . فسمع من أبي حنيفة ،
ومِسْعَر، والثوري ، وعمر بن ذر ، ومالك بن مِغْوَل . وكتب عن مالك بن أنس ، والأوزاعي ،
وأبي يوسف . وسكن بغداد ، وحدَّث بها . وكتب عنه الشافعي حين قَدِمها في سنة أربع وثمانين ومئة ،
وولَّه الرشيدُ قضاءَ الرقّة ، ثم عزله. وخرج مع الرشيد إلى الزّي فماتَ بها .
وكان يقولُ لأهله : لا تسألوني حاجةً من حاجاتِ الدنيا فتشغَلُوا قلبي ، وخذوا ما شئتُم من رَحْلي ،
فإنه أقلُّ لِهَمِّي ، وأفرِغُ لقلبي .
وقال الشافعي : ما رأيتُ حبراً سميناً مثلَه! ولا رأيتُ أخفَّ روحاً منه، ولا أفصحَ منه ؛ كنتُ إذا
سمعتُه يقرأُ القرآنَ كأنَّما يَنْزِلُ القرآنُ بلغِهِ .
وقال أيضاً : ما رأيتُ أعقلَ منه! كانَ يملأ العَيْنَ والقلب .
قال الطّحَاويّ: كان الشافعيُّ قد طلبَ من محمدِ بنِ الحسن كتاب السِّيَر، فلم يُجِبْهُ إلى الإعارة.
فكتب إليه :
من الإنسان والمَصْفَعان : الذي يُصْفعُ على قَفَاه . وفي جواب النجار ضرب من السخرية بشيخ العربية ، الذي لم
=
يقم لسانه بقواعد النحو ، إذ الوجه أن يقول: ((بكم هذين البابين ؟)) .
في ( ق ) : محمد بن الحسن بن زفر ، وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح ) ومصادر ترجمته ، وهي في :
(١)
في وفيات الأعيان ( ٢٩٦/٣)، وما يأتي بين معقوفين منه .
(٢)
الضعفاء للعقيلي (٥٢/٤)، الكامل لابن عدي (١٧٤/٦)، المجروحين (٢٧٥/٢)، تاريخ بغداد
(١٧٢/٢)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٥٠/٣)، ميزان الاعتدال (١٠٧/٦)، المقتنى في سرد الكنى
(٣٥٨/١)، سير أعلام النبلاء (١٣٤/٩)، المغني في الضعفاء (٢/ ٥٦٧)، رواة الآثار لابن حجر (١٦٢)،
التدوين في أخبار قزوين (٢٥١/١).

٤٨٢
أحداث سنة ١٩٠ هـ
قُلْ للذي لم تَرَ عَيْـ
ـنَا مِنْ رَآهُ مثلَهُ
حتى كأنَّ منْ رآ
هُ قد رأى منْ قبلَهُ
العلمُ يَنْهَى أهلَهُ
أنْ يَمْنَعُوهُ أهْلَهُ
لعلَّهُ يَبْذُلُهُ
لأَهلِهِ لَعَلَّهُ(١)
قال : فوجَّهَ به إليهِ في الحالِ هديَّةٌ لا عارِيَّة .
وقال إبراهيمُ الحربي : قيل لأحمد بن حنبل : هذه المسائل الدِّفَاق ، منْ أين هي لك ؟ قال : من
كُتب محمدِ بنِ الحسن رحمه الله . وقد تقدَّمَ أنه ماتَ هو والكِسَائي في يوم واحدٍ من هذه السنة . فقال
الرشيد : دفنتُ اليومَ اللغةَ والفِقْه جميعاً . وكان عمرهُ ثمانيةً وخمسين سنة .
ثم دخلت سنة تسعين ومئة من الهجرة
فيها خلَعَ رافعُ بنُ لَيْث بنِ نصر بن سَيَّار نائبُ سَمَرْقَنْدَ الطاعة ، ودَعَا إلى نفسه، وتابعَهُ أهلُ بلدِهِ
وطائفةٌ كثيرة من تلك الناحية ؛ واستفحل أمرُه ، فسار إليه نائبُ خُرَاسانَ عليٌّ بن عيسى ، فهزمَهُ رافع ،
وتفاقَمَ الأمرُ به .
وفيها سار الرشيدُ لِغَزْوِ بلادِ الرُّوم لعشرٍ بَقينَ من رجب ، وقد لبس على رأسِهِ قَلَنْسُوةً ، فقال فيه
أبو المعلّى الكلابي :
فمَنْ يطلُبْ لقاءَكَ أو يُرِدْهُ
فبالحرَمَيْنِ أو أقصَى الثُّغورِ
وفي أرض الثَّرَقُّهِ(٢) فَوْقَ كُورِ
ففي أرضِ العدوِّ على طِمِرٍّ
من المتخلِّفينَ على الأمورِ(٣)
وما حازَ الثغورَ سواكَ خَلْقٌ
فسارَ حتى وصل إلى الطُوَانَةَ(٤)، فعسكر بها وبعث إليه نَقْفُور إليه بالطاعة ، وحَمَلَ الخراجَ
والجِزْيَة ، حتى عن رأسٍ وَلَدِهِ ورأسِه، وأهلِ مملكتِهِ ، في كلِّ سنةٍ خمسةَ عشرَ ألفَ دينار . وبعثَ يَطْلبُ
من الرشيدِ جاريةً قد أسروها ، وكانتِ ابنةَ ملكِ هِرَقْلَة ، وكان قد خطبَهَا على ولَدِه . فبعث بها الرشيدُ مع
(١) رواية ( ق) في البيت الأول: ((لم تر عيناي مثله))، والمثبت من (ب، ح) وبنحوه الأبيات في ديوان الشافعي
ص (١٢١)، وفيه زيادة بيت قبل الأخير وهو :
لأنَّ ما يُجنُّهُ فاقَ الكمالَ كُلَّهُ
(٢) هذه رواية (ق)، وفي ( ب، ح): ((الثنية)).
(٣) ليس هذا البيت في ( ب ، ح ).
(٤) ((طُوَانة)) - بضمِّ أوله، وبعد الألف نون -: بلدٌ بِتُغور المَصِّيصَة. معجم البلدان (٤٥/٤).

٤٨٣
وفيات سنة ١٩٠ هـ
هدايا وتُحَفٍ وطيبٍ بعَثَ يطلُبُهُ من الرشيد . واشترَطَ عليه الرشيدُ أنْ يَحْمِلَ كلَّ سنةٍ ثلاثَ مئةِ ألف دينار ،
وأنْ لا يَعْمُرَ هِرَقْلَة .
ثم انصرف الرشيدُ راجعاً ، واستناب على الغَزْو عُقْبَةَ بن جعفر .
ونقَضَ أهلُ قُبْرُصَ العَهْد ، فغزاهُمْ مَعْيوفُ بن يحيى، فسَبَى أهلَها ، وقتل منهم خلقاً كثيراً. وخرج
رجلٌ من عَبْدِ القَيْس ، فبعث إليه الرشيدُ منْ قَتَله .
وحجّ بالناس فیها عيسى بن موسى الهادي .
ممن تُوفِّي فيها من الأعيان والمشاهير :
أسد بن عمرو بن عامر(١) أبو المنذر البَجَليُّ الكوفيّ ، صاحبُ أبي حَنيفة ، حكم ببغداد ويِوَاسِط ،
فلما أَنْكَرَ بصره عزَلَ نفسَهُ عن القضاء .
قال أحمدُ بن حنبل(٢): كان صدوقاً . ووثقه ابنُ معين ، وتكلّم فيه عليٍّ بن المَديني ، والبخاري .
وسَعْدُون المجنونُ(٣) : صامَ ستين سنة، فخفَّ دِمَاغُه ، فسمَّاهُ الناسُ مجنوناً ، وقف يوماً على حَلْقَةِ
ذي النُّون المِصري ، فسمع كلامَهُ فصرَخ ، ثم أنشأ يقول :
ولا خيرَ في شَكْوَى إلى غيرِ مُشْتَكى ولا بُدَّ من شكوى إذا لم يكنْ صَبْرُ
وقال الأصمعي : مرَرْتُ به وهو جالسٌ عند رأسِ شيخ سكران ، يذبُّ عنه ، فقلتُ له : ما لي أراك
عندَ رأسِ هذا الشيخ ؟ فقال : إنه مجنون . فقلت : أنتَ مجنونٌ أو هو ؟ قال : لا ، بل هو ، لأني صلَّيتُ
الظهر والعصرَ في جماعة ، وهو لم يصلِّ جماعةً ولا فُرَادى . وهو مع هذا قد شرِبَ الخمر ، وأنا لم
أشرَبْها . قلتُ : فهل قلتَ في هذا شيئاً ؟ قال : نَعمْ . ثم أنشأ يقول :
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٣١/٧)، بحر الدم للإمام أحمد ( ٧٣)، الكنى للبخاري (٤٩/٢)، الكنى
والأسماء لمسلم (٧٧٣/٢)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (١٩)، تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد
للنسائي (١٢٤)، الضعفاء للعقيلي (٢٣/١)، الجرح والتعديل (٣٣٧/٢)، المجروحين لابن حبان
(١٨٠/١)، الكامل لابن عدي (٣٩٨/١)، تاريخ جرجان (٥٥٣)، تاريخ بغداد (١٦/٧)، الضعفاء
والمتروكين لابن الجوزي (١٠٦/١)، الكشف الحثيث لسبط بن العجمي (٦٧)، المغني في الضعفاء ( ٧٦)،
المنتقى في سرد الكنى (٩٨/٢)، ميزان الاعتدال (٣٦٣/١)، الإكمال للحسيني (٢٣)، لسان الميزان
(٣٨٣/١)، تعجيل المنفعة (٣٠).
(٢)
في كتاب بحر الدم ( ٧٣ ) .
ترجمته في عقلاء المجانين (٥٤)، إحياء علوم الدين (٣١٦/١)، صفة الصفوة (٥١٢/٢)، المختار من
(٣)
مناقب الأخيار ( ٧٨)، الوافي بالوفيات ( ١٥/ ت ٢٦٦)، فوات الوفيات (٤٨/٢) ، روض الرياحين الحكاية
(٢١ و٢٢ و٢٤ و٢٥)، طبقات الشعراني (٦٨/١)، الطبقات الصغرى للمناوي (٣٢٣).

٤٨٤
وفيات سنة ١٩٠ هـ
وأصبحتُ أشربُ ماءً قَرَاحا
تركتُ النبيذَ لأهلِ النبيذِ
ويَكسُو السوادَ الوجوهَ الصِّبَاحا
لأنَّ النبيذَ يُذلُّ العزيز
فما العُذْرُ منه إذا الشَّيبُ لاحا
فإنّ كان ذا جائزاً للشباب
قال الأصمعي : فقلتُ له : صدقتَ . أنتَ العاقلُ وهو المجنون .
وعُبيدة بنُ حُميد بن صُهيب(١) أبو عبد الرحمن التَّيْمِيُ(٢) ، الكوفي، مؤدِّبُ الأمين . روى عن
الأعمش وغيرِه . وعنه أحمدُ بن حنبل ، وكان يُثْني عليه .
وفيها توفي :
يحيى بنُ خالد بن بَرْمَكُ(٣) أبو علي الوزير، والدُ جعفرِ البَزمكي، ضمَّ إليه المهديُّ وَلَدَهُ الرشيدَ
فربَّهُ، وأرضعَتْهُ امرأتُهُ مع الفضلِ بنِ يحيى، فلما وُلِّي الرشيد ، عرف له حقَّه ، وكان يقول : قال أبي ،
قال أبي . وفوَّضَ إليه أمورَ الخلافةِ وأزِمَّتَها ، ولم يزَلْ كذلك حتى نُكِبَتِ البرامكة ، فقتل جعفرا(٤) ،
وخَلَّدَ أباه يحيى في الحبسِ حتى ماتَ في هذه السنة . وكان كريماً فَصِيحاً ذا رأىٍ سديد ، يظهَرُ من أمورِهِ
خيرٌ وصلاح .
قال يوماً لولَدِهِ : خُذوا من كلِّ شيءٍ طَرَفاً ، فإنَّ منْ جَهِل شيئاً عاداه . وقال لأولاده : اكتبوا أحسنَ
ما تسمعون ، واحفظوا أحسنَ ما تكتبون ، وتحدَّثوا بأحسنِ ما تحفظون . وكان يقولُ لهم : إذا أقبلتِ
الدنيا فأنفِقوا منها ، فإنَّها لا تبقَى، وإذا أدْبَرَتْ فأنفقوا منها فإنَّها لا تبقَى (٥).
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٢٩/٧)، بحر الدم للإمام أحمد (٢٨٨)، التاريخ الكبير للبخاري (٨٦/٦)،
الكنى والأسماء لمسلم (٥٢٦/١)، معرفة الثقات للعجلي (١٢٣/٢)، الطبقات للنسائي (١٣٢)، مشاهير
علماء الأمصار لابن حبان البستي (١٧١)، الثقات له (٧/ ١٦٢)، الجرح والتعديل (٦/ ٩٢)، رجال صحيح
البخاري للكلاباذي (٥٠٥/٢)، تسمية من أخرج ه البخاري ومسلم للحاكم (١٩٢) ، التعديل والتجريح للباجي
(٩٣٣/٢)، تاريخ بغداد (١٢٠/١١)، تهذيب الكمال (٢٥٧/١٩)، ميزان الاعتدال (٣٣/٥)، تذكرة
الحفاظ (٣١١/١)، سير أعلام النبلاء (٥٠٨/٨)، الكاشف (٦٩٤/١)، لسان الميزان (٣٠٠/٧)، تقريب
التهذيب (٣٧٩)، طبقات الحفاظ (١٣٥).
في (ق): ((التميمي))، وهو تصحيف، والمثبت من ( ب، ح ) ومصادر ترجمته .
(٢)
(٣)
ترجمته في تاريخ بغداد (١٢٨/١٤)، المنتظم لابن الجوزي (١٨٨/٩)، وفيات الأعيان (٢١٩/٦)، سير
أعلام النبلاء (٨٩/٩)، العبر (٣٠٦/١)، النجوم الزاهرة (١٣٣/٢).
(٤)
في (ح، ق): ((جعفر))، والمثبت من (ب )، والضمير في قتل عائد على الرشيد.
(٥) تقدم هذا القول في ترجمة ابنه جعفر ص ( ٤٧٠).

٤٨٥
وفيات سنة ١٩٠ هـ
وكان إذا سأله سائلٌ في الطريق وهو راكب أقلُ(١) ما يأمُرُ له بمئتي درهم . فقال رجلٌ يوماً :
يا سَميَّ الحَصُورِ يحيى أُتيحَتْ لكَ من فضلِ رَبَّنا جَتَّانِ
فِلَهُ مِنْ نَوَالِكُمْ مِئتانِ
كلُّ منْ مَرَّ في الطريقِ عليكُمْ
هي منكمْ للفارسِ العَجْلانِ
مِثْتا دِرْهمٍ لِمِثْلِي قليلٌ
فقال : صدَقْت . وأمرَ أنْ يُسبَق به إلى الدار ، فلما رجَعَ سأل عنه، فإذا هو قد تزوَّج ، وهو يريدُ أن
يدخلَ على أهلِه ، فأعطاهُ صداقها أربعةَ آلاف، وعن دار أربعةَ آلاف ، وعن الأمتعةِ أربعةَ آلاف ، وعن
الدخول أربعة آلاف ، وأربعة آلاف يستظهر بها .
وجاءَهُ رجلٌ يوماً فسأله شيئاً ، فقال : وَيْحَك لقد جئتَني في وقتٍ لا أملِكُ فيه مالًا؛ ولكنْ بعث إليَّ
صاحبٌ لي يطلُبُ مني أنْ يُهدي إليَّ ما أحب ، وقد بلغني أنكَ تُريد أن تبيعَ جاريةً لك ، وأَنَّك قد أُعطيتَ
فيها ثلاثةَ آلاف دينار ، وإني سأطلُبها ، فلا تَبِعْها منه بأقلَّ من ثلاثينَ ألف دينار . فجاؤوني فبلغوا معي
بالمساومةِ إلى عشرين ألفَ دينار ، فلما سمعتُها ضَعُفَ قلبي عن رَدِّها ، وأجَبْتُ إلى بيعها ، فأخَذَها ،
وأخذتُ العشرين ألف دينار ، فأهداها إلى يحيى . فلما اجتمعتُ بيحيى قال : بكم بعتَها ؟ قلتُ :
بعشرين ألف دينار . قال : إنك لَخَسيس، خُذْ جاريتَك إليك . وقد بعث إليَّ صاحبُ فارس ، يطلبُ مني
أنْ أستهديَهُ شيئاً ، وإني سأطلُبها منه ، فلا تَبِعْها بأقلَّ من خمسينَ ألف دينار . فجاؤوني فوصلوا في ثمنِها
إلى ثلاثين ألفَ دينار ، فبعتُها منهم . فلمّا جئتُهُ لامني أيضاً وردّها عليّ ، فقلتُ : أُشهدُك أنَّها حُرَّة ،
وأني قد تزوَّجْتُها؛ وقلت: جاريةٌ قد أفادَتْني خمسين ألف دينار ، لا أَفرِّطُ فيها بعدَ اليومُ(٢)
وذكر الخطيب ، أنَّ الرشيد طلَبَ من منصورِ بنِ زياد عشرة آلاف ألف درهم ، ولم يكنْ عندَهُ منها سوى ألفٍ
ألفِ درهم ، فضاق ذَرْعاً ، وقد توَّده بالقتلِ وخرابِ الديار إنْ لم يحمِلْها في يومِه ذلك ؛ فدخل على يحيى بنِ
خالد ، وذكرَ أمرَه ، فأطلقَ له خمسةَ آلافِ ألف ، واستطلق له من ابنِهِ الفضل ألفَيْ ألف ، وقال لابنه : يا بُني ،
بلغَني أنك تُريدُ أن تشتريَ بها ضَيْعةً ، وهذه ضيعةٌ تَغُلُّ الشكرَ وتبقى مدَى الدَّهر . وأخذ له من ابنِهِ جعفر ألفَ
ألف، ومن جاريته دنانير عِقْداً مُشتراه مئةُ ألف دينار ، وعشرون ألف دينار ، وقال للمترسّم عليه: قد حسبناهُ
عليك بألفَيْ ألف . فلما ◌ُرضتِ الأموالُ على الرشيد رَدَّ العِقْد ، وكان قد وهبَهُ لجاريةِ يحيى ، فلم يعدْ فيه بعدَ إذْ
وَهَبِه لها . وقال له بعضُ بنيه وهم في السجن والقيود : يا أبتِ ، بعدَ الأمرِ والنَّهي والنِّعْمة صِرْنا إلى هذا
الحال ؟! فقال : يا بُني ، دعوةُ مظلوم سرَتْ بلَيلٍ ونحن عنها غافلون ، ولم يغفلِ الله عنها . ثم أنشأ يقول :
رُبَّ قومٍ قد غدَوْا في نعمةٍ زمناً والدَّهْرُ ريَّانٌ غَدَقْ
(١) كذا في الأصول ، والوجه ( فأقلّ ) .
(٢) انظر الحكاية بأوضح مما هنا في تاريخ بغداد (١٤/ ١٣١).

٤٨٦
أحداث سنة ١٩١ هـ
سكَتَ الدهرُ زماناً عنهمُ ثم أبكاهُمْ دماً حين نَطَقٌ(١)
وقد كان يحيى بن خالد هذا يُجري على سفيانَ بن عُيينة كلَّ شهرٍ ألفَ درهم ، وكان سفيانُ يدعو له
في سجودِهِ يقول : اللهمَّ إنه قد كفاني المؤنة ، وفرَّغني للعبادة ، فاكفِهِ أمرَ آخرتِهِ . فلما مات يحيى رآه
بعضُ أصحابِه في المنام فقال له : ما فعل الله بك ؟ قال : غفَرَ لي بدُعاءِ سفيان .
وقد كانتْ وفاةُ يحيى بنِ خالد رحمه الله في الحبس في الرَّافِقَة ، لثلاثٍ خَلَوْنَ من المحرَّم من هذه
السنة ، عن سبعين سنة ، وصلَّى عليه ابنُهُ الفَضْل، ودُفن على شطَّ الفُرَات ؛ وقد وُجد في جَيبه رُقْعٌ
مكتوبٌ فيها بخَطِّه : قد تقدَّمَ الخَصْم والمدَّعَى عليه بالأثر ، والحاكمُ الحكَمُ العَدْلُ الذي لا يَجُور ، ولا
يحتاجُ إلى بَيِّنة . فحُملتْ إلى الرشيد ، فلما قرَأها بكَى يومَه ذلك، وبقي أياماً يتبيَّنُ الأسى في وَجْهِهِ .
وقد قال بعضُ الشعراء في يحيى بن خالد :
ولكنَّنِي عبدٌ ليَحيى بنِ خالدٍ
سألتُ النَّدى : هل أنتَ حُرٌّ ؟ فقال : لا
توارَثَ رِّقِّي والدٌ بعدَ والِدِ
فقلتُ : شِراءً ؟ قال : لا بلْ وِرَاثةٌ
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومئة
فيها خرج رجلٌ بسوادِ العراق يُقال له ثَرْوان بن سيف ، وجعل يتنقَّلُ فيها من بلدٍ إلى بلد ، فوجَّه إليه
الرشيدُ طَوْق بن مالك فهزمَه ، وجرح ثروانَ وقتلَ عامَّة أصحابِهِ ، وكتب بالفتحِ إلى الرشيد .
وفيها خرج بالشام أبو النِّداء ، فوجَّه إليه الرشيدُ يحيى بنَ معاذ، واستنابه على الشام .
وفيها وقع الثلجُ ببغداد . وفيها غزا بلادَ الروم يزيدُ بن مخلد الهُبَيْري في عشرةِ آلاف ، فأخذتْ عليه
الرومُ المضيق، فقتلوه في خمسين من أصحابه ، على مرحلتين من طَرَسُوس ، وانهزم الباقون . وولَّى
الرشيدُ غزوَ الصائفة لِهَرْثَمَةَ بنِ أعْين ، وضمَّ إليه ثلاثين ألفاً فيهم مسرورٌ الخادم ، وإليه النفقات.
وخرج الرشيد إلى الحَدَث(٢) ليكونَ قريباً منهم، وأمر الرشيدُ بِهَدْمِ الكنائسِ والدُّيُور، وألزَمَ أهلَ
الذِّمَّة بتمييزٍ لباسِهم وهيئاتِهم في بغدادَ وغيرِها من البلاد .
(١) تاريخ بغداد (١٤ / ١٣١).
(٢) الحَدث - بالتحريك وآخره ثاء مثلثة - : قلعةٌ حصينة بين مَلَطْيَة وسُمَيْساط ومَرْعش، من التُّغور، ويقال لها
الحمراء ، لأنَّ تُرْبَتها جميعاً حمراء ، وقلعتُها على جبلٍ يُقال له الأحَيدب . وفي كتاب أحمد بن يحيى بن جابر :
كان حصن الحدث مما فتح في أيام عمر رضي الله عنه ، فتحه حَبيب بن مَسْلَمة الفِهْرِي من قبل عِياض بن غَنْم ،
وكان معاوية يتعاهدُه بعد ذلك؛ وكانت بنو أمية يُسمُّون دَرْبَ الحدث دَرْبَ السلامة للطِّيَرَة، لأنَّ المسلمين أُصيبوا
به ، وكان ذلك الحدث الذي سُمِّيَ به الحَدَث فيما يقول بعضُهم . وقال آخرون لقي المسلمين على دَرْبِ الحدَثِ =

٤٨٧
وفيات سنة ١٩١ هـ
وفيها عزل الرشيدُ عليَّ بن موسى عن إمرة خُراسان ، وولَّاها هَرْثَمَةَ بن أعْيَن .
وفيها فتح الرشيدُ هِرَقْلةَ في شوال، وخَرَّبَها ، وسَبَى أهلَها ، وبثَّ الجيوشَ والسَّرايا بأرضِ الرُّوم إلى
عينٍ زُرْبَة ، والكنيسة السوداء، وكان دَخْلُ(١) هِرَقْلةَ في كلِّ يوم مئةَ ألف ، وخمسةً وثلاثين ألفَ مُرْتَزق.
ووُلِّيَ حُميد بن مَعْيُوف سواحلَ الشام إلى مصر ؛ ودخل جزيرةَ قُبْرُص ، فسَبَى أهلَها، وحمَلهم حتى
باعَهُم بالرافِقَةِ ؛ فبلغ ثَمَنُ الأسْقُفِّ ألفَيْ دينار ، باعهم أبو البَخْتَري القاضي .
وفيها أسلم الفضل بن سَهْل على يدَي المأمون . وحَّ بالناس فيها الفضلُ بن عباس بن محمد بن علي
العباسي ، وكان واليَ مكة . ولم يكن للناس بعدَ هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرةً ومئتين .
وفيها تُوفي من الأعيان :
سَلَمةُ بن الفضل الأبرش .
وعبدُ الرحمن بن القاسمُ(٢) : الفقيه الراوي عن مالك، الذي هو العمدةُ في مذهب مالك فيما يرويه
عن الإمام مالك . وكان من كبار الصالحين .
وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق(٣) : قدم على الرشيد ، فأمر له بمالٍ جَزيل نحواً من خمسين ألفاً ،
فلم يقبَلْه .
والفضل بن موسى السِّيناني .
ومحمد بن سلمة .
ومَخْلَد بن الحسين المِصِّيصِي (٤): أحدُ الزَّاد الثقات . قال: لم أتكلّمْ بكلمةٍ أحتاجُ إلى الاعتذارِ
منها منذُ خمسين سنة .
غلامٌ حَدَث، فقاتلهم في أصحابه قتالاً استظهر فيه؛ فسُمِّي الحدثُ بذلك الحدث. انظر معجم البلدان (٢/ ٢٢٧).
=
في (ح): ((خرج))، والمثبت من ( ب ، ق ).
(١)
ترجمته في تسمية فقهاء الأمصار للنسائي ( ١٢٧) ، الجرح والتعديل (٢٧٩/٥)، الثقات لابن حبان
(٢)
(٣٧٤/٨)، الفهرست (٢٨١)، التعديل والتجريح للباجي (٨٧٦/٢)، تهذيب الكمال (١٧ /٣٤٤)، تذكرة
الحفاظ (٣٥٦/١)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٦٠)، الكاشف (٦٤٠/١)، الوفيات للقسنطي (١٥٠)، تقريب
التهذيب (٣٤٨)، تهذيب التهذيب (٦/ ٢٢٧)، طبقات الحفاظ (١٥٢).
(٣) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٨٨)، التاريخ الكبير (٤٠٦/٦)، الجرح والتعديل (٦/ ٢٩١)، الثقات لابن
حبان (٢٣٨/٧)، رجال مسلم لابن منجويه (١١٤/٢)، تاريخ بغداد (١٥٢/١١) ، صفة الصفوة
(١٨٩/٤)، تهذيب الكمال (٦٢/٢٣)، تذكرة الحفاظ (٢٧٩/١)، سير أعلام النبلاء (٤٨٩/٨)، تهذيب
التهذيب ( ٢١٢/٨)، تقريب التهذيب (٤٤١).
(٤) في (ق): ((محمد بن الحسين المصيصي))، وهو تصحيف والمثبت من ( ب، ح ) ومصادر ترجمته في طبقات =

٤٨٨
أحداث سنة ١٩٢ هـ
وفيها توفي معمَر الرِّي .
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومئة
فيها دخل هَرْئَمةُ بن أعْيَن إلى خراسان نائباً عليها ، وقبض على علي بن عيسى ، فأخذ أموالَهُ
وحواصِلَه ، وأركبه على بعير ، وَجْهُهُ لِذَنَبه ، ونادَى عليه ببلادِ خراسان ، وكتب إلى الرشيدِ بذلك .
فشكره علی ذلك ، ثم أرسله إلى الرشيد بعد ذلك ، فحُبس بدارِهِ ببغداد .
وفيها ولَّى الرشيدُ ثابتَ بنَ نصرٍ بن مالك نيابةَ الثغور ، فدخلَ بلادَ الروم ، وفتح مطمورةً(١).
وفيها كان الصُّلح بين المسلمين والرُّوم على يد ثابت بن نصر .
وفيها خرجتِ الخُرَّمِيَّةُ بالجبل وبلادِ أذْرِبِيجَان ؛ فوجَّه الرشيدُ إليهم عبدَ الله بن مالك بن الهيثم
الخزاعي في عشرةِ آلافٍ فارس ؛ فقتل منهم خلقاً ، وأسر وسَبَى ذَرَاريَّهُمْ، وقَدِم بهم بغدادَ ، فأمَرَ له
الرشيد بقتلِ الرجالِ منهم ، وبالذُّرِّيَّةِ فبيعوا فيها ، وكان قد غزاهم قبلَ ذلك خُزيمةُ بن خازِم .
وفي ربيع الأول منها قدم الرشيدُ من الرقة إلى بغداد في السُّفُن، وقد استخلف على الرَّقَّةِ ابنَهُ
القاسم ، وبين يديه خُزيمة بن خازم ، ومن نِيَّةِ الرشيد الذهابُ إلى خراسان لغَزْوِ رافع بن ليث الذي كان
قد خلَعَ الطاعةَ واستحوذَ على بلادٍ كثيرةٍ من بلادِ سَمَرْقَنْدَ وغيرِها . ثم خرج الرشيدُ في شعبانَ قاصداً
خراسان ، واستخلف على بغدادَ ابنَه محمداً الأمين ، وسأل المأمونُ من أبيه أنْ يخرجَ معه خوفاً من غَدْرِ
أخيه الأمين ، فأذِنَ له ، فسار معه وقد شكا الرشيدُ في أثناءِ الطريقِ إلى بعضِ أمرائه جفاء بَنِيهِ الثلاثة الذين
جعلهم ولاةً للعَهْدِ من بعدِه ؛ وأراهُ داءً في جسَدِه وقال: إنَّ لِكُلِّ واحدٍ من الأمين والمأمون والقاسم
عندي عَيْناً عليّ ، وهم يَعُدُّونَ أنفاسي ، ويتمنَّوْنَ انقضاءَ أيَّامي، وذلك شَرٌّ لهم لو كانوا يعلمون . فدعا له
ذلك الأمير ؛ ثم أمر له الرشيدُ بالانصرافِ إلى عمَلِهِ ووذَّعَه ، وكان آخِرَ العَهْدِ به .
وفيها تحرّك تَزْوانُ الحَرُوريّ وقتل عاملَ السلطان بِطَفِّ البصرة(٢).
ابن سعد ( ٤٨٩/٧)، طبقات خليفة (٣١٨)، التاريخ الكبير (٤٣٧/٧)، التاريخ الصغير (٢٥٤/٢)،
=
الجرح والتعديل (٣٤٧/٨)، الثقات لابن حبان (١٨٥/٩)، حلية الأولياء (٨/ ٢٦٦)، تالي تلخيص المتشابه
للخطيب البغدادي (٢/ ٥٧٢)، صفة الصفوة (٢٦٦/٤)، المختار من مناقب الأخيار (٤٩٠/٤)، تهذيب
الكمال (٣٣٢/٢٧)، سير أعلام النبلاء (٢٣٦/٩)، العبر (٣٠٨/١)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٧٢)،
الكواكب الدرية (٤٤٤/١)، شذرات الذهب (٣٢٩/١).
(١) ((مطمورة)): بلدٌ في ثغور بلاد الروم بناحيةِ طَرَسُوس. معجم البلدان (١٥١/٥).
(٢) ((الطَّفُّ)): ما أشْرَفَ من أرض العرب على ريف العراق، مشتق من ذلك، وطفُّ الفرات: شطُّه، سمي بذلك=

٤٨٩
وفيات سنة ١٩٢ هـ
وفيها قتل الرشيدُ الهَيْصَمَ اليماني. ومات عيسى بنُ جعفر وهو يريدُ اللَّحَاقَ بالرشيد ، فمات في الطريق .
وفيها حجَّ بالناس العباسُ بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور .
وفيها توفي :
إسماعيلُ بن جامعُ(١) بن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وَدَاعة أبو القاسم ، أحدُ المشاهيرِ
بالغناء . كان مِمَّنْ يُضرب به المثَل . وقد كان أولًا يَحفَظُ القرآن ، ثم صار إلى صناعةِ الغناء ، وترك
القرآن . وذكر عنه أبو الفرج بن علي بن الحسين صاحب الأغاني حكاياتٍ غريبة(٢) ، من ذلك أنه قال :
كنتُ يوماً مشرفاً من غُرْفةٍ بحرَّانُ(٣) ، إذ أقبلَتْ جاريةٌ سوداء ، معها قِرْبةٌ تستقي الماء ، فجلسَتْ ووضَعَتْ
قِرِبتَها واندفعتْ تُغنِّي :
لها عَسَلٌ مِنِّي وتَبْذُلُ عَلْقَما
إلى الله أشكو بُخْلَها وسماحتي
ولا تترُكِيهِ هائمَ القلبِ مُغْرَما
فرُدِّي مُصَابَ القلبِ أنتِ قتلتِهِ
قال : فسمعتُ ما لا صَبْرَ لي عنه، ورجَوْتُ أنْ تُعيدَه ؛ فقامَتْ وانصرفَتْ ، فَزَلْتُ وانطلقتُ
وراءها ، وسألتُها أن تعيدَه، فقالت: إنَّ عليَّ خراجاً كلَّ يومٍ درهمَيْن، فأعطيتُها درهمين، فأعادَتْهُ،
فحَفِظْتُهُ وسلكته يومي ذلك ، فلما أصبحتُ أَنسيتُهُ ، فأقبلتِ السوداءُ فسألتُها أنْ تعيدَه ، فلم تفعَلْ إلَّا
بدرهمين ، ثم قالت : كأنكَ تستكثرُ أربعةَ دراهم ! كأنِّي بكَ وقد أخذتَ عليه أربعةَ آلافِ دينار . قال ابنُ
جامع : فغنَّتُهُ ليلةً للرشيد، فأعطاني ألفَ دينار ، ثم استعادَنِيهِ ثلاثَ مرَّاتٍ أخرى ، وأعطاني ثلاثةَ آلافِ
دينار ؛ فتبسَّمتُ ، فقال: ممَّ تبسَّمتَ؟ فذكرتُ له القصة ، فضَحِك وألقى إليَّ كيساً آخرَ فيه ألفُ دينارٍ ،
وقال : لا أكذبُ السوداء .
وحكى عنه أيضاً قال(٤) : أصبحتُ يوماً بالمدينةِ وليس معي إلا ثلاثةُ دراهم ، فإذا جاريةٌ على رقبتِها
جرَّةٌ تُريدُ الرَّكِيّ ، وهي تسعَى وتترئَّمُ بصوتٍ شَجِيّ :
فقالوا لنا ما أقصَرَ الليلَ عندَنا
شگونا إلى أحبابنا طولَ لیلنا
سريعاً ولا يَغْشَى لنا النَّومُ أعْيُنَا
وذاكَ لأنَّ النَّومَ يَغْشَى عيونَهم
لدُنُوِّه . وقيل غير ذلك ، انظر لسان العرب ( طفف ) .
=
(١) ترجمته في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (٣٠٤/٦)، الإكمال لابن ماكولا (٣٠٢/٤)، تهذيب مستمر الأوهام
له (٢٥٩)، المنتظم لابن الجوزي (١٩٨/٩)، النجوم الزاهرة (١٣٩/٢).
(٢)
الأغاني (٣٠٤/٦)، وما بعدها، والحكاية الاتية في (٦/ ٣٥٠).
كذا في الأصول، وفي الأغاني: ((في غرفة لي باليمن)).
(٣)
(٤) يعني صاحب الأغاني في كتابه الأغاني (٣٢٦/٦).

٤٩٠
وفيات سنة ١٩٢ هـ
جَزِعْنا وهم يستبشرون إذا دَنَا
إذا ما دنا الليلُ المُضِرُّ بذي الهوَى
نُلاقي لكانوا في المضاجِعِ مِثْلَنا
فلو أنَّهم كانوا يُلاقُونَ مثلَ ما
قال : فاستعدتُهُ منها وأعطيتُها الدراهمَ الثلاثة ، فقالت : لتأخُذَنَّ بدَلَها ألف دينار ، وألف دينار ،
وألفَ دينار . فأعطاني الرشيدُ ثلاثَةِ آلافٍ دينارٍ في ليلةٍ على ذلك الصوت .
وفيها توفي :
بكر بن النَّطَّاحِ أبو وائل الحَنَفِيُ(١) : الشاعر المشهور، نزل بغداد في زمنِ الرشيد ، وكان يخالطُ
أبا العتاهية .
قال أبو هَفَّارُ(٢): أشعَرُ أهلِ العَدْل من المحدثين أربعة: أوَّلُهم بكر بن النَّطَّاح .
وقال المبرِّد : سمعتُ الحسنَ بن رجاء يقول : اجتمع جماعةٌ من الشعراء ومعهم بكرُ بن النطَّاح
يتناشدون ؛ فلما فرَغوا من طُوَالِهم أنشد بكر بن النَّطاح لنفسه :
فجفَّ جَفْنُ العينِ أو أُغمضا
ما ضرَّها لو کتبَتْ بالرِّضا
في عاشقٍ يَوَدُّ لو قد قَضَى
شفاعةٌ مردودةٌ عندَها
نأمَلُ منها مثلَما قد مَضَى
يا نفسُ صبراً واعلمي أنَّ ما
بلحظهِ إلَّ لأنْ أمْرَضَا
لم تمرضِ الأجفانُ من قاتلٍ
قال: فابتدروهُ يُقبّلون رأسَهُ(٣) .
ولما مات رثاهُ أبو العتاهية فقال :
ماتَ ابنُ نطَّاحِ أبو وائلٍ
بَكرٌ وأمسى الشعرُ قد بان(٤)
وفيها تُوفي :
بُهلول المجنون ، كان يأتي إلى مقابرِ الكوفة ، وكان يتكلَّمُ بكلماتٍ حسَنة . وقد وعَظ الرشيد وغيرَهُ
كما تقدَّمُ(٥) .
(١) ترجمته في الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني (١١٣/١٩)، الفهرست (٢٣٢)، تاريخ بغداد (٧/ ٩١)، المنتظم
لابن الجوزي (٩/ ٢٠١).
في ( ق ) : أبو عفان ، تصحيف والمثبت من ( ب، ح ) ومصادر ترجمة أبي هفان .
(٢)
(٣)
الخبر والشعر في تاريخ بغداد (٧/ ٩١ ).
كذا في الأصول ، والبيت في ديوان أبي العتاهية ص (١٠٥)، وروايته: ((قد ماتا))، وهو بيت مفرد مذكورٌ مع
(٤)
القوافي التي رَويُّها على حرف التاء .
(٥) انظر ص (٤٧٧) من هذا الجزء.

٤٩١
وفيات سنة ١٩٢ هـ
وعبدُ الله بن إدريس الأوْدِي الكوفي (١): سمع الأعمش ، وابن جريج ، وشعبة ، ومالكاً ، وخلقاً
سواهم . وروى عنه جماعاتٌ من الأئمة . وقد استدعاهُ الرشيد ليولِّهُ القضاء ، فقال : لا أصلح . وامتنع
أشدَّ الامتناع ، وكان قد سأل قبلَهُ وكيعاً فامتنع أيضاً ، فطلب حفص بن غياث فقَبِل، وأطلق لكلِّ واحدٍ
خمسةَ آلافٍ عِوَضاً عن كُلفتِهِ التي تكلَّفها في السفر فلم يقبَلْ وكيعٌ ولا ابنُ إدريس ، وقبل ذلك حفص ؛
فحلف ابنُ إدريس لا يكلِّمُه أبداً .
وحجَّ الرشيدُ في بعض السنين ، فاجتاز بالكوفةِ ومعه القاضي أبو يوسف ، والأمين ، والمأمون ،
فأمر الرشيد أنْ يجتمعَ شيوخُ الحديث ليُسمِعوا ولدَيْهِ . فاجتمعوا إلا ابنَ إدريس هذا ، وعيسى بنَ يونس ،
فركب الأمينُ والمأمونُ بعد فراغِهما من سماعِهما على مَنِ اجتمع من المشايخ إلى ابنِ إدريس ، فأسمعَهما
مئةَ حديث ، فقال له المأمون : يا عم ، إنْ أردتَ أعدتُها من حِفْظي، فأذِنَ له ، فأعادَها من حفظِه كما
سَمِعَها ، فتعجَّبَ لحفظِهِ . ثم أمر له المأمون بمال ، فلم يقبَلْ منه شيئاً . ثم سارا إلى عيسى بنٍ يونس ،
فسمعا عليه ، ثم أمر له المأمونُ بعشرةِ آلاف ، فلم يقبَلْها ، فظنَّ أنه استقلَّها ، فأضعفَها فقال : والله لو
ملأتَ لي المسجدَ مالًا إلى سقفِه ما قَبِلْتُ منه شيئاً على حديثِ رسولِ الله ◌َِّ . ولما احتُضر ابنُ إدريس
بكَتِ ابنته ، فقال : علامَ تبكي ؟ فقد ختمتُ في هذا البيت أربعةَ آلافٍ ختمة .
صَعْصَعةُ بن سلامُ(٢) ويقال ابن عبد الله ، أبو عبد الله الدمشقي ، ثم تحوَّل إلى الأندلس ، فاستوطنها
في زمنٍ عبد الرحمن بن معاوية(٣) ، وابنِهِ هاشم. وهو أولُ من أدخل علمَ الحديث ومذهبَ الأوزاعي إلى
بلاد الأندلس(٤) . ووَلِيَ الصلاةَ بِقُرْطُبَة . وفي أيامه غُرست الأشجارُ بالمسجدِ الجامع هناك ، كما يراهُ
الأوزاعي والشاميُّون، ويَكْرَهُهُ مالكٌ وأصحابُه. وقد روى عن مالك، والأوزاعي، وسعيدٍ بن عبد العزيز.
وروى عنه جماعةٌ منهم عبدُ الملك بن حَبِيب الفقيه، وذكرَهُ في كتاب (( الفقهاء )) وذكره ابنُ يونس في
تاريخِه تاريخٍ مصر ، والحُميدي في تاريخ الأندلس . وحرَّرَ وفاتَه في هذه السنة . وحكى عن شیخِهِ ابنِ
حَزْم أنَّ صعصعةَ هذا أولُ من أدخلَ مذهبَ الأوزاعي إلى الأندلس . وقال ابن يونس : أول من أدخل علمَ
الحديث إليها . وذكر أنه تُوفي قريباً من سنةٍ ثمانين ومئة . والذي حرَّرَهُ الحُميدي في هذه السنة أثبت .
(١) ترجمته في بحر الدم للإمام أحمد (٢٣١)، التاريخ الكبير (٤٩/٥)، الكنى والأسماء لمسلم (٢/ ٧٣٧)،
معرفة الثقات للعجلي (٢١/٢)، الجرح والتعديل (٨/٥)، الثقات لابن حبان (٥٩/٧)، مولد العلماء
ووفياتهم لابن زبر (١/ ٤٣١)، تقريب التهذيب (٢٩٥)، طبقات الحفاظ (١٢٤).
(٢)
ترجمته في تاريخ ابن الفرضي (٦١٠/١) وتاريخ الإسلام للذهبي (٦٥٦/٤) (بتحقيق الدكتور بشار عواد).
(٣)
في (ح ، ق ) : زمن عبد الملك بن معاوية ، وهو تصحيف والمثبت من ( ب ).
قال الذهبي في تاريخ الإسلام معقباً على أنه أول من أدخل الحديث بالأندلس: ((بل كان قبله معاوية بن صالح في
(٤)
طبقة شيوخه )).

٤٩٢
وفيات سنة ١٩٢ هـ
علي بن ظَبْيَانُ(١) أبو الحسن العَبْسي، قاضي الشرقيّة من بغداد ، ولَّهُ الرشيدُ ذلك، كان ثقةً عالماً ،
من أصحابِ أبي حنيفة ، ثم ولَّهُ الرشيد قضاءَ القُضاة، وكان الرشيدُ يخرجُ معه إذا خرج من عندِه . مات
بقَرْمِيسينَ في هذه السنةُ(٢) .
العباس بن الأحنف (٣) بن الأسود بن طلحة، الشاعرُ المشهور، كان من عرَبِ خُراسان ، ونشأ
ببغداد ، وكان لطيفاً ظَريفاً مقبولاً ، حسَنَ الشعر .
قال أبو العباس : قال عبدُ الله بن المعتز : لو قيل لي : منْ أحسنُ الناسِ شعراً تعرفُه ؟ لقلت :
العباس .
وفرَّقَ الناسُ فينا قولَهم فِرَقَا
قد سَخَّبَ الناسُ أذيالَ الُنونِ بنا
وصادقٌ ليس يَدْري أنَّهُ صَدَقا٤)
فكاذبٌ قد رَمَى بالظنِّ غيرَكم
وقد طلَبَهُ الرشيدُ ذاتَ ليلةٍ في أثناءِ الليل ، فانزعج لذلك ، وخاف نساؤه ؛ فلما وقف بين يدَي
الرشيد قال له : ويحك ، إنه قد عنَّ لي بيتٌ في جاريةٍ لي فأحببتُ أن تشفَعَهُ بمثلِه . فقال : يا أمير
المؤمنين ، ما خفتُ أعظمَ من هذه الليلة . فقال : ولِمَ ؟ فذكر له دخولَ الحرسِ عليه في الليل ، ثم جلس
حتى سكَنَ رُوعُه ، ثم قال : ما قلتَ يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال :
حنانٌ قد رأيناها فلم نَرَ مثلها بَشَرا
فقال العباس :
يَزيدُكَ وَجْهُها حُسْناً إذا ما زِدْتَهُ نَظَرا
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٦/ ٤٠٢)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٧٧)، الضعفاء للعقيلي (٢٣٤/٣)،
كتاب المجروحين لابن حبان البستي (١٠٥/٢)، مولد العلماء ووفياتهم (٤٣١/١)، الكامل لابن عدي
(١٨٧/٥)، تاريخ بغداد (٤٤٣/١١)، كتاب الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (١٩٥/٢)، تهذيب الكمال
(٤٩٦/٢٠)، ميزان الاعتدال (١٦٣/٥)، الكاشف (٤٢/٢)، لسان الميزان (٣١١/٧)، تهذيب التهذيب
(٣٠٠/٧)، تقريب التهذيب (٤٠٢).
(٢) في (ق): ((قوميسين))، والمثبت من (ب، ح)، وقَرْمِيسين - بالفتح ثم السكون وكسر الميم وياء مثناة من
تحت وسين مهملة مكسورة وياء اخرى ساكنة ونون وهو تعريب كرمان شاهان - : بلدٌ معروف ، بينه وبين هَمَذان
ثلاثون فرسخاً ، قُرْبَ الدِّينور. وهي بين هَمَذان وحُلْوان على جادّة الحاج. معجم البلدان (٤/ ٣٣٠).
(٣) ترجمته في الأغاني (٣٦٦/٨)، تاريخ بغداد (١٢٧/١٢)، المنتظم لابن الجوزي (٢٠٦/٩)، الكامل لابن
الأثير (٣٣٧/٥)، وفيات الأعيان (٢٠/٣)، العبر (٣١٢/١)، سير أعلام النبلاء (٩٨/٩)، شذرات
الذهب (٣٣٤/١).
(٤) البيتان في ديوان العباس ص (٢٢٤)، والأغاني (٨/ ٣٨٣)، والمدهش لابن الجوزي (٤٠٠).

٤٩٣
وفيات سنة ١٩٢ هـ
فقال الرشيد : زِدْ . فقال :
ـكَ بالإِظْلامِ واعْتَكَرا
إذا ما الليل مالَ علَيْـ
فأبْرِزْها تَرَى قَمَر( ١)
ودَجَّ فلم تَرَى فَجْراً
فقال : إنَّا قد رأيناها ، وقد أمرنا لك بعشرةِ آلافٍ درهم .
ومن شعرِهِ الذي أقرَّ له فيه بشارُ بنُ بُرْد ، وأثبته في سِلْك الشعراء بسببِه قولُه :
أبكي الذين أذاقوني مَوَدَّتَهُمْ حتى إذا أيقظوني للهوَى رَقَدوا
واستنهضوني فلمَّا قمتُ مُنتصباً بِثَقْلِ ما حَمَّلوني منهمُ قَعَدو(٢)
وله أيضاً :
جنوناً فزِدْني من حديثِكَ يا سَعْدُ
وحدَّثْتَنِي يا سعدُ عنها فِزِدْتَني
فليس له قَبْلٌ وليس لَهُ بَعْدُ(٣)
هواها هوى لم يعرِفِ القلبُ غيرَهُ
قال الأصمعي : دخلتُ على العباسِ بنِ الأحنف بالبصرةِ وهو طَريحُ على فراشِه ، يَجُودُ بنفسِهِ وهو
يقول :
مُفرداً يبكي على شَجَنِهْ
يا بعيدَ الدارِ عن وطنِهْ
زادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ
كلَّما جدَّ النحيبُ بهِ
ثم أُغمي عليه ، ثم انتبه بصوتٍ طائرٍ على شجرةٍ فقال :
ولقد زاد الفؤادَ شجاً هاتفٌ يبكي على فَتِهْ
شاقَهُ ما شاقَنِي فَكَى كُلُّنا يبكي على سَكَنِه(٤)
قال : ثم أُغمي عليه أخرى ، فحرّكْتُهُ فإذا هو قدمات .
قال الصولي : كانتْ وفاتُه في هذه السنة . وقال القاضي ابن خلِّكان إنه تُوفي بعدَها ، وقيل قبلَها ،
في سنة ثمانٍ وثمانين ومئة . فالله أعلم . وقال عمر بن شبَّة : سنة ثمان وثمانين . وزعم بعضُ المؤرِّخين
أنه بقي بعدَ الرشيد .
(١) الأبيات في ديوان الأحنف ص (١٥٢)، وقوله: (( ترى)) برفع المجزوم في شطري البيت الأخير ، من ضرورات
الشعر . ولفظ الديوان (( يكن)) في الشطرين.
البيتان في ديوان العباس ص (١٠٤)، وهما في ديوان بشار بن برد أيضاً ص (٤٣٤).
(٢)
(٣)
البيتان في ديوان العباس ص (١٢٠).
الأبيات بألفاظ مقاربة في ديوان العباس ص (٣١١).
(٤)

٤٩٤
وفيات سنة ١٩٢ هـ
عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أخو زُبيدة كان نائباً على البصرة في أيام الرّشيد ، فمات في
أثناء هذه السنة .
وفيها توفي :
الفَضْلُ بن يحيى (١) بن خالد بن بَرْمَك، أخو جعفر وإخوته ، كان هو والرشيد يتراضَعان ، أرضعَتِ
الخَيْزُرانُ فضلاً، وأرضعَتْ أمُّ الفضلِ - وهي زُبيدةٌ بنتُ منين بن بويه (٢) - هارون الرشيد ، وكانت زُبيدة
هذه من مولَّدات المدينة (٣). وقد قال في ذلك بعضُ الشعراء(٤):
كفَى لك فضلاً أنَّ أفضلَ حُرَّةٍ غَذَتْكَ بِشَدْيٍ والخليفةَ واحدٍ
لقد زِنْتَ يحيى في المشاهدِ كلها كما زانَ يحيى خالداً في المشاهدِ
قالوا : وكان الفضلُ أكرمَ من أخيه جعفر ، ولكن كان فيه کِبْرٌ شديد ، وكان عبوساً ؛ وكان جعفرٌ
أحسنَ بشراً منه، وأطلَقَ وجهاً ، وأقلَّ عطاءً ؛ وكان الناسُ إليه أمْيَل ، ولكن خَصْلَةَ الكرَمِ تُغَطِّ جميعَ
القبائح ، فهي تسترُ تلك الخَصْلَة التي كانتْ في الفضل . وقد وهبَ الفضلُ لطبَّاخِهِ مئةَ ألفِ درهم ، فعابَهُ
أبوهُ على ذلك ، فقال : يا أبتِ إنَّ هذا كان يَصْحَبُني في العُشْرِ واليُسر ، والعيشِ الخَشِن ، واستمرَّ معي
في هذا الحالِ فأحسَنَ صُحبتي ، وقد قال بعضُ الشعراء(٥) :
إنَّ الكرامَ إذا ما أيْسَروا ذكروا منْ كانَ يَعْتَادُهُمْ فِي المَنْزِلِ الخَشِنِ
ووَهَبَ يوماً لبعضِ الأدباءِ عشرةَ آلافِ دينار ، فبكى الرجل ، فقال له : ممَّ تبكي ؟ أستَقْلَلْتَها ؟ قال :
لا والله ولكنِّي أبكي أنَّ الأرض تأكُلُ مثلَكَ أو تُواري مثلَك .
وقال عليُّ بن الجَهْم عن أبيه : أصبحتُ يوماً لا أملكُ شيئاً، حتى ولا علَفَ الدابَة ، فقصدتُ
الفضلَ بن يحيى ، فإذا هو قد أقبلَ من دارِ الخلافةِ في موكبٍ من الناس ، فلما رآني رخَّبَ بي وقال :
(١) ترجمته في تاريخ الطبري (١٣/٥)، تاريخ بغداد (٣٣٤/١٢)، المنتظم لابن الجوزي (٢٠٨/٩)، الكامل
لابن الأثير (٣٥٢/٥)، وفيات الأعيان (٢٧/٤)، سير أعلام النبلاء (٩١/٩)، العبر (٣٠٩/١)، النجوم
الزاهرة (٢ / ١٤٠) .
(٢) كذا في (ب، ح)، وفي (ق): ((زينب بنت بن بريه)). وفي تاريخ بغداد (٣٣٤/١٢): ((زبيدة بنت سنين
بربرية مولدة بالمدينة)). وفي المنتظم (٢٠٨/٩): ((زبيدة بنت منين بربرية فأرضعته وأرضعت زبيدة أمه
الرشيد)). وفي النجوم الزاهرة (٢/ ١٤٠): ((زبيدة بنت منير بن زيد من مولدات المدينة)). ولم أجد نصّاً يضبط
اسم أبيها .
في (ح، ق): من مولدات ((بتبين البرية)) وهو تصحيف، والمثبت من ( ب ) ومصادر الترجمة.
(٣)
(٤) هو مروان بن أبي حفصة، والبيتان في ديوانه ص (٥٠).
(٥) هو دِعْبل بن علي الخزاعي ، والبيت في ديوانه ص (١٧٥).

٤٩٥
وفيات سنة ١٩٢ هـ
هَلُمَّ . فسرتُ معه ، فلما كان ببعضِ الطريق سمع غلاماً يدعو جاريةً من دار ، وإذا هو يدعوها باسم جاريةٍ
له يُحبُّها . فانزعج لذلك، وشكا إليَّ ما لَقِيَ من ذلك ؛ فقلت : أصابك ما أصابَ أخا بني عامرٍ حيثُ
يقول(١) :
فهيَّجَ أحزانَ الفؤادِ ولا يَدْري
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخَيفِ منْ منَى
أطارَ بليلى طائراً كانَ في صدري
دَعا باسمٍ ليلى غيرَها وكأنَّما
فقال اكتبْ لي هذَيْنِ البيتين . قال : فذهبتُ إلى بقَّالٍ فَرَهَنْتُ عندَهُ خاتمي على ثَمَنٍ ورَقَة ، وكتبتُهما
له ، فأخذهما وقال : انطلِقْ راشداً. فرجعتُ إلى مَنْزلي ، فقال لي غُلامي : هاتِ خاتمكَ حتى نَرْهنهُ
على طعامٍ لنا وعَلَفٍ للدابَّةَ . فقلت: إني رَهَنْتُهُ. فما أمسَيْنا حتى أرسلَ إليَّ الفضلُ بثلاثين ألفاً من
الذهب ، وعشرةِ آلافٍ من الوَرِق ، أجراهُ عليَّ كلَّ شهر ، وأسلَفَني شهراً.
ودخل على الفضل يوماً بعض الأكابر ، فأكرمَهُ الفضلُ وأجلسَهُ معه على السرير ؛ فشكا إليه الرجلُ
دَيْناً عليه، وسأله أنْ يُكَلِّمَ في ذلك أميرَ المؤمنين . فقال : نعَمْ ، وكم دَيْنُك ؟ قال : ثلاثُ مئة ألف
درهم . فخرج من عندِه وهو مَهْمومٌ لضعفِ رَدِّهِ عليه ؛ ثم مال إلى بعضِ إخوانه ، فاستراحَ عندَه ، ثم
رجع إلى مَنْزِله ، فإذا المالُ قد سبَقَهُ إلى دارِه . وما أحسنَ ما قال فيه بعضُ الشعراء :
لك الفضلُ يا فَضْلُ بنَ يحيى بنِ خالدٍ وما كُلُّ منْ يُدْعى بفضلٍ لَهُ فَضْلُ
فسمَّاكَ فَضْلاً فالتقى الإِسمُ والفِعْلُ
رأى اللّهُ فَضْلاً منكَ في الناسِ واسِعاً
وقد كان الفضلُ أكبرَ رتبةً عندَ الرشيد من جعفر، وكان جعفرٌ أحْظَى عند الرشيد منه وأخَصّ . وقد
ولَّى الفضلَ أعمالاً كباراً ، منها نيَابَةُ خراسانَ وغيرِها ، ولما قتَل الرشيدُ البرامكةَ وحَبَسهم ، جلَدَ الفضلَ
هذا مئةَ سَوْط، وخَلَّدَهُ في الحبس حتى ماتَ في هذه السنة ، قبلَ الرشيد بشهورٍ خمسة في الرقّة . وصلَّى
عليه بالقصرِ الذي ماتَ فيه أصحابُه . ثم أُخرجت جنازَتُه ، فصلَّى عليها الناس ، ودُفن هناك ، وله خمسٌ
وأربعون سنة . وكان سببَ موتِهِ ثِقَلٌ أصابَهُ في لسانِهِ ، اشتدَّ بهِ يومَ الخميس ويومَ الجُمعة . وتُوفي قبلَ
أذانِ الغداةِ من يوم السبت . قال ابنُ جرير(٢) : وذلك في المحرَّم من سنةٍ ثلاثٍ وتسعين ومئة . وقال ابنُ
الجوزي(٣) : في سنةٍ ثنتَيْنِ وتسعين . فالله أعلم .
وقد أطال ابنُ خلِّكان ترجمته(٤)، وذكر طَرَفاً صالحاً من محاسنِهِ ومكارمِه ، من ذلك أنه ورَدَ بَلْغَ
هو الشاعر قيس لبنى ، والبيتان في ديوانه ص ( ٩٧ ).
(١)
(٢)
يعني الطبري في تاريخه (١٣/٥) .
(٣)
في المنتظم (٢٠٩/٩).
بلغت ترجمته في وفيات الأعيان من (٢٧/٤) إلى (٣٦/٤).
(٤)

٤٩٦
أحداث سنة ١٩٣ هـ
حين كان نائباً على خراسان ، وكان بها بيتُ النار التي كانتْ تعبدُها المجوس ، وقد كان جدُّه بَرْمَك من
خُذَّامِها، فَهَدَمَ بعضَه ولم يتمكَّنْ من هَدْمِهِ كُلُّه، لِقُوَّةِ إحكامه. وبَنَى مكانَهُ مسجداً لله تعالى، وذكر أنه
كان يتمثَّلُ في السِّجْنِ بهذه الأبيات ويبكي :
ففي يَدِهِ كَشْفُ المِضَرَّةِ والبَلْوَى
إلى الله فيما نالنا نَرْفَعُ الشَّكْوَى
فلا نحنُ في الأمواتِ فيها ولا الأحيا
خرَجْنا من الدُّنيا ونحنُ مِنَ اهْلِها
عَجِبنا وقُلْنا جاءَ هذا من الدُّنيا
إذا جاءنا السَّجَّانُ يوماً لحاجةٍ
ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب (١): وهو من بيتٍ كلُّهم شعراء أُدَباء، وقد اختلَطَ أشعارُ بعضِهم في
بعض . وله شعرٌ رائق ، ومَديحٌ فائق .
ومنصور بن الزِّبْرِقانُ(٢) بن سَلَمة، أبو الفَضْلِ النُّمَيري الشاعر، امتدَحَ الرشيد ؛ وأصلُهُ من
الجزيرة ، وأقام ببغداد ، ويُقال لِجَدِّهِ مُطْعِمُ الكَبْشَ الرَّخَمَ ، وذلك أنه أضافَ قوماً ، فجعلت الرَّخَمُ تَحُومُ
حولَهم ، فأمرَ بكبشٍ يُذْبَحُ للرَّخَم ، حتى لا يتأذَّى بها ضيفانُهُ ، ففُعل له ذلك ، فقال الشاعر فيه :
أبوكَ زعيمُ بني قاسِطِ وخالُكَ ذو الكَبْشِ يَقْرِي الرَّخَمْ
وله أشعارٌ حسَنة ، وكان يَرْوي عن كُلْثومٍ بن عمرو ، وكان شيخَهُ الذي أخذ عنه الغِنَاء .
يوسف بن القاضي أبي يوسف (٣) : سمع الحديثَ من السَّرِيِّ بن يحيى ، ويونس بن أبي إسحاق .
ونظر في الزَّأْي، وتفقّ وؤُلِّي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياةِ أبيه أبي يوسف . وصلَّى بالناسِ
الجُمعةَ بجامعِ المنصور عن أمرٍ الرشيد . تُوفي في رجب من هذه السنة ، وهو قاضٍ ببغداد .
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئة
قال ابنُ جرير(٤) : في المحرَّم منها تُوفي الفضلُ بن يحيى . وقد أرّخ ابنُ الجوزي وفاتَهُ في سنة ثنتين
وتسعين كما تقدَّمُ(٥) . وما قاله ابنُ جرير أقرب .
قال : وفيها تُوفي سعيدٌ الجَوْهَري .
ترجمته في الأغاني (١٢/ ١٧١)، تاريخ بغداد (٨٦/٢)، المنتظم لابن الجوزي (٢١٠/٩).
(١)
ترجمته في الأغاني ( ١٥٧/١٣)، تاريخ بغداد (١٣ /٦٥)، المنتظم لابن الجوزي (٢١١/٩).
(٢)
(٣)
ترجمته في تاريخ بغداد (٢٩٦/١٤).
أي الطبري في تاريخه ( ١٣/٥).
(٤)
(٥) في الصفحة السابقة ، موضع الحاشية (٣).

٤٩٧
وفاة الرشيد
قال : وفيها وافى الرشيدُ جُرْجَان ، وانتهتْ إليه خزائنُ عليٍّ بن عيسى، تُحملُ على ألفٍ وخمس مئةٍ
بعير ؛ وذلك في صَفَر منها . ثم تحول منها إلى طُوس وهو عَلِيل ، فلم يزَلْ بها حتى كانتْ وفاتُه فيها .
وفيها تَوَاقَعَ هَرْثَمةُ نائبُ العراق هو ورافع بن اللَّيث، فكسَرَه هَرْثَمةُ وافَتَتَحِ بُخارى ، وأسَرَ أخاه
بشير بن اللَّيث ، فبعثَهُ إلى الرشيد وهو بطُوس ، قد تَقُل عن السَّيْر ، فلما وقف بين يديْه شَرَعَ يترقَّقُ له ،
فلم يقبَلْ منه ، بل قال : والله لو لم يبقَ من عُمري إلَّ أنْ أُحَرِّكَ شَفَتَيَّ بِقَتْلِك لَقَتلتُك . ثم دعا بقصَّاب ،
فجزَّأه بين يديه أربعةَ عشرَ عُضواً . ثم رفع الرشيدُ يدَيْهِ إلى السماء يَدْعو الله أنْ يُمكِّنَهُ من أخيهِ كما مكَّنَهُ من
أخيه بشير .
وفاءُ الرَّشِید
كان قد رأى وهو بالرَّقَّه (١) رؤيا أفزَعَتْه، وغَمَّهُ ذلك، فدخل عليه جبريلُ بنُ بَخْتَيْشُوع فقال : ما لَكَ
يا أميرَ المؤمنين . فقال : رأيتُ كفّاً فيها تُربةٌ حمراء ، خرجَتْ من تحتِ سَريري هذا ، وقائلاً يقول : هذه
تُربةُ هارون . فَهَوَّنَ عليه جبريلُ أمرَها وقال : هذه من أضغاثِ الأحلام ، من حديثِ النفس ، فتناسَهَا
يا أميرَ المؤمنين. فلما سارَ يُريدُ خراسان، ومرَّ بِطُوس، واعتقَلَتْهُ العِلَّةَ بها، ذكَرَ رؤياهُ، فهالَهُ ذلك
وانزعَجَ جدّاً ؛ فدخلَ الناسُ عليه ، فقال لِجبريل: ويحك! أما تذكرُ ما قَصَصْتُهُ عليكَ من الرؤيا ؟ فقال :
بَلَى يا أمير المؤمنين ، فكان ماذا؟ فدَعَا مسروراً الخادمَ وقال : ائِني بشيءٍ من تُربةِ هذه الأرض في
يدِك . فجاءه بتربةٍ حمراءَ في يدِه ، فلمَّا رآها قال : واللهِ هذه الكفُّ التي رأيتُ والتربةُ التي كانتْ فيها .
قال جبريل : فوالله ما أتَتْ عليهِ ثلاثٌ حتى تُوفِّي ؛ وقد أمَرَ بحَفْرِ قَبرِهِ قبلَ موتِهِ في الدارِ التي كان فيها ؛
وهي دارُ حُميد بن أبي غانم الطائي ، فجعل ينظُرُ إلى قبرِهِ وهو يقول : يا ابنَ آدَم ، تصيرُ إلى هذا. ثم أمَرَ
أن يقرؤوا القرآنَ في قبره ؛ فقرؤوهُ حتى ختموه ، وهو في مِحَفَّةٍ على شَفِيرِ القبر ؛ ولما حضرَتْهُ الوفاةُ
احْتَبَّى بِمُلاءَةٍ وجلَسَ يُقاسي سكراتِ الموت ، فقال له بعضُ منْ حضَره : لو اضطجَعْتَ كان أهونَ عليك .
فضَحِكَ ضحكاً صحيحاً ثم قال : أما سمعتَ قولَ الشاعر :
وإنيَ من قومٍ كرامٍ يَزِيدُهُمْ شِمَاساً وصَبْراً شِدَّهُ الحَدَثانِ
وكانتْ وفاتُهُ ليلةَ السبت، وقيل: ليلةَ الأحد مستهلَّ جُمادَى الآخرة ، سنةَ ثلاثٍ وتسعين ومئة ، عن
خمسٍ - وقيل : سبعٍ - وأربعينَ سنةً ؛ وكان مُلْكُه ثلاثاً وعشرين سنةً . وهذه ترجمتُه ، هو :
(١) في (ق): ((بالكوفة))، وهو تصحيف، والمثبت من ( ب، ح) وتاريخ الطبري (١٤/٥)، وروي الخبر فيه
مطولاً .

٤٩٨
ترجمة هارون الرشيد
هارونُ الرَّشِيدُ(١)
أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبدِ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن
عباس بن عبد المطلب ، القرشيُّ الهاشميّ، أبو محمد ، ويقال: أبو جعفر . وأمُّهُ الخَيْزُران أمُّ وَلَد .
كان مَوْلِدُه في شوال سنةَ ستّ ، وقيل : سبع . وقيل : ثمانٍ وأربعين ومئة . وقيل : إنه وُلد سنةَ خمسين
ومئة ، وبُويع له بالخِلافة بعدَ موتِ أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنةَ سبعين ومئة ، بعهدٍ من أبيه
المهدي .
روى الحديثَ عن أبيهِ وجدِّه، وحدث عن المبارك بن فَضَالة ، عن الحسن ، عن أنس بن مالك ، أنَّ
رسولَ الله وَّه قال: ((اتَّقُوا النارَ ولو بشِقِّ تَمْرَة(٢). أوْرَدَهُ وهو على المِنْبَر وهو يخطُبُ الناس . وقد
حدث عنه ابنُهُ ، وسيلمانُ الهاشمي والدُ إسحاق ، ونُباتة بن عمرو .
وكان الرشيدُ أبيضَ طويلاً جميلاً ، وقد غزا الصائفةَ في حياةٍ أبيهِ المهدي مِراراً ، وعقَدَ الهُدْنَةَ بين
المسلمينَ والروم بعدَ محاصرته القُسْطَنْطِينيّة ؛ وقد لقي المسلمون من ذلك جهداً جَهيداً ، وخوفاً شديداً ،
وكان الصلحُ مع امرأةٍ ليون ، وهي الملقبة بأعطشة٣ُ) على حمل كثيرٍ تبذلُه للمسلمينَ في كلِّ عام ، ففرح
المسلمون بذلك ، وكان هذا الذي حدا أباه على البيعةِ له بعد أخيه في سنة ستٍّ وستين ومئة . ثم لما
أفضَتْ إليه الخلافةُ في سنةِ سبعين ومئة كان من أحسَنِ الناسِ سيرةً وأكثرِ همْ غزواً وحجّاً ؛ ولهذا قال فيه
أبو السعلي :
فبالحرمَيْنِ أو أَقَصَى النُّغُورِ
فمنْ يطلُبْ لقاءَك أو يُرِدْهُ
وفي أرضِ البَنِيَّةُ) فوقَ كُورٍ
ففي أرضِ العدو على طِمِرٌّ
من المُتَخْلِّفينَ على الأمورِ
وما حاز الثغورَ سواكَ خَلْقٌ
وكان يتصدَّقُ من صُلْبِ مالِهِ في كلِّ يومٍ بألفِ درهم . وإذا حجَّ أحَجَّ معه مئةً من الفقهاء وأبنائهم ،
وإذا لم يَحُجَّ أحَجَّ ثلاثَ مئةٍ بالنفَقَةِ السابعة ، والكسْوة التامَّة، كان يُحبُّ التشُّه بجَدِّهِ أبي جعفر
(١) ترجمته في تاريخ خليفة بن خياط (٤٦٠)، تاريخ الطبري (٦١٧/٤)، تاريخ بغداد (٣٣/١٤)،
و(١٤/٥)، مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٥/٢٧)، سير أعلام النبلاء (٢٨٦/٩)، مآثر الإنافة
للقلقشندي (١٩٢/١)، شذرات الذهب (٣٣٤/١)، تاريخ الخلفاء (٢٨٣).
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط)) من حديث أنس رقم (٣٦٤٤) وهو عند البخاري رقم (١٤١٧) ومسلم (١٠١٦)
من حديث عدي بن حاتم .
في ( ق ): بأغسطه ، والمثبت من ( ب، ح )، وانظر ما مضى ص ( ١٧٨) من نسخة ( ق ).
(٣)
(٤) في (ق): ((التَّرَقُّهِ))، وفي (ح): ((الثنية))، والمثبت من ( ب).

٤٩٩
ترجمة هارون الرشيد
المنصور ، إلَّ في العطاء ، فإنه كان سريعَ العطاءِ جَزِيلَه . وكان يُحبُّ الفقهاءَ والشعراء ، ويُعطيهم ، ولا
يَضِيعُ لدَيْهِ برِّ ومعروف . وكان نقشُ خاتمِهِ لا إله إلا الله. وكان يُصلِّ في كلِّ يومٍ مئةَ ركعةٍ تطوُّعاً إلى أنْ
فارق الدنيا ، إلَّ أنْ تَعْرِضَ له عِلَّة .
وكان ابنُ أبي مريم هو الذي يُضحكُه . وكان عنده فضيلةٌ بأخبارِ الحجازِ وغيرِها . وكان الرشيد قد
أنزلَهُ في قَصْره، وخلَطَهُ بأهله ؛ نَبَّههُ الرشيدُ يوماً إلى صلاة الصُّبح، فقام فتوضَّأ ثم أدرك الرشيدَ وهو
يقرأ: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَبِ﴾ [يس ٢٢]، فقال ابنُ أبي مريم: لا أدري والله. فضَحِك الرشيدُ
وقطع الصلاة ، ثم أقبل عليه وقال : ويحك ! اجتَنِبِ الصلاةَ والقرآن ، وقُلْ فيما عدا ذلك . ودخل يوماً
العباسُ بن محمد على الرشيد ومعه بَزْنِيَّةُ(١) من فِضَّة فيها غاليةٌ من أحسَنِ الطِّيب ؛ فجعل يمدَحُها ويزيدُ
في شكرها ، وسأل من الرشيد أنْ يقبلَها منه ، فقبِلَها ، فاستوهبها منه ابنُ أبي مريم ، فوهَبَها له ؛ فقال له
العباس : ويحك ! جئتُ بشيءٍ منعتُه نفسي وأهلي وآثرتُ به أمير المؤمنين سيدي فأخذتَه؟ فحلَفَ ابنُ أبي
مريمَ لَيُطَيَِّنَّ به استه ؛ ثم أخذ منه شيئاً فطلَى به استَه ودهَنَ جوارِحَهُ كلَّها والرشيدُ لا يتمالكُ نفسَهُ من
الضحك . ثم قال لخادِمٍ قائم عندَهم يُقال له خاقان : اطلب لي غلامي . فقال الرشيدُ : ادْعُ له غلامَه .
فقال له : خُذْ هذهِ الغاليةُ واذَهَبْ بها إلى ستِّكَ(٢) فَمُرْها فَلْتُطَيِّبْ منها استَها حتى أرجعَ إليها فأنيكها .
فذهب الضَّحِكُ بالرشيدِ كلَّ مذهب . ثم أقبل ابنُ أبي مريم على العباس بن محمد فقال له : جئتَ بهذه
الغالية تمدَحُها عندَ أميرِ المؤمنين الذي ما تُمطرُ السماءُ شيئاً ولا تُنبت الأرضُ شيئاً إلَّا وهو تحت تصرُّفِه
وفي يدِهِ ! وأعجَبُ من هذا أنْ لو قيل لِمَلَكِ الموت: مهما أمَرَك به هذا فأنفِذْه . وأنتَ تمدَحُ هذه الغاليةَ
عندَهُ كأنه بقَّالٌ أو خَّازٌ أو طبَّاخٌ أو تَمَّار! فكادَ الرشيدُ يَهْلِكُ من شدَّةِ الضَّحِك . ثم أمَرَ لابنِ أبي مريمَ بمئةٍ
ألفِ درهم .
وقد شرب الرشيدُ يوماً دواءً ، فسأله ابنُ أبي مريمَ أن يَلِيَ الحِجَابةَ في هذا اليوم ومهما حَصَلَ له كان
بينه وبين أمير المؤمنين . فولَاه الحِجَابة، فجاءتِ الرسُلُ بالهدايا من كلِّ جانبٍ ؛ من عندِ زُبِيدَةَ والبرامكةِ
وكبارِ الأمراء ؛ وكان حاصلُهُ في هذا اليوم ستين ألف دينار ، فسأله الرشيدُ في اليوم الثاني عمَّا تحصَّل ،
فأخبره بذلك ، فقال له : فأين نَصِيبي ؟ فقال ابنُ أبي مريم : قد صالَحْتُكَ عليه بعشرةِ آلافٍ تُفَّاحة .
وقد استدعَى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن خازم ليسمعَ منه الحديث ؛ قال أبو معاوية : ما ذكرتُ
عندَهُ حديثاً إلا قال: صلَّى الله وسلَّم على سيِّدي محمد . وإذا سمع حديثاً فيه موعظةٌ بكى حتى يبلَّ
(١) البَرْنِيَّة: إناءٌ من خزَف. القاموس المحيط (برن). وفي كتاب العين (٨/ ٢٧٠): شبه فخَّارةٍ ضَخْمةٍ خضراء ،
من القوارير الثخانِ الواسعةِ الأفواه .
(٢) في (ح): بنتك.

٥٠٠
ترجمة هارون الرشيد
الثَّرَى ؛ وأكلتُ عنده يوماً ثم قمتُ لأغسلَ يدي ، فصبَ الماء عليَّ وأنا لا أراه . ثم قال : يا أبا معاوية ،
أتدري منْ يصبُّ عليك الماء ؟ قلت : لا . قال : يصبُّ عليك أميرُ المؤمنين . قال أبو معاوية : فدعَوْتُ
له ، فقال : إنما أردتُ تعظيمَ العِلْم. وحذَّثه أبو معاويةً يوماً عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرةَ بحديثٍ احتجاجٍ آدَمَ وموسى ، فقال عمُّ الرشيد : أين التقَيَا يا أبا معاوية ؟ فغَضِب الرشيدُ من
ذلك غضباً شديداً وقال : أَتعترضُ على الحديث؟ عليَّ بالنِّطْعِ والسيف. فأُحضر ذلك، فقام الناسُ إليه
يشفعونَ فيه، فقال الرشيد: هذه زَنْدَقة. ثم أمَرَ بسَجْنِهِ ، وأقسم أنْ لا يَخرُجَ حتى يُخبرَني من ألقى إليه
هذا . فأقسم عنُّه بالأيمانِ المغلَّظةِ ما قال هذا له أحد ، وإنما كانتْ هذه الكلمة بادرةً منِّي، وأنا أستغفرُ
الله وأتوبُ إليه منها . فأطلقه .
وقال بعضُهم : دخلتُ على الرشيد وبين يديه رجلٌ مَضروبُ العُنق ، والسيَّافُ يمسَحُ سيفَهُ في قَفَا
الرجل المقتول ؛ فقال الرشيد: قتلتُهُ لأنه قال القرآنُ مخلوق . فقتلَه على ذلك قُربةً إلى الله عزَّ وجلَّ .
وقال بعضُ أهلِ العلم : يا أميرَ المؤمنين ، انظُرْ هؤلاء الذين يُحتُّون أبا بكرٍ وعمر ويقدِّمونَهما ،
فأكرِمْهُم بعزِّ سُلطانك . فقال الرشيد : أو لستُ كذلك؟ أنا والله كذلك. أُحبُّهما وأُحبُّ مَنْ يُحِبُّهما ،
وأُعاقبُ مَنْ يُبِغِضُهما .
وقال له ابنُ السمّاك : يا أميرَ المؤمنين، إنَّ الله لم يجعلْ أحداً من هؤلاءِ فوقَك، فينبغيُ(١) أن
لا يكونَ فيهم أحدٌ أطوَعَ إلى الله منك . فقال: لئن كنتَ أقصرتَ في الكلام لقد أبلَغْتَ في الموعظة .
وقال له الفضيل بن عياض - أو غيره - : إن الله لم يجعَلْ أحداً من هؤلاء فوقَك في الدُّنيا ، فأجهِدْ
نفسَك أنْ لا يكونَ أحدٌ منهم فوقَك في الآخرة ؛ فاكدَحْ لنفسِك ، وأعمِلْها في طاعةِ ربِّك .
ودخل عليه ابنُ السمَّاك يوماً فاستسقى الرشيدُ ، فأُتي بِقُلَّةٍ فيها ماءٌ مُبَرَّد ، فقال لابنِ السمَّاك :
عِْني . فقال : يا أمير المؤمنين، بِكَم كنتَ مشترياً هذه الشَّرْبَةَ لو مُنعتَها ؟ فقال : بنِصْفِ مُلْكي . فقال:
اشرَبْ هنيئاً. فلما شرب قال : أرأيتَ لو مُنعتَ خُروجَها من بدَنِك ، بكَمْ كنتَ تشتري ذلك ؟ قال :
بنصف مُلْكي الآخَر . فقال: إنَّ مُلْكأ قيمةُ نصفِهِ شَرْبةُ ماء، وقيمةُ نصفِهِ الآخَرِ بَوْلة، لخَليقٌ أنْ لا يُتَنَافسَ
فيه . فبكى هارون .
وقال ابنُ قُتيبة : حدّثنا الرَّيَاشي، سمعتُ الأصمعيَّ يقول: دخلتُ على الرشيد وهو يُقَلِّمُ أظفارَهُ يومَ
الجمعة ، فقلتُ له في ذلك ، فقال: أخْذُ الأظفارِ يومَ الخميسِ من السُّنَّة، وبلَغَني أنَّ أخْذَها يوم الجمعةِ
يَنْفي الفقر . فقلت : يا أميرَ المؤمنين، أوَ تَخْشَى الفقر؟ فقال: يا أصمعيّ، وهل أحدٌ أخْشَى للفقرِ
منِّي ؟.
(١) في (ق): ((فاجتهدْ))، والمثبت من ( ب، ح).