Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
أحداث سنة ١٨٠ هـ
وقال الشافعي : إذا جاء الحديث فمالك النجم . وقال : من أراد الحديث فهو عيالٌ على مالك(١).
ومناقبُه كثيرةٌ جدّاً، وثناءُ الأئمة عليه أكثرُ من أن يُحصَر في هذا المكان .
قال أبو مُصعَب : سمعتُ مالكاً يقول : ما أفتَيْتُ حتى شهد لي سبعونَ أنَّي أهلٌ لذلك(٢).
وكان إذا أراد أنْ يُحدِّثَ تنظّفَ وتطيّب، وسرَّح لِحيته ، ولبس أحسنَ ثيابه . وكان يلبسُ حسناً .
وكان نقشُ خاتِمِه حسبي الله ونعم الوكيل . وكان إذا دخل مَنْزِله قال : ما شاء الله لا قوَّةً إلا بالله . وكان
مَنْزِلُهُ مبسوطاً بأنواعِ المفارش . ومن وقتِ خروجٍ محمد بن عبدِ الله بن حسن لَزِمَ مالكٌ بيتَه ، فلم يكنْ
يأتي أحداً ، لا لِعَزاء ولا لهناء ، حتى قيل : ولا يخرجُ لِجُمعة ولا لِجماعة، ويقول: ما كلُّ ما يُعلم
يُقال، وليس كلُّ أحدٍ يقدِرُ على الاعتذار . ولمّا احتُضر قال: أشهدُ شهادةَ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً
رسولُ الله. ثم جعل يقول: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ﴾ [الروم: ٤] . ثم قُبض في ليلةِ أربعَ عشرة
من صفر ، وقيل : من ربيع الأول من هذه السنة ، وله خمسٌ وثمانونَ سنة .
قال الواقدي : بلغ تسعين سنة(٣) ، ودُفن بالبَقِيع .
وقد رَوَى الترمذيُّ(٤) عن سفيان بن عُيَيْنة، عن ابنِ جُرِيج ، عن أبي الزُّبير ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرة، روايةٌ (( يوشك أنْ يضربَ الناسُ أكبادَ الإبل يطلُبون العِلْم، فلا يجدون أحداً أعلمَ من عالِم
المدينة )(٥) . ثم قال : هذا حديث حَسن ، وهو حديثُ ابنِ عُيينة ، وقد رُوي عن ابنِ عُيينة أنه قال : [ في
هذا سُئل منْ عالِمُ المدينة؟ فقال] : هو مالك بن أنس ، وكذا قال عبدُ الرزاق ، وابن عيينة روايةً أنه
عبدُ العزيز بن عبدِ الله العُمَري [ من وَلِدِ عمر بن الخطاب ] .
وقد تَرجَمَهُ ابنُ خَلِّكان في الوَفَيَات فأطنَبَ وأتَى بفوائدَ جَمَّة(٦).
ثم دخلت سنة ثمانين ومئة
فيها هاجَتِ الفتنةُ بالشام بين النِّزَارِيَّة واليمَنِيَّة ، فانزَعَج الرشيدُ لذلك، فندب جعفر البَرْمَكيَّ إلى
الشام ، في جماعةٍ من الأمراءِ والجنود ، فدخل الشام ، فانقادَ الناسُ له ، ولد يدَعْ جعفرٌ بالشام فرساً ولا
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١٤/١، و٢٠٥/٨).
(٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣١٦/٦)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (٢/ ١٧٧).
(٣) في (ق): ((سبعين سنة))، والمثبت من (ب، ح ).
(٤) في السنن (٤٧/٥) (٢٦٨٠) كتاب العلم: باب ما جاء في عالم المدينة، وإسناده ضعيف. وما يأتي بين معقوفين مستدرك منه.
(٥) وأخرجه أحمد في مسنده (٢٩٩/٢) عن أبي هريرة مرفوعاً، وإسناده ضعيف .
(٦) انظر الصفحة الماضية في مصادر ترجمته .

٤٤٢
وفيات سنة ١٨٠ هـ
سيفاً ولا رمحاً إلا استلَبَهُ من الناس، وأطفأ الله به نارَ تلك الفتنة. وفي ذلك يقول بعضُ الشعراء (١) :
فهذا أوانُ الشام تُخْمَدُ نارُها
لقد أُوقِدَت بالشامِ نيرانٌ فِتْنَةٍ
عليها خَبَتْ شُهبانُها وشَرارُهَا
إذا جاشَ مَوْجُ البحرِ من آلِ بَرْمَكِ
وفيه تَلاقَى صَدْعُها وانكسارُها
رماها أميرُ المؤمنين بجعفرٍ
تَرَاضَى به قحطانُها ونِزازُها
رماها بميمون النَّقِيبَةِ ماجدٍ
ثم كرَّ جعفرٌ راجعاً إلى بغداد بعدما استخلف على الشام عيسى العَكِّيّ . ولما قَدِمَ على الرشيد أكرمَهُ
وقرَّبه وأدناه ، وشرع جعفر يذكر كثرةَ وحشتِه له في الشام ويَحمدُ الله الذي منَّ عليه برجوعه إلى أمير
المؤمنينَ ورؤيته وجهَه .
وفيها ولَّى الرشيدُ جعفراً خراسانَ وسِجِسْتان ، فاستعمل على ذلك محمد بن الحسن بن فَحْطَبة ، ثم
عزلَ جعفراً عن خُراسان بعدَ عشرينَ ليلةً .
وفيها هَدَم الرشيدُ سُورَ الْمَوْصِل بسببِ كثرةِ الخوارج ، وجعل الرشيدُ جعفراً على الحرس ، ونزل
الرشيدُ الرَّقَّةَ واستوطنها ، واستنابَ على بغدادَ ابنَهُ الأمينَ محمداً ، وولَّاهُ العراقَيْن، وعزل هَرْثَمَةَ عن
إِفْرِيقِيَّة ، واستدعاهُ إلى بغداد ، فاستنابَهُ جعفرٌ على الحرس .
وفيها كانتْ بمصرَ زَلْزلةٌ شديدة ، سقط منها رأسُ منارةِ الإسكندريَّة .
وفيها خرج بالجزيرة خُرَاشةُ الشيباني ، فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العُقَيلي .
وفيها ظهرت طائفةٌ بِجُزْجان يقالُ لها المُحَمِّرة ، لَبسوا الحُمْرة ، واتبعوا رجلاً يُقالُ له عمر بن محد
العمركي ، وكان يُنسب إلى الزَّنْدَقة، فبعث الرشيدُ يأمرُ بقتلِهِ ، فقتل ؛ وأطفأ الله نارَهم في ذلك الوقت .
وفيها غزا الصائفة زُفَرُ بنُ عاصم ، وحَّ بالناس موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن
عبدِ الله بن عباس .
وفيها کانت وفاةُ جماعةٍ من الأعيان :
إسماعيل بن جعفر بن أبي كَثِير الأنصاري (٢) : قارىءُ أهلِ المدينة ، ومؤدِّبُ علي بن المهدي
(١) وهو منصور النمري، والأبيات من قصيدة في ديوانه (٢٣) بيتاً سيذكر المؤلف منها (٩) أبيات في ص (٤٦٩).
(٢) ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٣٤٩/١)، الجرح والتعديل (١٦٢/٢)، مشاهير علماء الأمصار
(١٤١)، الثقات لابن حبان (٤٤/٦)، رجال صحيح البخاري (٦٦/١)، رجال مسلم (٥٨/١)، تاريخ
بغداد (٢١٨/٦)، تهذيب الكمال (٥٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٢٢٨/٨)، المقتنى في سرد الكُنى للذهبي
(٥٨/١)، تهذيب التهذيب (٢٥١/١)، تقريب التهذيب (١٠٦)، طبقات الحفاظ (١١٢).

٤٤٣
وفيات سنة ١٨٠ هـ
ببغداد . وقد مات علي بن المهدي في هذه السنة أيضاً ، وقد ولي إمارةَ الحج غيرَ مرَّة ، وكان أسنَّ من
الرشيد بشهور .
حسَّان بن سِنَانُ(١) بن أبي أوفى بن عَوْف التَّنُوخي الأنباري : وُلد سنةَ ستين ، ورأى أنسَ بن مالك ،
ودَعَا له ، فجاء منْ نسلِهِ قُضاة ووزراء وصُلحاء ، وأدرك الدولَتيْن الأمويَّةِ والعبّاسيَّة ، وكان نصرانيّاً ،
فأسلمَ وحَسُنَ إسلامُه ؛ وكان يكتُب بالعربية والفارسية والشُّرْيانيَّة ، وكان يُعَرِّبُ الكُتبَ بين يدَيْ رَبيعةَ لَمَّا
ولَّهُ السَّفاحُ الأنبار .
وفيها تُوِّي :
عبدُ الوارث بن سعيد التَّثُّوري (٢) : أحدُ الثقات .
وعافية بن يزيد(٣) بن قيس القاضي للمهدي على جانب بغداد الشرقي ، هو وابن علاثة ، وكانا
يحكمانِ بجامعِ الرُّصَافة . وكان عافيةُ عابداً زاهداً وَرعاً . دخل يوماً على المهدي في وقتِ الظَّهِيرة فقال :
يا أميرَ المؤمنين ، أعفِني . فقال له المهدي : ولِمَ أعفيك ؟ هل اعترَضَ عليك أحدٌ من الأمراء ؟ فقال
له : لا ، ولكنْ كان بينَ اثنينِ خُصومةٌ عندي، فعَمَد أحدُهما إلى رُطَبِ السُّكَّر، وكأنَّه سمع أنِّي أُحُّه،
فأهدى إليَّ منه طبقاً لا يصلُحُ إلَّ لأميرِ المؤمنين، فردَدْتُهُ عليه، فلما أصبحنا وجلَسْنا إلى الحُكومة لم
يستويا عِنْدِي في قلبي ، ولا نَظَري ، بل مالَ قلبي إلى المُهْدي منهما هذا ، مع أني لم أقْبَلْ منه ما أهداه ،
فكيف لو قَبِلْتُ منه ؟ فأعفِني عفا الله عنك . فأعفاه .
وقال الأصمعي : كنتُ عند الرشيد يوماً ، وعنده عافيةُ وقد أحضرَه ؛ لأنَّ قوماً استعدَوْا عليه إلى
الرشيد، فجعل الرشيدُ يُوقِفُه على ما قيل عنه، وهو يُجيب عمّا يسألُه؛ وطال المجلس ، فعَطَس الخليفةُ
(١) في ( ق): ((حسان بن أبي سنان)) وهو تحريف ، والمثبت من ( ب، ح )، ومصادر ترجمته في تاريخ بغداد
(٢٥٨/٨)، وفيات الأعيان (١٩٤/٢)، المنتظم (٤٩/٩)، طبقات الحنفية (١٨٥/١). أما حسان بن
أبي سنان فذاك من تابعي البصرةِ وعُبّادِها، وترجمته في التاريخ الكبير (٣٥/٣)، الجرح والتعديل (٢٣٦/٣)،
تهذيب الكمال (٢٦/٦)، تقريب التهذيب (١٥٨)، الكاشف (٣٢٠/١)، الإصابة (٢١٠/٢).
(٢) في ( ق): البيروتي، وهو تصحيف ، والمثبت من (ب، ح) ومصادر ترجمته وهي: التاريخ الكبير
(١١٨/٦)، التاريخ الصغير (٢٢١/٢)، الكنى والأسماء لمسلم (١/ ٥٩٠)، معرفة الثقات للعجلي
(١٠٧/٢)، الجرح والتعديل (٧٥/٦)، مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر (٤٠٧/١)، الثقات (٧/ ١٤٠)،
مشاهير علماء الأمصار (١٦٠)، تهذيب الكمال (٤٧٨/١٨)، المقتنى في سرد الكنى للذهبي (٣٨٢/١)،
تذكرة الحفاظ (١/ ٢٥٧)، طبقات المحدثين ( ٦٧)، توضيح المشتبه (٢/ ٧٣).
(٣) ترجمته في تاريخ بغداد (٣٠٧/١٢)، الفهرست (٤٣٨)، تهذيب الكمال (٥/١٤)، ميزان الاعتدال
(١٥/٤)، لسان الميزان (٢٥٤/٧)، تهذيب التهذيب (٥/ ٥٣).

٤٤٤
وفيات سنة ١٨٠ هـ
فشَمَّتَهُ الناسُ ولم يُشَمَّتْهُ عافية ، فقال له الرشيد : لِمَ لم تشمِّتْني مع الناس ؟ فقال: لأنَّك لم تحمَدِ الله .
واحتجَّ بالحديثِ في ذلك ، فقال له الرشيد : ارجِعْ لعَملك ، فوالله ما كنتَ لِتَفعَل ما قيلَ عنك وأنتَ لم
تسامِخْني في عَطْسَةٍ لم أحمدِ الله فيها . ثم ردَّهُ ردّاً جميلاً إلى ولايته .
فيها توفي :
سِيبَوَيْه (١) : إمامُ النُّحَاة ، واسمه عمرو بن عثمان بن قَتْبَر ، أبو بشر ، المعروف بسيبويه ، مولى بني
الحارث بن كعب ، وقيل : آل مولى الربيع بن زياد . وإنما سُمِّي لأنَّ أمَّه كانتْ تُرَقِّصُهُ وتقولُ له ذلك ،
ومعنى سيبويه : رائحةُ التَفَّاحِ . وقد كان في ابتداءِ أمرِهِ يصحَبُ أهلَ الحديثِ والفقهاء ، وكان يستملي
على حَمّاد بن سَلَمة، فَلَحَنَ يوماً، فَرَدَّ عليه قولَه، فأنِفَ من ذلك، فَلَزِمَ الخليلَ بنَ أحمد ، فَبَرَع في
النحو ، ودخل بغدادَ وناظر الكِسَائي . وكان سيبويه شاباً حسناً جميلاً نظيفاً، وقد تعلَّق من كلِّ علمٍ
بسبَب ، وضرَبَ مع كلِّ أهلِ أَدَبٍ بسَهْم، مع حداثةِ سِنه ؛ وقد صَنَّفَ في النحو كتاباً لا يُلْحَقُ شأوُه ،
وشرَحَهُ أئمةُ النحاةِ بعدَهُ فانغمروا في لُجَجِ بَحْرِه، واستخرجوا من دُرَره، ولم يبلغوا إلى قعره . وقد زعَمَ
ثعلبٌ أنه لم ينفرد بتصنيفِه ، بل ساعده جماعةٌ في تصنيفهِ نحواً من أربعينَ نفساً ، هو أحدُهم ؛ وهو أُصولُ
الخليل، فادَّعاهُ سيبويه إلى نفسِه . وقد استبعد ذلك السِّيرافي في كتابِ ((طبقاتِ النحاة )) . قال : وقد
أخذ سيبويهِ اللغاتِ عن أبي الخطّاب، والأخْفَش وغيرِهما ، وكان سيبويه يقول : سعيد بن أبي العَرُوبة ،
والعَرُوبة يومُ الجمعة ، وكان يقول : من قال عروبة فقد أخطأ . فذكر ذلك ليونس فقال: أصابَ للهِدِرُّه .
وقد ارتحلَ إلى خُراسان ليحظَى عند طلحة بن طاهر ، فإنه كان يُحبُّ النَّحْوَ فمرض هناك مرضه الذي
تُوفي فيه ، فتَمثَّلَ عندَ الموت :
فمات المؤمِّلُ قبلَ الأمَلْ
يؤمِّلُ دنيا لِتَبْقَى لَهُ
فعاشَ الفَسيلُ ومات الرَّجُلُ (٢)
حَشيئاً يُرَوِّي أُصولَ الغسيلِ
ويُقال إنه لمَّا احتُضر وضع رأسَهُ في حِجْرِ أخيه ، فدمعت عينُ أخيه ، فاستفاق ، فرآه يبكي ، فقال :
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (١٩٥/١٢)، الإكمال لابن ماكولا (٤١٩/٤، ٤٢٠)، الفهرست (٧٦)، المنتظم
(٥٣/٩)، وفيات الأعيان (٤٦٣/٣)، سير أعلام النبلاء (٣٥١/٨)، البلغة (١٦٣)، نزهة الألباب في
الألقاب (٣٨٢)، طبقات الحنفية ( ٣٧٣).
(٢) كذا البيتان في (ب، ح) وحلية الأولياء (٣٨٣/٢)، والمنتظم (٥٥/٩)، وصفة الصفوة (٥٥/٤، ٥٦)،
وجاء في رواية الحلية بسند أبي نعيم إلى عبيد الله قال : مرَّ مالك بن دينار على رجلٍ يَغْرِسُ فسيلاً ، فغَبَرَ عنه يسيراً ،
ثم مرَّ بالفَسيل وقد أطعمَ ، فسأل عن الذي غرَسَه ، فقالوا : مات . ثم أنشأ يقول .. فذكر البيتين . ورواية صدر
الثاني منهما : (( يُرِّي فسيلاً ويعنى به )).

٤٤٥
أحداث سنة ١٨١ هـ
وكنّا جميعاً فَرَّقَ الذَّهْرُ بيننا إلى الأمَدِ الأقصَى فمَنْ يأمنُ الدَّهْرا
قال الخطيب البغدادي(١): يُقال إنه توفي وعمرُهُ ثنتانٍ وثلاثونَ سنةً .
وفیھا تُوفّیتْ
عُفَيْرةُ العابدةُ(٢) : كانتْ طويلةَ الحُزن ، كثيرةَ البُكاء ، قَدِمَ قريبٌ لها من سفر ، فجعلَتْ تبكي ،
فقيل لها : ليس هذا وقت بكاء . فقال : لقد ذكَّرَني قُدومُ هذا الفتى يومَ القُدوم على الله ، فمَسْرورٌ
ومَثُور .
وفيها مات :
مسلم بنُ خالد الزَّنْجي(٣) : شيخ الشافعي ، كان من أهلِ مكة ، ولقد تكلَّموا فيه لسوءٍ حفظِه .
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئة
فيها غزا الرشيدُ بلادَ الرُّوم ، فافتتح حِصناً يُقال له الصَّفْصاف ، فقال في ذلك مروانُ بنُ أبي حَفْصَة :
إنَّ أميرَ المؤمنينَ الْمُنْصِفَا قد تركَ الصَّفْصَافَ قاعاً صَفْصَفا
وفيها غزا عبدُ الملك بن صالح بلادَ الرُّومِ أنْقَرَة ، وافتتح مَطْمُورَةً(٤) .
وفيها تغلَّبَتِ الْمُحَمِّرَة على جُرْجَان .
وفيها أمَرَ الرشيدُ أنْ يُكتبَ في صدورِ الرسائل الصلاةُ على رسولِ الله ◌ِّهِ بعد الثناءِ على الله عزَّ وجلَّ .
وفيها حجَّ بالناسِ الرشيد، وتعجَّل بالنَّفْر . وسأله يحيى بنُ خالد أنْ يُعْفِيَه من الولاية ، فأعفاه .
وأقام يحيى بمكة .
(١) في تاريخ بغداد (١٩٨/١٢).
(٢) ترجمته في صفة الصفوة (٣٣/٤)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير الجزري (٢٧٣/٥)، طبقات
الشعراني (٦٧/١)، الكواكب الدرية (٣٩٢/١). ولها ذكر في حلية الأولياء (٢١٨/٦، و٢٢١).
(٣) ترجمته في التاريخ الكبير (٢٦٠/٧)، التاريخ الصغير (٢٦٣/٢)، تسمية فقهاء الأمصار للنسائي ( ١٢٧)،
الجرح والتعديل (١٨٣/٨)، مشاهير علماء الأمصار (١٤٩)، الثقات (٤٤٨/٧)، في المقتنى في سرد الكنى
للذهبي (٢١١/١)، تذكرة الحفاظ (٢٥٥/١)، سير أعلام النبلاء (١٧٦/٨)، طبقات الحفاظ (١١٥).
(٤) ((مَطْمُورة)): بلد في ثغور بلاد الرُّوم بناحية طَرَسُوس. ذكرها ياقوت في معجم البلدان (١٥١/٥).

٤٤٦
وفيات سنة ١٨١ هـ
وفيها توفي :
الحسنُ بن قَحْطَبَةُ(١) : أحَدُ أكابر الأمراء العباسيَّة .
وحمزة بن مالك ، وَلِيَ امْرَةَ خراسان في أيام الرشيد .
وخلف بن خليفة ، شيخُ الحسن بن عرَفَة ، عن مئةِ سنة .
وعبد الله بن المبارك(٢) أبو عبد الرحمن المَرْوزيّ ، كان أبوهُ تركيّاً ، مَوْلَّى لرجلٍ من التجّار ، من بني
حَنْظَلَة من أهلِ هَمَذان ، وكان ابنُ المبارك إذا قَدِمَهَا أحسنَ إلى ولَدِ مولاهم. وكانتْ أمُّه خُوَارِزْميَّة . وُلد
لثمان عشرةَ ومئة .
وسمع إسماعيلَ بن أبي خالد. والأعمش ، وهشام بن عروة ، وحُميد الطويل ، وغيرهم من أثمَّةِ
التابعين . وحدَّث عنه خلائقُ من الناس ، وكان موصوفاً بالحفظ ، والفقه ، والعربية ، والزُّهْد ، والكرم
والشجاعة ، والشعر . له التصانيفُ الحِسَان، والشعرُ الحسَن، المتضمِّنُ حِكَماً جَمَّة. وكان كثيرَ الغزوِ
والحجّ ، وكان له رأسُ مالٍ نحو أربعمئة ألف ، يدور يتَّجرُ به في البلدان فحيثُ اجتمع بعالمٍ أحسَنَ إليه .
وكان يَرْبو كَسْبُه في كلِّ سنةٍ على مئةِ ألف ، يُنفقُها كلَّها في أهلِ العبادةِ والزُّهدِ والعِلْم . وربما أنفقَ من
رأسِ مالِه .
قال سفيان بن عيينة: نظَرْتُ في أمرِهِ وأمرِ الصحابة ، فما رأيتُهم يَفْضُلون عليه إلَّا في صُحْيَتِهم
رسولَ الله لَّه.
وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجهِ الأرض مثلُه، وما أعلمُ خَصْلَةً من الخَير إلَّ وقد جعلها الله
في ابن المبارك ؛ ولقد حدثني أصحابي أنَّهم صحبُوهُ من مصرَ إلى مكة ، فكان يُطعِمُهم الخَبيصَ وهو
الدهرَ صائم . وقدِمَ مرَّةَ الرَّقَّة وبها هارونُ الرشيد ، فلما دخلها احتفَلَ الناسُ به ، وازدحم الناسُ حَولُهُ ،
فأشرفَت أمُ ولَدٍ للرشيد من قصرٍ هناك ، فقالت : ما للناس ؟ فقيل لها : قَدِمَ رجلٌ من علماءِ خُراسان ،
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (٧/ ٤٠٣)، المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٥٨).
(٢) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٧٢/٧)، طبقات خليفة (٣٢٣)، المعارف (٥١١)، التاريخ الكبير
(٢١٢/٥)، الجرح والتعديل (١٧٩/٥)، الثقات لابن حبان (٧/٧) المدارك (٣٠٠/١)، أنساب السمعاني
(٢٥١/٤) تاريخ مدينة دمشق ( ٣٠١/٨٣)، صفة الصفوة (١٣٤/٤)، جامع الأصول لابن الأثير
(٢٨٦/١٤)، المختار من مناقب الأخيار له (٤٧٢/٣)، تهذيب الأسماء واللغات (٢٨٥/١)، وفيات الأعيان
(٣٢/٣)، مختصر تاريخ دمشق (١٣/١٤)، تهذيب الكمال (٥/١٦)، سير أعلام النبلاء (٣٣٦/٨)، تذكرة
الحفاظ (٢٧٤/١)، العبر (٢٨٠/١)، الوافي بالوفيات (١٧/ت ٣٥٩)، مرآة الجنان (٣٧٨/١)، غاية
النهاية (٤٤٦/١)، تهذيب التهذيب (٣٨٢/٥)، النجوم الزاهرة (١٠٣/٢)، طبقات الشعراني (٥٩/١)،
الكواكب الدرية (١٣١/١)، شذرات الذهب (٢٩٥/١).

٤٤٧
وفيات سنة ١٨١ هـ
يقال له عبد الله بن المبارك ، فانجفَلَ الناسُ إليه . فقالت المرأة : هذا هو المُلك، لا مُلْكُ هارونَ الرشيد
الذي يجمعُ الناسَ عليه بالسَّوْطِ والعصا ، والرَّغْبة والرَّهْبة .
وخرج مرَّةً إلى الحجّ ، فاجتاز ببعضِ البلاد ، فمات طائرٌ معهم، فأمَرَ بإلقائِهِ على مَزْبلةٍ هناك،
وسارَ أصحابُه أمامَه ، وتخلَّفَ هو وراءهم ، فلما مرَّ بالمزبلة إذا جاريةٌ قد خرجَتْ من دارٍ قريبةٍ منها ،
فأخذَتْ ذلك الطائرَ الميت، ثم لقَّتْه، ثم أسرَعَتْ به إلى الدَّار، فجاء فسألَها عن أمرِها ، وأخْذِها
الميتة ، فقالت : أنا وأخي هنا ليس لنا شيءٌ إلَّ هذا الإزار، وليس لنا قُوتُ إلَّ ما يُلْقى على هذه المزبلة،
وقد حلَّتْ لنا الميتةُ منذُ أيَّام ، وكان أبونا له مالٌ، فظُلمَ وأُخذ مالُه وقُتل . فأمَرَ ابنُ المبارَكِ بِرَدِّ الأحمال ،
وقال لِوَكيلِه : كم معك من النفَقَة ؟ قال : ألفُ دينار . فقال: عُذَّ منها عشرينَ ديناراً تَكْفينا إلى مَرْو ،
وأعْطِها الباقي ، فهذا أفضلُ من حَجِّنا في هذا العام . ثم رجع . وكان إذا عزم على الحج يقولُ لأصحابه :
مِنْ عزَمَ منكم في هذا العام على الحجِّ فَلْيأتني بنفقتِهِ حتى أكونَ أنا أُنفقُ عليه . فكان يأخذُ منهم نفقاتِهم ،
ويكتُبُ على كلِّ صُرَّةٍ اسمَ صاحبِها ، ويجمَعها في صندوق ، ثم يخرجُ بهم في أوسَعِ ما يكونُ من النفقاتِ
والرُّكوب ، وحُسن الخُلق والتيسير عليهم ؛ فإذا قضَوْا حجَّتَهم فيقول لهم : هل أوصاكم أهلوكُم بِهَديَّة ؟
فيشتري لكلِّ واحدٍ منهم ما وضَّاه أهلُه من الهدايا المكيّة واليمنيّة وغيرها ، فإذا جاؤوا إلى المدينة اشترى
لهم منها الهدايا المدنية ، فإذا رجعوا إلى بلادِهم بعث من أثناءِ الطريقِ إلى بيوتهم ، فأُصلحت وبُيَّضَتْ
أبوابُها ، ورُمِّمَ شعتُها ، فإذا وصلوا إلى البلد عَمِلَ وليمةً بعدَ قدومِهم ، ودعاهم فأكلوا ، وكساهم ، ثم
دعا بذلك الصندوق ، ففتحَهُ وأخرجَ منه تلك الصُّرَر ، ثم يُقسمُ عليهم أنْ يأخذَ كلٌّ واحدٍ نفقتَه التي عليها
اسمُه ، فيأخذونها وينصرفونَ إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناءِ الجميل . وكانت سُفْرَتُهُ تُحملُ
على بعيرٍ وحدَها ، وفيها من أنواع المأكول من اللَّحم والدجاج والحَلْوى وغيرِ ذلك ؛ ثم يُطعِمُ الناسَ وهو
الدهرَ صائمٌ في الحَرِّ الشديد. وسألَهُ مرَّةً سائلٌ فأعطَاه درهماً، فقال له بعضُ أصحابه : إنَّ هؤلاء يأكلون
الشِّوَاءَ والفالوذَجَ ، وقد كان يكفيهِ قطعة . فقال: والله ما ظنَنْتُ أنه يأكلُ إلا البَقْلَ والخبز ، فأمَّا إذا كان
يأكلُ الفالوذَجَ والشواء فإِنَّهُ لا يكفيهِ دِرْهم. ثم أمَرَ بعضَ غلمانِهِ فقال: رُدَّهُ وادفَعْ إليهِ عشرةَ دراهم .
وفضائله ومناقبه ومآثرةٌ كثيرةٌ جدّاً .
قال أبو عمر بنُ عبدِ البَرّ : أجمع العلماءُ على قَبُولِهِ ، وجلالِتِه وإمامَتِه وعَدْلِه . توفي عبد الله بن
المبارك بِهِيت (١) في هذه السنة ، في رمضانِها ، عن ثلاثٍ وستِّين سنة .
(١) ((هيت)): بكسر أوله وبالتاء المعجمة باثنتين من فوقها؛ مدينةٌ مذكورةٌ في تحديد العراق، وهي على شاطىء
الفرات عامرة معروفة إلى اليوم وقبر ابن المبارك ظاهر فيها يزار .

٤٤٨
أحداث سنة ١٨٢ هـ
ومُفَضَّل بن فَضَالَةُ(١): وَلَيَ قضاءَ مصر مرتَيْن، وكان دَيِّناً ثقةً، فسألَ الله أنْ يُذهِبَ عنه الأمَل،
فأذهبَهُ ، فكان بعدَ ذلك لا يُهنئُّهُ العيش، ولا شيءٌ من الدنيا ؛ فسأل الله أنْ يردّهُ عليه فرَدَّه، فَرَجَعَ إلى
حالِه .
ويعقوب التائب : العابدُ الكوفي . قال علي بن الموفق عن منصور بن عمَّار : خرجتُ ذاتَ ليلةٍ وأنا
أظنُّ أنَّي قد أصبحت ، فإذا عليَّ ليل ، فجلستُ إلى بابٍ صغير ، وإذا شابٌّ يبكي وهو يقول : وِزَّتِكَ
وجلالِك ، ما أردتُ بِمَعصيتِكَ مخالفتَك ، ولكنْ سَوَّلَتْ لي نفسي، وغلبَتْني شِقْوَتي، وغرَّني سِتْرُك
المُرْخَى علي فالآن من عذابك مَنْ يستنقذُني ؟ وبحبل منْ أَتَّصِلُ إنْ أنْت قطعتَ حبلَكَ عني؟ واسَوْأتاهُ على
ما مضى من أيامي في معصيةِ ربي ، يا وَيْلي ! كم أتوبُ ؟! وكم أعود ؟! قد حان لي أنْ أستحيَ من ربِّي
عزَّ وجلَّ . قال منصور : فقلتُ أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قُوَأْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَبِّكَهُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال: فسمعتُ صوتاً واضطراباً شديداً، فذهبتُ لِحاجتي، فلما رجعتُ مررتُ
بذلك الباب ، فإذا جنازةٌ موضوعة ، فسألتُ عنه ، فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية .
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومئة
فيها أخذ الرشيدُ لولدِهِ عبدِ الله المأمون ولايةَ العَهْدِ من بعدِ أخيه محمد الأمين بن زُبيدة ، وذلك
بالَّقَّة ، بعد مَرْجِعِهِ من الحجّ ، وضمَّ ابنَهُ المأمونَ إلى جعفر بن يحيى البَرْمكي، وبعثَهُ إلى بغداد ، ومعه
جماعةٌ من أهلِ الرَّشيد ، خدمةً له ، وولَّهُ خراسانَ وما يتَّصِلُ بها ، وسماه المأمون .
وفيها رجع يحيى بنُ خالد البرمكي من مُجاورَتِهِ بمكةً إلى بغداد .
وفيها غزا الصائفةً عبدُ الرحمن بن عبد الملك بن صالح ، فبلغ مدينةَ أصحاب الكهف .
وفيها سَمَلتِ الرومُ عَيْنِي ملكِهم قُسْطَنْطين بن أليون، وملَّكوا عليهم أمَّه رينى، وتُلقَّبُ أعطشة (٢).
وحجّ بالناس موسى بن عيسى بن العباس .
(١) التاريخ الكبير (٤٠٥/٧)، التاريخ الصغير (٢٢٧/٢)، الجرح والتعديل (٣١٧/٨)، الثقات لابن حبان
(٤٩٦/٧)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٤٠٩/٦)، من تكلم فيه للذهبي (١٨٠)، ميزان الاعتدال
( ٦ / ٥٠١ ) .
(٢) في (ق) وتاريخ الطبري: ((أغسطة))، والمثبت من ( ب، ح ) والكامل لابن الأثير.

٤٤٩
وفيات سنة ١٨٢ هـ
وفيها تُوفي من الأعيان :
إسماعيل بن عياش الحمصي(١) : أحد المشاهير من أئمة الشاميِّين ، وفيه كلام .
ومروان بن أبي حَفْصَة٢ُ) : الشاعر المشهور المشكور، كان يمدحُ الخلفاءَ والبرامكةَ ومعنَ بن
زائدة(٣) وكان يحصلُ له من الأموال شيءٌ كثيرٌ جدّاً، وكان مع ذلك من أبْخَلِ الناس ، لا يكادُ يأكلُ اللحمَ
من بُخلِه ، ولا يُشعلُ في بيتهِ سراجاً ، ولا يلبسُ من الثياب إلا الكِرْباسَ(٤) والفَرْوَ الغليظ . وكان رفيقَهُ
سَلْمٌ الخاسِر ، إذا ركب إلى دارِ الخلافة يأتي على بِرْذَوْن، وعليه حُلَّةٌ تُساوي ألفَ دينار ، والطِّيبُ ينفعُ
من ثيابه ، ويأتي هو في شَرِّ حِيبَة (٥) وأسوئِها .
وخرج يوماً إلى المهدي ، فقالتِ امرأةٌ من أهلِه : إنْ أطلق لك الخليفةُ شيئاً فاجعلْ لي منه شيئاً .
فقال إنْ أعطاني مئةَ ألفِ درهم فلكِ درهم . فأعطاهُ ستين ألفاً ، فأعطاها أربعةَ دَوَانيق .
تُوفي ببغداد في هذه السنة ودُفن في مقبرة نصرِ بن مالك .
والقاضي أبو يوسف (٦): واسمه يعقوبُ بن إبراهيم بن حَبيب بن سَعْد بن حَبْتَهُ(٧) - وهي أمُّه - وأبوه
بُجَير بن معاوية، وسعدٌ هذا صحابي ، استُصغر يومَ أُحد . وأبو يوسف كان أكبرَ أصْحابِ أبي حنيفة ،
رَحِمَهُ الله .
روى الحديث عن الأعمش ، وهشام بن عروة ، ومحمد بن إسحاق ، ويحيى بن سعيد ، وغيرِهم ،
وعنه محمدُ بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين .
(١) ترجمته في التاريخ الكبير (٣٦٩/١)، الكنى والأسماء لمسلم (١/ ٦٣٧)،، كتاب الضعفاء والمتروكين
للنسائي (١٦)، الجرح والتعديل (١٩١/٢)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٢٩١/١)، كتاب الضعفاء
والمتروكين لابن الجوزي (١١٨/١)، تهذيب الكمال (١٦٣/٣)، ميزان الاعتدال (٤٠٠/١)، تذكرة الحفاظ
(٢٥٣/١)، سير أعلام النبلاء (٣١٢/٨)، طبقات المدلسين لابن حجر (٣٧)، طبقات الحفاظ (١١٤).
(٢) ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤٧٩/٨).
(٣) أثبتت نسخة ( ق ) اسم معن بن زائدة في سطرٍ على حدة بما يوحي أنه رأس ترجمة له ، وهو خطأ ، بل هو معطوفٌ
على البرامكة ، أي أن مروان الشاعر مدح معن بن زائدة أيضاً .
(٤) (( الكرباس)): القطن. لسان العرب ( كربس ).
(٥) في (ق): حالة، والمثبت من (ب، ح)، وهما بمعنى.
(٦) ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد (٧/ ٣٣٠)، التاريخ الكبير (٣٩٧/٨)، تسمية فقهاء الأمصار ( ١٢٨)،
تاريخ جرجان (٤٨٧)، الفهرست (٢٨٦)، تاريخ بغداد (١٤ / ٢٤٢)، سير أعلام النبلاء (٥٣٥/٨)، لسان
الميزان (٦/ ٣٠٠)، طبقات الحفاظ ( ١٢٧).
(٧) في (ق ) تصحيف وتحريف ونقص ، فأثبتنا ما جاء في ( ب، ح ) موافقاً لمصادر الترجمة.

٤٥٠
وفيات سنة ١٨٢ هـ
قال علي بن الجعد : سمعتُه يقول: تُوفي أبي وأنا صغير، فأسلمَتْني أُمِّي إلى قصّار ، فكنتُ أمرُ على
حَلْقَةِ أبي حنيفةَ فأجلسُ فيها ، فكانتْ أُمِّي تتبَعُني فتأخذُ بيدي من الحَلْقَة وتذهبُ بي إلى القصَّار ؛ ثم كنتُ
أخالفُها في ذلك ، وأذهبُ إلى أبي حنيفة ، فلما طالَ ذلك عليها قالتْ لأبي حنيفة : إنَّ هذا صبيٍّ يتيم ،
ليس له شيءٌ إلَّ ما أُطعِمُهُ من مِغْزَلي ، وإنك قد أفسدتَهُ عليّ. فقال لها: اسكُتي يا رَغْناء ، هاهو ذا يتعلَّمُ
العِلْم ، وسيأكلُ الفالوذَجَ بِدُهْنِ الفُسْتُقَ ، في صحونِ الفَيْروزَج . فقالتْ له : إنَّكَ شيخٌ قد خَرِفت . قال
أبو يوسف : فلمّا وُلِّيتُ القضاء - وكان أولُ من ولَّه القضاءَ الهادي، وهو أولُ منْ لُقِّب قاضي القضاة،
وكان يُقال له قاضي قضاة الدنيا ، لأنه كان يَسْتَنِيبُ في سائرِ الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة ، قال
أبو يوسف - : فبينا أنا ذاتَ يومٍ عندَ الرشيد إذْ أَتي بفالوذَجٍ في صحنٍ فيروزَج ، فقال لي : كُلْ من هذا ،
فإنَّه لا يُصنعُ لنا في كلِّ وقتَ . وقلت : وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هذا الفالوذَج . قال :
فتبسَّمت ، فقال : ما لَكَ تتبسَّم؟ فقلت : لا شيء ، أبقى الله أميرَ المؤمنين . فقال: لَتُخْبرَنِّي.
فقصصتُ عليه القصّة . فقال: إنَّ العلمَ ينفعُ ويَرْفَعُ في الدنيا والآخرة . ثم قال : رَحِمَ الله أبا حنيفة ،
فلقد كان ينظرُ بعينِ عقله ما لا ينظر بعينِ رأسِه . وكان أبو حنيفة يقولُ عن أبي يوسف : إنه أعلمُ
أصحابه .
وقال الْمُزَني : كان أبو يوسف أتبعَهُمْ للحديث . وقال ابنُ الْمَديني : كان صدوقاً . وقال ابنُ معين :
كان ثقةً . وقال أبو زرعة : كان سليماً من التَّجَهُم .
وقال بشار الخفَّاف : سمعتُ أبا يوسف يقول : منْ قال : القرآنُ مخلوق، فحرامٌ كلامُه ، وفَرْضٌ
مُبَايَنْتُهُ ، ولا يجوزُ السلامُ ولا رَدُّه عليه .
ومن كلامِه الذي ينبغي كتابتُهُ بماءِ الذهب قولُهُ : مَنْ طلَب المالَ بالكيمياء أفلس ، ومن تتبَّعَ غرائبَ
الحديث كذَب ، ومن طلب العلمَ بالكلام تَزَنْدَق .
ولما تناظر هو ومالكٌ بالمدينة بحضرةِ الرشيد في مسألةِ الصاع وزكاة الخضراوات احتجَّ مالكٌ بما
استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافِهم ، وبأنَّهُ لم تكنِ الخضراوات يُخرجُ فيها شيءٌ في
زمن الخلفاء الراشدين . فقال أبو يوسف : لو رأى صاحبي ما رأيتُ لَرَجعَ كما رجعتُ . وهذا إنصافٌ
منه .
وقد كان يحضُرُ في مجلسٍ حُكمِه العلماءُ على طَبقاتِهم ، حتى إنَّ أحمد بن حنبل كان شابّاً ، وكان
يحضُرُ مجلسَهُ في أثناء الناس ، فيتناظرونَ ويتباحثون ، وهو مع ذلك يَحكُمُ ويُصنِّفُ أيضاً . وقال وُلِّيتُ
هذا الحُكم ، وأرجو الله أنْ لا يسألني عن جَوْرٍ ولا مَيْلٍ إلى أحد ، إلَّ يوماً واحداً جاءني رجل ، فذكر أنَّ
له بستاناً ، وأنه في يدِ أمير المؤمنين ، فدخلتُ إلى أميرِ المؤمنين فأعلمتُه، فقال: البستانُ لي، اشتراهُ لي

٤٥١
وفيات سنة ١٨٢ هـ
المهدي . فقلت : إنْ رأى أميرُ المؤمنين أنْ يُحضِرَهُ لأسمعَ دعواه . فأحضرَه ، فادَّعى بالبستان ، فقلت :
ما تقولُ يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال : هو بستاني . فقلتُ للرجل : قد سمعتَ ما أجاب . فقال الرجل :
يَحلف . فقلتُ : أتحلفُ يا أميرَ المؤمنين؟ فقال : لا . فقلتُ : سأعرضُ عليك اليمينَ ثلاثاً ، فإنْ
حلفتَ وإلَّ حكمتُ عليك يا أميرَ المؤمنين ؛ فعرضتُها عليه ثلاثاً ، فامتنع ، فحكمتُ بالبستانِ للمُدَّعي .
قال : فكنتُ في أثناء الخُصومةِ أوَدُّ أنْ ينفصل . ولم يُمكِّني أنْ أُجلسَ الرجلَ مع الخليفة . وبعث القاضي
أبو يُوسف في تسليم البستانِ إلى الرجل .
وروَى المُعافَى بنُ زكريّا الجَريري، عن محمد بن أبي الأزْهَر ، عن حماد بن أبي إسحاق الْمَوْصلي ،
عن أبيه ، عن بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف ، قال : بينا أنا ذاتَ ليلةٍ قد نمتُ في الفراش ، إذا رسولُ
الخليفةِ يطرُقُ الباب ، فخرجتُ مُنْزعجاً ، فقال: أميرُ المؤمنين يدعوك . فذهبتُ ، فإذا هو جالسٌ ومعهُ
عيسى بنُ جعفر ، فقال لي الرشيد : إنَّ هذا قد طلبتُ منه جاريةً يَهَيُنِيها ، فلم يفعلْ ، أو يبيعُنيها ، فلم
يفعل وإنّي أُشهدك إنْ لم يُجبني إلى ذلك قتلتُه . فقلتُ لعيسى : لمَ لم تفعلْ ؟ فقال : إني حالفٌ بالطلاقِ
والعَتَاق، وصدَقَةِ مالي كلِّه أنْ لا أبيعَها ، ولا أهبَها . فقال لي الرشيد: فهل له من مُخلِّص ؟ فقلت:
نعم . يَبيعُكَ نصفَها ، ويَهْبُكَ نصفَها. فوهَبَه النِّصفَ وباعَهُ النصفَ بمئةٍ ألف دينار . فقبل منه ذلك ،
وأُحضرتِ الجارية ، فلما رآها الرشيدُ قال : هل لي من سبيلٍ عليها الليلة ؟ قلت : إنَّها مملوكة، ولا بدَّ
من استبرائها ، إلَّ أنْ تُعتِقَها وتتزوَّجَها، فإنَّ الحرَّةَ لا تُستبرَأ. قال: فأعتَقَها وتزوَّجها منه بعشرينَ ألفَ
دينار ، وأمَرَ لي بمئتي ألفِ درهم، وعشرين تختاً من ثياب(١) ، وأرسلتُ إلى الجاريةِ بعشرةِ آلافٍ دينار .
قال يحيى بن معين : كنتُ عند أبي يوسف، فجاءتهُ هدَّةٌ من ثيابٍ دَبِيقِيٍ (٢) ، وطيبٍ وتماثيل نِدِّ ،
وغيرِ ذلك ، فذاكَرَني رجلٌ في إسنادِ حديث (( منْ أُهديَتْ له هديَّةٌ وعندَهُ قومٌ جُلوس فهمْ شركاؤه (٣) .
فقال أبو يوسف : إنما ذاك في الأقِطِ والتَّمْرِ والزَّبيب ، ولم تكنِ الهدايا في ذلك الوقت ما ترَوْن ؛
يا غلام، ارفَعْ هذا إلى الخزائن. ولم يُعطهمْ منها شيئا٤ً) .
وقال بشر بن غياث الْمَرِّيسي : سمعتُ أبا يوسف يقول : صحبتُ أبا حنيفةَ سبعَ عشرةَ سنة ، ثم
انصبَّتْ عليَّ الدنيا سبعَ عشرةَ سنة، وما أظنُّ أجَلي إلَّ قَدِ اقترب. فما مكثَ بعدَ ذلك إلَّ شهوراً حتى
(١) ((التخت)): وعاءٌ تصان فيه الثياب. فارسي، وقد تكلمت به العرب لسان العرب (تخت ).
في ( ق): ((ديبقي)) وهو تصحيف، والدَّبيقيُّ: من دقّ ثياب مصر معروفة، تنسب إلى دَبيق . لسان العرب
(٢)
( دبق ) .
(٣) أخرجه العقيلي في الضعفاء (٦٧/٣) (١٠٣١)، وذكره العجلوني في كشف الخفا (٢/ ٣٠٢) وقال: لا يصح
في هذا الباب شيء ، وابن حجر في لسان الميزان (٤ / ١٤ ).
(٤) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤ / ٢٥٢).

٤٥٢
وفيات سنة ١٨٢ هـ
مات . وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة ، عن سبع وستين سنة ، ومكث في القضاء ستَّ
عشرةَ سنة ، وُلِّي القضاءَ من بعدِهِ ولَدُهُ يوسف ؛ وقد كان نائبَهُ على الجانبِ الشرقيِّ من بغداد ؛ ومن زعمَ
من الرواة أنَّ الشافعيَّ اجتمع بأبي يوسف كما يقولُهُ عبدُ الله بن محمد البَلَوي الكذَّاب في الرَّحْلة التي ساقها
الشافعي فقد أخطأ في ذلك ؛ إنما وَرَدَ الشافعيُّ بغدادَ في أولِ قدمةٍ قَدِمها إليها في سنة أربع وثمانين ،
وإنما اجتمع الشافعيُّ بمحمد بن الحسن الشيباني، فأحَسَن إليه وأقبل عليه ، ولم يكنْ بينهماً شَنَآَن كما
يذكُرُهُ بعضُ منْ لا خِبْرَةَ له في هذا الشأن . والله أعلم .
وفيها توفي :
يعقوب بن داود بن طَهْمانُ(١) أبو عبد الله مولى عبد الله بن حازم السُّلَمي ، استوزَرَهُ المهدي ، وحَظيَ
عندَه جدّاً وسلَّم إليه أزِمَّةَ الأمور، ثم لما أمر بقتلِ ذلك العلويِّ كما تقدَّمُ(٢)، فأطَلَقه، ونَمَّتْ عليه تلك
الجارية ، وتحقَّقَ أنه لم يفعلْ سجَنهُ المهديُّ في بئر ، وبُنيتْ عليه قُتَّة ، ونبتَ شعرُه حتى صار مثلَ شعورٍ
الأنعام ، وعمِي . ويُقال : بل عَشَا بصَرُهُ، ومكَث نحواً من خمسةَ عشرَ سنةً في ذلك البئر ، لا يَرَى
ضَوْءاً، ولا يسمعُ صوتاً إلَّا في أوقاتِ الصلوات، يُعلمونَهُ بذلك، ويُدَّى إليه في كلِّ يومٍ رغيفٌ وُوزُ
ماءٍ ؛ فمكث كذلك حتى انقضَتْ أيامُ المهدي وأيامُ الهادي وصدرٌ من أيام الرشيد ؛ قال يعقوب : فأتاني
آتٍ في منامي فقال :
يكونُ وراءَهُ فرَجٌ قَرِيبُ
عسى الكربُ الذي أمسَیْتَ فیه
ويأتي أهلَهُ النائي الغريبُ
فيأمنُ خائفٌ ویُفَأُّ عانٍ
فلما أصبحتُ نُوديتُ ، فظنْتُ أني أُعلَمُ بوقتِ الصلاة، ودُلِّيَ إليَّ حبلٌ وقيل لي : ارْبِطْ هذا الحبلَ
في وَسَطِك . فأخرجوني ، فلما نظرتُ إلى الضياءِ لم أُبِصرْ شيئاً ، وأُوقفتُ بين يدي الخليفة ، فقيل لي :
سلِّمْ على أميرِ المؤمنين . فظنَنْتُهُ المهدي ، فسلَّمْتُ عليهِ باسمه ، فقال : لستُ به . فقلت : الهادي .
فقال : لستُ به . فقلت: السلامُ عليك يا أميرَ المؤمنينَ الرشيد . فقال نعم . ثم قال: والله إنه لم يشفع
فيكَ عندي أحدٌ ولكِنِّي البارحةَ حُمِلتْ جاريةٌ لي صغيرةٌ على عُنقي ، فذكرتُ حَمْلَكَ إِيَّايَ على عُنقك ؛
فَرَحِمْتُ ما أنتَ فيه من الضُّيقِ ، فأخرَجْتُك . ثم أنعم عليه وأحسَنَ إليه ، فغارَ منه يحيى بن خالد بن
بَرْمك ، وخشِيَ أنْ يُعيدهُ إلى مَنْزِلَتِهِ التي كان عليها أيامَ المهدي ، وفَهمَ ذلك يعقوبُ فاستأذن الرشيدَ في
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (١٤ / ٢٦٢)، المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٨٠)، الكامل لابن الأثير (٣١٦/٥)، وفيات
الأعيان (١٩/٧)، سير أعلام النبلاء (٣٤٦/٨).
(٢) انظر ما تقدم ص (٤٠٤).

٤٥٣
أحداث سنة ١٨٣ هـ ووفياتها
الذهابِ إلى مكَّة ؛ فأذن له ، فكان بها حتى ماتَ في هذه السنةِ رَحمَهُ الله . وقال : يَخْشى يحيى أنْ أرجِعَ
إلى الولايات ، لا والله ما كنتُ لأفعلَ أبداً ؛ ولو رُدِدتُ إلى مكاني.
وفيها تُوِّي :
يزيدُ بن زُرَبِعُ(١) أبو معاوية : شيخُ الإمام أحمدَ بنِ حنبل في الحديث . كان ثقةً ، عالماً ، عابداً ،
وَرِعاً. تُوفي أبوه وكان واليَ البصرة ، وترك من المالِ خمسَ مئةِ درهم ، فلم يأخذْ منها يزيدُ درهماً
واحداً . وكان يعملُ الخُوصَ بيدِه ، ويَقْتاتُ منه هو وعيالُه . تُوفي بالبصرة في هذه السنة ، وقيل قبل
ذلك ، فالله أعلم .
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئة
فيها خرجتِ الخَزَرُ على الناس من جهةِ إرْمِينيَة ، فعاثوا في تلك البلاد فساداً ، وسبَوْا من المسلمين
وأهلِ النِّمَّة نحواً من مئة ألف ؛ وقتلوا بشَراً كثيراً ، وانهزَمَ نائبُ إرْمِينيَةَ سعيدُ بن مسلم ، فأرسل الخليفةُ
هارون الرشيدُ إليهم خازِمَ بن خُزَيْمة ، ويزيدَ بن مَزْيَد ، في جيوشٍ كثيرةٍ كثيفة ، فأصلحوا ما فسد في
تلك البلاد . وحجَّ بالناسِ العباسُ بن موسى الهادي .
وفيها توفي من الأعيان :
عليُّ بن الفضيل بن عياض في حياةٍ أبيه ؛ كان كثيرَ العبادةِ والوَرَع ، والخوفِ والخَشْيَةِ .
ومحمد بن صُبيحٌ(٢) أبو العباس: مولى بني عِجْل المذكّر، ويعرف بابن السَّمَّاك . روى عن
إسماعيلَ بنِ أبي خالد ، والأعمش ، والثوري ، وهشام بن عروة ، وغيرِهم . ودخل يوماً على الرشيد
فقال : إنَّ لك بين يدَىِ الله موقفاً، فانظُرْ أين مُنْصَرَفُكَ؟ إلى الجنةِ أم النَّارِ؟ فبكى الرشيدُ حتى كاد
يموتُ .
وموسى بن جعفر(٣) بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو الحسن الهاشمي ، ويُقال
(١) ترجمته في التاريخ الكبير (٣٣٥/٨)، التاريخ الصغير (٢٣٠/٢)، الكنى والأسماء لمسلم (٧٥٩/١) ، الجرح
والتعديل (٢٦٣/٩)، مولد العلماء ووفياتهم (٤١٢)، طبقات المحدثين (٧١)، تقريب التهذيب (٦٠١)،
نزهة الألباب في الألقاب ، طبقات الحفاظ ( ١١٦ ).
(٢) ترجمته فى التاريخ الكبير (١٠٦/١)، الجرح والتعديل (٢٩٠/٧)، الثقات لابن حبان (٣٢/٩)، حلية
الأولياء (٢٠٣/٨)، تاريخ بغداد (٣٦٨/٥)، المقتنى في سرد الكنى (٣٤٣/١) ، سير أعلام النبلاء
(٣٢٨/٨)، ميزان الاعتدال (١٩٠/٦)، لسان الميزان (٢٠٤/٥).
(٣) ترجمته في الجرح والتعديل (١٣٩/٨)، الضعفاء للعقيلي (١٥٦/٤)، تاريخ بغداد (٢٧/١٣) ، صفة الصفوة=

٤٥٤
وفيات سنة ١٨٣ هـ
له الكاظم . وُلد سنة ثمانٍ أو تسع وعشرين ومئة ؛ وكان كثيرَ العبادةِ والمروءة ، إذا بلغَهُ عن أحدٍ أنه يؤذيه
أرسل إليه بالذَّهَبِ والتّحَف . وُلَّد له من الذكورِ والإناث أربعونَ نَسَمة. وأهدَى له مرةً عبدٌ عصِيدَةً ،
فاشتراهُ واشترى المزرعةَ التي هو فيها بألفِ دينار ، وأعتَقَهُ وَوَهب المزرعةَ له . وقد استدعاهُ المهديُّ إلى
بغداد ، فحَبَسه ، فلما كان في بعضِ الليالي ، رأى المهديُّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وهو يقولُ له : يا محمد ،
﴿ فَهَلْ عَسَبْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ﴾ [ محمد: ٢٢]، فاستيقظ مذعوراً، وأمَرَ بهِ
فأُخرج من السجنِ ليلاً ، فأجلَسَهُ معه وعانَقَه، وأقبل عليه، وأخذ عليه العَهْدَ أنْ لا يَخرُجَ عليه ، ولا على
أحدٍ من أولادِه . فقال : والله ما هذا من شأني، ولا حدَّثْتُ فيه نفسي . فقال: صدقت . وأمَرَ له بثلاثةٍ
آلافٍ دينار، وأمَرَ به فرُدَّ إلى المدينة ، فما أصبح الصباحُ إلَّ وهو على الطريق ، فلم يزَلْ بالمدينةِ حتى
كانتْ خلافةُ الرشيد، فحجَّ، فلما دخَلَ لِيُسلِّمَ على قبرِ النبيِّ وَلير، ومعه موسى بن جعفر الكاظِم ، فقال
الرشيدُ : السلامُ عليكَ يا رسولَ الله ، يا بنَ عمّ . فقال موسى : السلامُ عليك يا أبتِ . فقال الرشيد :
هذا هو الفخرُ يا أبا الحسن ! ثم لم يزَلْ في نفسِه حتى استدعاهُ في سنةٍ تسع وستين ، وسجَنَهُ فأطالَ
سجنَه ؛ فكتب إليه موسى رسالةً يقولُ فيها : أمَّا بعد ، يا أمير المؤمنين ، إنه لم ينقَضِ عنِّي يومٌ من البلاء
إلَّ انقضَى عنك يومٌّ من الرَّخاء، حتى يُفضي بنا ذلك إلى يومٍ يَخْسَرُ فيهِ الْمُبْطلون .
توفي لخمسٍ بقينَ من رجب من هذه السنةِ ببغداد ، وقبرُه هناك مشهور .
وفيها توفي :
هُشيم بن بَشير أبي خازمٌ(١) بن القاسم بن دينار، أبو معاوية الشُّلَمي الواسطي، كان أبوهُ طَبَّاخاً
للحجَّاجَ بن يوسف الثقفي ثم كان بعدَ ذلك يَبيعُ الصِّحْناةَ والكوامِخُ(٢) . وكان يَمْنعُ ابنَهُ منْ طَلَبِ العلم
(١٨٤/٢)، تهذيب الكمال (٤٣/٢٩)، ميزان الاعتدال (٥٣٨/٦)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٠٢)، تقريب
=
التهذيب ( ٥٥٠ ) .
(١) ترجمته في التاريخ الكبير (٢٤٢/٨)، التاريخ الصغير (٢٣٢/٢)، الكنى والأسماء لمسلم (٧٥٩/٢)، الجرح
والتعديل (١١٥/٩)، معرفة الثقات (٣٣٤/٢)، مشاهير علماء الأمصار (١٧٧)، ميزان الاعتدال
(٩٠/٧)، المقتنى في سرد الكنى (٨٦)، تذكرة الحفاظ (٢٤٨)، طبقات المحدثين ( ٧٠ )، تهذيب
التهذيب (٥٣/١١)، تقريب التهذيب (٥٧٤)، لسان الميزان (٤١٩/٧)، طبقات الحفاظ (١١١).
(٢) ((الصِّحْنَاةُ)) - بالكسر -: إدامٌ يُتَّخذُ من السمك، يُمدُّ ويقصر، والصَّحناةُ أخصُّ منه. وقال ابن سيده: الصِّحْنا
والصِّحْناةُ الصِّيرُ. وحُكي عن أبي زيد: الصِّحْناة فارسية، وتسمِّيها العربُ الصِّيرَ ، قال: وسأل رجل الحسن عن
الصحناة فقال: وهل يأكل المسلمون الصِّحْناة ؟ قال: ولم يعرفها الحسن لأنها فارسية ، ولو سأله عن الصِّير
لأجابه . وأورد ابنُ الأثير هذا الفصل وقال فيه الصِّحْناةُ هي التي يقال لها الصِّيَرُ ، قال ، وكلا اللفظين غير عربي .
والكوامخ : جمع الكامخ : وهو نوع من الأدم معرّب . لسان العرب ( كمخ ، صحن ) .

٤٥٥
أحداث سنة ١٨٤ هـ ووفياتها
لِيُسَاعِدَهُ على شُغْلِهُ(١)، فأبى إلَّا أنْ يسمعَ الحديث، فاتفق أنَّ هُشيماً مَرِض ، فجاءه أبو شيبةً قاضي
واسط عائداً له ، ومعه خَلْقٌ من الناس ، فلما رآه بَشِير فرح بذلك وقال : يا بُني أبَلَغَ من أمرِك أنْ جاء
القاضي إلى مَنْزلي ؟! لا أمنَعُكَ بعدَ هذا اليوم من طلبِ الحديث . كان هُشيم من ساداتِ العلماء ،
وحدَّث عنه مالك ، وشعبة ، والثَّوْري ، وأحمد بن حنبل ، وخلقٌ غيرُ هؤلاء . وكان من الصلحاء
العُبَّاد ؛ ومكَثَ يُصلِّي الصُّبحَ بوضوءِ العِشاء قبلَ أنْ يَموتَ بعشرٍ سنين .
ويحيى بن زكريا٢ً) بن أبي زائدة ، قاضي المدائن ، كان من الأئمةِ الثقات.
ويونس بن حَبيب (٣) : أحد النحاةِ النجباء . أخَذَ النحوَ عن أبي عمرو بن العلاء وغيرِه ، وأخذ عنه
الكِسَائِي والفَرَّاء . وقد كانتْ له حَلْقةٌ بالبصرةِ ينتابُها أهلُ العلم والأدب ، والفصحاء من الحاضرين
والغرباء . تُوفي في هذه السنة عن ثمانٍ وسبعين سنة .
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئة
فيها رجَعَ الرشيدُ من الرقَّةِ إلى بغداد ، فأخذ الناسُ بأداءِ بقايا الخراج الذي عليهم ، وولَّى رجلاً
يضربُ الناسَ على ذلك ويَحْبسُهم ، وولَّى على أطرافِ البلاد ، وعزَلَ وولَّى وقطَعَ ووَصَل .
وخرج بالجزيرةِ أبو عمرو الشاري ، فبعث إليه الرشيدُ من قِبَلِه شَهْرَزُور . وحجَّ بالناس فيها
إبراهيم بن محمد العباسي .
وفيها تُوفي :
أحمد ابن أمير المؤمنين الرَّشِيد(٤) : كان زاهداً عابداً قد تنسَّك ، وكان لا يأكلُ إلَّ من عمَلِ يدِه في
الطِّين. كان يعملُ فاعلاً فيه، وليس يَمْلِكُ إلَّ مَرّاً وزِنْبِيلاً(٥) ؛ أي : مِجْرَفَة وقُفَّة . وكان يعملُ في كلِّ
في ( ب، ح): ((ليساعده على صناعته)).
(١)
ترجمته في التاريخ الكبير (٢٧٣/٨)، الكنى والأسماء لمسلم (٣٦١/١)، معرفة الثقات (٣٥٢/٢)، ذكر
(٢)
أسماء التابعين فمن بعدهم ( ٤٠٣)، المقتنى في سرد الكنى (٢٦٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٦٧)، سير أعلام
النبلاء (٨/ ٣٣٧)، طبقات المحدثين (٧٠)، طبقات الحفاظ (١٢٠).
ترجمته في التاريخ الكبير (٤١٣/٨)، الكنى والأسماء (٥٢٥/١)، الجرح والتعديل (٢٣٧/٩)، الثقات لابن
(٣)
حبان (٢٩٠/٩)، الفهرست (٦٢)، المقتنى في سرد الكنى (٣٧٠).
(٤)
ترجمته في المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٩٣)، وفيات الأعيان (١٦٨/١).
في (ح، ق): ((مرواً وزنبيلا)) وهو تصحيف والمثتب من (ب)، والمرُّ: المِسْحاة. والزِّنبيل: الجِراب،
(٥)
وقيل: الوعاء يُحْمل فيه ، فإذا جَمَعوا قالوا زَنَابيل . وقيل : الزِّنْبيل خطأ، وإنما هو زَبيل وجمعه زُبُل وزُبْلان .
لسان العرب ( مرر ، زبل ) .

٤٥٦
وفيات سنة ١٨٤ هـ
جمعةٍ بِلِزْهم ودانِقٍ، يَتَقَوَّتُ بهما من الجمعة إلى الجمعة، وكان لا يعملُ إلَّا في يوم السبت فقط(١)؛ ثم
يُقبلُ على العبادةِ بقيَّةَ أيام الجُمعة ، وكان من زُبيدةَ في قولِ بعضِهم ، والصحيحُ أنَّهُ من امرأةٍ كان الرشيدُ
قد أحبَّها فتزوَّجها ، فحمَلَتْ منه بهذا الغلام ؛ ثم إنَّ الرشيدَ أرسلها إلى البصرة ، وأعطاها خاتماً من
ياقوتٍ أحمر، وأشياءَ نفيسة ، وأمرَهَا إذا أفضَتْ إليه الخلافةُ أنْ تأتيه ؛ فلما صارَتِ الخلافةُ إليه لم تأتِهِ ،
ولا ولَدُها، بل اختفيا . وبلَغَهُ أنَّهما ماتا، ولم يكنِ الأمرُ كذلك، وفحَصَ عنهما فلم يطلع لهما على
خبر ، فكان هذا الشابُّ يعملُ بيدِهِ ويأكلُ من كَدِّها ، ثم رجَعَ إلى بغداد ، وكان يعملُ في الطِّين ويأكلُ مدَّةً
زمانية . هذا وهو ابنُ أميرِ المؤمنين ، ولا يذكرُ للناسِ منْ هو ، إلى أن اتَّفَقَ مرَضُهُ في دارٍ منْ كان يستعملُه
في الطِّين ، فمرَّضَهُ عندَه ، فلمَّا احتُضر ، أخرج الخاتمَ وقال لصاحبِ المنزل : اذهَبْ بهذا إلى الرشيد ،
وقل له : صاحبُ هذا الخاتم يقولُ لك : إيَّاكَ أنْ تموتَ في سكرتِكَ هذهِ فتندَمَ حيثُ لا ينفَعُ نادماً نَدَمُه ،
واحذَرِ انصرافَكَ منْ بين يدي الله إلى الدارَيْن، وأنْ يكونَ آخرَ العَهْدِ بك، فإنَّ ما أنتَ فيه لو دامَ لغيرِك لم
يَصِلْ إليك ، وسيصيرُ إلى غيرِك، وقد بَلَغكَ أخبارُ مَنْ مَضَى .
قال : فلمَّا ماتَ دَفَنْتُهُ ، وطلبتُ الحضورَ عندَ الخليفة ، فلمَّا أُوقفتُ بين يديه قال : ما حاجتُك ؟
قلت : هذا الخاتم دفعَهُ إليَّ رجل، وأمَرني أنْ أدْفعَهُ إليك، وأوصاني بكلام أقوله لك . فلمَّا نظَرَ إليه
عرَفَهُ فقال : وَيْحك! وأين صاحبُ هذا الخاتم ؟ قال : فقلت : ماتَ يا أميرَ المؤمنين ، وهو يقولُ لك :
احذَرْ أن تموتَ في سَكْرَتِكَ هذهِ فتندَم . وذكرتُ له أنه يعملُ بالفاعل في كلِّ جمعةٍ يوماً بدرهمٍ وأربعٍ
دوانيق ، أو بدرهم ودانق ، يتقوَّتُ به سائرَ الجمعة ، ثم يُقبلُ على العبادة . قال : فلما سمع هذا الكلام
قامَ فضرَبَ بنفسِهِ الأرض، وجعل يتمرَّغُ ويتقلَّبُ ظهراً لِبَطْنٍ ويقول: والله لقد نصَحْتَني يا بُني . ثم
بكى ، ثم رفع رأسَهُ إلى الرجل وقال: أتعرِفُ قبرَه؟ قلت: نعم ، أنا دفنتُه. قال: إذا كان العشيُّ
فأُتني . قال : فأتيتُهُ فذهَبَ إلى قبرِه ، فلم يزَلْ يبكي عندَهُ حتى أصبح . ثم أمر لذلك الرجل بعشرةِ آلافٍ
درهم ، وكتب له ولعيالِهِ رزقاً .
وفيها مات :
عبد الله بن مُصْعَب(٢) بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القُرَشيُّ الأسديّ، والدُ بكَّار ، ألزمه
(١) رواية (ب، ح): ((كانت أجرتُهُ في كل يوم يعملُ فيه من الجمعة إلى الجمعة درهما ودانِقاً ».
(٢) ترجمته في التاريخ الكبير (٢١١/٥)، الجرح والتعديل (١٧٨/٥)، الثقات لابن حبان (٥٦/٧)، تاريخ بغداد
(١٧٣/١٠)، ميزان الاعتدال (٢٠١/٤)، المغني في الضعفاء (٣٥٨)، الإكمال للحسيني (٦٥٠)، لسان
الميزان (٣٦١/٣)، تعجيل المنفعة (٢٣٥)، نزهة الألباب في الألقاب (١٠/٢).

٤٥٧
أحداث سنة ١٨٥ هـ
الرشيدُ بولايةِ المدينة ، فقَبِلها بشروطِ عَدْلِ اشترَطَها ، فأجابه إلى ذلك ؛ ثم أضاف إليه نيابةَ اليمن ، فكان
من أعدَلِ الولاة . وكان عمرُهُ يوم تولَّى نحواً من سبعين سنة .
عبد الله بن عبد العزيز العمري(١) : أدرك أبا طُوَالة ، وروى عن أبيه ، وإبراهيم بن سعد . وكان عابداً
زاهداً؛ وعَظَ الرشيدَ يوماً فأطنَبَ وأطيب. قال له وهو واقفٌ على الصفَا : أتنظُرُ كم حولَها - يعني الكعبة -
من الناس ؟ فقال : كثير . فقال : كلٌّ منهم يُسألُ يومَ القيامة عن خاصَّةِ نفسِه ، وأنتَ تسألُ عنهم كلِّهم .
فبكى الرشيدُ بكاءً كثيراً. وجعلوا يأتونَهُ بِمنديلٍ بعدَ منديل ، ينشفُ به دموعَه . ثم قال له : يا هارون ، إنَّ
الرجل لَيُسْرِفُ في مالِهِ فيستحقُّ الحَجْرَ عليه ، فكيف بمَنْ يُسْرِفُ في أموالِ المسلمين كلِّهم ؟ ثم تركه
وانصرَف ، والرشيدُ يبكي . وله معَهُ مواقفُ محمودةٌ غير هذه . تُوفي عن ستٍّ وستين سنة .
ومحمد بن يوسف بن مَعْدَانُ(٢) أبو عبد الله الأصبهاني ، أدرك التابعين ، ثم اشتغل بالعِبَادَةِ والزَّهادَة ،
كان عبدُ الله بن المبارك يُسَمِّيهِ عَرُوسَ الزُّهَّاد . وقال يحيى بنُ سعيد القَطَّان: ما رأيتُ أفضلَ منه ، كان
كأنَّهُ قد عايَن . وقال ابنُ مهدي : ما رأيتُ مثلَه . وكان لا يشتري خُبزهُ من خبَّازٍ واحد ، ولا بَقْلهُ من بقَّالٍ
واحد ، كان لا يشتري إلَّا ممَّنْ لا يعرِفه ، يقول : أخشَى أنْ يُحابوني فأكونُ ممَّن يعيشُ بدينِهِ . وكان
لا يضعُ جَنَهُ للنوم صيفاً ولا شتاءً . ومات ولم يجاوزِ الأربعين سنةً . رحمه الله .
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومئة
فيها قَتل أهلُ طَبَرِسْتان مُتَوَلِّيهم مِهْرَونِه الرازي ؛ فَوَلَّى الرشيدُ عليهم مكانَهُ عبدَ الله بنَ سعيد
الحَرَشيّ .
وفيها قَتَل عبدُ الرحمن الأنباري أبانَ بن قَحْطبة الخارجي بمَرْجِ القَلَعَة٣ُ) .
(١) ترجمته في التاريخ الكبير (١٤٠/٥)، التاريخ الصغير (٢٣٥/٢)، مشاهير علماء الأمصار (١٢٩/١)، الثقات
(١٩/٧)، مولد العلماء ووفياتهم (٤١٦)، صفة الصفوة (٢/ ١٨١)، تهذيب الكمال (٢٤١/١٥)، المقتنى
في سرد الكنى (٣٧٠/١)، ميزان الاعتدال (١٤١/٤).
ترجمته في الجرح والتعديل (١٢١/٨)، الثقات لابن حبان (٧٤/٩)، حلية الأولياء (٢٢٥/٨)،
(٢)
(٣٨٩/١٠)، طبقات المحدثين بأصبهان (٢١/٢، و٤٣٩/٣)، صفة الصفوة (٨١/٤)، المختار من مناقب
الأخيار (٤٨٢/٤)، سير أعلام النبلاء (١٢٥/٩)، الوافي بالوفيات (٢٤٤/٥)، طبقات الأولياء (٤٠٤)،
النجوم الزاهرة (١١٧/٢)، طبقات الشعراني (٦١/١)، الكواكب الدرية (١٦٣/١).
في (ق): ((مرج العلقة))، وهو تصحيف، والمثبت من (ب، ح) ومعجم البلدان (٣٨٩/٤ و١٠١/٥)،
(٣)
وفيه : القَلَعة بالتحريك مَرْجُ القَلَعة ، قال العمراني : موضعٌ بالبادية ، وإليه تُنسب السيوف . وقيل: هي القرية
التي دون حُلْوانَ العراق. بينه وبين حُلُوان مَنزل ، وهو من حُلوان إلى جهةِ هَمَذان .

٤٥٨
وفيات سنة ١٨٥ هـ
وفيها عاثَ حمزةُ الشاري ببلادٍ باذَغِيسُ(١) من خُراسان . فنهض عيسى بنُ علي بن عيسى إلى عشرةٍ
آلافٍ من جيشٍ حمزةً فقتلهم ، وسار وراء حمزة إلى كابُل وزابُلِسْتان(٢)
وفيها خرج أبو الخَصيب ، فتغلَّبَ على أبيوَرْدَ ، وطُوس، ونَيَسابور ؛ وحاصر مَرْو ؛ وقَوي أمرُه .
وفيها توفي يزيد بن مَزْيَد بِبَرْذَعَهُ(٣) فولَّى الرشيدُ مكانهُ ابنهُ أسدَ بن يزيد . واستأذن الوزير يحيى بنُ
خالد الرشيدَ في أن يعتمرَ في رمضان ، فأذنَ له ؛ ثم رابَطَ بجُنده إلى وقتِ الحجّ . وكان أمير الحج في
هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس .
وفيها توفي :
عبدُ الصَّمَد بنُ علي(٤) بنِ عبد الله بن عباس بن عبد المطّلبِ الهاشمي، عَمُّ السفّاحِ والمنصور . وُلد
سنة أربعٍ ومئة ؛ وكان ضخمَ الخَلْقِ جدّاً ، ولم يُبَدِّلْ أسنانَه ، وكانتْ أصولُها صفيحةً واحدة . قال يوماً
للرشيد: يا أمير المؤمنين ، هذا المجلسُ اجتمع فيه عمُّ أميرٍ المؤمنين، وعمُّ عَمِّه وعَمُّ عَمِّ عمِّه ؛ وذلك
أنَّ سليمانَ بنِ أبي جعفر عمُّ الرشيد، والعباسَ بنَ محمد بن علي عمُّ سليمان، وعبدَ الصمدِ بنَ علي عَمُّ
السفّاحِ. وتلخيصُ ذلك أنَّ عبدَ الصمد عَمُّ عمِّ عمِّ الرشيد ، لأنه عمُّ جدِّه .
روى عبدُ الصمد عن أبيه، عن جدّه عبدِ الله بن عباس، عن النبيِّ وَّ قال: ((إنَّ البِرَّ والصَّلَةَ لَيُطيلانِ
الأعمار ، ويُعْمِرَانِ الدِّيار، ويُثْريانِ الأموال. ولو كان القومُ فُجَّاراً )(٥) .
(١) ((باذَغيس)) - بفتح الذال وكسر الغين المعجمة وياء ساكنة وسين مهملة -: ناحيةٌ تشتملُ على قرى من أعمالِ هَرَاة
" ومَرْو الرُّوذ، يكثر فيها شجر الفستق . وقيل : إنها كانت دارُ مملكة الهياطلة . وقيل أصلها بالفارسية باذخير ،
معناه قيام الريح أو هبوب الريح لكثرة الرياح بها. معجم البلدان (٣١٨/١) .
(٢) ((زابُلِسْتان)) - بعد الألف باء موحدة مضمومة، ولام مكسورة وسين مهملة ساكنة وتاء مثناة من فوق وآخره نون - :
كورةٌ واسعةٌ قائمةٌ برأسها جنوبيَّ بَلْخ وطُخَارستان وهي زابُل ، والعجَم يزيدون السين وما بعدها في أسماء البلدان
شبيها بالنسبة ، وهي منسوبة إل زابُل جدِّ رُستم بن دستان ؛ وهي البلادُ التي قصَبتُها غُزْنة البلد المعروف العظيم .
معجم البلدان ( ١٢٥/٣) .
(٣) ((برذعة)) - وقد رواه أبو سعد بالدال المهملة، والعين مهملة عند الجميع - : بلد في أقصى أذْرَ بيجَان. وقال
هلال بن المحسن : برذعة قصبة أذربيجان . وذكر ابنُ الفقيه أن برذعة هي مدينة أران وهي آخرُ حدودٍ أذْرَبيجان .
وهي نزهةٌ خِصْبةٌ كثيرةٌ الزرع والثمار جدّاً ، وليس ما بين العراق وخراسان بعد الرّي وأصبهان مدينةٌ أكبر ولا أخصبَ
ولا أحسنَ موضعاً من مرافق برذعة معجم البلدان (٣٧٩/١).
(٤) ترجمته في مولد العلماء ووفياتهم (٤١٩)، تاريخ بغداد (٣٧/١١)، وفيات الأعيان (١٩٥/٣)، سير أعلام
النبلاء (١٢٩/٩)، العبر (٢٩٠/١)، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (١٧٨/٢).
(٥) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٣٨٦/١)؛ وذكره العجلوني في كشف الخفا (٣٣٤/١) برقم (٨٩٠) بلفظ : =

٤٥٩
وفيات سنة ١٨٥ هـ
وبه أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((إنَّ البرَّ والصلةَ لَيُخَفِّفانِ الحسابَ يومَ القيامة)). ثم تلا رسولُ الله ◌َليلةٍ:
﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]١). وغير ذلك من
الأحاديث .
ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس المعروف بالإمام ، كان على إمارةِ الحاج ،
وإقامةِ سِقَايِتِهِ في خلافةِ المنصور عِدَّةَ سنين . تُوفي ببغداد فصلَّى عليه الأمينُ في شوال من هذه السنة ودُفن
بالعباسيَّة .
وفيها توفي من مشايخٍ الحديث :
تمام بن إسماعيل .
وعمرو بن عبيد .
والمطلب بن زياد .
والمُعافى بن عمران في قول .
ويوسُف بن الماجِشُون .
وأبو إسحاق الفَزَاري (٢)، إمامُ أهلِ الشامِ بعدَ الأوزاعي في المغازي والعلم والعبادة .
ورابعَة العَدَويَّةُ(٣) : وهي رابعةُ بنتُ إسماعيل، مولاةُ آلِ عَتيك، العَدَويَّةُ البصريَّةُ ، العابدةُ
((البر وحسن الجوار ، عمارة الديار، وزيادة الأعمار)) وقال : رواه ابنُ عبدِ البرّ عن أبي سعيد الخدري موقوفاً؛
=
وقيل مرفوعاً . قال في المقاصد نقلاً عن ابن عبد البر : وفيه نظر. وتبعه الذهبي ثم شيخُنا . وقال النجم : وعند
الديلمي عن ابن عباس (« البر والصلة يطيلان الأعمار، ويعمران الديار، ويثريان الأموال، ويُخفِّفَانِ سُوءً
الحساب)). أقول: وهو ضعيف بهذا اللفظ، وقد رواه أحمد في المسند (١٥٩/٦) عن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله وَله: ((صلة الرحم، وحسن الجوار، وحسن الخلق، يعمرن الديار، ويزدن في الأعمار))
وهو حديث صحيح ورواه الباغندي في جزء له .
(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٣٨٦/١)، وذكره العجلوني في كشف الخفا، وانظر الحاشية السابقة.
(٢) سيذكر المؤلف وفاته في سنة (١٨٨)، انظر ص (٢٠٠) من نسخة (ق)؛ وترجمته في طبقات ابن سعد
(٤٨٨/٧)، طبقات خليفة (٣١٧)، التاريخ الكبير (٣٢١/١)، التاريخ الصغير (٢١٧/٢)، المعرفة
والتاريخ (١٧٧/١)، حلية الأولياء (٢٥٣/٨)، معجم الأدباء (٢٠٩/١)، المختار من مناقب الأخيار لابن
الأثير (٢٦٩/١)، الكامل لابن الأثير (١٧٤/٦)، مختصر تاريخ ابن عساكر (١١٣/٤)، تهذيب الكمال
(١٦٧/٢)، سير أعلام النبلاء (٤٧٣/٨) (أو ٥٣٩) (ترجمة رقم ١٤٢)، وطبقات علماء الحديث
(٣٩٩/١)، الوافي (١٠٤/٦)، طبقات الحفاظ (١١٧)، شذرات الذهب (٣٠٧/١).
(٣) ترجمتها في صفة الصفوة (٢٧/٤)، المختار من مناقب الأخيار (٢٥٣/٥)، وفيات الأعيان (٢٨٥/٢)، سير=

٤٦٠
أحداث سنة ١٨٦ هـ
المشهورة ؛ ذكرَهَا أبو نُعيم في ((الحلية))؛ والقشيري في (( الرسالة) ١)؛ وابنُ الجَوْزي في (( صِفَة
الصَّغْوَة ))؛ والشيخ شهاب الدِّين السَّهْرَ وَردي في (( المعارف)). وأثنى عليها أكثرُ الناس ، وتكلّم فيها
أبو داود السِّجْستاني، وانَّهمَها بالزَّندَقة، فلعلَّه بلغه عنها أمر. وأنشَدَ لها السَّهْرَ وَزْدُّ في (( المعارف)»:
وأبَحْتُ جِسْمِيَ منْ أرادَ جُلوسي
إني جعلتُكَ في الفؤادِ مُحدِّثي
وحَبيبُ قلبي في الفؤادِ أنيسي (٢)
فالجسمُ مِنِّي للجَليسِ مؤَانِسٌ
وقد ذكروا لها أحوالًا وأعمالاً صالحة، وصيامَ نهارٍ وقيامَ ليلٍ . ورُئيتْ لها مناماتٌ صالحة ، فالله
أعلم .
تُوفِّيتْ بالقُدْس الشريف، وقبرُها شرقيَّهُ بالطُّور . والله أعلم .
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومئة
فيها خرجَ عليُّ بنُ عيسى بن ماهان من مَرْو لِحَرْبِ أبي الخَصيب إلى نَسَا ؛ فقاتَلَهُ بها، وسَبَى نساءَهُ
وذَرَاريَّهُ . واستقامَتْ خُراسان . وحَّ بالناسِ فيها الرشيد ، ومعه ابناهُ محمدٌ الأمين ، وعبد الله
المأمون ، فبلَغَ جملةُ ما أعطى لأهلِ الحرَمَيْن ألفَ ألفِ دينار ، وخمسين ألفَ دينار ، وذلك أنه كان يُعطي
الناس ، فيذهبونَ إلى الأمين فيُعطيهم ، فيذهبون إلى المأمون فيعطيهم . وكان إلى الأمين ولايةُ الشام
والعراق، وإلى المأمون هَمَذان إلى بلاد المشرق ، ثم تابع الرشيدُ لولدِهِ القاسم من بعدٍ ولدَيْه ، ولقَّبه
المؤتَمن ، وولَّهُ الجزيرةَ والثُّغور والعواصم ، وكان الباعث له على ذلك أنَّ ابنه القاسم هذا كان في حِجْر
عبدِ الملك بن صالح ، ولما بايَعَ الرشيدُ لولدَيْه الأمين والمأمون كتَبَ إليه :
لو كان نجماً كان سَعْدا
يا أيها الملكُ الذي
واقدَخْ له في المُلك زَنْدا
اعقِدْ لقاسِم بيعةً
فاجْعلْ وُلاةَ العَهْدِ فَرْد(٣)
فاللهُ فردٌ واحدٌ
أعلام النبلاء (٢١٥/٨) (٢٤١)، العبر (٢٧٨/١)، مرآة الجنان (٢٨١/١)، الوافي بالوفيات
=
(٥١/١٤)، طبقات الأولياء (٤٠٨)، النجوم الزاهرة (٣٣٠/١)، طبقات الشعراني (٦٥/١)، الكواكب
الدرية (٢٨٥/١)، شذرات الذهب (١٩٣/١).
(١) لم أجد لها ترجمة مفردة في الرسالة القشيرية بتحقيق الدكتور عبد الحليم محمود ، ومحمود بن الشريف ؛ ولكن لها
ذكر في مواضع متفرّقة منها ، انظر فهارس الرسالة القشيرية .
(٢) البيتان في صفة الصفوة (٣٠١/٤، ٣٠٢)، وجامع العلوم والحكم (٤٤٩).
(٣) الأبيات في المنتظم لابن الجوزي (٩/ ١١١).