Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ خلافة هارون الرشيد خلافة هارون الرشيد بن المهدي بويع له بالخلافة ليلةَ مات أخوه ، وذلك ليلةَ الجمعة ، للنصف الأول من ربيع الأول ، سنة سبعين ومئة ، وكان عمرُ الرَّشيد يومئذٍ ثنتين وعشرين سنة ، فبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمك ، فأخرجه من السِّجن ، وقد كان الهادي عزَمَ تلك الليلةَ على قتلِه ، وقتلِ هارون الرشيد ؛ وكان الرشيدُ ابنهُ من الرَّضاعة، فولَّاهُ حينئذٍ الوزارة ، وولَّى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابةَ الإنشاء ، وكان هو الذي قام خطيباً بين يديه حتى أُخذتِ البيعةُ له على المنبر بعيساباذ . ويُقال إنه لمَّا مات الهادي في الليل جاء يحيى بنُ خالد بن بَرْمَك إلى الرشيد، فوجده نائماً ، فقال: قُمْ يا أميرَ المؤمنين . فقال له الرشيد : كم تُرَوِّعُني، ولو سمعَكَ هذا الرجلُ بهذا الكلام ! لكان ذلك أكبَرَ ذنوبي عندَه . فقال : قد ماتَ الرجل . فجلس هارونُ فقال : أشرْ عليَّ في الولايات . فجعل يذكرُ الأقاليمَ لرجالٍ يُسمِّيهم ، فيولِّيهم الرشيد ، فبينما هما كذلك إذْ جاء آخرُ فقال : أبشرْ يا أميرَ المؤمنين ، فقد وُلد لك الساعةَ غلام . فقال : هو عبدُ الله، وهو المأمون . ثم أصبح فصلَّى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ ، وحَلَفَ لا يُصلِّي الظهرَ إلَّ ببغداد . فلما فرغ من الجنازة أمرَ بضَرْبِ عُنق أبي عصمةَ القائد ؛ لأنه كان مع جعفر بن الهادي ، فزاحموا الرشيدَ على جِسْر ، فقال أبو عصمة : اصبرْ وقِفْ حتى يجوزَ وَليُّ العهد . فقال الرشيد : السمعُ والطاعةُ للأمير . فجاز جعفر وأبو عصمة، ووقف الرشيدُ مكسوراً ذليلاً . فلمَّا وُلِّي أمرَ بضرب عُنق أبي عصمة . ثم سار إلى بغداد ، فلما انتهى إلى جسرِ بغداد استدعى بالغوَّاصين فقال : إني سقطَ مني ههنا خاتمٌ كان والدي المهدي قد اشتراهُ لي بمئة ألف ، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبُه فألقيته إلى الرسول فسقط ههنا ، فغاص الغوَّاصون وراءه فوجدوه ، فسُرَّ به الرشيد سروراً كثيراً. ولما ولَّى الرشيد يحيى بن خالدٍ الوزارةَ قال له : قد وضعتُ إليك أمرَ الرعيَّة ، وخلَعْتُ ذلك من عُنقي وجعلتُهُ في عُنقك ، فوَلِّ منْ رأيتَ واعزِلْ منْ رأيت . ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي : ألم تر أنَّ الشمسَ كانتْ سقيمةً فلمَّا وَلي هارونُ أشرَقَ نورُها بُيُمْنِ أمين الله هارونَ ذي النَّدَى فهارونُ واليها ويحيى وزيرُها ثم إنَّ هارونَ أمر يحيى بن خالد أنْ لا يقطعَ أمراً إلَّ بمشاورة والدتِهِ الخَيْزُرَان ، فكانتْ هي المشاوَرَةَ في الأمورِ كلِّها ، فتُبْرِمُ وتحُلّ ، وتُمضي وتَحكم . وفيها أمَرَ الرشيدُ بسهم ذوي القُرْبَى أن يُقسم بين بني هاشمٍ على السَّوَاء . وفيها تتبَّع الرشيدُ خلقاً من الزنادقة ، فقتل منهم طائفةً كثيرة . وفيها خرج عليه بعضُ أَهلِ البيت . وفيها وُلد الأمينُ محمدٌ بن الرشيد ابن زُبيدة ، وذلك يوم الجمعة لستِّ خلَتْ من شوال من هذه السنة . وفيها كَمَلَ بناءُ مدينةٍ طَرَسُوس على يدَيْ فرجِ الخادمِ التركي ، ونزلها الناس . وفيها حجَّ بالناس أميرُ المؤمنين الرشيد ، وأعطى ٤٢٢ وفيات سنة ١٧٠ هـ أهلَ الحرمَيْن أموالاً كثيرة ، ويُقال إنه غَزَا في هذه السنةِ أيضاً ؛ وفي ذلك يقولُ داود بن رَزين الشاعر : وقام به في عَدْلِ سيرتِهِ النَّهْجُ بهارونَ لاح النورُ في كلِّ بلدةٍ إمامٌ بذاتِ الله أصبح شغلُهُ وأكثرُ ما يُعْنى به الغَزْوُ والحُّ تَضيقُ عيونُ الناسِ عن نورِ وجهِهِ إذا ما بدا للناس منظَرُهُ الْبَلْجُ(١) وإنَّ أمينَ الله هارونَ ذا النَّدَى يُنِيلُ الذي يرجوهُ أضعافَ ما يَرْجو وغزا الصائفة فيها سليمانُ بن عبد الله البكائي . ذكر من توفي فيها من الأعيان : الخليلُ بنُ أحمد بن عمرو بن تميمُ(٢) أبو عبد الرحمن الفَرَاهيدي: ويقال الفَرْهودي الأزْدي اليحمدي ، شيخُ النحاة ، وعنه أخذَ سِيبَوَيْه ، والنَّضْرُ بن شُمَيل ، وغيرُ واحدٍ من أكابرِهم ، وهو الذي اخترع علم العَرُوض ، قسمَهُ إلى خمسٍ دوائر ، وفرَّعَهُ إلى خمسةَ عشرَ بحراً ؛ وزاد الأخفشُ فيه بحراً آخرَ وهو الخَبَب . وقد قال بعضُ الشعراء : قد كان شعرُ الورَى صحيحاً من قبلِ أنْ يُخلَقَ الخليلُ وقد كان له معرفةٌ بعلْم النغَم ، وله فيه تصنيفٌ أيضاً ؛ وله كتابُ العين في اللُّغة ، ابتدأه وأكمَلَهُ النَّضْرُ بن شُمَيل وأضرابُهُ مَنَ أصحابِ الخليل ، كمُؤرِّجِ السَّدُوسِيّ ، ونصر بن علي الجَهْضمي ، فلم يناسبوا ما وضَعَهُ الخليل ، وقد وضع ابنُ دَرَسْتُويه كتاباً وصَفَ فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد . وقد كان الخليلُ رجلاً صالحاً عاقلاً وقوراً كاملاً ، وكان متقلَّلاً من الدنيا جدّاً، صبوراً على خشونةِ العَيش وضِيقه ، وكان يقول : لا يجاوزُ همِّي ما وراءَ بابي ، وكان ظريفاً حسنَ الخُلق . وذكر أنه اشتغل رجلٌ عليه في العَرُوض ، وكان بعيدَ الذِّهْنِ فيه ؛ قال : فقلتُ له يوماً : كيف تُقَطَّعُ هذا البيت : إذا لم تستطع شيئاً فدَعْهُ وجاوِزْهُ إلى ما تستطيعُ فشرَعَ معي في تقطيعِه على قَدْرِ معرفتِهِ، ثم إنه نَهَضَ من عندي فلم يَعُدْ إليّ، وكأنَّهُ فَهِمَ ما أشرتُ إليه. ويُقال: إنه لم يُسمَّ أحدٌ بعد النبيِّ وَّ بأحمدَ سوى أبيه. ورَوَى عن أحمد بن أبي خيثمة - والله أعلم - وُلِدَ الخليل سنةَ مئة من الهجرة . ومات بالبصرة سنةً سبعين ومئة على المشهور ، وقيل سنة ستين . (١) ((رجلٌ بَلْجٌ)): طَلْقُ الوجه. القاموس ( بلج ) . (٢) ترجمته في المقتنى في سرد الكنى (٣٦٩/١)، الثقات لابن حبان (٢٢٩/٨)، الفهرست ص (٦٣)، مشتبه أسماء المحدثين ص (١٠٨)، الكامل في التاريخ (٢٣٧/٥)، وفيات الأعيان (٢٤٤/٢)، تهذيب الكمال (٣٢٦/٨)، العبر (٢٦٨/١)، سير أعلام النبلاء (٤٢٩/٧)، النجوم الزاهرة (٤٦/٢)، تقريب التهذيب (١٩٥)، تهذيب التهذيب (١٤١/٣)، شذرات الذهب (٢٧٥/١). ٤٢٣ أحداث سنة ١٧١ هـ - أحداث سنة ١٧٢ هـ - أحداث سنة ١٧٣ هـ وزعم ابنُ الجَوْزي في كتابه (( شذور العقود )» أنه توفي سنة ثلاثين ومئة . وهذا غريبٌ جدّاً والمشهور الأول . والله أعلم . وفيها توفي : الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم المصري المؤدِّب ؛ راوية الشافعي ، وآخِرُ مِنْ رَوَى عنه ؛ وكان رجلاً صالحاً ، تفرَّس فيه الشافعي ، وفي البُوَيْطي والْمُزَني وابنِ عبدِ الحكم العِلْم ، فوافَقَ ذلك ما وقَعَ في نفس الأمر . رحمه الله . ومن شعر الربيع هذا : صبراً جميلاً ما أسرعَ الفَرَجا مَنْ صدَّقَ اللهَ في الأمورِ نَجَا ومَنْ رجَا الله كان حيثُ رَجًا مَن خَشِيَ الله لم ينَلْهُ أَذى فأمَّا الربيع بن سليمان بن داود الجِيزي فإنه روى عن الشافعي أيضاً ، وقد مات في سنةِ ستٍّ وخمسين ومئتين . والله أعلم . ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئة فيها أضاف الرشيدُ الخاتم إلى يحيى بن خالد مع الوزارة . وفيها قتل الرشيدُ أبا هريرة محمد بن فرُّوخ نائبَ الجزيرة صبراً في قصر الخُلد بين يديه . وفيها خرج الفضلُ بن سعيد الحَرُؤْريّ فقُتل . وفيها قدم رَوْحُ بنُ حاتم نائبُ إفريقية . وفيها خرجَتْ أم أمير المؤمنين الخَيْزُران إلى مكة ، فأقامَتْ بها إلى أنْ شَهِدَتِ الحجّ . وكان الذي حجَّ بالناس فيها عبدُ الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عمُّ الخلفاء . رحمه الله وأكرمه وتقبّل منه . ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومئة فيها وضع الرشيدُ عن أهلِ العراق العُشْرَ الذي كان يؤخذ منهم بعدَ النصف . وفيها خرج الرشيدُ من بغداد يَرْتَادُ له مَوْضعاً يسكنه غيرَ بغداد ، فتشوَّش فرجع . وفيها حج بالناس يعقوبُ بن أبي جعفر المنصور عمُّ الرشيد . وفيها غَزَا الصائفةَ إسحاقُ بن سليمان بن علي . ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئة فيها توفي بالبصرة محمد بن سليمان ، فأمر الرشيدُ بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء ، فوجدوا من ذلك شيئاً كثيراً جدّاً ، فقبضوه من الذهب والفضة والأمتعةِ التي يُستعان بها على الحرب ، ٤٢٤ أحداث سنة ١٧٣ هـ وعلى مصالح المسلمين من العُدَد والبرك وغير ذلك ؛ وهو محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس ، وأمُّه أمُّ حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن علي ، وكان من رجالاتِ قريشٍ وشُجعانهم . جمع له المنصورُ بين البصرةِ والكوفة ، وزوَّجه المهديُّ ابنتهُ العَّاسة . وكان له من الأموال شيءٌ كثير ؛ كان دخلُهُ في كلِّ يومٍ مئةَ ألف ، وكان له خاتمٌ من ياقوتٍ أحمر ، لم يُرَ مثلُه . وروى الحديث عن أبيه عن جدِّه الأكبر وهو ابنُ عباس ، وهو حديث مرفوع في مَسْحِ رأسِ اليتيم إلى مقدَّم رأسِه، ومَسْح رأسِ منْ له أبٌ إلى مؤخَّرِ رأسِه (١) . وقد وَفَد على الرشيد فهنَّاه بالخِلافة ، فأكرمه وعظّمَه، وزاده في عمَلِهِ شيئاً كثيراً. ولما أراد الخروجَ خرَجَ معه الرشيدُ يُشبِّعُهُ إلى كَلْوَاذى(٢) . توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة ، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت ، فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار ، ومن الدراهم ستة آلاف ألف خارجاً عن الأملاك . وقد ذكر ابنُ جرير أن وفاته ووفاة الخَيْزُران في يومٍ واحد(٣). وقد وقفَتْ جاريةٌ من جواريه على قبرِه فأنشأت تقول : أمسى الترابُ لِمَنْ هَوِيتُ مَبِيتا القَ الترابَ فقلْ له حُيِّتا إِنَّا نُحْتُكَ يا ترابُ وما بنا إلَّ كرامةُ منْ عليه حُثِتا وفيها توفيت الخيزُران جاريةُ المهدي ، وأمّ أمير المؤمنين الهادي والرشيد ، اشتراها المهديُّ وحَظِيَتْ عندَهُ جدّاً ثم أعتَقَها وتزوَّجَها، ولدَتْ له خليفتَيْن: موسى الهادي ، والرشيد ، ولم يتفق هذا لغيرِها من النساء إلَّ لولَّادة بنت العباس العبسيَّة، زوجةِ عبدِ الملك بن مروان، وهي أمُّ الوليد وسليمان ، وكذلك لشاه فرنْد بنت فَيْروز بن يَزْدَجِرْد ، ولدَتْ لِمولاها الوليد بن عبد الملك: مروانَ وإبراهيم ، وكلاهما وَلي الخلافة . وقد رُوي من طريق الخيزُرَان عن مولاها المهدي ، عن أبيه ، عن جدِّه، عن ابن عباس، عن النبيِّ وَّ قال: ((مَنِ اتقى الله وقاهُ كلَّ شيءٍ))(٤). ولما عُرضَتِ الخيزران (١) أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٩٢) في ترجمة صالح الناجي ، والخطيب في تاريخ بغداد (٢٩١/٥) في ترجمة محمد بن سليمان ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (١٧٦/٦) في ترجمته أيضاً وقال : هذا موضوع وتابعه ابن حجر في لسان الميزان ( ١٨٨/٥) في ترجمته أيضاً . (٢) ((كلواذى)): آخره ألف تكتب ياء مقصورة، وهو طَشُّوج قُرب مدينة السلام بغداد، وناحيةُ الجانب الشرقي من بغداد من جانبها ، وناحية الجانب الغربي من نهر بوق ، وهي الآن خراب ، أثرها باق بينها وبين بغداد فرسخٌ واحد للمنحدر ، وقد ذكرها الشعراء ولهج كثيراً بذكرها الخلعاء ، يقال : إنها سُمِّيت بكلواذى بن طهمورث الملك . ويقال : إن الكلواذ تابوت توراة موسى عليه السلام . انظر معجم البلدان (٤/ ٤٧٧، ٤٧٨ ) . (٣) انظر تاريخ الطبري (٦٢٣/٤). (٤) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه (١٤/ ٤٣٠ - ٤٣١) قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام : لا يثبت. ٤٢٥ أحداث سنة ١٧٣ هـ على المهدي ليشتريَها أعجبَتْه إلَّ دقةً في ساقَيْها ، فقال لها : يا جارية إنكِ لعلى غايةِ الْمُنَى والجمال لولا حُمُوشَةٌ في ساقَيْكِ(١) . فقالت : يا أميرَ المؤمنين إنك أحوَجُ ما تكونُ إليهما لا تراهما . فاستحسَنَ جوابَها واشتراها، وحَظِيَتْ عندَهُ جدّاً. وقد حَجَّتِ الخَيْزُران مرَّةً في حياةِ المهدي ، فكتب إليها وهي بمكَّة يستوحشُ لها ويتشوَّقُ إليها بهذا الشِّعْرِ : ليس إلَّ بكُمْ يتمُّ السرورُ نحن في غايةِ السرورِ ولكنْ أنَّكم غُيَّبٌ ونحنُ حُفُورُ عَيْبُ ما نحن فيه يا أهلَ وُدِّي أنْ تطيروا مع الرياحٍ فَطيروا فأجدُّوا في السّيرِ بل إنْ قَدَرْتُمْ فأجابَتْهُ أو أمرَتْ منْ أجابَهُ : قِ فَكِدْنا وما فعلنا نطير(٢) قد أتانا الذي وصفتَ من الشَّوْ ليت أنَّ الرياحَ كُنَّ یؤدِّئ ـنَ إليكمْ ما قَدْ يُكِن٣ِّ) الضميرُ في سرورٍ قدامَ ذاك السرورُ لم أزَلْ صَّةً فإنْ كنتَ بعدي وذكر أنه أهدَى إليها محمد بن سليمان نائبُ البصرة الذي مات في اليوم الذي ماتَتْ فيه مئة وَصِيفة ، مع كلِّ وَصيفة٤ُ) جامٌ من فِضَّة مملوءٌ مسكاً . فكتبَتْ إليه : إنْ كان ما بعثتَهُ ثمناً عن ظَنِّنا فيك فظنُّنا فيك أكثرُ مما بعثت ، وقد بَخَسْتَنَا في الثمن ؛ وإنْ كنتَ تُريد به زيادةَ الموذَّة فقد اتَّهمتَي في المودّة . وردّتْ ذلك عليه . وقد اشترتِ الدارَ المشهورةَ بها بمكة ، المعروفة بدار الخَيْزُران ، فزادَتْها في المسجدِ الحرام . وكان مَغَلُّ ضياعِها في كلِّ سنةٍ ألفَ ألفٍ وستين ألفاً. واتَّفَقَ موتُها ببغدادَ ليلةَ الجمعة لثلاثٍ بقينَ من جُمادَى الآخرة من هذه السنة . وخرج ابنُها الرَّشيد في جنازتِها وهو حاملٌ سريرَها يخبُّ في الطِّين فلما انتهى إلى الْمَقْبُرَة أُتيَ بماءٍ، فغسل رجلَيْهِ، ولبس خُفّاً وصلَّى عليها ، ونزلَ لحْدَها ، فلما خرج من القبر أَتِيَ بسريرٍ فجلس عليه ، واستدعى بالفَضْلِ بنِ الرَّبيع، فولَّاهُ الخاتم والنفقات. وأنشد الرشيدُ قولَ ابنِ نُوَيْرة حين دفَنَ أمَّهُ الخيزران : من الدهرِ حتى قيل لنْ يتصدَّعا وكنَّا كندمانَيْ جَذِيمَةَ بُرْهَةً لطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معدل٥) فلما تفرّقْنا كأني ومالكاً في (ق): ((لولا دقة ساقيك وخموشهما)). وهو تصحيف. والمثبت من ( ب، ح)، والحموشة: الدِّقَّةُ. (١) (٢) في (ق): (( فكدنا وما قدرنا نطير)). والمثبت من ( ب، ح ). (٣) في (ب، ح): ((يجنُّ الضمير)). (٤) في (ب، ح): ((مئة وصيف مع كل وصيف)). والمثبت من ( ق ). (٥) الشعر لمتمّم بن نويرة يرثي أخاه مالكاً كما في الأغاني (٢٨٨/١٥، و٢٩٨، ٢٩٩). ٤٢٦ وفيات سنة ١٧٣ هـ وفيها تُوفيتْ : غادر(١) : جاريةٌ كانت لموسى الهادي ، كان يُحبُّها حبّاً شديداً جدّاً، وكانت تُحسنُ الغناء جدّاً، فبينما هي يوماً تُغنِّه إذْ أخذَتْهُ فكرةٌ غيَّبَتْهُ عنها ، وتغيَّرَ لونُه، فسأله بعضُ الحاضرين : ما هذا يا أميرَ المؤمنين ؟ فقال : أخذَتْني فكرةٌ أني أموت، وأخي هارونُ يتولَّى الخلافةَ بعدي ، ويتزوَّج جاريتي هذه . ففدَاهُ الحاضرون ودَعَوْا له بطول العُمر . ثم استدعى أخاه هارون ، فأخبَرَهُ بما وقع ، فعَوَّذَهُ الرشيدُ من ذلك ، فاستحلفه الهادي بالأيمان المغلَّظة من الطلاق والعَتَاق والحَجِّ ماشياً حافياً أنْ لا يتزوَّجَها ، فحلف له واستحلف الجاريةَ كذلك ، فحلفَتْ له ؛ فلم يكنْ إلَّا أقلَّ من شهرَيْن حتى مات . ثم خطبَها الرشيد ، فقالت : كيف بالأيمان التي حلفناها أنا وأنت ؟! فقال: إنِّي أكَفِّرُ عنِّي وعنك. فتزوَّجَها وحَظِيَتْ عندَهُ جدّاً ، حتى كانتْ تنامُ في حَجْرِهِ فلا يتحرَّكُ خشيةَ أنْ يُزْعجها ؛ فبينما هي ذات ليلة نائمة ببغداد ، إذ انتبهَتْ مَذْعُورةً تبكي ، فقال لها : ما شأنُك ؟ فقالت يا أميرَ المؤمنين ؟ رأيتُ الهادي في منامي هذا وهو يقول : جاوَرْتُ سُكَّانَ المقابر أخْلَفْتِ عَهْدي بعدما أيمانِكِ الكَذِبِ الفَوَاجِزْ ونَسيتِنِي وحَنْتِ في صَدَق الذي سمَّاكِ غادرْ ونَكَحْتِ غادرةً أخي وعُدِدْتُ في الموتى الغَوَابِرْ أمسَيْتُ في أهلِ البِلَى ـدُ ولا تَدُزْ عنكِ الدوائر لا يَهْنكِ الإِلْفُ الجَدِيـ حِ وصِرْتِ حیثُ غدوتُ صائر ولَحِقْتِ بي قبلَ الصَّبَا فقال الرشيد : إنما هذا أضغاثُ أحلام . فقالتْ كلاَّ واللهِ يا أميرَ المؤمنين ، فكأنما كُتِبَتْ هذه الأبيات في قلبي . ثم ما زالَتْ تَرْتَعدُ وتضطربُ حتى ماتتْ قبلَ الصباح . وفيها ماتَتْ : هَيْلاَنَةُ(٢) : جاريةُ الرشيد وهو الذي سمَّاها هَيْلانة لكثرةِ قولِها : هي لانه . قال الأصمعي : وكان لها مُحبّاً، وكانت قبله لخالدٍ بن يحيى بن بَرْمَك، فدَخَلَ الرشيدُ يوماً مَنْزِلَهُ قبلَ الخلافة ، فاعترضَتْهُ في طريقِهِ وقالتْ : أما لنا منك نصيب ؟ فقال : وكيف السبيلُ إلى ذلك ؟ فقالت : استَوْهبني من هذا الشيخ . (١) ترجمتها في المنتظم (٣٤٩/٨). (٢) ينظر في ترجمتها تاريخ بغداد (٩٦/١) وما بعدها، والمنتظم لابن الجوزي (٣٥٢/٨)، وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص(٢٩٥) . ٤٢٧ أحداث سنة ١٧٤ هـ - أحداث سنة ١٧٥ هـ فاستوهَبَها من يحيى بن خالد ، فوَهَبها له ، وحَظيتْ عندَه ؛ ومكثتْ عنده ثلاث سنين ، ثم تُوفيت . فحَزِنَ عليها حُزناً شديداً ، ورثاها ، وكان من قوله فيها : قد قلتُ لمَّا ضَمَّنوكِ الثَّرَى وجالتِ الحَسْرَةُ في صَدري بَعْدَكِ شيءٌ آخرَ الذَّهْرِ(١) اذْهَبْ فلاقِ الله لا سَرَّني وقال العباس بنُ الأحنف في موتِها : قَصَدَ الزمانُ مساءتي فرَمَاكِ يا من تباشرتِ القبورُ بمَوتها إِلَّ التردُّدَ حيثُ كنتُ أراكِ أبغي الأنيسَ فما أرى لي مؤنساً مَلِكٌ بكاكِ فطالَ بعدَكِ حُزْنُهُ لو يستطيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ كي لا يَحِلَّ حِمَى الفؤادِ سواٍ(٢) يَحْمي الفؤادَ عن النساءِ حَفِيظةً قال : فأمر له الرشيدُ بأربعين ألفاً ، لكلِّ بيتٍ عشرةُ آلاف . فالله أعلم . ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئة من الهجرة النبوية فيها وقعَتْ عصبيَّةٌ بالشام وتَخبيطٌ من أهلِها . وفيها استقضى الرشيدُ يوسُفَ بنَ أبي يوسف وأبوهُ حيّ . وفيها غزا الصائفة عبدُ الملك بن صالح ، فدخل بلادَ الروم . وفيها حجَّ بالناس الرشيدُ ، فلما اقترب من مكة بلَغَهُ أنَّ فيها وباءً فلم يدخلْ مكة حتى كان وقتُ الوقوف ؛ فوقف ، ثم جاء الْمُزْدَلِفَةَ ثم مِنَى ، ثم دخل مكة ، فطافَ وسَعَى ، ثم ارْتَحَلَ ولم يَنْزِلْ بها . ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة فيها أخذ الرشيدُ بولاية العهدِ من بعدِهِ لوَلَدِهِ محمد بن زُبَيْدَة ، وسَمَّاهُ الأمين، وعمرُهُ إذْ ذاكَ خمسُ سنين ؛ فقال في ذلك سَلْمٌ الخاسر : قد وفَّقَ الله الخليفةَ إذْ بَنَى بيتَ الخلافةِ للهِجَانِ الأزْهَرِ شَهِدَا عليه بمَنْظَرٍ وبمَخْبَرٍ فهو الخليفةُ عن أبيه وجَدِّهِ لمحمدِ بنِ زُبَيْدَةَ ابنةِ جَعْفٍ(٣) قد بايعَ الثقلانِ في مَهْدِ الهُدَى (١) البيتان في تاريخ بغداد (٩٨/١)، والمنتظم (٣٥٢/٨). (٢) الأبيات فى تاريخ بغداد (٩٨/١) والمنتظم (٣٥٢/٨، ٣٥٣) . وقد سقط من ( ق ) البيتان الثالث والرابع ، وهما في ( ح ) . (٣) الأبيات فى تاريخ الخلفاء ص (٢٩١) وفيه: ((قد بايع الثقلان مهديَّ الهدى)). ٤٢٨ وفيات سنة ١٧٥ هـ وقد كان الرشيدُ يتوسَّمُ النجابةَ والرَّجَاحة في عبدِ الله المأمون ويقول : والله فيه حَزْمُ المنصور ، ونُسك المَهْدِيّ، وِزَّةُ نفسِ الهادي ، ولو شئتُ أنْ أقولَ الرابعةَ مني لقلت ، وإنِّي لأقَدِّمُ محمدَ بن زُبيدة ، وإني لأعلمُ أنه مُتَبعٌّ هواه ، ولكنْ لا أستطيعُ غيرَ ذلك ثم أنشأ يقول : غُلبتُ على الأمرِ الذي كان أحزَمَا لقد بانَ وَجْهُ الرأي لي غيرَ أنني تَوَزَّعَ حتى صار نَهْباً مُقَسَمَا وكيف يُرَدُّ الدَّرُ في الضَّرْعِ بعدَمَا وأنْ يُنْقَض الأمرُ الذي كان أُبْرِمَا١) أخافُ التِواءَ الأمرِ بعدَ اسْتِوائِهِ وغزا الصائفةَ عبدُ الملك بن صالح في قول الواقدي(٢) ؛ وحج بالناس الرشيد . وفيها سار يحيى بن عبد الله بن حسن إلى الدَّيْلَم ، وتحرّك هناك . وفيها تُوفي من الأعيان : شَعْوانةُ العابدةُ الزاهدة ٣) : كانت أمَةً سوداء ، كثيرة العبادة ، رُوي عنها كلماتٌ حسان ، وقد سألها الفُضَيْلُ بن عياض الدعاءَ فقالت: أمَا بينَكَ وبينَهُ ما إنْ دعَوْتَهُ استجابَ لك ؟! فشهق الفُضيل ، ووقَعَ مَغْشياً عليه . وفيها تُوفي : اللَّيْثُ بن سعد بن عبد الرحمن الفَهميّ، مولاهمُ(٤): قال ابنُ خَلَّكال(٥) : كان مولى قيسٍ بن الأبيات في المنتظم (٩/ ١٠). (١) (٢) انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢٨٨/٥). انظر خبرها في حلية الأولياء (٨/ ١١٣)، وتاريخ بغداد (١١٢/٩). وترجمتها في صفة الصفوة (٥٣/٤)، (٣) المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٢٦٤/٥)، روض الرياحين (٢٥٧) ( الحكاية (١٨٩)، و(٥١٦) ( الحكاية ( ٤٧٥)، طبقات الشعراني (٦٧/١)، الكواكب الدرية (٣٢٧/١)، الدر المنثور (٢٥٦). (٤) ترجمته في طبقات ابن سعد (٧/ ٥١٧)، طبقات خليفة (٢٩٦)، تاريخ خليفة (٤٤٩)، التاريخ الكبير (٢٤٦/٧)، التاريخ الصغير (١٩١/٢)، المعارف (٥٠٥)، الكنى والأسماء للدولابي (١٤٥)، الجرح والتعديل (١٧٩/٧)، مشاهير علماء الأمصار الترجمة (١٥٣٦)، الحلية (٣١٨/٧)، تاريخ بغداد (٣/١٣)، طبقات الفقهاء (٧٨)، صفة الصفوة (٣٠٩/٤)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٢٣٩/٤)، جامع الأصول له (١٤٨/١٥)، تهذيب الأسماء واللغات (٧٣/٢)، وفيات الأعيان (١٢٧/٤)، طبقات علماء الحديث الترجمة (١٩٤)، مختصر تاريخ دمشق (٢٤٦/٢١)، الأنساب (٣٥٣/٩)، ميزان الاعتدال (٤٢٣/٣)، العبر (٢٦٦/١)، سير أعلام النبلاء (١٣٦/٨)، تذكرة الحفاظ (٢٢٤/١)، تهذيب التهذيب (٤٥٩/٨)، تقريب التهذيب (٤٦٤)، النجوم الزاهرة (٨٢/٢)، الطبقات الصغرى للمناوي (٥٢٠)، شذرات الذهب (٣٣٩/٢)، جامع كرامات الأولياء (٢٣٨/٢). (٥) في وفيات الأعيان (٤/ ١٢٧) . ٤٢٩ وفيات سنة ١٧٥ هـ رفاعة ، وهو مولى عبدِ الرحمن بن مسافر الفَهْمي . كان الليثُ إمامَ الدِّيار المصرية بلا مُدَافَعَة ، وولد بِقَرْ قَشْندَة من بلادِ مصرُ(١) ، سنةَ أربع وتسعين . وكانت وفاتُه في شعبان من هذه السنة ، ونشأ بالديار المصرية. وقال ابنُ خلِّكان: أصلُهُ مَنْ قَلْقَلَشَنْدَة٢)، وضَبَطَهُ بقافين الثانية متحرّكة . وحُكي عن بعضهم أنه كان جيِّدَ الذِّهْن(٣)، وأنه وَلِي القضاءَ بمصر، [فلم يحمَدوا ذهنهُ بعدَ ذلك (٤) . ولد سنةَ أربعٍ وعشرين ومئة ، وذلك غريبٌ جدّاً. وذكروا أنه كان يدخلُه من مُلْكِه في كلِّ سنةٍ خمسةُ آلاف دينار. وقال آخرون: كان يدخُلُه من الغَلَّة في كلِّ سنة ثمانون ألف دينار ، وما وجبَتْ عليه زكاة . وكان إماماً في الفقه والحديث والعربية . قال الشافعي : كان الليثُ أفقهَ من مالك، إلَّ أنه ضيَّعهُ أصحابُ(٥) . وبعث إليه مالك يستهديه شيئاً من العصفر لأجلِ جهاز ابنتِهِ ، فبعث إليه بثلاثين حِملاً ، فاستعمل منه مالكٌ حاجتَه ، وباع منه بخمس مئة دينار، وبقيَتْ عنده منه بقيّة . وحجَّ مرةً فأهدى له مالكٌ طبقاً فيه رُطَب، فردَّ الطبقَ وفيه ألفُ دينار . وكان يهبُ للرجلِ من أصحابِهِ من العلماء الألف دينار وما يُقاربُ ذلك ، وكان يخرج إلى الإسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبَخُهُ في مركب . ومناقبه كثيرةٌ جدّاً ، وقد ذكرناه في التكميل . وحكى ابنُ خَلِّكان أنه سمع قائلاً يقولُ يوم مات الليث : ذهب اللَّيثُ فلا لَيْثَ لكم ومَضَى العلمُ غريباً وقُبِرْ فالتفتوا فلم يرَوا أحداً . وفيها تُوفي : المنذر بن عبد الله بن المنذر(٦) القُرَشي، عَرَض عليه المهدي أنْ يليَ القضاء ، ويعطيَهُ من بيت المال مئة ألف درهم ؛ فقال : إني عاهدتُ الله أنْ لا أليَ شيئاً ، وأعيذُ أميرَ المؤمنين بالله أنْ أخيسَ بعَهْدي . فقال له المهدي : اللهِ ؟ قال : اللهِ . قال : انطلقْ، فقد أعفَيْتُك . معجم البلدان (٤ / ٣٢٧). (١) في (ح، ق): ((قلقشندة)) ، وكذا في وفيات الأعيان ، والمثبت من ( ب). (٢) (٣) في (ب): ((حنفي المذهب))، وفي (ح) ((جيد المذهب))، والمثبت من ( ق ). (٤) ما بين المعقوفين ليس في ( ب ، ح ) ، وهو من ( ق ) . طبقات المحدثين بأصبهان (٤٠٦/١)، وتهذيب الأسماء واللغات (٣٨٢/٢). ترجمته في الثقات لابن حبان البستي (١٧٦/٩)، تاريخ بغداد (٢٤٤/١٣)، تهذيب الكمال (٥٠٣/٢٨)، (٥) (٦) تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (٣١٧)، تقريب التهذيب ( ٥٤٦). ٤٣٠ أحداث سنة ١٧٦ هـ ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئة فيها كان ظهورُ يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ببلاد الدَّيْلَم ، واتَّبَعهُ خلقٌ كثير، وجَمِّ غَفير ، وقَويتْ شوكتُه، وارتَحَلَ إليه الناسُ من الكُوَرِ والأمصار ، فانزعجَ لذلك الرشيد ، وقَلِقَ من أمرِهِ ؛ فَنَدَب إليه الفضلَ بن يحيى بن خالد بن بَرمك في خمسين ألفاً ، وولَاهُ كُوَرَ الجبلِ والرَّيِّ وجُرْجَانَ وطَبَرِسْتانَ وقُومس ، وغيرِ ذلك، فسار الفضلُ بن يحيى إلى تلك الناحية في أُتَّهةٍ عظيمة ، وكُتُب الرشيدِ تَلْحَقُه مع البُرُدِ في كلِّ مَنْزلة، وأنواعُ النُّحَفِ والبِرّ . وكاتَبَ الرشيدُ صاحبَ الدَّئِلم ، ووعَدَهُ بألفِ ألفِ درهم إنْ هو سَهَّلَ خروجَ يحيى إليهم . وكتب الفضلُ إلى يحيى بن عبد الله يَعِدُه ويُمَنِّه، ويؤمَّلُه ويُرَجِّيه، وأنه إنْ خرجَ إليه أنْ يُقيم له العُذْرَ عند الرشيد ؛ فامتنَعَ يحيى أن يخرجَ إليهم حتى يكتُبَ له الرشيدُ كتابَ أمانٍ بيدِهِ فكتبَ الفضلُ إلى الرشيد بذلك ، ففَرِحَ الرشيد ، ووقَعَ منه موقعاً عظيماً . وكتب الأمانَ بيدِه ، وأشهَدَ عليه القضاةَ والفقهاء ، ومشيخةَ بني هاشم ، منهم عبدُ الصمد بنُ علي . وبعث الأمانَ وأرسل معه جوائزَ وتُحَفاً كثيرةً جدّاً، فلما وصلَتْ إلى الفضل ، بعثَها بكمالِها إلى يحيى بن عبد الله، فسارَ بهِ الفضلُ، فدخل بهِ بغداد ، وتلقَّاهُ الرشيدُ وأكرَمَهُ ، وأجزَلَ له في العطاء ، وخدَمَهُ آلُ برمكَ خدمةً عظيمة، بحيث إنَّ يحيى بنَ خالد كان يقول : خدمتُهُ بنفسي وولدي ، وعَظُمَ الفضلُ عندَ الرشيدِ جدّاً بهذه الفَعْلة، حيث سعى بالصُّلح بين العباسيِّين والفاطميِّين ؛ ففي ذلك يقولُ مروان بنُ أبي حَفْصَة بن يحيى ، ويشكرُهُ على صَنيعهِ هذا : رَتَقْتَ بها الفَتْقَ الذي بين هاشِمٍ ظَفِرْتَ فلا شَلَّتْ يَدٌ بَزْمَكيّةٌ فكَفُّوا وقالوا ليس بالمتلائِمِ على حينٍ أعْيَا الزَّاتِقِينَ التئامُهُ فأصبحتَ قد فازَتْ يداكَ بخطَّةٍ من المجدِ باقٍ ذكرُها في المواسِمِ لِكُمْ كلَّما ضُمَّتْ قِدَاحُ الْمُسَاهِمْ(١) وما زالَ قِدْعُ المُلكِ يَخْرُجُ فائزاً قالوا: ثم إنَّ الرشيدَ تنكَّرَ ليحيى بن عبد الله بن حسن، وتغَيَّرَ عليه، ويُقال إنه سَجَنَه ، ثم استحضرَه ، وعندَهُ جماعاتٌ من الهاشميِّين وأحضرَ الأمانَ الذي بعثَ به إليه ، فسأل الرشيدُ محمدَ بن الحسن عن الأمان ، أصحيحٌ هو ؟ قال : نعم . فتغيَّظَ الرشيدُ عليه ؛ وقال أبو البَخْتَرِيّ : ليس هذا الأمانُ بشيء ، فاحكُمْ فيه بما شئت . ومزَّقَ الأمانَ وبصق فيه أبو البختريّ ، وأقبل الرشيدُ على يحيى بن عبد الله فقال : هيهِ، هيه! وهو يتبسَّمُ تبشُّمَ الْمُغضَب وقال : إنَّ الناس يزعمون أنَّا سَممناك. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، إنَّ لنا قرابةً ورَحماً وحقّاً ، فعلامَ تعذّبُي وتَحبسُني ؟ فرَقَّ له الرشيد ، فاعترض بكَّارُ بن (١) الأبيات في المنتظم لابن الجوزي (٩/ ١٧). ٤٣١ أحداث سنة ١٧٦ هـ مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فقال : يا أميرَ المؤمنين ، لا يغرَّنَّك هذا الكلام من هذا ، فإنه عاصٍ شاقّ، وإنما هذا منه مكْرٌ وخُبْث ؛ وقد أفسَدَ علينا مدينتنا وأظهر فيها العِضْيان .. فقال له يحيى : ومن أنتم عافاكُمُ الله ، وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي وآباء هذا . ثم قال يحيى : يا أمير المؤمنين ، إنما الناسُ نحنُ وأنتم . والله يا أمير المؤمنين ، لقد جاءني هذا حين قُتل أخي محمد بن عبد الله فقال: لعَنَ الله قاتلَه ، وأنشدني فيه نحواً من عشرين بيتاً وقال لي : إنْ تحرّكْتَ إلى هذا الأمر فأنا أولُ من يُبايعُك ، وما يمنعُكَ أنْ تلحقَ بالبصرة وأيدينا معك. قال : فتغيَّرَ وجهُ الرشيد ووجهُ الزُّبيريّ، وأنكَرَ وشرَعَ يَحْلِفُ الأيمانَ المغلَّظَة إنه لكاذبٌ في ذلك . وتحَيَّرَ الرشيدُ ثم قال ليحيى : أتحفظُ شيئاً من المرئيَّة ؟ قال : نعم ، وأنشده منها جانباً فازدادَ الزُّبير في الإنكار ، فقال له يحيى بنُ عبدِ الله : فقلْ إنْ كنتُ كاذباً فقد برئتُ من حَوْلِ الله وقُوَّتِهِ ، ووَكَلَني الله إلى حولي وقُوَّتي. فامتنعَ من الْحَلِفِ بذلك . فعزَمَ عليه الرشيد ، فحلف بذلك ، فما كان إلَّا أنْ خرجَ من عند الرشيد ، فرَمَاهُ الله بالفالج ، فمات من ساعته . ويُقال إنَّ امرأته غمَّتْ وجهَهُ بِمَخذَّة ، فقتلَه الله . ثم إنَّ الرشيد أطلق يحيى بن عبد الله ، وأطلق له مئة ألف دينار . ويُقال : إنما حبَسَه بعضَ يوم ، وقيل ثلاثة أيام ، وكان جملةُ ما وصله من المال من الرشيد أربعمئة ألف دينار من بيتِ المال ، وعاش بعد ذلك كلِّه شهراً واحداً ، ثم مات رحمه الله . وفيها وقعَتْ فتنةٌ عظيمةٌ بالشام بين النِّزَارِيَّة - وهم قَيْس - واليمانيَّة - وهم يَمَن - وهذا كان أولَ يومٍ بُدوِّ أمرِ العشيرتينِ بحَوْران، وهم قيسٌ ويَمَن ، أعادوا ما كانوا عليه في الجاهليّة في هذا الآن ؛ وقُتل منهمَ في هذه السنة بشرٌ كثير. وكان على نيابةِ الشام كُلِّها من جهةِ الرشيد ابنُ عمِّهِ موسى بن عيسى ، وقيل عبد الصمد بن علي ، فالله أعلم . وكان على نيابةِ دمشق بخصوصها سِنْديُّ بن سهل أحدُ موالي جعفر المنصور . وقد هَدَمَ سورَ دمشق حين ثارَتِ الفتنةُ خوفاً من أنْ يتغلّب عليها أبو الهيذام المِرِّي رأسُ القيسيّة . وقد كان سنديُّ هذا دميمَ الخلق. قال الجاحظ: وكان لا يُحلِّفُ المكاري ولا الملاَّح ولا الحائك ويقول : القولُ قولُهم ؛ ويستخيرُ الله في الحمَّال ومعلِّم الكُتَّاب . وقد تُوجِّي سنةَ أربعٍ ومئتين . فلما تفاقم الأمرُ بعَثَ الرشيدُ من جهته موسى بن يحيى بن خالد ومعه جماعةٌ من القُوَّاد ورؤوس الكُتَّاب، فأصلحوا بين الناس ، وهدأتِ الفتنة ، واستقام أمرُ الشامُ(١) ، وحملوا جماعات من رؤوس الفتنة إلى دار السلام، فردَّ الرشيدُ أمرَهم إلى يحيى بن خالد ، فعَفَا عنهم وأطلقهم ، وفي ذلك يقول بعض الشعراء : قد هاجَتِ الشامُ هيجاً يُشِيبُ راسَ وليدِهْ (١) في (ق): ((أمر الرعية))، وفي (ح): ((أمر الرشيد))، والمثبت من ( ب). ٤٣٢ أحداث سنة ١٧٦ هـ بِخَيْلِهِ وُجُنودِهِ فصَبَّ موسی علیھا فدانتِ الشَّامُ لمَّا أتى نَسيجُ وَحيدِهْ ذَكُلَّ جُودٍ بِجُودِهِ هذا الجَوَادُ الذي بَذْ يَحْيَى وُجُودُ جُدُودِه أعْدَاهُ جودُ أبيهِ بطارفٍ وتَليدِةْ فجاد موسى بن يحيى ــدٍ وهو حَشْوُ مُهُودِه ونالَ موسى ذُرَا الْمَجْـ مَنْشُورِهِ وقَصِيدِهْ خَصَصْتُهُ بِمَديحي لَهُ فأكْرِمْ بِعُودِهْ من البرامِكِ عُوداً حَوَوْا على الشِّعْرِ طُرّاً خَفيفِهِ ومَدِيدِةْ وفيها عَزَلَ الرشيدُ الغِطْرِيفَ بنَ عطاء عن خراسان وولَّها حمزةَ بنَ مالك بن الهيثم الخزاعي الملقَّب بالعروس . وفيها ولَّى الرشيدُ جعفرَ بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك نيابةَ مصر ، فاستنابَ عليها جعفرٌ عمرَ بن مِهْرَان ، وكان شَنيِعَ الخُلُقَ زَريَّ الشكل بين الكتَبَة ، أحوَل ، وكان سببُ ولايته إيّاها أنَّ نائبَها موسى بن عيسى كان قد عزَمَ على خَلْع الرشيد ، فقال الرشيد: واللهِ لأعزِلَنَّه، ولأوَلِّينَّ عليها أحسنَ الناس . فاستدعى عمرَ بن مهران هذا، فولَّاهُ عليها عن نائِهِ جعفر بن يحيى البَزْمكيّ ؛ فسار إليها عمر بن مهران على بغل ، وغلامه أبو دُرّة على بغلٍ آخر، فدخلها كذلك، فانتهى إلى مجلسِ نائبها موسى بنِ عيسى، فجلس في أُخرَيَاتِ الناس ، فلمّا انفضَّ الناسُ أقبل عليه موسى بن عيسى وهو لا يعرِفُ منْ هو فقال : أَلَكَ حاجةٌ يا شَيخ ؟ قال : نعَمْ أصلَحَ الله الأمير. ثم دفَعَ الكُتُبَ إليه، فلمَّا قرأها قال : أنت عمرُ بن مِهْران؟ قال : نعم . قال : لعَنَ الله فِرْعونَ حين قال: ﴿ أَلَيَسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ﴾ [ الزخرف: ٥١]. ثم سلَّم إليه العمل، وارتحل منها، وأقبل عمر بن مِهْرَان على عمَلِه ، وكان لا يقبلُ شيئاً من الهدايا إلَّ ما كان ذهباً أو فضَّة أو قماشاً ، ثم يكتبُ على كلِّ هديّةٍ اسمَ مُهْديها ، ثم يطلبُ الخراجَ ويُلُ في طلَبِهِ عليهم، فشرَعَ بعضُهم في مُمَاطَلَتِهِ، فأقسم لا يَمْطُلُهُ أحدٌ فيقبض منه شيئاً ؛ وإنما يَبْعَثُهُ إلى بغداد ، ويَزِنُ خراجَهُ بها ، ويأتي بورقة القبض ، ففعل ذلك ببعض الناس ، فتأذَّبَ بقيَّتُهم ، ثم جَباهُمُ القسط الثاني ، فلما كان الثالث عَجَزَ كثيرٌّ منهم عن الأداء ، فجعَلَ يستحضرُ ما كانوا أدَّوْهُ إليه من الهدايا، فإنْ كان نقداً أدَّاهُ عنهم ، وإنْ كان بزّاً باعَهُ وأدَّاهُ عنهم ، وقال لهم : إِنِّي إنَّما ادَّخَرْتُ هذا لكم إلى وقتِ حاجتِكم . ثم أكمل استخراجَ جميعِ الخراج بديارٍ مصر ، ولم يفعل ذلك أحدٌ قبلَه . ثم انصرف عنها لأنه كان قد شرَط الرشيدُ أنه إذا مهد البلاد ، وجَبَى الخراج ، فذاك إذنُهُ في الانصراف . ولم يكنْ معه بالديارِ المصريةِ جيشٌ ولا غيرُه، سوى مولاهُ أبو دُرَّةَ وحاجبُه ، وهو منفذٌ أمورَه . وفيها غزا الصائفة عبدُ الرحمن بن عبد الملك ، ففتح حصناً . وفيها حجَّتْ زُبيدة زوجةُ الرشيد ومعها أخوها ، وكان أميرَ الحج سليمانُ بن أبي جعفر المنصور ، عمُّ الرشيد . ٤٣٣ وفيات سنة ١٧٦ هـ وفيها تُوفي : إبراهيم بن صالح (١) بن علي بن عبد الله بن عباس ، كان أميراً على مصر ، توفي في شعبان . حكى عنه عبد الله بن وهب . وإبراهيم بن هَرْمَةُ(٢): كان شاعراً ، وهو إبراهيمُ بن عليّ بن سَلَمة بن عامر بن هَرْمَة ، أبو إسحاق الفِهْرُّ المدني . شاعرٌ مُفْلِقٍ . وَفَد على المنصور في وَفْدِ من أهل المدينةِ حين استوفَدَهُمْ عليه ، فجلسوا إلى سِترٍ دونَ المنصور ، يرى الناسَ من ورائه ولا يرَوْنَه ، وأبو الخصيب الحاجب واقفٌ يقول : يا أمير المؤمنين ، هذا فلانٌ الخطيب ؛ فيأمرُه فيخطب ، ويقول : هذا فلانٌ الشاعر ؛ فيأمره فيُنْشد ، حتى كان من آخرِهم ابنُ هَرْمَةَ هذا ، فسمعتُه يقول : لا مرحباً ولا أهلاً ، ولا أنعَمَ الله بكَ عيناً !. قال : فقلتُ : هلَكْتُ ، ثم استنشدني فأنشدتُه قصيدتي التي أقولُ فيها : سَرَى ثوْبَهُ عنكَ الصِّبَا المتخايلُ وقَرَّبَ للبَيْنِ الخليطُ الْمُزَايلُ(٣) حتى انتهيتُ إلى قولي : فأمَّا الذي أمَّنْتَهُ يأمنُ الرَّدَى وأمَّا الذي حاولتَ بالتُكْلِ ثاكِلُ قال : فأمر برَفْع الحجاب ، فإذا وجههُ كأنه فَلْقَةُ قمَر فاستنشدني بقيَّةَ القصيدة ، وأمَرَ لي بالقُرب بين يديه ، والجلوسِ إليه ، ثم قال: ويحك يا إبراهيم ! لولا ذنوبٌ بلغَتْني عنك، لفضَّلْتُكَ على أصحابك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، كلُّ ذنبٍ بلغَكَ عني لم تعفُ عنه فأنا مُقْرِّ به . قال : فتناول الْمِخْصَرة ، فضربني بها ضربتَيْن ، وأمر لي بعشرةِ آلافٍ وخِلْعَة، وعَفَا عني، وألحقَني بنُظَرائي . وكان من جملةٍ ما نقَمَ المنصورُ عليه قولُه : فإنِّي أُحِبُّ بني فاطمَهْ ومهما أُلامُ على حُبِّهِمْ وبالدِّينِ والسَُّّةِ القائمَهْ بني بنتِ منْ جاء بالمحكماتِ سواهم من النَّعَمِ السَّائمه (٤) فلستُ أبالي بحُبِّي لهمْ ترجمته في المنتظم لابن الجوزي (٢١/٩)، سير أعلام النبلاء (٢٧٤/٨). (١) ترجمته في الأغاني (٣٦١/٤)، تاريخ بغداد (١٢٧/٦)، الإكمال لابن ماكولا (٣١٤/٧)، المنتظم لابن (٢) الجوزي (٢١/٩)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٠٧)، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة (٨٠/١). البيت من شواهد اللسان ( سري ) : وفيه : سَرَوتُ الثوبَ وغيرَهُ عِنِّي سَرْواً سَرَيْتُهُ سَزَّيْتُه إذا ألقَيْتَهُ عنك ونَضَوْتَه . (٣) وساق البيت . والخبر والشعر في تاريخ بغداد (١٢٨/٦)، والمنتظم (٩/ ٢١). (٤) الأبيات في المنتظم لابن الجوزي (٢٣/٩). ٤٣٤ وفيات سنة ١٧٦ هـ قال الأخفش : قال لنا ثعلب: قال الأصمعي: خُتم الشعراء بابن هَرْمَةُ(١) . ذكر وفاته في هذه السنة أبو الفرَج ابنُ الجوزي(٢). وفيها توفي : الجرّاح بن مليح والد وكيع بن الجراح . وسعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن جميل أبو عبد الله المدَني ، وَلي قضاءَ بغداد سبعَ عشرةَ سنة لعسكرِ المهدي . وثَّقَه ابنُ معين وغيرُه . وفيها توفي : صالح بن بشير المُرِّيّ(٣) : أحدُ العُبَّاد الزُّهَّاد، كان كثيرَ البكاء ، وكان يَعِظُ فيحضُر مجلسَهُ سفيانُ الثَّوْريُّ وغيرُهُ من العلماء ؛ ويقولُ سفيان : هذا نذيرُ قوم . وقد استدعاهُ المهديُّ لِيَحْضُرَ عندَه ، فجاء إليه راكباً على حمار ، فدَنَا من بساطِ الخليفةِ وهو راكب ، فأمر الخليفةُ ابنَيْهِ وليَّي العهد من بعدِه موسى الهادي وهارون الرشيد أنْ يقوما إليه ليُنْزِلاهُ عن دابته ، فابتدَرَاهُ فأنزلاه . فأقبل صالحٌ على نفسه فقال : لقد خبتُ وَخَسِرْت إنْ أنا داهنتُ ولم أصدَعْ بالحقِّ في هذا اليوم وفي هذا المقام . ثم جلس إلى المهدي ، فوعَظَه موعظةً بليغةً حتى أبكاه . ثم قال له : اعلمْ أنَّ رسولَ الله وَّ خِصَمَ من خالَفَهُ في أمَّتِهِ ، ومن كان محمدٌ خصمهُ كان الله خصمَه ؛ فأعدَّ لمخاصمةِ الله ومُخاصمةِ رسولِه حُجَجاً تضمنُ لك النجاة ، وإلَّ فاستسلمْ للهَلَكَة، واعلَمْ أنَّ أبطأ الصَّرْعَى نهضةً صريعُ هَوى بدْعَته ؛ واعلم أن الله قاهرٌ فوقَ عبادِه ، وأنَّ أثبتَ الناسِ قدَماً آخذُهُمْ بكتابِ الله وسُنَّةِ رسولِه . وكلام طويل . فبكى المهدي ، وأمر بكتابةِ ذلك الكلام في دواوينه . (١) بعد هذه الكلمة في ( ب، ح) ما نصّه: ((وهو آخر الحج))، وفي الأغاني (٤/ ٣٦٧): كان الأصمعيُّ يقول : ختم الشعراء بابن هرمة ، والحكم الخضري ، وابن ميادة ، وطفيل الكناني ، ومكين العذري . (٢) انظر مصادر ترجمته في مطلع ترجمته في الصفحة السابقة . (٣) ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٨١/٧)، تاريخ خليفة (٤٤٨)، طبقات خليفة (٢٢٣)، التاريخ الكبير (٢٧٣/٤)، الضعفاء للعقيلي (١٩٩/٢)، الجرح والتعديل (٣٩٥/٤)، الكامل في الضعفاء (٤/ ٦٠)، حلية الأولياء (١٦٥/٦)، تاريخ بغداد (٣٠٥/٩)، صفة الصفوة ( ٣/ ٣٥٠)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (١٣٤/٣)، وفيات الأعيان (٤٩٢/٢)، تهذيب الكمال (١٦/١٣)، سير أعلام النبلاء (٤٢/٨)، ميزان الاعتدال (٢٨٩/٢)، المغني في الضعفاء (٣٠٢/١)، العبر (٢٦٢/١)، تهذيب التهذيب (٣٨٢/٤)، الوافي بالوفيات (١٦/ ت٢٧٦)، طبقات الشعراني (٤٦/١)، شذرات الذهب (٢٨١/١). ٤٣٥ أحداث سنة ١٧٧ هـ وفيها تُوفي : عبدُ الملك بن محمد بن أبي بكر عمرو بن محمد بن عمرو بن حَزْم ؛ قَدِم قاضياً بالعِراق . وفَرَج بن فضالة التنوخي الحمصي(١) : كان على بيتِ المال ببغداد في خلافةِ الرشيد ، فتوفي في هذه السنة ، وكان مولدُه سنة ثمانٍ وثمانين ، فمات وله ثمانٌ وثمانون سنة ، ومن مناقبه أنَّ المنصورَ دخل يوماً إلى قصرِ الذهب ، فقام الناسُ إلَّ فرجَ بن فضالة ، فقال له وقد غَضِب عليه لمَ لم تقمْ ؟ قال : خفتُ أنْ يسألَني الله عن ذلك ويسألَك: لِمَ رضيتَ بذلك، وقد كَرِهَ رسولُ اللهِ وََّ القيامَ للناس. قال: فبكى المنصورُ وقَّبَهُ وقَضَی حوائجَه . والمسيَّب بن زهير بن عمرو (٢): أبو سَلَمة الضَّبِّي، كان واليَ الشُّرطة ببغداد في أيامِ المنصور والمهدي والرشيد ، ووَلي خراسان مرةً للمهدي . عاش ستّاً وتسعين سنة . والوضَّاح بن عبدِ الله(٣): أبو عوانة اليَشْكُريّ(٤)، مولاهم ، كان من أئمة المشايخ في الرواية ، توفي في هذه السنة وقد جاوز الثمانين . ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئة فيها عزل الرشيدُ جعفر بن يحيى البرمكيَّ عن مصر، وولَّى عليها إسحاق بن سليمان ، وعزَل حمزة بن مالك عن خُراسان وولَّى عليها الفضلَ بن يحيى البرمكي ، مضافاً إلى ما كان بيدِه من الأعمال بالريَّ وسِجِسْتان ، وغير ذلك . وذكر الواقديُّ أنه أصاب الناسَ ريحٌ شديدةٌ وظُلْمٌ في أواخر المحرَّم من هذه السنة ، وكذلك في أواخر صفر منها . وفيها حجَّ بالناس أمير المؤمنين هارون الرشيد . (١) ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (١٣٤/٧)، التاريخ الصغير له (٢٠٥/٢)، الكنى والأسماء لمسلم (٦٨٥/١)، الضعفاء والمتروكين للنسائي (٨٧)، الضعفاء للعقيلي (٤٦٣/٣)، الجرح والتعديل (٨٥/٧)، المجروحين لابن حبان (٢٠٦/٢)، الكامل لابن عدي (٢٨/٦)، تاريخ بغداد (٣٩٣/١٢)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٤/٣)، تهذيب الكمال (١٥٦/٢٣)، الكاشف (١٢٠/٢)، ميزان الاعتدال (٤١٥/٥)، تحفة التحصيل (٢٥٧)، الكشف الحثيث (٢٠٨)، لسان الميزان (٣٣٤/٧)، تهذيب التهذيب ( ٢٣٤/٨)، تعجيل المنفعة (٣٣٣). (٢) ترجمته في تاريخ بغداد ( ١٣ / ١٣٧). ترجمته في تهذيب الكمال (٤٤١/٣٠)، تاريخ جرجان (٤٨١)، تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل (٣) (٣٣٦)، تهذيب التهذيب (١٠٣/١١)، طبقات الحفاظ (١٠٦). (٤) في (ح، ق): (( السري))، تصحيف، والمثبت من ( ب ) ومصادر ترجمته. ٤٣٦ وفيات سنة ١٧٧ هـ - أحداث سنة ١٧٨ هـ وفيها توفي : شَريك بن عبد الله(١): القاضي الكوفي النَّخَعي، سمع أبا إسحاق السَّبيعي، وغيرَ واحد . وكان مَشْكوراً في حُكْمِه، وتنفيذِ الأحكام . وكان لا يجلسُ للحُكْم حتى يتغدَّى، ثم يُخرجُ ورقةً من قِمَطْرٍ(٢) ، فينظرُ فيها، ثم يأمرُ بتقديم الخُصوم إليه ، فحرَصَ بعضُ أصحابِهِ على قراءةِ ما في تلك الورقة ، فإذا فيها : شَريكُ بن عبدِ الله اذكُرِ الصِّراطَ وحِدَّتَه ، يا شريكُ بنَ عبدِ الله ، اذكُرِ الموقفَ بين يدي الله عزَّ وجلَّ . كانت وفاتُهُ يوم السبت مستهلَّ ذي القَعْدَة منها . وفيها تُوفي : عبدُ الواحد بن زيد . ومحمد بن مسلم . وموسى بن أعْيَن . ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئة فيها وثبَت طائفةٌ من الحَوفية ، من قيسٍ وقُضاعة على عامِلِ مصر إسحاقَ بنِ سليمان ، فقاتلوه ، وجرَتْ فتنةٌ عظيمة، فبعثَ الرشيدُ هَرْثَمَةَ بن أَعيَن، نائبَ فِلَسْطين، في خَلْقٍ من الأمراء ، مدداً لإسحاق ، فقاتلوهم حتى أذْعَنوا بالطاعة، وأدَّوْا ما عليهم من الخراج والوظائفِ ؛ واستمرَّ هَرْثَمهُ نائباً على مصر نحواً من شهر ، عِوضاً عن إسحاقَ بنِ سليمان ؛ ثم عَزَلَهُ الرشيدُ عنها ، وولَّى عليها عبد الملك بن صالح . وفيها وثبَتْ طائفةٌ من أهل إفريقيَةَ ، فقتلوا الفضلَ بن رَوْحِ بن حاتم ، وأخرجوا منْ كان بها من آلٍ المُهلَّب ، فبعث إليهم الرشيدُ هَرثَمة ، فرجعوا إلى الطاعةِ على يديه . (١) ترجمته في التاريخ الكبير (٢٣٧/٤)، معرفة الثقات (٤٥٣/١)، ذكر أسماء التابعين للدارقطني (١١٣/٢)، الضعفاء للعقيلي (١٩٣/٢)، الجرح والتعديل (٣٦٥/٤)، مشاهير علماء الأمصار (١٧٠)، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (٦/٤)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٣٩/٢)، تهذيب الكمال (٤٦٢/١٢)، الكنى في سرد الكنى (٣٥٦/١)، تذكرة الحفاظ (٢٣٢/١)، سير أعلام النبلاء (٢٠٠/٨)، ميزان الاعتدال (٣٧٢/٣)، التبيين لأسماء المدلسين للطرابلسي (١١١)، تحفة التحصيل (١٤٧)، طبقات المدلسين لابن حجر ( ٣٣) ، الكواكب النيرات (٤٧). (٢) في (ق): ((من خفه)). والقِمَطْر، ما يُصان به الكتب. ٤٣٧ أحداث سنة ١٧٨ هـ وفيها فوَّضَ الرشيدُ أمورَ الخلافةِ كلَّها إلى يحيى بنِ خالد بن بَرْمك . وفيها خرج الوليدُ بن طريف بالجزيرة ، وحكم بها ، وقتل خَلْقاً من أهلِها ، ثم مَضَى منها إلى إزمِينَة ، فكان من أمرِهِ ما سنذكُرُه . وفيها سار الفضلُ بن يحيى إلى خراسان ، فأحسَنَ السيرةَ فيها ، وبَنَى فيها الرُّبُط والمساجد ، وغزا ما وراءَ النهر ، واَّخَذ بها جنداً من العَجَم، سَمَّاهُم العَبَّاسِيَّة، وجعل ولاءَهُمْ لَه، وكانوا نحواً من خمسمئةِ ألف ، وبعثَ منهم نحواً من عشرينَ ألفاً إلى بغداد ، فكانوا يُعرفون بها بالكَرْنَبِيَّة ؛ وفي ذلك يقولُ مروانُ بن أبي حَفْصَة : ما الفضلُ إلَّ شهابٌ لا أفُولَ لَهُ حامٍ على مُلكِ قومٍ غرّ سهمهمُ أمسَتْ يدٌ لبني ساقي الحَجِيجِ بها كتائبٌ لبني العباسِ قد عَرَفتْ أثبتَّ خمسَ مِئينٍ في عدادِهمُ يُقارعون عن القومِ الذينَ همُ إنَّ الجوادَ بن يحيى الفضل لا وَرِقٌ ما مرَّ يومٌ له مُذْ شِدَّ مِنزَرَهُ كم غايةٍ في النَّدَى والبأسِ أَخْرَزَها يُعْطِي اللُّهَى حين لا يُعطي الجوادُ ولا ولا الرِّضَا والرِّضا للهِ غايَتُهُ قد فاض عرفُكَ حتى ما يُعادِلُهُ و كان قد أنشده قبل خروجه إلى خراسان : عند الحروبِ إذا ما تأفُلُ الشُّهُبُ من الوراثةِ في أيديهمُ سَبَبُ كتائبٌ مالَها في غيرِهِمْ أرَبُ ما ألَّفَ الفضلُ منها العُجْمُ والعرَبُ من الألوفِ التي أحْصَتْ لَها الكُتُبُ أولَى بأحمدَ في الفُرْقانِ إِنْ نُسِبُوا يبقَى على جودٍ كَفَّيْهِ ولا ذَهَبُ إلَّا تموَّلَ أقوامٌ بما يَهِبُ للطالبينَ مداها دونَها تعَبُ يَنْبُو إذا سُلَّتِ الهنديَّةُ القُصُبُ إلى سوى الحقِّ يدعُوهُ ولا الغَضَبُ غَيْثٌ مُغيثٌ ولا بحرٌ لَهُ جَدَبُ تحدَّرَ حتى صار في راحةِ الفَضْلِ فيا لَكَ مِنْ هَطْلٍ ويا لَكَ من وَبْلٍ ألم تَرَ أنَّ الجودَ من يدِ آدمٍ إذا ما أبو العباسِ سَخَّتْ سماؤه وقال فيه أيضاً : إذا أُ طفلٍ راعها جوُ طِفْلِها ليحيى بك الإسلامُ إِنَّكَ عِزُهُ دعَتْهُ بإسمِ الفضلِ فاعتصَمَ الطفلُ وإِنَّك من قومٍ صغيرُهُمُ كَهْلُ قال : فأمرَ له بمئةِ ألف درهم . ذكره ابنُ جرير . وقال سَلْمٌ الخاسر فيهم أيضاً : وكيف تخافُ من بؤسٍ بدارٍ يُجاورُها البرامكةُ البحورُ ٤٣٨ وفيات سنة ١٧٨ هـ - أحداث سنة ١٧٩ هـ نَفِيرٌ ما يؤازِرُهُ(١) نَفِيرُ وقومٌ منهمُ الفضلُ بنُ يحيى كأنَّ الدَّهْرَ بينهما أسيرُ له يومان یومُ ندی وبأسٍ فهمَّتُهُ أميرٌ أو وزيرُ إذا ما البَرْمَكِيُّ غدًا ابنَ عَشْرٍ وقد اتَّفق للفضلِ بن يحيى في هذه السفرة إلى خراسان أشياء غريبة ، وفتح بلاداً كثيرة منها كابُل وما وراء النهر ، وقَهَرَ ملكَ التُّرك، وكان ممتنعاً، وأطلق أموالًا جزيلةً جدّاً، ثم قفل راجعاً إلى بغداد ، فلما اقترب منها خرج الرشيدُ ووجوهُ الناس إليه ، وقَدِمَ عليه الشعراءُ والخطباء ، وأكابرُ الناس ، فجعل يُطلق الألفَ ألفٍ ، والخمسَمئةِ ألفٍ ونحوها ، وأنفذ في ذلك من الأموال شيئاً كثيراً لا يُمكنُ حصرُهُ إلَّ بتعَبٍ وكُلْفة ، وقد دخل عليه بعضُ الشعراء والبِدَرُ موضوعةٌ بين يديه ، وهي تُفرَّقُ على الناس ، فقال : كفى الله بالفضلِ بن يحيى بن خالدٍ وجودِ يديهِ بُخلَ كلِّ بَخيلٍ فأمَرَ له بمالٍ جَزيل . وغزا الصائفةَ في هذه السنة معاويةُ بن زُفر بن عاصم ؛ وغزا الشاتيةَ سليمانُ بن راشد . وحجَّ بالناس فيها محمدُ بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، نائبُ مكة . وفيها توفي : جعفر بن سليمان . وعنتر بن القاسم . وعبد الملك بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم القاضي ببغداد ، وصلَّى عليه الرشيد ، ودُفن بها ؛ وقد قيل : إنه مات في التي قبلها . فالله أعلم . ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئة فيها كان قدومُ الفضل بن يحيى من خراسان ، وقد استخلف عليها عمرَ بن جميل ، فولَّى الرشيدُ عليها منصورَ بن يزيد بن منصور الحميري . وفيها عزل الرشيدُ خالدَ بن بَرْمك عن الحُجوبة ، وردّها إلى الفضل ابن الربيع . وفيها خرج بخراسان حمزةُ بن أترك السِّجْستاني ، وكان من أمرِهِ ما سيأتي طرَفٌ منه . وفيها رجع الوليدُ بن طريف الشاري إلى الجزيرة ، واشتدَّتْ شوكتُه، وكَثُرَ أتباعُه ، فبعث إليه الرشيدُ يزيدَ بن مَزْيد الشيباني، فراوَغَهُ(٢) حتى قتله ، وتفرَّق أصحابُه ؛ فقالت الفارعةُ في أخيها الوليد بن طريف ترثيه : (١) في (ق)؛ ((يوازنه))، والمثبت من (ب، ح). (٢) في (ح): ((فوادعه))، والمثبت من ( ب، ق ). ٤٣٩ وفيات سنة ١٧٩ هـ أيا شجر الخابورِ مالكَ مُورقاً كأنك لم تجزَعْ على ابنِ طريفٍ ولا المالَ إلَّا من قَناً وسيوفِ فَتَّى لا يحبُّ الزادَ إلَّ من التُّقى وفيها خرج الرشيدُ معتمراً من بغداد شكراً للهِ عزَّ وجلَّ، فلما قضَى عُمرتَه أقام بالمدينةِ حتى حجّ بالناس في هذه السنة ، فمشى من مكة إلى مِنَى ، ثم إلى عرفات ، وشهد المشاهدَ والمشاعرَ كلَّها ماشياً ؛ ثم انصرف إلى بغدادَ على طريقِ البصرة . وفيها توفي : إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة (١) أبو هاشم الحميري ، الملقَّب بالسَّيِّد ، كان من الشعراء المشهورين والمبرِّزين في هذه الصناعة ، المفوَّهين ، ولكنه كان رافضيّاً خبيثاً ، وشيعيّاً غَشيئا٢ً) ، وكان ممَّنْ يشربُ الخمرَ ويقولُ بالرَّجْعَة ، أي : بالدَّور ؛ قال يوماً لرجل : أقرِضْني ديناراً ولك عندي منهُ دینارٍ إذا رجَعْنا إلى الدنيا . فقال له الرجل : إني أخشى أن تعودَ كلباً أو خِنْزِيراً فيذهبُ ديناري . وكان قبَّحَهُ الله يَسُبُّ الصحابةَ في شعرِه ؛ قال الأصمعي : ولولا ذلك ما قدَّمتُ عليهِ أحداً في طبقته ، ولا سيما الشيخين وابنيْهما رضي الله عنهما٣) . وقد أورد ابنُ الجَوْزي شيئاً من شعرِه في ذلك(٤)، كرهتُ أنْ أذكرَهُ لبشاعتِهِ وشناعته . وقد اسودَّ وجهُهُ عند الموت ، وأصابه كَرْبٌ شديدٌ جدّاً ؛ ولما مات لم يدفِنوه لِسَبِّهِ الصحابة رضي الله عنهم . وفيها توفي : حمَّادُ بن زيد(٥) : أحَدُ أئمةِ الحديث . وخالدُ بن عبد الله ، أحدُ الصلحاء ؛ وكان من ساداتِ المسلمين ، اشترى نفسه من الله أربعَ مرات . (١) ترجمته في الأغاني (٢٤٨/٧)، المنتظم لابن الجوزي (٣٩/٩)، وفيات الأعيان (٣٤٣/٦)، سير أعلام النبلاء (٤٤/٨)، لسان الميزان (٤٣/١)، (١١٦/٧). (٢) (( الغَتُّ والغَثيثُ)): الرديءُ من كلِّ شيء؛ ورجلٌ غَثُّ وغُثُّ: رديء. وقد غثئتَ في خُلقك وحالك غثائةً وغُثوثة ، وذلك إذا ساء خُلقه وحالَه . لسان العرب ( غثث ) . (٣) كذا في الأصول ، ولعل الصواب أن تقدم هذه العبارة على قول الأصمعي . (٤) انظر المنتظم (٣٩/٩) . ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٢٥/٣)، الكنى والأسماء لمسلم (٥٤/١)، تسمية فقهاء الأمصار (٥) (١٢٩)، معرفة الثقات (٣١٩/١)، الثقات لابن حبان (٢١٧/٦)، الجرح والتعديل (١٣٧/٣)، مولد العلماء ووفياتهم (٤٠٥/١)، المقتنى في سرد الكنى للذهبي (٧٧/١)، تذكرة الحفاظ (٢٢٨/١)، سير أعلام النبلاء ( ٤٥٦/٧) . ٤٤٠ وفيات سنة ١٧٩ هـ ومالك بن أنس الإمام . والهفْل بن زياد، صاحب الأوزاعي؛ وأبو الأخوَص؛ وكلهم قد ذكرناهم في (( التكميل)) بما فيه مَقْنعٌ وكفاية ، ممَّا يُغْني عن ذكرهم هنا ؛ ولكنَّ : الإمام مالك (١) : هو أشهَرُهم، وهو أحد الأئمة الأربعة ، أصحابِ المذاهبِ المتَّبَعة ، فهو مالكُ بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خُثَيلُ(٢) بن عمرو بن الحارث ، وهو ذو أصْبَح الحِمْيَرِي ، أبو عبدِ الله المدني ، إمامُ دارِ الهجرةِ في زمانِه . روى مالكٌ عن غيرٍ واحدٍ من التابعين، وحدَّثَ عنه خَلْقٌ من الأئمة ، منهم السفيانان ، وشُعْبَة ، وابنُ المبارك، والأوزاعي، وابنُ مَهْدِي، وابنُ جُرَيْج ، واللَّيث، والشافعي ، والزُّهْري شيخُه ، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه ، ويحيى بن سعيد القطان ، ويحيى بن يحيى الأندلسي ، ويحيى بن يحيى النيسابوري . قال البخاري : أصحُ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر(٣) . وقال سفيان بن عيينة : ما كان أشدَّ انتقادِهِ للرجال(٤) . وقال يحيى بنُ مَعين: كلُّ منْ روى عنهُ مالك فهو ثقةٌ إلَّ أبا أميةُ(٥) . وقال غيرُ واحد : هو أثبَتُ أصحابِ نافعٍ والزُّهريّ(٦). (١) ترجمته في طبقات ابن سعد ( القسم المتمم ) ( ٤٣٣)، تاريخ خليفة (٤٥١)، طبقات خليفة ( ٢٧٥) ، التاريخ الكبير (٣١٠/٧)، التاريخ الصغير (١٩٩/٢، ٢٠٠، ٢٠١)، المعارف لابن قتيبة (٤٩٨)، الجرح والتعديل (٢٠٤/٨)، الثقات لابن حبان (٤٥٩/٧)، مشاهير علماء الأمصار ترجمة (١١١٠)، حلية الأولياء (٣١٦/٦)، طبقات الشيرازي (٦٧)، ترتيب المدارك (١٠٢/١)، طبقات ابن عبد الهادي ترجمة (١٨٣) صفة الصفوة (١٧٧/٢)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٢٦٣/٤)، جامع الأصول (٢٢٥/١٥) له، تهذيب الأسماء واللغات (٧٥/٢)، وفيات الأعيان (١٣٥/٤)، تهذيب الكمال (٩١/٢٧)، سير أعلام النبلاء (٤٣/٨)، تذكرة الحفاظ (٢٠٧/١)، العبر (٢٧٢/١)، مرآة الجنان (٣٧٣/١)، تهذيب التهذيب (٥/١٠)، غاية النهاية (٣٥/٢)، النجوم الزاهرة (٩٦/٢)، طبقات الشعراني (٥٢/١)، الكواكب الدرية (٤٢٠/١)، شذرات الذهب (١٢/٢). في ( ق ) زيادة ، وتصحيف وتحريف لبعض الأسماء ، والمثبت من ( ب، ح ) وكتب الضبط . (٢) ذكره النووي في تهذيب الأسماء (٢/ ٤٢٤)، والذهبي في سير أعلام النبلاء ( ٥/ ٩٧). (٣) (٤) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء ( ٨/ ٧٣ ). ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب ( ٦/١٠) . وفيه إلا عبد الكريم . وهو أبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق (٥) المعلم البصري . كما في الكنى والأسماء (٨٢/١) لمسلم، والتاريخ الكبير (٨٩/٦) للبخاري . (٦) ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٩٩/٥) عن النسائي، وبنحوه في تاريخ بغداد (٤٠٥/١٠).