Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
محاسن بغداد ومساوئها
وقال بعضُهم : كنتُ أواظِبُ على الجمعةِ بجامع المنصور ، فعرَضَ لي شُغل ، فصلَّيتُ في غيره ،
فرأيتُ في المنام كأنَّ قائلاً يقول : تركتَ الصلاةَ في جامع المدينة ، وإنه ليصلي فيه كلَّ جمعةٍ سبعون
ولياً !.
وقال آخر : أردتُ الانتقالَ من بغداد ، فرأيتُ كأنَّ قائلاً يقولُ في المنام: أتنتقلُ من بلدٍ فيه عشرةٌ
آلافٍ وليٍّ اللهِ عزَّ وجلَّ ؟
وقال بعضُهم : رأيتُ كأنَّ ملَكَيْنِ أتيا بغداد ، فقال أحدُهما لصاحبِهِ : اقِبْ بها ، فقد حقَّ القولُ
عليها . فقال الآخر: كيف أقلِبُ ببلدٍ يُختمُ فيها القرآن كلَّ ليلةٍ خمسةَ آلافٍ ختمةً(١) ؟ .
وقال أبو مُسهر عن سعيد بن عبد العزيز ، عن سليمان بن موسى قال : إذا كان علمُ الرجلِ حجازيّاً ،
وخُلُقْه ◌ِراقيّاً ، وصلاتُه شاميَّةً فقد كمَل(٢).
وقالت زُبيدة لمنصور النَّمَريّ : قُلْ شعراً تُحبِّبُ فيه بغدادَ إليّ ، فقد أختارُ عليها الرافقة . فقال :
ومنْ مَنَازِلٌ(٣) للدنيا وللدِّينِ
ماذا ببغدادَ منْ طيبِ الأفانينِ
وجَوَّسَتْ بين أغصانِ الرياحينِ
تُخيي الرياحُ بها المَرْضَى إذا نَسَمَتْ
قال فأعطَتْهُ ألفَيْ دينار(٤) .
وقال الخطيب(٥) : وقرأتُ في كتابِ طاهر بن مظفَّر بن طاهر الخازن بِخَطِّه من شعره :
ببغدادَ بين الكَرْخِ فالخُلْدِ فالجسرِ
سقى الله صَوْبَ الغادياتِ مَحلَّةً
بأشياءَ لم يُجْمَعْنَ مُذْ كنَّ في مِصْرٍ
هي البلدةُ الحسناءُ خُصَّتْ لأهلِها
وماءٌ له طَعْمٌ ألذُّ من الخَمْرِ
هواءٌ رقيقٌ في اعتدالٍ وصِحَّةٍ
ودِجْلَتُهَا شَطَّانِ قد نُظِما لنا
تراها كمِسْكِ والمياهُ كفِضَّةٍ
بتاجٍ إلى تاجٍ وقصرٍ إلى قصرِ
وحَضَبَاؤِها مِثْلُ اليواقيتِ والدُّرِّ
وقد أورد الخطيبُ في هذا أشعاراً كثيرةً ، وفيما ذكرنا كفاية .
وقد كان الفراغُ من بناءِ بغدادَ في هذه السنة - أعني سنةَ ستٍّ وأربعين ومئة . وقيل : في سنة ثمانٍ
في تاريخ بغداد (٤٨/١).
(١)
(٢)
في تاريخ بغداد (١/ ٥٠) .
(٣)
في ( ق)، وتاريخ بغداد: ((منازه))، والمثبت من (ب، ح).
(٤)
في تاريخ بغداد (٥٢/١) .
(٥) في تاريخ بغداد (٥٢/١، ٥٣).

٣٤٢
وفيات سنة ١٤٦ هـ ـ أحداث سنة ١٤٧ هـ
وأربعين . وقيل : إنَّ خندقَها وسُورَها كملا في سنةٍ سبع وأربعين ، ولم يزَلِ المنصور يَزِيدُ فيها ويتأنَّقُ في
بنائها، حتى كان آخرَ ما بنى فيها قصر الخُلْد ؛ فظنَّ أنه يَخلُدُ فيها ، أو أنّها تخلُد فلا تَخْرَب ؛ فعندَ كمالِهِ
مات . وقد خَرِبَتْ بغدادُ مرَّاتٍ كما سيأتي بيانُه .
قال ابنُ جرير(١) : وفي هذه السنة عزل المنصورُ سَلْمَ بنَ قُتيبة عن البصرة ؛ وولَّى عليها محمدَ بنَ
سليمانَ بن علي ، وذلك لأنَّه كتب إلى سَلْمٍ يأمرُه بِهَدْمٍ بيوت الذين بايعوا إبراهيمَ بنَ عبد الله بن حسن ؛
فتوانَى في ذلك ، فعزلَهُ وبعَثَ ابنَ عمِّه محمد بن سليمان ، فعاث بِها فساداً ، وهدم دوراً كثيرةً ، وعزل
عبدَ الله بن الرَّبيع عن إمرةِ المدينة ، وولَّى عليها جعفرَ بن سليمان ؛ وعزل عن مكةَ السريَّ بنَ عبدِ الله ،
وولَّى عليها عبد الصمد بن علي .
قال(٢): وحجَّ بالناس في هذه السنة عبدُ الوهاب بن إبراهيم بن محمد بن علي ، قالَهُ الواقدي
وغيرُه .
قال(٣) : وفيها غزا الصائفةَ من بلاد الروم جعفرُ بن حنظلةَ البهراني .
وفيها تُوفي من الأعيان :
أشعثُ بن عبد الملك .
وهشام السائب الكلبي .
وهشام بن عروة .
ويزيد بن أبي عُبيد - في قولٍ .
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومئة
فيها أغار اشترخان الخُوَارِزْمي في جيشٍ من الأتراك على ناحيةِ أزْمِينيَة ، فدخلوا تَفْلِيس ، وقتلوا خلقاً
كثيراً، وأسروا كثيراً من المسلمينَ وأهلِ الدِّمَّة، ومِمَّنْ قُتل يومئذٍ حَرْبُ بن عبدِ الله الراوَنْديّ ، الذي
تُنسبُ إليه الحَرْبِيَّةُ ببغداد ، وكان مقيماً بالمَوْصِل في ألفين لمقاتلةِ الخوارج ، فسيَّرَهُ المنصورُ لمساعدةِ
المسلمينَ ببلاد أرمينية ، وكان في جيشٍ جبريلَ بنِ يحيى ، فَهُزم جبريلُ وقُتل حربٌ رحمه الله .
وفي هذه السنة كان مَهْلِكُ عبدِ الله بن عليٍّ عمِّ المنصور، وهو الذي أخَذَ الشامَ من أيدي بني أُمية ،
(١) في تاريخه تاريخ الطبري (٤ / ٤٨١) .
(٢) يعني الطبري في تاريخه (٤ / ٤٨١، ٤٨٢).
(٣) المصدر السابق .

٣٤٣
أحداث سنة ١٤٧ هـ
وكان عليها والياً حتى ماتَ السفّاح ، فلما مات دعا إلى نفسِه فبعث إليه المنصورُ أبا مسلم الخُراساني
فهزَمَهُ أبو مسلم ، وهرب عبدُ الله إلى عندِ أخيه سليمانَ بنِ عليٍّ والي البصرة ، فاختفَى عندَه مُدَّةً ، ثم ظهر
المنصورُ على أمرِه فاستدعى به وسجَنَه؛ فلما كان في هذه السنة عزم المنصورُ على الحجّ ، فطلب ابن أخيه
عيسى بن موسى - وكان وليَّ العَهْدِ من بعدِ المنصور عن وصيّةِ السفّاح - وسلَّمَ إليه عمَّه عبدَ الله بن علي
وقال له : إنَّ هذا عدوِّي وعدؤُك فاقتُلْهُ في غيبتي عنكَ ولا تَتَوَانَى . وسار المنصورُ إلى الحجّ ، وجعل
يكتبُ إليه من الطريق يستحثُّه في ذلك ويقولُ له : ماذا صنعتَ فيما أوعزتُ إليك فيه؟ مرَّةً بعدَ مرَّة .
وأما عيسى بن موسى فإنَّه لمَّا تسلّم عَمه حارَ في أمرِهِ وشاوَرَ بعضَ أهلِه ؛ فأشار بعضُهم ممن له رأيٌ
أنَّ المصلحةَ تقتضي أنْ لا تقتُلُه وأبقِهِ عندَك ، وأظهِرْ قتلَه، فإنَّا نخشَى أنْ يطالِبَكَ به جَهْرةً فتقول قتلتُه ،
فيأمرُ بالقَوَد ، فتدَّعي أنه أمَرَك بقتِلِهِ بالسِّرِّ بينك وبينه ، فتعجز عن إثبات ذلك ، فيقتُلَكَ به ، وإنما يريدُ
المنصورُ قتلَهُ وقتلَكَ ليستريحَ منكما معاً . فتغيَّرَ عيسى بنُ موسى عند ذلك، وأخفَى عمَّه ، وأظهر أنه
قتله . فلما رجَعَ المنصورُ من الحجّ أمَرَ أهله أنْ يدخلوا عليه ويشفَعُوا في عَمِّ عبدِ الله بن علي ، فجاؤوا
كلُّهم ، فدخلوا عليه ، وشفعوا في عبد الله بن علي ، وألُوا في ذلك ، فأجابَهم إلى ذلك ، واستدعى
عيسى بن موسى وقال له : إنَّ هؤلاءِ شفعوا في عبدِ الله بن علي وقد أجبتُهم إلى ذلك، فسلِّمْهُ إليهم .
فقال عيسى : وأين عبدُ الله ذاك قتلتُهُ منذُ أمرتَني. فقال المنصور: لم آمُرْكَ بذلك، وجَحَد ذلك، وأنْ
يكونَ تقدَّمَ إليه منه أمرُه في ذلك . فأحضَرَ عيسى الكُتبَ التي كتب إليه المنصورُ مرَّةً في ذلك، فأنكَرَ أنْ
يكونَ أرادَ ذلك، وصمَّمَ على الإنكار ، وصمَّمَ عيسى بنُ موسى أنه قد قتله . فأمرَ المنصورُ عند ذلك بقتلِ
عيسى بنِ موسى قِصَاصاً بعبدِ الله . فخرج به بنو هاشم ليقتلوه ، فلما جاؤوا بالسيف قال : رُدُّوني إلى
الخليفة . فردُوهُ إليه، فقال له: إنَّ عمَّكَ حاضرٌ ولم أقتُلْه . فقال: هلُمَّ بهِ فأخْضِرْه. فسُقِط في يدِ
الخليفة ، وأمرَ بسَجْنِهِ بدارٍ جدرانُها مبنيَّةٌ على مِلْح ، فلمّا كان الليل ، أرسل على جدرانِها الماء ، فسقَطَ
عليهِ البناءُ فهَلَك .
ثم إنَّ المنصور خلَعَ عيسى بنَ موسى عن ولايةِ العَهْد ، وقدَّمَ عليهِ ابنَهُ المَهْديّ ، وكان يُجلِسُهُ فوق
عيسى بنِ موسى عن يمينه ، ثم كان لا يلتفتُ إلى عيسى بنِ موسى، ويُهينُهُ في الإذْنِ والمشورَةِ ،
والدخولِ عليه، والخروج من عندِه ؛ ثم ما زال يُقصيهِ ويُبعِدُه ويتهدَّده ويتوعَّدُه، حتى خلَعَ نفسَهُ بنفسِه ،
وبايَعَ لمحمدِ بن منصور ، وأعطاهُ المنصورُ على ذلك نحواً من اثني عشرَ ألفَ ألفِ دِرهم . وانصَلَح أمرُ
عيسى بن موسى وبنيه عندَ المنصور ، وأقبلَ عليهِ بعدَما كان قد أعرضَ عنه . وكان قد جرَتْ بينهما قبلَ
ذلك مكاتباتٌ في ذلك كثيرةٌ جدّاً ، ومُراوداتٌ في تمهيدِ البيعةِ لابنِهِ المهدي ؛ وخلع عيسى نفسَه ، وإنَّ
العامَّةَ لا يَعْدُلُوْنَ بالمهدِيِّ أحداً ؛ وكذلك الأمراءُ والخواصّ ، ولم يزَلْ بهِ حتى أجابَ إلى ذلك مُكْرَهاً ،
فعوَّضَهُ عن ذلك ما ذكرنا . وسارتْ بَيْعَةُ المهديِّ في الآفاقِ شرقاً وغرباً وبُعداً وقُرباً ، وفرح المنصورُ

٣٤٤
وفيات سنة ١٤٧ هـ - أحداث سنة ١٤٨ هـ ووفياتها - أحداث سنة ١٤٩ هـ
بذلك فرحاً شديداً ، واستقرَّتِ الخلافةُ في ذُرِّيتِهِ إلى زمانِنا هذا ؛ فلم يكنِ الخليفةُ من بني العباس إلَّا من
سُلالِه، ﴿ ذَلِكَ تَّقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [ الأنعام: ٩٦ ويس: ٣٨ وفصلت: ١٢].
وفيها تُوفي :
عُبيد الله بن عمر العُمري .
وهاشم بن هاشم .
وهشام بن حسان صاحبُ الحسن البصري .
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئة
فيها بعث المنصورُ حُميدَ بنَ قحطبةَ لِغَزْوِ التُّرْك الذين عاثوا في السنةِ الماضيةِ ببلادٍ تَفْليس ، فلم يجد
منهم أحداً ، فإنَّهم انشمروا إلى بلادِهم .
وحجّ بالناس فيها جعفر بن أبي جعفر ، ونُوَّابُ البلاد فيها همُ المذكورون في التي قبلَها .
وفيها تُوفي جعفر بن محمدِ الصادِق المنسوبُ إليه كتاب (( اختلاج الأعضاء)) وهو مكذوبٌ عليه.
وفيها توفي سليمان بن مِهْرَانَ الأعمش ، أحدُ مشايخ الحديث ، في ربيع الأول منها .
وعمرو بن الحارث .
والعوَّامُ بن حَوْشَب .
والزبيدي .
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى .
ومحمد بن عجلان .
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومئة
فيها فرع من بناءِ سورِ بغداد وخَنْدَقها ؛ وفيها غزا الصائفة العباسُ بن محمد ، فدخل بلادَ الُّوم ومعه
الحسينُ بن قَخْطبة ، ومحمد بن الأشعث ، ومات محمد بن الأشعث في الطريق .
وفيها حجَّ بالناس محمد بنُ إبراهيمَ بن محمد بنِ علي، وولَّاء المنصورُ على مكةَ والحِجَاز عوضاً عن
عمِّه عبدِ الصَّمَدِ بن علي ؛ وعمَّالُ الأمصار فيها همُ الذين كانوا في السنةِ قبلَها .

٣٤٥
وفيات سنة ١٤٩ هـ
وفيها تُوفي :
زكريا بنُ أبي زائدة .
وكَهْمَس بن الحسن .
والمثنَّى بن الصباح .
وعيسى بن عمر أبو عمرو الثقفي البصري النحوي (١): شيخُ سِيبَويه، يُقال إنه من مَوَالي خالدِ بن
الوليد ، وإنما نزَلَ في ثَقِيف فنُسب إليهم ، وكان إماماً كبيراً جليلاً في اللغةِ والنَّحْوِ والقراءاتِ .
أخذ ذلك عن عُبيد الله بن كثير ، وابن المحيصِن ، وعبد الله بن أبي إسحاق . وسمع الحسنَ البصري
وغيرهم .
وعنه الخليل بن أحمد ، والأصمعي، وسِيبَوَيه ، ولَزِمَهُ وعُرف به ، وانتفع به ، وأخذ كتابَهُ الذي
سماه بالجامِعِ ، فزادَ عليه وبسَطَهُ ، فهو كتابُ سيبويه اليوم ، وإنما هو كتابُ شيخِه ، وكان سِيبَويْه يسألُ
شيخَهُ الخليلَ بنَ أحمد عمَّا أشكَلَ عليه فيه ، فسأله الخليلُ أيضاً عمَّا صنَّف عيسى بن عمر فقال : جمعَ
بضعاً وسبعين كتاباً ذهبَتْ كلُّها إلا كتاب ((الإكمال)) وهو بأرض فارس، وكتابه (( الجامع )) وهو الذي
أشتغلُ فيه وأسألُكَ عن غوامضِه . فأطرَقَ الخليلُ ساعةً ثم أنشد :
ذهبَ النحوُ جميعاً كلُّهُ غير ما أحدث عيسى بن عُمَرْ
◌ٌ وقمَرْ
وهما للناس شمسٌ
ذاك إكمالٌ وهذا جامعٌ
وقد كان عيسى يُغرب ويتقَعَّر في عبارتِهِ جدّا٢ً) ، وقد حكى الجوهري عنه في الصّحَاح أنه سقطَ يوماً
عن حمارِهِ ، فاجتمع عليه الناسُ فقال: ما لَكُمْ تَكَأْكَأْتُمْ عليَّ تَكَأْكُؤَكُمْ على ذِي جِنَّةِ؟! افْرَنْفِعُوا عَنِّي.
معناه ما لكم تَجَمَّعْتُمْ عليَّ تجمُّعَكمْ على مجنون ؟! انكشِفُوا عني .
وقال غيره : كان به ضيقُ نَفَس فسقَطَ بسبِه ، فاعتقد الناسُ أنه مصروع ، فجعلوا يعوِّذونه ويقرؤون
عليه ؛ فلمَّا أفاق من غَشْيَتِه قالَ ما قالَ . فقال بعضُهم: إنَّ جِنِّيْتَهُ تتكلَّمُ بالفارسيَّة .
وذكر ابنُ خلِّكان أنه كان صاحباً لأبي عمرٍو بن العلاء ، وأنَّ عيسى بن عمر قال يوماً لأبي عمرٍو بن
(١) ترجمته في الفهرست ص (٦٢)، الكامل لابن الأثير (١٨٩/٥)، المنتظم (٩٨/٦، و١١٨/٨)، وفيات
الأعيان ( ٤٨٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٠٠)، معرفة القراء الكبار (١١٩/١)، طبقات المحدثين
ص (٥٦)، أخبار النحويين ص (٢٠)، البلغة ص (١٦٧)، شذرات الذهب (٢٢٤/١)، النجوم الزاهرة
( ١١/٢ ).
(٢) في (ح): ((وقد كان عيسى بن عمر يتبعه في عبارته جداً)).

٣٤٦
أحداث سنة ١٥٠ هـ ووفياتها
العلاء : أنا أفصَحُ من مَعَدٍّ بنِ عدنان . فقال له أبو عمرو : كيف تقرأ هذا البيت ؟
قد كُنَّ يَخْبأنَ الوجوهَ تَسَتُّراً فاليوم حين بَدَأْنَ للنُّظَّارِ
أو ((بَدَيْنَ)) فقال: بدَيْن. فقال أبو عمرو: أخطأت، ولو قال: بدأنَ لأخطَأَ أيضاً، وإنما أرادَ
أبو عمرو تغليطَهُ ، وإنما الصوابُ بدَوْنَ، مِنْ بَدَا يَبْدُو إذا ظَهَرَ . وبدأ يبدَأَ : إذا شرَعَ في الشيء.
ثم دخلت سنة خمسين ومئة من الهجرة
فيها خرج رجلٌ من الكَفَرَةِ يُقال له أستاذسيس في بلادِ خُراسان ، فاستحوَذَ على أكثرِها ، والتفَّ معه
نحوُ ثلاث مئة ألف ، وقتلوا من المسلمين هنالك خلقاً كثيراً ، وهزموا الجيوشَ في تلك البلاد ، وسبَوْا
خلقاً كثيراً، وتحكّمَ الفسادُ بسببهم، وتفاقَمَ أمرُهم ، فوجَّهَ المنصورُ خازمَ بنَ خُزيمة إلى ابنِهِ المَهْدى
لِيُولِّيَّهُ حربَ تلك البلاد، ويضُمَّ إليه من الأجناد ما يُقاومُ أولئك، فنهَضَ المهديُّ في ذلك نَهْضَةً
هاشميَّة ، وجمَعَ لِخازم بن خُزيمة الإمرةَ على تلك البلاد والجيوش، وبعثَهُ في نحوٍ من أربعينَ ألفاً ،
فسار إليهم ، وما زال يُراوِغُهم ويُماكرُهم ويعملُ الخديعةَ فيهم ، حتى فاجأَهُمْ بالحرب ، وواجههم
بالطَّعْنِ والضرب ، فقتل منهم نحواً من سبعين ألفاً، وأسر منهم أربعةَ عشرَ ألفاً ، وهرب مِلكُهم
أستاذسيس ، فتحرَّرَ في جبل ، فجاء خازمٌ إلى تحتِ الجبل ، وقتل أولئك الأسرى كلَّهم ، ولم يزَلْ
يُحاصرُه حتى نزلَ على حُكْمِ بعضِ الأمراءِ ، فحكم أن يُقيَّدَ بالحديد هو وأهلُ بيته ، وأن يعتقَ منْ معَهُ من
الأجناد ، وكانوا ثلاثين ألفاً، ففعل خازمٌ ذلك كلَّه وأطلَقَ لكلِّ واحدٍ ممَّن كانَ مع أستاذسيس ثوبَيْن ،
وكتب بما وقع من الفتح إلى المهدي ، فكتب المهديُّ بذلك إلى أبيه المنصور .
وفيها عزَلَ الخليفةُ عن إمرةِ المدينةِ جعفرَ بن سليمان ، وولَّها الحسنَ بن زيد بن الحسن بن
الحسن بن علي بن أبي طالب .
وفيها حجَّ بالناس عبدُ الصمد ابنُ عمّ الخليفة .
وتُوجِّي فيها جعفرُ ابن أميرٍ المؤمنين المنصور ، ودُفن ليلاً بمقابر بني هاشم من بغداد ، ثم تُقُل منها
إلى موضعٍ آخر .
وفيها توفي عبدُ الملك بن عبد العزيز بن جُريج، أحدُ أئمةِ أهلِ الحجاز ، ويُقال إنَّهُ أولُ منْ جمَعَ
السننَ .
وعثمان بن الأسود .
وعمر بن محمد بن زيد .

٣٤٧
وفيات سنة ١٥٠ هـ
وفيها تُوقِّي :
الإمامُ أبو حنيفةٌ(١)
ذكرُ ترجمته :
هو الإمامُ أبو حنيفة ، واسمه النُّعمانُ بن ثابت التَّيْمي مولاهم الكوفي ، فقيهُ العراق ، وأحدُ أئمةِ
الإسلام ، والسادةِ الأعلام ، وأحدُ أركانِ العُلماء ، وأحدُ الأئمة أصحابِ المذاهبِ المُتَّبعة، وهو أقدمُهم
وفاةً ، لأنَّه أدركَ عصرَ الصحابة ، ورأى أنسَ بن مالك ، قيل: وغيرَه . وذكر بعضُهم أنه روى عن سبعة
من الصحابة . فالله أعلم(٢) .
(١) ترجمته في الكنى والأسماء لمسلم (٢٧٦/١)، طبقات خليفة ص (١٦٧ و٣٢٧)، بحر الدم ص (٤٣٠)،
معرفة الثقات للعجلي (٣١٤/٢)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٥/٧)، الضعفاء للعقيلي (٢٦٨/٤)،
كتاب المجروحين لابن حبان (٦١/٣)، الضعفاء لأبي نعيم ص (١٥٧)، الفهرست ص (٢٨٤)، الضعفاء
والمتروكين لابن الجوزي ( ١٦٣/٣)، تهذيب الأسماء (٢/ ٥٠١)، المقتنى في سرد الكنى (٢٠٤/١)، مولد
العلماء ووفياتهم (٣٥١/١)، الجرح والتعديل (٤٤٩/٨)، تاريخ بغداد (٣٢٣/١٣)، تهذيب الكمال
(٤١٧/٢٩)، الكاشف (٣٢٢/٢)، تذكرة الحفاظ (١٦٨/١)، سير أعلام النبلاء (٣٩٠/٦)، ميزان
الاعتدال (٣٧/٧)، طبقات المحدثين ص (٥٧)، تقريب التهذيب ص (٥٦٣)، طبقات الحفاظ ص (٨٠).
(٢) هنا زيادة مقحمة من ( ق ) وهي :
[ وروى عن جماعةٍ من التابعين، منهم الحكم، وحمَّاد بن أبي سليمان، وسَلَمَةَ بنِ كُهَيل ، وعامرِ الشعبي،
وعكرمة ، وعطاء، وقتادة ، والزُّهري ، ونافع مولى ابنِ عمر ، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبو إسحاق
السَّبيعي . وروى عنهُ جماعةٌ، منهم ابنُهُ حمَّاد، وإبراهيمُ بن طَهْمَان ، وإسحاقُ بن يوسف الأزرق ، وأسدُ بن
عمرو القاضي ، والحسنُ بن زياد اللؤلؤي، وحمزةُ الزيات ، وداود الطائي، وزُفَر ، وعبد الرزاق ، وأبو نعيم ،
ومحمد بن الحسن الشَّيباني ، وهُشيم ، ووَكيع ، وأبو يوسف القاضي .
قال يحيى بنُ مَعين : كان ثقةً، وكان من أهلِ الصِّدْقِ ، ولم يُتَّهمْ بالكذِب ، ولقد ضرَبَهُ ابنُ هُبِيرَة على القضاءِ
فأبى أنْ يكونَ قاضياً . وقد كان يحيى بن سعيد يختار قولَهُ في الفتوى . وكان يحيى يقول : لا نكذب الله ، ما سَمِعْنا
أحسنَ من رأي أبي حنيفة . وقد أخذَ بأكثرِ أقوالِه . وقال عبدُ الله بن المبارك : لولا أنَّ الله أغاثني بأبي حنيفةً وسفيانَ
الثوريّ لكنتُ كسائر الناس .
وقال الشافعي عن مالك : رأيتُ رجلاً لو كلَّمَكَ في هذا السارية أنْ يجعلَها ذهباً لقام بِحُجَّتِه .
وقال الشافعي : منْ أرادَ الفقهَ فهو عيالٌ على أبي حَنيفة ؛ ومن أرادَ السِّيَّر فهو عيالٌ على محمدِ بنِ إسحاق ؛ ومن
أراد الحديث فهو عيالٌ على مالك ؛ ومن أراد التفسير فهو عيالٌ على مُقاتل بنِ سليمان .
وقال عبدُ الله بن داود الخُريبي : ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتِهم لأبي حنيفةً لحفظِه الفقهَ والسُّنَّة عليهم .
وقال سفيانُ الثوريُّ وابنُ المبارك : كان أبو حنيفةَ أفقهَ أهلِ الأرضِ في زمانِه .
وقال أبو نعيم : كان صاحبَ غَوْصٍ في المسائل .
وقال مكي بنُ إبراهيم : كان أعلمَ أَهلِ الأرض .
=

٣٤٨
أحداث سنة ١٥١ هـ
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومئة
فيها عزل المنصورُ عمرَ بنَ حفص عن السِّنْد ، وولَّى عليها هشامَ بن عمرٍو التغلبي ، وكان سببَ عزِلِه
عنها أنَّ محمد بن عبدِ الله بن حسن لَمّا ظهر بعث ابنَهُ عبدَ الله الملقَّب بالأشتر ومعهُ جماعةٌ بهديَّةٍ وخيولٍ
◌ِتَاق إلى عمرَ بنِ حفص هذا إلى السِّنْد ، فقَبِلَها ، فَدَعَوْهُ إلى دعوةِ أبيه محمد بن عبدِ الله بن حسن في
السّرّ ، فأجابهم إلى ذلك وبايع له مَنِ استطاعَ من الأمراء سِرّاً، فأجابوه إلى ذلك، ولَبِسُوا البياض. ولَمَّا
جاء خبرُ مقتلِ محمدِ بنِ عبد الله بالمدينة سُقِطَ في أيدي عمر بن حفص وأصحابه ، وأخذوا في الاعتذارِ
إلى عبدِ الله بنِ محمد، فقال له عبد الله : إنِّي أخشى على نفسي . فقال : إني سأبعَتُكَ إلى مَلِكِ من
المشركين في جوارِ أرضِنا، وإنَّه من أشدِّ الناسِ تعظيماً لرسولِ الله ◌ِّه، وإنَّه متى عَرَفَك أنَّكَ من سُلَالَتِهِ
أحبّك. فأجابَهُ إلى ذلك، وسار عبدُ الله بنُ محمد إلى ذلك الملك، وكان عندَهُ آمناً ، وصار عبدُ الله
يركبُ في موكبِ الزَّيدِيَّة، ويتصيَّدُ في جَحْفَلٍ من الجنود ، وانضمَّ إليه خلق ، وقَدِمَ عليه طوائفُ من
الزَّيْدِيَّة .
وأمَّا المنصور فإنه بعث يعتبُ على عمرَ بنِ حفص نائبِ السِّنْد ، فقال رجلٌ من الأمراء : ابعَثْني إليه ،
واجعل القضيةَ مسندةً إليّ، فإني سأعتذرُ إليه من ذلك، فإنْ سَلِمْتُ ، وإلَّ كنتُ فداءَكَ وفداءَ مَنْ عندك
من الأمراء . فأرسله سفيراً في القضيّةِ إلى المنصور ، فلما وقف بين يدىِ المنصور أمرَ بضَرْبِ عُنقه .
وكتب إلى ابن حفصٍ بعَزْلِهِ عن السند ، وولَاءُ بلادَ إفريقيةَ عوضاً عن أميرِها ، ولمَّا وجَّهَ المنصورُ هشامَ بنَ
عمرٍو إلى السِّنْد أمرَهُ أن يجتهدَ في تحصيلِ عبدِ الله بن محمد ، فجعل يتَوَانى في ذلك ، فبعث إليه
المنصورُ يستحثُّهُ في ذلك ، ثم اتفق الحالُ أنَّ سيفاً أخا هشام بن عمرو لَقِيَ عبدَ الله بن محمد في بعضٍ
الأماكن ، فاقتتلوا فقُتل عبدُ الله وأصحابُه جميعاً ، واشتبَهَ عليهم مكانُهُ في القَتْلَى فلم يقدروا عليه ؛ فكتب
هشامُ بن عمرٍو إلى المنصور يُعلِمُهُ بقتلِهِ ، فبعث يشكرُهُ على ذلك ، ويأمرُهُ بقتالِ الملك الذي آواه ،
ويُعلمه أنَّ عبدَ الله كان قد تسرَّى بجاريةٍ هنالك، وأولدَها ولداً أسماه محمداً، فإذا ظَفِرْتَ بالملك ،
وروى الخطيبُ بسندِهِ عن أسد بنِ عمرو ( في (ق): ((أحمد بن عمرو))، والمثبت من ( ب، ح)، وتاريخ
=
بغداد (٣٥٤/١٣). )، أنَّ أبا حنيفةَ كان يُصلِّي بالليلِ ويقرأ القرآنَ كلَّ ليلةٍ ويبكي حتى يرحَمَهُ جيرانهُ ؛ ومكثَ
أربعين سنةً يُصلِّي الصبحَ بوضوءِ العشاء ؛ وختَمَ القرآنَ في الموضع الذي تُوفِّي فيه سبعة آلاف مرَّة .
وكانت وفاته في رجب من هذه السنة - أعني سنةً خمسين ومئة - وعن ابن مَعِين سنةً إحدى وخمسين ومئة . وقال
غيرُه سنة ثلاثٍ وخمسين . والصحيح الأول .
وكان مَولدُهُ في سنةٍ ثمانين ، فتمَّ له من العُمر سبعون سنة، وصُلِّي عليه ببغداد ستَّ مرَّاتٍ لكثرةِ الزِّحَام. وقبره
هناك رحمه الله ] .

٣٤٩
بناء الرصافة - وفيات سنة ١٥١ هـ
فاحتفِظُ بالغلام ، فنهض هشام بن عمرو إلى ذلك الملك ، فقاتلَهُ فغلبَهُ وقَهرَهُ على بلادِهِ وأموالِه
وحواصِله ، وبعث بالفتح والأخماس وبذلك الغلام والملك إلى المنصور ؛ ففرح المنصورُ بذلك ، وبعث
الغلامَ إلى المدينة ، وكتب المنصورُ إلى نائبِها يُعلمهُ بصحةِ نسَبِهِ .
وفي هذه السنة قدم المهديُّ بن المنصور على أبيه من خُراسان فتلقَّاهُ أبوهُ والأمراء والأكابر إلى أثناء
الطريق ، وقدم بعدَ ذلك نُوَّابُ الشامِ وغيرِها للسلام عليه وتهنئتِهِ بالسلامةِ والنَّصْر ، وحملَ إليه من الهدايا
ما لا يُحَدُّ ولا يُوصفُ .
بناء الرُّصَافَة
قال ابنُ جرير(١) : وفي هذه السنةِ شرع المنصورُ في بناء الرُّصافة لابنِهِ المهديّ بعدَ مَقْدَمِهِ من
خُراسان ؛ وهي في الجانب الشرقي من بغداد ، وجعل لها سُوراً وخندقاً ، وعَمِلَ عندها ميداناً وبستاناً ،
وأجرى إليها الماء من نَهرِ المهدي .
قال ابن جرير (٢): وفيها جدد المنصورُ البيعةَ لنفسِهِ ثم لولدِهِ المهديِّ من بعدِه ، ولعيسى بن موسى
من بعدِهما ؛ وجاء الأمراءُ والخواصُّ فبايعوا ، وجعلوا يُقبِّلون يدَ المنصورِ ويَدَ ابنِهِ ، ويلمسُونَ يدَ
المنصورِ ويَدَابنِهِ ، ويلمَسُونَ يدَ عيسى بنِ موسى ويشيرون إليها ولا يُقبِّلُونَها .
قال الواقدي(٣): وولَّى المنصور مَعْنَ بنَ زائدة سِجسْتان .
وحجَّ بالناسِ فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي ، وهو نائبُ مكة والطائف ؛ وعلى المدينة
الحسن بن زيد ، وعلى الكوفة محمدُ بن سليمان ، وعلى البصرةِ جابر بن زيد الكِلابي ، وعلى مصر
يزيد بن حاتم ، ونائبُ خُراسان حُميد بن قَحْطَبة ، ونائبُ سِجِسْتَانَ مَعْنُ بن زائدة . وغزا الصائفةَ فيها
عبدُ الوهاب بن إبراهيم بن محمد .
وفيها تُوفي :
حنظلةٌ بن أبي سفيان ،
وعبدُ الله بن عَوْن .
(١) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٥٠٠) .
(٢) في تاريخه تاريخ الطبري (٤/ ٥٠١) .
(٣) المصدر السابق .

٣٥٠
أحداث سنة ١٥٢ هـ ووفياتها - أحداث سنة ١٥٣ هـ
ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحبُ السيرة النبويَّةِ التي جمعَها وجعلها علماً يُهتَدَى به ، وفجراً
يُستجلى به ، والناسُ كلُّهم عيالٌ عليه في ذلك كما قال الشافعيُّ وغيرُه من الأئمة .
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومئة
فيها عزل المنصورُ عن إمرةِ مصرَ يزيد بن حاتم ، وولَّها محمد بن سعيد ، وبعث إلى نائبٍ إفريقية
- وكان قد بلغَهُ أنَّهُ عَصَى وخَالَف - فلمّا جيء به أمرَ بضَرْبِ عُنقه . وعزَلَ عن البصرةِ جابر بن زيد الكلابي
وولاها يزيدَ بن منصور . وفيها قَتلتِ الخوارجُ مَعْن بنَ زائدة بسِجِسْتان .
وفيها تُوقِّي :
عَبَّاد بن منصور .
ويونُسُ بن يزيد الأيلي .
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومئة
وفيها غَضِبَ المنصورُ على كاتبِهِ أبي أيوب المُورياني وسجَنَه ، وسجن أخاه خالداً ويَني أخيه الأربعة
سعيداً ومسعوداً ومخلداً ومحمداً ؛ وطالَبَهم بالأموالِ الكثيرة ؛ وكان سببُ ذلك ما ذكره ابنُ عساكر في
ترجمةِ أبي جعفر المنصور(١)، وهو أنَّه كان في زمَنِ شبيبتِه قد وردَ الْمَوْصِلَ وهو فقير لا شيء له ، ولا معه
شيء ، فأَّر نفسَه من بعضِ الملاَّحين، حتى اكتسبَ شيئاً تزوَّجَ به امرأةً ، ثم جعلَ يعدُها ويُمنِِّها أنه من
بيتٍ سيصيرُ المُلكُ إليهم سريعاً ، فَاتَّفَقَ حَبَلُها منه، ثم تطلَبَّهُ بنو أميةَ فهرَبَ عنها وتركها حاملاً ، ووضع
عندَها رُقعةً فيها نسبتُهُ، وأنه عبدُ الله بن محمد بن علي بن عبدِ الله بن عباس، وأمَرَها إذا بلَغَها أمرُه أنْ
تأتيَهُ، وإذا ولَدَتْ غلاماً أنْ تُسمِّيه جعفراً؛ فولَدَتْ غلاماً فسمَّته جعفراً. ونشأ الغلامُ فتعلَّمَ الكتابة ،
وغَوِيَ العربيةَ والأدَب ، وأتقن ذلك إتقاناً جيداً. ثم آلَ الأمرُ إلى بني العباس، فسألَتْ عنِ السفّاح ، فإذا
هو ليس صاحبَها ، ثم قام المنصورُ وصارَ الولدُ إلى بغداد ، فاختلط بكُتَّابِ الرسائل ، فأُعجب به أيوبُ
المورياني صاحبُ ديوانِ الإنشاء للمنصور ، وحَظَيَ عندَهُ وقدَّمهُ على غيرِه ، فاتفق حضورُهُ معه بين يدي
الخليفة ، فجعل الخليفةُ يلاحِظُه ، ثم بعث يوماً الخادمَ ليأتيَهُ بكاتب ، فدخل ومعه الغلام ، فكتب بين
يدي المنصور كتاباً ، وجعل الخليفةُ ينظرُ إليه ويتأمَّلُه ، ثم سأله عن اسمِه ، فأخبرَهُ أنه جعفر ، فقال : ابنُ
(١) ذكر ابن عساكر قصة مطولة، انظر تاريخ ابن عساكر (٣٣٢/٣٢ -٣٣٧).

٣٥١
أحداث سنة ١٥٣ هـ
منْ ؟ فسكت الغلام ، فقال : ما لَكَ لا تتكلّم ؟ فقال : يا أميرَ المؤمنين إنَّ من خبَرِي كَيْتَ وكَيْت . فتغيَّر
وجهُ الخليفة ، ثم سأله عن أُمّه ، فأخبرَه ، وسأله عن أحوالِ بلدِ المَوْصل ، فجعل يُخبره والغلام
يتعجَّب . ثم قام إليه الخليفةُ فاحتضَنَهُ وقال : أنتَ ابني. ثم بعثَهُ بعِقْدٍ ثمين ، ومالِ جَزيل ، وكتابٍ إلى
أُمِّهِ يُعْلِمُهَا بحقيقةِ الأمر ، وحالِ الوَلَد . وخرج الغلامُ ومعه ذلك من بابِ سرِّ الخليفة ، فأحرَزَ ذلك ، ثم
جاءَ إلى أبي أيوب فقال : ما بَطَّأَّ بكَ عند الخليفة ؟ فقال : إنه استكتَبَني في رسائلَ كثيرة . ثم تقاولا ، ثم
فارقَهُ الغُلام مُغْضباً ؛ ونَهَضَ من فَوْرِهِ ، فاستأجر إلى الموصل لِيُعْلِمَ أَمَّهُ ويَحْمِلَها وأهلَها إلى بغدادَ إلى
أبيهِ الخليفة ؛ فسار مراحل ، ثم سأل عنه أبو أيُّوب ، فقيل : سافر . فظنَّ أبو أيُّوب أنه أفشَى شيئاً من
أسرارِهِ إلى الخليفة، وفَرَّ منه ، فبعثَ في طلبه رسولاً وقال: حيثُ وجدتَهُ فرُدَّهُ عليّ(١). فسارَ الرسولُ
في طلبِهِ ، فوجده في بعضِ المنازلِ ، فخنقهُ وألقاهُ في بئر ، وأخذ ما كانَ معَه . فرجع إلى أبي أيوب ،
فلما وقف أبو أيُّوب على الكتاب أُسقطَ في يدِهِ وندم على بَعْثِهِ خلفَه، وانتظر الخليفةُ عَودَ وَلَدِهِ إليه ،
واستبطأه، وكشَفَ عن خبَرِه ، فإذا رسولُ أبي أيوب قد لَحِقه وقَتَله . فحينئذٍ استحضرَ أبا أيوب . وألزَمهُ
بأموالٍ عظيمة ، ومازال في العقوبةِ حتى أخذَ جميعَ أموالِهِ وحواصِلِه ، ثم قَتَله ، وجعل يقول : هذا قَتَل
حَبسبي . وكان المنصورُ كلَّما ذكرَ ولدَهُ حزنَ عليه حزناً شديداً .
وفيها خرجتِ الخوارجُ من الصُّفْرِيَّة (٢) وغيرِهم ببلادِ إفريقيَة، فاجتمع منهم ثلاثُمئةِ ألفٍ وخمسون
ألفاً ، ما بين فارسٍ وراجل ، وعليهم أبو حاتم الأنماطي، وأبو عبَّاد، وانضمَّ إليهم أبو قُرَةَ الصُّفْري في
أربعين ألفاً ، فقاتلوا نائبَ إفريقية، فهزموا جيشَه ، وقتلوه وهو عمر بن عثمان بن أبي صُفْرَة الذي كان
نائبَ السِّنْد، فعزلَهُ المنصور عنها بسببِ مبايعتِهِ محمد بن عبد الله بن حسن ، وولَّاه هذه البلادَ ، فقتلَتْهُ
الخوارج رحمه الله . وأكثرتِ الخوارجُ الفسادَ في البلاد ، وقتلوا الحريمَ والأولاد ، وأَذَوْا عامّةَ العباد .
وفيها ألزم المنصورُ الناس بِلُبْسِ قلانسَ سودٍ طِوالٍ جدّاً حتى كانوا يستعينون على رفعها من داخِلها
بالقَصَب فقال أبو دُلامةَ الشاعرُ في ذلك :
فزادَ الإِمامُ المرتَجَى في القلانسِ
وكنَّا نُرَجِّي من إمامِ زيادةً
دِنَانُ يَهُودٍ جُلِّلَتْ بالبَرَانِسِ(٣)
تراها على هامِ الرجالِ كأنَّها
(١) كذا في الأصول، وعبارة ابن عساكر: ((فقال لرجلٍ من أصحابه : اخرُجُ إلى طريقِ الموصل ، ثم أعط خبر الغلام
مَنْزِلًا منزِلًا ، حتى تأتي الموصلَ قريةَ كذا وكذا فإذا عرفتَ موضعَه فاقتُلُهُ وجِئْني بما معه )) . وهو أشبه بالصواب كما
يبدو من السياق .
(٢) الصُّغْرِيَّةُ، - بالضم، ويكسرُ - : قَوْمٌ من الحَرُوريَّةِ ، نُسِبوا إلى عبدِ الله بنِ صَفَّارٍ ، ككَتَّانٍ ، أو إلى زياد بن
الأصْفَرِ ، أو إلى صُفْرَةِ ألوانِهم ، أو لِخُلُوِّهم من الدِّينِ. والمَهالِبَةُ نُسُبُوا إلى آلِ أَبِي صُفْرَةَ. القاموس ( صفر ) .
(٣) البيتان في ديوانٍ أبي دلامة ص (٧٥).

٣٥٢
وفيات سنة ١٥٣ هـ - أحداث سنة ١٥٤ هـ ووفياتها
وفيها غزا الصائفةَ مَعْيُوفُ بن يحيى الحُجوري ، فأسرَ خلقاً كثيراً من الروم ، ينيفُ على ستةِ آلاف
أسير ، وغَنم أموالاً جزيلةً .
وحجّ بالناس المهديُّ بنُ المنصور ، وهو وليُّ العَهْد الملقَّب بالمَهْدي ، وكان على نيابةِ مكةَ والطائف
محمد بن إبراهيم ، وعلى المدينة الحسنُ بن زيد ، وعلى الكوفة محمد بن سليمان ، وعلى البصرة
يزيد بن منصور ، وعلى مصر محمد بن سعيد . وذكر الواقدي أنَّ يزيد بن منصور كان ولَّهُ المنصور في
هذه السنة اليمن . فالله أعلم .
وفيها تُوِّيَ :
أبانُ بن صَمعَة .
وأسامةُ بن زيد الليثي .
وثور بن يزيد الحمصي .
والحسن بن عمارة .
وفِطْرُ بن خليفة .
ومعمر .
وهشام بن الغاز . والله أعلم .
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومئة
فيها دخل المنصورُ بلادَ الشام ، وزار بيتَ المقدِس ، وجهَّزَ يزيدَ بنَ حاتم في خمسينَ ألفاً ، وولَّهُ
بلادَ إفريقية، وأمرَهُ بقتالِ الخوارج ؛ وأنفَقَ على هذا الجيش نحوَ ثلاثٍ وستين ألف دِرْهم . وغَزَا الصَّائفةَ
زُفَرُ بن عاصم الهلالي .
وحجَّ بالناس فيها محمد بن إبراهيم ، ونُوَابُ البلادِ والأقاليم همُ المذكورون في التي قبلَها ، سوى
البصرة ، فعليها عبدُ الملك بن أيوب بن ظَبْيان .
وفيها تُوفي :
أبو أيوب الكاتب .
وأخوه خالد ، وأمرَ المنصورُ ببني أخيه أنْ تُقَطَّعَ أيديهم وأرجُلُهم ، ثم تضرَبَ بعدَ ذلك أعناقُهم ،
ففعل ذلكَ بِهم .

٣٥٣
وفيات سنة ١٥٤ هـ
وفيها تُوفي :
أشعَبُ الطامِعُ(١) : وهو أشعبُ بن جُبير أبو العلاء، ويقال: أبو إسحاق المدَني ، ويُقال له : ابن
أُمِّ حُميدة ، وكان أبوهُ مولّى لابنِ الزُّبير ، قتلَهُ المختار ، وهو خالُ الواقدي .
وروى عن عبدِ الله بن جعفر أنَّ رسولَ اللهِ وَّرِ كان يتخَتَّمُ في اليمين (٢). وأبان بن عثمان وسالم
وعكرمة ، وكان ظريفاً ماجناً ، يُحبُّه أهلُ زمانِهِ لخلاعتِه وطمَعِه ؛ وكان يُجيدُ الغناء ، وقد وَفَد على
الوليد بن يزيد ، فَتَرْجَمَهُ ابنُ عساكر ترجمةً ذكر عنه فيها أشياءَ مضحكة(٣) ؛ وأسنَدَ عنه حديثَيْن .
ورُوي عنه أنه سُئل يوماً أنْ يحدِّث فقال: حدّثني عكرمةُ عن ابنِ عباس أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال:
(( خَصْلتانِ منْ عمل بِهِما دخلَ الجنة )) ، ثم سكت ، فقيل له : ما هما ؟ فقال : نَسِي عكرمةُ الواحدة ،
ونسيتُ أنا الأخرى .
وكان سالم بنُ عبدِ الله بن عمر يستخِفُه ويستحليه ويضحكُ منه ؛ ويأخذُهُ معه إلى الغابة ، وكذلك كان
غیرُه من أکابر الناس .
وقال الشافعي : عَبَثَ الوِلْدانُ يوماً بأشعب ، فقال لهم : إنَّ هاهنا أناساً يُفَرِّقون الجوز؛ لِيطرُدَهُمْ
عنه ، فتسارَعَ الصبيانُ إلى ذلك ، فلمَّا رآهم مسرعين قال: لعلَّهُ حقّ ؛ فَتَبَعَهم .
وقال له رجل: ما بلغَ من طَمَعك؟ فقال: ما زُقَّتْ عروسٌ بالمدينة إلَّ رَجَوْتُ أنْ تُزَفَّ إليّ، فأكسحُ
داري ، وأنظِّفُ بابي ، وأكنسُ بيتي .
واجتاز يوماً برجلٍ يصنعُ طبقاً من قَشّ ، فقال له : زِدْ فيه طَوْراً أو طورَيْن ، لعلَّهُ أنْ يُهدَى يوماً لنا فيه
هديَّة .
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (٧/ ٣٧)، الإكمال لابن ماكولا (١/ ٩٠)، تهذيب مستمر الأوهام ص(٨٤)، تاريخ
دمشق لابن عساكر (١٤٧/٩)، سير أعلام النبلاء (٦٦/٧)، ميزان الاعتدال (٤٢٢/١)، لسان الميزان
(٤٥٠/١)، المغني في الضعفاء (٩١/١).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٩/ ١٤٧) عن أشعب عن عبد الله بن جعفر ، وأخرجه ابن سعد في الطبقات
(٤٧٧/١)، وأحمد في المسند (٢٠٤/١)؛ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣١٤/١) (٤٣٥،
٤٣٦)؛ والمقدسي في المختارة (٩/ ١٧٢، ١٧٣) (١٥١، ١٥٢، ١٥٤)؛ والترمذي في السنن (٢٢٨/٤)
(١٧٤٤)؛ وابن ماجه في سننه (١٢٠٣/٢) (٣٦٤٧)؛ والبزار في مسنده (٢١٥/٦، ٢١٩) (٢٢٥٦،
٢٢٥٩) من حديث عبد الله بن جعفر ، وهو حديث صحيح .
(٣) ترجمته في تاريخ ابن عساكر من (٩/ ١٤٧ - ١٦٣).

٣٥٤
وفيات سنة ١٥٤ هـ
وروى ابنُ عساكر(١) أنَّ أشعبَ غَنَّى يوماً لسالم بنِ عبدِ الله بنِ عمر قولَ بعضِ الشعراء :
مُغِيرِيَّةٌ كالبدرِ سُنَّةُ وجهِها
لها حسبٌ زاكِ وعِرْضٌ مُهذَّبٌ
من الخَفِراتِ البيضِ لم تلقَ ريبَةٌ
فقال له سالم : أحسنتَ فِزِدْنا . فعنَّاه :
مطهّرةُ الأثوابِ والدِّينُ وافر(٢)
وعن كُلِّ مَكْرُوهٍ من الأمرِ زاجرُ
ولم يستَمِلْها عن تُقَى اللهِ شاعرُ
جناحُ غرابٍ عنه قد نفَضَ القَطْرا
ألمَّتْ بنا والليلُ داجٍ كأنَّهُ
فقلتُ أعطَّارٌ ثَوَى في رِحالِنا
وما حَمَلَتْ ليلى سوى رِيحِها عِطْرًا
فقال له : أحسنتَ ! ولولا أنْ يتحدَّثَ الناسُ لأجزَلْتُ لك الجائزة ، وإنَّكَ من الأمرِ لَبِمَكان !.
وفيها تُوفي :
جعفرُ بن بُرقان .
.
والحكم بن آبان
وعبد الرحمن بن زيد بن جابر .
وقُزَّة بن خالد .
وأبو عمرو بن العلاء(٣): أحدُ أثمَّةِ القُرَّاء، واسمُه كنيتُه ؛ وقيل: اسمه زَبَّان ؛ والصحيح الأول .
وهو أبو عمرو بنُ العلاءِ بن عمار بنِ العُزْيان بنِ عبدِ الله بن الحُصين التميميُّ المازنيُّ البصري . وقيلَ غيرُ
ذلك في نسبه . كان علاّمةَ زمانِه في الفقهِ والنَّحْوِ وعِلْم القراءات ؛ وكان من كبارِ العلماء العاملين ؛
يقال : إنه كتب مِلْءَ بيتٍ من كلام العرب، ثم تزَهَّدَ فأحرَقَ ذلك كلَّه ؛ ثم راجَعَ الأمرَ الأول ، فلم يكنْ
عندَهُ إلَّا ما كان يحفظُه من كلام العرب . وكان قد لَقَيَ خلقاً كثيراً من أعرابِ الجاهليّة . كان مقدَّماً أيامَ
الحسن البصري ، ومن بعدِه . ومن اختياراته في العربية قولُهُ في تفسيرِهِ الغُرَّةَ في الجَنين أنَّها لا يقبلُ إلا
(١) في تاريخه تاريخ مدينة دمشق (٩/ ١٥٧).
(٢) الشطر الأول في (ط): ((مضين بها والبدر يشبه وجهها))، والمثبت من ( ب، ح ) وتاريخ ابن عساكر.
(٣) ترجمته في الكنى والأسماء لمسلم (٥٦٤/١)، المقتنى في سرد الكنى (٤٣٠/١)، الكنى للبخاري
ص (٥٥)، مشاهير علماء الأمصار ص (١٥٣)، الثقات (٣٤٥/٦)، الفهرست ص (٤٢)، المنتظم لابن
الجوزي ( ١٨٢/٨)، تهذيب الكمال (١٢٠/٣٤)، البلغة ص (١٠١)، معرفة القراء الكبار (١٠٠/١)،
مولد العلماء ووفياتهم (٣٥٩/١)، وفيات الأعيان (٤٦٦/٣)، سير أعلام النبلاء (٤٠٧/٦)، ميزان الاعتدال
(٤٠٥/٧)، الوفيات للقسنطي ص (١٣١)، لسان الميزان (٤٧٦/٧)، تهذيب التهذيب (١٢ / ١٩٧)،
تقريب التهذيب ص (٦٦٠)، شذرات الذهب (٢٣٧/١)، أبجد العلوم (٣٨/٣).

٣٥٥
أحداث سنة ١٥٥ هـ
أبيضَ غلاماً كان أو جارية . فَهِمَ ذلك من قولِهِ عليه السلام: ((غُرَّةٌ عبدٌ أو أمَّة (١)، ولو أُريدَ أي عبد كان
أو جارية لما قَيَّدَهُ بالغُرَّة، وإنما الغُرَّةُ البياض. قال ابنُ خَلِّكان: وهذا غريب ، ولا أعلَمُ هل يوافق قول
أحدٍ من الأئمة المجتهدين أم لا ؟ .
وذُكر عنه أنه كان إذا دخل شهرُ رمضان لا يُنشدُ بيتاً حتى ينسلخ ، وإنما كان يقرأ القرآن ؛ وأنه كان
يشتري له كلَّ يومٍ كوزاً جديداً وريحاناً طريّاً . وقد صَحِبَهُ الأصمعي نحواً من عشرٍ سنين .
كانت وفاتُه في هذه السنة ، وقيل في سنةٍ ستٍّ وخمسين ، وقيل سبعٍ وخمسين ومئة فالله أعلم ، وقد
قَارَبَ التسعين ، وقيل : إنه جاوزَها فالله أعلم . وقبرُه بالشام ، وقيل بالكوفة ، فالله أعلم .
وقد روى ابنُ عساكر(٢) في ترجمةِ صالح بن علي بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن جدِّه عبد الله بن
عباس مرفوعاً: ((لأنْ يُرَبِّي أحدُكم بعدَ أربعٍ وخمسين ومئة جَرْوَ كلبٍ خيرٌ له من أنْ يُرَبِّي ولداً لِصُلْبِهِ ».
وهذا مُنْكرٌ جدّاً. وفي إسنادِهِ نظَر. ذكرَهُ مَن طريقٍ تَمَّام ، عن خيثمة بنِ سليمان ، عن محمد بن عوف
الحمصي ، عن أبي المغيرة عن عبد الله بن السمط ، عن صالح به ؛ وعبد الله بن السمط هذا لا أعرفُه ،
وقد ذكرَهُ شيخنا الحافظُ الذهبي في كتابهِ الميزانُ(٣) وقال : رَوَى عن صالحِ بنِ علي حديثاً موضوعاً .
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومئة
فيها دخلَ يزيدُ بن حاتم بلادَ إفريقيَةٍ ، فافتتحها عوداً على بَدْء ، وقَتَلَ منْ كان فيها ممَّنْ تغلَّبَ عليها
من الخوارج ، وقتَلَ أمراءَهم، وأسَرَ كُبَراءهم، وأذلَّ أشرافَهم، وأرغَمَ آنافَهم، وبدَّدَ آلافَهم ، واستبدلَ
أهلَ تلك البلادِ بالخَوفِ أمْناً وسلامةً ، وبالإهانةِ كرامةً .
(١) الحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده (٣٢٣/١٠، ٣٢٤) (٥٩١٧) بسنده عن أبي هريرة قال: قضى رسولُ اللهِ لّ فِي
الجنين غرة عبد أو أمة . قال : فقال الذي قَضَى عليه: أيعقلُ منْ لا أكلَ ولا شرب ولا صاحَ فاستهلّ ؟ فمِثْلُ ذلك يُطَلّ ؟!
فقال النبيُّ ◌ََّ: ((إنَّ هذا يقولُ بقولِ شاعر، فيه غُرَّةٌ عبدٌ أو أمّة)). ورواه أبو داود رقم (٤٥٧٦) وابن ماجه رقم (٢٦٣٩)
وهو حديث صحيح وقال الخطابي في غريب الحديث ٢٣٦/١: قال أبو عمرو بن العلاء: قولُ رسولِ الله: ((في الجنين غُرَّة
عبد أو أمة ))، لولا أنَّ رسولَ الله أرادَ بالغُرَّةِ معنى لقال: ((في الجنين عبد أو أمة )) ، ولكنَّه عَنَّى البياضَ حتى لا يُقبلَ في الديةِ
إلا غلامٌ أو جاريةٌ بيضاء ، ولا يُقْبَلَ فيها أسود ولا سوداء . قال أبو سليمان: وهذا شبيهٌ بالمعنى الأول ، لأنَّ البياضَ ممّا
يُبْتَغَى في الرقيق ، ويُزاد له في القيمة ؛ وكانت العَرَب تقتني الحَبَش والنُّوبة ، والبياضُ فيهم عزيز، فمنْ أرادَ البياض في
الجِنْس كالرُّوم والصقالبة لم يقدر عليه إلا بأن يرفعَ في الثمن . اهـ .
(٢)
تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ( ٣٥٧/٢٣، ٣٥٨).
ميزان الاعتدال (١١٦/٤ ) .
(٣)

٣٥٦
بناء الرافقة المدينة المشهورة - وفيات سنة ١٥٥ هـ
وكانَ من جُملةٍ منْ قَتلَ من أمرائهم أبو حاتم ، وأبو عبَّاد ، الخارجيَّان ، ثم لمّا استقامَتْ له وبه الأمورُ
في البلدان دخل بعدَ ذلك بلادَ القَيْروان، فمَهَّدَها وأطَّرها١) وأقرَّ أهلَها، وقرَّرَ أمورَها ، وأزال
محذورَها . والله سبحانه أعلم .
بناءُ الرَّافِقَة المدينة المشهورة
وفيها أمَرَ المنصورُ ولدَهُ الْمَهْدِيَّ ببناء الرَّافِقَة على مِنْوالِ بناءِ بغداد في هذه السنة ؛ وأمرَ فيها ببناءِ سُورٍ
وعمَلِ خندَقِ حولَ الكوفة . وأخذَ ما عزَمَ على ذلك من أموالِ أهلِها ، من كلِّ إنسانٍ من أهلِ اليسار أربعين
درهماً . وقد فرَضها أولًا خمسةَ دراهم ، ثم جباها أربعين أربعين ؛ فقال في ذلك بعضُهم :
يا لَقَوْمي ما رأينا في أمير المؤمنينا
قسَمَ الخمسةَ فينا
وجَبَانا أربعينا
وفيها غَزَا الصائفةَ يزيدُ بن أسد السُّلَمي . وفيها طلبَ ملكُ الرُّوم الصلحَ من المنصور، على أنْ يَحْمِلَ
إليه الجزية .
وفيها عزلَ المنصورُ أخاهُ العباس بن محمد عن الجزيرة ، وغرَّمَهُ أموالا كثيرة . وفيها عزَلَ محمد بن
سليمان بن علي عن إمرةِ الكوفة ، فقيل: لأُمور بلغَتْهُ عنه ، في تعاطي منكراتٍ وأمورٍ لا تَليقُ بالعمَّال ؛
وقيل : لِقَتْلِهِ محمد بن أبي العَوْجاء ، وقد كان ابنُ أبي العوجاء هذا زِنْديقاً ، يُقال إنه لما أمَرَ بضرْبِ عُنقه
اعترفَ على نفسِه بوضع أربعةِ آلافٍ حديث يُحلُّ فيها الحرام ، ويُحَرِّمُ فيها الحلال ، ويصوِّمُ الناسَ يومَ
الفِطْر، ويُفَطِّرُهم في أيام الصيام ، فأرادَ المنصورُ أن يجعلَ قتلَهُ لهُ ذنباً؛ فعزلَهُ به ؛ وإنما أرادَ أنْ يُقيدَهُ
منه ، فقال له عيسى بن موسى : يا أميرَ المؤمنين لا تعزِلْهُ بهذا، ولا تقتُلُهُ به ، فإنه إنما قتلَهُ على
الزَّنْدَقة، ومتى عزلتَهُ به شكرَهُ العامَّةُ وذمُّوك . فترَكَهُ حيناً ثم عزلَهُ وولَّى مكانَهُ على الكوفة عمرَ بن زهير .
وفيها عزل المنصورُ عن المدينة الحسن بن زيد وولَّى عليها عمَّهُ عبد الصمد بن علي ، وجعل معه
فليح بن سليمان مشرفاً عليه . وعلى إمرةٍ مكة محمدُ بن إبراهيم بن محمد ؛ وعلى البصرة الهيثمُ بن
معاوية ؛ وعلى مصر محمد بن سعيد ؛ وعلى إفريقيَةَ يزيدُ بن حاتم .
وفيها تُوقِّي :
صفوان بن عمر .
وعثمان بن أبي العاتكة الدمشقيان .
(١) هو من التأطير، وهو اتِّخاذ الإطارِ للبيتِ، وهو كالمِنْطَقَةِ حَوْلَهُ. القاموس ( أطر).

٣٥٧
وفيات سنة ١٥٥ هـ
وعثمان بن عطاء .
ومِسْعَر بن كِدَام .
وحَمَّاد الرَّاويةُ(١) وهو ابنُ أبي ليلى ميسرة ، ويقال سابور بن المبارك بن عُبيد الدَّيْلميُّ الكوفيّ ، مولى
بُكير بن زيد الخيل الطائي . كان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارِها وأشعارِها ولغاتِها ؛ وهو الذي
جمعَ السبعَ المعلّقاتِ الطَّوال ؛ وإنما سُمِّي الراويةَ لكثرةٍ روايتِهِ الشعرَ عن العرب . اختبرَهُ الوليدُ بن
يزيد بن عبدِ الملك أميرُ المؤمنين في ذلك ، فأنشدَهُ تسعاً وعشرينَ قصيدةً على حروفِ المعجم ، كلُّ
قصيدةٍ نحوٌ من مئةٍ بيت . وزعم أنه لا يُسمَّى شاعرٌ من شعراءِ العرب إلَّا أنشدَ له ما لا يحفظُه غيرُه.
فأطلق له مئة ألفِ درهم .
وذكر أبو محمد الحريري في كتابِهِ « دُرَّة الغَوَّاص)) أنَّ هشام بن عبد الملك استدعاهُ من العراق من
نائبِهِ يوسف بن عمر، فلما دخل عليه إذا هو في دارٍ قَوْرَاءُ(٢) ، مُرَخَّمةٍ بالرخام والذهب ، وإذا عنده
جاريتانِ حسَنَتَان جدّاً ، فاستنشدَهُ شيئاً ، فأنشده ، فقال له : سَلْ حاجَتَك . فقال : كائنةً ما كانتْ يا أمير
المؤمنين ؟ فقال : وما هي ؟ فقال : تُطلِّق لي إحدى هاتين الجاريتَيْن . فقال: هما وما عليهما لك.
وأخلاهُ في بعض دارِه وأطلقَ له مئةَ ألفِ درهم .
هذا مُلَخَّصُ الحكاية ، والظاهرُ أنَّ هذا الخليفةَ إنما هو الوليدُ بن يزيد، فإنه ذكَرَ أنه شَرِبَ معهُ
الخمر ، وهشامٌ لم يكنْ يشرَب ، ولم يكنْ نائبَهُ على العراق يوسُف بن عمر ، إنما كان نائبَهُ خالد بن
عبدِ الله القَسْري ، وبعدَهُ يوسف بن عمر بن عبد العزيز .
وكانت وفاةُ حمّاد في هذه السنة، عن ستين سنة. قال ابنُ خَلِّكان (٣) : وقيل إنه أدرك أوَّلَ خلافةٍ
المهدي في سنة ثمانٍ وخمسين . فالله أعلم .
وفيها قُتل :
حَمَّاد عَجْرَدُ(٤) على الزَّنْدَقَة ، وهو حَمَّاد بن عمر بن يونس بن كُليب الكوفي ، ويقال إنه واسطي ،
(١) ترجمته في طبقات فحول الشعراء (٤٨/١)، الأغاني (٧٩/٦)، الفهرست ص (١٣٤)، وفيات الأعيان
(٢٠٦/٢)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٥٧)، النجوم الزاهرة (٢٨/٢)، المنتظم لابن الجوزي (٨/ ٢٧٢)،
نزهة الألباب في الألقاب ص ( ٢٢٣)، لسان الميزان (٣٥٢/٢)، المزهر للسيوطي (٣٤٨/٢).
(٢)
الدار القوراء : واسعة الجوف . لسان العرب ( قور ) .
(٣)
في وفيات الأعيان (٢٠٩/٢).
ترجمته في الأغاني (١٤/ ٣١٣)، تاريخ بغداد (١٤٨/٨)، المنتظم لابن الجوزي (٢٩٦/٨)، وفيات الأعيان
(٤)
(٢١٠/٢)، سير أعلام النبلاء (١٥٦/٧)، كتاب حماد عجرد (ذكره النديم في الفهرست ص (٢٠٢، نزهة =

٣٥٨
أحداث سنة ١٥٦ هـ ووفياتها
مولى بني سواد ، وكان شاعراً ماجناً ظريفاً زنديقاً خَليعاً، مُتَّهماً على الإسلام ، وقد أدرك الدولتين
الأمويَّةَ والعباسية ، ولم يشتهر إلا في أيام بني العباس ، وكان بينه وبين بشَّار بن بُرْد مُهاجاةٌ كثيرة ، وقد
قُتل بشارٌ هذا على الزَّنْدَقةِ أيضاً كما سيأتي ، ودُفن مع حماد هذا جانب قبرِه . وقيل: إنَّ حماد عجرد
ماتَ سنةً ثمانٍ وستين ، وقيل : إحدى وستين ومئة . فالله أعلم .
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومئة
فيها ظَفِرِ الهيثمُ بن معاوية نائبُ المنصور على البصرة بعمرو بن شدَّاد ، الذي كان عاملاً لإبراهيم بن
عبد الله على فارس ؛ فقيل : أمر فقُطِعَتْ يداهُ ورِجلاه وضُربت عُنقه ثم صُلب .
وفيها عزل المنصورُ الهيثمَ بن معاوية هذا الذي فعل هذه الفَعْلَةَ عن البصرة ، وولَّى عليها قاضيها
سَوَّار بنَ عبدِ الله ، فجمع له بين القضاء والصلاة ، وجعل على شُرْطِتِها وأحداثِها سعيدَ بنَ دَعْلَج ، ورجع
الهيثمُ بن معاوية قاتلُ عمرو بن شدَّاد إلى بغداد ، فمات فيها فجأةً في هذه السنة ، وهو على بطنٍ جاريةٍ
له، وصلَّى عليه المنصور، ودُفن في مقابر بني هاشم ، ويُقال : أصابَهُ عمرو بن شدَّاد الذي قتله تلك
القِتْلَة . فليتَّقِ العبدُ الظلم .
وحجَّ بالناسِ العباسُ بن محمد أخو المنصور ؛ ونُؤَّابُ البلاد همُ المذكورون في التي قبلَها ؛ وعلى
فارس والأهواز وكُوَرِ دِجْلَةَ عمارةُ بن حمزة ؛ وعلى كَرْمانَ والسِّنْد هشام بن عمرو .
وفيها تُوِّي :
حمزَةُ الزيَّات (١) في قول وهو أحدُ القرَّاء المشهورين، والعُبَّاد المذكورين، وإليه تُنسب المُدودُ
الطويلة في القراءة اصطلاحاً من عندِه ، وقد تكلّم فيه بسبِها بعضُ الأئمة ، وأنكروها عليه .
وسعيد بن أبي عَرُوبة وهو أولُ منْ جمَعَ السُّنَن في قول .
وعبدُ الله بن شَؤْذَب .
وعبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم الإفريقي .
وعُمَرُ بن ذَرّ .
=
الألباب في الألقاب (٢٣/٢)، لسان الميزان (٣٤٩/٢)، النجوم الزاهرة (٢٨/٢).
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٨٥/٦)، مشاهير علماء الأمصار ص (١٦٨)، الفهرست ص (٤٤)، صفة
الصفوة ( ١٥٦/٣)، المنتظم (١٨٨/٨)، وفيات الأعيان (٢١٦/٢)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٩٠)، معرفة
القراء الكبار (١١١/١)، العبر (٢٢٦/١)، طبقات المحدثين ص (٦٠)، مآثر الإنافة (١٨٠/١)، الجواهر
المضية في طبقات الحنفية ص (٤٢٣)، النجوم الزاهرة (٢٨/٢)، شذرات الذهب (٢٤٠/١).

٣٥٩
أحداث سنة ١٥٧ هـ ووفياتها
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئة
فيها بَنَى المنصورُ قصرَهُ المسمَّى بالخُلْد في بغداد ، تفاؤلاً بالتَّخْليدِ في الدنيا ، فعندَ كمالِهِ مات ،
وخَرِبَ القصرُ من بعدِه ؛ وكان المستحثَّ في عمارته أبانُ بن صدقة ، والربيعُ مولى المنصور - وهو
حاجبُه - وفيها حوَّل المنصورُ الأسواقَ من قُرْبِ دارِ الإمارةِ إلى باب الكَرْخ .
وقد ذكرنا فيما تقدَّم سببَ ذلك(١) .
وفيها أمر بتوسعةِ الطُّرقات ، وفيها أمَرَ بعمَلِ جسرٍ عند باب الشعير ، وفيها استعرَضَ المنصورُ جُنْدَهُ
وهم مُلْبسون السلاح ، وهو أيضاً لابسٌ سلاحاً عظيماً ؛ وكان ذلك عند دِجْلة .
وفيها عَزَلَ عن السِّنْد هشامَ بن عمرو وولَّى عليها معبد بن الخليل(٢).
وفيها غزا الصائفةَ يزيدُ بن أسيد السُّلَمي ، فأوْغَلَ في بلادِ الروم ، وبعث سِنَاناً مولى البَطَّال مقدِّمةً بين
يديه ، ففتح حصوناً ، وسَبَى وغَنِم .
وفيها حَجَّ بالناسِ إبراهيمُ بن يحيى بن محمد بن عليّ، ونُوَّابُ البلاد همُ المذكورونَ في التي قبلَها .
وفيها تُوفي :
الحسين بن واقد .
والإمام الجليل علَّمَةُ الوقت أبو عمرو. عبد الرحمن بن عمرو الأوْزَاعِيّ(٣) فقيهُ أهلِ الشام وإمامُهم ،
وقد بقي أهلُ دمشق وما حولَها من البلاد على مذهبِهِ نحواً من مئتين وعشرين سنة .
(١) انظر ص (٣٣٦، ٣٣٧) من هذا الجزء.
(٢) في (ب، ق): ((سعيد بن الخليل))، والمثبت من (ح) وتاريخ الطبري (٥١١/٤)، وما سيأتي في
ص ( ٣٧٨) من هذا الجزء .
(٣) ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد (٤٨٨/٧)، بحر الدم لأحمد بن حنبل ص (٢٦٤)، التاريخ الكبير
(٣٢٦/٥)، الكنى والأسماء لمسلم (٥٦٦/١)، معرفة الثقات للعجلي (٨٣/٢)، الجرح والتعديل
(١٨٤/١)، و(٢٦٦/٥)، مشاهير علماء الأمصار ص (١٨٠)، الثقات لابن حبان (٦٢/٧)، التعديل
والتجريح ( ٢/ ٨٧٣)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (١٤٧/٣٥)، صفة الصفوة (٢٥٥/٤)، وفيات الأعيان
(١٢٧/٣)، تهذيب الكمال (٣٠٧/١٧)، ميزان الاعتدال (٣٠٥/٤)، المقتنى في سرد الكنى (٤٢٩/١)،
سير أعلام النبلاء (١٠٧/٧)، الكاشف (٦٣٨/١)، مولد العلماء ووفياتهم (٣٦٥/١)، طبقات الفقهاء
الشيرازي ص (٧١)، تحفة التحصيل ص (٢٠٢)، تهذيب التهذيب (٢١٦/٦)، تقريب التهذيب ص (٣٤٧)،
لسان الميزان (٢٨٣/٧)، النجوم الزاهرة (٣٠/٢)، شذرات الذهب (٢٤١/١).

٣٦٠
ترجمة الأوزاعي رحمه الله
شيء من ترجمة الأوزاعي رحمه الله
هو عبدُ الرحمن بن عمرو بن يُحْمِد ، أبو عمرو الأوزاعي ، والأوْزَاعِ بطنٌ من حِمْيَر ، وهو من
أنفسِهم. قاله محمدُ بن سعد (١). وقال غيرُه: لم يكن من أنفُسهم، وإنما نزلَ في مَحَلَّةِ الأوزاع؛ وهي
قريةٌ خارجَ بابِ الفراديس من قُرَى دمشق ؛ وهو ابنُ عمِّ يحيى بن عمرو الشيباني .
قال أبو زُرعة : وأصلُهُ من سبي السِّنْد ، فَزَلَ الأوزاعِ ، فغلَب عليه النسبةُ إليها .
وقال غيره : ولد ببَعْلَبَكَّ، ونشأ بالبقاع يتيماً في حِجْرٍ أُمّه، وكانت تنتقلُ بهِ من بلدٍ إلى بلد، وتأدَّب
بنفسِه ، فلم يكنْ في أبناءِ الملوكِ والخلفاءِ والوزراءِ والنُّجَارِ وغيرهم أعقلَ منه ، ولا أوْرَع ولا أعلم ولا
أفصَح ولا أوْقَرَ ولا أحلمَ ولا أكثرَ صَمْتاً منه ؛ ما تكلّم بكلمةٍ إلَّا كان المتعيِّنُ على منْ سَمِعها من جلسائه
أنْ يكتبَها عنهُ من حسنِها .
وكان يُعاني الرسائلَ والكتابة ، وقد اكتتبَ مرَّةً في بعثٍ إلى اليمامة ؛ فسمع الحديث من يحيى بن
أبي كثير، وانقطعَ إليه، فأرشدَهُ إلى الرحلة إلى البصرةِ ليسمعَ من الحسنِ وابنِ سيرين ، فسارَ إليه فوجد
الحسنَ قد تُوفِّيَ من شهرَيْن ، ووجد ابنَ سيرين مريضاً ، فجعل يتردّدُ لعيادتِهِ ، فقَوي المرضُ به ومات ؛
ولم يسمع منه الأوزاعيُّ شيئاً .
ثم جاء فنزل دمشقَ بمحلَّةِ الأوْزَاعِ - خارجَ بابِ الفَرَاديس - وسادَ أهلَهَا في زمانِهِ وسائرَ البلادِ في الفِقْهِ
والحديثِ والمغازي وغيرِ ذلك من علوم الإسلام ؛ وقد أدركَ خلقاً من التابعين وغيرهم ، وحدَّثَ عنه
جماعاتٌ من ساداتِ المسلمين ، كمالكِ بن أنس ، والثوري والزُّهري - وهو من شيوخِه - وأثنى عليه غيرُ
واحدٍ من الأئمة ، وأجمع المسلمونَ على عدالتِهِ وإمامتِه .
قال مالك : كان الأوزاعي إماماً يُقتدى به . وقال سفيانُ بن عيينة وغيره : كان الأوزاعيُّ إمامَ أهلِ
زمانهِ ؛ وقد حجَّ مرةً فدخلَ مكةَ وسفيانُ الثوري آخذٌ بزمام جمَلِه ، ومالكُ بن أنس يسوقُ به ، والثوريُّ
يقول: افسحوا للشيخ ؛ حتى أجلساه عندَ الكعبة ، وجلَّسًا بين يديه يأخذانِ عنه. وقد تذاكَرَ مالكٌ
والأوزاعي مرَّةً بالمدينةِ من الظهر حتى صلًَّا العصر، ومن العصرِ حتى صلَّيًا المغرب ؛ فَغَمَرَهُ الأوزاعيُّ
في المغازي ، وغمَرَهُ مالكٌ في الفقه ، أو في شيءٍ من الفقه .
وتناظَرَ الأوزاعيُّ والثوريُّ في مسجدِ الخليفةِ في مسألةِ رفعٍ اليدَيْنِ في الركوعِ والرَّفْعِ منه ، فاحتجّ
الأوزاعيُّ على الرفعِ في ذلك بما رواهُ عن الزُّهري عن سالم ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللهِِّ كان يرفعُ يدَيْهِ
(١) في ترجمته في الطبقات الكبرى (٤٨٨/٧).