Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ ذكر مقتل محمد بن عبد الله بن حسن - خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن فصل في ذكر مقتل محمد بن عبد الله بن حسن(١) بعَثَ محمدُ بن عبد الله بن حسن في غبونٍ(٢) ذلك رسولاً إلى أهلِ الشام يدعوهم إلى بيعتِهِ وخِلافَتِهِ ، فأبَوْا قَبُولَ ذلك منه، وقالوا : قد ضَجِرنا من الحروب ، ومَلِلْنا القتال . ولم يكترثوا بأصحابه ، فرجعوا إليه بعدَ ما خافوا على أنفسِهم ؛ وجعل يستميلُ رؤوسَ أهلِ المدينة ، فمنهم من أجابَه ، ومنهم منِ امتنع عليه ، وقال له بعضُهم : كيف أُبايعُك وقد ظهرتَ في بلدٍ ليس فيه مالٌ تستعينُ به على استخدامِ الرجال ؟. ولَزِمَ بعضُهم مَنْزِلَهُ فلم يخرُجْ حتى قُتل محمد . وبعَثَ محمدٌ الحسنَ بن معاويةً(٣) في سبعين رجلاً ونحواً من عشرةٍ فوارس إلى مكةَ نائباً إنْ هو دخلَها ، فساروا إليها ، فلما بلغ أهلها قدومُهم خرجوا إليهم في ألوفٍ من المقاتلة ، فقال لهم الحسن بن معاوية : علامَ تُقاتلون وقد ماتَ أبو جعفر؟ فقال السريُّ بنُ عبدِ الله زعيمُ أهلِ مكة : إنَّ بُرُدَهُ جاءتنا من أربعٍ ليالٍ وقد أرسلتُ إليه كتاباً فأنا أنتظرُ جوابهُ إلى أربع ؛ فإنْ كان ما تقولون حقّاً سلَّمْتُكم البلدَ وعليَّ مؤنة رجالكم وخيلكم ، فامتنع الحسنُ بنُ معاوية من الانتظار وأبى إلا المناجزة ، وحلف لا يبيتُ الليلةَ إلا بمكّة إلَّ أن يموت ؛ وأرسل إلى السري، أن ابرُزْ من الحرَم إلى الحلّ حتى لا تُراقَ الدماءُ في الحرم . فلم يخرُجْ فتقدَّموا إليهم فصافُّوهم ، فحملَ عليه الحسن وأصحابُه حملةً واحدة ، فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعة ، ودخلوا مكة ، فلما أصبحوا خطَبَ الحسنُ بن معاوية الناسَ وعَزَّاهمُ(٤) بأبي جعفر ، ودعاهم إلى محمد بن عبد الله بن حسن المهدي . خروج أخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن وظهر بالبصرة أيضاً إبراهيم بن عبد الله بن حسن ، وجاء البريدُ إلى أخيه محمد ، فانتهى إليه فاستؤذن له عليه وهو بدارِ مروان ، فطرق بابها فقال : اللهم إني أعوذُ بك من شرِّ طوارقِ الليلِ والنهار إلا طارقاً يطرُقُ بخيرٍ يا رحمن . ثم خرج فأخبر أصحابَه عن أخيه ، فاستبشروا جدّاً وفرحوا كثيراً ، كان يقول للناسِ بعدَ صلاةِ الصُّبحِ والمغرب : ادعوا الله لإخوانكم أهلِ البصرة ، وللحسن بن معاوية بمكّة ، واستنصروهُ على أعدائكم . (١) ستأتي ترجمته في الصفحة (٣٣١) من هذا الجزء. كذا في الأصول، وانظر حاشيتي الصفحتين (٢٨٠ و٢٩٢) ذات الرقم (٢ و١) على التوالي من هذا الجزء. (٢) في (ق): (( الحسين بن معاوية)) وهو تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح) وتاريخ الطبري. (٣) (٤) في (ق): ((وأغراهم))، وفي تاريخ الطبري: ((ونعى إليهم أبا جعفر))، والمثبت من ( ب، ح). ٣٢٢ خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن وأما ما كان من المنصور فإنه جهّز الجيوشَ إلى محمد بن عبد الله بن حسن صحبةً عيسى بن موسى عشرة آلاف فارس من الشجعان المنتخَبين ، منهم محمد بن أبي العباس ، وجعفر بن حنظلة البهراني ، وحُميد بن قَحْطَبة . وكان المنصورُ قد استشارَهُ فيه فقال : يا أمير المؤمنين ادعُ بمنْ شئتَ مِمَّنْ تَثِقُ به من مواليك ، فابعَثْ بهم إلى وادي القُرى يمنعونَهم من ميرةِ الشام ، فيموتُ هو ومن معه جُوعاً ، فإنه ببلدٍ ليس فيه مالٌ ولا رجالٌ ولا كُرَاعٌ ولا سلاح . وقدم بين يديه كثير بن الحصين العبدي ، وقد قال المنصور لعيسى بن موسى حين وذَّعه : يا عيسى إني أبعتُكَ إلى ما بين جنبيَّ هذين، فإنْ ظَفِرت بالرجل ، فشِمْ سيفَك، ونادٍ في الناس بالأمان ، وإنْ تغيَّب فضَمِّنْهُمْ إِيَّاهُ حتى يأتوكَ به ، فإنَّهمْ أعلمُ بمذاهبه . وكتب معه كُتباً إلى رؤساءٍ قريش والأنصارِ من أهلِ المدينة يدفعُها إليهم خُفْية، يدعوهم إلى الرجوعِ إلى الطاعة . فلما اقترب عيسى بن موسى من المدينة بعث الكُتبَ مع رجل ، فأخذه حرسُ محمدٍ بن عبد الله بن حسن ، فوجدوا معه تلك الكُتب ، فدفعوها إلى محمد ، فاستحضر جماعةً من أولئك فعاقبهم وضرَبهم ضرباً شديداً وقيَّدهم قيوداً ثقالا، وأودَعهم السجن . ثم إنَّ محمداً استشارَ أصحابَهُ بالقيام بالمدينة حتى يأتيَ عيسى بن موسى فيُحاصرهم بها أو أنه يخرجُ بمنْ معه فيقاتل أهلَ العراق ، فمنهمٍ من أشار بهذا، ومنهم من أشار بذاك، ثم اتفق الرأيُ على المقام بالمدينة، لأنَّ رسولَ الله ◌َلاَ نَدِمَ يومَ أُحُد على الخروجِ منها؛ ثم اتفقوا على حفرٍ خندقٍ حولَ المدينةِ كما فعل رسولُ اللهِوََّ يومَ الأحزاب ، فأجابَ إلى ذلك كلّه، وحَفَرَ مع الناسِ في الخندق بيدِهِ اقتداءً برسولِ الله ◌ِّه ، وقد ظهر لهم لَبِنَةٌ من الخندقِ الذي حفرَهُ رسولُ الله ◌ِّهِ، ففرحوا بذلك وكَبَّروا، وبشَّروهُ بالنَّصْر، وكان محمدٌ حاضراً عليه قَباءٌ أبيض ، وفي وسطه مِنْطقة، وكان شَكِلا١ً) ضخماً أسمرَ عظيمَ الهامة . ولما نزل عيسى بنُ موسى الأعْوَص (٢) واقترب من المدينة صَعِدَ محمدُ بن عبد الله المنبرَ ، فخطب الناسَ وحثَّهم على الجهاد ، وكانوا قريباً من مئة ألف ، فقال لهم في جملةِ ما قال : إنِّي جعلتُكم في حِلِّ من بيعتي ، فمنْ أحبَّ منكم أنْ يُقيم عليها فعَل، ومَنْ أحبَّ أنْ يترُكَها فعَل . فتسلَّلَ كثيرٌ منهم أو أكثرُهم عنه ، ولم يبقَ إلَّا شِرْذمةٌ قليلةٌ معه ؛ وخرج أكثرُ أهلِ المدينة بأهلِهم منها لئلا يشهَدوا القتالَ بها ؛ فَنَزَلوا الأعراضَ ورؤوسَ الجبال(٣)، وقد بعث محمدٌ أبا الليث ليردَّهم عن الخروج فلم يُمكنُهُ ذلك في أكثرِهم ، واستمُّوا ذاهبين ؛ وقال محمدٌ لرجل : أتأخذُ سيفاً ورُمحاً وتردُّ هؤلاء الذين خرجوا من (١) رجل أشْكَلُ العين، وأشْهَلُ العين، وفيها شُكْلَة، وهي حُمْرة في بياضِها ، وشُهْلٌ في سوادِها . المغرب ( شكل ) (٤٥٢/١ ) . (٢) الأعوص - بفتح أوله وبالصاد المهملة على وزن أفعل - : موضعٌ بشَرْقيِّ المدينة، على بضعةَ عشرَ ميلاً منها. معجم ما استعجم (١/ ١٧٣). (٣) أعراضُ المدينة: هي بطونُ سوادِها، وقراها التي في أوديَتها، حيث الزرعُ والنخل. معجم البلدان (١/ ٢٢٠). ٣٢٣ خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن المدينة ؟ فقال : نعم إنْ أعطيتَني رمحاً أطعَنُهم وهم بالأعراض ، وسيفاً أضرِبُهم وهم في رؤوس الجبال فعَلْتُ . فسكت محمد ثم قال لي : ويحك ! أهلُ الشام والعراقِ وخُراسان قد بيَّضوا - يعني لبسوا البياض - موافقةً لي وخلَعُوا السواد . فقال : وماذا ينفعُني أنْ لو بقيتِ الدنيا زبدةً بيضاء ، وأنا في مثلٍ صُوفةِ الدواة ؟! وهذا عيسى بن موسى نازلٌ بالأعْوَص . ثم جاء عيسى بن موسى فَنزل قريباً من المدينة على ميلٍ منها ، فقال له دليلُهُ ابنُ الأصم : إني أخشى إذا كشفتُموهم أنْ يَرْجِعوا إلى معسكرِهم سريعاً قبل أن تدركهم الخيل . ثم ارتحلَ به فأنزلَهُ الجُرْف على سقاية سليمانَ بنِ عبد الملك على أربعةِ أميالٍ من المدينة ، وذلك يوم السبت لِصُبْح اثنتي عشرةَ ليلةً خلَتْ من رمضان من هذه السنة ؛ وقال : إنَّ الراجل إذا هرب لا يقدِرُ على الهرولةِ أكثرَ منَ ميلَيْنِ أو ثلاثة فتدركُه الخيل . وأرسل عيسى بن موسى خمس مئة فارس ، فنَزلوا عندَ الشجرةِ في طريقِ مكة ، وقال لهم : هذا الرجلُ إنْ هرب فليس له ملجأٌ إلَّ مكة، فاقتلوه وحُولوا بينهُ وبينها١) . ثم أرسل عيسى إلى محمدٍ يدعوه إلى السمع والطاعةِ لأميرِ المؤمنين المنصور ، وأنَّه قد أعطاهُ الأمانَ له ولأهلٍ بيته إنْ هو أجابَه . فقال محمد للرسول : لولا أنَّ الرسل لا تُقتل لقتلتُك . ثم بعث إلى عيسى بنِ موسى يقولُ له : إني أدعوك إلى كتابِ الله وسنةِ رسولِه ، فاحذَرْ أنْ تمتنعَ فأقتُلَكَ فتكونَ شرَّ قَتيل أو تقتُلَني فتكونَ قتلتَ منْ دعاك إلى اللهِ ورسولِه . ثم جعلت الرسلُ تتردّدُ بينهما ثلاثةَ أيام هذا يدعو هذا، وهذا يدعو هذا ؛ وجعل عيسى بن موسى يقفُ كلَّ يومٍ من هذه الأيام الثلاثة على الثنيَّةِ عندَ سَلْعِ فُيُنادي : يا أهلَ المدينة إنَّ دماءكم علينا حرام ، فمنْ جاءنا فوقف تحت رايتِنا فهو آمِنْ ، ومنْ خرج من المدينةِ فهو آمنْ ، ومنْ دخلَ دارَه فهو آمن ، ومن ألقى سلاحهُ فهو آمن، فليس لنا في قتالِكم أرَب ، وإنما نريدُ محمداً وحدَه لنذهبَ بهِ إلى الخليفة . فجعلوا يَسُبُّونَهُ وينالونَ من أُمِّه، ويكلِّمونه بكلامٍ شَنيع ، ويخاطبونه مخاطبةً فظيعة ، وقالوا له: هذا ابنُ رسولِ اللهِ وَّرَ معنا ونحن معهُ نقاتلُ دونه. فَلَمّا كان اليومُ الثالث أتاهُمْ في خيلٍ ورجالٍ وسلاحٍ ورماح ، لم يُر مثلُها فناداه : يا محمد ، إنَّ أميرَ المؤمنين أمرني أنْ لا أُقاتلكَ حتى أدعوكَ إلى الطاعة ، فإنْ فعلتَ أمَّنَكَ وقضَى دَيْنك ، وأعطاكَ أموالًا وأراضي ، وإنْ أبيت قاتلتُك ؛ فقد دعوتُك غيرَ مرَّة . فناداهُ محمد: إنَّه ليس لكم عندي إلَّ القتال فنشبتِ الحربُ حينئذٍ بينهم ، وكان جيشُ عيسى بن موسى فوقَ أربعة آلاف ، وعلى مقدمته حُميد بن قَحْطبة ، وعلى ميمنته محمد بن السفاح ، وعلى ميسرته داودُ بن كَرَّاز(٢) ، وعلى الساقةِ الهيثمُ بن شعبة؛ ومعهم عُددٌ لم يُر مثلها . وفرَّق عيسى أصحابَه في كلِّ قُطْرٍ طائفة ، وكان محمدٌ وأصحابُهُ على عِدَّةِ أصحابِ أهلٍ بدر ، واقتتل الفريقان قتالاً شديداً جدّاً ، (١) في (ق): ((فحولوا بينه وبينها))، والمثبت من ( ب، ح ). (٢) في (ح، ق): ((داود بن كرار))، والمثبت من (ب) وتاريخ الطبري (٤٤٢/٤)، والضبط من الإكمال (١٣٤/٧) . ٣٢٤ خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن وترجَّلَ محمد إلى الأرض ، فيقال إنه قتَلَ بيدِهِ من جيشٍ عيسى بن موسى سبعينَ رجلاً من أبطالِهم ، وأحاط بهم أهلُ العراق ، فقتلوا طائفةً من أصحابِ محمد بن عبد الله بن حسن ، فاقتحموا عليهمُ الخندقَ الذي كانوا قد حفروه، وعملوا أبواباً على قدرِه . وقيل : إنّهم رَدَموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه ، وقد يكونون فعلوا هذا [ في ] موضعٍ منه، وهذا في موضعٍ آخر ، والله أعلم . ولم تزلِ الحربُ ناشبةً بينهم من بُكْرَةِ النهار حتى صُلِّيتِ العصر ، فلما صلَّى محمدٌ العصرَ نزَلوا إلى مَسيلِ الوادي بسَلْع ، فكسَرَ جفنَ سيفِه وعَقَر فرسَه ، وفعل أصحابُهُ مثلَه ، وصبروا أنفسَهم للقِتال وحَميتِ الحربُ حينئذٍ جدّاً، فاستظهر أهلُ العراق، ورفعوا رايةً سوداءَ فوقَ سَلْع ، ثم دَنَوْا إلى المدينة ، فدخلوها ونصبوا رايةً سوداء فوقَ مسجدِ رسولِ الله وَّهِ؛ فلما رأى ذلك أصحابُ محمد تنادَوْا : أُخذتِ المدينة ، وهرَبوا ، وبقي محمدٌ في شِرْذِمةٍ قليلةٍ جدّاً ، ثم بقي وحدَهُ وليس معه أحد ، وفي يده سيفٌ صَلْتٌ يضربُ به منْ تقدَّم إليه فكان لا يقومُ له شيء [ إلَّا أنامه، حتى قتَلَ خلقاً من أهلِ العراق من الشجعان ] ، ويقال : إِنَّه كان في يده يومئذٍ ذو الفَقَار ، ثم تكاثَرَ عليه الناس ، فتقدَّم إليه رجلٌ فضربه بسيفِهِ تحتَ شحمةِ أُذُنِهِ اليُمنى، فسقَطَ لِرُكْبَتِهِ، وجعل يَحْمي نفسَهُ ويقول : ويحكم! ابنُ نبيّكم مجروحٌ مظلوم! وجعل حُميد بن قَحْطبة يقول : ويحكم! دعوهُ لا تقتلوهُ . فأحْجَمَ عنه الناس ، وتقدَّم إليه حُميد بن قَحْطبة فحزَّ رأسَه ، وذهب به إلى عيسى بن موسى، فوضعه بين يديه ؛ وكان حُميد قد حلَفَ أنْ يقتُلَهُ متى رآه ، فما أدرَكَهُ إلَّ كذلك، [ولو كان على حالِهِ وقوَّته لما استطاعه حُميد ولا غيرُه من الجيش ١٤). وكان مقتلُ محمدِ بن عبد الله بن حسن عند أحجارِ الزَّيت يوم الإثنين بعدَ العصر لأربعَ عشرةَ ليلةً خلَتْ من رمضان ، سنة خمسٍ وأربعين ومئة . وقال عيسى بن موسى لأصحابهِ حين وُضع رأسُه بين يديه : ما تقولون فيه ؟ فنال منه أقوامٌ وتكلَّموا فيه ؛ فقال رجل : كذبتُمْ والله، لقد كان صَوَّاماً قوَّاماً ، ولكنَّه خالفَ أميرَ المؤمنين ، وشقَّ عَصَا المسلمين ، فقتلْناهُ على ذلك . فسكتوا حينئذ . وأما سيفُه ذو الفَقَار فإنَّهُ صارَ إلى بني العباس يتوارثونه ، حتى جرَّبه بعضُهم فضرب به كلباً فانقطع . ذکرهُ ابنُ جریر وغیرُ(٢) . وقد بلغ المنصورَ في غبونِ (٣) هذا الأمر أنَّ محمداً فرَّ من الحَرْب فقال: هذا لا يكون ، فإنَّا أهلَ بيتِ لا نَفِرَ(٤). (١) ما مرَّبين معقوفين ليس في (ب، ح )، أثبتناه من ( ق ). (٢) ابن جرير هو الطبري في تاريخه (٤ / ٤٤٦). (٣) كذا في الأصول، انظر حواشي الصفحات (٢٨٠ و٢٩٢ و٣٢١) ذوات الأرقام (٢ و١ و٢) على التوالي من هذا الجزء. (٤) تاريخ الطبري (٤/ ٤٤٧). ٣٢٥ خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن وقال ابنُ جرير (١) : حدّثني عبدُ الله بن راشد أبو الحجّاج قال : إنِّي لقائمٌ على رأسِ المنصور وهو يسألني عن مَخرجٍ محمد ، إذْ بلَغَهُ أنَّ عيسى بن موسى قد انهزم ، وكان متكئاً فجلس ، فضرب بقضيبٍ معه مصلاه وقال : كلاَّ، وأين لُعبُ صبياننا بها على المنابر ومشورةُ النساء؟ ما أنى لذلك بعد . وبَعَثَ عيسى بنُ موسى بالشارةِ إلى المنصور مع القاسم بن حسن ، وبالرأس مع ابن أبي الكرام ، وأمرَ بدفن الجُثَّة . فدُفن بالبَقيع ، وأمر بأصحابِه الذين قُتلوا معه فصُلبوا صَفَّينٍ ظاهرَ المدينة ثلاثة أيام ، ثم طُرحوا على مقبرةٍ اليهودِ عندَ سَلْع ، ثم تُقُلوا إلى خندقٍ هناك. وأخذَ أموالَ بني حسن كلَّها ، فسوَّغَها له المنصور ؛ ويقال: إنه ردَّها بعدَ ذلك إليهم. حكاهُ ابنُ جرير (٢) . ونُودي في أهلِ المدينة بالأمان ، فأصبح الناسُ في أسواقِهم ، وترفّع عيسى بن موسى في الجيش إلى الجُرْف من مطرٍ أصابَ الناسَ يومَ قُتل محمد ، وجعل ينتابُ المسجد من الجُرف ، وأقام بالمدينة إلى اليوم التاسعَ عشرَ من رمضان ، ثم خرج منها قاصداً مكة ؛ وكان بها الحسن بن معاوية من جهةٍ محمد ، قد كتب إليه يقدمُ عليه ، فلما خرج من مكة وكان ببعضِ الطريق تلقَّتْهُ الأخبارُ بقتلِ محمد ، فاستمرَّ فارّاً إلى البصرة إلى أخي محمد إبراهيمَ بنِ عبدِ الله الذي كان قد خرج بها ، ثم قُتل بعد أخيه في هذه السنة على ما سنذكرُه . ولما جيء المنصورُ برأسٍ محمد بنِ عبد الله بن حسن ، فوُضع بين يديه أمَرَ فطيفَ به في طَبَقٍ أبيض ، ثم طِيف به في الأقاليم بعدَ ذلك ، ثم شرَعَ المنصورُ في استدعاءِ منْ خَرَجَ مع محمدٍ من أشرافِ أهلِ المدينة ، فمنهم من قتلَه ، ومنهم من ضربَهُ ضَرْباً مُبَرِّحاً ، ومنهم من عفا عنه . ولما توجَّه عيسى إلى مكة استنابَ على المدينةِ كثيرَ بن حصين ، فاستمرَّ بها شهراً، حتى بعث المنصورُ على نيابتِها عبدَالله بن الربيع ، فعاث جندُهُ في المدينة ، فصاروا إذا اشترَوا من الناس شيئاً لا يُعطونهم ثمنَه ، وإنْ طُولبوا بذاك ضرَبوا المطالِب وخوَّفوهُ بالقتل ؛ فثار عليهم طائفةٌ من السودان ، واجتمعوا ونفخوا في بُوقٍ لهم ، فاجتمع على صوته كلُّ أسودَ في المدينة ، وحملوا عليهم حملةً واحدةً وهم ذاهبون إلى الجمعة لسبعٍ بَقينَ من ذي الحجّة من هذه السنة ، وقيل : لخمسٍ بَقينَ من شوَّال منها ؛ فقتلوا من الجندِ طائفةً كثيرة بالمزاريق وغيرِها ، وهرب الأميرُ عبدُ الله بن ربيع ، وترك صلاة الجمعة ، وكان رؤس السودان وثيقٌ ويَعقل ورمقة وحديا وعُنقود ومِسعر وأبو النار ؛ فلما رجع عبدُ الله بنُ الربيع ركبَ في جنودِه والتقى مع السودان فهزموهُ أيضاً ، فلحقوه بالبقيع ، فألقَى لهم رداءه يشغَلُهم فيه حتى نجا بنفسِه ومنِ اتَّبعه ، فلحق ببَطْنِ نَخْلٍ على ليلتَيْنِ من المدينة ، ووقع السودانُ على طعامٍ للمنصور كان مخزوناً في دارٍ مروان ، قد قدم به في البحر ، (١) في تاريخه (٤٤٨/٤). (٢) في تاريخه (٤/ ٤٥١). ٣٢٦ إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة فنهبُوه ونهبوا ما للجند الذين في المدينة من دَقيقٍ وسَويقٍ وغيرِه ، وباعوا ذلك بأرخصٍ ثمن ، وذهب الخبرُ إلى المنصور بما كان من أمرِ السُّودان ، وخاف من معرَّةِ ذلك ، فاجتمعوا وخطَبهم ابنُ أبي سَبْرَةَ ، وكان مسجوناً ، فصعِدَ المنبر وفي رجليهِ القيود ، فحثَّهم على السمع والطاعةِ للمنصور ، وخوَّفهم شرَّ ما صنعه مواليهم ، فاتفق رأيهم على أنْ يكُقُوا مواليَهم ويفرِّقوهم ويذهبوا إلى أميرِهم فيردُّوه إلى عملِه ، ففعلوا ذلك ، فسكنَ الأمرُ وهدَأ الناس ، وأنطفأتِ الشرور ، ورجع عبدُ الله بن الربيعِ إلى المدينة ، فقطَعَ يدَ وثيقٍ وأبي النار ويَعْقِلَ ومِسْعَر . ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة كان إبراهيم قد هرب إلى البصرة فنَزَلَ في بني ضُبيعةَ من أهلِ البصرة في دارِ الحارث بن عيسى ، وكان لا يرى بالنهار ، وكان قدومُهُ إليها بعدَ أن طاف بلاداً كثيرةً جدّاً، وجرَتْ عليه وعلى أخيه خطوبٌ شديدةٌ هائلة ، وانعقد أسبابُ هلاكِهما في أوقاتٍ متعدِّدَة، ثم كان آخرُ ما استقرَّ أمرُه بالبصرة في سنةِ ثلاثٍ وأربعين ومئة، بعد مُنصرَفِ الحَجِيج ؛ وقيل : إنَّ قدومَهُ إليها كان في مستهلِّ رمضان سنةَ خمسٍ وأربعين ومئة، بعثَه أخوهُ إليها بعد ظهورهِ بالمدينة . قاله الواقدي (١) . قال : وكان يدعو في السرِّ إلى أخيه ، فلما قُتل أخوهُ أظهرَ الدعوةَ إلى نفسِهِ في شوال من هذه السنة ، والمشهور أنه قدمها في حياةٍ أخيه ، دعا لنفسِه كما تقدَّم والله أعلم . ولما قَدِمِ البصرة نزلَ عند يحيى بن زياد بن حسان النَّبَطي، فاختفى عندَهُ هذه المدَّةَ كلَّها ، حتى ظهر في هذه السنة في دارٍ أبي فَرْوة ، وكان أولَ من بايعه نُميلة بن مرَّة ، وعفوُ الله بن سفيان(٢)، وعبدُ الواحد بن زياد ، وعمر بن سلمة الهُجيمي، وعبيد الله بن يحيى بن حُضَين الرقاشي . وندبوا الناسَ إليه ، فاستجاب له خلقٌ كثير ، فتحوَّل إلى دارٍ أبي مروان في وسطِ البصرة ، واستفحل أمرُه ، وبايعه فئامٌ من الناس ، وتفاقم الخَطْبُ به ، وبلغ خبَرُه إلى المنصور ، فازدادَ غَمّاً إلى غَمِّهِ بأخيه محمد ، وذلك لأنه ظهَرَ قبلَ مقتل أخيه ، وإنما كان سببَ تعجيلِه الظهورَ كتابُ أخيه إليه ، فامتثَلَ أمرَه ، ودعا إلى نفسه ، فانتظم أمرُهُ بالبصرة ، وكان نائبَها من جهةِ المنصور سفيانُ بن معاوية ، وكان ممالئاً لإبراهيمَ هذا في الباطن ، ويبلغُهُ أخبارُه فلا يكترِثُ بها ، ويُكَذِّبُ منْ أخبرَه ، ويودُ أنْ يتَّضِحَ أمرُ إبراهيم، وقد أمدَّه المنصورُ بأميرينٍ من أهلِ خُراسان ، معهما ألفا فارسٍ وراجل ؛ فأنزلهما عندَه ، ليتقوَّى بهما على محاربةٍ إبراهيم . وتحوَّلَ المنصورُ من بغداد - وكان قد شَرَعَ في عِمَارتِها - إلى الكوفة، وجعل كلَّما اَّهم رجلاً من (١) انظر قول الواقدي في تاريخ الطبري (٤/ ٤٦٨). (٢) في (ح، ق): ((عبد الله بن سفيان))، والمثبت من ( ب) وتاريخ الطبري (٤/ ٤٦٥). ٣٢٧ إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة أهلِ الكوفة في أمرِ إبراهيم بعث إليه يقتلُه في الليل في مَنْزِله ، وكان الفُرَافصةُ العِجْلي قد همَّ بالوثوبِ بالكوفةِ فلم يمكنْهُ ذلك ، لمَكانِ المنصورِ بها ، وجعل الناسُ يقصدُونَ البصرةَ من كلِّ فجّ لمُبايعةٍ إبراهيم ، ويفدون إليها جماعاتٍ وفُرَادى ، وجعل المنصورُ يرصُدُ لهم المسالِحَ فيقتلونَهم في الطريق ، ويأتونه برؤوسِهم فيصلبها بالكوفةِ ليتَّعِظَ بها الناس ، وأرسل المنصورُ إلى حرب الراوندي ، وكان مرابطاً بالجزيرة في ألفَيْ فارسٍ لقتالِ الخوارج ، يستدعيهِ إليه إلى الكوفة ، فأقبل بمَنْ معه ، فاجتاز ببلدة بها أنصارٌ لإبراهيم ، فقالوا له : لا ندَعُكَ تجتاز ، لأن المنصور إنما دعاكَ لقتالِ إبراهيم . فقال : ويحكم ! دعوني . فأبَوْا ، فقاتلهم ، فقتل منهم خمسمئة ، وأرسل برؤوسِهم إلى المنصور ، فقال : هذا أول الفتح . ولما كانتْ ليلةُ الإثنين مستهلَّ رمضان من هذه السنة خرجَ إبراهيمُ في الليل إلى مقبرةٍ بني يَشكُر في بضعةَ عشرَ فارساً ، وقدم في هذه الليلةِ أبو حماد الأبرَص في ألفَيْ فارس مدداً لسفيانَ بن معاوية ، فأنزلهمُ الأميرُ في القصر ، ومال إبراهيمُ وأصحابه ومن التفّ عليه وصار إلى دوابِّ أولئك الجيش وأسلحتِهم ، فأخذوها جميعاً فتقوَّوْا بها ، فكان أول ما أصاب ؛ وما أصبح الصباح إلَّ وقد استظهر جدّاً، فصلَّى بالناسِ صلاةَ الصُّبح في المسجدِ الجامع ، والتفتَّ الخلائقُ عليه، ما بين ناظرٍ وناصِر ، وتحصَّن سفيانُ بن معاوية نائبُ الخليفة بقصرِ الإمارة ، وحبس عندَهُ الجنودَ فحاصرهم إبراهيم ، فطلب سفيانُ بن معاوية من إبراهيمَ الأمانَ فأعطاهُ الأمانَ ودخل إبراهيمُ قصرَ الإمارة ، فبسطت له حصير ليجلسَ عليها في مقدَّم إيوانِ القصر ، فهَّتِ الرِّيحُ فقلبت الحصيرَ ظهراً لبطن ، فتطيّرَ الناسُ بذلك، فقال إبراهيم: إنَّا لا نتَطَّر. وجلس على ظهرِ الحصير ، وأمر بحبس سفيان بن معاوية مقيداً ، وأرادَ بذلك براءةَ ساحتِهِ عند المنصور ، واستحوذ على ما كان في بيتِ المال ، فإذا فيه ستمئة ألف ، وقيل : ألفا ألف. فقَوِيَ بذلك جدّاً. وكان في البصرةِ جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي ، وهما ابنا عمّ الخليفة المنصور ، فركبا في ستمئة فارس إليه ، فهزمهما ، وأركب إبراهيمُ المضاءَ بنَ القاسم في ثمانيةَ عشرَ فارساً وثلاثين راجلاً فهزم ستَّمئةِ فارسٍ كانت لهما ؛ وآمنَ منْ بقيَ منهم ، وبعث إبراهيم إلى أهلِ الأهواز ، فبايعوهُ وأطاعوه ، وأرسل إلى نائِها مئتي فارس ، عليهم المغيرة ، فخرج إليه محمد بن الحصين نائبُ البلاد في أربعةِ آلاف فارس ، فهزمه المغيرةُ واستحوَذَ على البلاد ، وبعث إبراهيم إلى بلادِ فارس فأخذها ، وكذلك واسطَ والمدائن والسواد ، واستفحل أمرُهُ جدّاً، ولكنْ لمّا جاءه نعيُ أخيهِ محمد انكسر جِدّاً، وصلَّى بالناسِ يومَ العيدِ وهو مكسور . قال بعضُهم : والله لقد رأيتُ الموتَ في وجههِ وهو يخطبُ الناس ، فَنَعَى إلى الناسِ أخاه محمداً ، فازداد الناسُ حَنَقاً على المنصور ، وأصبح فعسكر بالناسِ واستناب على البصرةِ نُميلة ، وخلّف ابنَه حسناً معه . ولما بلغ المنصورَ خبَرُه تحَيَّرَ في أمرِهِ ، وجعل يتأسَّفُ على ما فرَّق من جندِهِ في الممالك ، وكان قد ٣٢٨ إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة بعث مع ابنِهِ المهديِّ ثلاثين ألفاً إلى الرَّيّ، وبعث مع محمد بن الأشعث إلى إفريقيةَ أربعين ألفاً ، والباقون مع عيسى بن موسى بالحجاز ، ولم يبق مع المنصور سوى ألفَيْ فارس ، وكان يأمرُ بالنيرانِ الكثيرة فتُوقدُ ليلاً فيحسب الناظرُ إليها أنَّ ثمَّ جُنداً كثيراً . ثم كتب المنصورُ إلى عيسى بن موسى إذا قرأتَ كتابي هذا فأقبلْ من فَوْرك ، ودَعْ كلَّ ما أنتَ فيه . فلم ينشبْ أنْ أقبل إليه ، فقال له : اذهبْ إلى إبراهيمَ بالبصرة ، ولا يهولنَّك كثرةُ منْ معه ، فإنَّهم جملا بني هاشم المقتولانِ جميعاً ، فابسُطْ يدَك ، وثِقْ بما عندَك، وستذكرُ ما أقولُ لك . فكان الأمرُ كما قال المنصور . وكتب المنصور إلى ابنِهِ المهدي أنْ يوجِّهَ خازمَ بن خُزيمةَ في أربعة آلاف إلى الأهواز ، فذهب إليها ، فأخرج منها نائبَ إبراهيم ، وهو المغيرة ، وأباحها ثلاثةَ أيام ، ورجع المغيرةُ إلى البصرة ، وكذلك بعث إلى كلِّ كُورةٍ من هذه الكُور التي نقضَتْ بيعتَه جنداً يردُّونَ أهلَها إلى الطاعة . قالوا ولزِمَ المنصورُ موضعَ مُصَلاَّه، فلا يبرَحِ منه ليلاً ونهاراً في ثيابٍ بذْلَةٍ قدِ اتَّسختْ ؛ فلم يزَلْ مقيماً هناك بضعاً وخمسين يوماً حتى فتح الله عليه وقد قيل له في غبون (١) ذلك إنَّ نساءك قد خَبْنَتْ نفسُهن لغيبتِكَ عنهنّ. فانتهَرَ القائلَ وقال : وَيْحكَ ! ليست هذه أيام نساء ، حتى أرى رأسَ إبراهيمَ بين يدي ، أو يُحمل رأسي إليه . وقال بعضُهم : دخلتُ على المنصور وهو مهمومٌ من كثرة ما وقع من الشرور وهو لا يستطيع أن يتابعَ الكلامَ من كثرةٍ كَرْبِهِ وهمِّه ، وما تَفَتَّقَ عليه من الفتوق والخروق ، وهو مع ذلك قد أعدَّ لكلِّ أمرٍ ما يسدُّ خَلَلَهُ به ، وقد خرجَتْ عن يده البصرةُ والأهواز وأرضُ فارس والمدائنُ وأرضُ السواد ؛ وفي الكوفةِ عندَهُ مئةُ ألفٍ مغمدةٌ سيوفها تنتظرُ به صيحةً واحدة فيَتْبُونَ مع إبراهيم ، وهو مع ذلك يَعْرِكُ النوائبَ ويَمْرُسُها ، ولم تقعُدْ به نفسُه ، وهو كما قال الشاعر : نفسُ عصامِ سَوَّدتْ عصاما وعلَّمَتْهُ الكَرَّ والإقداما فصيَّرَتْهُ مَلِكاً هُمَاما٢ً) وأقبل إبراهيمُ بعساكرَ من البصرة إلى الكوفة في مئةِ ألف مقاتل ، فأرسل إليه المنصورُ عيسى بنَ موسى في خمسةَ عشرَ ألفاً ، وعلى مقدَّمته حُميد بن قحطبة في ثلاثةِ آلاف ، وجاء إبراهيمُ فنزلَ في باخُمْرَى (٣) في جحافلَ عظيمة ، فقال له بعضُ الأمراء إنَّكَ قد اقترَبْتَ من المنصور ، فلو أنك سرتَ إليه بطائفةٍ من جيشِك لأخذتَ بقفاه ، فإنه ليس عندَهُ من الجيوشِ ما يردُّون عنه . وقال آخرون : إنَّ الأولى أنْ (١) كذا في الأصول، انظر حواشي الصفحات (٢٨٠ و٢٩٢ و٣٢١ و٣٢٤) ذوات الأرقام (٢ و١ و٢ و٣) على التوالي من هذا الجزء. (٢) نسبت الأبيات للنابغة الذبياني، وهي في ديوانه ص (١١٨). وزاد بيتاً رابعاً وهو قوله: حتى علا وجاوز الأقواما (٣) باخمرى - بالراء - موضعٌ بين الكوفةِ وواسط ، وهو إلى الكوفةِ أقرب تبعد عنها ستة عشر فرسخاً . معجم البلدان (٣١٦/١)، وكما سيأتي بعد قليل. ٣٢٩ إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة نُناجز هؤلاءِ الذين بإزائنا ، ثم هو في قبضتِنا ، فثناهُمْ ذلك عن الرأيِ الأول ، ولو فعلَهُ لتمَّ لهمُ الأمر. ثم قال بعضُهم : خَندِقْ حولَ الجيش . وقال آخرون : إنَّ هذا الجيش لا يحتاجُ إلى خندقٍ حوله . فترك ذلك، ثم أشار بعضُهم أنْ يُبَيِّتَ جيشَ عيسى بن موسى(١) ، فقال إبراهيم: أنا لا أَرَى ذلك . فتركه ، ثم أشار آخرون بأنْ يجعل جيشَهُ كراديس ، فإنْ غُلب كردوس ثَبتَ الآخر . وقال آخرون : الأولى أن نُقاتِلَ صفوفاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [ الصف: ٤]، والأمر الله وما شاء فعل . ولو ساروا إلى الكوفة وبيَّتوا الجيشَ أو جعلَ جيشه كراديسَ لتمَّ له الأمر مع تقدیرِ الله تعالى . وأقبلَ الجيشان ، فتصافُّوا في باخُمْرَى ، وهي على ستةَ عشرَ فرسخاً من الكوفة ، فاقتتلوا بها قتالًا شديداً فانهزم حُميد بن قحطبةَ بمنْ معه من المقدَّمة ، فجعل عيسى يُناشدهم الله في الرجوع والكرّة ، فلا يلوي عليه أحد ، وثبَتَ عيسى بن موسى في مئةِ رجلٍ من أهلِه ؛ فقيل له : لو تنَخَّيْتَ من مكانك هذا لئلا يحطِمَكَ جيشُ إبراهيم . فقال : والله لا أزولُ منه حتى يفتحَ الله لي أو أقتلَ هاهنا . وكان المنصورُ قد تقدَّم إليه بما أخبره بعضُ المنجّمين ، أنَّ الناس يكونُ لهم جَوْلة عن عيسى بن موسى ، ثم يقومون إليه ، وتكونُ العاقبةُ له . فاستمرَّ المنهزمون ذاهبين إلى نهرٍ بين جبلَيْن، فلم يُمكنهم خوضه ، فكرُّوا راجعينَ بأجمعِهم ، وكان أولُ راجعٍ حُميد بن قحطبة الذي كان أولَ منِ انهزم ، ثم اجتلدوا هم وأصحابُ إبراهيم ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وقُتل من كلا الفريقَيْنِ خلقٌ كثير ، ثم انهزم أصحابُ إبراهيم ، وثبَتَ هو في خمسمئة ، وقيل : في أربعمئة ، وقيل : في تسعين رجلاً ، واستظهر عيسى بنُ موسى وأصحابُه ، وقُتل إبراهيم في جملةِ من قُتل ، واختلط رأسُه مع رؤوسٍ أصحابه ، فجعل حُميد يأتي بالرؤوس إلى عيسى بن موسى حتى عرفوا رأسَ إبراهيم ، فبعثوه مع البشيرِ إلى المنصور ، وكان نيبخت المنجّم قد دخل على المنصور قبلَ مجيء الرأس ، فأخبره أنَّ إبراهيم مقتول ، فلم يصدِّقْه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنْ لم تصدّقْني فاحبِسْني ، فإنْ لم يكنِ الأمرُ كما ذكرتُ فاقتُلْني. فبينما هو عندَه إذْ جاء البشيرُ بهزيمةِ جيشٍ إبراهيم ، ولما جيء بالرأس تمثّل المنصور ببيتِ مُعَقِّرِ بنِ أوسِ بنِ حمار البارقيّ : فألقَتْ عصاها واستقرَّ بها النَّوَى كما قَرَّ عيناً بالإيابِ المُسَافِرُ وقيل : إنَّ المنصور لمّا رأى الرأسَ بكى حتى جعلتْ دموعُه تسقُطُ على الرأس ، وقال : واللهِ لقد كنتُ لهذا كارهاً ، ولكنَّكَ ابتُليتَ بي وابتليتُ بك. ثم أمرَ بالرأسِ فَنُصب بالسوق، وأقطَعَ نيبختَ المنجِّم الكذَّب ألفَيْ جَرِيبٌ(٢). (١) بَيَّتَ جيش العدوّ: أوقَعَ بهم ليلاً . القاموس ( بيت ). (٢) وهذه زيادة من ( ق ) المقحمة وهي : = ٣٣٠ وفيات سنة ١٤٥ هـ وذكر صالح مولى المنصور قال : لما جيء برأسِ إبراهيمَ جلس المنصورُ مجلساً عاماً ، وجعل الناسُ يدخلونَ عليه فيهتَّونه وينالونَ من إبراهيم ، ويُقبِّحون الكلامَ فيه ابتغاء مرضاةِ المنصور ، والمنصورُ ساكتٌ متغيِّرُ اللون لا يتكلّم ، حتى دخل جعفرُ بن حَنْظلةَ البهراني، فوقف فسلّم ثم قال : أعظَمَ الله أجرَكَ يا أميرَ المؤمنين في ابنِ عمِّك، وغفَرَ له ما فرَّط من حَقِّك . قال : فاصفرَّ لونُ المنصور ، وأقبل عليه وقال له : يا أبا خالد ، مرحباً وأهلاً ، هاهنا فاجلسْ ، فعلم الناسُ أنَّ ذلك وقع منه موقعاً جيداً ؛ فجعل كلُّ منْ جاء يقولُ كما قال جعفرُ بن حنظلة . قال أبو نُعيم الفضلُ بن دُكين : كان مقتلُ إبراهيمَ في يوم الخميس ، لخمسٍ بقينَ من ذي الحجَّةِ من هذه السنة . ذكرُ منْ تُوقِّي فيها من الأعيان : فمن أعيانِ أهلِ البيت عبدُ الله بن حسن . وابناه محمد وإبراهيم . وأخوه حسن بن حسن . وأخوه لأمِّه محمد بن عبدِ الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ، الملقَّب بالدِّيباج ؛ وقد تقدَّمت ترجمتُ(١) . وأما أخوه : عبدُ الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب(٢) : القرشيُّ الهاشميُّ فتابعيّ ، روى عن أبيه وأُمَّه فاطمةَ بنتِ الحسين ، وعبدِ الله بن جعفر بن أبي طالب - وهو صحابيٌّ جليل - وغيرهم . وروى عنه جماعةٌ ، منهم سفيانُ الثوري ، والدَّرَاوَزدي ، ومالك . وكان معظّماً عندَ العلماء ، وكان عابداً كبيرً القَدْر . قال يحيى بن معين : كان ثقةً صدوقاً، وَفَد على عمرَ بن عبد العزيز فأكرَمه، ووفد على السفّاح فعَّمهُ وأعطاهُ ألفَ ألفِ درهم ؛ فلمّا ولي المنصورُ عامَلَهُ بعكس ذلك ، وكذلك أولادُه وأهلُه ؛ وقد مضَوْا جميعاً ، والتقَوْا عندَ الله عزَّ وجلَّ . [ فهذا المنجِّم إنْ كان قد أصاب في قضية واحدة فقد أخطأ في أشياءَ كثيرة ، فهُمْ كَذَبَةٌ كَفَرة ؛ وقد كان المنصورُ في = ضلالٍ مع منجِّمهِ هذا . وقد ورَّث الملوكَ اعتقادَ أقوالِ المنجّمين ، وذلك ضلالٌ لا يجوز ] . (١) في ص (٣١٦) من هذا الجزء. (٢) ترجمته في التاريخ الكبير (٧١/٥)، مشاهير علماء الأمصار (١٢٧/١)، الثقات لابن حبان (١/٧)، تاريخ بغداد ( ٩/ ٤٣١)، الكاشف للذهبي (٥٤٥/١)، تهذيب الكمال (١٤ / ٤١٤)، طبقات الحنفية (٤٥٤/١). ٣٣١ وفيات سنة ١٤٥ هـ وأخذهُ المنصورُ وأهلَ بيتِهِ مقيَّدين مغلولين مُهانينَ من المدينةِ إلى الهاشميَّة ، فأودعهُمُ السِّجنَ الضيق - كما قدَّمنا - فماتَ أكثرُهم فيه، فكان عبدُ الله بن حسن هذا أولَ منْ ماتَ فيه بعدَ خروج محمدٍ بالمدينة . وقد قيل : إنه قُتل في السجن عمداً ، وكان عمرُه يومَ مات خمساً وسبعين سنة ؛ وصلَّى عليه أخوهُ لأمِّهِ الحسنُ بن الحسن بن علي ، ثم ماتَ بعدَهُ أخوه حسن ، فصلَّى عليه أخوه لأمِّه محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان بن عفان ، ثم قُتل بعدَهما وحُمل رأسُهُم إلى خُراسان كما تقدَّم . وأمَّا ابنُه : محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب(١) : الذي خرج بالمدينة ، فروى عن أبيه ، ونافع ، وعن أبي الزِّناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، في كيفيَّةِ الهُويِّ إلى السُّجود . وحدَّث عنه جماعةٌ . ووثقه النسائي وابنُ حبَّان، وقال البخاري: لا يُتابع حديثه؛ وقد ذكر أنَّ أُمَّه حملَتْ به أربعَ سنين، وكان طويلاً سميناً أسمرَ ضَخْماً ، مُفَخَّماً، ذاهِمَّةٍ سامية، وسَطْوةٍ عالية ، وشجاعةٍ باهرة ، قُتل بالمدينةِ في مُنتصَفِ رمضان ، سنةَ خمسٍ وأربعين ومئة ، وله خمسٌ وأربعون سنة . وقد حملوا برأسِهِ إلى المنصور ، وطِيف به في الأقاليم . وأما أخوه إبراهيم فكان ظهورُه بالبصرةِ بعد ظهورِ أخيهِ بالمدينة ، وكان مقتَلُهُ بعدَ مقتلٍ أخيه في ذي الحِجَّة من هذه السنة ، وليس له شيءٌ في الكتبِ السَّة . وحكى أبو داود السِّجسْتاني عن أبي عوانة أنه قال : كان إبراهيمُ وأخوهُ محمد خارجِيِّينُ(٢) . قال داود : ليس كما قال ، هذا رأيُ الزيديّة . قلتُ : وقد حُكي عن جماعةٍ من العلماءِ والأئمة أنهم مالوا إلى ظهورِهما . وفي هذا نظر ، والله أعلم . وفيها تُوقِّي من المشاهيرِ والأعيان : الأجلحُ بن عبدِ الله . وإسماعيلُ بنُ أبي خالد - في قول - وحبيب بن الشهيد . وعبد الملك بن أبي سليمان . وعمرو مولى عَفْرة . (١) ترجمته في الثقات لابن حبان (٤٠/٩)، تهذيب الكمال (٦٤٥/٢٥)، المغني في الضعفاء (٥٩٦/٢)، الكاشف (١٨٥/٢)، المقتنى في سرد الكنى (٤٥٢/١)، لسان الميزان (٣٦٣/٧)، تقريب التهذيب ص ( ٤٨٧) . (٢) في (ق): ((خارجين))، وفي ( ب، ح): ((خارجيان)). ٣٣٢ وفيات سنة ١٤٥ هـ ويحيى بن الحارث الذِّمَاري . ويحيى بن سعيد أبو حيَّان التيميّ. ورؤبة بن العَجَّاجُ(١): والعجَّاج لقَب، واسمهُ أبو الشعثاء عبد الله بن رؤبة، أبو محمد التميمي البصري الراجز ابن الراجز ، ولكلٍّ منهما ديوانُ رَجَز ؛ وكلٌّ منهما بارعٌ في فَنِّهِ لا يُجارى ولا يُمارى ، عالمٌ باللغة . وعبدُ الله بن المقفَّعُ(٢) : الكاتبُ المفَوَّه، أسلم على يدِ عيسى بنِ عليّ، عَمِّ السفَّاحِ والمنصور ، وكتبَ له ، وله رسائلُ وألفاظٌ صحيحة، وكان مُتَّهماً بالزَّنْدَقة، وهو الذي صنَّف كتابَ (( كليلة ودِمْنَة)) ؛ ويُقال : بل هو الذي عزَّبها من الفارسيَّة إلى العربية ، قال المهدي: ما وُجدَ كتابُ زَنْدقةٍ إلَّ وأصلُه من ابنٍ المقفع . وقال الجاحظ : الزنادقةُ ثلاثة ؛ ابن المقفَّع ، ومطيع بن إياس ، ويحيى بن زياد . قالوا : ونَسِيَ الجاحظُ نفسَهُ، وهو رابعُهم . وكان مع هذا فاضِلاً بارعاً فَصِيحاً . قال الأصمعي : قيل لابنِ المقفَّع : منْ أَذَّبك ؟ قال : نفسي ؛ إذا رأيتُ منْ غيري قَبِيحاً أبيتُه ، وإذا رأيتُ حسناً أَتَيْتُه . ومن كلامه : شربتُ من الخُطَب رِيّاً ، ولم أضبِطْ لها رَوِيّاً ، فغاضَتْ ثم فاضَتْ ، فلا هي نِظَاماً وليس غيرها كلاماً . وكان قتلُ ابنِ المقفَّع على يدِ سفيان بن معاوية بن يزيدَ بنِ المهلَّبِ بنِ أبي صُفْرَة ، نائبِ البصرة ، وذلك أنه كان يعبثُ به ويسبُّ أُمَّه ، وإنما كان يسمِّيه ابنَ المغتلمة ، وكان كبيرَ الأنف ، وكان إذا دخل عليه يقول : السلامُ عليكما على سبيلِ التهُّم . وقال لسفيانَ بنِ معاويةَ مرَّةً : ما نَدمتُ على سكوتٍ قطّ . فقال : صدقتَ ، الخرَسُ لك خيرٌ من كلامِك . ثم اتفق أنَّ المنصورَ غَضِبَ على ابنِ المقفَّع ، فكتب إلى نائبِهِ سفيانَ بنِ معاويةَ هذا أنْ يقتُلَه ؛ فأخذهُ فأحْمَى له تَنُّوراً، وجعل يُقطّعُهُ إزباً إزباً ، ويُلقيهِ في ذلك التنُور حتى حَرَقه كلَّه ، وهو ينظر إلى أطرافِ كيف تُقَطَّع ثم تُحرق . وقيل غيرُ ذلك في صِفَةِ قتِلِه. قال ابنُ خلِّكان : ومنهم منْ يقول : إنَّ ابن المقفَّع نُسب إلى بيع القفاع، وهي من الجريد كالرَّنْبيل بلا آذانٌ(٣) . والصحيح أنه ابنُ المقفع وهو أبو داذويه ، كان الحجاج قد استعمله على الخراج فخانَ ، فعاقَبَهُ حتى تقفَّعَتْ يداه ، والله أعلم . (١) ترجمته في طبقات فحول الشعراء (٧٣٨/٢ و٧٦١)، التاريخ الكبير (٣٤٠/٣)، الجرح والتعديل (٥٢١/٣)، والأغاني (٣٥٩/٢٠)، المقتنى في سرد الكنى (١٤٣/١)، الأسماء المفردة ص (١٣٦). (٢) ترجمته في وفيات الأعيان (٢/ ١٥١)، سير أعلام النبلاء (٢٠٨/٦)، لسان الميزان (٣٦٦/٣)، الفهرست ص (١٧٢). جاء في لسان العرب ( قفع ) ما نصه : والقَفَعةُ : جماعةُ الجرادِ . وفي حديث عمر : أنه ذكر عنده الجراد فقال : (٣) لَيْتَ عندنا منه قَفْعةً أو قَفْعَتَيِّن ؛ القَفْعة: هو هذا الشبيه بالزَّبيل، وقال الأزهري: هو شيء كالقفة يتخذ واسعَ = ٣٣٣ أحداث سنة ١٤٦ هـ وفيها خرج التُّرك والخَزَر ببابِ الأبواب ، فقتلوا من المسلمين بأرمينيةَ جماعةً كثيرة ، وحجّ بالناس في هذه السنةِ [ السريُّ بن عبد الله بن الحارث بن عباس بن عبد المطلب نائب مكة ، وكان ] نائب المدينة عبدُ الله بن الربيع الحارثي ، وعلى الكوفة عيسى بن موسى ، وعلى البصرة سلم بن قتيبة ، وعلى مصر يزيد بن حاتم . ثم دخلت سنة ست وأربعين ومئة فيها تكامل بناءُ مدينةِ السلام ببغداد ، وسكنها المنصور في صفر من هذهِ السنة ، وكان مقيماً قبلَ ذلك بالهاشميَّة المتاخمةِ للكوفة ، وكان قد شَرَعَ في بنائِها في السنةِ الخارجة ، وقيل في سنةِ أربع وأربعين ومئة . فالله أعلم . وقد كان السبَبُ الباعثُ له على بنائها أنَّ الرَّاوَنْدِيَّة لمَّا وثبوا عليهِ بالكوفة، ووقاهُ الله شرَّهم، بقيَتْ منهم بقيَّة ، فخَشِيَ على جُنده ، فخرج من الكوفةِ يَرْتادُ لهم موضعاً لبناء مدينة ؛ فسار في الأرض حتى بلَغَ الجزيرة ، فلم يرَ موضعاً أحسنَ لوضعِ المدينةِ من موضعٍ بغدادَ الذي هي فيه الآن ؛ وذلك بأنَّهُ موضعٌ يُغْدَى إليه ويُرَاحُ بخيراتِ ما حَوْلُهُ في البرِّ والبحر، وهوَ مُحَصَّنٌ بِدِجْلَةَ والفُرات ، من هاهنا وهاهنا ، لا يقدِرُ أحدٌ أنْ يتواصل إلى موضع الخليفةِ إلَّ على جِسْر ؛ وقد بات به المنصورُ قبلَ بنائِه ليالي ، فرأى الرياحَ تَهُتُّ بهِ ليلاً ونهاراً [من غيرَ انجعارٍ ولا غُبَار (١) ؛ ورأى طيبَ تلك البقعة، وطيبَ هوائها ، وقد كان في موضعِها قُرّى وديورٌ لِعُبَّادِ النَّصَارى وغيرِهم. ذكر ذلك مفصَّلاً بأسمائه وتَعْدادِه أبو جعفر بنُ جَرِير(٢) ؛ فحينئذ أمر المنصور باختطاطِها ، فرسموها له بالرَّماد ، فمشى في طُرقِها ومسالِكها ، فأعجبه ذلك، ثم سلَّم كلَّ رُبع منها لأميرٍ يقومُ على بنائه، وأحضر من كلِّ البلادِ فُقَال٣ً) وصُنَّاعاً ومهندسين ، فاجتمع عنده أَلوفٌ منهم ، ثم كان هو أوَّلَ منْ وضع لَبنةً فيها بيدِه ، وقال : بسم الله والحمدُ لله ﴿إِنَ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ثم قال: ابنوا على بَرَكةِ الله . وأمر ببنائها مُدَوَّرَةً ، سَمْكُ سورِها من أسفلِهِ خمسون ذراعاً ، ومن أعلاه عشرون ذراعاً ، الأسفل ضَيِّقَ الأعلى، حَشْوُها مكانَ الحَلْفَاءِ عَراجينُ تُدَقُّ ، وظاهرها خُوص على عمَلِ سلالِ الخوص . وفي المحكم : القَفْعةُ هنةٌ تُتَّخذُ من خوص تشبه الزَّبِيلَ ليس بالكبير ، لا عُرى لها ، يُجْنى فيها الثمر ونحوه وتسمى بالعِراق القُفّة . وقال ابن الأعرابي : القَفْع القِفافُ، واحدتُها قَفْعةٌ . وقال محمد بن يحيى : القَفْعة الجُلّة بلغة اليمن يحمل فيها القطن . ما بين معقوفین انفردت فيه ( ق ) . (١) في تاريخه (٤/ ٤٧٨ ) . (٢) في (ب، ح): ((فعولا))، والمثبت من ( ق). (٣) ٣٣٤ أحداث سنة ١٤٦ هـ وجعل لها ثمانيةَ أبوابٍ في السور البرّاني ، ومثلها في الجُوَّاني، وليس كلُّ واحدٍ تجاهَ الآخر ، ولكنْ جعله أزْوَرَ عن الذي يليه ، ولهذا سُمِّت بغدادُ الزَّوراء لازْوِرَارِ أبوابِها بعضِها عن بعض ؛ وقيل : سُمِّيتْ بذلك لانحراف دِجْلَةَ عندها . وبَنَى قصرَ الإمارةِ في وسط البلد ، ليكون الناس منه على حدٍّ سواء ، واختطً المسجدَ الجامع إلى جانبِ القَصْر ، وكان الذي وضع قبلتَهُ الحجَّاجُ بن أرطاة . وقال ابنُ جرير(١) : ويقال: إنَّ في قِبْلَتِهِ انحرافاً يحتاجُ المصلِّي فيه أن ينحرفَ إلى ناحيةٍ بابِ البصرة ، وذكر أنَّ مسجدَ الرُّصافة أقربُ إلى الصوابِ منه لأنَّ بُني قبلَ القصر ، وجامعُ المدينة بُني على القصر ، فاختلَّتْ [ قِبلته ] بسببِ ذلك . وذكر ابنُ جرير(٢) عن سليمان بن مُجالد أنَّ المنصور أراد أبا حنيفةَ النعمانَ بن ثابت على القضاء بها ، فأبَى وامتنعِ ؛ فحَلَفَ المنصورُ أن يتولَّى له، وحلف أبو حنيفةَ أنْ لا يتولَّى له ؛ فولَّاهُ القيامَ بأمرِ المدينةِ وضَرْبِ اللَّيِن ، وأخذ الرجالُ بالعمل ، وكان أبو حنيفة المتولِّي لذلكَ حتى فرغوا من استتمامٍ حائطِ المدينةِ ممايلي الخندق . وكان استتمامُهُ في سنةٍ أربعٍ وأربعين ومئة . قال ابنُ جرير (٣) : وذُكر عن الهيثم بن عديّ ، أنَّ المنصورَ عَرَض على أبي حنيفةَ القضاءَ والمظالِمَ فامتنع ، فحَلَف أنْ لا يُقلعَ عنهُ حتى يعمَلَ له ، فأُخبرَ بذلك أبو حنيفة، فدعا بقَصَبَةٍ فَعَدَّ اللَّبِنَ لِيَبَرَّ بذلك يمينَ أبي جعفر . ومات أبو حنيفة ببغداد بعد ذلك . وذكر(٤) أنَّ خالدَ بنَ بَرْمَك هو الذي أشار على المنصورِ ببنائها ، وأنه كان مستحثاً فيها للصُّنَّاع ، وقد شاور المنصورُ الأمراءَ في نقل القصر الأبيض من المدائن إلى بغداد ، لأجل قصرِ الإمارة بها ، فقالوا : لا تفعلْ فإنَّهُ آيَةٌ في العالَم ، وفيه مُصَلَّى أميرِ المؤمنين عليٍّ بنِ أبي طالب. فخالفَهُمْ ونقلَ منه شيئاً كثيراً ، فلم يفِ ما تحصَّلَ منه بأجرةِ ما يُصرَف في حَمْلِه ؛ فتركه ونقَلَ أبوابَ قصرِ واسطَ إلى أبوابِ قصرِ الإمارةِ ببغداد . وقد كان الحجَّاجُ نَقَلَ حجارتَهُ من مدينةٍ هناك كانتْ من بناء سليمانَ بنِ داود ؛ وكانتِ الجنُّ قد عملَتْ تلكَ الأبواب ، وهي حجارةٌ هائلة ، وقد كانت الأسواقُ وضَجيجُها تُسمع من قصرِ الإمارة ، فكانتْ أصواتُ الباعةِ وهَوسناتُ الأسواق تُسمع منه ؛ فعاب ذلك بعضُ بطارقةِ النصارَى ممَّنْ قَدِمَ في بعض الرسائلِ من الرُّوم ، فأمر المنصورُ بنقلِ الأسواقِ من هناك إلى موضع آخر ، وأمر بتوسعةِ الطُّرقاتِ أربعين ذراعاً في أربعين ذراعاً ؛ ومنْ بَنَّى في شيءٍ من ذلك هُدم . (١) يعني الطبري في تاريخه (٤٧٩/٤). (٢) يعني الطبري في تاريخه (٤٥٩/٤). (٣) في تاريخه (٤/ ٤٦٠). (٤) يعني الطبري في تاريخه (٤ / ٤٧٨). ٣٣٥ أحداث سنة ١٤٦ هـ قال ابنُ جري(١) : وذُكر عن عيسى بن المنصور أنه قال : وجدتُ في خزائنِ المنصورِ في الكتب أنَّه أنفق على بناءِ مدينةِ السلام ومسجدِها الجامع وقصرِ الذهب بها والأسواقِ والفصلان والخنادق وقبابها أربعةَ آلاف [ ألف ] وثمان مئة وثلاثة وثمانين ألف درهم؛ وكان أجرةُ الأستاذ من البنَّائين كلَّ يوم قيراط فِضَّة ، وأُجرة الصانع من الحَبَّتَيْنِ إلى الثلاثة . قال الخطيب البغدادي(٢) : وقد رأيتُ ذلك في بعض الكتب . وحكى عن بعضِهم أنه قال : أنفق عليه ثمانيةَ عشرَ ألف ألف . فالله أعلم . وذكر ابنُ جرير(٣) أنَّ المنصورَ ناقَصَ أحدَ المهندسين الذي بنى بيتاً حسناً في قصرِ الإمارة ، فَنَقَصهُ درهماً عمَّا ساوَمَهُ، وأنَّهُ حاسَبَ بعضَ المستحِقِين على الذي كان عندَه ، فَفَضَلَ عندَهُ خمسة عشر درهماً ، فحبَسَهُ حتى جاء بِها وأحضرها ، وكان شحيحاً . قال الخطيب(٤) : وبناها مُدَوَّرة، ولا يُعرف في أقطارِ الأرض مدينةٌ مدوَّرةٌ سواها ؛ ووضع أساسَها في وقتٍ اختارَهُ له نُوبَخْت المنجِّم . ثم ذكرَ عن بعضِ المنجِّمين قال : قال لي المنصور لَمَّا فَرَغْ من بناءِ بغداد : خُذِ الطالِعَ لها . فنظرتُ في طالِعِها ، وكان المشتري في القَوْس ، فأخبرتُهُ بما تدلُّ عليه النجومُ من طولِ زمانِها ، وكثرةِ عِمارتِها ، وانصبابِ الدنيا إليها ، وفقرِ الناسِ إلى ما فيها . قال : ثم قلت له : وأُبَشِّرُكَ يا أمير المؤمنين ، أنه لا يموتُ فيها أحدٌ من الخلفاءِ أبداً . قال : فرأيتُهُ يتبَسَّم ، ثم قال : الحمدُ لله، ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١ والجمعة: ٤]. وذكر عن بعض الشعراء أنه قال في ذلك شعراً ، منه : قَضَى رَبُّها أنْ لا يموتَ خليفةٌ بها إِنَّهُ ما شاء في خلقِهِ يَقْضِيُ(٥) وقد قرَّرَهُ على هذا الخطأ الخطيب وسلَّم ذلك ولم ينقُضْهُ بشيء، بل قرَّرَهُ مع اطّلاعِهِ ومعرفته(٦) قال(٧) : وزعم بعضُ الناس أنَّ الأمين قُتل بدَرْبِ الأنبار منها . فذكرتُ ذلك للقاضي أبي القاسم في تاريخه (٤ / ٤٨١). (١) (٢) في تاريخ بغداد (٦٩/١). (٣) في تاريخه (٤٨١/٤). (٤) في تاريخ بغداد (٦٧/١ ). أورد الخطيب في تاريخه ( ٦٨/١) عدة أبيات نسبها إلى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير بن الخطَفَى ، ثم قال: (٥) بعد روايتها : وقد رويت هذه الأبيات لمنصور النمري . والله أعلم . (٦) انظر تاريخ بغداد ( ٦٨/١). (٧) يعني الخطيب في تاريخ بغداد (٦٨/١). ٣٣٦ أحداث سنة ١٤٦ هـ علي بن حسن التنوخي فقال : محمد الأمين لم يُقتل بالمدينة ، إنما قد نزل في سفينةٍ إلى دِجلة لَيَتَزَّه ، فقُبض عليه في وسط دجلة وقُتل هناك . وذكر ذلك الصُّولي وغيرُه . وذكر عن بعضِ مشايخٍ بغداد ، أنه قال : اتساعُ بغدادَ مئةٌ وثلاثون جَريباً ، وذلك بقَدْرٍ ميلَيْن في مَيلَيْن . قال الإمام أحمد(١): بغداد من الصَّراة إلى باب التبن . وذكر الخطيب(٢) أنَّ بين كلِّ بابَيْنِ من أبوابِها الثمانية ميلاً . وقيل أقلّ من ذلك . وذكر الخطيب(٣) صفةً قصرِ الإمارة، وأنَّ فيه القبَّةَ الخضراء ، طولُها ثمانون ذراعاً، على رأسِها تمثالُ فَرَسٍ عليه فارسٌ في يَدِهِ رُمْحٌ يدورُ به ، فأيُّ جهةٍ استقبلها واستمرّ مستقبلَها عَلِمَ السلطانُ أنَّ في تلك الجهةِ قد وقع حدَث ، فلم يلبَثْ أنْ يأتيَ الخليفةَ خبرُه . وهذه القبةُ وهي على مجلسٍ في صدرِ إيوانِ المحكمة ، وطولُه ثلاثون ذراعاً ، وعرضه عشرون ذراعاً وقد سقطَتْ هذه القبةُ في ليلة بردٍ ومطر ورعدٍ وبَرْق، ليلةَ الثلاثاء لسبعٍ خلَوْنَ من شهرِ جُمَادَى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاث مئة . وذكر الخطيبُ البغدادي(٤) أنه كان يُباع في بغداد في أيام المنصور الكبش الغنم بدِرْهم، والحَمَلَ بأربعةِ دوانِقٍ ، ويُنادى على لحم الغنم كلّ ستينَ رطلاً بدرهم ، ولحم البقر كل تسعين رطلاً بدرهم ، والتمر كل ستين رطلاً بدرهم ، والزيت ستة عشر رطلاً بدرهم ، والسمن ثمانية أرطال بدرهم ، والعسل عشرة أرطالٍ بدرهم ، ولهذا الأمن والرُّخص كَثُرَ ساكنوها ، وعَظُمَ أهلوها، وكَثُرَ الدارجُ في أسواقِها وأزِقَّتها ، حتى كان المارُ لا يستطيعُ أنْ يجتازَ في أسواقِها لكثرةِ زِحامٍ أهلِها . قال بعضُ الأمراءِ وقد رجَعَ من السُّوق : طالَ واللهِ ما طَرَدْتُ خلفَ الأرانب في هذا المكان . وذكر الخطيب(٥) أن المنصور جلس يوماً في قصرِه ، فسمع ضَّة عظيمة ، ثم أخرى ، ثم أخرى ، فقال للربيع الحاجب : ما هذا؟ فكشف فإذا بقرةٌ نفرَتْ من جازِرِها هاربةً في الأسواق . فقال الرومي : يا أمير المؤمنين، إنك بنَيْتَ بناءً لم يبنِهِ أحدٌ قبلَك ، وفيه ثلاثةُ عيوب: بُعدُهُ من الماء ، وقُرْبُ الأسواقِ منه ، وليس عندَه خُضْرة ، والعينُ خضراء تُحبُّ الخُضرة . فلم يرفَعْ بِها المنصورُ رأساً . ثم أمَرَ بتغييرِ (١) تاريخ بغداد: (١/ ٧٠، ٧١). (٢) في تاريخ بغداد (٧١/١). في تاريخ بغداد (٧٣/١). (٣) في تاريخ بغداد (١/ ٧٠). (٤) (٥) في تاريخ بغداد (٧٨/١). ٣٣٧ أحداث سنة ١٤٦ هـ ذلك ، ثم بعدَ ذلك ساق إليها الماء ، وبَنَى عندَها البساتين، وحوَّلَ الأسواقَ من ثمَّ إلى الكَرْخ . قال يعقوبُ بن سفيان : كمَلَ بناءُ بغداد في سنةِ ستٍّ وأربعين ومئة ، وفي سنة سبع وخمسين حوَّل الأسواقَ إلى بابِ الكَرْخِ وباب الشعير وباب المحوَّل ، وأمر بتَوْسعةِ الأسواق أربعين ألف١ً) . وبعد شهرين من ذلك شرَعَ في بناءِ قصره المسمَّى بالخُلد ، فكمَلَ سنةً ثمانٍ وخمسين ومئة ، وجعَلَ أمرَ ذلك إلى رجلٍ يُقال له الوضَّاحِ . وبنى للعامَّةِ جامعاً للصلاةِ والجُمعة لئلا يدخلوا إلى جامع المنصور. فأمَّا دارُ الخلافة التي كانتْ ببغداد بعدَ ذلك فإنَّها كانتْ للحسن بن سهل ، فانتقلَتْ من بعدِهِ إلى بُوران زوجةٍ المأمون ، فطَلَبها منها المعتضد - وقيل المعتمد - فأنعمَتْ له بِها ، ثم استنظرَتْهُ أياماً حتى تنتقلَ منها ؛ فَأَنْظَرَها ، فشرَعَتْ في تلك الأيّام في ترميمِها وتبييضِها وتحسينِها ، ثم فرشَتْها بأنواعِ الفُرش والبُسط ، وعلَّقَتْ فيها أنواعَ الستور ، وأرصدَتْ فيها ما ينبغي للخلافةِ من الجواري والخدم ، وألبسَتْهم أنواعَ الملابس ، وجعلَتْ في الخزائنِ ما ينبغي من أنواع الأطعمةِ والمآكل ، وجعلتْ في بعض بيوتِها من أنواع الأموال والذخائر ، ثم أرسلَتْ بمفاتيحِها إليه، ثم دخلَها فوجَدَ فيها ما أرصدَتْه بها، فهالَهُ ذلكَ واستعظمَه ؛ وكان أولَ خليفةٍ سكنها ، وبنى عليها سوراً . ذكرَهُ الخطيب. وأما التاج فبناه المكتفي على دِجْلة، وحَوْلَهُ القِبَابُ والمجالس والميدان والثُّرَّيَّا وحَيْرُ الوحوش(٢). وذكر الخطيب صفةَ دارِ الشجرة التي كانت في زمنِ المقتدر بالله وما فيها من الفُرُشِ والسُّور والخدمِ والمماليك والحشمةِ الباهرة ، والدنيا الظاهرة ، وأنها كان بها أحد عشر ألف طَوَاشي، وسبع مئة حاجب . وأمَّا المماليك فألوفٌ لا يُحصونَ كثرةً . وسيأتي ذكرُ ذلك مفصّلاً في أيامِهم ودولتِهم التي ذهبَتْ كأنها أحلامُ نُؤَم بعدَ سنة ثلاث مئة . وذكر الخطيب(٣) دار الملك التي بالْمُخَرِّم، وذكر الجوامع التي تقام فيها الجمعات، وذكر الأنهار والجُسور التي بها ، وما كان في ذلك في زمن المنصور ، وما أحدث بعده إلى زمانه . وأنشد لبعض الشعراء في جسور بغداد التي على دِجْلَة : في مجلسٍ بِفِنَاءِ دِجِلَةَ مُفْرَدٍ يوم سرقنا العيشَ فيه خِلْسَةً فغدوتُ رقّاً للزمانِ الْمُسْعَدِ رَقَّ الهواءُ برقَّةٍ قدَّامهُ والجسرُ فيها كالطّرازِ الأسودِ فكأنَّ دِجلةَ طيلسانٌ أبيضٌ (١) في بعض النسخ : ذراعاً . (٢) الحَيْر: الحظيرة . لسان العرب (حير). (٣) في تاريخ بغداد (١٠٥/١ - ١١٧). ٣٣٨ أحداث سنة ١٤٦ هـ وقال آخر : بإتقانِ تأسيسٍ وحُسْنٍ وَرَوْنَقِ أيا حبَّذا جسرٌ على مَتْنِ دِجْلةٍ وسَلوةُ منْ أضناهُ فَرْطُ التشؤُّقِ جَمالٌ وحسنٌ للعراقِ ونُزْهةٌ كسطرِ عَبِيرٍ خُطَّ فِي وَسْطِ مُهْرَقٍ تراهُ إذا ما جئتَهُ متأمّلاً مثالُ فيولٍ تحتَها أرضُ زئبقِ أو العاجِ فيه الآبَنُوسُ مُرَقَّشٌ وذكر الصولي قال(١) : ذكر أحمدُ بن أبي طاهر في كتاب بغداد أنَّ ذراعَ بغدادَ من الجانبين ثلاثةٌ وخمسون ألف جَريب ، وسبعمئة وخمسون جريباً ، وأنَّ الجانبَ الشرقيَّ ستةٌ وعشرون ألف جَرِيب وسبعُمئَةٍ وخمسون جَريباً ، وأنَّ عدَّةَ حَمَّاماتِها ستون ألفَ حَمَّام ؛ وأقلُّ ما في كلِّ حَمَّامٍ منها خمسةُ نفر : حَمَّامي، وقَيِّم، وزَبَّال ، ووَقَّاد، وسَقَّاء؛ وأنَّ بإزاءِ كلِّ حَمَّام خمسةُ مساجد ؛ فذلك ثلاث مئةِ ألفٍ مسجد ، وأقلُّ ما يكون في كلِّ مسجدٍ خمسةُ نفر : يعني إماماً وقيِّماً ومأذوناً ومأمومين . ثم تناقصَتْ بعدَ ذلك ، ثم دُثْرَتْ بعدَ ذلك حتى صارتْ كأنَّها خَربةٌ صورةً ومعنّى ، على ما سيأتي بيانُه في موضعِه . وقال الحافظ أبو بكر البغدادي(٢): لم يكن لبغداد نظيرٌ في الدنيا ، في جلالةِ قدرِها ، وفخامةٍ أمرِها ، وكثرةِ علمائها وأعلامها ، وتَمَيُّزِ خواصِّها وعوامِّها ، وعظم أقطارِها وسعةِ أطرارها ، وكثرةٍ دُورِها ودُروبها ومنازِلها وشوارعِها ومَحَالِّها وأسواقِها وسِكَكِها وأزِقَّتِها ومساجدِها وحماماتِها وخاناتِها ؛ وطيبِ هوائها ، وعذوبةِ مائها ، وبَرْدِ ظلالِها، واعتدالِ صيفِها وشتائها ، وصحَّةِ ربيعِها وخريفِها ، وأكثر ما كانتْ عمارةً وأهلاً في أيامِ الرَّشيد . ثم ذكرَ تناقُصَ أحوالِها وهلمَّ جَرّا إلى زمانِهِ . قلتُ : وكذا من بعدِهِ إلى زمانِنا هذا ، ولاسيما في أيام هولاكو بن تولي بن جنكز خان التركي ، الذي وضع معالِمَها، وقتلَ خليفَتها وعالِمَها، وخرّب دُورَها، وهدَمَ قصورَها ، وأبادَ الخواصَّ والعوامَ ، وأهلَكَ ما يقرب من ألفي ألف من أهلِها في ذلك العام ؛ وأَخَذَ الأموالَ والحواصِل ، ونَهبَ الذَّرَارِيَّ والأصائل ، وأورث بها حُزْناً يُعدَّدُ به في البُكْراتِ والأصائل، وصيَّرها مُثْلَةً في الأقاليم ، وعِبْرَةً لكلِّ معتبرٍ عليم ، وتذكرةً لكلِّ ذي عقلٍ مستقيم، وبُدِّلت بعدَ تلاوةِ القرآنِ بالنغماتِ والألحانِ وإنشادِ الأشعار ، وكان وكان ؛ وبعدَ سماعِ الأحاديث النبوية بدَرْسِ الفلسفةِ اليونانيَّة والمناهج الكلاميَّة ، والتأويلاتِ القِرْمطيَّةِ ، وبعد العلماء بالحكماء ، وبعد الخليفةِ العبّاسيّ، بشرّ الولاةِ من الأناسيّ ، وبعد الرِّياسةِ والنباهَةِ ، بالخساسةِ والسَّفَاهة، وبعد العُبَّد بالأنكاد ، وبعدَ الطلبة المشتغلين بالظّلَمة والعَيَّارين ، وبعد الاشتغال بفنون العلم من التفسير والفقه والحديث ، وتعبيرِ الرؤيا بالزَّجَل والموشح (١) ذكر قول الصولي الخطيب في تاريخ بغداد (١١٧/١). (٢) في تاريخ بغداد (١١٩/١). ٣٣٩ ما ورد في مدينة بغداد ودوبيت ومواليا. وما أصابهم ذلك إلَّ ببعضِ ذنوبهم؛ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، والتحوُّلُ منها في هذا الزمان لكثرةِ ما فيها من المنكرات الحِسِّيَّة والمعنوية ، وأَكْلِ الحشيشة ، والانتقالِ عنها إلى بلادِ الشام الذي تكفَّلَ الله بأهلها أفضلُ وأكملُ وأجمَل. وقد روى الإمام أحمدُ عن رسولِ الله وَّ أنه قال: (( لا تقومُ الساعةُ حتى يتحوَّلَ خيارُ أهلِ العراقِ إلى الشام، وشرارُ أهلِ الشام إلى العراق (١) . ما ورد في مدينة بغداد من الآثار وما فيها من الأخبار فيها أربعُ لغات : بغداد وبغداد - بإهمال الدال الثانية وإعجامها - وبغدان - بالنون آخره - وبالميم مع ذلك أولًا: مَغْدان. وهي كلمةٌ أعجمية ؛ قيل: إنّها مركبةٌ من ((بَغْ)) و (( داد )) ، فقيل: بَغْ بستان ، وداد اسمُ رجل ، وقيل : بَغْ اسمُ صَنَم ، وقيل : شيطان ، وداد عطيَّةُ الصنم ، ولهذا كَره عبدُ الله بنُ المبارك والأصمعي وغيرُهما تسميتها بغداد ، وإنما يُقال لها مدينة السلام ؛ وكذا أسماها بانيها أبو جعفر المنصور ، لأنَّ دجلةَ كان يُقال لها وادي السلام ، ومنهم من يُسمِّيها الزَّوراء ؛ وهو لَقَبٌ لها . فروى الخطيبُ البغدادي(٢) من طريقِ عمَّار بن سيف - وهو مُتَّهم - قال: سمعتُ عاصم الأحول يحدِّثُ عن سفيانَ الثوريّ، عن أبي عثمان، عن جريرِ بنِ عبد الله قال: قال رسولُ الله ◌َفيِ: (( تُبنى مدينةٌ بين دِجْلَة ودُجَيل وقُطْرُبُلَّ والصَّرَاة ، تُجْبَى إليها خزائنُ الأرض، وملوكُها جبابرة ، فَلَهِيَ أسرعُ ذهاباً في الأرضِ من الوَتِدِ الحديدِ في الأرضِ الرَّخْوَة)). قال الخطيب : وقد رواهُ عن عاصم الأحول سيف ابنُ أختِ سفيان الثوري ، وهو أخو عمار بن يوسف . قلتُ : وكلاهما ضعيفٌ منَّهَم، يُرمَى بالكذب ، ومحمد بن جابر اليمامي(٣) ضعيف، وأبو شهاب الحَّاط ضعيف . وروى عن سفيان الثوري عن عاصم ، من طُرق ، ثم أسند ذلك كلَّه . وأورد من طريق يحيى بن معين ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عمار بن سيف ، عن الثوري ، عن عاصم ، عن أبي عثمان، عن جرير، عن النبيِّ ◌َّر، فذكره . قال أحمد ويحيى : ليس لهذا الحديث أصل . وقال أحمد : ما حدَّث به إنسانٌ ثقة . (١) أخرجه أحمد في مسنده (٢٤٩/٥) من حديث أبي أمامة ، وإسناده ضعيف . (٢) في تاريخ بغداد (٢٨/١) . في (ح، ب): ((اليماني)) والمثبت من (ب) والتاريخ الكبير (٥٣/١)، والتاريخ الصغير (١٨٨/٢)، وسير (٣) أعلام النبلاء ( ٨/ ٢٣٨)، وتقريب التهذيب ص (٤٧١). ٣٤٠ محاسن بغداد ومساوئها وقد عَلَّلَه الخطيبُ من جميع طُرقِهُ(١)، وساقه أيضاً من طريقِ عمَّار بن سيف ، عن الثوري ، عن أبي عُبيدةَ حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك ؛ ولا يَصِحُ أيضاً . ومن طريقٍ عمر بن يحيى ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم، عن رِبْعِيّ ، عن حُذيفة مرفوعاً بنحوِهِ ولا يَصِحّ . ومن غيرِ وَجْهٍ عن علي بنِ أبي طالب ، وابنٍ مسعود ، وتَوْبان ، وابنِ عباس ، وفي بعضها ذكرَ السفياني ، وأنَّه يُخرِّبُها . ولا يَصِحُ إسنادُ شيءٍ من هذه الأحاديث، وقد أوردها الخطيبُ بأسانيدِها وألفاظِها ؛ وفي كلٍّ منها نَّكَارَة ؛ وأقربُ ما فيها عن كعبِ الأحبار ، وقد جاء في آثارٍ عن كتبٍ متقدِّمة أنَّ بانِها يُقال له مِقْلاص ، وذو الدَّوَانيق. وقد كان المنصور يُلقَّب بمِقلاص في صِغَرِه، ولما وُلِّي لُقِّب بذي الدَّوانيق لِبُخْلِهِ. فصل محاسن بغداد ومساوئها وما روي في ذلك عن الأئمة قال يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفي: قال لي الشافعي: هل رأيتَ بغداد ؟ قلت : لا . فقال : ما رأيتَ الدنيا . وقال الشافعي: ما دخلتُ بلداً قطُ إلَّ عدَدْتُهُ سفراً إلَّ بغداد، فإنِّي حين دخلتُها عدَدْتها وطنا٢ً) . وقال بعضُهم : الدنيا بادية ، وبغدادُ حاضِرَتُها . وقال ابنُ عُلَيَّةِ : ما رأيتُ أعقلَ في طلَبِ الحديث من أهلِ بغداد ، ولا أحسَنَ دَعةً منهم . وقال ابنُ مجاهد : رأيتُ أبا عمرو بنَ العلاء في النوم فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال : دَعْني من هذا ، من أقامَ ببغدادَ على السُّنَّةِ والجماعة ومات، نُقُل من الجنَّةِ إلى الجنَّةُ(٣). وقال أبو بكر بن عياش : الإسلامُ ببغداد، وإنَّها لَصَيَّاد ، تَصيدُ الرجال ، ومن لم يرَها لم يرَ الدنيا . وقال أبو معاوية : بغدادُ دارُ الدنيا والآخرة . وقال بعضُهم : من محاسنِ الإسلام يومُ الجمعةِ ببغداد ، وصلاةُ يوم الجمعة ببغداد ، وصلاةُ التراويح بمكة ، ويومُ العيد بطرَسُوس . قال الخطيب(٤) : منْ شهد يومَ الجُمعة بمدينةِ السلام عَّمَ الله في قلبه محلَّ الإسلام، لأنَّ مشايخَنَا كانوا يقولون : يوم الجمعة ببغداد كيوم العيدِ في غيرِها من البلاد . انظر تاريخ بغداد (٣٣/١، ٣٤). (١) في تاريخ بغداد (٤٦/١). (٢) في تاريخ بغداد (٤٦/١). (٣) (٤) في تاريخ بغداد (١/ ٤٧).