Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ ترجمة أبي مسلم الخراساني قال ابنُ جرير(١) : وقال المنصورُ عند ذلك : زعمتَ أنَّ الدَّيْن لا يُقتضَى فاستوفِ بالكَيْلِ أبا مُجْرِمٍ أمَرَّ في الحَلْقِ من العَلْقِمَ سُقیت کأساً کنتَ تَسْقِي بها ثم إنَّ المنصورَ خطَبَ في الناسِ بعدَ قتلِ أبي مسلم فقال: أيها الناس ، لا تُنَفِّروا أطيارَ النِّعَم بِتَرْكِ الشُّكْر ، فتَحِلَّ بِكُمُ النِّقَم، ولا تُسِرُوا غِشَّ الأئمّة ، فإنَّ أحداً لا يُسِرُ منكمْ شيئاً إلا ظَهَرَ في فَلَتَاتِ لسانِهِ ، وصَفَحاتِ وَجْهِه، وطوالِعٍ نَظَرِهِ ، وإنَّا لنْ نجهَلَ حقوقَكُمْ ما عرَفْتُمْ حَقَّنا، ولا نَنْسى الإحسانَ إليكم ما ذكرتُمْ فضلَنا، ومنْ نازَعَنا هذا القَميص أوطأنا أمَّ رأسِهِ حتى يستقيمَ رجالُكم، وترتَدِعَ عُمَّلُكُم ، وإنّ هذا الغَمْرَ أبا مسلم ، بايَعَ على أنَّهُ منْ نَكَثَ بيعتَنا، وأظهرَ غِشَّنا، فقد أباحَنا دَمَه ، فنكَثَ وغدَرَ وفجَرَ وكَفَر ، فحكَمْنا عليه لأنفسنا حُكْمَهُ على غيرِهِ لنا ؛ وإنَّ أبا مسلم أحسَنَ مُبتدياً وأساءَ منتهياً ، وأخذَ من الناسِ بنا لنفسِهِ أكثرَ ممَّا أعطانا، ورَجَّحَ قبيحَ باطِنِهِ على حُسْنٍ ظَاهِرِه ، وعَلِمْنا من خُبْثِ سريرَتِهِ وفسادِ نِيَّتِهِ ما لو علم اللائمُ لنا فيه لما لام، ولو اطّلع على ما اطَّلَعْنا عليه منه لعَذَرَنا في قَتْلِهِ ، وعَنَّفَنا في إمْهالِه ، وما زال يَنْقُضُ بيعتَه ، ويَخْفِرُ ذمَّتَه حتى أحلَّ لنا عقوبتَه، وأباحَنا دَمَه ، فحكمنا فيه حُكْمُهُ في غيرِهِ مِمَّنْ شقَّ العَصَا ، ولم يمنَعْنا الحقُّ له من إمضاءِ الحقِّ فيه ، وما أحسن ما قالَ النابغةُ الذبياني للنعمان - يعني ابنَ المنذر : كما أطاعَكَ واذْلُلْهُ على الرَّشَدِ فمنْ أَطَاعكَ فانفَعْهُ بطاعتِهِ تَنْهى الظلومَ ولا تَفْعُدْ على ضَمَدٍ(٢) ومنْ عصاكَ فعاقِبْهُ مُعاقبةً وقد روى البيهقيُّ عن الحاكم بسندِه ، أنَّ عبدَ الله بنَ المبارك سُئل عن أبي مسلم ، أهو خيرٌ أم الحجَّاحِ ؟ فقال : لا أقولُ أنَّ أبا مسلم كان خيراً من أحد ، ولكنْ كان الحجَّاج شرّاً منه، قد اتهمَهُ بعضُهم على الإسلام ، ورَمَوْهُ بالزَّنْدقة ؛ ولم أَرَ فيما ذكروهُ عن أبي مسلم ما يدلُّ على ذلك ، بل على أنه كان ممَّنْ يخافُ الله من ذنوبهِ ، وقد ادَّعَى التَّوْبة فيما كان منه من سَفْكِ الدماء في إقامةِ الدولة العباسية ، والله أعلمُ بأمرِه . وقد روى الخطيب(٣) عنه أنه قال: ارتديتُ الصَّبْر، وآثرتُ الكفاف(٤) ، وحالفْتُ الأحزانَ والأشجان، وشامَخْتُ(٥) المقاديرَ والأحكام ، حتى بلغتُ غايةَ همَّتي ، وأدركتُ نهايةَ بُغْيتي ثم أنشأ يقول : هو الطبري في تاريخه (٣٨٦/٤). (١) البيتان في ديوان النابغة الذبياني من قصيدة يمدح فيها النعمان المذكور ص (٣٠). (٢) (٣) في تاريخ بغداد ( ٢٠٨/١٠) . في تاريخ الخطيب: (( الكتمان)» ، وهو الأوفق . (٤) في تاريخ الخطيب وسير أعلام النبلاء ٥٣/٦: ((وسامحت)). (٥) ٣٠٢ ترجمة أبي مسلم الخراساني عنه ملوكُ بني مروانَ إذْ حَشَدوا قد نلتُ بالعَزْمِ والكِتْمانِ ما عَجَزتْ من رَقْدةٍ لم ينَمها قبلَهم أحدُ ما زلتُ أضرِبُهم بالسيفِ فانتبهوا والقومُ في مُلكِهم في الشامٍ قد رَقدوا وطُفْتُ أسعى عليهم في ديارِهم ونامَ عنها تولَّى رَغْيَها الأسدُ ومنْ رَعى غنماً في أرضٍ مَسْبعةٍ وقد كان قتلُ أبي مسلم بالمدائن يومَ الأربعاء لسبعٍ خَلَوْنَ - وقيل لخمسٍ بَقين ، وقيل لأربعٍ ، وقيل لليلتينِ بَقِيتا - من شعبان من هذه السنة ، أعني سنةً سبعٍ وثلاثين ومئة . قال بعضُهم : كان ابتداءُ ظهورِهِ في رمضان من سنةٍ تسع وعشرين ومئة ، وقيل : في شعبان سنة سبع وعشرين ومئة . وزعم بعضُهم أنه قُتل ببغداد في سنةٍ أربعين ؛ وهذا غلطٌ من قائله ، فإنَّ بغدادَ لم تكُنْ بُنيت بعدُ كما ذكرَهُ الخطيب في تاريخ بغداد ، وردّ هذا القول . ثم إنَّ المنصور شرع في تأليف أصحابِ أبي مسلم بالأُعطية والرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ والولايات ، واستدعى أبا إسحاق - وكان من أعزِّ أصحابِ أبي مسلم - وكان على شرطة أبي مسلم، وهمَّ بضَرْبِ عُنقه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، والله ما أمنتُ قطُ إلَّ في هذا اليوم ، وما من مرَّةٍ كنتُ أدخلُ عليك إلا تحتَّطْتُ ولبستُ كفَني ، ثم كشف عن ثيابِهِ التي تَلِي جِسَدَه، فإذا هو مُحَّطٌ وعليه أدراعُ أكفان ، فرقَّ له المنصور وأطلَقَه . وذكر ابنُ جرير(١) أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاهُ لأجلِ دولةٍ بني العباس ستَّمئةِ ألفٍ صَبْراً زيادة عن منْ قتلَ بغيرِ ذلك . وقد قال للمنصور وهو يعاتبهُ على ما كان يصنعه : يا أمير المؤمنين لا يُقال لي هذا بعد بلائي وما كان مني . فقال له : يا بن الخبيثة ، لو كانتْ أمةٌ مكانَكَ لأجزأتْ ناحيتها ، إنما عملتَ ما عملتَ بدولِتِنا وبريحِنا ، ولو كان ذلك إليك لما قطعتَ فَتيلاً . ولمَّا قتله المنصور لُفَّ في كساءٍ وهو مقطَّعٌ إزباً إرباً ، فدخل عيسى بن موسى فقال : يا أمير المؤمنين ، أين أبو مسلم ؟ قال : قد كان هاهنا آنفاً . فقال: يا أمير المؤمنين، قد عرفتَ طاعتَهُ ونَصِيحتَه، ورأيَ إبراهيمَ الإمام فيه! فقال له : يا أَنْوَك، والله ما أعلمُ في الأرض عدوّاً أعدَى لكَ منه، هاهو ذاك في البساط . فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون . فقال له المنصور : خلَعَ الله قلبَك، وهل كان لكم مكانٌ أو سلطانٌ أو أمرٌ أو نَهْيٌ مع أبي مسلم ؟ ثم استدعى المنصورُ برؤوسِ الأُمَرَاءِ فجعل يستشيرُهم في قتلِ أبي مسلم قبلَ أنْ يعلموا بقتلِه ، فكلُّهم يُشيرُ بقتلِه ، ومنهم منْ كانَ إذا تكلّم أسَرَّ كلامَهُ خوفاً من أبي مسلم لئلا يُنقل إليه . فلمّا (١) يعني الطبري في تاريخه (٣٨٦/٤، ٣٨٧). ٣٠٣ ترجمة أبي مسلم الخراساني أطلعَهم على قَتْلِه أفزَعهم ذلك ، وأظهروا سروراً كثيراً . ثم خطب المنصور الناس بذلك كما تقدَّم . ثم كتب المنصورُ إلى نائبِ أبي مسلم على أموالِهِ وحواصِلِهِ بكتابٍ على لسان أبي مسلم ، أنْ يقدمَ بجميعِ ما عندَهُ من الحواصلِ والذخائرِ والأموالِ والجواهر . وختم الكتابَ بخاتم أبي مسلم بكمالِه مطبوعاً بكلِّ فَصِّ الخاتم ، فلما رآه الخازنُ استرابَ في الأمر ، وقد كان أبو مسلم تقدَّمَ إلى خازِنِهِ ، أنَّهُ إذا جاءك كتابي فإنْ رأيتَهُ مختوماً بنصفِ الفَصّ فامضٍ لما فيه ، فإني إنما أختمُ بنصفٍ فَصِّهِ على كُتبي ، وإذا جاءك الكتابُ مختوماً عليه بكمالِهِ فلا تقبَلْ ولا تُمْضِ ما فيه . فامتَنَعَ عندَ ذلك خازنُه أنْ يقبلَ ما بعثَ به المنصور ، فأرسلَ المنصورُ بعدذلك إليه منْ أخذَ جميعَ ذلك . وقتَلَ ذلك الرجلَ الخازن . وكتب المنصور إلى أبي داود إبراهيمَ بنِ خالد بإِمْرَةِ خُراسان كما وَعَدهُ قبلَ ذلك عوضاً عن أبي مسلم . وفي هذه السنة خرج سنباذ يطلُبُ بدم أبي مسلم، وقد كان سنباذُ هذا مجوسيّاً ، تغلَّبَ على قُومِسَ(١) وأصبهان ، ويُسمَّى بفيروز إصْبَهَبذ ، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشاً هم عشرة آلاف فارس ، عليهم جَهْوَر بن مرار العِجْلي، فالتقَوْا بين هَمَذانَ والرَّيِّ بالمفازة ، فهزم جَهْوَرُ لسنباذ ، وقتل من أصحابِهِ ستين ألفاً وسَبَى ذرارِيَّهُمْ ونساءَهم، وقتل سنباذَ بعدَ ذلك، فكانتْ أيامُهُ سبعينَ يوماً ، وأخَذَ ما كان استحوَذَ عليهِ من أموالِ أبي مسلمٍ التي كانتْ بالرَّيُ(٢). وخرج في هذه السنةِ أيضاً رجلٌ يُقالُ له مُلْبد بن حَرْمَلة الشيباني في ألفٍ من الخوارجِ بالجزيرة ، فجهّزَ إليه المنصورُ جيوشاً متعدِّدةً كثيفة ، كلُّها تنفرُ منه وتنكسِر ، ثم قاتله حُميدُ بن قحطبة نائبُ الجزيرةِ فهزمَهُ مُلْبِد، وتحصَّنَ منه حُميد في بعضِ الحُصون ، ثم صَالحَهُ حُميد بن فَحْطَبة على مئةِ ألف ، فدفعها إليه وقَبِلَها مُلْبِدٍ وانقلعَ عنه (٣) وحج بالناس في هذه السنة عمُّ الخليفة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس ، قال الواقدي : وكان نائبَ المَوْصِل - يعني عمَّ المنصور - وعلى نيابةِ الكوفةِ عيسى بن موسى ، وعلى البصرة سليمان بن علي ، وعلى الجزيرة حُميد بن قحطبة ، وعلى مصر صالح بن علي ، وعلى خراسان أبو داود إبراهيم بن خالد ، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله . ولم يكن للناس في هذه السنة صائفةٌ لشُغلِ الخليفةِ بسنباذ وغيرِه . (١) قُومِس : بالضم ثم السكون وكسر الميم وسين مهملة : هي تعريب كومس ، وهي كُورةٌ كبيرة واسعة ، تشتمل على مدن وقُرىّ ومزارع ، وهي في ذيلِ جبالِ طَبَرسْتان ، وأكبر ما يكون في ولاية ملكها وقصبتها المشهورة دامغان ، وهي بین الري ونيسابور . معجم البلدان (٤/ ٤١٤) . (٢) انظر تاريخ الطبري (٣٨٨/٤). (٣) انظر تاريخ الطبري (٣٨٨/٤، ٣٨٩). ومن مشاهير منْ تُوقِّي فيها : أبو مسلم الخراساني كما تقدَّم . ويزيدُ بن أبي زياد، أحدُ منْ تُكُلِّمَ فيه ، كما ذكرناهُ في التكميل . والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومئة فيها دخل قسطنطين ملكُ الرُّومِ مَلَطَةَ عَنْوةً ، فهدَمَ سورَها ، وعَفَا عمَّنْ قَدَرَ عليه من مقاتليها . وفيه غزا الصائفة صالحُ بنُ علي ، نائبُ مصر ، فَبَنى ما كان هدَمَ ملكُ الروم من سُورٍ مَلَطية ، وأطلقَ لأخيهِ عيسى بن علي أربعين ألف دينار ، وكذلك أعطى لابن أخيه العباس بن محمد بن علي أربعين ألفَ دينار . وفيها بايع عبدُ الله بن علي الذي كسَرَهُ أبو مسلم ، وانهزَمَ إلى البصرة ، واستجار بأخيهِ سليمان بن علي حتى بايعَ للخليفةِ في هذه السنة ورجَعَ إلى طاعَتِهِ ، ولكنْ حُبس في سجنٍ بغداد كما سيأتي . وفيها خَلَعَ جَهْوَرُ بن مرار العِجليُّ الخليفةَ المنصورَ بعدما كسرَ سنباذَ واستحوذَ على حواصلِه وعلى أموالِ أبي مسلم ، فقويَتْ نفسهُ بذلك، وظنَّ أنه يقدرُ على منابذَةِ الخليفةِ بتلك الأموال ، فأرسل إليه الخليفةُ محمدَ بن الأشعث الخُزاعيَّ في جيشٍ كَثِيف، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فهُزم جَهْوَر ، وقُتل عامَّةُ منْ معه ، وأُخذ ما كان معه من الأموالِ والحواصِلِ والذخائر ، ثم لَحِقُوهُ فقتلوه . وفيها قُتل المُلْبِدُ الخارجيُّ على يدَيْ خازِمِ بن خُزيمة في ثمانية آلاف ، وقُتل من أصحابِ المُلْبِد ما يزيدُ على ألف ، وانهزم بقيَّتُهم . قال الواقديُ(١): وحَجَّ بالناسِ فيها الفضلُ [ بن صالح ] بن علي [ بن عبد الله بن عباس ] ، والنوابُ فيها همُ المذكورونَ بالتي قبلَها . وممَّن تُوفِّي فيها من الأعيان : زيدُ بن واقد . والعلاء بن عبد الرحمن . وليث بن أبي سُليم في قول . (١) انظر تاريخ الطبري (٣٩١/٤) وما يأتي بين معقوفين منه. ٣٠٥ أحداث سنة ١٣٩ هـ وفيها كانتْ خلافةُ الداخلِ من بني أمية إلى بلادِ الأندلس ؛ وهو عبدُ الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الهاشمي [ قلتُ: ليس هو بهاشمي إنما هو من بني أمية، ويُسمَّى أمويّاً(12) ، كان قد دخل إلى بلادِ المغرب [ فِرَاراً من عبدِ الله بن علي بن عبدِ الله بن عباس ] ، فاجتازَ بمَنْ معه من أصحابِه [الذين فَرُّوا معه ] بقوم يقتتلونَ على عصبيَّةِ اليمانيةِ والمضريَّة ؛ فبعث مولاه بدراً إليهم فاستمالَهم إليه ، فبايعوه ودخل بِهِم ، ففتح بلادَ الأندلس ، واستحوذَ عليها ، وانتزَعها من نائبِها يوسفَ بنِ عبدِ الرحمن بن حبيب بن أبي عُبيدة بن عُقْبَةَ بنِ نافع الفِهْرِي ، وقتله وسكن عبدُ الرحمن قُرْطَُة ، واستمرَّ في خلافته في تلك البلاد من هذهِ السنة أعني سنةَ ثمان وثلاثين ومئة ، إلى سنة ثنَتَيْنِ وسبعين ومئة ، فتوفِّي فيها ولَهُ في الملك أربعٌ وثلاثون سنةً وأَشْهُرٌ ، ثم قام من بعدِهِ ولَدُه هشام ستَّ سنين وأشهراً ، ثم مات فوَلِيَ بعدَهُ الحكَمُ بن هشام ستاً وعشرين سنةً وأشهراً ، ثم مات ، ثم ولي بعده ولَدُه عبدُالرحمن بن الحكم ثلاثاً وثلاثين سنة ، ثم مات ، ثم ولي بعدَهُ محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ستّاً وعشرين سنة ، ثم ابنه المنذر بن محمد، ثم أخوه محمد بن المنذر، وكانت أيامُه بعد الثلاث مئة بدَهْر . ثم زَالتْ تلك الدولةُ كما سنذكرُه من زوالِ تلك السنين وأهلِها ، [ وما قضَوْا من النعيم والعيش الرغيد ، والنساء الحسان : ثم انقضَتْ تلك السنونُ وأهلُها ] فكأنَّهم كانوا على ميعاٍ(٢) فألوَتْ عليهِ الصَّبا والدَّبُورُ ﴾٣) [ ثم أضحَوْا كأنَّهم ورَقٌ جَفّ ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومئة فيها أكمل صالحُ بن علي بناءَ مَلَطْيَةٍ ، ثم غزا الصائفةَ على طريق الحدث ، فوَغَلَ في بلادِ الروم ، وغزا معه أختاه أمُّ عيسى ولُبَّابَةُ ابنتا علي، وكانتا نذَرَتا إنْ زال ملكُ بني أميَّةَ أنْ يُجاهدا في سبيلِ الله عزَّ وجلّ . وفيها كان الفداءُ الذي حصَلَ بين المنصور وبين ملكِ الرُّوم ، فاستنقذَ بعض أسرى المسلمين ، ثم لم يكنْ للناس صائفةٌ في هذه السنةِ إلى سنةِ ستٍّ وأربعين ، وذلك الاشتغالِ المنصور بأمرِ ابني عبدِ الله بن (١) ليس ما بين المعقوفين في ( ب، ح)، وهو من ( ق ). صدر البيت من قصيدة لأبي تمام وعجزه: ((فكأنها وكأنهم أحلامُ )) ص (٧٢) . وعجز البيت من قصيدة للأسود بن (٢) يعفر ذكرها صاحب الأغاني (٢٠/١٣، ٢١، ٢٣)، وصدره فيه: ((جرت الرياح على محلّ ديارهم)). (٣) نثر البيت في جميع النسخ وحرف، وهو من قصيدة لعدي بن زيد العبادي ذكرها أبو الفرج في أغانيه (١٣٩/٢). ٣٠٦ وفيات سنة ١٣٩ هـ ـ أحداث سنة ١٤٠ هـ ووفياتها حسَن، كما سنذكره . ولكنْ ذكرَ بعضُهم أنَّ الحسن بن قَحْطَبة غزا الصائفةَ مع عبدِ الوهاب بنِ إبراهيم الإمام سنةَ أربعين ، فالله أعلم . وفيها وسَّع المنصور المسجد الحرام ، وكانت هذه السنةُ خِصْبَةً جدّاً، أي : كثيرَةَ الخِصْبِ ، فكان يُقال لها السنة الخِصْبة ، وقيل : إنما كان ذلك في سنةٍ أربعين. وفيها عزَلَ المنصورُ عمَّهُ سُليمان عن إمْرَةِ البصرة ، فاختفى عبدُ الله بن علي وأصحابهُ خوفاً على أنفسهم ، فبعث المنصورُ إلى نائبِهِ على البصرة - وهو سفيان بن معاوية - يستحثُّهُ في إحضارِ عبدِ الله بن عليٍّ إليه ، فبعثه في أصحابِهِ ، فقتَلَ بعضهم، وسجَنَ عبدَ الله بن عليٍّ عمَّهُ، وبعث بقيةَ أصحابه إلى أبي داود ، نائبٍ خُراسان ، فقتلهم هناك . وحَجَّ بالناس فيها العباسُ بن محمد بن علي بن عبدِ الله بن عباس . وفيها تُوِّي : عمرو بن مجاهد . ويزيد بن عبد الله بن الهاد . ويونس بن عُبيد ، أَحَدِ العُبَّاد ، وصاحبُ الحسن البصري . ثم دخلت سنة أربعين ومئة فيها ثار جماعةٌ من الجند على أبي داود نائبِ خُراسان ، وحاصروا دارَه ، فأشرف عليهم وجعَلَ يستغيثُ بجندِهِ لَيَحْضُروا إليه، واتَّكأ على آجُرَّةٍ في الحائط فانكسرَتْ به، فسقط فانكسَرَ ظهرُهُ فمات ، فخَلَفَهُ على خراسان عاصمٌ صاحبُ الشُّرطة ، حتى قدِمَ الأميرُ من جهةِ الخليفةِ عليها ، وهو عبدُ الجبار بن عبدِ الرحمن الأزْدي ، فتسلَّمَ بلادَ خُراسان ، وقتَلَ جماعةً من الأمراء ، لأنه بلغَهُ عنهم أنهم يدعون إلى خلافةِ آلِ عليٍّ بن أبي طالب، وحبّسَ آخرين ، وأخذ نُوَّابَ أبي داود بِجباية الأموالِ المنكسرةِ عندَهم. وفيها حَجَّ بالناس الخليفةُ المنصور ، أحرَمَ من الحِيرة ، ورَجَعَ بعدَ انقضاءِ الحج إلى المدينة ، ثم رَحَلَ إلى بيتِ المقدِس ، فزارَهُ ثم سلك الشام إلى الرَّقة ، ثم سار إلى الهاشمية ، هاشميةِ الكوفة ، ونُؤَابُ الأقاليم همُ المذكورون في التي قبلَها سوى خراسان ، فإنه مات نائبُها أبو داود ، فخلَفَهُ مكانَهُ عبدُ الجبار الأزدي . وفيها تُونِّي : داودُ بن أبي مِنْد . ٣٠٧ أحداث سنة ١٤١ هـ وأبو حازم سلمَةُ بن دِينار . وسُهيل بنُ أبي صالح . وعُمَارة بن غَزِيَّةً . وعمرو بن قيس السَّكُونيّ . ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومئة فيها خرجَتْ طائفةٌ يُقال لها الرَّاوَنْدِيَّة على المنصور . ذكَّرَ ابنُ جَرِير (١) عن المدائني أنَّ أصلَهُمْ من خُراسان، وهم على رأي (٢) أبي مسلم، كانوا يقولونَ بالتناسُخ ، ويَزْعُمون أنَّ رُوحِ آدَمَ انتقلَتْ إلى عثمان بن نَهِيك، وأنَّ رَبَّهم الذي يُطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور ، وأنَّ الهيثم بن معاوية جبريل . قبَّحهم الله . قال ابنُ جرير(٣) : فأتَوْا يوماً قصرَ المنصور ، قد جعلوا يطوفونَ به ويقولون : هذا قصرُ رَبِّنا ، فأرسل المنصورُ إلى رؤسائهم ، فحبس منهم مئتين ، فغَضِبوا من ذلك وقالوا : علامَ تحبسُهم ؟ ثم عمدوا إلى نَعْشٍ فحملوهُ على كواهِلِهم ، وليس عليه أحد ، واجتمعوا حَوْلَه ، كأنَّهم يشيِّعون جنازةً ، واجتازُوا ببابِ السِّجْن ، فألقَوُا النعشَ ودخلوا السجنَ قَهْراً ، واستخرجوا مَنْ فيهِ من أصحابِهم ، وقصدوا نحو المنصور ، وهم في ست مئة ، فتنادَى الناسُ وغُلِّقَتْ أبوابُ البلد ، وخرج المنصور من القصر ماشياً ، لأنه لم يَجِدْ دابةً يركبها ، ثم جيء بداّة فركبها، وقصد نحو الراوندِيَّة ، وجاء الناسُ من كلِّ ناحية ، وجاء معنُ بن زائدة ، فلما رأى المنصورَ ترجَّلَ وأخَذَ بِجَام دابَةِ المنصورِ وقال : يا أميرَ المؤمنين ، ارجِعْ نحنُ نَكْفِيكَهم ، فأَبَى، وقامَ أهلُ الأسواقِ إليهم فقاتلوهم ، وجاءتِ الجيوش ، فالتّقُوا عليهم من كلِّ ناحية ، فحصدوهم عن آخرِهم ، ولم يبقَ منهم بقيّة ، وجرحوا عثمانَ بن نَهيك بسهم بين كتفَيْه ، فمرض أياماً ثم مات ، فصلَّى عليه الخليفة ، وقام على قبرِه حتى دُفن ، ودَعًا له ، وولَّى أخاه عيسى بن نَهِيك على الحرس ، وكان ذلك كُلُّه بالمدينة الهاشميةِ بالكوفة ، ولَمَّا فرغ المنصورُ من قتال الرَّاوَنْدِيَّةِ ذلك اليوم صلَّى بالناسِ الظُّهر في آخرِ وقتِها ، ثم أُتِيَ بالطعام فقال : أين مَعْنُ بن زائدة ؟ وأمسك عن الطعام حتى جاء مَعْن ، فأجلسَهُ إِلى جَنْبِهِ، ثم أَخَذَ في شُكْرِهِ لِمَنْ بِحَضرته ، لمَا رأى من شهامتِهِ يومئذٍ ، فقال مَعْن : هو الطبري في تاريخه (٣٩٥/٤) . (١) في ( ب، ح): ((على دين أبي مسلم)). (٢) (٣) هو الطبري في تاريخه (٣٩٥/٤). ٣٠٨ أحداث سنة ١٤١ هـ والله يا أميرَ المؤمنين ، لقد جئتُ وإني لوَجِل ، فلمَّا رأيتُ استهانتَكَ بِهِمْ وإقدامَك عليهم قَوِيَ قَلْبِي واطمأنّ ، وما ظننتُ أنَّ أحداً يكونُ في الحَرْب هكذا ، فذاك الذي شجّعني يا أمير المؤمنين ، فأمر له المنصور بعشرة آلاف، ورضي عنه ، وولَّهُ اليمن، وكان مَعْنُ بن زائدةَ قبلَ ذلك متخفياً، لأنَّهُ قاتَلَ المسوِّدَةَ مع ابنِ هُبيرة ، فلم يظهروا إلَّ في هذا اليوم ، فلمَّا رأى الخليفةُ صِدْقَهُ في قتالِه رضي عنه . ويُقال : إن المنصور قالَ عن نفسِه : أخطأتُ في ثلاث : قتلتُ أبا مسلم وأنا في جماعةٍ قليلة ، وحين خرجتُ من الشام ، ولو اختلف سيفان بالعراق لذهبَتِ الخلافة ، ويوم الراوَنْدِيَّة ، لو أصابني سَهْمٌ غَرْبٌ لذهبْتُ ضيَاعاً . وهذا من حَزْمِهِ وصرَامَتِهِ . وفي هذه السنة ولَّى المنصورُ ابنَهُ محمداً العَهْدَ من بعدِه، ودعاهُ بالمَهْدِيّ، وولَاهُ بلادَ خُراسان ، وعزَلَ عنها عبدَ الجبار بن عبد الرحمن ، وذلك أنه قتَلَ خَلْقاً من شيعةِ الخليفة ، فشكاهُ المنصورُ إلى أبي أيوب كاتبِ الرسائل ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أكتُبْ إليه لِيَبْعَثْ جيشاً كَثِيفاً من خُراسان إلى غَزْوِ الروم ، فإذا خرجوا بعثتَ إليه مَنْ شئتَ فأخرجوه من بلادِ خراسانَ ذَلِيلاً . فكتب إليه المنصورُ بذلك ، فردَّ الجوابَ بأنَّ بلادَ خراسان قد عائَّتْ بِهَا الأتراك ، ومتى خرَجَ منها جيشٌ خِيفَ عليها ، وفسَدَ أمرُها . فقال المنصور لأبي أيوب : ماذا ترى؟ قال : فاكتُبْ إليه : إنَّ بلادَ خراسان أحَقُّ بالمَدَدِ لثغورِ المسلمين من غيرِها ، وقد جهّزْتُ إليك الجنود، فكتب إليه أيضاً : إنَّ بلادَ خُراسان ضيقَةٌ في هذا العام أقواتُها ، ومتى دخلها جيشٌ أفسدَها . فقال الخليفةُ لأبي أيوب : ماذا تقول ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، هذا رجلٌ قد أبدَى صفحتَه وخُلع ، فلا تُناظِرُه . فحينئذٍ بعث المنصورُ ابنَهُ محمداً المهديَّ لِيُقيمَ بالرَّيّ . فبعث المهديُّ بين يديه خازمَ بن خُزَيمة ، مقدمةً إلى عبدِ الجبار ، فما زال به يَخْدَعُهُ ومَنْ معه حتى هرَبَ مَنْ معه، وأخذوهُ هو، فأركبوه بعيراً محوَّلًا وجهُهُ إلى ناحيةِ ذَنَبِ البعير ، وسَيَّروهُ كذلك في البلاد ، حتى أقدموه على المنصور ، ومعه ابنُهُ وجماعةٌ من أهلِه، فضَرَبَ المنصورُ عُنقَه، وسَيَّرَ ابنَهُ ومَنْ معه إلى جزيرةٍ في طرَفِ اليمن ، فأسرَتْهُمُ الهنودُ بعدَ ذلك، ثم فُودي بعضُهم بعدَ ذلك ، واستقرَّ المهديُّ نائباً على خراسان ، وأمرَهُ أبوهُ أنْ يَغْزُوَ طَبَرِسْتان، وأنْ يُحاربَ الإصْبَهْبَذْ بِمَنْ معه من الجنود ، وأمدَّهُ بجيشٍ عليهم عمر بن العلاء ، وكان من أعلم الناس بِحَرْبِ طَبَرسْتان ، وهو الذي يقول فيه الشاعر : نَصِيحاً ولا خيرَ في المتَّهَمْ فقلْ للخليفة إن جئتَهُ فَّهْ لَهَا عُمَراً ثُمَّ نَمْ إذا أيقَظَتْكَ حُروبُ العِدَا ولا يشرَبُ الماءَ إلا بِدَمُ(١) فَتَىّ لاينامُ على دِمْنَةٍ (١) الشاعر بشار بن برد، والأبيات من قصيدة في ديوانه ص (٥٨٨)، وتاريخ الطبري (٣٩٨/٤). ٣٠٩ وفيات سنة ١٤١ هـ - أحداث سنة ١٤٢ هـ فلما تواقفتِ الجيوش على طَبَرِسْتانَ فتحوها ، وحصروا الأصبَهْبَذ حتى ألجؤوهُ إلى قلعتِه ، فصالَحَهم على ما فيها من ذخائر . وكتب المهديُّ إلى أبيه بذلك، ودخل الأصبهبَذُ بلادَ الدَّيْلَم ، فمات هناك، وكسروا أيضاً ملكَ التُّرك الذي يُقال له المَصْمَغان ، وأسَرُوا أُمَماً من الذَّرَارِي ، فهذا فتحُ طَبَرِسْتانَ الأول . وفيها فرغ بناء المصيصة على يَدَيْ جبريلَ بنِ يحيى الخراساني ، وفيها رابَطَ محمدُ بن إبراهيم الإمام ببلادٍ مَلَطْيَةٍ . وفيها عزَلَ المنصورُ زيادَ بن عبيد الله عن إمرةِ الحجاز ، وولَّى المدينةَ محمد بن خالد القَسْري ، وقَدِمَها في رجب . وولَّى مكةَ والطائف الهيثم بن معاوية العَكِّيّ، وفيها تُوفِّي موسى بن كعب ، وهو على شُرْطةِ المنصور ، وعلى مصر مَنْ كان عليها في السنةِ الماضية ، ثم ولَّى مصر محمد بن الأشعث ، ثم عزله عنها وولَّى نَوْفلَ بن الفرات . وحجَّ بالناس فيها صالحُ بنُ علي ، وهو نائبُ قِنَّسْرِينَ وحِمْصَ ودمشق ، وبقيةُ البلاد عليها مَنْ ذكَرْنا في التي قبلَها ، والله أعلم . وفيها تُوِّي : أبانُ بن تَغْلب . وموسى بن عُقْبَة صاحبُ المغازي . وأبو إسحاق الشَّيباني في قول ، والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومئة فيها خلَعَ عُيِّينَةُ بن موسى بنِ كعب نائبُ السِّنْد الخليفة ، فجهَّزَ إليه العساكر صُحبةَ عمرَ بنِ حفص بن أبي صُفْرَة، وولَّاهُ السِّنْدَ والهِنْد، فحاربه عمر بنُ حفص وقهَرَهُ على الأرض، وتسلَّمها منه . وفيها نكَثَ أصبَهْبَذُ طَبَرِسْتَانَ العَهْدَ الذي كان بينَهُ وبين المسلمين ، وقتل طائفةً مِمَّنْ كان بطَبَرِسْتان ، فجهّز إليه الخليفةُ الجيوش صُحبةً خازم بن خُزيمة ، ورَوْح بن حاتم ، ومعهم مَرْزوق أبو الخَصِيب مولى المنصور، فحاصروهُ مُدَّةً طويلة، فلما أعياهُمْ فَتْحُ الحِصْنِ الذي هو فيه احتالوا عليه، وذلك أنَّ أبا الخَصِيب قال : اضرِبُوني واحلِقُوا رأسِي ولِخيتي، فذهب إليه كأنَّهُ مُغاضِبٌ للمسلمين ، قد ضربوه وحَلَقوا لِحْيتَهَ ، فدخل الحِصْنَ ، ففرِحَ به الأَصْبَهْبَذ، وأكرَمَهُ وقرَّبه، وجعل أبو الخَصِيب يُظْهِرُ له النُّصْحَ والخِدْمة حتى خدَعَهُ وحظي عندَه جِدّاً ، وجعله من جُملةٍ مَنْ يتولَّى فتحَ الحِصْنِ وغَلْقَه ، فلمَّا تمكّن من ٣١٠ وفيات سنة ١٤٢ هـ ذلك كاتَبَ المسلمين وأعلَمَهم أنه الليلةَ الفلانية في حرَسِه ، فاقترِبُوا من الباب حتى أفتحَهُ لكم . فلما كانتْ تلك الليلة فتَحَ لهم بابَ الحصن ، فدخلوا فقتلوا مَنْ فيهِ من المقاتلة، وسبّوْا الذُّرِّة ، وامتصَّ الأَصْبَهْبَذُ خاتماً مسموماً فمات . وكان فيمن أَسِروا يومئذٍ أُمُّ منصورٍ بن المهدي ، وأُمُ إبراهيم بن المهدي ، وكانتا من بناتِ الملوك الحِسَان . وفيها بَنَى المنصورُ لأهلِ البَصرِ قبلتَهم التي يُصلُّون عندها بالجَبَّان ، وتولى بناءها سَلَمَةُ بن سعيد بنِ جابر نائبُ الفرات والأُبُلَّة . وصام المنصورُ شهر رمضانَ بالبصرة ، وصلَّى بالناسِ العِيدَ في ذلك المصلَّى . وفيها عزَلَ المنصور نوفلَ بن الفُرَات عن إمْرَةِ مصر، وولَّى عليها حُميدَ بن قَحْطَبة ، وحجَّ بالناسِ فيها إسماعيلُ بن علي . وفيها تُوفي : سليمانُ بن علي بن عبدِ الله بن عباس(١) : عَمُّ الخليفة ، ونائبُ البصرة ، كان ذلك يومَ السبت السبعٍ بَقِينَ من جُمَادَى الآخرة وهو ابنُ تسع وخمسين سنة ، وصلى عليه أخوهُ عبدُ الصمَد ، ورَوَى عن أبيه وعكرمة ، وأبي بُرْدَةَ بنِ أبي موسى . وعنه جماعةٌ منهم بنوهُ جعفر ، ومحمد ، وزينب ، والأصمعي . وكان قد شاب وهو ابنُ عشرين سنة ، وخضب لحيته من الشيب في ذلك السن . وكان كريماً جواداً مُمَذَّحاً ، وكان يُعتِقُ عشيةَ عرفة في كلِّ سنة مئةَ نسمة، وبلغتْ صِلاتُهُ لبني هاشم وسائرٍ قريش والأنصار خمسةَ آلافِ ألف . واطَّلِعَ يوماً من قصره ، فرأى نسوةٌ يَغْزِلْنَ في دارٍ من دورِ البصرة ، فاتفق في نظرِهِ إليهنَّ أَنْ قالَتْ واحدةٌ منهنّ: لو أنَّ الأمير نظَرَ إلينا واطّلع على حالِنا فأغنانا عن الغَزْل . فنهض من فوره ، فجعل يدورُ في قصره ، ويجمَعُ من حُلِيٍّ نسائهِ من الذهبِ والجواهر وغيرِها ما ملأ به مِنْديلاً كبيراً ، ثم دَلَّهُ إليهنَّ ونثَرَ عليهنَّ من الدنانير والدراهم شيئاً كثيراً ، فماتَتْ إحداهنَّ من شدَّةِ الفرَح ، فأعْطَى دِيَتَها ، وما تركَتْهُ من ذلك لورَثَتِها . وقد ولِيَ الحجَّ في أيامِ السفّاح ، ووَلِيَ البصرةَ أيامَ المنصور ، وكان من خِيَارِ بني العباس ، وهو أخو إسماعيل ، وداودَ وصالحٍ وعبدِ الصمد وعبدِ الله وعيسى ومحمد ، وهو عَمُّ السفّاحِ والمنصور . (١) ترجمته في: طبقات ابن سعد(القسم المتمم) ص (٢٤٦)، التاريخ الكبير (٢٥/٤)، الكنى والأسماء لمسلم (٦٩/١)، تهذيب الكمال (٤٤/١٢)، الكاشف (٤٦٢/١)، سير أعلام النبلاء (١٦٢/٦)، تقريب التهذيب ( ٢٥٣) . ٣١١ وفيات سنة ١٤٢ هـ وممن تُوقِّي فيها من الأعيان : خالدٌ الحذَّاء . وعاصمٌ الأحول . وعمرو بن ◌ُبيد القَدَريُّ في قول ، وهو : عمرو بن عُبيد بن باب(١) ويُقال : ابن كيسان التميمي ، مولاهم ، أبو عثمان البصري ، من أبناءِ فارِس ، شيخِ القَدَرِيَّة والمعتزلة . روى الحديث عن الحسن البصري ، وعبيد الله بن أنس ، وأبي قلابة . وعنه الحمَّادان ، وسفيان بن عيينة ، والأعمش - وكان من أقرانه - وعبدُ الوارث بن سعيد ، وهارون بن موسى ، ويحيى القطَّان، ويَزِيد بن زُرَيع . قال الإمام أحمد بن حنبل (٢): ليس بأهلٍ أن يُحدَّث عنه . وقال علي بن المديني ويحيى بن معين : ليس بشيء . وزاد ابنُ مَعِين : وكان رجلَ سَوْء ، وكان من الدَّهْرِيَّة الذين يقولون : إنما الناس مثلُ الزَّزْعُ(٣). وقال الفلاَّس : متروك ، صاحبُ بِدْعَة ، كان يحيى القطَّان يحدِّثنا عنه ثم تركه . وكان ابنُ مهدي لا يحدِّث عنه. وقال أبو حاتم : متروك. وقال النسائي: ليس بثقة . وقال شعبة عن يونس بن عبيد : كان عمرو بن عُبيد يكذِبُ في الحديث . وقال حماد بن سلمة: قال لي حُميد: لا تأخُذْ عنه ، فإنه كان يكذِبُ على الحسَنِ البصري . وكذا قال أيوب وعوف وابنُ عَوْن . وقال أيوب : ما كنتُ أعدُّ لهُ عَقْلاً . وقال مطر الورّاق : والله لا أُصدِّقُه في شيء . وقال ابنُ المبارك: إنما تركوا حديثه لأنه كان يدعو إلى القَدَر . وقد ضغَّفه غيرُ واحدٍ من أئمة الجرح والتعديل ، وأثنى عليه آخرون في عبادته وزُهدِهِ وتقشُّفه . قال الحسن البصري : هذا سيدُ شبابِ القُرَّاء ما لم يُحدِث . قالوا فأحدثَ والله أشدَّ الحدث . وقال ابن حبّار(٤) : كان من أهلِ الورع والعبادةِ إلى أن أحدَثَ ما أحدث، واعتزَلَ مجلسَ الحسَن هو (١) ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٣٥٢/٦)، الضعفاء الصغير له ص (٨٥)، الكنى والأسماء لمسلم (٥٤٧/١)، الضعفاء والمتروكين للنسائي ص (٧٩)، الجرح والتعديل (٢٤٦/٦)، الكامل لابن عدي (٩٦/٥)، الضعفاء للعقيلي (٢٧٧/٣)، الضعفاء لأبي نعيم ص (١١٨)، الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي (٢٢٩/٢)، تهذيب الكمال (١٢٣/٢٢)، المقتنى في سرد الكنى للذهبي (٣٩٠/١)، سير أعلام النبلاء (١٠٤/٦)، ميزان الاعتدال (٣٢٩/٥) لسان الميزان (٣٢٦/٧). (٢) في كتابه بحر الدم ص (٣٢١). (٣) انظر المجروحين لأبي حاتم بن حبان البستي (٢/ ٧٠). (٤) في المجروحين (٦٩/٢). ٣١٢ وفيات سنة ١٤٢ هـ وجماعةٌ معه ، فسُمُّوا المعتزلة ، وكان يشتُمُ الصحابةَ ويكذِبُ في الحديث وَهْماً لا تعَمُّداً . وقد رُوي عنه أنه قال: إنْ كانتْ ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ﴾ [المد: ١] في اللَّوح المحفوظ فما تُعَدُّ منه على ابنِ آدمَ حُجَّهُ(١) . ورُوي له حديثُ ابنِ مسعود : حدثنا الصادق المصدوق (( إنَّ خَلْقَ أحَدِكم يُجمَعُ في بطنِ أُمَّه أربعين يوماً)) حتى قال: ((فيؤمر بأربع كلماتٍ رزقِهِ وأجَلِهِ وعمَلِهِ وشقيٌّ أمْ سعيد (٢) إلى آخره ، فقال : لو سمعتُ الأعمش يرويه لكذَّبتُه ، ولو سمعتُه من زيد بنِ وَهْب لما أحببتُهُ ، ولو سمعتُه من ابنٍ مسعود لما قَبِلْتُهُ، ولو سمعتُه من رسول الله وَِّ لردَدْتُه، ولو سمعتُ الله يقولُ هذا لقلتُ ما على هذا أخذتَ علينا الميثاق . وهذا أقبحُ من الكفر ، لعنه الله إنْ كان قال هذا، وإذا كان مكذوباً عليه فعلى مَنْ كَذَبَهُ عليه ما يستحقُّه . وقد قال عبدُ الله بن المبارك رحمه الله : إيتِ حَمَّادَ بنَ زَيْد أيها الطالبُ علماً ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدِ فخُذِ العلمَ بِحِلْمٍ ثارِ عَمْرٍو بن عُيَيْدِ(٤) وذَرٍ(٣) البِدْعَةَ مِنْ أَ وقال ابنُ عديٌ(٥) : كان عمرٌو يغُّ الناس بتقَتُِّهِ، وهو مذمومٌ ضعيفُ الحديثِ جدّاً، مُعْلِنٌ بالبِدَع . وقال الدارَقُطْني: ضعيف الحديث. وقال الخطيب البغدادي(٦) : جالس الحسن واشتهرَ بصُحْبَتِه ، ثم أزالَهُ واصلُ بنُ عطاء عن مذهبِ أهلِ السُّنَّة، وقال بالقَدَر ودَعَا إليه ، واعتزَلَ أصحابَ الحديث ، وكان له سمت (٧) وإظهار زُهْد . (١) المصدر السابق . (٢) أخرجه البخاري (٢٧١٣/٦) (٧٠١٦) باب ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، وأحمد في مسنده (٣٨٢/١)، وابن ماجه في سننه (٢٩/١) (٧٦) في باب: في القدر. في (ح): ((واردد البدعة))، والمثبت من (ب) ومصادر التخريج. (٣) الأبيات الثلاثة في الكامل لابن عدي ( ١٠٠/٥)، وحلية الأولياء (٢٥٨/٦) ورواية البيت الثالث فيه : (٤) وكعمرو بن عُبيدٍ لاكثور وكجهم والأول والثاني في التاريخ الكبير للبخاري (٢٥/٣)، والجرح والتعديل (١٧٩/١)، والمعجم الأوسط (٣٨٠/٣) (٣٤٥٥) وتاريخ بغداد (٢٩/٦). في كتابه الكامل في ضعفاء الرجال (١١٠/٥). (٥) في تاريخ بغداد ( ١٦٦/١٢ ). (٦) في تاريخ بغداد (( سمعة)). (٧) ٣١٣ أحداث سنة ١٤٣ هـ وقد قيل : إنه وواصل بن عطاء ولدا سنة ثمانين. وحكى البخاري(١) أن عَمْراً مات سنة ثنتين أو ثلاثٍ وأربعين ومئة بطريق مكة . وقد كان عمرو مَحْظِيّاً عند أبي جعفر المنصور ، كان المنصورُ يُحبُّه ويعظّمه لأنه كان يَفِدُ على المنصور مع القرَّاء فيعطيهم المنصور فيأخذون ، ولا يأخذُ عمرٌو منه شيئاً، وكان يسألُهُ أنْ يقبلَ كما يقبَلُ أصحابهُ فلا يقبَلُ منه ، فكان ذلك مما يغُرُّ المنصور ويروج به عليه حالُهُ ، لأنَّ المنصورَ كان بخيلاً ، وكان يعجبه ذلك منه ويُنشد : كلُّكمْ يَمْشِي رُونِدْ كلُّكُمْ يَطلُبُ صَيْدْ غيرَ عمرٍو بنِ عُبَيْدُ(٢) ولو تبصَّرَ المنصور لعلم أنَّ كلَّ واحدٍ من أولئك القراء خيرٌ من مِلْءِ الأرض مثل عمرو بن عبيد ، والزُّهد لا يدلُّ على صلاح، فإنَّ بعضَ الرُّهبان قد يكونُ عنده من الزُّهد ما لا يُطِيقُهُ عمرو . ولا كثيرٌ من المسلمين في زمانه . وقد روَيْنا عن إسماعيل بن خالد القَعْنَي ، قال : رأيتُ الحسنَ بن جعفر في المنام بعدما مات بعَبَّادان فقال لي : أيوب ويونس وابن عَوْن في الجنة . قلتُ : فعمرو بن عُبيد ؟ قال : في النار . ثم رآه مرَّةً ثانية - ويُروى ثالثة - فيسأله فيقول له مثلَ ذلك ، وقد رُئيت له مناماتٌ قَبِيحة ، وقد أطال شيخُنا في تهذيبه في ترجمَتِهِ(٣) ولَخَّصنا حاصلَها في كتاب ((التكميل)) وإنما أشَرْنا هاهنا إلى تُبْذَةٍ من حالِهِ لِيُعرَف فلا يُغْتَرّ به. والله أعلم . ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومئة فيها ندب المنصورُ الناسَ إلى غَزْوِ الدَّيْلَم لأنَّهم قتلوا من المسلمين خلقاً ، وأمر أهلَ الكوفة والبصرة مَنْ كان منهم يقدِرُ على عشرةِ آلافٍ فصاعداً فَلْيَذْهَبْ مع الجيش إلى الدَّيْلَم ، فانتدب خلقٌ كثير ، وجَمِّ غَفِيرٌ لذلك . وحجَّ بالناس فيها عيسى بن موسى نائبُ الكوفة وأعمالِها . (١) في التاريخ الكبير (٣٥٢/٦). (٢) ذكر الأبيات الخطيب في تاريخ بغداد (١٦٨/١٢)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (١٠٥/٦). (٣) انظر تهذيب الكمال (١٣٣/٢٢). ٣١٤ وفيات سنة ١٤٣ هـ - أحداث سنة ١٤٤ هـ وفيها تُوقِّي : حجَّاجُ الصواف . وحُميد بن زاذويه الطويل . وسليمان بن طرخان التميمي - وقد ذكرناهُ في التي قبلَها - وعمرو بن عُبيد في قول . وليث بن أبي سُليم على الصحيح ، ويحيى بن سعيد الأنصاري . ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومئة فيها سار محمد بن أبي العباس السفّاح عن أمرٍ عمِّه المنصور إلى بلاد الدَّيلم ، ومعه الجيوشُ من الكوفة والبصرةِ وواسط والموصل والجزيرة . وفيها قدم محمد بن جعفر المنصور المهدي على أبيه من بلادِ خُراسان ، ودخل بابنةِ عَمِّهِ رائطة بنتِ السفّاح بالحِيرَة . وفيها حَجَّ بالناس أبو جعفر المنصور ، واستخلف على الحِيرة والعسكر خازمَ بن خُزيمة ، وولَّى رباح بن عثمان الْمُرِّي المدينة ، وعزَلَ عنها محمدَ بن خالد القَسْري ، وتلقَّى الناسُ أبا جعفر المنصور إلى أثناء طريقِ مكة في حَجِّهِ في سنة أربعٍ وأربعين ومئة ؛ وكان من جُملة من تلقَّاه عبدُ الله بن حسن بن حسن بن عليٍّ بن أبي طالب ، فأجلسه المنصورُ معه على السِّمَاط ، ثم جعل يُحادثهُ بإقبالٍ زائد ، بحيثُ إنَّ المنصور اشتغلَ بذلك عن عامَّةٍ غَدَائِه ، وسأله عن ابنَّهِ إبراهيم ومحمد : لِمَ لا جااني مع الناس ؟ فحلَفَ عبدُ الله بن حسن أنه لا يدري أين صارا من أرض الله ؟ وصدق في ذلك ، وما ذاك إلا أن محمد بن عبد الله بن حسن كان قد بايَعَهُ جماعةٌ من أهلِ الحجاز في أواخرِ دولةٍ مروانَ الحمار بالخلافةِ وخَلْعِ مروان ، وكان في جُمْلة منْ بايَعَهُ على ذلك أبو جعفر المنصور ، وذلك قبلَ تحويلِ الدولةِ إلى بني العباس ، فلما صارتِ الخلافةُ إلى أبي جعفر المنصور خاف محمدُ بن عبدِ الله بن الحسن وأخوه إبراهيم منهُ خوفاً شديداً ؛ وذلك لأنَّ المنصور توهَّمَ منهما أنهما لا بدَّ أنْ يخرجا عليه كما أرادا أنْ يخرُجا على مروان ؛ والذي توَهَّم منه المنصورُ وقع فيه ؛ فذهبا هرَباً في البلاد الشاسعة ، فصارا إلى اليمن ثم سارا إلى الهند فاختفيا بها ، فدلَّ على مكانِهما الحسنُ بن زيد ، فهرَبًا إلى موضع آخر ، فاستدلَّ عليهِ الحسنُ بن زيد ودَلَّ عليهما ، وانتصَبَ إلْباً عليهما عندَ المنصور ؛ والعجب منه أنه من أتباعِهما ! واجتهد المنصورُ بكل ٣١٥ أحداث سنة ١٤٤ هـ طريقٍ على تحصيلِهما فلم يَتَّفِقْ له ذلك وإلى الآن ؛ فلما سأل أباهما عنهما حلَفَ أنه لا يَدْري أين صارا من أرضِ الله ، ثم ألَعَ المنصورُ على عبدِ الله في طلَبٍ ولدَيْهِ ، فغضب عبدُ الله من ذلك وقال : والله لو كانا تحتَ قدمي ما دلَلْتُكَ عليهما. فغضب المنصورُ وأمر بسَجْنِهِ ، وأمَرَ ببيع رقيقِهِ وأموالِه ، فلبث في السجنِ ثلاثَ سنين ، وأشاروا على المنصور بحَبْس بني حسن عن آخرِهم ، فحبسهم وجدَّ في طلب إبراهيمَ ومحمدٍ جدّاً ، هذا وهما يحضرانِ الحجَّ في غالب السنين ، ويَكْمُنانِ في المدينةِ في غالبِ الأوقات ولا يَشْعُرُ بهما من يَنِمُّ عليهما ولله الحمد ؛ والمنصور يعزلُ نائباً عن المدينة ويُوَلِّي عليها غيرَه، ويُحرِّضُهُ على إمساكهما والفَحْصِ عنهما ، وبَذْلِ الأموالِ في طلَبِهما ، وتُعْجزُهُ المقاديرُ عنهما لمَا يُرِيدُهُ اللهُ عزَّ وجلَّ . وقد واطأهما على أمرِهما أميرٌ من أمراءِ المنصور يُقالُ له أبو العساكر خالدُ بن حسان ، فعزموا في بعضِ الحجَّاتِ على الفتكِ بالمنصور بين الصَّفَا والمَرْوَة ، فنهاهُمْ عبدُ الله بن حسن لِشَرَفِ البُقْعة ، وقد اطَّلَعَ المنصورُ على ذلك ، وعلم بما مالأهما ذلك الأمير ، فعذَّبه حتى أقرَّ بما كانوا تمالؤوا عليه من الفَتْكِ به ، فقال : وما الذي صرَفَكُمْ عن ذلك؟ فقال : عبدُ الله بن حسن نهانا عن ذلك، فأمر به الخليفةُ فغُيِّبَ في الأرض ، فلم يَظْهَر حتى الآن . وقد استشار المنصور منْ يَعْلَم من أمرائِهِ ووزرائه من ذوي الرأي في أمرٍ ابني عبدِ الله بن حسن ؛ وبعث الجواسيس والقُصَّادَ في البلاد ، فلم يقَعْ لَهُما على خبر ، ولا ظهر لهما على عَيْنٍ ولا أثر، ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [ يوسف: ٢١]، وقد جاء محمدُ بن عبد الله بن حسن إلى أمِّه فقال : يا أُمَّه ، إني قد شَفِقْتُ على أبي وعُمومتي، ولقد هممتُ أن أضعَ يدي في يد هؤلاء لأريحَ أهلي ، فذهبَتْ أمُّه إلى السجن ، فعرضَتْ عليهم ما قال ابنُها ، فقالوا : لا ولا كرامة ، بل نصبِرُ على أمرِهِ ، فلعلَّ الله يفتَحُ على يديه خيراً ، ونحن نصِرُ وفرَجُنا بيدِ الله ، إنْ شاء فرَّجَ عنَّا وإنْ شاء ضيَّق وتمالؤوا كلُّهم على ذلك رحمهم الله . وفيها نُقُل آلُ حسنٍ من حَبْسِ المدينة إلى حَبْسٍ بالعراق وفي أرجُلِهِمُ القيود ، وفي أعناقهم الأغلال ، وكان ابتداءُ تقييدِهم من الرَّبَذَة بأمرِ أبي جعفر المنصور ، وقد أشخَصَ معهم محمدَ بنَ عبدِ الله العثماني - وكان أخا عبدِ الله بن حسن لأمِّه - وكانتِ ابنتُه تحتَ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بن حسن ، وقد حملَتْ قريباً ، فاستحضرَهُ الخليفةُ وقال : قد حلفتَ بالعتاقِ والطلاق إنك لم تغشَّني وهذه ابنتُك حامل ، فإنْ كان من زوجِها فقد حَبِلَتْ منهُ وأنتَ تعلمُ به ، وإنْ كان من غيرِه فأنتَ ديُّوث . فأجابه العثمانيُّ بجوابٍ أحفَظَهُ به ، فأمر به فجُرِّدتْ عنه ثيابُه، فإذا جسمُهُ مثلُ الفضَّةِ النقيَّة ثم ضرَبَهُ بين يديهِ مئةً وخمسين سَوْطاً ، منها ثلاثونَ فوق رأسِه أصابَ أحدُها عينَهُ فسالَتْ، ثم ردَّهُ إلى السجن ، وقد بقيَ كأنه عبدٌ أسود من زُرْقَةِ الضَّرْبِ وتراكُم الدِّماءِ فوقَ جِلْدِه ، فأُجلس إلى جانبِ أخيهِ لأُمِّه عبدِ الله بن حسن ، فاستسقى ماءً ، فما جَسَرَ أحدٌ أنْ يَسْقَهُ حتى سقاهُ خُراسانيٌّ من جملةِ الجلاوزة الموّلين بهم . ثم ركب المنصورُ هوْدَجَهُ وأركبوا أولئك في مَحَامِلَ ضيِّقة وعليهمُ القيودُ والأغلال ، فاجتاز بهم ٣١٦ وفيات سنة ١٤٤ هـ المنصورُ وهو في هَوْدَجه ، فناداهُ عبدُ الله بن حسن : والله يا أبا جعفر ما هكذا صنَعْنا بأسراكُمْ يومَ بَدْر ! فأخسأ ذلك المنصور ، وثَقُلَ عليه ، ونفرَ عنهم . ولما انتهَوْا إلى العراق حُبسوا بالهاشمية . وكان فيهم محمدُ بن إبراهيم بن عبدِ الله بن حسن ، وكان جميلاً فتيّاً ، فكان الناس يذهبون لينظروا إلى حُسنِهِ وجَمَالِه ، وكان يُقال له الدِّيباج الأصفر، فأحضرَهُ المنصورُ بين يديه وقال له : أما لأقتلَنَّكَ قتلةً ما قتلتُها أحداً . ثم ألقاهُ بين أسْطُوانتَيْن، وسدَّ عليه حتى مات . فعلى المنصورِ ما يَسْتَحِقُّهُ من عذابِ اللهِ ولعنتِه . وقد هَلَك كثيرٌ منهم في السجن ، حتى فرِّجَ عنهم بعدَ هلاكِ المنصور على ما سنذكُرُه . فكان فيمن هلَكَ في السجن عبدُ الله بن حسن بن حسن بن عليٍّ بن أبي طالب ؛ وقد قيل: والأظهَرُ أنَّهُ قُتل صبراً ، وأخوهُ إبراهيمُ بن الحسن وغيرُهما ؛ وقلَّ منْ خرَجَ منهم من الحَبْس ؛ وقد جعلَهُمُ المنصورُ في سجنٍ لا يسمعون فيه أذاناً ولا يعرفون فيه وقتَ صلاةٍ إلَّ بالتَّلاوة. ثم بعث أهلُ خراسانَ يَشفعونَ في محمدِ بنِ عبدِ الله العثماني ، فأمر به فضُربَتْ عُنقُه، وأرسل برأسِهِ إلى أهلِ خُراسان - لا جزاه الله خيراً - ورحم الله محمد بن عبدِ الله العثماني ، وهو : محمد بن عبدِ الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي (١) رحمه الله، أبو عبدِ الله المدني المعروف بالدِّيباج لِحُسْنِ وجههِ ، وأُّهُ فاطمةُ بنت الحسين بن علي . رَوَى الحديثَ عن أبيه وأُمِّه، وخارجةً بن زيد ، وطاوس ، وأبي الزّناد، والزُّهْري، ونافع، وغيرِهم. وحدَّث عنه جماعة، ووثَّقَهُ النَّسائي وابنُ حبَّان . وكان أخا عبدِ الله بنِ حسن لأمّه. وكانتِ ابنتُهُ رُقيّة زوجةَ ابنِ أخيه إبراهيم بن عبدِ الله ، وكانتْ من أحسنِ النساء ، وبِسَبِيِها قَتَلُهُ أبو جعفر المنصور في هذه السنة ، وكان كَرِيماً جَوَاداً مُمَدَّحاً. قال الزُّبير بن بَكَّار : أنشَدَني سليمانُ بن عباس السَّعدي لأبي وَجْزَةَ السَّعْدي يَمْدَحُه : فَتَّى بين الخليفةِ والرسولِ وجدْنا الْمَحْضَ الَابيضِ من قريشٍ وكنتَ له بِمُعْتَلِجِ السُُّولِ أتاك المجدُ من هذا وهذا(٢) وما للمجدِ دونك منْ مَقيلٍ فما للمجد دونك منْ مَبيتٍ ولا هو قابلٌ بكَ منْ بَدِيلٍ (٣ ولا يمضي وراءك يبتغيهِ (١) ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (١٣٨/١)، التاريخ الصغير له (٨١/٢)، معرفة الثقات للعجلي (٢٤٢/٢)، الثقات لابن حبان (٧/ ٤١٧)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٢١٨/٦)، تاريخ بغداد (٣٨٥/٥)، تهذيب الكمال (٥١٦/٢٥)، المقتنى في سرد الكنى للذهبي (٣٥٥/١)، لسان الميزان (٣٦٤/٧)، نزهة الألباب في الألقاب ص (٢٦٩، ٢٧٠)، التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة للسخاوي (٤٩٨/٢). (٢) في (ب): ((من هنا وهنا)). وكذا في مصادر التخريج. والمثبت من (ح). (٣) الأبيات في تاريخ بغداد (٣٨٧/٥)، وتهذيب الكمال (٥٢١/٢٥)، والبيت الأول منها في التحفة اللطيفة (٤٩٨/٢ ) . ٣١٧ أحداث سنة ١٤٥ هـ ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومئة فمما كان فيها من الأحداث مَخْرَجُ محمدِ بن عبدِ الله بن حسن بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة على ما سَنُبيِّنُهُ إنْ شاء الله . أمَّا محمد فإنه خرج على أثَرِ ذهابٍ أبي جعفر المنصور بأهلِهِ بني حَسَن من المدينة إلى العراق على الصفةِ والنعتِ الذي تقدَّم ذكرُه ، وسجَنَهم في مكانٍ ساء مُستقرّاً ومُقاماً ، لا يسمعون فيه أذاناً ، ولا يعرفون فيه دخولَ أوقاتٍ صلوات إلَّا بالأذكار والتلاوة ؛ وقد مات أكثرُ أكابرِهم هنالك رحمهم الله . هذا كلُّه ومحمد الذي يطلبه مُختفٍ بالمدينة ، حتى إنه في بعض الأحيان اختفى في بئرٍ نزل في مائه كلِّه إلا رأسَه وباقيه مغمور بالماء ، وقد تواعد هو وأخوه وقتاً معيَّناً يظهران فيه هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة ، ولم يزَلِ الناسُ - أهلُ المدينة وغيرُهم - يؤنِّبون محمد بن عبدِ الله في اختفائه وعدَم ظهوره ، حتى عزم على الخروج ، وذلك لما أضرّ به شدَّةُ الاختفاء ، وكثرةُ إلحاحٍ رَبَاحِ نائبِ المدينة في طلبه ليلاً ونهاراً ؛ فلمَّا اشتدَّ به الأمرُ وضاق الحالُ واعَدَ أصحابَهُ على الظهورِ في الليلةِ الفلانية ، فلما كانتْ تلكَ الليلة جاء بعضُ الوشاة إلى متولِّي المدينة ، فأعلَمَهُ بذلك فضاقَ ذَرْعاً، وانزعج لذلك انزعاجاً شديداً ، وركب في جَحَافِلِهِ ، فطاف المدينةَ وحولَ دارٍ مروان، وهم مجتمعون بها ، فلم يُشْعَرْ بهم ، فلما رجَعَ إلى مَنْزِلِهِ بعث إلى بني حُسين بن علي فجمعهم ومعهم رؤوسٌ من ساداتِ قريش وغيرِهم، فوعَظَهُمْ وأنَّهم وقال : يا معشرَ أهلِ المدينة ، أميرُ المؤمنين يتطلَّبُ هذا الرجلَ في المشارقِ والمغارب ، وهو بين أظهركم !؟ ثم ما كفاكم حتى بايَعْتُموه على السمع والطاعة ! والله لا يبلُغني عن أحدٍ منكم خرَجَ معه إلَّ ضربتُ عُنقَه . فأنكر الذين هُمْ هنالكَ حاضرون أنَّ يكونَ عندَهم علمٌ أو شعورٌ بشيءٍ من هذا وقالوا : نحن نأتيك برجالٍ مُسَلَّحين يُقاتلون دونَكَ إنْ وَقَعَ شيءٌ من ذلك . فنهضوا، فجاؤوه بجماعةٍ مسلّحين ، فاستأذنوه في دخولهم عليه ، فقال : لا إذنَ لهم ، إني أخشى أنْ يكونَ ذلك خديعة . فجلس أولئك على الباب ، ومكث الناسُ جلوساً حولَ الأمير وهو واجمٌ لا يتكلَّمُ إلَّ قليلاً ؛ حتى ذهبتْ طائفةٌ من الليل ، ثم ما نُجىء الناسُ إلَّ وأصحابُ محمد بن عبدِ الله قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير ، فانزعج الناسُ في جوف الليل ، وأشارَ بعضُ الناسِ على الأمير أنْ يضربَ أعناقَ بني حُسين . فقال أحدهم : علامَ ونحن مُقِرُونَ بالطاعة ؟! واشتغل الأميرُ عنهم بما فجأهُ من الأمر ، فاغتنموا الغفلةَ ونَهضوا سِراعاً، فتسوَّروا جدارَ الدار ، وألقَوْا أنفسَهُمْ على كُنَاسةٍ هنالك ؛ وأقبلَ محمدُ بن عبدِ الله بن حسن في مئتين وخمسين ، فمرَّ بالسِّجنِ فأخرج منْ فيه ، وجاء دارَ الإمارة فحاصرَها فافتتحها ، ومسك الأميرَ رَبَاحَ بنَ عثمان نائبَ المدينة ، فسجنه في دارٍ مروان ، وسجن معه ابن مُسلم بن عُقْبة ، وهو الذي أشار بقتلٍ بني حُسين في أولِ هذه الليلة ، فنجَوْا وأُحيط به . وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ، ودانَ له أهلُها ، فصلَّى بالناسِ ٣١٨ أحداث سنة ١٤٥ هـ الصُّبح، وقرأ فيها سورةَ ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وأسفرَتْ هذه الليلة عن مُستهلِّ رجل من هذه السنة ، وقد خطَبَ محمدُ بن عبد الله أهلَ المدينة في هذا اليوم ، فتكلَّم في بني العباس ، وذكر عنهم أشياءَ ذَقَّهُمْ بها ، وأخبرَهم أنه لم ينْزِلْ بلداً من البلدان ، إلَّا وقد بايعوه على السمع والطاعة ، فبايعه أهلُ المدينةِ كلُّهم إلَّ القليل . وقد روى ابنُ جرير(١) عن الإمام مالك ، أنه أفتَى الناسَ بمبايعته ؛ فقيل له : فإن في أعناقنا بيعةً للمنصور . فقال: إنما كنتمْ مُكْرَهين، وليس لِمُكْرَهِ بَيْعة. فبايعَهُ الناسُ عندَ ذلك عن قولِ مالك . ولزِمَ مالكٌ بيتَه . وقد قال له إسماعيل بنُ عبدِ الله بن جعفر حين دعاه إلى بيعتِه : يا ابنَ أخي ، إنك مقتول . فارتدَعَ بعضُ الناسِ عنه ، واستمرَّ جُمهورهُم معه . فاستنابَ عليهم عثمانَ بنَ محمد بن خالد بن الزبير ، وعلى قضائها عبدَ العزيزِ بن المطلب بن عبدِ الله المخزومي ، وعلى شُرْطتها عثمانَ بن عبدِ الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبدَ الله بن جعفر بن عبدِ الله بن مِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ ، وتلقَّبَ بالْمَهْدِيِّ طمعاً في أن يكونَ المذكورَ في الأحاديث التي سنوردُها في كتاب (( الفتن والملاحم)) فلم يكنْ إياه ، ولا تمَّ له ما رَجَاه، ولا ما تمنَّاه ، فإنَّا لله . وقد ارتحل بعضُ أهلِ المدينةِ عنها ليلةَ دخَلَها ؛ فطوَى المراحلَ البعيدةَ إلى المنصور في سبع ليالٍ فورَدَ عليه ، فوجَدَهُ نائماً في الليل ، فقال للربيع الحاجب : استأذنْ على الخليفة . فقال : إنه لا يُوقظُ في هذه الساعة . فقال: إنه لا بُدَّ من ذلك . فأخبرَ الخليفةَ فخرج ، فقال : ويحك ! ما وراءك . فقال : إنه خرج ابنُ حسن بالمدينة ، فلم يُظهرِ المنصورُ لذلك اكتراثاً وانزعاجاً ، بل قال : أنتَ رأيتَه؟ قال : نعم . فقال: هَلَك واللهِ وأهلَكَ منِ اتَّبَعَه. ثم أمرَ بالرجلِ فسُجن، ثم جاءتٍ الأخبارُ بذلك فتواترتْ ، فأطلقهُ المنصور، وأطلَقَ لهُ عن كلِّ ليلةٍ ألفَ دِرْهم ، فأعطاهُ سبعةَ آلافِ درهم . ولما تحقَّقَ المنصورُ الأمرَ من خروجِه ضاقَ ذَرْعاً، فقال له بعضُ المنجِّمين : يا أمير المؤمنين ، لا عليكَ منه ، فوالله لو ملَكَ الأرضَ بِحَذَافيرِها فإنه لا يُقيم أكثرَ من سبعين يوماً . ثم أمر المنصورُ جميعَ رؤوس الأمراء أنْ يذهبوا إلى السجن ، فيجتمعوا بعبدِ الله بن حسن والدِ محمد فُيُخبروه بما وَقَعَ من خروجٍ ولدِهِ ، ويسمعوا ما يقولُ لهم . فلمَّا دخلوا عليه أخبروه بذلك، فقال: ما ترونَ ابنَ سلامة فاعلاً - يعنيَ المنصور - فقالوا : لا ندري. فقال : والله لقد قَتَلَ صاحبَكُمُ الْبُخل، ينبغي له أنْ يُنفقَ الأموال، ويستخدم الرجال ، فإنْ ظهر فاسترجاعُ ما أنفقَ سَهْل ، وإلّا لم يكن لصاحبكم شيءٌ في الخزائن ، وكان ما خَزَنَ لغيرِه . فرجعوا إلى الخليفةِ فأخبروه بذلك، وأشارِ الناس على الخليفة بمناجَزَتِهِ ؛ فاستدعَى عيسى بن موسى فنَدَبه إلى ذلك ثم قال: إني سأكتُبُ إليه كتاباً أُنْذِرُهُ بهِ قبلَ قتالِهِ . فكتب إليه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبدِ الله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله، ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ (١) يعني الطبري في تاريخه (٤/ ٤٢٧). ٣١٩ أحداث سنة ١٤٥ هـ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا﴾، الآية إلى قوله: ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٣ - ٣٤]. ثم قال: فَلَكَ عَهْدُ اللهِ وميثاقُه، وذِمَّتُهُ وذِمَّةُ رسولِه، إنْ أنتَ رجعتَ إلى الطاعة لأؤمِّنكَ ومَنِ أَبَعَك، ولأعطينَّكَ ألفَ ألفِ دِرْهم، ولأدَعنَّكَ في أحبِّ البلادِ إليك، ولأقضيَنَّ لك جميعَ حوائجكَ ... في كلامٍ طويل . فکتب إلیه محمدٌ جوابَ کتابه : ج ◌ِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ من عبدِ الله المهدي محمد بن حسن ، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ طسّم ٢ تَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن ◌َّبَلٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِآلْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَايِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِىء نِسَآءَ هُمْ إِنَُّ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٥) وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ﴾ [ القصص: ١ - ٥]. ثم قال: وإني أعرضُ عليكَ من الأمانِ ما عرضتَ عليّ ، فأنا أحقُّ بهذا الأمرِ منكم ، وأنتم إنما وصلتُمْ إليه بِنَا ، فإنَّ عليّاً كان الوَصِيَّ وكان الإمام ، فكيف وَرِثْتُمْ ولايَتَهُ وولَدُهُ أحياء، ونحن أشرَفُ أهلِ الأرض نسَباً ، فرسولُ الله خيرُ الناس ، وهو جدُّنا، وجدَّتُنا خديجةُ، وهي أفضلُ زوجاتِهِ ، وفاطمةُ ابنتُهُ أُمُنا ، وهي أكرمُ بناتِهِ ، وإنَّ هاشماً وَلَدَ عليّاً مَرَّتَيْن ، وإنَّ حَسَناً وَلَدَهُ عبدُ المطلب مرَّتَيْنِ، وهو وأَخوه سيِّدًا شبابِ أهلِ الجنة، وإنَّ رسولَ اللهِّهِ وَلَدني مرَّتَيْن ، [ منْ قِبَلِ حسن وحسين ] وإني أوسطُ بني هاشمٍ نسباً، [وأصرَحُهم أباً، لم تُعرقْ فيَّ العَجَم، ولم تنازعْ فيَّ أمهاتُ الأولاد }١) . فأنا ابنُ أرفعِ الناس درجةً في الجنة ، وأخفِّهم عذاباً في النار ، فأنا أولى بالأمر منك ، وأولى بالعهد ، وأوفى به منك، فإنك تُعطِي العَهْدَ ثم تَنْكُثُ ولا تَفِي، كما فعلتَ بابنِ هُبيرة ، فإنَّك أعطَيْتَهُ العهدَ ثم غدَرْتَ به ؛ ولا أشدُّ عذاباً من إمام غادِر ، وكذلك فعلتَ بعمِّك عبدِ الله بن علي ، وأبي مسلم الخراساني ؛ ولو أعلم أنك تصدُق لأجبتُكَ لَمَا دعوتني إليه ، ولكنَّ الوفاءَ بالعهدِ من مثلِكَ لِمِثلي بعيد . والسلام . فكتب إليه أبو جعفر جوابَ ذلك في كتابٍ طويل ، حاصلُه : أمَّا بعد ، فقد قرأتُ كتابَك ، فإذا جُلُّ فَخْرِكَ وإذلالِكَ قرابةُ النساء ، لِتُضِلَّ به الجُفَاةَ والغَوْغاء ، ولم يجعلِ الله النساءَ كالعمومةِ والآباء ، لا كالعُصوبةُ(٢) والأولياء، وقد أنزل الله: ﴿ وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ وكان حينئذٍ لَهُ (١) ما بين معقوفين من تاريخ الطبري (٤/ ٤٣١). (٢) في (ب): ((كالعصبية)) وفي تاريخ الطبري: ((كالعَصَبَة)) والمثبت من (ب، ح)، والعَصَبةُ: قرابةُ الرجل لأبيه وكأنَّه جمعُ عاصب ، وإن لم نسمع به ، من عَصَبُوا به : إذا أحاطوا حوله، ثم سُمِّي به الواحدُ والجمعُ والمذكَّر والمؤنَّث للغَلَبة وقالوا في مصدرها : العُصُوبة . والذكر يُعَصِّبُ الأنثى، أيْ يجعلها عَصَبة . المغرب ( عصب ) (٦٤/٢ ) . ٣٢٠ أحداث سنة ١٤٥ هـ أربعةُ أعمام ، فاستجاب له اثنان ، أحدُهُما جَدُّنا ، وكفر اثنان ، أحدُهما أبوك - يعني جدَّهُ أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه، ولم يجعلْ بينهما إلَّ ولا ذِمَّة، وقد أنزل الله في عدم إسلام أبي طالب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [ القصص: ٥٦]؛ وقد فَخَرْتَ به وأنَّهُ أَخَفتُ أهلِ النار عذاباً ، وليس في الشرِّ خِيَار، ولا ينبغي لمؤمنٍ أنْ يفخرَ بأهلِ النار ؛ وفخرتَ بأنَّ علياً ولَدَهُ هاشمٌ مرَّتَيْن، وأنَّ حسناً ولَدَهُ عبدُ المطلب مرَّتين، فهذا رسولُ الله ◌َّهِ إنما ولَدَهُ عبدُ الله مرةً واحدة ؛ وقولُكَ إنَّكَ لم تِلِدْكَ أمهاتُ أولاد ؛ فهذا إبراهيمُ ابنُ الرسول ◌َِّ من مارية، وهو خيرٌ منك، وعليُّ بن الحسن منْ أُمَّ وَلَد ، وهو خيرٌ منك ، وكذلك ابنُه محمد بن علي ، وابنُهُ جعفر بن محمد جَدَّاتُهما أمهاتُ أولاد ، وهما خيرٌ منك، وأما قولُكَ بنو الرسولِ فقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؛ وقد جاءتِ السنَّةُ التي لا خلافَ فيها بين المسلمين أنَّ الجَدَّ أبا الأمّ والخال والخالة لا يُورَّثون ، ولم يكنْ لفاطمةَ مِيراثٌ من رسولِ اللهِ وَّهِ بِنَصِّ الحديث، وقد مَرض رسولُ اللهِ وَّهِ وأبوك حاضر، فلم يأمُرُهُ بالصلاةِ بالناس ، بل أمَرَ غيرَه ؛ ولمَّا تُوفي لم يَعْدِلِ الناسُ بأبي بكرٍ وعُمرَ أحداً ، ثم قدَّموا عليه عثمانَ في الشُّورى والخلافة ؛ ثم لما قُتل عثمان اتَّهمَهُ بعضُهم به ، وقاتله طلحةُ والزُّبير على ذلك وامتنع سعدٌ من مبايعته ، ثم بعد ذلك معاوية ، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال ، ثم اتفق على التحكيم فلم يَفِ به ، ثم صارت إلى الحسن فباعَها بِخِرَقٍ ودراهم ، وأقام بالحجاز مالًا من غيرِ حِلَّه، وسلَّم الأمرَ إلى غيرِ أهله ، وترك شيعَتَهُ في أيدي بني أميةَ ومعاوية . فإنْ كانتْ لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنِها ؛ ثم خرج عُّكَ حُسينٌ على ابن مَرْجانة ، وكان الناسُ معهُ عليه ، حتى قتلوه وأتَوْا برأسِهِ إليه ، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جُذوع النخل ، وحرقوكم بالنار ، وحملوا نساءكم على الإبل كالسبايا إلى الشام ، حتى خرَجْنا عليهم نحن ، فأخَذْنا بثأركم وأدْرَكْنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارَهم ، وذكَرْنا فضلَ سَلَفْكمْ، فجعلتَ ذلك حُجَّةً علينا، وظننتَ أنَّا إنَّما ذَكَرْنا فَضْلَهُ على أمثالِه ، على حمزةَ والعباس وجعفر ، وليس الأمر كما زعمت ، فإنَّ هؤلاء مضوا ولم يدخلوا الفِتَن ، وسَلِموا من الدنيا ، فلم تنقضهم شيئاً ، فاستوفوا ثوابَهم كاملاً ، وابتُليَ بذلك أبوك، وكانتْ بنو أمية تَلْعنُهُ كما تلعنُ الكفرةَ في الصلواتِ المكتوبات ، فأحيينا ذكرَه ، وذكَرْنا فضلَه، وعنَّفْناهم بما نالوا منه. وقد علمتَ أنَّ مَكْرُمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الأعظم، وخدمةِ زَمْزَم، وحَكَمَ رسولُ الله وَِّ لنا بها ، ولما قُحط الناس زمنَ عمر استَسْقى بأبينا العباس ، وتوسّل به إلى ربِّه، وأبوكَ حاضِر، وقد علمتَ أنه لم يبقَ أحدٌ من بني عبد المطلب بعد رسولِ اللهِ وَّةٍ إلا العباس، فالسقايةُ سقايتُه، والوراثةُ وِرَاثَتُه، والخلافةُ في وَلَدِه ، فلم يبق شرَفٌ في الجاهلية والإسلام (١) إلا والعباس وارِثُهُ ومُوَرِّثه. في كلام طويل، فيه بحثٌ ومناظرةٌ وفصاحة ، وقد استقصاهُ ابنُ جرير بطولِه ، والله سبحانه أعلم . (١) في (ب، ح): ((في الدنيا والآخرة))، والمثبت من ( ق ) وتاريخ الطبري .