Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
وفيات سنة ١٣٢ هـ
واليمامة ، وعزلَهُ عن الكوفة ، وولَّى مكانَهُ عليها عيسى بن موسى، وولَّى قضاءَها ابنَ أبي ليلى ، وكان
على نيابةِ البصرة سفيانُ بن معاوية المهلَّبي ، وكان على قضائها الحجّاج بن أرطاة، وعلى السِّنْد
منصور بن جُمهور ، وعلى فارس محمد بن الأشعث ، وعلى أرميِنِيَّةَ وأذْرَبِيجَانَ والجزيرة أبو جعفر
المنصور ، وعلى الشام وأعمالِها عبدُ الله بن علي عمُّ السفّاح، وعلى مصر أبو عَوْن عبدُ الملك بن يزيد ،
وعلى خُراسان وأعمالِها أبو مسلم الخُراساني ، وعلى ديوان الخراج خالد بن بَرْمَك . وحجَّ بالناس فيها
داود بن علي
ذِكْرُ مَنْ تُوفِّي فيها من الأعيان :
مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك الأموي آخر خلفاء بني أمية ، فقُتل في العشر
الأخير من ذي الحِجَّة من هذه السنة ، كما تقدَّمَ ذلك مبسوطً(١) ، ووزيرُهُ :
عبدُ الحميد بن يحيى بن سعد(٢) : مولى بني عامر بن لؤي ، الكاتبُ البَلِيغ ، الذي يُضرَبُ به المَثلُ
فيقال : فُتحتِ الرسائلُ بعبد الحميد، وخُتمتْ بابنِ العَمِيد . وكان إماماً في الكتابةِ وجميعٍ فنونِها ، وهو
القدوةُ فيها ، وله رسائلُ في ألفِ ورَقة، وأصلُهُ من قَيْسَارِيَّة ، ثم سكن الشام ، وتعلم هذا الشأنَ من سالم
مولى هشام بن عبد الملك ، وكان يعقوبُ بن داود وزيرُ المهدي يكتبُ بين يديه ، وعليه تخرّج ، وكان
ابنُه إسماعيل بن عبدِ الحميد ماهراً في الكتابة أيضاً . وقد كان أولًا يُعلِّمُ الصِّبيان، ثم تقلَّبَتْ به الأحوال
حتى وَزَرَ لمروان ، وقَتَلَهُ السِفَّحُ ومَثَّلَ به ، وكان اللائقُ بمثلِهِ العَفْوَ عنه .
ومن مُستجاد كلامِه : العلمُ شجرةٌ ثَمَرَتُها الألفاظ ، والفكرُ بحرٌ لؤلؤهُ الحِكْمَة .
ومن كلامه وقد رأى رجلاً يكتُبُ خطّاً رديئاً ، فقال: أطِلْ جَلْفَةَ قَلَمِكَ وأسْمِنْها، وحَرَّفْ قَطَّتَكَ
وأيمِنْها . قال الرجل : ففعلتُ ذلك ، فجادَ خَطِّي(٣).
وسأله رجلٌ أن يكتبَ له كتاباً إلى بعضِ الأكابر يُوصيهِ به ، فكتب إليه : حَقُّ موصِلٍ كتابي إليك کَحَقِّهِ
عليّ إذ راَكَ مَوْضِعاً لأمَلِهِ، ورآني أهلاً لحاجتهِ، وقد قضيتُ أنا حاجته فصَدِّقْ أنتَ أملَه(٤).
وكان كثيراً ما يُنشِدُ هذا البيت :
(١) تقدمت ترجمته ومصادرها في الحاشية (٣) من الصفحة (٢٦٨).
(٢) ترجمته فى الفهرست ص (١٧٠)، وفيات الأعيان (٢٢٨/٣)، ثمار القلوب ص (١٩٦)، سير أعلام النبلاء
(٤٦٢/٥)، أبجد العلوم (٦٦/٣).
(٣) الرجل هو إبراهيم بن جبلة كما في ثمار القلوب ص (١٩٨)، والخبر فيه.
(٤) ذكره ابن خلِّكان في وفيات الأعيان (٢٢٩/٣)،

٢٨٢
أحداث سنة ١٣٣ هـ
إذا خرجُ(١) الكُتّابُ كان دوِيُّهُمْ قِسِيّاً وأقلامُ القِسِيِّ لهم تَبَلا٢)
وأبو سلمة حفصُ بن سُليمانُ(٣) : هو أولُ من وزَرَ لآلِ العباس ، قتَلَهُ أبو مسلم بالأنبار عن أمرِ السفّاح
بعدَ ولايتِهِ بأربعة أشهر في شهر رجب ، وكان ذا هيئةٍ فاضلاً حسنَ المفاكهة وكان السفاحُ يأنَسُ به ،
ويحبُ مسامرَتَه لِطيبِ مُحاضرته ، ولكنْ توَهَّمَ مَّيْلَهُ لآلِ عليّ ، فَدَسَّ أبو مسلم عليه مَنْ قَتَلَهُ غِيلَةً كما
تقدَّم ، فأنشد السفّاحُ عند قتله :
إلى النارِ فَلْيَذْهَبْ ومَنْ كان مِثْلَهُ على أيِّ شيءٍ فَاتَنَا منه نأْسَفُ(٤)
كان يقالُ له وزيرَ آلٍ محمد، ويُعرف بالخَلَاّل لِسُكْناهُ الخَلَّلِين بالكوفة ، وهو أولُ مَنْ سُمِّي
بالوزير. وقد حكى ابن خَلِّكال(٥) عن ابن قتيبة أنَّ اشتقاقَ الوزير من الوِزْر، وهو الحِمْل ، فكأنَّ السلطانَ
حَمَّلَهُ أثقالًا لاستنادِهِ إلى رأيه، وقال الزجَّاج: هو مشتقٌّ من الوَزَر، وهو الجبل، وكأنَّ السلطانَ لجَأَ إلى
رأيِهِ كما يلجأ الخائفُ إلى جبَلٍ يعتصِمُ به . والله أعلم .
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومئة
فيها ولَّى السفّاح عمَّه سليمانَ بن علي البصرةَ وأعمالَها، وكُورَ دِجْلَةَ والبحرَين وعُمَان ، ووجَّه عمَّه
إسماعيل بن علي إلى كُورِ الأهْوَاز .
وفيها قَتَل داودُ بنُ علي من بمكَّةَ والمدينة من بني أمية . وفيها تُوِّي داودُ بنُ علي بالمدينة في شهر
ربيع الأول ، واستخلف ابنَهُ موسى على عملِه ، وكانت ولايتُهُ على الحجاز ثلاثةَ أشهر ، فلمَّا بلغ السفَّاعَ
موتُه استنابَ على الحجاز خالَهُ زيادَ بن عبيد الله بن عبد الدار(٦) الحارثي ، وولَّى اليمن لابنِ خالِه
محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد الدار ، وجعل إمرةَ الشام لعمَّيه عبدِ الله وصالح ابني علي ، وأقرّ أبا
عَوْن على الديارِ المصرية نائباً .
في بعض النسخ : إذا جرح .
(١)
(٢)
المصدر السابق .
(٣) ترجمته في المنتظم (٣١٥/٧)، وفيات الأعيان (١٩٥/٢)، سير أعلام النبلاء (٧/٦)، تاريخ اليعقوبي
(٣٥٢/٢).
(٤) وفيات الأعيان (٢/ ١٩٦) . والبيت من ثلاثة أبيات قيلت في الفضل بن مروان كاتب المعتصم . انظر الكامل لابن
الأثير (٦/ ٢٢).
في وفيات الأعيان (٢/ ١٩٧).
(٥)
(٦) في بعض النسخ : عبد الدان، هنا، إلى آخر البحث .

٢٨٣
أحداث سنة ١٣٤ هـ
وفيها توجَّه محمد بن الأشعث إلى إِفْرِيقِيَةَ ، فقاتلهم قتالاً شديداً، حتى فتحها . وفيها خرجَ شَرِيك
ابن شيخ المهري بِيُخَارى على أبي مسلم ، وقال : ما على هذا بايَعْنا آلَ محمد ، على سفكِ الدماء وقتلٍ
الأنفُس، واتَّبَعه على ذلك نحوٌ من ثلاثين ألفاً ، فبعث إليه أبو مسلم زيادَ بن صالح الخزاعي فقاتله فقَتَله .
وفيها عزَلَ السفّاحُ أخاه يحيى بن محمد عن المَوْصل وولَّى عليه عمَّه إسماعيل .
وفيها ولَّى الصائفةَ من جهتِه صالحَ بن علي بن سعيد بن عبيد الله ، وغزا ما وراءَ الدُّروب ، وحجّ
بالناس خالُ السفّاح زياد بن عُبيد الله بن عبدالدار الحارثي ، ونُوَّابُ البلادِ همُ الذين كانوا في التي قبلَها
سوی مَنْ ذکَرْنا أنه عُزل .
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومئة
فيها خلَعَ بسامُ بن إبراهيم بن بسام الطاعة ، وخرج على السفّاح ، فبعث إليه خازم بن خزيمة فقاتله ،
فقتَلَ عامةَ أصحابِهِ واستباح عسكرَه ، وَرَجَع فمر بملأٍ من بني عبدِ الدار أخوالِ السفّاح فسألهم عن بعضٍ
ما فيه نُصرة للخليفة فلم يردُّوا عليه ، واستهانوا به ، وأمرَ بضَرْبِ أعناقِهم ، وكانوا قريباً من عشرين رجلاً
ومثلهم من مواليهم ، فاستعدى بنو عبدِ الدار على خازم بن خزيمة إلى السفاح ، وقالوا : قَتَل هؤلاء بلا
ذنب، فهم السفَّاحُ بقتلِه، فأشار عليه بعضُ الأمراء بأنْ لا يقتُلَه، ولكنْ لِيَبْعَثَهُ مبعثاً صَعْباً. فإنْ سَلِم
فذاك ، وإنْ قُتل كان الذي أراد ، فبعثَهُ إلى عُمَان وكان بها طائفةٌ من الخوارج قد تمزّدوا ، وجهّز معه سبعَ
مئةِ رجل، وكتبَ إلى عمِّه سليمانَ بالبصرةِ أنْ يحمِلَهم في السفن إلى عُمَان ففعل ، فقاتل الخوارجَ
فكسرَهم وقهرَهم واستحوذَ على ما هنالك من البلاد ، وقتلَ أميرَ الخوارجِ الصُّفْريَّة ، وهو الجُلنْدَى ،
وقتَلَ من أصحابِهِ وأنصارِهِ نحواً من عشرةِ آلاف ، وبعث بِرؤوسِهم إلى البصرة ، فبعث بها نائبُ البصرة
إلى الخليفة ، ثم بعدَ أشهر كتب إليه السفَّح أن يرجع ، فرجع سالماً غانماً منصوراً .
وفيها غزا أبو مسلم بلاد الصُّغْدُ(١)، وغزا أبو داود أحدُ نُوَّابِ أبي مسلم بلادَ كَش (٢)، فقَتَل خلقاً
كثيراً ، وغَنِمَ من الأواني الصِّيِنِيَّة المنقوشةِ بالذهبِ شيئاً كثيراً جداً .
(١) الصُّغْد - بالضم ثم السكون وآخره دال مهملة وقد يقال بالسين مكان الصاد - : هي كُورةٌ عجيبةٌ قَصَبتها سَمَرْقَنْد ؛
وقيل : هما صغدان صغد سمرقند ، وصغد بخارى . وقيل : جنان الدنيا أربع : غوطة دمشق ، وصغد سمرقند ،
ونهر الأُبُلَّة، وشِعْبُ بَوَّان . وهي قرى متصلة خلال الأشجار والبساتين من سمرقند إلى قريبٍ من بُخارى ، لا تبين
القرية حتى تأتيها لالتحافِ الأشجار بها ؛ وهي من أطيب أرض الله ، كثيرة الأشجار ، غزيرة الأنهار ، متجاوبة
الأطيار . معجم البلدان ( ٤٠٩/٣).
(٢) كَشّ - بالفتح ثم التشديد - قريةٌ على ثلاثةِ فراسخَ من جُزجان على جبل. معجم البلدان (٤/ ٤٦٢).

٢٨٤
وفيات سنة ١٣٤ هـ - أحداث سنة ١٣٥ هـ ووفياتها - أحداث سنة ١٣٦ هـ
وفيها بعث السفّاحُ موسى بن كعب إلى منصور بن جُمهور وهو بالهند في اثني عشر ألفاً ، فالتقاهُ
موسى بن كعب وهو في ثلاثةِ آلاف ، فهزَمَهُ واستباحَ عسكرَه .
وفيها مات عامل اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد الدار ، فاستخلف السفاحُ عليها عمَّه ، وهو
خالُ الخليفة .
وفيها تحوَّلَ السفاحُ من الحِيرة إلى الأنبار . وحجَّ بالناس نائبُ الكوفة عيسى بن موسى ، ونوَّابُ
الأقاليم هم هم .
وفيها توفي من الأعيان :
أبو هارون العبدي
.
وعُمارةُ بنُ جُوين .
ويزيد بن جابر الدمشقي . والله اعلم .
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومئة
فيها خرج زياد بن صالح من وراءِ نَهرِ بَلْخ على أبي مسلم فأظفَرهُ الله بهم ، فبدَّد شملَهم ، واستأصل
خضراءهم ، واستقرَّ أمرُه بتلك النواحي، وحج بالناس فيها سليمان بن علي نائبُ البَصْرة ، والنوَّاب همُ
المذكورون قبلَها .
وممن تُوجِّي فيها من الأعيان :
یزیدُ بن ◌ِنان ،
وأبو عَقِيل زهرةٌ بن مَعْبَد ،
وعطاء الخراساني .
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومئة
فيها قدم أبو مسلم من خُراسان على السفّاح بالعراق ، وذلك بعد استئذانه الخليفةَ في القُدومِ عليه ،
فكتب إليه أنْ يقدَمَ في خمس مئةٍ من الجند ، فكتب إليه : إني قد وَتَرْتُ الناس ، وإني أخشىَ من قِلَّةِ
الخمس مئة ، فكتبَ إليه أن يقدَمَ في ألف ، فقدِمَ في ثمانية آلاف ، فَرَّقهم وأخذ معه من الأموال والتُّحَفِ
والهدايا شيئاً كثيراً . ولما قدم لم يكنْ معَهُ سوى ألفٍ من الجُند، فتلقَّاه القوَّادُ والأمراء إلى مسافةٍ بعيدة ،

٢٨٥
ترجمة أبي العباس السفاح
ولما دخل على السفّاح أكرَمَهُ وعظّمَهُ واحترَمَه ، وأنزله قريباً منه ، وكان يأتي إلى الخدمةِ كلَّ يوم ،
واستأذَنَ الخليفةَ في الحجِّ فأذِنَ له وقال : لولا أنِّي عَيَّنْتُ الحجَّ لأخي أبي جعفر لأمَّرْتُكَ على الحَجّ .
وكان الذي بين أبي جعفر وأبي مسلم خراباً ، وكان يُغِضُه، وذلك لِمَا رأى ما هو فيه من الحُرْمَةِ حين قَدِم
عليه نَيْسابور في البَيْعَةِ للسفَّاحِ وللمنصورِ من بعده ، فحارَ في أمره لذلك، فحقَدَ عليه المنصور ، وأشار
على السفَّاحِ بِقَتْلِه ، فأمَرَهُ بِكَتْم ذلك، وحين قَدِم أمَرَهُ بقَتْلِهِ أيضاً، وحرَّضَهُ على ذلك ، فقال له السفّاح :
قد علمتَ بلاءَهُ معَنا وخدمَتَهُ لنَا ! فقال أبو جعفر : يا أمير المؤمنين ، إنما ذلك بدَوْلَتِنا، والله لو أرسلتَ
سِنَّوْراً لسَمِعوا لها وأطاعوا ، وإنّك إنْ لم تتعشَّ بهِ تغذَّى بك هو ، فقال له : كيف السبيل إلى ذلك ؟
فقال : إذا دخل عليك فحادِثْهُ ، ثم أجيء أنا من ورائِهِ فأضْرِبُهُ بالسيف . قال : كيف بِمَنْ معه ؟ قال : هم
أَذَلُّ وأقلّ . فأذِنَ له في قَتْلِه ، فلما دخل أبو مسلم على السفَّاحِ نَدِم على ما كان أذِنَ لأخيه فيه ، فبعث إليه
الخادمَ يقول له : إنَّ ذاك الذي بينك وبينه نَدِمَ عليه فلا تفعَلْه ، فلما جاءه الخادمُ وجَدَهُ محتبياً بالسيف ،
قد تهيَّأْ لِمَا يُريد من قَتْلِ أبي مسلم ، فلما نهاهُ عن ذلك غَضِب أبو جعفر غضباً شديداً .
وفيها حَجَّ بالناسِ أبو جعفر المنصور عن ولايةِ أخيه السفّاح ، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم
الخراساني عن أمرِ الخليفة ، وأذِنَ له في الحَجّ ، فلمَّا رجعا من الحجّ ، وكانا بذاتِ عِرْق جاء الخبرُ إلى
أبي جعفر - وكان يسير قبلَ أبي مسلم بمرحلة - بِمَوْتِ أخيه السفَّاحِ ، فكتب إلى أبي مسلم أنْ قد حدَثَ أمرٌ
فالعَجَلَ العجَل . فلمَّا استعلم أبو مسلم الخبَر عَجَّلَ السَّيْرَ وراءه ، فَلَحِقَهُ إلى الكوفة ، وكانتْ بيعةُ
المنصور على ما سيأتي بيانه وتفصيلُه قريباً ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
ترجمة أبي العباس السفّاح أولِ خلفاء بني العباس وذكر وفاته(١)
هو عبد الله السفاح - ويقال له المرتضى والقاسم أيضاً - ابن محمد بن الإمام ابن علي السَّجَّاد بن
عبد الله الحَبْر بن العباس ذي الرأي ابن عبد المطلب ، شيبةِ الحَمْد ، هاشم بن عمرو بن عبد مناف بن
فَصَيّ ، أبو العباس القرشيُّ الهاشميّ ، أميرُ المؤمنين الملَقَّب بالسفَّاح ، وهو أول خلفاء بني العباس ،
وأمُّه رَيْطَة - ويُقال رائطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد الْمَدَان بن الدَّيَّان الحارثي . كان مولد السفاح
بالحُمَيْمَةِ من أرضِ الشَّرَاةِ من البَلْقَاءِ بالشام ، ونشأ بها حتى أخذ مروانُ أخاهُ في حياة مروانَ يومَ الجمعة ،
الثاني عشر من ربيع الأول بالكوفةِ كما تقدَّم . وتُوفِّي بالْجُدَرِيِّ بالأنْبَار يوم الأحد الحادي عشر - وقيل
(١) ترجمته في تاريخ خليفة ص (٤٠٩)، تاريخ بغداد (٤٦/١٠)، تاريخ اليعقوبي (٣٤٩/٢)، تاريخ مدينة دمشق
لابن عساكر (٢٧٦/٣٢)، الكامل في التاريخ لابن الأثير (٩٩/٥). سير أعلام النبلاء (٧٧/٦)، طبقات
الحنفية ص (٤٢٣)، تاريخ الخلفاء ص (٢٥٦)، مآثر الإنافة (١٧٠/١)، شذرات الذهب (١٨٣/١،
١٩٥) ، وما بعدها .

٢٨٦
ترجمة أبي العباس السفاح
الثالث عشر - من ذي الحِجَّة سنةَ سِتِّ وثلاثين ومئة ، وكان عمرهُ ثلاثاً- وقيل : ثنتين ، وقيل : إحدى -
وثلاثين سنة ، وقيل ثمان وعشرين سنة .
قال غير واحد : وكانتْ خلافتهُ أربعَ سنين وتسعة أشهر ، وكان أبيضَ جميلاً طويلاً أقْنَى الأنف ،
جَعْدَ الشعر . حسن اللِّحْيَة، حسنَ الوَجْه ، فصيحَ الكلام ، حسنَ الزَّأي ، جيدَ البَدِيهة ، دخل عليه في
أول ولايته عبدُ الله بن حسن بن حسن بن عليّ ومعه مُصحف ، وعند السفّاح وجوهُ بني هاشم من أهل بيته
وغيرِهم ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، أعطِنا حقَّنا الذي جعلَهُ الله لنا في هذا المصحف . قال : فأشفَقَ
عليه الحاضرونَ أن يَعْجَلَ السفَّاحُ عليه بشيء، أو يَعْيَا بِجوابِهِ فيبقَى ذلك سُبَّةً عليه وعليهم ، فأقبل السفّاح
عليه غيرَ مُغْضَبٍ ولا مُنْزَعِج فقال : إنَّ جَدَّكَ عليّاً كان خيراً مِنِّي، وأعدَل ، وقد وَلِيَ هذا الأمر، فأعطَى
جدَّيك الحسنَ والحُسين - وكانا خيراً منك - شيئاً قد أعطيتُكَهُ وزدْتُكَ عليه ، فما كان هذا جزائي منك.
قال : فما ردَّ عليه عبدُ الله بن حسن جواباً ، وتعجَّبَ الناسُ من سُرعةٍ جوابِهِ ، وجِدَّتِهِ وجَوْدَتِه على
البديهة .
وقد ورد في حديثٍ ذكره - رحمه الله - فقال الإمامُ أحمد في مسنده(١) : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ،
حدثنا جرير عن الأعمش ، عن عطيّة العَوْفي ، عن أبي سعيد الخُدْري، قال : قال رسولُ الله ◌َّةٍ:
((يخرجُ عند انقطاعٍ من الزمان وظهورٍ من الفِتَن رجلٌ يُقالُ له السفّاح، يكونُ إعطاؤه المال حَثْياً (٢) .
وكان رواه زائدةٌ وأبو معاوية عن الأعمش به ، وهذا الحديث في إسنادِهِ عطيةُ العَوْفي وقد تكلَّموا
فيه ، وفي أنَّ المراد بهذا الحديث هذا السفَّاحِ نَظَرٌ ، والله أعلم . وقد ذكَرْنا فيما تقدَّم عند زوالِ دولةٍ بني
أميةَ أخباراً وآثاراً في مثلِ هذا المعنى (٣) .
وقال الزُّبير بن بَكَّار : حدثني محمد بن سلمة بن محمد بن هشام ، أخبرني محمد بن عبد الرحمن
المخزومي ، حدثني داود بن عيسى عن أبيه ، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس - وهو السفّاح -
قال : دخلتُ على عمرَ بن عبد العزيز وعنده رجلٌ من النصارَى ، فقال له عمر : من تجدونَ الخليفةَ بعدَ
سليمان ؟ قال له النصراني : أنت . فأقبل عمر بن عبد العزيز فقال له : زِدْني من بيانِك . فقال : ثم
آخر ، إلى أنْ ذكر خلافةَ بني أمية إلى آخرِها ، قال محمد بن علي : فلما كان بعد ذلك جعلتُ ذلك
النصراني في بالي ، فرأيتُه يوماً ، فأمرتُ غلامي أن يحبِسَهُ علي، وذهبتُ إلى منزلي، فسألته عَمَّا يكونُ
(١) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٨٠) وإسناده ضعيف.
(٢) وأخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٣٦٢/١) (١٠٥٦)؛ وأبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٥/ ٩٥٧)
(٥٠٩) وعبد الكريم القزويني في تاريخ قزوين (٢٢٧/٢)، وإسناده ضعيف.
(٣) انظر ص (٢٧١) من هذا الجزء.

٢٨٧
ترجمة أبي العباس السفاح
في خلفاء بني أمية ، فذكرهم واحداً واحداً ، وتجاوز عن مروانَ بنِ محمد ، قلت : ثم مَنْ ؟ قال : ابنُ
الحارثيّة، وهو ابنُك. قال : وكان ابني ابنُ الحارثية إذا ذاك حَمْلاً . قال : ووفد أهلُ المدينة على
السفّاح ، فبادروا إلى تقبيلٍ يدهِ غيرَ عمرانَ بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العَدوِي ، فإنه لم يُقبِّل يده ،
إنما حيَّاهُ بالخلافةِ فقط وقال : واللهِ يا أميرَ المؤمنين، لو كان تقبيلُها يَزِيدُكَ رفعةً ويزيدُني وَسيلةٌ إليك
ماسَبَقَني إليها أحدٌ من هؤلاء، وإنّي لَغَنِيٌّ عمَّا لا أجرَ فيه، ورُبَّما قادَنَا عمَلُهُ إلى الوِزْر . ثم جلس .
قال : فو الله ما نَفَصَهُ ذلك عندَهُ حظّاً من حظّ أصحابِه بل أحبَّهُ وزادَه .
وذكر القاضي الْمُعافَى بن زكريًّا أنَّ السَّفَّحِ بعث رجلاً يُنادي في عَسْكَرِ مروانَ بهذَيْنِ البيتَيْنِ ليلاً ثم
رجع :
يا آلَ مروانَ إنَّ الله مُهْلِكُكُمْ وَمُبْدِلٌ أمنَكُمُ خوفاً وتَشْريدا
وبَّكُمْ في بلادِ الخَوْفِ تَطْرِيد(١)
لا عَمَّرَ الله من أنسالِكُم أحداً
وروى الخطيب البغدادي(٢) أنَّ السفّاح نظرَ يوماً في المرآة وكان من أجملِ الناسِ وجهاً - فقال: اللهمَّ
لا أقولُ كما قال سُليمانُ بن عبدِ الملك: أنا الخليفةُ الشابّ، ولكن أقول : اللهمَّ عَمِّرْني طويلاً في
طاعتك ، مُمَتَّعاً بالعافية ، فما استتَمَّ كلامهُ حتى سمع غلاماً يقولُ لآخر : الأجَلُ بيني وبينك شهرانِ
وخمسةُ أيام، فتطَيَّرَ من كلامِهِ وقال : حسبي الله لا قوةَ إلا بالله ، عليه توّلْتُ وبه أستعين . فمات بعدَ
شهرَيْن وخمسةِ أيام .
وذكر محمد بن عبد الله بن مالك الخُزَاعي ، أنَّ الرَّشيد أمرَ ابنَهُ أنْ يسمعَ من إسحاق بن عيسى بن على
ما يرويه عن أبيه في قصةِ السفّاح ، فأخبره عن أبيه عيسى ، أنه دخل على السفّاح يومَ عرَفَةَ بُكْرَةً فوجدَهُ
صائماً، فأمرَهُ أنْ يحادِثَهُ في يومِهِ هذا، ثم يختِمُ ذلك بفِطْرِهِ عندَه ، قال : فحادَثْتُه حتى أخذَهُ النَّوم ،
فقمتُ عنهُ وقلت : أقِيلُ في مَنْزِلي ، ثم أجيُ بعدَ ذلك، فذهبتُ فنمتُ قليلاً ثم قمتُ فأقبلتُ إلى دارِهِ ،
فإذا على بابهِ بَشِيرٌ يُبَشِّرُ بفتحِ السِّند وبيعتِهِمْ للخليفة ، وتسليم الأمور إلى نُوَّابِهِ ، قال : فحَمِدتُ الله الذي
وفَّقني في الدخولِ عليهِ بِهِذَه البِشارة ، فدخلتُ الدَّار ، فإذا بشيرٌ آخر معه بشارةٌ بفتح إفريقية ، فحمِدت
الله ، فدخلت عليه فبشَّرْتُهُ بذلك وهو يُسَرِّحُ لِحِيتَهُ بعدَ الوضوء ، فسقط المشطُ من يدِه ثم قال : سبحان
الله! كلُّ شيءٍ بائدٌ سواه ، نُعِيَتْ واللهِ إليَّ نفسي، حدثني إبراهيمُ الإمام عن أبي هاشم، عن عبد الله بن
محمد بن عليّ بن أبي طالب، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله يَّ أنه قال: ((يَقْدَمُ عليَّ في مَدينتي
(١) ذكر البيتين ابن الأثير في الكامل في التاريخ (٩٩/٥)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (٧٩/٦) وعزاهما
للسفاح .
(٢) في تاريخ بغداد (٤٩/١٠).

٢٨٨
ترجمة أبي العباس السفاح
هذِهِ وافدان ، وافدُ السَّنْد، والآخر وافدُ إفريقِيَةَ بسَمْعِهم وطاعَتِهِم وبَيْعَتِهِم ، فلا يَمضي بعدَ ذلك ثلاثةُ
أيام حتى أموت )) . قال: وقد أتاني الوافدان ، فأعظَمَ اللهُ أجرَكَ يا عَمُّ في ابن أخيك ، فقلت : كلاًّ
يا أميرَ المؤمنين إن شاء الله ، قال : بلا إن شاء الله . لئن كانتِ الدنيا حبيبةً فالآخرةُ أحَبُّ إليّ، ولقاءُ رَبِّي
خیرٌ لي . وصحَةُ الرواية عن رسول الله بذلك أحبُّ إلي منها ، والله ما گذَبت ولا گُذِئْت . ثم نهض ودخل
مَنْزِله ، وأمرَني بالجلوس ، فلما جاء المؤذِّنُ يُعلِمُه بوقتِ الظُّهر خرج الخادم يُعلمني أنْ أصلِّيَ عنه ،
وكذلك العصرَ والمغربَ والعشاء ، كلُّ ذلك يخرجُ الخادم فيأمرني أن أُصلِّي عنه ، وبِتُّ هناك ، فلما كان
وقتُ السَّحَر أتاني الخادمُ بكتابٍ معه ، يأمرُني أنْ أصلِّيَ عنه الصُّبحَ والعِيد ، ثم أرجعُ إلى داره ، وفيه
يقول : يا عَمّ . إذا مثّ فلا تُعلِمِ الناسَ في موتي حتى تقرأَ عليهم هذا الكتاب ، فيُبايعوا لِمَنْ فيه ، قال :
فصلَّيت بالناس ، ثم رجعتُ إليهَ ، فإذا ليس به بأس ، ثم دخلتُ عليه من آخرِ النهار ، فإذا هو على حالِهِ ،
غيرَ أنه قد خرجَتْ في وجههِ حبَّتان صغيرتان ثم كَبُرتَا ثم صار في وجهه حَتّ صغار بِيض ، يُقالُ إنه
جُدَرِيّ ، ثم بكَّرتُ إليه في اليوم الثاني من أيَّامِ التشريق . فإذا هو قد هُجِر ، وذهبَتْ عنه معرفتي ومعرفةُ
غيري ، ثم رجعتُ إليه بالعَشِي ، فإذا هو انتفخَ حتى صار مثل الزِّقّ ، وتُوفِّيَ اليومَ الثالث من أيام
التشريق ، فسَجَّيتُهُ كما أمَرني ، وخرجتُ إلى الناس فقرأتُ عليهم كتابَه ، فإذا فيه : من عبدِ الله أميرٍ
المؤمنين إلى الرسولِ والأولياء وجماعة المسلمين ، سلامٌ عليكم، أما بعد ، فقد قَلَّدَ أميرُ المؤمنين
الخلافةَ عليكم بعدَ وفاتِهِ أخاه ، فاسمعوا وأطيعوا ، وقد قلَّدها من بعدِه عيسى بنَ موسى إنْ كان . قال :
فاختلف الناسُ في قولهِ إنْ كان ، قيل إنْ كان أهلاً لها ، وقال آخرون : إنْ كان حيّاً . وهذا القول الثاني هو
الصواب. ذكره الخطيب(١) وابنُ عساكر مطوّل٢ً)، وهذا مُلَخَّصٌ منه، وفيه ذكرُ الحديثِ المرفوع ،
وهو مُنكَرٌ جِدّاً .
وذكر ابنُ عساكر(٣) أن الطبيبَ دخل عليه فأخذ بيده ، فأنشأ يقول عند ذلك :
انظُرْ إلى ضَعْفِ الحرّا كِ وذُلِّهِ بعدَ السُّكُونْ
هذا مقدِّمةُ الْمَنُونْ
يُنْبِيِكَ أنَّ بيانَهُ
قال الطبيب : أنتَ صالح . فأنشأ يقول :
يَبِينُ لَهُ وبي داءٌ دَفينُ
يُبَشِّرُنِي بأنِّي ذو صلاحٍ
ولا شَكِّ إذا وَضَحَ اليَقِينُ
لقد أيقنتُ أَنِّي غيرُ باقٍ
في تاريخه ١٠/ ٥٠ - ٥١ .
(١)
في تاريخ مدينة دمشق ( ٢٩١/٣٢ - ٢٩٤).
(٢)
(٣) في تاريخ مدينة دمشق (٢٩٠/٣٢).

٢٨٩
وفيات سنة ١٣٦ هـ - خلافة أبي جعفر المنصور
قال أهلُ العلم : كان آخرَ ما تكلَّمَ به السفَّاحِ : الملكُ لله الحَيِّ القَيُّوم ، ملكِ الملوك ، وجبَّارِ
الجبابرة ، وكان نقشُ خاتمهِ : الله ثقةُ عبد الله . وكان موتُهُ بالجُدَرِيّ ، في يوم الأحد الثالث عشر من ذي
الحِجَّة سنةَ ستٍّ وثلاثين ومئة بالأنبارِ العَتيقة ، عن ثلاثٍ وثلاثينَ سنة ، وكانتْ خلافتُهُ أربعَ سنين وتسعةً
أشهر على أشهر الأقوال، وصلَّى عليه عقُّه عيسى بن علي. ودُفن في قصرِ الإمارةِ من الأنبار ، وتَرَك تسع
جِباب، وأربعةَ أقمصة ، وخمسَ سراويلات، وأربعة طيالِسَة، وثلاثةَ مَطَارِفِ خَزٍّ ، وقد ترجَمَهُ ابنُ
عساكر فذكر بعضَ ما أورَدْناه(١) والله أعلم .
وممن تُوفي فيها من الأعيان :
السفّاح كما تقدَّم ،
وأشعَثُ بنُ سَوَّار ،
وجعفر بنُ أبي ربيعة
وحُصين بن عبدالرحمن ،
ورَبيعة الرأي ،
وزید بن أسلم ،
وعبد الملك بن عُمیر ،
وعبد الله بن أبي جعفر ،
وعطاء بن السائب ، وقد ذكرنا تراجمهم في (( التكميل )) ولله الحمد .
خلافة أبي جعفر المنصور
واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، قد تقدَّمَ أنَّهُ لَمَّا مات السفّاح كان في
الحجاز ، فبلَغَهُ موتُه وهو بذاتِ عِزْق راجعاً من الحَجّ ، وكان معه أبو مسلم الخُرَاساني فعجَّل السَّير ،
وعزَّاهُ أبو مسلم في أخيه ، فَكَى المنصور عندَ ذلك ، فقال له : أتبكي وقد جاءَتْك الخلافة ، أنا أكفيكَها
إنْ شاء الله، فسُرِّيَ عنه . وأمر زيادَ بنَ عُبيد الله أنْ يرجعَ إلى مَّة والياً عليها ، وكان السفّاحُ قد عزلَهُ عنها
بالعباس بن عبد الله بن معبد بن عباس ، فأقَرَّهُ عليها . والنُّوَّابُ على أعمالِهم حتى انسلخَتْ هذه السنة .
وقد كان عبدُ الله بن علي قَدِم على ابن أخيه السَّفَّاح الأنبارَ فأمَّرَهُ على الصائفة ، فركب في جيوشٍ عظيمةٍ
(١) انظر مصادر ترجمته في حاشية الصفحة (٢٨٥).

٢٩٠
أحداث سنة ١٣٧ هـ - خروج عبد الله بن علي على المنصور
إلى بلادِ الرُّوم، فلما كان ببعضِ الطريق بلغَهُ موتُ السفّاحِ فَكَرَّ راجعاً إلى حَرَّان ، ودعا إلى نفسه ، وزعم
أن السفّاحَ كان عهد إليه حينَ بعثه إلى الشام أنْ يكونَ وليَّ العهدِ من بعدِه ، فالتفَّتْ عليه جيوشٌ عظيمة ،
وكان من أمرِهِ ماسنذكرُهُ في السنةِ الآتية إنْ شاء الله تعالى .
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومئة
ذكر خروج عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس على ابن أخيه المنصور
لما رجَعَ أبو جعفر المنصور من الحج بعدَ موتِ أخيه السفّاح دخل الكوفةَ فخطَبَ بأهلِها يوم الجمعة ،
وصلَّى بِهِم ، ثم ارتحل منها إلى الأنبار وقد أخذَتْ له البَيْعَةُ من أهلِ العراق وخُراسان وسائرِ البلاد سوى
الشام، وقد ضبط عيسى بنُ علي بيوتَ الأموالِ والحواصلِ للمنصور حتى قَدِمَ فسلَّمَ إليه الأمر ، وكتب
إلى عمِّهِ عبدِ الله بنِ علي - وهو بالرُّوم - يُعلِمُهُ بوفاةِ السفّاح، فلما بلَغَهُ الخبَرُ نادَى في الناس : الصلاة
جامعة ، فاجتمع إليه الأمراءُ والناس فقرَأَ عليهم وفاةَ السفّاح ، ثم قام فيهم خطيباً ، فذكر أنَّ السفّاح كان
عَهِدَ إليه حين بعثه إلى مروان أنْ يكونَ الأمرُ إليه من بعدِه ، وشهد له بذلك بعضُ أمراءِ العِراق ، ونهضوا
إليه فبايعوه ، ورجَعَ إلى حَرَان فتسلَّمَها من نائبِ المنصور بعدَ محاصرةٍ أربعينَ ليلة ، وقتل مقاتل العَتَكِي
نائبُها ، فلمَّا بلغ المنصورَ ما كان من أمرٍ عمِّه بعثَ إليه أبا مسلم الخُراسانيَّ ومعه جماعةٌ من الأمراء ، وقد
تحصَّنَ عبدُ الله بن علي بِحَرَّان ، وأرصد عنده مما يحتاجُ إليه من الأطعمةِ والسلاح شيئاً كثيراً جدّاً ، فسار
إليه أبو مسلم الخُراسانيّ ، وعلى مقدّمتهِ مالكُ بن هيثم الخُزَاعي ، فلما تحقَّق عبدُ الله قدومَ أبي مسلم إليه
خَشِيَ من جيشِ العراق الذين معَهُ أنْ لا يُناصحوه ، فَقَتَلَ منهم سبعةَ عشرَ ألفاً ، وأراد قتلَ حُميد بن
فَحْطَبة ، فهرَبَ منه إلى أبي مسلم ، فركب عبدُ الله بن علي فنَزل على نَصِيِين ، وخندَقَ حولَ عسكرِه
وأقبل أبو مسلم فنَزّل ناحيته ، وكتب إلى عبدِ الله : إني لم أومَرْ بقتالِك ، وإنما بعثني أميرُ المؤمنين والياً
على الشام، فأنا أريدها . فخاف جنودُ الشام من هذا الكلام فقالوا : إنَّا نخافُ على ذَرَارِينا وديارِنا
وأموالِنا، فنحن نذهبُ إليها نَمْنَعُهم منه. فقال عبدُ الله: ويحكم ، والله لم يأتِ إلَّ لقتالِنا، فأبَوْا إلَّ أنْ
يَرتحلوا نحو الشام، فتحوَّل عبدُ الله من مَنْزِلِهِ ذلك، وقصَدَ ناحيةَ الشام، فنهض أبو مسلم فنَزَل
موضعَهُ ، وغوَّر ما حولَهُ من المياه ، وكان موضعُ عبدِ الله الذي تحوَّلَ منه موضعاً جيداً جدّاً ، فاحتاجَ
عبدُ الله وأصحابُه فَنَزلوا في موضعٍ أبي مسلم فوجدوه مَنْزلاً رديئاً.
ثم أنشأ أبو مسلم القتال ، فحَاربَهم خمسةَ أشهر ، وكان على خيلِ عبدِ الله أخوهُ عبدُ الصمدِ بن علي ،
وعلى ميمنتِهِ بَكَّارُ بن مسلم العُقَيلي ، وعلى ميسرته حَبِيب بن سُويد الأسدي ، وعلى ميمنةٍ أبي مسلم
الحسنُ بن قَحْطبة، وعلى ميسرَتِهِ أبو نصر خازم بن خُزَيمة ، وقد جرَتْ بينهم وقعات ، وقُتل منهم
جماعاتٌ في أيامٍ نَحِسات ، وكان أبو مسلم إذا حمَل يرتجزُ ويقول :

٢٩١
مهلك أبي مسلم الخراساني
مَنْ كانَ يَنْوِي أهلَهُ فلا رَجَعْ فَرَّ من الموتِ وفي الموت وَقَعْ
وكان يُعمل له عريش ، فيكونُ فيه إذا التَّقَى الجيشان ، فما رأى في جيشِهِ من خلَل أرسل فأصلَحَه ،
فلمَّا كان يومُ الثلاثاء أو الأربعاء لسبعِ خَلَوْنَ من جُمادَى الآخرة النَّقَوْا فاقتتلوا قتالاً شديداً، فمَكَرَ بِهِم
أبو مسلم ، بعث إلى الحسن بن فَحْطَبةَ أميرِ الميمنة فأمرَهُ أن يتحوَّل بِمَنْ معه إلا القليل إلى الميسرة ، فلما
رأى ذلك أهلُ الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاءِ الميسرة التي تعمَّرَتْ ، فأرسل حينئذٍ أبو مسلم إلى القلب أنْ
يَحمِلَ بِمَنْ بقي في الميمنة على ميسرةِ أهلِ الشام ، فحَطَموهُمْ ، فجالَ أهلُ القلب والميمنةِ من الشاميِّين ،
فحمل الخراسانيُّون على أهلِ الشام ، وكانتِ الهزيمة ، وانهزم عبدُ الله بن علي بعد تلوُّم ، واحتاز
أبو مسلم ما كانَ في مُعَسكرِهم من الأموالِ والحَوَاصل ، وأمَّنَ أبو مسلمٍ بقيَّةَ الناس ، فلم يقتلْ منهم
واحداً ، وكتب إلى المنصور بذلك ، فأرسل المنصورُ مولاه أبا الخصيب ، لِيُحصِيَ ما وجدوا في معسكر
عبد الله ، فغضب من ذلك أبو مسلم الخراساني .
واستوسقتِ الممالكُ لأبي جعفر المنصور ، ومضى عبدُ الله بن علي وأخوه عبدُ الصمد على
وجهَيْهِما ، فلمَّا مَرَّا بالرُّصافة أقام بها عبدُ الصمد ، فلما رجع أبو الخصيب وجدَهُ بِها ، فأخذه معَهُ مقَّداً
في الحديد ، فأدخله على المنصور فدفعَهُ إلى عيسى بن موسى ، فاستأمَنَ له المنصور ، وقيل : بل
استأمنَ له إسماعيلُ بنُ علي، وأمَّا عبدُ الله بنُ علي فإنَّهُ ذهبَ إلى أخيه سُليمانَ بنِ علي بالبصرة ، فأقام
عندَهُ زماناً مختفياً ، ثم علم به المنصور ، فبعث إليه فسجنَهُ [ في بيتِ بني أساسهُ على الملح ، ثم أطلق
عليه الماء ، فذابَ المِلْحُ وسقطَ البيتُ على عبدِالله فمات . وهذه من بعضِ دواهي المنصور ، والله
سبحانه أعلم (١) . فلَبِثَ في السِّجْنِ سبعَ سنين ، ثم سقط عليه في البيت الذي هو فيه فمات كما سيأتي
بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى .
مَهْلِكُ أبي مسلم الخُراسانيّ
في هذه السنة أيضاً لَمَّا فرغ أبو مسلم من الحَجّ سبق الناسَ بِمَرْحَلَة ، فجاءه خبَرُ السفّاح في الطريق ،
فكتب إلى أبي جعفر يُعَزِِّهِ في أخيه ، ولم يهنَّّهُ بالخلافة ، ولا رَجَعَ إليه ، فغَضِبَ المنصورُ من ذلك مع
ما كان قد أضمرَ له من السُّوءِ إذا أَفْضَتْ إليه الخلافة ، وقيل : إنَّ المنصور هو الذي كان قد تقدَّمَ بين يدَيٍ
الحَجِّ بمَرْحلة ، وإنه لَمَّا جاء خبَرُ موت أخيه كتبَ إلى أبي مسلم يستعجلُهُ في السيرِ كم قدَّمنْا(٢) ، فقال
لأبي أيوب : اكتُبْ له كتاباً غليظاً . فلمّا بلغَهُ الكتابُ أرسلَ يُهنّهُ بالخلافة ، وانقَمَع من ذلك ، وقال بعضُ
(١) هذه الزيادة بين الحاصرتين ليست في (ب، ح)، وهي زيادة وجدت في نسخة الاستانة كما في ( ق ).
(٢) في ص (٢٨٥).

٢٩٢
مهلك أبي مسلم الخراساني
الأمراء للمنصور : إنَّ نرى أنْ لا تُجامعَهُ في الطريق، فإنَّ معه من الجنودِ مَنْ لا يُخالفُه، وهم لَهُ أهْيَب ،
وعلى طاعَتِهِ أحرص ، وليس معَكَ أحد . فأخذ المنصورُ برأيه، ثم كان من أمرِهِ في مبايعته لأبي جعفر
ما ذكَّرْنا ، ثم بعث إلى عَمِّه عبدِ الله فكسَرَهُ كما تقدَّم .
وقد بعثَ في غُبونِ ذلك(١) الحسنَ بن فَحْطَبَة لأبي أيُّوب كاتِبٍ رسائلِ المنصور يشافههُ ويُخبِرُهُ بأنَّ
أبا مسلمٍ متَّهَمٌ عند أبي جعفر، فإنَّهُ إذا جاءه كتابٌ منه يقرؤهُ ثم يَلْوِي شدقَيْهِ ، ويَزْمِي بالكتابِ إلى أبي
نصر ، ويضحكانِ استهزاءً . فقال أبو أيوب: إنَّ تُهمة أبي مسلم عندنا أظهَرُ من هذا .
ولَمَّا بعث أبو جعفر مولاهُ أبا الخصيب يقطين ليحتاطَ على ما أُصيب من معسكر عبدِ الله من الأموال
والجواهر الثمينةِ وغيرِها غضب أبو مسلم ، فشتَمَ أبا جعفرٍ وهَمَّ بأبي الخَصِيب حتى قيل له : إنما هو
رسول ، فتركَهُ ورجع أبو الخصيب . فلما قدم أخبر المنصورَ بما كان ، وبما هَمَّ به أبو مسلم من قتلِه ،
فغضب المنصورُ وخشي أن يذهب أبو مسلم من مكانِهِ إلى خراسان فيشقُّ عليه تحصيلُهُ بعدَ ذلك ، وأن
تحدث حوادِثُ . فكتب إليه مع يقطين : إني قد ولَّيتك الشامَ ومِصر ، وهما خيرٌ من خراسان ، فابعَثْ إلى
مصرَ مَنْ شئتَ وأقِمْ أنتَ بالشام لتكونَ أقربَ إلى أميرِ المؤمنين إذا أرادَ لقاءك كنتَ منه قريباً . فغضب
أبو مسلم من ذلك وقال : قد ولاني الشام ومصر ، ولي ولايةُ خراسان ، فإذاً أذهبُ إليها وأستخلفُ على
الشام ومصر . فكتب إلى المنصور بذلك ، فقَلِقَ المنصورُ من ذلك كثيراً.
ورجع أبو مسلم من الشام قاصداً خُراسانَ وهو عازِمٌ على مخالفةِ المنصور ، فخرج المنصورُ من
الأنبار إلى المدائن ، وكتب إلى أبي مسلم بالمصيرِ إليه ، فكتب إليه أبو مسلم وهو على الزَّاب عازِمٌ على
الدخول إلى خُراسان ، أنه لم يبقَ لأميرِ المؤمنين عدوٌ إلا مَكَّنَهُ الله منه، وقد كُنَّا نَزْوِي عن ملوكِ آلِ ساسان
أنَّ أخوفَ ما يكونُ الوزراء إذا سكَنتِ الدهماء ، فنحن نافرونَ من قُرْبِك ، حريصون على الوفاءِ بعهدك
ما وفيت ، حَرِيُّونَ بالسمع والطاعة ، غيرَ أنَّها من بعيد حيثُ يُقارِنُها السلامة ، فإنْ أرضاكَ ذلك فأنا
كأحسَنِ عبيدك ، وإنْ أبيتَ إلَّ أنْ تُعطيَ نفسك إرادَتَها نقَضْتُ ما أبرمتُ من عهدِكَ ضَنّاً بنفسي عن مقاماتٍ
الذُّلِّ والإهانة . فلما وصل الكتابُ إلى المنصور كتب إلى أبي مسلم : قد فهمتُ كتابَك ، وليستْ صِفَتُكَ
صِفَةَ أولئك الوزراء الغَشَشَة إلى ملوكِهم الذين يتمنَّوْنَ اضطرابَ حبلِ الدولةِ لكثرةِ جرائمهم ، وإنما
راحتهم في تبدُّدِ نظام الجماعة ، فلِمَ سوَّيتَ نفسَكَ بهم وأنتَ في طاعتك ومُناصحتِك واضطلاعِكَ بما
حملتَ من أعباء هذا الأمر على ما أنتَ به ، وليس مع الشريطةِ التي أوجبَتْ منك سمعٌ ولا طاعة ، وقد
حمَّلَ أمير المؤمنين عيسى بن موسى إليك رسالةً ليسكُنَ إليها قلبُكَ إنْ أصغيتَ إليها ، وأسألُ اللهَ أنْ يحولَ
(١) يعني في أثناء ذلك، انظر حاشية (٢) الصفحة (٢٨٠).

٢٩٣
مهلك أبي مسلم الخراساني
بين الشيطانِ ونزَغَاتِهِ وبينك، فإنَّهُ لم يجدْ باباً يُفسِدُ به نِيَّتَك أوكدَ عندَهُ من هذا، ولا أقربَ من طبّهُ (١) من
الباب الذي فَتَحَهُ عليك .
ويُقال : إن أبا مسلم كتب إلى المنصور : أمَّا بعد ، فإني اتَّخذتُ رجلاً إماماً ، ودليلاً على ما افترض
الله على خلقِهِ، وكان في محلَّةِ العلم نازلاً، وفي قرابتِهِ من رسولِ اللهِّهَ قريباً، فاستجهَلَني بالقرآنِ
فحرَّفَهُ عن مواضعِهِ ، طمعاً في قليلٍ قدَ تعافاهُ الله إلى خلقِه، وكان كالذي دَلَّى بغَرُور ، وأمرني أنْ أُجَرِّدَ
السيفَ وأرفعَ المَرْحَمَة ، ولا أقبلَ المعذِرَة ، ولا أُقيلَ العَثَرة ، ففعلتُ توطيداً لسلطانِكُمْ ، حتى عرَّفكم
الله مَنْ كان يجهَلُكم ، وأطاعَكم مَنْ كان عدؤَّكم ، وأظهركم الله بي بعد الإخفاء والحقارَةِ والذُّلّ ، ثم
استنقذني الله بالتَّوبة ، فإنْ يعفُ عني فقديماً عُرف به ، ونُسب إليه ، وإنْ يعاقِبْني فبما قدَّمَتْ يداي ، فما
الله بظلام للعبيد . ذكره المدائني عن شيوخه (٢) .
وبعث المنصورُ إليه جريرَ بنَ يزيدَ بنِ عبدِ الله البَجَلي ، وقد كان أوحدَ أهلِ زمانهِ في جماعةٍ من
الأمراء ، وأمرَهُ أنْ يُكَلِّمَ أبا مسلم باللِّين كلاماً يقدِرُ عليه، وأن يكون في جملةٍ ما يكلِّمُه به أنه يُرِيدُ رفعَ
قَدْرِك ، وعلوَّ مَنْزِلِك، والإطلاقَاتِ لك، فإنْ جاء بهذا فذاك ، وإنْ أَبَى فقلْ: هو بريءٌ من العباس إنْ
شققتَ العَصَا على وجهك، لَيُدْرِكَنَّكَ بنفسِه، وليقاتلَنَّك دونَ غيرِهِ، ولو خُضتَ البحرَ الخِضَمَّ لخاضَهُ
خلفَك حتى يدركَكَ فيقتلكَ أو يموتَ قبل ذلك ، ولا تقلْ له هذا حتى تيأسَ من رجوعِهِ بالتي هي أحسن .
فلمَّا قَدِمَ عليه أمراءُ المنصورِ بِحُلْوان دخلوا عليه ، ولامُوهُ فيما هَمَّ بهِ من مُنَابَذَةِ أميرِ المؤمنين وما هو
فيه من مخالفتِهِ ، ورغّبوهُ الرجوعَ إلى الطاعة ، فشاوَرَ ذوي الرأي من أمرائِه ، فكلُّهم نَهاهُ عن الرجوع إليه
وأشاروا بأنْ يُقيمَ في الزَّيّ ، فتكونُ خراسانُ تحتَ حُكمِه ، وجنودُه طوعاً له ، فإن استقام لَهُ الخليفةُ وإلَّا
كانَ في عِزِّ ومَنَعَةٍ من الجُند ، فعند ذلك أرسلَ أبو مسلم إلى أمراءِ المنصور فقال لهم : ارجِعوا إلى
صاحبِكم ، فلستُ ألقاه ، فلمّا استيأسوا منه قالوا ذلك الكلامَ الذي كان المنصور أمرهم به ، فلما سمع
ذلك كَسَرَهُ جِدّاً وقال : قوموا عني الساعة .
وكان أبو مسلم قدِ استخلف على خُراسان أبا داود إبراهيم بن خالد ، فكتب إليه المنصورُ في غَيبةٍ أبي
مسلم حين أثّهم : إنَّ ولايةَ خُراسانَ لكَ ما بَقِيت ، فقد ولَّيتُكَها وعزَلْتُ عنها أبا مسلم . فعند ذلك كتَبَ
أبو داودَ إلى أبي مسلم حينَ بلَغَهُ ما عليه من مُنَابَذَةِ الخليفة أنه ليس يليقُ بنا منابذةُ خلفاءِ أهلِ بيتٍ
رسولِ اللهِ بَّه، فارجِعْ إلى إمامِكَ سامعاً مُطيعاً والسلام. فزادَهُ ذلك كسراً أيضاً، فبعث إليهم
أبو مسلم : إني سأبعثُ إليه أبا إسحاق ، وهو مِمَّنْ أثِقُ به ، فبعث أبا إسحاق إلى المنصور ، فأكرمه
(١) في (ح): ((ظنه)).
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه (٣٨٢/٤) عن المدائني.

٢٩٤
مهلك أبي مسلم الخراساني
ووَعَدَهُ بنيابةِ العراقِ إنْ هو ردّه، فلمَّا رجع إليه أبو إسحاق قال له : ما وراءك ؟ قال : رأيتُهم مُعظِمِينَ
لك ، يعرفون قدرَك . فَغَرَّهُ ذلك، وعزم على الذهاب إلى الخليفة ، فاستشار أميراً يُقالُ له نَّزَك فنهاه ،
فصمَّمَ على الذهاب ، فلما رآهُ نيزك عازماً على الذهاب تمثَّلَ بقولِ الشاعر :
ما لِلرَّجَالِ مع القضاءِ محَالَةٌ ذهب القضاءُ بِحِيلَةِ الأقوامِ
ثم قال له : احفظُ عني واحدةً . قال : وما هي ؟ قال : إذا دخلتَ عليه فاقتُلْهُ ثم بابِعْ مَنْ شئتَ
بالخلافة ، فإنَّ الناسَ لا يخالفونك . وكتب أبو مسلم يُعِلمُهُ بقُدومِهِ عليه . قال أبو أيوب كاتبُ الرسائل :
فدخلت على المنصور وهو جالسٌ في خِبَاءِ شعَر ، جالسٌ في مُصَلاهُ بعدَ العَصْر ، وبين يديه كتاب ، فألقاهُ
إليّ ، فإذا هو كتابُ أبي مسلم يُعلمه بالقُدوم عليه ، ثم قال الخليفة : والله لئن ملأتُ عيني منه لأقتلَنَّه .
قال أبو أيوب: فقلتُ: ﴿ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [ البقرة: ١٥٦]، وبِتُّ تلك الليلةَ لا يأتيني نَوْم، وأفكِّرُ
في هذه الواقعة ، وقلت : إنْ دخل أبو مسلم خائفاً ربما يبدو منه شرٌّ إلى الخليفة ، والمصلحةُ تقتضي أن
يدخلَ آمناً ليتمكَّنَ منه الخليفة ، فلما أصبحتُ طلبتُ رجلاً من الأمراء وقلتُ له : هل لك أن تتولَّى مدينةً
كَشْكَر(١) فإنها مُغِلَّةٌ في هذه السنة . فقال : ومَنْ لي بذلك ؟ فقلت له : فاذهَبْ إلى أبي مسلم فتلقَّهُ في
الطريق فاطلبْ منه أنْ يُولِّيَّكَ تلك البلد، فإنَّ أمير المؤمنين يُريد أن يُولِّيَّهُ ما وراء بابه ويستريحَ لنفسه .
واستاذنتُ المنصورَ له أنْ يذهبَ إلى أبي مسلم ، فأذِنَ له وقال له: سَلَّمْ عليه وقُلْ له : إنَّا بالأشواق إليه .
فسار ذلك الرجلُ وهو سلمة بن فلاُ(٢) إلى أبي مسلم فأخبرَهُ باشتياقِ الخليفةِ إليه ، فسرَّهُ ذلك وانشرح ،
وإنما هو غرورٌ ومَكْرٌ به ، فلما سمع أبو مُسلمٍ بذلك عجَّلَ السَّيْرَ إلى مَنِيَّتِه ، فلما قرب من المدائن أمر
الخليفةُ القوَّادَ والأمراءَ أنْ يتلقَّوه ، وكان دخولُه على المنصور من آخرِ ذلك اليوم ، وقد أشار أبو أيوب
على المنصور أنْ يؤخّرَ قتلَهُ في ساعتِهِ هذه إلى الغد ، فقبل ذلك منه ، فلما دخل أبو مسلم على المنصور
من العَشِيّ أظهر له الكرامةَ والتعظيم ، ثم قال : اذهَبْ فأرِخْ نفسَك، وادخُلِ الحمّام ، فإذا كان الغَدُ
فأَتِنِي ، فخرج من عنده ، وجاءه الناسُ يُسلِّمون عليه ، فلما كان الغدُ طلب الخليفةُ بعضَ الأمراء فقال
له : كيف بلائي عندَك ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين لو أمرتَني أن أقتلَ نفسي لقتلتُها . قال : فكيف بك
(١) كَسْكَر : بالفتح ثم السكون وكاف أخرى وراءه: معناه عامل الزرع، كُورةٌ واسعة يُنسَبُ إليها الفراريج الكَسْكَرية
لأنها تكثر بها جدّاً ، رأيتها أنها تُباع فيها أربعة وعشرون فروجاً كباراً بدرهم واحد ، قال ابن الحجاج : ما كان قط
غذاءها إلا الدجاج المصدّر ، والبط يُجلب إليها ، لكنْ يُجلب من بعض أعمال كسكر ، وقصَبَتُها اليومَ واسط ،
القصبة التي بين الكوفة والبصرة ، وكان قصبتها قبل أن يُمَصِّرَ الحجاجُ واسطاً خسرو سابور ، ويقال: إنَّ حَدَّ كورةٍ
كَسْكَر من الجانب الشرقي في آخرِ سقي النهروان إلى أن تصُبَّ دِجلَةُ في البحرِ كله من كسكر فتدخل فيه على هذا
البصرة ونواحيها . معجم البلدان (٤/ ٤٦١).
(٢) هو سلمة بن سعيد بن جابر كما في تاريخ الطبري (٣٨٤/٤).

٢٩٥
ترجمة أبي مسلم الخراساني
لو أمرتُكَ بقتلِ أبي مسلم ؟ قال: فوَجَم ساعةً ثم قال له أبو أيوب : ما لَكَ لا تتكلّم ؟ فقال قولةً ضعيفة :
أقتلُه . ثم اختار له من عيونِ الحَرَس أربعةً، فحرَّضَهم على قتله ، وقال لهم : كونوا من وراء الرُّوَاق ،
فإذا صفَّقتُ بيدي فاخرجوا عليه فاقتلوه . ثم أرسل المنصورُ إلى أبي مسلم رسلاً تَتْرَى يتبع بعضُهم بعضاً ،
فأقبل أبو مسلم فدخل دارَ الخلافة ، ثم دخل على الخليفة وهو يبتسِم ، فلمَّا وقف بين يديه جعل المنصورُ
يعاتِبُّهُ في الذي صنَعَ واحدةً واحدةً ، فيعتذِرُ عن ذلك كلِّه، فيما كان اعتمدَهُ من الأمور التي تسَرَّعَ فيها ،
ثم قال : يا أمير المؤمنين ، أرجو أن تكونَ نفسُكَ قد طابَتْ عليّ . فقال المنصور : أما والله ما زادَني هذا
إلَّا غَيْظاً عليك . ثم ضرَبَ بإحدى يديه على الأخرى ، فخرج عثمانُ وأصحابُه فضربوه بالسيوف حتى
قتلوه ولقُّوهُ في عباءة ، ثم أمَرَ بإلقائه في دِجْلَة، وكان آخرَ العَهْدِ به ، وكان مقتَلُهُ في يوم الأربعاء لأربعٍ
بَقِينَ من شعبان سنةَ سبع وثلاثين ومئة . وكان من جُملة ما عاتبه به المنصور أن قال : كتبتَ إليَّ مرَّاتٍ تبدأَ
بنفسِك ، وأرسلتَ تخطبُ عمَّتي أمينة ، وتزعمُ أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس إلى غيرِ ذلك . فقال
أبو مسلم : يا أمير المؤمنين لا يُقال لي هذا وقد سعَيْتُ في أمرِكم بما عَلِمَهُ كلُّ أحد. فقال : وَيْلَك! لو
قامَتْ في ذلك أمَةٌ سوداء لأتَمهُ الله لِجِدِّنا وحَيْطَتِنا . ثم قال: والله لأقتلَنَّك. فقال: استبقِني يا أميرَ
المؤمنين لأعدائك . فقال : وأيُّ عدوٍّ لي أعدَى منك ؟ ثم أمر بقتلِهِ كما تقدَّم . فقال له بعضُ الأمراء:
يا أميرَ المؤمنين الآنَ صرتَ خليفة .
ويقال : إنَّ المنصور أنشدَ عندَ ذلك
فألقَتْ عصاها واستقرَّ بِها النَّوَى كما قَرَّ عيناً بالإيابِ المسافرُ
وذكر ابنُ خَلِّكان أنَّ المنصور لَمَّا أرادَ قتلَ أبي مسلم تحيّرَ في أمره ، هل يستشيرُ أحداً في ذلك أو
يستبدُّ هو لئلا يَشِيعَ وينتشر؟ ثم استشار واحداً من نُصَحاء أصحابِه ، فقال : يا أمير المؤمنين ، قال الله
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَ الِهَهُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَأْ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. فقال له: لقد أودعتَها أُذُناً واعية. ثم عزم
على ذلك .
ترجمة أبي مسلم الخراساني (١)
هو عبدُ الرحمن بن مسلم أبو مسلم، صاحبُ دولةٍ بني العباس، ويُقالُ له أميرُ آلِ بيتِ رسولِ الله ◌ِله.
(١) ترجمته في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٠٧)، تاريخ مدينة دمشق (٤٠٨/٣٥، و٢٢٤/٦٧) ، الكامل في التاريخ لابن
الأثير (٤٦١/٤، و٢١/٥)، وفيات الأعيان (١٤٥/٣)، المغني في الضعفاء (٣٨٧/٢)، المقتنى في سرد
الكنى للذهبي (٧٦/٢)، ميزان الاعتدال (٣١٧/٤)، لسان الميزان (٤٣٦/٣)، نزهة الألباب في الألقاب
لابن حجر (٢٧٢/٢)، النجوم الزاهرة (٣٣٥/١).

٢٩٦
ترجمة أبي مسلم الخراساني
وقال الخطيب(١): يقال له عبد الرحمن بن مسلم بن سنفيرون بن اسفنديار ، أبو مسلم المروزِيّ ، صاحبُ
الدولة العباسية ، يَزْوي عن أبي الزبير [ محمد بن مسلم المكِّي ]، وثابت البُنَاني، وإبراهيم ،
وعبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . زاد ابن عساكر(٢) في شيوخه : محمد بن علي ،
وعبد الرحمن بن حَرْمَلة ، وعكرمة مولى ابن عباس .
قال ابنُ عساكر(٣) : روى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ ، وبشر والد مُصعَب بن بشر ، وعبد الله بن
شُبْرُمَة ، وعبدُ الله بن مُنِيب المروزي ، وقُديد بن مَنِيع ، صِهْر أبي مسلم .
قال الخطيب(٤): وكان أبو مسلم فاتكاً ذا رأي وعقل وتدبير وحزم ، قتله أبو جعفر المنصور
بالمدائن .
وقال أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان : كان اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن يسار ، قيل إنه ولد
بأصبهان ، وروى عن السُّدِّي وغيرِه ، وقيل اسمه إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سندوس بن جودرن ، من
ولدِ بُرُرْجمْهر ، وكان يُكنى أبا إسحاق ، ونشأ بالكوفة ، وكان أبوه أوصى به إلى عيسى بن موسى
السرَّاج ، فحمله إلى الكوفة وهو ابنُ سبع سنين ، فلما بعثه إبراهيم بن محمد الإمام إلى خراسان قال له
غَيِّرِ اسْمَكَ وَكُنْيَتَك؛ فَتَسَمَّى عبد الرحمن بن مسلم، واكتنى بأبي مسلم ، فسار إلى خُراسان وهو ابنُ
سبعَ عشرةَ ، راكباً على حمارٍ بإكاف ، وأعطاهُ إبراهيم بن محمد نفقةً من عنده ، فدخل خراسانَ وهو
كذلك ، ثم آلَ به الحال حتى صارَتْ له خُراسانُ بأزِمَّتِها وحَذَافِيرِها .
وذكر بعضُهم أنه في ذهابِهِ إليها عدا رجلٌ من بعضِ الحانات(٥) على حمارِهِ فهَلَبَ ذنَبه(٦) ، فلما تمكَّن
أبو مسلم جعل ذلك المكان دَكّاً ، فكان بعدَ ذلك خراباً .
وذكر بعضُهم أنه أصابه سِبَاءٌ في صِغَرِهِ ، وأنه اشتراهُ بعضُ دعاةٍ بني العباس بأربعمئة درهم ، ثم إن
إبراهيم بن محمد الإمام استوهَبَهُ واشتراه ، فانتمى إليه ، وزوَّجهُ إبراهيمُ بنتَ أبي النَّجْم عمرانَ بنِ
إسماعيل الطائيِّ أحَدِ دُعاتِهم لمَّا بعثه إلى خراسان ، وأصدَقَها عنه أربعمئة درهم ، فؤُلد لأبي مسلم
بنتان ، إحداهما أسماءُ أعقبَتْ ، وفاطمة لم تُعقب .
(١) في تاريخ بغداد (١٠ / ٢٠٧).
(٢) في تاريخ مدينة دمشق (٤٠٨/٣٥).
(٣) في تاريخه (٤٠٨/٣٥) .
(٤) في تاريخ بغداد (١٠ / ٢٠٧).
(٥) في (ح): ((الحمامات)).
(٦) الهُلب: الشعر كله، وقيل: هو في الذنب وحده. وفرسٌ مَهْلُوب: مستأصَلُ شعَرِ الذنب، وهُلِبَ ذَنبهُ : أيْ
استؤصل جَزّاً . لسان العرب ( هلب ) .

٢٩٧
ترجمة أبي مسلم الخراساني
وقد تقدَّمَ ذكرُ كيفيةِ استقلالِ أبي مسلم بأمورٍ خُراسانَ في سنةٍ تسع وعشرين ومئة ، وكيف نشر دعوةً
بني العباس . وقد كان ذا هيبةٍ وصَرَامةٍ وإقدامٍ وتسَرُّعِ في الأمور، وقد روى ابنُ عساكرُ(١) من طريقٍ
مصعب بن بشر ، عن أبيه قال : قام رجلٌ إلى أبي مسلم وهو يخطب فقال : ما هذا السوادُ الذي أرى
عليك؟ فقال: حدثني أبو الزُّبير عن جابر بن عبدِ الله، أنَّ رسول اللهَوَ ◌ّهِ دخل مكة يومَ الفتح وعليهِ عمَامةٌ
سوداء ، وهذهِ ثيابُ الهيبةُ(٢) وثيابُ الدولة ، يا غلام ، اضربْ عُنقَه .
وروى(٣) من حديث عبد الله بن مُنيب عنه (٤) عن محمد بن علي، عن أبيه ، عن جدِّهِ عبدِ الله بن
عباس قال: قال رسول الله وَلَهُ: ((منْ أراد هوانَ قُريشٍ أهانَهُ الله (٥) .
وقد كان إبراهيمُ بن ميمون الصائغُ من أصحابِهِ وجلسائهِ في زمَنِ الدعوة ، وكان يَعِدُهُ إذا ظهَرَ أنْ يُقيمَ
الحُدود ، فلمَّا تمكَّنَ أبو مسلم ألخَ عليهِ إبراهيمُ بن ميمون في القيام بما وَعَدهُ به حتى أحرَجَه ، فأمرَ
بضَرْبِ عُنقه بعد ما قال له : هلَّ تُنكرُ على نصرِ بنِ سيَّارٍ وهو يعملُ أوانيَ الخمر من الذهب فيبعثها إلى بني
أمية ؟ فقال له : إنَّ أولئك لم يُقرِّبوني من أنفسِهم ويَعِدُوني منها ما وعَدْتَني أنت .
وقد رأى بعضُهم - في المنام لإبراهيمَ بنِ مَيْمون هذا منازلَ عاليةً في الجنة بصَبْرِهِ على الأمرِ بالمعروفِ
والنَّهي عن المنكر ، فإنه كان آمراً ناهياً قائماً في ذلك ، فقتله أبو مسلم رحمه الله .
وقد ذكرنا طاعةً أبي مسلم للسَّفَّاح واعتناءَهُ بأمرِه ، وامتثالِ مَرَاسمِه ، فلمّا صار الأمرُ إلى المنصور
استخفَّ بهِ واحتقرَهُ، ومع هذا بعثه إلى عمِّه عبدِ الله إلى الشام فكسرَهُ واستنقذ منه الشام ورَدَّها إلى حُكم
المنصور، ثم شَمَختْ نفسُهُ على المنصور ، وهمَّ بقتله ، ففَطِنَ لذلك المنصور مع ما كان مُبْطناً له منَ
البِغْضَة في نفس الأمر ، وقد سأل أخاهُ السفاحَ غيرَ مرَّةٍ أنْ يقتُلَهُ فصدَفَ عن ذلك ؛ وذكرْنا أيضاً ما كان من
أمرٍ أبي مسلم والمنصور من المراسلات والمكاتبات حين استوحش منه المنصور ، واتَّهَمهُ بسوء النّة ،
في تاريخ مدينة دمشق ( ٤٠٨/٣٥، ٤٠٩).
(١)
في (ق): (( الهيئة ))، والمثبت من ( ب ، ح ) وتاريخ ابن عساكر.
(٢)
(٣)
يعني ابن عساكر في تاريخه ( ٤٠٩/٣٥) .
(٤)
يعني أبا مسلم الخراساني .
رواه أبو نعيم في أخبار أصبهان (١٠٩/٢) من طريق عبد الله بن منيب، به، وإسناده ضعيف . ورواه الخطيب في
(٥)
تاريخه ( ٩/١٥ بتحقيقنا) من قول ابن عباس موقوفاً عليه، وإسناده ضعيف أيضاً كما بينته في تعليقي عليه . لكن
الحديث قد روي من طرق أخرى يرتقي بمجملها إلى درجة الحسن ، فقد أخرجه أحمد في مسنده (١/ ١٨٣)
والترمذي (٣٩٠٦) من حديث سعد بن أبي وقاص . ورواه أحمد أيضاً (١/ ٦٤) وابن حبان (٦٢٦٩) من حديث
عثمان بن عفان .

٢٩٨
ترجمة أبي مسلم الخراساني
وما زال يراسِلُهُ ويستدعيه ويَخْدَعُه ويُماكِرُهُ حتى استحضَرَهُ فقتَلَه كما قدَّمنا بيانه(١)
قال بعضُهم كتبَ المنصورُ إلى أبي مسلم : أمَّا بعد ، فإنه يُرينُ على القلوب ، ويَطْبَعُ عليها المعاصي
فع أيها الطائش ، وأفِقْ أيُّها السَّكْران ، وانتبِهِ أيها النائم، فإنَّك مغرورٌ بأضغاث أحلام كاذبة، في بَرْزَخ
دُنْيَا قد غرَّتْ مِنْ كانَ قَبْلَك، وُسِمَ بها سوالفُ القُرون ﴿ هَلْ تُحُِ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكُزْا ﴾
[ مريم: ٩٨]، وإن الله لا يُعجِزُهُ منْ هَرَب، ولا يَقُوته من طلب، فلا تغترَّ بمن معك من شيعتي وأهلِ
دعوتي ، فكأنَّهم قد صالوا عليك بعدَ أنْ صالوا معكَ إنْ أنتَ خلعتَ الطاعةَ وفارقتَ الجماعة ، وبدا لَكَ
من الله ما لم تكنْ تحتسِب ، مهلاً مهلاً ، احذرٍ البغيَ أبا مسلم ، فإنه من بَغَى واعتَدَى تخلَّى الله عنه ،
ونصر عليه منْ يصرَعُهُ لليدينِ والفم ، واحذرْ أنْ تكونَ سُنَّةً في الذين قد خَلَوْا من قبلك ، ومُثْلةً لمن يأتي
بعدَك ، فقد قامتِ الحُجة، وأعذرتُ إليك وإلى أهل طاعتي فيك . قال تعالى: ﴿ وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَاَ الَّذِىّ
ءَاتَّيْنَهُ ءَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [ الأعراف: ١٧٥ ].
فأجابه أبو مسلم : أما بعد فقد قرأتُ كتابَك ، فرأيتُك فيه للصواب مجانباً ، وعن الحقِّ حائداً ، إذ
تضربُ فيه الأمثالَ على غيرِ أشكالِها ، وكتبتَ إليَّ فيه آياتٍ مُنْزِلةً من الله للكافرين ، وما يستوي الذين
يعلمون والذين لا يعلمون ، وإنَّني والله ما انسلختُ من آياتِ الله، ولكنَّني يا عبدَ اللهِ بن محمد ، كنتُ
رجلاً متأوّلاً فيكم من القرآن آياتٍ أوجبَتْ لكمُ الولايةَ والطاعة ، فأتمَمْتُ بأخوينٍ لك من قبلِك ، ثم بكَ
من بعدِهما ، فكنتُ لهما شيعةً متديّناً ، أحسبُني هادياً مُهتدِياً ، وأخطأتُ في التأويل ، وقِدْماً أخطأ
المتأوِّلون، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَايَئِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةً أَنَهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]؛ وإنَّ أخاكَ
السِفَّاحَ ظَهَرَ في صورةِ مَهْدِيّ، وكان ضالاً، فأمَرَنِي أن أُجَرِّدَ السيف وأقتلَ بالظَّنَّة، وأُقَدمَ بالشُّبْهَة ،
وأرفعَ الرَّحْمَة ، ولا أُقيلَ العَثَرَةِ ، فوترتُ أهلَ الدُّنْيا في طاعتِكم ، وتَوْطِئَة سُلطانكم ، حتى عرَّفكم الله منْ
كانَ جَهِلَكُمْ ، ثم إنَّ الله سبحانه وتعالى تدارَكَني منه بالنَّدَم ، واستنقذني بالتَّوبة ، فإنْ يَعْفُ عنِّي ويصفَح ،
فإنه كان للأوَّابين غفوراً ، وإنْ يُعاقِبْنِي فبذنوبي ، وما ربُّكَ بظلامٍ للعَبيد .
فكتب إليه المنصور : أمَّا بعدُ أيها المجرمُ العاصي ، فإنَّ أخي كان إمامَ هُدى، يَدْعو إلى اللّه على بيّنةٍ
من رَبِّه ، فأوضح لك السبيل، وحَمَلكَ على المنهج السَّديد، فلو بأخي اقتديت لمَا كنتَ عن الحقِّ
حائداً ، وعن الشيطانِ وأوامرِهِ صادراً، ولكنَّه لم يسنَحْ لكَ أمرانِ إلَّ كنتَ لأرشَدِهما تاركا، ولأغواهُما
راكباً ، تقتُل قتلَ الفراعنة، وتبطِئُ بطشَ الجبابرة، وتَحكُمُ بالجَوْرِ حُكُم المفسدين ، وتبذِرُ المالَ
وتضَعُه في غير مَوَاضعِهِ فعلَ المسرفين ؛ ثم من خَبَري أيها الفاسق ، أنِّي قد ونَيَتْ موسى بن كعب
(١) انظر ص (٢٩١) من هذا الجزء.

٢٩٩
ترجمة أبي مسلم الخراساني
خُراسان، وأمَرْتُهُ أنْ يُقيمَ بنَيْسابور، فإنْ أردتَ خُراسان لَقَيَكَ بمَنْ معه من قُوَّادي وشيعتي، وأنا مُوَجِّهٌ
للقائك أقرانَك ، فاجْمَعْ كَيْدك وأمْرُكَ غيرُ مسدَّدٍ ولا مُوَفَّق ؛ وحَسْبُ أميرِ المؤمنينَ ومَنِ اتَّبَعَهُ الله ونعمَ
الوَكيل .
ولم يزَلِ المنصورُ يُراسلهُ تارةً بالرغبة، وتارةً بالرَّهْبة ، ويستخِفُّ أحلامَ منْ حَوْلَهُ من الأمراءِ والرسُل
الذين يبعثهم أبو مسلم إلى المنصور ، ويَعِدُهم حتى حَسَّنوا لأبي مسلم في رأيه القُدومَ عليه سوى أميرٍ معه
يُقال له نَيْزِك ، فإنَّه لم يُوافقْ على ذلك، فلمَّا رأى أبا مسلم وقد انصاعَ لهم أنشدَ عن ذلك البيت المتقدِّمُ(١)
وهو :
ما للرجال مع القضاء مُحالةٌ ذهب القضاءُ بحيلةِ الأقوام
وأشار عليه بأن يقتلَ المنصور ويستخلفَ بدَلَه ؛ فلم يُمْكِنْهُ ذلك، فإنَّه لما قَدِمَ المدائن تلقَّهُ الأمراءُ
عن أمرٍ الخليفة ، فما وصل إلَّ آخرَ النهار، وقد أشار أبو أيوب كاتبُ الرسائل أنْ لا يَقْتُلَهُ يومَهُ هذا كما
تقدَّم . فلما وقف بين يدي الخليفة أكرَمهُ وعَّمهُ وأظهرَ احترامَه وقال : اذهبِ الليلةَ فأذهبْ عنك وغْثاءَ
السَّفَر ثم ائِني من الغد . فلما كان الغَدُ أرصَدَ لهُ من الأمراءِ منْ يَقْتُلُه منهم عثمان بن نَهِيك ، وشبيب بن
واج، وأرسل إليه رسلاً تترى ليقدم عليه، فقتلوه كما تقدَّمُ(٢).
ويُقال بل أقام أياماً يُظهِرُ له المنصورُ الإكرام والاحترام ، ثم بَدَا له منه الوَحْشةُ ، فخاف أبو مسلم ،
واستشفَعَ بعيسى بنِ موسى ، واستجارَ به وقال : إني أخافُهُ على نفسي . فقال: لا بأس عليك . فانطلِقْ
فإِنِّي آتٍ وراءَكَ ، أنتَ في ذمَّتي حتى آتيَكَ . ولم يكنْ مع عيسى خبرٌ بما يُريدُ بهِ الخليفة ؛ فجاء أبو مسلم
يستأذنُ المنصور، فقالوا له : اجلِسْ هاهنا، فإنَّ أميرَ المؤمنين يتوضَّأ ، فجلس وهو يودُّ أنْ يطولَ
مجلسُه، ليجيءَ عيسى بنُ موسى، فأبطأ ، وأذنَ له الخليفة ، فدخل عليه ، فجعل يُعانِبُهُ في أشياءَ صدَرَتْ
منه ، فيعتذرُ عنها جيداً ، حتى قال له : فلِمَ قتلتَ سليمان بن كَثير ، وإبراهيمَ بنَ ميمون وفلاناً وفلاناً ؟
قال : لأنَّهم عصَوْني وخالفوا أمْري . فغضبَ عندَ ذلكَ المنصور وقال : وَيْحَك! أنتَ تقتُلُ إذا عُصيت ،
وأنا لا أقتُلُكَ وقد عصَيْتَنِي؟! وصَفَّقَ بيدَيْه ، وكانتِ الإشارةَ بينه وبين أولئكَ المُرْصَدِين لقَتْلِهِ ، فتبادروا
إليه ليقتلوه ، فضرَبَهُ أحدُهم فقطَعَ حمائلَ سيفِه ، فقال : يا أمير المؤمنين استبقِني لأعدائك . فقال : وأيُّ
عدوّ أَعْدَى منك؟! ثم زجَرَهُم المنصور ، فقطّعوهُ قِطَعاً ولقُّوْهُ في عباءة ، ودخل عيسى بن موسى على إِثْر
ذلك ، فقال : ما هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: هذا أبو مسلم . فقال: إنا لله وإنّا إليه راجعون . فقال له
المنصور : أحمد الله الذي هجمت عليَّ نِعَمُه، ولم تَهجُمْ عليَّ نِقَمُه . ففي ذلك يقول أبو دُلامة :
(١) تقدم ص (٢٩٤).
(٢) تقدم ص (٢٩٥).

٣٠٠
ترجمة أبي مسلم الخراساني
على عبدِهِ حتى يُغيِّرَها العَبْدُ
أبا مسلم ما غيَّرَ اللهُ نِعمةً
أبا مسلمٍ خَوَّفَتَي القتلَ فانْتحى عليك بما خَوَّفَتَنِي الأسَدُ الوَزْدُ(١)
وذكر ابنُ جرير(٢) أنَّ المنصور تقدَّمَ إلى عثمانَ بنِ نَهيك ، وشبيب بن واج ، وأبي حنيفة حرب بن
قيس ، وآخر من الحرس ، أن يكونوا قريباً منه ، فإذا دخل عليه أبو مسلم وخاطبه ، وضرب بإحدى يديه
على الأخرى فَلْيَقتلوه . فلما دخل عليه أبو مسلم قال له المنصور ما فعلَ السيفانِ اللذانِ أصبتَهما من
عبدِ الله بن علي ؟ فقال : هذا أحدُهما . فناوله السيف فوضعه تحت ركبته ، ثم قال له : ما حملك على
أن تكتب لأبي عبد الله السفّاح تنهاهُ عن الموات، أردتَ أنْ تعلِّمَنا الدِّين؟! قال: إنَّني ظننتُ أنَّ أخْذَهُ
لا يَحِلّ ، فلما جاءني كتابُ أميرِ المؤمنين علمتُ أنه وأهلَ بيته مَعْدِنُ العِلْم . قال : فلِمَ تقدَّمتَ عليَّ في
طريقِ الحجّ ؟ قال : كرهتُ اجتماعَنا على الماء ، فيضرّ ذلك بالناس ، فتقدَّمْتُ التماسَ الرِّفق . قال :
فِلِمَ لا رجعتَ إليَّ حين أتاكَ خبرُ موتِ أبي العباس ؟ قال : كرهتُ التضييقَ على الناسِ في طريقِ الحج ،
وعرفتُ أنَّا سنجتمعُ بالكوفة، وليس عليكَ منِّي خلاف . قال : فجاريةُ عبدِ الله بنِ علي أردتَ أن تَتَّخِذَها
لنفسِك؟ قال : لا ، ولكنْ خفتُ أن تَضِيعَ فحمَلْتُها في قُبَّة ، ووَّلْتُ بِها من يَحفَظُها . ثم قال: ألستَ
الكاتبَ إليَّ تبدأُ بنفسِك؟ والكاتب إليَّ تَخطُبُ أمينةَ بنتَ عليّ، وتزعمُ أنك ابنُ سَليط بن عبدِ الله بن
عباس ؟ هذا كلُّهُ ويَدُ المنصورِ في يَدِهِ يَعْرِكُها ويُقَبِّلُها ويعتذر ؛ ثم قال له: فما حَمَلكَ على مُرَاغمتي
ودخولكَ إلى خُراسان ؟ قال : خِفْتُ أنْ يكونَ دَخَلكَ مِنِّي شيء ، فأردتُ أنْ أدخُلَ خراسانَ وأكتبَ إليكَ
بِعُذْري . قال : فِلِمَ قتلتَ سليمانَ بنَ كَثير وكان من نُقْبائنا ودُعاتنا قَبْلَك ؟ قال : أرادَ خِلافي . فقال :
وَيْحك! وأنتَ أردتَ خلافي وعَصَيتني ، قَتَلَني الله إنْ لم أقتُلْك. ثم ضرَبَهُ بعمودِ الخيمة ، وخرج إليه
أولئك، فضربه عثمانُ فقطَعَ حمائلَ سيفه، وضرَبَهُ شبيبٌ فَقَطِعَ رِجْلَه، وحمَلَ عليه بقيَّتُهُمْ بالسيوف ،
والمنصورُ يَصيح : ويحكم اضربوه ، قطَعَ الله أيديكم . ثم ذَبَحوه وقطّعوه قطعاً قِطَعاً ، ثم أُلقي في
دِجْلة .
ويُروى أنَّ المنصورَ لمَّا قتلَه وقف عليه فقال: رَحِمكَ الله أبا مسلم بايعتَنَا فبايعناك ، وعاهدتَنا
وعاهَدْناك، ووفيتَ لنا فوَفيْنا لك، وإنَّا بايعناك على أنْ لا يَخرِجَ علينا أحدٌ في هذه الأيام إلَّ قَتَلْناه ،
فخرَجْتَ علينا فقتَلْناك وحَكَمْنا عليك حُكْمكَ على نفسِك لنا . ويُقال : إنَّ المنصور قال : الحمدُ لله الذي
أرانا يومكَ يا عدوَّ الله .
(١) البيتان في ديوان أبي دلامة ص (٥١): وزاد فيهما بيتاً ثالثاً هو:
ألا إنَّ أهْلَ الغَذْرِ آبَاؤُكَ الكُزْدُ
أفِي دَولَةِ الْمَهْدِيِّ حَاوَلْتَ غَدْرَةٌ
(٢) هو الطبري في تاريخه (٣٨٥/٤) بألفاظ مقاربة .