Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ خلافة أبي العباس السفاح دارَ الوليدِ بن سعد مولى بني هاشم، وكَتَم أمرَهم نحواً من أربعين ليلةً من القُوَّادِ والأمراء ، ثم ارتحلَ بِهم إلى موضعٍ آخر ، ثم لم يزَلْ يَنقُلُهم من مكانٍ إلى مكان ، حتى فُتحت البلاد ، ثم بُويع للسَّفَّاح . وأما إبراهيمُ بن محمد الإمام فإنَّه سِيرَ به إلى أميرِ المؤمنينَ في ذلك الزمان مروانَ بنِ محمد ، وهو بِحَرَّان، فحبسَه - كما قدَّمن١) - وما زال في السِّجْن إلى هذهِ السنة، فمات في صفر منها في السِّجن عن ثمانٍ وأربعينَ سنة، وقيل: إنه غُمَّ بِمِرْفَقَةٍ(٢) وُضِعتْ على وجههِ حتى ماتَ عن إحدى وخمسين سنةً ، وصلَّى عليهِ رجلٌ يُقال له بُهْلول بن صفوان ، وقيل: إنه هُدِمَ عليه بيتٌ حتى مات، وقيل: بل سُقِيَ لبناً مسموماً فمات ، وقيل : إنَّ إبراهيم الإمام شَهِدَ الموسم عامَ إحدى وثلاثين ، واشتهَرَ أمرُه هنالك، لأنَّهُ وقف في أُبَّهَةٍ عظيمة، ونَجَائب كثيرة، وحُرْمَةٍ وافرة ، فأُنَّهِي أمره إلى مروان ، وقيل له : إنَّ أبا مسلمٍ يَدْعو الناسَ إلى هذا، ويُسَمُّونَهُ الخليفة ، فبعثَ إليه في المحرَّم من سنةٍ ثنتين وثلاثين ، وقتله في صفر من هذه السنة . وهذا أصَحُ مِمَّا تقدَّم. وقيل: إنما أخذَهُ من الكوفةِ لا من حُمَيْمَةِ البلقاء ، والله أعلم . وقد كان إبراهيمُ هذا كريماً وجواداً ، له فضائلُ وفواضل . وروَى الحديثَ عن أبيه ، عن جَدِّه ، وأبي هاشم عبدِ الله بن محمد بنِ الحنَفِيَّة . وعنه أخواه عبدُ الله السفاح ، وأبو جعفر عبدُ الله المنصور ، وأبو سلَمَة عبدُ الرحمن بن مسلم الخُراساني ، ومالك بن هاشم . ومن كلامِهِ الحسَنِ : الكاملُ المروءة منْ أحرَزَ دِينَه، ووَصَلَ رَحِمَه ، واجتنبَ ما يُلامُ عليه . خِلافةُ أبي العباس السَّفَّاح لما بلَغَ أهلَ الكوفةِ مقتَلُ إبراهيمَ بن محمد أراد أبو سَلَمةَ الخلاَّل أنْ يحَوِّلَ الخِلافةَ إلى آلٍ عليٍّ بنِ أبي طالب ، فغلَبَهُ بقيَّةُ النُّقَبَاءِ والأمراء، وأحضروا أبا العباس السفّاح، وسلَّمُوا عليهِ بالخِلافة ، وذلك بالكوفة ، وكان عمرُهُ إذ ذاك سِتّاً وعشرين سنةً . وكان أولَ مَنْ سَلَّمَ عليه بالخِلافة أبو سلمةَ الخَلَّل ، وذلك ليلةَ الجُمعة ، لثلاثَ عشرةَ ليلة خلَتْ من ربيع الآخر من هذه السنة ، فلما كان وقتُ صلاةٍ الجُمعة خرَجَ السفَّاحُ على بِرْذَوْنٍ أَبْلَق، والجنودُ مُلبَسَةٌ معه، حتى دخل دارَ الإمارة ، ثم خرج إلى المسجدِ الجامع ، وصلى بالناس ثم صَعِدَ المِنبَر ، وبايَعَهُ الناسُ وهو على المِنْبَرِ في أعلاه ، وعَقُّهُ داودُ بن علي واقفٌ دونَهُ بثلاث درج ، وتكلَّمَ السفّاحُ وكان أوَّلَ مانطَقَ به أنْ قال : الحمدُ للهِالذي اصطَفَى لنفسهِ دِيناً ، وكرَّمَهُ وشرَّفَهُ وعَظّمَهُ، واختارَهُ لنا، وأيَّدَهُ بنا، وجعلَنَا أهلَهُ وكَهْفَه، والقُؤَّامَ به ، والذَّاتِينَ عنه ، (١) انظر ما سبق ص (٢٥٢). (٢) في ( ق): ((بمرققة)) تصحيف، والمِزْفَقَة - بالكسر - والْمِرْفَق: الْمُتَّكأ، والمِخَدَّة، وقد تَمَرْفق: إذا أخذَ مِرْفَقَة . لسان العرب ( رفق ) . ٢٦٢ خلافة أبي العباس السفاح والناصرينَ له، وألزمَنَا كلمةَ التقوَى، وجعلنَا أحقَّ بِها وأهلها، خَصَّنا بِرَحِم رسول الله وَلَهُ وقَرَابَتِه ، ووضَعَنا بالإِسلام وأهلِهِ في المَوْضِعِ الرَّفِيع ، وأنزلَ بذلك على أهلِ الإسلام كتاباً يُتَلَى عليهم ، فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَّرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرًا﴾ [ الأحزاب: ٣٣]، وقال: ﴿قُل لَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ الْقُرْبِىُّ﴾ [ الشورى: ٢٣]. وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اُلْأَقْرَيِينَ﴾ [ الشعراء: ٢١٤]. وقال: ﴿قَّآ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْبَشَمَى وَالْمَسَكِينِ﴾ [الحشر: ٧] ، الآية. فأعلمهم عزَّ وجلَّ فضلنا وأوجَبَ عليهم حقَّنا وموذَّتنا ، وأجزل من الفَيْءِ والغَنِيمةِ نصيبنا . تَكرِمَةً لنا، وتَفْضِلَةُ(١) علينا، والله ذو الفضلِ العظيم، وزعمتِ السَّبَيَّة الضُّلاَّل أنَّ غيرَنا أحَقُّ بالرياسةِ والسِّياسةِ والخلافةِ منَّاً ، فشاهتْ وجوهُهم . أيُّها الناس! بنا هَدَى الله الناسَ بعدَ ضلالَتِهِم ونصرَهم بعد جهالَتِهِم، وأنقذَهُم بعد هَلَكَتِهِم وأظهرَ بنا الحقَّ وأدْحَضَ بنا الباطل ، وأصلح بنا منهم ما كان فاسداً ورفَعَ بنا الخسيسة ، وأتمَّ النَّقِيصة ، وجمع الفُرْقة ، حتى عاد الناسُ بعد العداوةِ أهل تَعاطُفٍ وبِزَّ ومواساةٍ في دنياهم ، وإخواناً على سُرُرٍ متقابِلِين في أخرَاهم، فَتَحَ اللهُ علينا ذلك مِنَّةٌ ومِنْحَةً بِمحمدٍ بِ ◌َّ، فلما قِبَضَهُ إليه قام بذلك الأمرَ بعدَهُ أصحابُه ، وأمْرُهُمْ شُورى بينهم ، فحوَوْا مَوَاريثَ الأَمَم ، فعدّلوا فيها ، ووضعوها مواضعها ، وأعطوها أهلها ، وخرجوا خماصاً منها ، ثم وثب بنو حربٍ ومروان ، فابتزوها لأنفسهم ، وتداوَلوها ، فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلَها، فأملى الله لهم حيناً ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أُنثَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [ الزخرف: ٥٥]، فانتزع منهم ما بأيديهمْ بأيدينا ، وردّ الله علينا حَقَّنا، وتدارَكَ بنا أُمَّتنا، وتولَّى أمرَنا والقيامَ بنصرِنا لِيَمُنَّ بنا على الذين استُضْعِفُوا في الأرض ، وختَمَ بنا كما افتتح بنا . وإنِّي لأرجو أنْ لا يأتيَكُم الجَوْرُ من حيثُ جاءكمُ الخير ، ولا الفسادُ من حيثُ جاءكمُ الصلاح ، وما توفيقُنا أهلَ البيتِ إلَّ بالله، يا أهلَ الكوفة ، أنتم مَحَلُّ مَحبَّنَا، ومَنْزِلُ موذَّتِنا ، وأنتم أسعدُ الناسِ بنا ، وأكرمُهم علينا ؛ وقد زِدْتُكُمْ في أُعطياتِكم مئةَ دِرْهم، فاستعدُّوا، فأنا السَّفَّاحُ الهائج ، والثائرُ الْمُبير . وكان به وَعْك، فاشتدّ عليه حتى جلس على المنبر ، ونهَضَ عتُّه داود فقال : الحمدُ لله شكراً ، الذي أهلَكَ عدوَّنا، وأصارَ إلينا ميراثنا من بيتنا . أيها الناس ، الآنَ انقشعَتْ حَنَادسُ الظلماتِ وانكشف غِطَاؤها، وأشرقَتْ أرضُها وسماؤها، فطلعتْ شمسُ الخِلافةِ مِنْ مَطْلعها، وبَزَغَ القمرُ من مَبْزَغِه ، ورجَعَ الحقُّ إلى نصابِهِ ، في أهلِ نبيَّكُمْ ، أهلِ الرأفةِ والرحمةِ والعَطْف ، عليكم أيُّها الناس ، إنَّا واللهِ ما خرَجْنا لهذا الأمر ، لِنَكْنزَ لُجَيْناً ولا عِقْيَاناً، ولا لِنحِفِرَ نَهْراً ولا لِنَبَنِيَ قصراً ، ولا لنجمعَ ذهباً ولا فِضَّةً، وإنما أخرجَتْنَا الأَنَّفَةُ من انتزَاعِ حَقُّنا، والغضَب لبني عَمِّنا، ولِسُوء سيرةِ بني أميةَ فيكم ، (١) في ( ب، ح): ((وفضله)). ٢٦٣ خلافة أبي العباس السفاح واستذلالِهم لكم ، واستئثارِهِم بفَيْئكمْ وصدَقَاتِكم ؛ فلكُمْ علينا ذِمَّةُ اللهِ وذمَّةُ رسولِه ، وذمَّةُ العباس أنْ نحكمَ فيكم بما أنزل الله، ونعملَ بكتاب الله ، ونسيرَ في العامَّةِ والخاصَّةِ بسيرةِ رسولِ الله . تَبَّ تَبّاً لبني أميةَ وبني مروان ، آثروا العاجلةَ على الآجِلة ، والدارَ الفانيةَ على الدارِ الباقية ، فركبوا الآثام ، وظلموا الأنام ، وارتكبوا المحارِم، وغَشُوا الجرائم ، وجاروا في سيرَتِهم في العباد ، وسُنَّتِهِم في البلادِ التي بها استلذُّوا تسَرْبُلَ الأوزار، وتجَلْبُبَ الآصار ، ومرَحُوا في أعِنَّةِ المعاصي ، وركضوا في ميادين الغي ، جهلاً منهم باستدراج الله، وعُمياً عن أخذِ الله، وأمناً لِمَكْرِ الله، فأتاهم بأسُ الله بياتاً وهُمْ نائمون ، فأصبحوا أحاديثَ ومُزِّقوا كلَّ مُمَزَّق؛ فبُعداً للقوم الظالمين، وأدالَنَا اللهُ من مروانُ(١)، وقد غَرَّهُ باللهِ الغَرور ، أرسلَ عدوُ الله في عِنَانه، حتى عَثَرَ جوادُهُ في فَضْلٍ خِطَامِه ، أظنَّ عدوُ الله أنْ لن يَقِدرَ عليه أحَد؟ فنادَى حزبَه، وجمعَ مكايدَهُ(٢)، ورمَى بكتائبه(٣)، فوجَدَ أمامَهُ ووراءَهُ وعن يمينِه وعن شمَالِه ، ومن فوقِهِ ومن تحتِهِ من مكرِ الله وبأسِهِ ونقمتِهِ ما أماتَ باطلَه ، ومَحَق ضلالَه، وأحلَّ دائرَةَ السَّوْءِ به ، وأحيا شرفَنا وعزَّنا، وردّ إلينا حقَّنا وإرْثَنَا . أيُّها الناس، إنَّ أميرَ المؤمنين نصرَهُ الله نصراً عزيزاً ، إنما عادَ إلى المنبرِ بعدَ صلاةِ الجمعة لأنه كَرِه أن يخلِطَ بكلام الجُمعةِ غيرَه ، وإنما قطعَهُ عن استتمام الكلام شدَّةٌ الوَعْك، فادعوا اللهَ لأميرِ المؤمنين بالعافية ، فقد أبَدَلَكم الله بمروانَ عدوِّ الرحمن ، وخليفةِ الشيطان ، المتَبِعِ للسَّفْلَةِ الذين يُفسدون في الأرض ولا يُصلحون ، المتوكّلَ على الله ، المقتدي بالأبرار الأخيار ، الذين أصلحوا الأرضَ بعدَ فسادِها بمعالمِ الهدى ومناهجِ التَّقْوى. قال: فعَجَّ الناسُ له بالدُّعاءِ ثم قال : واعلموا يا أهل الكوفةِ ، أنه لم يصعَدْ مِنبرَكم هذا خليفةٌ بعد رسولِ الله وَّهَ إلَّ أميرُ المؤمنين عليٍّ بن أبي طالب وأميرُ المؤمنين هذا - وأشارَ بيده إلى السفّاح - واعلموا أنَّ هذا الأمرَ فينا ليس بخارجٍ عنا حتى نُسْلِمَهُ إلى عيسى ابن مريم - عليه السلام - والحمدُ لله ربِّ العالمين على ما أبلانا وأولانا٤) . ثم نزل أبو العباس وداود حتى دخلا القصر ، ثم دخلَ الناسُ يُبايعون إلى العَصْر ، ثم من بعدِ العصر إلى الليل ، ثم إنَّ أبا العباس خرج فعسكَرَ بظاهرِ الكوفة ، واستخلَفَ عليها عمَّهُ داود بن علي ، وبعث عمَّه عبدَ الله بنَ علي إلى ابنِ عَوْن بن أبي يزيد ، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسنِ بن قَحْطَبة ، وهو يومئذٍ بواسط يُحاصرُ ابنَ هُبيرة ، وبعث يحيى بن جعفر بن تمام بن العباس إلى حُميد بن قَخْطبة بالمدائن ، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز ، وبعث سلمةَ بنَ عمرو بن عثمان إلى مالِكِ بنِ الطواف ، وأقام هو بالعسكر أشهراً ؛ ثم ارتحل (١) يقال: أدالَ اللهُ زيداً من عمرو - مجازاً -: نَزَع الله الدولة من عمرٍو فآتاها زيداً. الفائق للزمخشري (٤٤٦/١). (٢) في (ق): ((وجمع جنده))، والمثبت من ( ب، ح ) ، وتاريخ الطبري. (٣) في (ب، ح): ((ورمى بكنانته)). (٤) خطبة السفاح وعمه في تاريخ الطبري (٣٤٦/٤ - ٣٤٨) بنحوه. ٢٦٤ ذكر مقتل مروان بن محمد فنزل المدينةَ الهاشميةَ في قصرِ الإمارة وقد تنكَّر لأبي سلمةَ الخلاَّل ، وذلك لما كان بلَغَهُ عنه من العُدول بالخلافة عن ابن عباس إلى آلِ عليٍّ بن أبي طالب ؛ والله سبحانه وتعالى أعلم . ذكرُ مَقْتَلِ مروانَ بنِ محمد بن مروان آخرِ خلفاء بني أمية ، وتحوُّل الخلافةِ إلى بني العباس . وذلك من قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُوَّ مَلِكَ اٌلْمُلْكِ﴾ [آل عمران: ٢٦]، الآية، وقد ذكَرْنا أنَّ مروان لَمَّا بلغَهُ خبرُ أبي مسلم وأتباعِه ، وما جرَی بأرضٍ خُراسان تحوَّلَ من حَزَّان ، فنزل على نهرٍ قريبٍ من المَوْصل يقالُ له الزَّاب من أرضِ الجزيرة ، ثم أبلغَهُ أنَّ السفَّاعَ قد بُويع له بالكوفة ، والتفتَّ عليه الجنود، واجتمع له أمرُه اشتدّ عليه ذلك جداً ، وجمع جنودَهُ ، فتقدَّم إليه أبو عَوْن بن أبي يزيد في جيشٍ كثيف وهو أحدُ أمراءِ السفّاح ، فنازلهُ على الزَّاب ، وجاءتّهُ الأمدادُ من جهةِ السفّاح ، ثم ندَبَ السفاحُ الناسَ ممن يلي القتال من أهل بيتِه ، فانتدَبَ له عبدَ الله بن علي ، فقال : سِرْ على بركة الله . فسار في جنودٍ كثيرة ، فقَدِم على أبي عَوْن ، فتحوَّل له أبو عَون عن سُرَادِقِهِ ، وخلاَّه لَهُ وما فيه ؛ وجعل عبدُ الله بن علي على شُرْطَتِهِ حَيَّشَ بنَ حبيب الطائي ، ونَصِيرَ بنِ الْمُحْتَفِزِ ، ووجَّه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبدِ الله بن علي ، يحُّهُ على مناجزَةٍ مروان ، والمبادرةِ إلى قتالهِ ونِزالِهِ قبلَ أن تحدُثَ أمورٌ ، وتبردَ نيرانُ الحرب . فتقدَّمَ عبدُ الله بن علي بجنودِه حتى واجه جيشَ مروان ، ونهض مروانُ في جنودِهِ ، وتصافَّ الفريقانِ في أولِ النهار . ويقال إنه كان مع مروان يومئذٍ مئةُ ألفٍ وخمسون ألفاً . ويقال : مئةٌ وعشرون ألفاً . وكان عبدُ الله بن علي في عشرين ألفاً ، فقال مروانُ لعبدِ العزيز بن عمر بن عبد العزيز : إنْ زالتِ الشمسُ يومئذٍ ولم يقاتلونا كنّا نحنُ الذين ندفَعُها إلى عيسى ابن مريم ، وإنْ قاتلونا قبل الزوال فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. ثم أرسل مروانُ إلى عبدِ الله بن علي يسألُهُ المُوادَعةَ . فقال عبدُ الله: كذَبَ ابنُ زُرَيق ، لا تزولُ الشمسُ حتى أوطنَهُ الخيلَ إنْ شاء الله . وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشرةَ ليلةً خلَتْ من جمادى الآخرة من هذه السنة ، فقال مروان لأهل الشام: قفوا ، لا تبتدئوهُمْ بقتال . وجعل ينظرُ إلى الشمس ، فخالفهُ الوليدُ بن معاويةَ بنِ مروان - وهو خَتنُ مروانَ على ابنتِهِ - فحمَل ، فغَضِبٌ مروانُ فشتمَه ، فقاتَلَ أهلُ الميمنة ، فانحاز أبو عون إلى عبدِ الله بنِ علي، فقاتل موسى بن كعب لعبدِ الله بن علي ، فأمر الناسَ فَنَزلوا، ونُودي : الأرضَ الأرض. فنَزلوا وأشرعوا الرماحَ وجثَوْا على الرُّكَب ، وقاتلوهم ، وجعل أهلُ الشامِ يتأخَّرون ، كأنما يُدفعون ، وجعل عبدُ الله يمشي قُدُماً، وجعل يقول: يا ربّ، حتى متى نُقُتلُ فيك؛ ونادَى: يا أهلَ خُراسان ، يا ثاراتِ إبراهيمَ الإمام ، يا محمد ، يا منصور. واشتدَّ القتالُ جدّاً بين ٢٦٥ صفة مقتل مروان الناس، فلا تَسْمِعُ إلَّا وقعاً كالمرازب (١) على النحاس، فأرسل مروانُ إلى قُضاعةَ يأمرُهم بالتُّزول، فقالوا : قُلْ لبني سُليم فَلْيَنزلوا . وأرسلَ إلى السَّكَاسِكِ أن احْمِلوا ، فقالوا : قُلْ لبني عامرٍ أنْ يحملوا . فأرسل إلى السَّكونِ أن احْمِلوا ، فقالوا : قُلْ إلى غَطَفانَ فَلْيحملوا . فقال لصاحبِ شُرْطِهِ : انزِلْ . فقال : لا واللهِ لا أجعلُ نفسي غَرَضاً . قال: أما واللهِ لِأسوءَنَّك . قال : وَدِدْتُ لو قدَرْت على ذلك. ويُقال : إنه قال ذلك لابنٍ هُبَيرة . قالوا : ثم انهزَمَ أهلُ الشام ، واتبعَتْهُمْ أهلُ خُرَاسانَ في أدبارِهم يقتلون ويأسِرون ، وكان منْ غَرِقَ من أهل الشَّام أكثَر ممَّنْ قُتل ؛ وكان في جُملةٍ منْ غَرِق إبراهيمُ بن الوليد بن عبد الملك المخلوع ، وقد أمرَ عبدُ الله بنُ علي بعَقْدِ الجِسْر ، واستخرَجَ منْ غَرِق في الماء ، وجعلَ يتلو قولهُ تعالى: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ﴾ [ البقرة: ٥٠]. وأقام عبدُ الله بن علي في موضعِ المعركة سبعةً أيام ، وقد قال رجلٌ من ولَدِ سعيدِ بنِ العاص في مروانَ وفراره يومئذٍ : عادَ الظَّلُومُ ظَليماً همُّهُ الهَرَبُ تَجَّ الفِرَارُ بمروانٍ فقلتُ لهُ عنك الهُوَيْنا فلا دينٌ ولا حسَبُ أين الفِرَارُ وتَرْكُ الملكِ إذْ ذهبَتْ تطلبْ نَدَاهُ فكلبٌ دونَهُ كَلَبُ(٢) فراشة الحِلْم فِرْعون العقاب وإنْ واحتاز عبدُ الله ما في مُعَسْكرٍ مروان من الأموالِ والأمتعةِ والحواصل ، ولم يجد فيه امرأةً سوى جاريةٍ كانتْ لعبدِ الله بن مروان . وكتب إلى أبي العباس السفاح بما فتحَ الله عليه من النصر، وما حَصَلَ لهم من الأموال ، فصلَّى السفَّاحُ ركعتَيْنِ شكراً للهِ عزَّ وجلَّ، وأطلقَ لكلِّ من حضرَ الوقعة خمسَ مئةٍ خمسَ مئة ، ورفعَ في أرزاقِهم إلى ثمانين، وجعل يَتْلو قوله: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ [ البقرة: ٢٤٩]. الآية. صِفَةُ مَقْتَلٍ مَرْوان الحمار ويقال له الجَعْدي ، لأنه تأذَّب على الجَعْدِ بنِ درهم ، وهو آخرُ خلفاء بني أمية : لَمَّا انهزمَ مروانُ سارَ لا يَلْوي على أحد ، فأقامَ عبدُ الله بن علي في مكانِ المعركةِ سبعةَ أیام ، ثم سار خلفَهُ بمنْ معَهُ من الجنود ، وذلك عن أمرِ السَّفَّح له بذلك ، فلمَّا مَرَّ مروانُ بحَرَّانَ اجتازَها ، وأخرجَ أبا محمدٍ السفيانيَّ من سِجنِهِ ، واستخلف عليها أبانَ بنَ يزيد - وهو ابنُ أُختِه وزوجُ ابنتِه أم عثمان - فلمَّا قَدِمَ عبدُ الله على حَرَّان خرَجَ إليه أبانُ بنُ يزيد مُسوِّداً فأمََّه عبدُ الله بن علي ، وأقرَّهُ على عملِهِ ، وهدَمَ الدارَ التي سُجنَ فيها إبراهيم الإمام ، واجتازَ مروانُ قِنَّسِرِينَ قاصداً حِمص ، فلمَّا جاءها خرج إليه أهلُها (١) المرازب : جمع مِرْزَبَة، وهي المطرقة الكبيرة تكون للحدّاد. لسان العرب ( رزب). (٢) الأبيات والخبر في تاريخ الطبري ٤/ ٣٥١ والكامل في التاريخ (٧١/٥). ٢٦٦ صفة مقتل مروان بالأسواق والمعايش(١)، فأقام بها يومَيْنٍ أو ثلاثة، ثم شَخَصَ منها، فلمَّا رأى أهلُ حمصَ قلَّةَ منْ معَهَ اتَّبَعوهُ لِيَقتُلُوه ، طمعاً فيه وقالوا : مَرْعُوبٌ مهزوم . فأدركوهُ بوَادٍ عندَ حِمْص ، فأكمَنَ لهم أميرَيْن ، فلما تلاحقوا بِمَرْوان عَطَفَ عليهم فأنشَدَهُمْ أنْ يَرْجِعوا، فأبَوا إلَّ مقاتَلَته، فثارَ القتالُ بينهم وثارَ الكَمينان من ورائهم ، فانهزم الحِمْصُّون ، وجاء مروانُ إلى دمشق وعلى نيابتِها من جهتِه زوجُ ابنتِهِ الوليدُ بن معاويةَ بنِ مروان ، فترَكهُ بها واجتاز عنها قاصداً إلى الديارِ المِصْريَّة ، وجعل عبدُ الله بنُ علي لا يَمُّ ببلدٍ إلا خرجوا إليه وقد سوَّدُوا ، فيُبايعونه ويعطيهمُ الأمان ، ولما وصل إلى قِنَّسْرِينَ وصل إليه أخوهُ عبدُ الصمد بنُ علي في أربعةِ آلاف ، وقد بعثهمُ السفاح مدداً له ؛ ثم سار عبدُ الله حتى أتى حمصَ ، ثم سار منها إلى بَعْلَبَكّ ، ثم منها حتى أتى دمشق من ناحيةِ الْمِزَّة ، فنزل بها يومين أو ثلاثة ، ثم وصل إليه أخوه صالح بن علي في ثمانية آلاف مدداً من السفاح ، فنزل صالحٌ بِمَرْجِ عَذْراء ، ولما جاء عبدُ الله بنُ علي دمشقَ نزلَ على البابِ الشرقي ، ونزَلَ صالحٌ أخوه على بابِ الجابية ، ونزل أبو عَوْن على بابِ كَيْسان، على الباب الصَّغِير، وحُمَيْد بن قَحْطَبة على باب تُوما . وعبدُ الصمد وَيحيى بنُ صفوان والعباسُ بن يزيد على باب الفراديس ، فحاصرَها أياماً ثم افتتَحَها يومَ الأربعاء لعشرٍ خَلَوْنَ من رمضان هذه السَّنَةَ، فقتَلَ مِنْ أهلها خلقاً كثيراً وأباحَها ثلاثَ ساعاتٍ وهَدَمَ سُورَها . ويُقال إنَّ أهلَ دمشقَ لما حاصرهم عبدُ الله اختلفوا فيما بينهم ما بين عباسيَّ وأُمويّ ، فاقتتلوا ، فقتَلَ بعضُهم بعضاً ، وقتلوا نائبَهم ، ثم سلَّموا البلد ، وكان أولَ منْ صَعِدَ الشُّور من ناحيةِ البابِ الشرقي رجلٌ يُقال له عبدُ الله الطائي ، ومن ناحيةِ البابِ الصغير بسَّامُ بن إبراهيم . ثم أُبِيحَتْ دمشقُ ثلاثَ ساعاتٍ حتى قيل : إنه قُتل بِها في هذه المُدَّة نحوٌ من خمسين ألفاً . وذكر ابنُ عساكر في ترجمة عبيد بن الحسن الأعرجُ(٢) من ولدٍ جعفر بن أبي طالب ، وكان أميراً على خمسةِ آلافٍ مع عبد الله بن علي في حصارِ دمشق ، أنَّهم أقاموا محاصريها خمسةً أشهر ، وقيل مئةَ يوم ، وقيل شهراً ونصفاً ، وأنَّ البلد كان قد حصَّنهُ نائبُ مروان تحصيناً عظيماً ، ولكن اختلف أهلُها فيما بينهم بسبب اليمانية والمُضَريَّة ؛ وكان ذلك بسبب الفتح، حتى إنهم جعلوا في كلِّ مسجدٍ مِحْرابَيْن للقِبْلَتَيْن ، حتى في المسجدِ الجامع منبرَيْن ، وإمامَينٍ يَخطُبانِ يومَ الجُمعة على المنبرَيْن . وهذا من عَجيبِ ما وقَع ، وغَريب ما اتّفق ، وفَظيع ما أحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية نسأل الله السلامة والعافية . وقد بسط ذلك ابنُ عساكر في هذه الترجمة المذكورة (٣) . في تاريخ الطبري (٣٥٣/٤): ((بالأسواق وبالسمع والطاعة)). (١) (٢) انظر تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ( ٤٢٣/٣٧ -٤٢٥). (٣) قال ابن عساكر في تاريخه : ( ٤٢٥/٣٧) بعد سياقه هذه الأخبار بإسناده : هذا منقطع ، والواقدي ضعيف ، والمدائني شيعي متهم . اهـ . ٢٦٧ صفة مقتل مروان وذكر رحمه الله في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النَّوفَليّ قال(١) : كنتُ مع عبدِ الله بن عليّ أولَ ما دخل دمشق ، دخلها بالسيف ، وأباح القتلَ فيها ثلاثَ ساعات ، وجعل جامعَها سبعينَ يوماً إسطبلاً لدوابِّه وجمَاله، ثم نَبشَ قبورَ بني أمية ، فلم يَجدْ في قبرِ مُعاوية إلَّ خيطاً أسودَ مثلَ الهَبَاء ، ونَبشَ قبرَ عبدِ الملك بن مروان، فوجَدَ جُمْجُمتَه ، وكان يجدُ في القبر العُضْوَ بعدَ العُضو ، إلَّ هشامَ بنَ عبدِ الملك فإنَّه وجدَهُ صحيحاً لم يَبْلَ منه غيرُ أرنبةِ أنْفِه، فضَرَبِه بالسِّيَاطِ وهو ميت، وصلَبَهُ أياماً ثم أحرَقَهُ ودَقَّ رمادَهُ ثم ذرَّهُ في الرِّيحِ ، وذلك أنَّ هشاماً كان قد ضرَبَ أخاهُ محمد بن عليٍّ حينَ كان قد اتُّهم بقتلِ ولدٍ له صغير سبعَ مئةِ سَوْط ثم نَفَاهُ إلى الحُمَيْمَةِ بالبَلْقَاء(٢). قال : ثم تتبّع عبدُ الله بن عليٍّ بني أمية من أولادِ الخلفاءِ وغيرِهم، فقتَل منهم في يومٍ واحدٍ اثنينٍ وتسعين ألفاً عندَ نَهرِ بالرَّمْلة ، وبسَطَ عليهمُ الأنطاع، ومدَّ عليهم سماطاً ، فأكلَ وهم يَختلجون تحتَه . وهذا من الجَبَروتِ والظّلم الذي يُجازيهِ الله عليه ؛ وقد مَضى ولم يَدُمْ لهُ ما أرادَهُ ورَجاه - كما سيأتي في ترجمته - وأرسل امرأةً هشام بنِ عبدِ الملك وهي عبدةُ بنت عبد الله بن يزيدَ بنِ معاوية ، صاحبةُ الخال مع نفرٍ من الخُراسانيَّة إلى البرِّيَّةَ ماشيةً حافيةً حاسرةً [ عن وَجْهها وجسدها وثيابها ] ، أَتَّوْا بها ثم قتلوها ، ثم أُحرق ما وُجِدَ منْ عَظُم ميتٍ منهم ، وأقام بها عبدُ الله خمسةَ عشر يوماً . وقد استدَعى بالأوزاعي ، فأُوقفَ بين يديه ، فقال له : يا أبا عمرو ، ما تقولُ في هذا الذي صنعناه؟ قال : فقلتُ له لا أدري ، غيرَ أنه قد حدَّثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسولُ اللهِوَّةِ: ((إنَّما الأعمالُ بالنيات)) .. فذكر الحديث. قال الأوزاعي : وانتظرتُ رأسيَ أنْ يسقُطَ بين رِجْليّ، ثم أُخرجتُ، وبَعَث لي بمئةِ دينار، ثم سارَ وراءَ مروان ، فنزل على نَهرِ الكُسوة (٣) ووجَّه يحيى بن جعفر الهاشميَّ نائباً على دمشق ، ثم سار وارتحلَ إلى الأُزْدُنّ ، فأَتَوْه وقد سَوَّدوا. ثم سار إلى بَيْسان، ثم سار فنَزل مَرْجَ الرُّوم، ثم أتَى نَهْرَ أبي فُطْرُس(٤) تاريخ مدينة دمشق ( ٥٣ /١٢٧ ) . (١) (٢) انظر التعريف بالحُميمة ص (٣٣) حاشية (٦). الكُسْوة: قريةٌ هي أولُ منْزِلٍ تَنْزِلُه القوافلُ إذا خرَجَتْ من دمشق إلى مصر . قال الحافظ أبو القاسم : وبلغني أنَّ (٣) الكُسوة إنّما سُمِّيتْ بذلكَ لأنَّ غسانَ قتلَتْ بها رُسُلَ ملكِ الزُّوم لمّا أتَوْا إليهم لأخذِ الجِزْيَةِ منهم . واقتسمتْ كسوتهم. معجم البلدان ( ٤/ ٤٦١ ) . (٤) نهر أبِي فَطرس - بضم الفاء وسكون الطاء وضم الراء وسين مهملة - : موضعٌ قُرْبَ الرَّمْلَة من أرضٍ فلسطين. قال المهلَّبي: على اثني عشرَ ميلاً من الرَّمْلَة، في سَمْتِ الشَّمَال نهرُ أبي نُطْرُس، ومَخْرَجُه من أعْيُنٍ في الجبلِ المتَّصِل بنابُلُس ، ويَنْصبُّ في البحرِ الملح بين يدي مدينتي أرسوف ويافا . به كانت وقعةُ عبدِ الله بن علي بنِ عبدِ الله بن العباس مع بني أمية فقتلهم في سنة . معجم البلدان (٣١٥/٥). ٢٦٨ مروان بن محمد فوجد مروانَ قد هرَب ، فدخل مصرَ وجاءَهُ كتابُ السَّفَّاحِ ابعثْ صالحَ بنَ عليٍّ في طلَبِ مَرْوان ، وأقِمْ أنتَ في الشام نائباً عليها ، فسار صالحُ بن عليٍّ يطلبُ مروانَ في ذي القَعْدةِ من هذه السنة ومعه أبو عَوْن وعامر بن إسماعيل ، فَنَزلَ على ساحلِ البحر ، وجَمع ما هناك من الشُّفُن ، وبلغَهُ أنَّ مروانَ قد نَزِلَ الفَرَما١) وقيل الفَيُّوم ، فجعلَ يسيرُ على الساحل والسُّفُنُ تُقادُ معه في البحر حتى أتى العَريش ، ثم سار حتى نزلَ على النِّيل ، ثم سار إلى الصَّعِيد ، فعبرَ مروانُ النِّيل، وقطعَ الجِسرَ ، وحرق ما حَوْلَهُ من العَلَفِ والطعام، ومَضَى صالحٌ في طَلَبه فالتقَى بخيلٍ لِمروان ، فهزَمَهم، ثم جعل كلَّما النَّقَوْا مع خيلٍ لِمروانَ يَهْزِمُونَهم حتى سألوا بعضَ منْ أسرُوا عن مروان ، فدلُوهم عليه، وإذا به في كَنِيسَةِ بُوصير(٢) فوافَوْهُ من آخرِ الليل ، فانهزم منْ معهُ من الجُند ، وخرج إليهم مروانُ في نَفَرِ يَسيرٍ معَه ، فأحاطوا به حتى قتلوهُ ، طَعَنهُ رجلٌ من أهلِ البصرةِ يُقالُ له مُعَوَّذ ولا يَعرِفُه ، حتى قال رجلٌ : صُرع أمير المؤمنين . فابتدرَهُ رجلٌ من أهلِ الكوفة كان يَبيع الرمان ، فاحتزَّ رأسَه ، فبعث به عامر بن إسماعيل أمير هذه السريّة إلى أبي عَوْن ، فبعث به أبو عون إلى صالح بن علي ، فبعث به صالح مع رجلٍ يقال له خُزيمة بن يزيد بن هانىء ، كان على شرطته لأمير المؤمنين السفّاح . وكان مقتلُ مروانَ يومَ الأحد لثلاثٍ بَقينَ من ذي الحجَّة ، وقيل يوم الخميس لستِّ مَضَيْنَ منها سنةً ثِنْتَيْنِ وثلاثين ومئة ، وكانت خلافتُه خمسَ سِنين وعشرةً أشهر وعشرة أيام على المشهور . واختلفوا في سنِّه ، فقيل أربعون سنة ، وقيل ست ، وقيل ثمان وخمسون سنة ، وقيل ستون ، وقيل اثنتان ، وقيل ثلاثٌ ، وقيل تسعٌ وستون سنة ، وقيل ثمانون ، والله أعلم . ثم إنَّ صالح بنَ عليَّ سارَ إلى الشام ، واستخلفَ على مصر أبا عَوْن بنَ أبي يزيد ، والله سبحانه أعلم. وهذا شيءٌ من ترجمةِ مروانَ الحمار ، وهو : مروان بن محمد ابن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي (٣) أبو عبد الملك، أميرُ المؤمنين، آخرُ (١) الفَرَما : مدينةٌ على الساحل من ناحية مصر. وقال الحسن بن محمد المهلبي: الفَرَما حصن على ضفة البحر لطيف . انظر معجم البلدان (٤/ ٢٥٥). (٢) بوصِير - بكسر الصاد وياء ساكنة وراء - : اسمٌ لأربَع قُرّى بمصر ، بوصير قوريدس ، وقال الحسن بن إبراهيم بن زولاق : بها قُتل مروانُ بن محمد بن مروان بن الحكم الذي به انقرض ملكُ بني أمية وهو المعروف بالحمار والجعدي ، قُتل بها لسبع بَقينَ من ذي الحجة سنة ( ١٣٢) . وقال أبو عمر الكِنْدي: قُتل مروان ببُوصير من كورةِ الأشمونين . انظر معجم البلدان ( ٥٠٩/١ ) . (٣) ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٣٧/٥)، تاريخ خليفة ( ٤٠٣ - ٤٠٩)، تاريخ الطبري (٢٨٠/٤) وما بعدها، = ٢٦٩ مروان بن محمد خلفاء بني أمية ، وأمّهُ أمَةٌ كُرْديَّة يُقال لها لُبُابَة، وكانت لإبراهيمَ بنِ الأشتر النَّخَعي ، أخذها محمد بن مروان يومَ قتلَه ، فاستولدَها مروانَ هذا . ويُقال: إنها كانتْ أولًا لِمُصعَب بنِ الزُّبير ، وقد كانتْ دارُ مروانَ هذا في سوق الأَّافين. قاله ابنُ عساكر(١) . بُويع له بالخلافة بعد قتلِ الوليدِ بنِ يزيد ، وبعد موتِ يزيدَ بنِ الوليد ، ثم قَدِمَ دمشق وخلَعَ إبراهيم بن الوليد ، واستتبَّ لهُ الأمر في نصفِ صفر ، سنةَ سبعٍ وعشرين ومئة . وقال أبو معشر : بُويع بالخلافة في ربيع الأول سنةً تسعٍ وعشرين ومئة ، وكان يُقال له مروان الجَعْدِي نسبةً إلى رأي الجَعدِ بنِ دِرْهَم، وتلقَّبَ بالحمار ، وهو آَخْرُ منْ ملَكَ من بني أمية . وكانت خلافتُهُ منذُ سلمَ إليه إبراهيمَ بن الوليد إلى أن بويع السفّاح خمسَ سنين وعشرةَ أشهرٍ وعشرةَ أيَّام وقيل خمس سنين وشهراً. وبَقيَ بعدَ أن بُويع للسَّفَّاح تسعةَ أشهر، وكانَ أبيضَ مُشرباً بالحُمرة ، أزرقَ العينَيْن ، كبيرَ اللَّحْية ، ضخمَ الهامة، رَبْعَةً، ولم يكن يَخْضب . ولَّهُ هشامٌ نيابةَ أَذْرَ بيجانَ وإرْمينيَةَ ، والجزيرة في سنةٍ أربعَ عشرةَ ومئة ، ففتح بلاداً كثيرةً وخُصوناً متعددةً في سنينَ كثيرة ، وكان لا يُفارقُ الغزوَ في سبيلِ الله ، وقاتَلَ طوائفَ من الناس الكفَّارِ ومن التُّرْكِ والخَزَرِ واللَّن وغيرِهم ، فكسرَهم وقهرَهم ؛ وقد كان شجاعاً بطَلاً مِقْداماً، حازمَ الرأي ، لولا أنَّ جُندَهُ خَذَلوه بتقديرِ الله عزَّ وجلَّ ، لِمَا لَهُ من ذلك من حكمةِ سَلْبٍ الخلافة ، لِشجاعتِهِ وصرامَتِه ؛ ولكنْ منْ يَخْذِلِ الله يُخْذَلْ ، ومنْ يُهنِ الله فمالَهُ من مُكْرِم . قال الزبير بن بَكَّار عن عَمِّهِ مُصعب بن عبد الله: كان بنو أمية يرَوْنَ أَنَّهُ تذهَبُ منهمُ الخلافةُ إذا وَليها مَنْ أُمُّهُ أمَة ؛ فلمَّا وَليها مروانُ هذا أُخِذَتْ منهم في سنةٍ ثنتين وثلاثين ومئة . وقد قال الحافظُ ابن عساكر(٢) : أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسن ، أخبرنا سهل بن بشر ، أنبأ الخليل بن هبة الله بن الخليل ، أنبأ عبد الوهاب الكلابي ، حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين ، أنبأ العباس بن الوليد بن صبح ، حدثنا عباس بن نجيح(٣) أبو الحارث ، حدثني الهيثم بن حُميد ، حدثني راشد بن داود، عن أبي أسماء، عن ثوبان، قال: قال رسولُ اللهِ وَ الَ: (( لا تزالُ الخِلافةُ في بني أمية يتلَقَّفُونَها تلَقُّفَ الغِلمانِ الكُرَةِ، فإذا خرجتْ من أيديهِمْ فلا خيرَ في عيش )). هكذا أورده ابنُ عساكر وسكت عليه ، وهو منكرٌ جدّاً، وقد سأل الرشيدُ أبا بكر بن عيَّاش: خيرُ و(٣٥٣/٤) وما بعدها، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (٣١٩/٥٧)، الكامل (٤/٥) وما بعدها ، سير أعلام = النبلاء (٧٤/٦)، مآثر الإنافة (١/ ١٦٢). (٢) (١) في تاريخ مدينة دمشق ( ٣٢٠/٥٧). في تاريخ مدينة دمشق ( ٣٣٠/٥٧، ٣٣١). في بعض النسخ: ((يحيى))، وهو تحريف. وهو العباس بن عبد الرحمن بن الوليد بن نجيح الدمشقي . وانظر (٣) ترجمته في الجرح والتعديل ٢١١/٦، وتاريخ دمشق ٢٧٢/٢٦ . ٢٧٠ مروان بن محمد الخلفاءِ نحنُ أو بنو أَميَّة ؟ فقال : هم كانوا أنفعَ للناس ، وأنتم أقومُ للصلاة . فأعطاهُ ستةَ آلاف . قالوا : وقد كان مروانُ هذا كثيرَ المروءة ، كثيرَ العَجَب ، يُعجبهُ اللَّهُوُ والطرَب، ولكنَّهُ كان يشتغلُ عن ذلك بالحرب . قال ابنُ عساكر(١) : قرأت بخط أبي الحسن عليٍّ بن مقلد بن نصر بن مُنقِذ ابن الأمير ، في مجموع له : كتب مروانُ بنُ محمد إلى جاريةٍ لهُ ترَکَها بالرَّمْلةِ عندَ ذهابهِ إلی مصرَ منھزماً : فَآَبى ويُدنِيني الذي لكِ في صَدْري وما زال يدعوني إلى الصبرِ ما أرى حِجَابٌ فقد أمسَيْتِ مِنِّي على عَشْرِ وكان عزيزاً أنْ تَبيتي وبيتنا إذا زدتٍ مِثْلَيْها فَصِرت على شهرٍ وأنكاهما واللهِ للقلبِ فاعلمي أخافُ بأنْ لا نلتقي آخرَ الدَّهْرِ وأعظمُ من هذينٍ واللهِ أنَّني ولا طالباً بالصبرِ عاقبةَ الصَّبرِ سأبكيكِ لا مُستبقياً فيضَ عَبْرةٍ وقال بعضُهم : اجتاز مروانُ وهو هاربٌ براهب ، فاطَّلَعَ عليه الراهب ، فسلَّمَ عليه ، فقال له : يا راهب ، هل عندك علمٌ بالزمان ؟ قال : نعم ، عندي مِن تَلَؤُّنِهِ ألوان. قال : هل تبلغُ الدنيا من الإنسانِ أنْ تجعلَهُ مملوكاً بعدَ أنْ كان مالِكاً؟ قال : نعم. قال : فكيف؟ قال: بِحُبِّهِ لهَا وحِرْصِهِ على نَيَّلِ شهواتها ، وتَضْمِيعِ الحَزْمِ ، وتَرْكِ انتهازِ الفُرَص ؛ فإنْ كنتَ تُحِبُّها فإنَّ عبدَها منْ أحبَّها . قال : فما السبيلُ إلى العَتق؟ قال : بِبُغضها والتجافي عنها . قال: هذا ما لا يكون . قال الراهب: أمَا إنَّه سيكون ، فبادرْ بالهرَبِ منها قبلَ أنْ تُسلبَها . قال : هل تعرفُني ؟ قال : نعم . أنت مَلِكُ العَرَب مروان ، تُقتلُ في بلاد السُّودان ، وتُدفنُ بلا أكفان. فلولا أنَّ الموتَ في طلبك لدَلَلْتُكَ على مَوْضعِ هَرَبِك . قال بعض الناس : كان يُقال في ذلك الزمان: يَقْتُل ع بن ع بن ع [ بن ع]م بن م بن م. يَعْنُونَ يَقْتُلُ عبدُ الله بنُ عليٍّ [ بن عبد الله ] بنِ عباس مروانَ بنَ محمدِ بنِ مروان . وقال بعضُهم : جلس مروانُ يوماً وقد أُحيطَ به ، وعلى رأسِهِ خادمٌ قائمٌ فقال مروانُ لبعضٍ مَنْ يُخاطِبُه : ألا ترى ما نحنُ فيه ، لَهْفِي على يدٍ ما ذُكرَتْ ، ونعمةٍ ما شُكرت ، ودولةٍ ما نُصرَتْ . فقال له الخادم : يا أميرَ المؤمنين ، من ترَكَ القليلَ حتى يَكْثُر، والصغيرَ حتى يَكْبَر ، والخَفِيَّ حتى يظهرَ ، وأخَّرَ فعلَ اليومٍ لِغَدٍ حَلَّ بِهِ أكثرُ مِنْ هذا، فقال مروان : هذا القولُ أشدُّ عليَّ مِنْ فَقْدِ الخِلافة. وقد قيل: إنَّ مروانَ قُتل يومَ الإثنين ، لثلاثَ عشرةَ خلَتْ من ذي الحِجَّة سنة ثنتين وثلاثين ومئة ، وقد جاوز السِّتِّينَ وبلَغَ الثمانين . وقيل: إنما عاش أربعينَ سنةً . والصحيحُ الأول ، وكانتْ خِلافتُهُ خمسَ سنين وكسراً . وهو أخِرُ خلفاء بني أمية ، به انقضَتْ دولتُهم . (١) في تاريخ مدينة دمشق ( ٥٧/ ٣٣٧). ٢٧١ ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية ذكرُ ما ورد في انقضاءِ دولةٍ بني أمية وابتداءٍ بني العباس من الأخبار النبويَّة وغيرها قال العلاءُ بنُ عبدِ الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((إذا بَلَغَ بنو [ أبي ] العاص أربعين رجلاً اتخذوا دينَ اللهِ دَغَلاً، وعبادَ الله خَوَلاً، ومالَ اللهِدُوَلَ(١) )). ورواهُ الأعمش عن عَطيّة ، عن أبي سعيد مرفوعاً بنحوِه٢ً) . وروى ابنُ لَهِيعةَ عن أبي قَبِيل ، عن ابن وَهْبِ أَنَّه كان عندَ معاوية ، فدخل عليه مروانُ بنُ الحكم ، فتكلَّم في حاجة ، فقال : اقضِ حاجتي ، فإنِّي لأبو عشرة ، وأخو عشرة ، وعمُّ عشرة . فلما أدبرَ مروانُ قال معاويةُ لابنِ عباس وهو معه على السرير : أما تعلَمُ أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قال: ((إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلاً أنَّخذوا مالَ اللهِ بينهم دُوَلًا، وعبادَ اللهِ خَوَلًا، وكتابَ اللهِدَغَلاً ، فإذا بلغوا سبعةً وتسعين وأربع مئة كان هلاكُهُمْ أسرعَ من لَوْكِ تَمْرَة)»؟ فقال ابنُ عباس : اللهمَّ نعم . فلما أدبرَ عبد الملك(٣) قال معاوية: أنْشُدُكَ بالله يا بن عباس، أما تعلَمُ أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّهِ ذكرَ هذا، فقال: ((أبو الجبابرة الأربعة)) ؟ فقال ابنُ عباس: اللهمَّ نعم. وقال أبو داود الطيالسي(٤) : حدثنا القاسم بن الفضل ، حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال : قام رجلٌ إلى الحسن بن علي فقال : يا مسوِّدَ وجوهِ المؤمنين . فقال الحسن : لا تؤنِّبْنِي - رحمك الله - فإنَّ رسول اللّهِ ﴿ رأى بني أميةَ يَخطُبون على مِنبرِهِ رجلاً رجلاً فساءهُ ذلك، فَنزلتْ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ وهو نَهرٌ في الجنة، ونَزَلَتْ ﴿ إِنَّ أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ السورة إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [ القدر: ١ - ٣]، مملكة بني أمية. قال: فحَسَبْنَا ذلك، فإذا هو كما قال ، لا يَزِيدُ ولا يَنْقُص . وقد رواه الترمذي(٥) عن محمود بن غيلان ، عن أبي داود الطيالسي، ثم قال: غريبٌ لا نعرِفُهُ إلَّا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة، وثَّقَهُ يحيى القطّان وابنُ مهدي. قال : وشيخُه يوسف بن سعد - ويقال : يوسف بن مازن - رجلٌ مجهول ، ولا نعرفُ [ هذا الحديث ] بهذا اللفظ إلَّ من هذا الوجه ، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٦) من حديث القاسم بن الفضل الحُدَّاني. وقد تكلَّمتُ على نكارةِ هذا (١) حديث أبي هريرة رواه البيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥٠٧ هكذا مرفوعاً، ورواه أبو يعلى في مسنده ( ٦٥٢٣) من قول أبي هريرة موقوفاً ( بشار) . حديث أبي سعيد الخدري نقله المؤلف من دلائل النبوة للبيهقي ٥٠٧/٦ . وقد أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٨٠ (٢) وأبو يعلى في مسنده ( ١١٥٢) ، والحاكم في المستدرك ، وإسناده ضعيف. في بعض النسخ: ((مروان)) وما أثبتناه موافق لما في دلائل النبوة ، وهو الذي يدل عليه السياق. (٣) نقله المؤلف من دلائل النبوة للبيهقي ٦ / ٥٠٩ - ٥١٠ . (٤ ) في سننه ( ٤٤٤/٥) (٣٣٥٠) في التفسير : باب ومن سورة القدر ، وإسناده ضعيف . (٥) (٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (١٨٦/٣) (٤٧٩٦) وإسناده ضعيف. ٢٧٢ ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية الحديث في التفسير(١) بكلام مبسوط ولله الحمدُ والمِنَّة ، وإنما يكونُ متجهاً إذا قيل إنَّ دولَتهم ألف شهر بأن نُسقط منها أيامَ عبدِ الله بن الزُّبير ، وذلك أنَّ معاويةَ بُويع له مستقلاً بالمُلك في سنةٍ أربعين ، وهي عامُ الجماعة حينَ سَلَّم إليه الحسَنُ بن علي الأمرَ بعدَ ستة أشهرٍ من قتل علي . ثم زالتِ الخلافةُ عن بني أُمية في هذه السنة وهي سنةُ ثنتينٍ وثلاثين ومئة ، وذلك ثنتان وتسعونَ سنة وإذا أُسقط منها تسعُ سنين خلافةُ ابنِ الزُّبير بقِيَ ثلاثٌ وثمانون سنة ، وهي مُباينةٌ لِمَا وَرَدَ في هذا الحديث ، ولكنْ ليس هذا الحديثُ مرفوعاً إلى النبيِّي ◌َّرِ أنه فسَّر الآيةَ بهذا العدد ، وإنما هذا من قَوْلِ بعضِ الرواة ، وقد تكلَّمنا على ذلك مطوّلاً في التفسير(٢) وتقدَّم في الدلائل أيضاً تقريرُهُ، والله أعلم . وقال عليّ بنُ المديني عن يحيى بن سعيد، عن سفيانَ الثوريّ ، عن عليٍّ بن زيد ، عن سعيد بن المسِّيب، أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((رأيتُ بني أميةَ يصعدون مِنبري، فشقَّ ذلك عليّ، فَأُنزلَتْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. فيه ضَعفٌ وإرسال(٣) . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدثنا يحيى بن مَعِين ، حدثنا عبد الله بن نُمير ، عن سفيان ، عن عليٍّ بنِ زيد، عن سعيد بن المسيِّب في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّغْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قال : رأى ناساً من بني أميةَ على المنابرِ ، فساءه ذلك، فقيل له : إنما هي دُنيا يُعطَوْنَها وتَضْمَحِلُّ عن قليل ، فسُرِّيَ عنه(٤) . وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع قال: لَمَّا أُسري برسول الله وَلِّ رأى فلاناً وهو من بعضٍ بني أمية على المنبر يخطُبُ الناس ، فشقَّ ذلك عليه ، فأنزل الله ﴿ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّمُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَنَعُ إِلَى حِينٍ ﴾ [ الأنبياء: ١١١ ] (٥) . وقال مالك بن دينار : سمعتُ أبا الجوزاء يقول: والله لَيُعِزَّنَّ(٦) الله مُلكَ بني أمية كما أعزَّ مُلكَ مَنْ (١) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٣٠، ٥٣١) في تفسير سورة القدر . (٢) ومن جملة ما قاله المؤلف في التفسير : ومما يدلُّ على ضعف هذا الحديث أنه سيق لِذَمِّ دولةٍ بني أمية، ولو أُريد ذلك لم يكن بهذا السياق ، فإنَّ تفضيلَ ليلة القدر على أيامهم لا يدلُّ على ذمّ أيامهم ، فإنَّ ليلة القدر شريفةٌ جدّاً ، والسورة الكريمة إنما جاءت لِمَدْحٍ ليلة القدر فكيف تُمدح لتفضيلها على أيام بني أمية التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث . اهـ . (٣) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٤٤/٩) وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٧٠١/٢) ( ١١٧٠)، ولفظهما: ((رأيتُ بني أمية في صورة القردة والخنازير يصعدون .... ))، وإسناده ضعيف. (٤) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣١٠) في تفسير الآية بنحوه ، وقال : أخرجه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي في الدلائل ، وابن عساكر ، أقول : وإسناده ضعيف . (٥) وإسناده ضعيف . (٦) في بعض النسخ: ليُغَيِّرِنَّ الله. ٢٧٣ ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية كان قبلَهم، ثم لَيُذِلَّنَّ مُلكَهم كما أذلَّ مُلكَ مَنْ كان قبلَهم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ آل عمران: ١٤٠][ فيه ضعف وإرسال ]. وقال ابنُ أبي الدنيا١) : حدثني إبراهيمُ بن سعيد، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا عمر بن حمزة ، أخبرني عمر بن سيف(٢) مولّ لعثمانَ بن عفان، ثم قال : سمعتُ سعيدَ بنَ المُسَيِّب وهو يقولُ لأبي بكرِ بنِ عبد الرحمن ، ولأبي بكر بن سُليمانَ بنِ أبي خيثمة ، وذكروا بني أمية فقال: لا يكونُ هلاكُهم إلَّ بينَهم ، قالوا : كيف ؟ قال : يَهْلِكُ خُلفاؤهم ويَبْقَى شرارُهم، فيتنافسونها ، ثم يكثرُ الناسُ عليهم فيُهلِكُونَهم. وقال يعقوب بن سفيان : أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي ، حدثنا الزَّنْجِي عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ اللهِ ◌ّه قال: ((رأيتُ في النوم بني أبي الحكم ، أو بني أبي العاص يَنْزُونَ على مِنْبَرِي كما تَنْزِو القِرِدَة)». قال: فما رُئِيَ رسولُ اللهِ وَّ مستجمعاً ضاحكاً بعدَها حتى تُوقِّي(٣) . قال أبو محمد عبدُ الله بن عبد الرحمن الدَّارِمِيّ(٤) : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا سعيد بن زيد - أخو حَمَّاد بن زيد - عن علي بن الحكم البُنَاني ، عن أبي الحسن هو الحمصي ، عن عمرو بن مُرَّةَ - وكانت له صُحْبة - قال: جاء الحكمُ بنُ أبي العاص يستأذِنُ على رسول اللهِِّ فعرَفَ كلامَهُ فقال : ((ائذنوا له، صُبَّتْ عليه لعنةُ الله وعلى مَنْ يَخْرُجُ من صُلْبِهِ، إلا المؤمنين، وقَلِيلٌ ما هم، يُشَرَّفون في الدنيا ويُوضَعونَ في الآخرة ، ذَوُو دَهَاءٍ وخَدِيعة ، يُعْطَوْنَ في الدُّنيا وما لَهُمْ في الآخرِةِ مِنْ خَلاق (٥) . وقال أبو بكر الخطيب البغدادي : أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد ، أنبأ محمد بن المظفر الحافظ ، أنبأ أبو القاسم تمام بن خريم بن محمد بن مروان الدمشقي ، أنبأ أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملابس ، حدثنا أبو النظر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد مولى أمّ الحكم بنت عبد العزيز ، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث الصَّنْعاني، عن ثوبان، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لِّ نائماً، واضعاً رأسه على فَخِذٍ أمِّ حَبِيبة بنتِ أبي سفيان ، فَنَحَب ثم تبسَّم ، فقالوا : يا رسول الله، رأيناك نَحَبْتَ ثم تبسَّمْتَ ! (١) في كتابه الحلم ص (٥٤) برقم (٦٥). (٢) كذا في الأصول، وفي ((الحلم)): ((عمرو بن سيف)) ولم أقف على ترجمة له. أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٢٧/٤) (٨٤٨١) والبيهقي في الدلائل ٦/ ٥١١ من طريق الأزرقي به ، وأبو يعلى (٣) في مسنده (٣٤٨/١١) ، وهو حديث حسن . (٤) جاء في ( ق): ((الداري)) وأتبعها بقوله بين معقوفين [ لعله الدارمي ] ، وهو صحيح، ترجمته في تهذيب الكمال (٢١٠/١٥)، وروايته عن مسلم بن إبراهيم ثابتة فيه، وهو من شيوخه . روايته عنه في السنن كثيرة. (٥) أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٢٨/٤) (٨٤٨٤) بإسناده عن مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، حدثنا علي بن الحكم البناني به . وإسناده ضعيف لجهالة أبي الحسن الحمصي . ٢٧٤ ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية فقال : (( رأيتُ في منامي بني أميةَ يتعاوَرُونَ على مِنْبَرِي . فساءني ذلك، ثم رأيتُ بني العباس يتعاورون على مِنبري فسرَّني ذلك )(١) . وقال يعقوب بن سفيان : حدثني محمد بن خالد بن العباس ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثني أبو عبد الله عن الوليد بن هشام الْمُعَيطِي، عن أبان بن الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط٢ُ) ، قال : قدم ابنُ عباس على معاويةً وأنا حاضر ، فأجازه فأحسَنَ جائزتَه ، ثم قال : يا أبا العباس ، هل يكونُ لكُمْ دَوْلة ؟ فقال : اغْفِني يا أمير المؤمنين . فقال: لَتُخْبِرَنِّي. قال: نعم . قال: فمن أنصارُكم؟ قال : أهلُ خُراسان ، ولبني أميةً من بني هاشمٍ نَطَحات(٣). وقال المِنْهال بن عمرو ، عن سعيد بن جُبير : سمعتُ ابنَ عباس يقول : يكونُ مِنَّا ثلاثةٌ أهلَ البَيْت : السَّفَّاحِ ، والمنصور ، والمَهْدي . رواه البيهقي من غيرٍ وَجْه، ورواه الأعمَشُ عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا٤ً). وروى ابن أبي خيثمة عن ابن مَعِين ، عن سفيان بن عُيَينة ، عن عمرو بن دينار ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس قال : كما افتَتَح الله بأوَّلِنا فأرجو أنْ يَخِتمَهُ بآخرنا . وهذا إسنادٌ صحيح إليه، وكذا وقع ويَقَعُ للمَهْديِّ إنْ شاء الله . وروى البيهقيُّ عن الحاكم، عن الأصَمّ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد ، قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((يخرُجُ رجلٌ من أهلِ بيتي عنِ انقطاعٍ من الزمان ، وظهورٍ من الفتن، يُقالُ له السَّفَّاحِ، يُعطي المالَ حَثْياً )(٥) . (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٩٦/٢) (١٤٢٥)، وفيه يزيد بن ربيعة، وهو الرحبي ، متروك (ميزان الاعتدال ٤٢٢/٤ ). في ( ق): ((عن أبان بن الوليد ، عن عقبة بن أبي معيط)) والمثبت من ( ب، ح)، وكتاب الفتن. (٢) (٣) أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٢٠٢/١) برقم (٥٥٠) ولفظه: (( ولبني أمية من بني هاشم نطحات ، ولبني هاشم من بني أمية نطحات ، ثم يخرج السُّفياني )) . (٤) قلت: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (٩٦/١) برقم (٢٢٨) عن المنهال به، ولفظه (( عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم ذكروا عنده اثني عشر خليفة ثم الأمير . فقال ابن عباس : والله إنَّ منَّا بعد ذلك السفاح والمنصور ، والمهدي يدفعها إلى عيسى بن مريم، وأخرجه بنحوه في (١/ ٤٠٠) برقم (١٢٠٣) و(٤٤٤/١) برقم (١٢٨٢) والخطيب في تاريخ بغداد ( ١/ ٦٣) قال بشار : هو حديث موضوع ولا يصح عن ابن عباس شيء في ذلك ، كما بينته مفصلا في تعليقي على تاريخ مدينة السلام للخطيب ١/ ٣٧٠ فيما بعد . (٥) أخرجه أحمد في مسنده ( ٤٨/٣ و٦٠ و٨٠)، وفيه عطية العوفي، وهو ضعيف. ٢٧٥ ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية وقال عبد الرزاق(١): حدثنا الثوري عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة عن أبي أسماء ، عن ثوبان ، قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((يقتتل عند حَرَّتِكُم هذه ثلاثةٌ كلُّهم وَلَدُ خليفة، لا تَصِيرُ إلى واحدٍ منهم ، ثم تُقبِلُ الراياتُ [ السود ] من خُراسان، فيقتلونكم مَقْتَلَةً لم يُرَ مثلها - ثم ذكر شيئاً - فإذا كان كذلك فأتُوهُ ولو حَبْواً على الثَّلْج ، فإنَّهُ خليفةُ اللهِ المَهْدِي )) . رواه بعضُهم عن ثوبان، فوَقَفَه، وهو أشبه ٢) ، والله أعلم . وقال الإمام أحمد(٣) : حدثني يحيى بن غيلان ، وقتيبة بن سعيد ، قالا : حدثنا رِشْدِينُ بن سعد ، [ قال يحيى بن غَيْلان في حديثه: ] حدثني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن قَبِيصة - هو ابن ذؤيب - عن أبي هُريرة، عن رسولِ اللهِّ له أنه قال: (( يخرج من خُراسانَ راياتٌ سُود، لا يَرُدُّها شيء حتى تُنصَبَ بإيلياء)) . وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث رِشْدِين بن سعد المصري(٤)، وهو ضَعِيف ، ثم قال : قد رُوي قريباً من هذا عن كعب الأحبار - وهو أشبه - ثم قال : من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا محدِّثٌ عن أبي المغيرة عبد القدوس ، عن ابن عباس ، يحدثه عن كعب أيضاً قال: « تظهر راياتٌ سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام، ويَقتُلُ الله على أيديهم كلَّ جَبَّارٍ وعَدُوّ لهم)(٥) . وروى إبراهيمُ بن الحسين بن ديزيل ، عن ابن أبي أُوَيس عن ابن أبي ذؤيب(٦) ، عن محمد بن عبد الرحمن العامري، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ له قال للعباس: ((فيكم النبوّة وفيكمُ المَمْلَكة)(٧) . وروى عبد الله بن أحمد عن ابن مَعِين ، عن عبيد بن أبي قُرَّة ، عن الليث ، عن أبي قَبِيل ، عن (١) أخرجه من طريق عبد الرزاق مرفوعاً ابن ماجه في سننه (٤٠٨٤)، والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥١٥ . أخرج الموقوف : الحاكم ٤/ ٥٠٢ والبيهقي في دلائل النبوة ٦/ ٥١٦ . (٢) في المسند (٢/ ٣٦٥) وما يأتي بين معقوفين منه ، وإسناده ضعيف . (٣) قلت : ورواه أيضاً في المعجم الأوسط (٣١/٤) (٣٥٣٦) بالإسناد نفسه . (٤) (٥) انظر الفتن لنعيم بن حماد (٢٠٩/١) (٥٧٠). (٦) في الدلائل : عن ابن أبي فديك . أخرجه أبو عمرو الداني في السنن الواردة في الفتن (٤٨٨/٢، ٤٨٩) (١٩٧)، وابن عدي في الكامل (٧) (٢٦٢/٤) في ترجمة عبد الله بن شبيب ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢٨٩/١) ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (١١٨/٤) في ترجمة عبد الله بن شبيب أيضاً، وابن حجر في لسان الميزان (٢٩٩/٣)، وقال: لم ينفرد به عبد الله بن شبيب ( وهو متروك ) بل رواه عن إسماعيل بن أبي أويس أيضاً الإمام المجمع على حفظه وثقته إبراهيم بن الحسن بن ديزيل، أورده البيهقي في (( دلائل النبوة))، من طريقه ثم قال : تفرد به محمد بن عبد الرحمن العامري وليس بالقوي . اهـ . ٢٧٦ ذكر ما ورد في انقضاء دولة بني أمية أبي مَيْسرة مولى العباس، قال: سمعتُ العباسَ يقول: كنتُ عندَ رسولِ الله وَّهِ ذاتَ ليلة ، فقال : ((انظُرْ، هل ترى في السماء من شيء؟)) قلت: نعَمْ. قال: ((ما ترى؟)) قلتُ: الثُّرَيًّا. قال: ((أما أنَّهُ سَيَمْلِكُ هذه الأمة بِعَدَدِها من صُلْبِكَ)). قال البخاري: عُبيد بن أبي قُرَّة لا يُتَابَعُ على حديثه(١). وروى ابنُ عدي(٢) من طريق سويد بن سعيد ، عن حجاج بن تميم ، عن مَيمون بن مِهْران ، عن ابن عباس قال: مررتُ برسولِ اللهِّهِ ومعه جِبريل وأنا أظنُّهُ دِخْيَةَ الكلبي، فقال جبريلُ لرسولِ الله ◌ِ ◌ّ: إنه لَوَسِخُ الثياب، وسيلبَسُ ولَدُهُ من بعدِه السواد . وهذا منكَرٌ من هذا الوَجْه . ولا شكَّ أنَّ بني العباس كان السوادُ من شِعارِهم، أخذوا ذلك من دخولِ رسولِ الله وَلِّ مكةَ يومَ الفَتْح، وعلى رأسه عِمَامَةٌ سَوْداء، فأخذوا بذلك وجعَلُوهُ شعارَهُم في الخُطَبِ والأعياد والجُمَعِ والمَحافل . وكذلك كان جُنْدُهم لا بدَّ من أن يكونَ على أحدِهم شيءٌ من السَّوَاد ، ومن ذلك ما يُلْبِسُهَ الملوكُ لِلْأُمَراء حين يُخلَعُ عليهم بالإمرة، لا بدَّ وأن يلبَسَ شيئاً من السواد ، وهو الشَّرْبُوش ، وكذلك دخل عبد الله بن علي دمشق يوم دخلها وعليه السواد ، فجعل النساءُ والغِلْمان يعجَبُون من لباسِه ، وكان دخولُهُ من بابِ كَيْسان ، وقد خطَبَ الناسَ يوم الجمعة ، وصلَّى بِهِم وعليهِ السواد . وقد رَوَى ابنُ عساكر عن بعض الخُراسانية قال : لَمَّا صلَّى عبدُ الله بن علي بالناسِ يومَ الجمعة صلَّى إلى جانبي رجلٌ فقال: الله أكبر ، سبحانك اللهمَّ وبحمدك! وتبارَكَ اسْمُكَ، وتعالى جَدُّك ، ولا إله غيرُك ، انظروا إلى عبدِ الله بن علي، ما أقبحَ وجهَه! وأَشْنَعَ سوادَه !. وما زال السوادُ شعارهم إلى يومكَ هذا كما تراه على الخُطباء يومَ الجمعةِ والأعياد . (١) أخرجه البخاري في الكنى (٧٥/١) ترجمة أبي ميسرة، وأحمد في المسند (٢٠٩/١)، والحاكم في المستدرك (٣٦٨/٣) (٥٤١٤)، والمقدسي في المختارة (٣٨٤/٨ - ٣٨٦) (٤٧٤ - ٤٧٦)، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٢٩/٥، ٣٠) في ترجمة عبيد بن أبي قرة، وقال : هذا باطل ، وقد روى إبراهيم بن سعيد الجوهري عنه أحاديث منكرة عن ابن لهيعة ، ساقها ابن عدي ، وعقّب عليه ابن حجر في لسان الميزان (٤/ ١٢٢ ) بقوله : ولم أر من سبق المؤلف إلى الحكم على هذا الحديث بالبطلان ، وقد قال ابنُ أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بنِ يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا عبيد بن أبي قرة بهذا الحديث . قال : وسمعتُ أبي يقول : هذا حديث لم يروه إلّ عُبيد بن أبي قُرَّة ، وكان عند أحمد بن حنبل أو يحيى بن معين ، وكان يَضَنُّ به ، قال : ورأيت أبي يستحسن هذا الحديث ويُسَرُّ به ، حيث وجده عند يحيى بن سعيد . وقال عبد الله بن أبي داود : حدثنا أبي حدثنا حجاج - يعني ابن الشاعر - حدثنا عبيد بهذا الحديث ، قال عبد الله : كتب هذا الحديث أحمد بن صالح عن أبي ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال : من أهل بغداد ، سكن مصر ، ربما خالف . وأخرج الحاكم في مستدركه حديثه المذكور عن مشايخه ، عن عبيد الله بن أحمد بن إبراهيم الدورقي ، عن عبيد بن أبي قرة ، اهـ . (٢) في كتابه الكامل (٢٢٩/٢) في ترجمة حجاج بن تميم . ٢٧٧ ذكر استقلال السفاح بالخلافة ذِكْرُ استقلالِ أبي العباس عبدِ الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس الملقَّب بالسَّفَّاحِ بالخلافة وما اعتمدَهُ في أيامه من السيرة الحسنة قد تقدَّم أنه أول ما بُويع له بالخِلافة بالكوفة يومَ الجمعةِ الثاني عشر من ربيع الآخر ، وقيل : الأول من هذه السنة سنةٍ ثنتَيْنِ وثلاثين ومئة. ثم جرَّد الجيوش إلى مروان [ الحمار ]، فطرَدُوهُ عن المملكة ، وأجلَوْهُ عنها ، وما زالوا خَلْفَهُ حتى قتلوه بِيُوصيرَ من بلادِ الصَّعيد بأرضٍ مِصْر ، في العشر الأخير من ذي الحِجَّة من هذه السنة - على ما تقدَّم بيانه - وحينئذ استقلَّ السفاحُ بالخلافة ، واستقرَّتْ يَدُهُ على بلادِ العراقِ وخُراسانَ والحِجَاز والشام والديارِ المصرية ، لكنْ لم يحكمْ على بلادِ الأندلس ، ولا على بلادِ المغرب ، فإنَّهُ لم يَحْكُمْ عليها ولا وَصَلَ سلطانُه إليها ، وذلك أنَّ بعضَ مَنْ دخلَها من بني أميةَ استحوَذَ عليها ومَلَكَها كما سيأتي بَيَانُه . وقد خرَج على السفّاحِ في هذه السنةِ طوائفُ ، فمنهم أهلُ قِنَّسْرين بعدَما بايعوه على يدَيْ عَمِّهِ عبدِ الله بن علي، وأقرَّ عليهم أميرَهم وهو أبو الوَرْد مَجْزَأة بن الكَوْثَر بن زُفَر بن الحارث الكِلابيّ ، وكان من أصحاب مروانَ وأُمرائه ، فخَلَعَ السفَّاحِ ولَبِسَ البياض ، وحمل أهلَ البلدِ على ذلك ، فوافقوه ، وكان السفّاحُ يومئذٍ بالحِيرة، وعبدُ الله بنُ علي مشغولٌ بالبَلْقاء، يقاتِلُ بها حَبِيبَ بنَ مُرَّةَ المُرِّيُ(١) ومَنْ وافَقَهُ من أهلِ الْبَلْقاء والبَثَنِيَةِ(٢) وحَوْرَان على خَلْعِ السفّاح ، فلمَّا بلَغَهُ عن أهلِ فِنَّسْرِينَ ما فعلوا صالَحَ حَبِيبَ بن مُرَّة ، وسارَ نحو قِنَّسْرين، فلمَّا اجتازَ بدمشق - وكان بها أهلُه وثَقَلُه - استخلف عليها أبا غانم عبدَ الحميد بن رِبْعِي الكِنَاني في أربعةِ آلاف ، فلمَّا جاوزَ البلد وانتهى إلى حِمص نَهَضَ أهلُ دمشقَ مع رجلٍ يُقالُ له عثمان بن عبد الأعلى بن سُرَاقة، فخلَعُوا السفّاح وبيَّضوا، وقَتلوا الأميرَ أبا غانم ، وقتلوا جماعةً من أصحابهِ ، وانتهبوا ثَقَلَ عبدِ الله بن علي وحواصِلَه، ولم يتعرَّضُوا لأهلِه ، وتفاقَمَ الأمرُ على عبدِ الله بن علي ، وذلك أنَّ أهلَ قِنَّسْرِين تراسلوا مع أهل حمص وتَدْمُر ، واجتمعوا على أبي محمد السُّفْياني ، وهو أبو محمد بن عبدِ الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، فبايعوهُ بالخِلافة ، وقام معَهُ نحوٌ من أربعين ألفاً، فَقَصَدَهُمْ عبدُ الله بنُ علي، فالتقَوْا بِمَرْجِ الأخْرَم ، فقدَّمَ عبدُ الله بنُ علي أخاهُ عبدَ الصمد بن علي في عشرة آلاف من الفرسان بين يدَيْه ، فاقتتلوا مع مقدِّمةِ السُّفياني وعليها أبو الوَرْد ، فاقتتلوا قتالاً شديداً وهَزَموا عبد الصَّمَد ، وقُتل من الفريقَيْنِ ألوف ، فتقدم إليهم عبدُ الله بن علي ومعه في بعض النسخ: (( المزي))، وما أثبتناه موافق لتاريخ الطبري. (١) (٢) البَلْقَاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القُرى، قصبتها عمان، وفيها قرى كثيرة ومزارعُ واسعة . وبِجَوْدَةٍ حنطتها يضرب المثل ، والبَثَنِيَّة : اسمُ ناحيةٍ من نواحي دمشق بين دمشق وأذرعات ، انظر معجم البلدان (٣٣٨/١، ٤٨٩ ) . ٢٧٨ ذكر استقلال السفاح بالخلافة حُميد بن فَحْطبة بمن معه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً جدّاً، وجعل أصحابُ عبدِ الله يَفِرُون ، وهو ثابتٌ هو وحُميد ، وما زال حتى هزم أصحاب أبي الورد ، وثبَتَ أبو الورد في خمسمئةِ فارسٍ من أهل بيتِهِ وقومِه فقُتلوا جميعاً . وهرب أبو محمد الشُّفياني ومَنْ معَهُ حتى لَحِقوا بتَدْمُر، وأمَّنَ عبدُ الله أهلَ قِنَّسْرين، وسوَّدوا وبايعوه ورجعوا إلى الطاعة ، ثم كرَّ عبدُ الله راجعاً إلى دمشق ، وقد بلغهُ ما صنعوا ، فلما دَنَا منها تفرَّقوا عنها وهرَبوا ، ولم يكنْ منهم قتال ، فأمَّنهم ودخلوا في الطاعة ، وسوَّدوا موافقةً للخليفة ، وكان ذلك شعارَ السمعِ والطاعة . وأما أبو محمد السُّفياني فإنه ما زال مُضَيَّعاً ، ومشتتاً من بلدٍ إلى بلد ، حتى لَحِقَ بأرضِ الحِجَاز فقاتَلَهُ نائبُ أبي جعفر المنصور في أيام المنصور ، فقتله وبعثَ برأسِهِ وبابنينٍ له أخذَهما أسيرَيْن ، فأطلقهما المنصورُ في أيامه . وقد قيل إنَّ وقعةَ السفيانيِّ يوم الثلاثاء آخر يوم من ذي الحِجَّة سنةَ ثنتين وثلاثين ومئة ، والله أعلم . ومِمَّنْ خلعَ السفَّاحِ أيضاً أهلُ الجزيرة حين بلَغَهم أنَّ أهْلَ قِنَّسْرِينَ خَلَعوا ، فوافَقوهم وبيَّضوا ورَكِبوا إلى نائب حَرَّان من جهةِ السفّاح ، وهو موسى بن كعب ، وكان في ثلاثة آلاف قد اعتصم بالبلد ، فحاصروه قريباً من شهرَيْن ، ثم بعث السفاحُ أخاه أبا جعفر المنصور فيمَنْ كان بواسطةِ محاصِرِي ابنِ هُبيرة، فمَزَّ في مسيرهِ إلى حَرَّان بِقَرْقِيسيا١) وقد بيَّضوا، فغلَّقوا أبوابَها دونَه، ثم مَرَّ بالرَّقَّة وعليها بِكَّار بن مسلم ، وهم كذلك، ثم بِحَاجِر(٢) ، وعليها إسحاق بن مسلم ، فيمن معه من أهل الجزيرة يحاصرونَها . فرحل إسحاقُ عنها إلى الرُّهَا . وخرج موسى بنُ كعب فيمَنْ معه من جُند حَرَّان ، فتلقَّاهُ المنصور ، ودخلوا في جيشه ، وقَدِمَ بِكَّار بن مسلم على أخيه إسحاقَ بنِ مسلم بالرُّهَا ، فوجَّهَهُ إلى جماعةِ ربيعة بدارا وماردِين ، ورئيسُهم حَرُورِيٌّ يُقال له بريكة ، فصارا حزباً واحداً ، فقصد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالاً شديداً، فقُتل بُريكة في المعركة، وهرب بكَارٌ إلى أخيه بالرُّهَا ، فاستخلَفَهُ بها ومَضَى بِمُعظَمِ العسكر حتى نزل سُمَيْساط ، وخندَقَ على عسكرِه ، وأقبل أبو جعفر فحاصر بكَّاراً بالرُّهَا ، وجرت له معه وقعات ، وكتب السفَّاعُ إلى عمِّه عبدِ الله بن علي أن يسيرَ إلى سُميساط وقد اجتمع على إسحاقَ بنِ مسلم ستون ألفاً من أهل الجزيرة ، فسار إليهم عبدُ الله ، واجتمع إليه أبو جعفر المنصور ، فكاتبهم إسحاقُ وطلب منهم الأمان ، فأجابوهُ إلى ذلك على إذْنٍ أمير المؤمنين . (١) قَرْقيسِيا: بالفتح ثم السكون وقاف أخرى وياء ساكنة وسين مكسورة وياء أخرى وألف ممدودة ، ويقال بياءٍ واحدة، قال حمزة الأصبهاني : قرقيسيا مُعَرَّب كركيسيا ، وهو مأخوذ من كركيس وهو اسمٌ لأرسال الخيل المسمَّى بالعربية الحَلْبَة ، وكثيراً ما يجيء في الشعر مقصوراً ، وهي بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق على ستة فراسخ وعندها مصب الخابور في الفرات ، فهي في مثلث بين الخابور والفرات ، معجم البلدان (٣٢٨/٤). (٢) في بعض النسخ: ثم جاء حرَّان . ٢٧٩ ذكر استقلال السفاح بالخلافة وولَّى السفّاح أخاه أبا جعفر المنصور الجزيرةَ وأَذْرَبِيجانَ وأرْمِيِنِيةَ ، فلم يزَلْ عليها حتى أَفَضَتْ إليه الخلافةُ بعد أخيه ، ويُقال إن إسحاق بن مسلم العُقيلي إنمَّا طلبَ الأمانَ لَمَّا تحقَّقَ أنَّ مروانَ قد قُتل ، وذلك بعد مُضِيٍّ سبعة أشهر وهو محاصر ، وقد كان صاحباً لأبي جعفر المنصور فآمنه . وفي هذه السنة ذهب أبو جعفر المنصور عن أمْرٍ أخيه السفّاح إلى أبي مسلم الخُراساني ، وهو أميرها١) ليستطلعَ رأيَهُ في قتلِ أبي سلَمَة ، حفص بن سليمان الوزير، وكان سببُ ذلك أن السفَّاحَ سَمَرَ ليلَةً مع أهلِ بيته ، فتذاكروا ما كان من أمرٍ أبي سلَمَة حين كان أرادَ أنْ يصرِفَ الخلافةَ عن بني العباس ، فسألَ سائلٌ : هل ذلك كان عن مُمَالأةٍ أبي مسلم لأبي سَلَمَةَ في ذلك أم لا ؟ فسكت القوم ، فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيِهِ ، إنا لَبِعُرْضِ بَلاءٍ عظيم، إلَّ أنْ يدفعَهُ الله عنَّا. قال أبو جعفر : فقال لي أخي : ما تَرَى؟ فقلت: الرأيُ رأيُك. فقال: إنه ليس أحدٌ أخَصَّ بأبي مسلم منك ، فاذهبْ إليهِ فاعلَمْ لي عِلْمَه ، فإن كان عن رأيِهِ احتَلْنا له ، وإنْ لم يكنْ عن رأيِهِ طابَتْ أنفسُنا . قال أبو جعفر : فخرَجْتُ إليه قاصداً على وَجَل . قال المنصور : فلمَّا وصلتُ إلى الريّ إذا كتابُ أبي مسلم إلى نائبِها يستحثُّني إليه في المسير ، فازدَدْتُ وَجَلاً ، فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابُه يستحثُّني أيضاً ، وقال لنائبها: لا تدَعْهُ يَقَرُ ساعةً واحدةً ، فإنَّ أرضَكَ بِها خوارجُ كثيرة . فانشَرَحْتُ لذلك ، فلما صرتُ من مَرْوَ على فرسخَيْن ، خرج يتلقَّاني ومعه الناس ، فلما واجَهَني ترجَّلَ ، فقبَّلَ يدي ، فأمَرْتُهُ فركِب ، فلما دخلتُ مَرْوَ ونزلتُ في دارِهِ ، فمكثتُ ثلاثاً لا يسألُني في أيِّ شَيْءٍ جئت؟ فلما كان اليومُ الرابع سألني: ما أقدَمَكَ ؟ فأخبَرْتُهُ بالأمر . فقال : أَفَعَلَها أبو سَلَمَة؟! أنا أكفيكُمُوه . فدعا مرارَ بن أنس الضَّبِّيَّ فقال: اذهَبْ إلى الكوفة ، فحيثُ لَقِيتَ أبا سَلَمَة فاقتُلْه ، وانتَهِ في ذلك إلى رأي الإمام . فقَدِمَ مرارٌ الكوفة الهاشمية ، وكان أبو سَلَمة يَسْمُرُ عند السفّاح، فلمَّا خرج قتَلَهُ مرار. وشاعَ أنَّ الخوارجَ قتلوه. وغلّقت البلد ، ثم صلَّى عليه يحيى بن محمد بن علي ، أخو أميرِ المؤمنين ، ودُفن بالهاشمية ، وكان يقال له وزيرُ آلٍ محمد ، ويقال لأبي مسلم أميرُ آل محمد . قال الشاعر : إنَّ الوزيرَ وزير آلِ محمدٍ أَوْدَى فمَنْ يَشْنَاكَ كان وَزِيرا ويُقال: إنَّ أبا جعفر إنما سار إلى أبي مسلم بعد قتْلِ أبي سَلَمَة ، وكان معه ثلاثون رجلاً على البريد ، منهم الحجّاج بن أرطاة وإسحاق بن الفضل الهاشمي ، وجماعةٌ من السادات ، ولما رجع أبو جعفر من خُراسان قال لأخيه : لستَ بخليفةٍ ما دام أبو مسلم حيّاً حتى تقتلَه . لِمَا رأى من طاعةِ العساكرِ والأمراءِ له ، فقال له السفّاح اكُتَمْها. فسكت، ثم إِنَّ السفََّحَ بعثَ أخاهُ أبا جعفر إلى قتالِ ابنِ هُبيرة بواسط ، فلما اجتاز بالحسن بن قَحْطَبة أخَذَهُ معه ، فلما أُحيط بابن هُبيرة كتب إلى محمد بن عبد الله بن الحسن لِيُبايع له (١) يعني أمير خراسان. ٢٨٠ ذكر استقلال السفاح بالخلافة بالخِلافة ، فأبطأ عليه جوابُه ، فمال إلى مُصالحةِ أبي جعفر ، فاستأذن أبو جعفر أخاهُ السفّاح في ذلك ، فأذِنَ له في المصالحة ، فكتب له أبو جعفر كتاباً بالصُّلح ، فمكَثَ ابنُ هُبيرة يُشاور فيه العلماء أربعين يوماً ، ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاث مئة من البخاريّة ، فلمَّا دَنَا من سُرَادِق أبي جعفر همَّ أنْ يدخلَ بفرسَهِ فقال الحاجب سلام : انزِلْ أبا خالد . وكان حولَ السُّرادِق عشرة آلاف من أهلِ خُراسان ، ثم أذن له في الدخول ، فقال : أنا ومَنْ معي ؟ قال: لا، بل أنتَ وحدَك . فدَخل ، ووُضعت له وسادةٌ فجلس عليها ، فحادثه أبو جعفر ساعةً ، ثم خرج من عندِهِ ، فأتبعَه أبو جعفر بصَرَه ، ثم جعل يأتيهِ يوماً بعدَ يوم في خمس مئةٍ فارس وثلاث مئة راجل ، فشكوا ذلك إلى أبي جعفر ، فقال أبو جعفر للحاجب : مُرْهُ فَلْيَأتِ في حاشيته . فكان يأتي في ثلاثين نفساً ، فقال الحاجب : كأنَّك تأتي متأهِّبأ١) . فقال : لو أمرتموني بالمشي لمشَيْتُ إليكم . ثم كان يأتي في ثلاثةِ أنفس، وقد خاطَبَ ابنُ هُبيرة يوماً لأبي جعفر فقال في غبون٢) كلامه: يا هناه - أو قال: يا أيها المرء - ثم اعتذر إليه بأنه قد سبَقَ لسانُهُ إلى ذلك ، فأعذَرَه . وقد كان السفَّاعُ كتَبَ إلى أبي مسلم يستشيرُه في مصالحةِ ابنِ هُبيرة ، فَنَهاه عن ذلك ، وكان السفّاحُ لا يقطَعُ أمراً دُونَ مراجعةِ أبي مسلم ، فلما وَقَعَ الصُّلْحُ على يدي أبي جعفر لم يحبَّ السفاحُ ذلك ولم يُعجِبْه . وكتب إلى أبي جعفر يأمرُ بِقَتْلِهِ، فراجَعَهُ أبو جعفر مراراً لا يُفيدُهُ ذلك شيئاً ، حتى جاء كتابُ السفّاح: أن اقتُلْهُ لا محالة ، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ! كيف يُعطي الأمانَ ويَنْكُث؟! هذا فعلُ الجبابرة . وأقسم عليه في ذلك ، فأرسل إليه أبو جعفر طائفةً من الخُراسانية ، فدخلوا عليه وعندَهُ ابنُه داود ، وفي حجْرِهِ صبيٍّ صغير، وحوله مَوَاليه وحاجِبُه، فدافع عنه ابنُهُ حتى قُتل ، وقُتل خلقٌ من مَوَاليه، وخَلَصوا إليه ، فألقَى الصبيَّ من حجرِهِ وخَرَّ ساجداً ، فقُتل وهو ساجد . واضطربَ الناس ، فنادى أبو جعفر في الناس بالأمان ، إلا عبد الملك بن بشر ، وخالد بن سلمة المخزومي ، وعمر بن ذَرّ . فسكَنَ الناس ، ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقُتل بعضهم . وفي هذه السنة بعث أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث إلى فارس ، وأمرَهُ أنْ يأخذَ عُمَّالَ أبي سلمةَ الخلاَّل فيضربَ أعناقَهم ، ففعل ذلك . وفيها ولَّى السفّاحُ أخاه يحيى بن محمد الموصلَ وأعمالَها، وولَّى عمَّهُ داودَ مَكَّةَ والمدينة واليمن (١) في تاريخ الطبري (٣٦٣/٤): ((مباهياً)). (٢) كذا في الأصول، وقد تردد ذكر هذه الكلمة في عدد من أجزاء الكتاب مراراً، وهو من قولهم غَبَنَ الثوبَ: إذا ثناه وعطّفَه والمراد هنا تضاعيف الكلام ومثانيه . انظر لسان العرب والقاموس ( غبن ) .