Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
ذكر قتل يزيد بن الوليد للوليد
على ذلك ، وقد نَهَاهُ أخوهُ العباسُ بن الوليد فلم يقبَلْ ، فقال : والله لولا أنِّي أخافُ عليك الوليد لقيَّدتك
وأرسلتك إليه . واتَّفَقَ خروج الناس من دمشق من وباء وقع بها ، فكان ممَّن خرج الوليدُ بن يزيد أميرُ
المؤمنين في طائفةٍ من أصحابه نحو المئتَيْنِ إلى ناحيةِ مشارف دمشق(١) ، فانتظم لِيَزِيدَ بنِ الوليد أمرُه ،
وجعل أخوهُ العباسُ يَنْهاهُ عن ذلك أشدَّ النَّهْي فلا يَقبَلْ ، فقال العباسُ في ذلك :
مثلَ الجبالِ تَسَامَى ثم تَنْدَفعُ
إني أعيذُكُمُ باللهِ مِن فِتَنٍ
فاستمسِكُوا بعَمُودِ الدِّينِ وارتَدِعُوا
إنَّ البرِيَّةَ قدِ مَّتْ سیاسَتَكُمْ
إنَّ الذئاب إذا ما أُلْحِمَتْ رَتَعُوا
لا تُلْحِمُنَّ ذئابَ الناس أنفسَكم
فَثَمَّ لا حَسْرَةٌ تُغْنِي ولا جَزَعُ(٢)
لا تَبْقُرُنَّ بأیدیکم بُطُونَكُمُ
فلما استؤْثَقَ لِيَزِيدَ بنِ الوليد أمْرُهُ ، وبايَعُهُ منْ بايَعَهُ من الناس قَصَدَ دمشقَ ، فدخلها في غَيْبَةِ الوليد ،
فبايَعهُ أكثرُ أهْلِها في الليل ، وبلَغْهُ أنَّ أهلَ المِزَّةِ بايعوا كبيرَهم معاويةَ بنَ مصاد ، فمضى إليه يزيدُ ماشياً في
نفرٍ من أصحابه ، فأصابَهم في الطريق خطرٌ شديد، فأتَوْهُ ، فطرقُوا بابَهُ ليلاً ، ثم دخلوا فكلَّمَهُ يزيدُ في
ذلك ، فبايعَهُ ابنُ مصَاد ثم رجعَ يزيدُ من ليلتهِ إلى دمشق على طريقِ القَناة ، وهو على حمارٍ أسود ، فحَلَفَ
أصحابُهُ أنه لا يدخلُ دمشقَ إلا في السلاح ، فلَبس سلاحاً من تحتِ ثيابه ، فدخلَها ، وكان الوليدُ قدِ
استنابَ على دمشقَ في غَيْبِهِ عبد الملك بن محمد بن الحجّاج بن يوسف الثقفي ، وقد خرج منها أيضاً من
الوباء ، فهو مقيمٌ بِقَطَن(٣)، واستخلفَ ابنَه (٤) على دمشق، وعلى شُرْطتِها أبو العاج كثير بن عبد الله
السُّلَمي ، فلمَّا كان ليلة الجمعة اجتَمَعَ أصحابُ يزيدَ بين العشاءَيْن ، عند بابِ الفَرَادِيس ، فلمَّا أَذَّن عشاءُ
الآخرة دخلوا المسجد ، فلمَّا لم يبقَ في المسجد غيرُهم بعثوا إلى يزيدَ بنِ الوليد ، فجاءهم ، فقصدوا
بابَ المقصورة ، ففتح لهم خادم ، فدخلوا فوجدوا أبا(٥) العاج وهو سكران ، فأخذوه وأخذوا خزائنَ
بيتِ المال ، وتسلَّموا الحواصلَ، وتقوَّوْا بالأسلحة ، وأمرَ يزيدُ بإغلاق أبوابِ البلد ، وأن لا يُفْتَح إلَّا
لِمَنْ يُعرَف ، فلمَّا أصبح الناسُ قَدِمَ أهلُ الحَوَاضِرِ من كلِّ جانب فدخلوا من سائرِ أبوابِ البلدِ كلُّ أهلِ
مَحلَّةٍ من البابِ الذي يَليهم ، فكثُرَتِ الجيوشُ حَوْلَ يزيدَ بنِ الوليد بنِ عبد الملك في نُصْرَتِهِ ، وكلُّهم قد
بايَعَهُ بالخلافة ، وقد قال فيه بعضُ الشعراء في ذلك :
فجاءَتْهُمُ أنصارُهُمْ حينَ أصبحوا سَكَاسِكَها أهلُ البيوتِ الصنادِدِ
(١) في (ب، ح): ((مشارق)).
(٢) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري (٢٣٩/٤، ٢٤٠)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (٤/ ٤٨١، ٤٨٢).
(٣) قَطَنا: من قرى دمشق ، تقع إلى جنوبها الغربي ، وتبعدُ عنها نحو خمس وعشرين كيلومتراً .
(٤) في الأصل : أباه ، وفي بعض النسخ : ابنه .
(٥) في الأصل : أبو ، وفي بعض النسخ : أبا .

٢٢٢
ذكر قتل يزيد بن الوليد للوليد
من البيضِ والأبدانِ ثم السواعِدِ
وكلبٌ فجاؤوهم بخيلٍ وعُدَّةِ
هُمُ مَنَعُوا حُزْماتِها كُلَّ جاحِدٍ
فأكرِمْ بها أحياءَ أنصار سنَّةٍ(١)
وَعَبْسٌ وَلَخْمٌ بينَ حامٍ وذائدِ
وجاءَتْهُمُ شيبانُ والأزْدُ شُرَّعاً
وأحْجمَ عنها كلُّ وانٍ وزاهِدٍ
وغَسَّانُ والحَيَّانِ قيسٌ وتَغْلبٌ
قَدِ اسْتَوْثَقُوا من كُلِّ عاتٍ ومارِدٍ(٢)
فما أصبحوا إلَّ وهُمْ أهلُ مُلْكِها
وبعث يزيدُ بن الوليد عبد الرحمنِ بن مصَاد في مئتي فارسٍ إلى قَطَنا ، ليأْتُوهُ بعبدِ الملك بن محمد بن
الحجّاج نائبٍ دمشق ، وله الأمان ، وكان قد تحصَّنَ في قصرٍ هناك ، فدخلوا عليه ، فوجدوا عنده
جرَّتَيْن(٣)، في كلِّ واحدةٍ منهما ثلاثون ألف دينار ، فلما مرُّوا بالمزَّة قال أصحابُ ابنِ مصَاد خُذْ هذا المالَ
فهو خيرٌ من يزيدَ بنِ الوليد . فقال : لا والله لاتُحدِّثُ العرب أنِّي أوَّلُ مَنْ خان . ثم أتَّوْا بهِ يزيدَ بنِ
الوليد ، فاستخدَمَ من ذلك المال جنداً للقتال قريباً من ألفَيْ فارس ، وبعثَ بهِ مع أخيه عبدِ العزيز بنِ
الوليد بن عبد الملك خَلْفَ الوليدِ بن يزيد ليأتوا به ، وركب بعضُ موالي الوليد فرساً سابقاً ، فساق به حتى
انتهى إلى مولاهُ من الليل ، وقد نَفَقَ الفرسُ من السَّوْق، فأخبرَهُ الخبر ، فلم يُصدِّقْهُ وأمرَ بضَرْبِهِ ، ثم
تواترتْ عليه الأخبار ، فأشارَ عليه بعضُ أصحابِهِ أن يتحوَّلَ من مَنْزلهِ ذاكَ إلى حِمص ، فإنها حَصينة ،
وقال الأبرش سعيدُ بن الوليد الكلبي : انزِلْ على قومي بتَدْمُر . فأبَى أن يقبَلَ شيئاً من ذلك ، بل ركب بمَنْ
معهُ وهو في مئتي فارس ، وقصد أصحابَ يزيد ، فالتقَوْا بِثَقَلِهِ في أثناءِ الطريقِ فأخذوه ، وجاء الوليدُ فنزَلَ
حِصْنَ البَخْراء(٤) الذي كان للنعمانِ بن بَشير(٥) ، وجاءه رسولُ العباسِ بنِ الوليد أنِّي آتيك - كان من
أنصاره - فأمر الوليدُ بإبرازِ سريرِهِ ، فجلس عليه وقال : أعليَّ يتوثَّبُ الرِّجال وأنا أثِبُ على الأسدِ وأتخصَّرُ
الأفاعي ؟! وقَدِمَ عبدُ العزيزِ بن الوليد بمَنْ معه، وإنما كان قد خَلَصَ معه من الألفَيْ فارس ثمانُ مئةٍ
فارس ، فتصافُّوا فاقتتلوا قتالاً شديداً ، فقُتل من أصحاب العباس جماعةٌ حُملتْ رؤوسُهم إلى الوليد ،
وقد كان جاء العباسُ بن الوليد لِنُصْرَةِ الوليدِ بن يزيد ، فبعث إليه أخوهُ عبد العزيز ، فجيء به قهراً حتى
بايع لأخيه يزيدَ بنِ الوليد ، واجتمعوا على حرب الوليد بن يزيد ، فلما رأى الناسُ اجتماعَهم فرُّوا من
الوليد إليهم ، وبقي الوليدُ في ذُلِّ وقُلِّ من الناس ، فلجأ إلى الحِصْن ، فجاؤوا إليه وأحاطوا بهِ من كلِّ
جانبٍ يحاصرونَه ، فدَنَا الوليدُ من باب الحِصْنِ فنادَى: لِيُكَلِّمْني رجلٌ شريف. فكلَّمَهُ يزيدُ بن عَنْبَسَة
(١) في (ب، ح): ((أنصار سيد)).
(٢) الأبيات والخبر في تاريخ الطبري (٢٤١/٤).
(٣) في (ب، ق): ((خرجين)) والمثبت من (ح).
(٤) البخراء : أرض بالشام، سميت بذلك لعفونةٍ في تربتها ونَتْنها. معجم ما استعجم (٢٣٠/١).
(٥) في (ب، ح): ((الذي كان للضحاك بن قيس)).

٢٢٣
ذكر قتل يزيد بن الوليد للوليد
السَّكْسَكيُّ فقال الوليد : ألم أدفَع الموتَ عنكم ؟ ألم أُعطِ فقراءَكم ؟ ألم أخدمْ زَمْنَاكُمْ ؟ فقال يزيد : إنما
نَنْقِمُ عليكَ انتهاكَ المحارِم ، وَشُرْبَ الخمور، ونكاحَ أمَّهاتِ أولادِ أبيك ، واستخفافَكَ بأمرِ الله
عزَّ وجلَّ . فقال : حَسْبُكَ يا أخا السكاسك ، لقد أكثرتَ وأغرقْتَ، وإنَّ فيما أحَلَّ اللهُ لي ◌َسَعةً عمَّا
ذكرتَه . ثم قال : أما والله لئن قتلتموني لا تُرْتَقنَّ فتنتكُم وأقبل يقرَأُ فيه وقال : يومٌ كيومٍ عثمان .
واستسلم ، وتسوَّرَ عليه أولئك الحائط ، فكان أوَّلَ من نزل إليه يزيدُ بن عَنْبَسة ، فتقدَّمَ إليه وإلى جانبه
سيف ، فقال : نَحِّهِ عنك . فقال الوليد : لو أردتُ القتالَ به لكان غيرَ هذا . فأخذ بيده وهو يريدُ أنْ
يحبِسَهُ حتى يبعثَ بهِ إلى يزيدَ بنِ الوليد ، فبادرَهُ عليه عشرةٌ من الأمراء ، فأقبلوا على الوليد يضربونه على
رأسِهِ ووجهِهِ بالسيوفِ حتى قتلوه ، ثم جَرُّوهُ برِجْلِهِ لِيُخرِجوه ، فصاحَتِ النسوةُ فتركوه ، واحتزَّ أبو عِلاقة
القُضَاعيُّ رأسَه وخاطوا ما كان جُرحَ بهِ في وجْهِهِ ، وبعَثُوا بهِ إلى يزيدَ مع عشرةِ نفَر ، منهم منصورُ بن
جُمهور ، ورَوْح بن مُقبل ، وبشر مولى كِنَانةَ من بني كَلْب ، وعبد الرحمن الملقَّب بوَجْه الفَلْس ، فلما
انتهَوْا إليه بشَروهُ بقَتْلِ الوليد، وسلَّموا عليه بالخلافة ، فأطلق لكلِّ رجلٍ من العشرة عشرةَ آلاف ، فقال له
روح بن بشر بن مقبل : أبشرْ يا أمير المؤمنين بقتلِ الوليد الفاسق . فسجَدَ شكراً لله ، ورجعتِ الجيوش
إلى يزيد ، فكان أولَ من أخذ يدَهُ للمبايعة يزيدُ بن عنبسةَ السَّكْسَكي ، فانتزع يدَهُ من يده وقال : اللهم إنْ
كان هذا رِضَى لك فأعِنِّي عليه . وكان قد جعلَ لِمِنْ جاءه برأسِ الوليد مئة ألف دِرْهم ، فلما جيء به وكان
ذلك ليلةَ الجمعة - قيل يوم الأربعاء لِلَيْلَيْنِ بقيتا من جمادى الآخرة سنةَ ستٍّ وعِشرين ومئة ، فأمر يزيدُ
بنَصْب رأسِه على رُمْح، وأنْ يُطافَ به في البلد . فقيل له : إنما يُنصبُ رأسُ الخارجي. فقال: والله
لأنصبَنَّه . فشهَرَهُ في البلد على رُمْح، ثم أودَعَهُ عند رجلٍ شهراً ثم بعثَ إلى أخيه سُليمانَ بنِ يزيد ، فقال
أخوهُ عندَ ذلك : بُعْداً له ، أشهدُ أنَّكَ كنتَ شروباً للخمر ، ماجناً فاسقاً ؛ ولقد أرادَني على نفسي هذا
الفاسق وأنا أخوه ، لم يأنَفْ من ذلك . وقد قيل: إنَّ رأسَهُ لم يزل معلّقاً بحائطِ جامع دمشق الشرقي مما
يلي الصَّحْن حتى انقضَتْ دولةُ بني أمية . وقيل إنما كان ذلك أثَر دَمِه ، وكان عمرُه يَوَمَ قُتل ستاً وثلاثينَ
سنة ، وقيل ثمانياً وثلاثين ، وقيل : إحدى وثلاثين - وقيل ثنتَيَّن ، وقيل خمساً ، وقيل ستاً وأربعين -
سنة . ومُدَّةُ ولايَتِهِ سنةٌ وستةُ أشهرٍ على الأشْهَر ، وقيل : ثلاثة أشهر .
قال ابن جرير(١) : كان شديدَ البطش ، طويلَ أصابعِ الرجلَيْن ، كانت تُضربُ له سكَّةُ الحديد في
الأرض ، ويُربطُ فيها خيطٌ إلى رجْلِه ، ثم يَئِبُ على الفرسَ فيَرْكَبُها ولا يَمَسُّ الفرس، فتنقَلِعُ تلك السِّكَّةُ
من الأرض مع وَثْيَتِهِ .
(١) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٢٤٧).

٢٢٤
خلافة يزيد بن الوليد
خلافةُ يَزِيدَ بنِ الوليد بنِ عبدِ الملك بن مَرْوان(١)
وهو الملقَّبُ بالنَّاقِصِ لِنَقْصِهِ الناسَ من أُعطياتِهِم ما كان زادَهُ الوليدُ بن يزيد في أُغطياتِهم وهي عشرة
عشرة، ورَدِّهِ إياهم إلى ما كانوا عليه في زَمَنِ هشام . ويقال: إنَّ أوَّلَ مِنْ لَقَّبَهُ بذلك مروان بن محمد .
بُويع له بالخِلافة بعدَ مقتَلِ الوليدِ بنِ يزيد ، وذلك ليلةَ الجمعة لِلَيْلتَيْنِ بَقِيتًا من جمادى الآخرة من هذه
السنة ، أعني سنةً ستٍّ وعشرين ومئة. وكان فيه صلاحٌ ووَرَعٌ قبل ذلك ، فأولُ ما عَمِلَ انْتَقِصَ من أرزاق
الجُنْد ما كان الوليدُ زادَهُمْ وذلك في كلِّ سنةٍ عشرةً عشرةً ، فسُمِّيَ الناقصَ لذلك ، ويقال في المثل :
الأشجُّ والناقِصُ أعْدَلا٢ً) خلفاءِ بني مروان، يعني عمرَ بنَ عبدِ العزيز، وهذا، ولكنْ لم تَطُلْ أيامُه ، فإنه
تُوقِّيَ من آخِرِ هذه السنة ، واضطرَبَتْ عليه الأمور ، وانتشرَتِ الفِتَن ، واختلفَتْ كلمةُ بني مروان ، فنهض
سليمانُ بن هشام وكان معتَقَلاً في سِجْنِ الوليد بعُمان ، فاستحوزَ على أموالِها وحَوَاصلِها ، وأقبلَ إلى
دمشق ، فجعل يَلْعِنُ الوليدَ ويَعِيبُه، ويَزْمِيهِ بالكُفْرِ، فأكرَمَهُ يزيدُ وردَّ عليه أموالَهُ التي كان أخذها منه
الوليد ، وتزوَّج يزيدُ أختَ سليمان ، وهي أُمُ هشام بنتُ هشام .
ونهض أهلُ حمصَ إلى دارِ العباسِ بن الوليد التي عندَهم فهدموها ، وحبسوا أهلَهُ وبَنيه ، وهربَ هو
من حمصَ ، فَلَحِقَ بيزيدَ بنِ الوليد إلى دمشق ، وأظهر أهلُ حمْصَ الأخذَ بدَم الوليدِ بنِ يزيد ، وأغلقوا
أبوابَ البلد ، وأقاموا النوائحَ والبواكي على الوليد، وكاتبوا الأجنادَ في طلَبِ الأخذِ بالثأر، فأجابَهم إلى
ذلك طائفةٌ كبيرةٌ منهم على أن يكونَ الحكَمُ بنُ الوليد بن يزيد الذي أُخذ له العهد هو الخليفةَ ، وخلعوا
نائبَهم وهو مروانُ بنُ عبد الله بن عبد الملك بن مروان ، ثم قتلوهُ وقتلوا ابنَه . وأمَّروا عليهم معاويةَ بنِ
(١) ترجمته في تاريخ خليفة (٣٦٨)، تاريخ اليعقوبي (٧٤/٣)، تاريخ الطبري حوادث سنة (١٢٦) ، الكامل في
التاريخ لابن الأثير، تاريخ ابن خلدون ( ١٠٦/٣)، النجوم الزاهرة (١٢٦/١)، تاريخ الخميس (٣٢١/٢،
٣٢٢) .
(٢) كذا في الأصول ، وأفعل التفضيل يضاف إلى نحو ما يضاف إليه ، أي تقول : هو أفضل الرجلين ، وأفضل القوم ،
وتقول : هو أفضل رجل ، وهما أفضل رجلين ، وهم أفضل رجال ، والمعنى في هذا إثبات الفضل على الرجال إذا
فضلوا رجلاً رجلاً واثنين اثنين وجماعةً جماعةٌ . وله معنيان : أحدُهما أنْ يُرادَ أنه زائدٌ على المضاف إليهم في
الخصلة ، هو وهم فيها شركاء ، والثاني أن يؤخذ مطلقاً له الزيادةَ فيها إطلاقاً ، ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف
إليهم ، لكنْ لمُجرَّدِ التخصيص ، كما يُضاف ما لا تفضيلَ فيه ، وذلك نحو قولك : الناقصُ والأشجُّ أعْدَلا بني
مروان . كأنك قلت : عادِلا بني مروان ، فأنت على الأول يجوزُ لك توحيدُه في التثنية والجمع ، وعلى الثاني ليس
لك إلَّا أن تثنيه وتجمعه وتؤنثه. وقد اجتمع الوجهان في قوله عليه السلام: « ألا أخبركم بأحبُّكم إلي وأقربكم مني
مجالس يومَ القيامة أحاسنكم أخلاقاً الموطؤون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون)) . اهـ المفصل في صنعة الإعراب
للزمخشري ص ( ١٢٠ ).

٢٢٥
خلافة يزيد بن الوليد
يزيدَ بنِ حُصين ، فلما انتهى خبَرُهم إلى يزيدَ بنِ الوليد كتب إليهم كتاباً مع يعقوب بن هانئء ، ومضمونُ
الكتاب أن يدعو إلى أن يكونَ الأمرُ شُورَى ، فقال عمرو بن قيس : فإذا كان الأمر كذلك ، فقد رَضِینا
بوليِّ عهدِنا الحكم بنِ الوليد ، فأخذ يعقوبُ بلِحْيَتِه وقال : ويحك! لو كان هذا الذي تدعو إليه يتيماً
تحتَ حجرٍك لم يَحِلَّ لك أن تدفعَ إليه مالَهُ ، فكيف أمرُ الأمَّة ؟! فوثَبَ أهلُ حمص على رُسلِ يزيدَ بنِ
الوليد فطرَدُوهُمْ عنهم ، وأخرجوهم من بين أظهرِهم ، وقال لهم أبو محمد الشُّفياني : لو قَدِمتُ دمشق لم
يختلف عليَّ منهمُ اثنان . فركبوا معه وساروا نحو دمشق ، وقد أمَّروا عليهم السفيانيّ ، فتلقَّهم
سليمانُ بن هشام في جيشٍ كثيف ، قد جَهَّزَهم معَه يزيدُ بن الوليد ، وجهز أيضاً عبدَ العزيزِ بن الحجاج في
ثلاثةِ آلاف يكونون عندَ ثنيَّةِ العُقَابِ(١) وجهز هشام بن مصَاد المِزِّي في ألفٍ وخمسٍ مئة ، ليكونوا على
عَقَبَةِ السَّلَمِيَّةُ(٢) ، فخرج أهلُ حمصَ فساروا وتركوا جيشَ سليمان بن هشام ذاتَ اليسار وتعَذَّوْه ، فلما
سمع بهم سُليمانُ ساقَ في طلَبِهِم ، فَلَحِقَهُمْ عِند السُّلَيمانية(٣) ، فجعلوا الزيتون عن أيمانِهم ، والجبلَ عن
شمائِلهم، والجباب من خلفِهم، ولم يبقَ تخلُّصٌ إليهم إلا من جهةٍ واحدة، فاقتتلوا هنالك في قبالةِ الجسر
قتالاً شديداً ، فقُتل طائفةٌ كبيرةٌ من الفريقَيْن ، فبينما هم كذلك إذْ جاء عبدُ العزيز بنُ الحجاج بمن معه ،
فحمل على أهلِ حِمص فاخترق جيشَهُم حتى ركب التلَّ الذي في وسطِهِم ، وكانتِ الهزيمة ، فهرب أهلُ
حِمص وتفرَّقوا ، فاتَّبَعَهُمُ الناسُ يقتلونَ ويأسِرون، ثم تنادَوْا بالكَفِّ عنهم على أنْ يُبَايعوا ليزيدَ بنِ الوليد.
وأسروا منهم جماعةٌ ، منهم أبو محمد السفياني ، ويزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية ، ثم ارتحلَ
سليمانُ وعبدُ العزيز فَنَزَلا عَذْراء ، ومعهمُ الجيوشُ وأشرافُ الناس وأشرافُ أهلِ حمص من الأسارَى ،
ومنِ استجابَ من غيرِ أسْر، بعدَما قُتل منهم ثلاث مئة نفس ، فدخلوا بهم على يزيدَ بنِ الوليد فأقبل
عليهم ، وأحسن إليهم وصفَحَ عنهم ، وأطلق الأُعطياتِ لهم ، لا سيما لأشرافِهم ، وولَّى عليهم الذي
اختاروه ، وهو معاويةُ بن يزيدَ بنِ الحُصَين ، وطابَتْ عليه أنفسُهم ، وأقاموا عندَهُ في دمشق ، سامِعين
مُطيعين له .
(١) ثَنِيَّةُ العُقَاب: بالضم، وهي ثنيةٌ مشرفةٌ على غوطةِ دِمشق، يَطَؤها القاصدُ من دمشقَ إلى حمص. ويقال: إنما
سُمِّيتْ ثنية العُقاب بعُقَاب من الطير كان ساقطاً عليها بعُشَّهِ وفراخِه . سار خالد بن الوليد من العراق حتى أتى إليها ،
فوقف عليها ساعةً ناشراً رايته وهي رايةٌ كانتْ لرسولِ اللهِِّ. معجم البلدان (٨٥/٢). وتُعرف عند العامَّةِ اليوم
بـ (( طلوع التنايا)).
(٢) سَلَمْيَة: بفتح أوله وثانيه وسكون الميم وياء مثناة من تحت خفيفة ، كذا جاء به المتنبي في شعره ، وهي بُليدة في
ناحية البرية من أعمال حماة بينهما مسيرة يومين ، وكانت تُعدُّ من أعمال حمص ، وأهلُ الشام يقولون : سَلَمِيَّة
- بفتح أوله وثانيه وكسر الميم وياء النسبة. معجم البلدان ( ٢٤٠/٣، ٢٤١). وفي نسخة ((مقبة السلامة)).
(٣) السُّليمانية: مزرعة كانت لسليمان بن عبد الملك خلف عذراء من دمشق على أربعة عشر ميلا. تاريخ الطبري
(٢٥٣/٤)، والخبر فيه مفصلاً .

٢٢٦
خلافة يزيد بن الوليد
وفيها بايع أهلُ فلسطينَ يزيدَ بن سليمان بن عبد الملك ، وذلك أنَّ بني سليمان كانتْ لهم أملاكٌ
هناك، فكانوا يَنْزِلونها ، وكان أهلُ فِلَسْطين يُحِبُّونَ مجاورَتهم ، فلما قُتل الوليد بن يزيد كتب سعيدُ بن
رَوْح بن زِنْبَاع - وكان رئيسَ تلك الناحية - إلى يزيدَ بنِ سليمانَ بنِ عبد الملك يدعوهُ إلى المبايعة له ،
فأجابَهُ إلى ذلك، فلما بلَغَ أهلَ الأردُنِّ خبرُهم بايعوا أيضاً محمد بن عبد الملك بن مروان ، وأمَّروهُ
عليهم ، فلما انتهى خبرُهُم إلى يزيدَ بن الوليد أمير المؤمنين بعث إليهم الجيوشَ مع سليمانَ بنِ هشام في
الدماشقةِ وأهلِ حِمص الذين كانوا مع السُّفْياني، فصالحهم أهلُ الأردنِّ أوَّلًا ورجعوا إلى الطاعة ،
وكذلك أهلُ فلسطين . وكتب يزيدُ بن الوليد ولايةَ الإمرةِ بالرَّمْلةِ وتلك النواحي إلى أخيه إبراهيم بن
الوليد ، واستقرَّتِ الممالكُ هنالك .
وقد خطبَ أميرُ المؤمنين يزيدُ بن الوليدِ الناسَ بدمشق ، فحمدَ الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال :
أمَّا بعد، أيها الناس ، أما والله ما خرجتُ أشراً ولا بطراً ، ولا حِرْصاً على الدنيا ، ولا رغبةً في المُلك ،
وما بي إطراء نفسي، إني لظَلُومٌ لِنَفْسي إنْ لم يرحَمْني ربِّي فإني هالك، ولكنِّي خرجتُ غَضَباً للهِ ورسولِهِ
ولدينه، وداعياً إلى الله وكتابِه، وسُنَّةِ نبيِّه محمدٍ بِّهَ، لمَّا هُدمَتْ معالمُ الدِّين، وأُطفىءَ نورُ أهلِ
التقوى، وظهر الجبارُ العَنيد ، المستحلُّ لكُلِّ حُزْمة ، والراكبُ كلِّ بِدْعة ، مع أنه والله ما كان مُصدِّقاً
بالكتاب ، ولا مؤمناً بيوم الحساب ، وإنه لابنُ عمِّ في النسب ، وكُفي بالحسَب ؛ فلمَّا رأيتُ ذلك
استخرتُ الله في أمرهٍ ، وسألتُهُ أنْ لا يَكِلَني إلى نفسي ، ودَعَوْتُ إلى ذلك منْ أجابني من أهلٍ ولايتي ،
وسعَيْتُ فيه حتى أراحَ اللهُ منه العِبَادَ والبلاد، بِحَوْلِ الله وقوَّتِهِ، لا بِحَوْلي ولا بقُوَّتِي . أيها الناس ، إنَّ
لكم عليَّ أن لا أضعَ حجَراً على حجر ، ولا لَبِنَةً على لَبِنَة، ولا أكْرِي نَهْراً، ولا أُكثِرَ مالًا، ولا أُعطيَهُ
زوجةً ولا وَلَداً ، ولا أنقلَ مالًا من بلد إلى بلد، حتى أسُدَّ ثَغْرَ ذلك البلد، وخصَاصةَ أهلِه بما يُغْنيهم ،
فإنْ فَضَلَ عن ذلك فَضْلٌ نَقَلْتُهُ إلى البلدِ الذي يَليه، ممَّن هو أخْوجُ إليه، ولا أجَمِّركم في تُغوركم فأفِتَنَكم
وأفْتنَ أهليكم ، ولا أغلِقَ بابي دونَكم ، فيأكلَ قويُّكمْ ضعيفَكُمْ، ولا أحمِلَ على أهلِ جِزْيتكمْ ما يُجْليهم
عن بلادِهم، ويقطعُ نَسْلَهُمُ(١) ؛ وإنَّ لكم عِندي أُعطياتِكُمْ في كلِّ سنة، وأرزاقَكمْ في كلِّ شهر ، حتى
تستدِرَّ المعيشةُ بين المسلمين ، فيكونُ أقصاهم كأدناهم ، فإنْ أنا وفَيْتُ لكم بما قلت فعليكم السمعُ
والطاعة ، وحُسنُ المؤازرة ، وإنْ أنا لم أوفِ لكم فلكم أنْ تخلعُوني وإلَّ أنْ تَسْتتيبوني ، فإنْ تُبتُ قَبلتم
مِنِّي ، وإنْ عَلِمْتُمْ أحداً من أهلِ الصلاحِ والدِّين يُعطيكُمْ من نفسِه مثلَ ما أُعطيكم فأرَدْتُمْ أنْ تبايعُوهُ فأنا أوَّلُ
منْ يُبايعُه ويدخُلُ في طاعتِه . أيُّها الناس ، إنه لا طاعةَ لِمَخْلوقٍ في معصية الخالق ، إنما الطاعةُ طاعةُ
الله، فمن أطاعَ الله فأطيعوهُ ما أطاعَ الله، فإذا عَصَى أو دَعَا إلى معصية ، فهو أهلٌ أنْ يُعْصى ولا يُطاع ،
بل يُقْتُلُ ويُهانُ ، أقولُ قَوْلي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم .
(١) في (ق): ((سيلهم))، والمثبت من ( ب، ح ) وتاريخ الطبري.

٢٢٧
خلافة يزيد بن الوليد
وفي هذه السنة عَزَل يزيدُ بن الوليد يوسفَ بن عمر عن إمرةِ العِراق، لِمَا ظهر منه من الحَنَق على
اليمانيَّة ، وهم قومُ خالدِ بنِ عبدِ الله القَسْري ، حتى قتلوا الوليدَ بن يزيد ، وكان قد سجَنَ غالبَ منْ ببلادِه
منهم ، وجعل الأرصادَ على الثغور خَوْفاً من جُندِ الخليفة ، فعزلهُ عنها أميرُ المؤمنين يزيدُ بن الوليد ،
وولَّى عليها منصورَ بنَ جُمهور مع بلاد السِّنْد وسِجسْتان وخُراسان . وقد كان منصور بن جُمهور أعرابيّاً
جِلْفاً ، وكان يَدِينُ بِمَذْهِبِ الْغَيْلانَّةِ القدَرِيَّةِ، ولكنْ كانتْ لَهُ آثارٌ حسنة، وعناءٌ كَثير في مَفْتلِ الوَليدِ بنِ
يزيد ، فَحَظِيَ بذلك عند يَزِيدَ بنِ الوليد ، ويقال : إنه لما فرغ الناسُ من الوليد ذهب من فَوْرِهِ إلى
العراقي، فُأخذ البيعةَ من أهلِها إلى يزيد، وقرَّرَ بالأقاليم نُوَّاباً وعُمَّالا وكَرَّ راجعاً إلى دمشق في آخرِ
رمضان ؛ فلذلك ولَّهُ الخليفةُ ما ولَّه . والله أعلم .
وأما يوسف بن عمر فإنَّه فرَّ من العراق ، فلَحِقَ ببلادِ البَلْقاء ، فبعث إليه أميرُ المؤمنين يزيد ،
فأحضروهُ إليه ، فلما وقف بين يديه أخَذَ بِلِحِيَتِه ، وكان كبيرَ اللِّحْيةِ جدّاً ، ربما كانتْ تُجاوزُ سُرَّتَه ، وكان
قصيرَ القامة ، فوَبَّخْهُ وأنََّه ثم سجنَه ، وأمرَ باستخلاصِ الحقوقِ منه . ولما انتهى منصورُ بن جُمهور إلى
العراق قرأ عليهم كتابَ أمير المؤمنين إليهم في كيفية مَقْتل الوليد ، وأنَّ الله أخذَهُ أخْذَ عزيزٍ مُقْتدِر ، وأنه قد
ولَّى عليهم منصورَ بن جُمهور لما يعلمُ من شجاعتِهِ ومعرفتِهِ بالحَرْب ؛ فبايعَ أهلُ العراق ليزيدَ بنِ الوليد ،
وكذلك أهلُ السِّنْد وسِجِسْتان .
وأمَّا نَصْرُ بن سَيَّار نائبُ خُراسان فإنه امتنعَ من السَّمْعِ والطاعةِ لِمَنصورِ بنِ جُمهور وأبَى أنْ ينقادَ
لأوامرهِ ، وقد كان نصرٌ هذا جَهَّزَ هدايا كبيرةً للوليدِ بن يزيد ، فاستمرَّتْ له .
وفي هذه السنة كتب مروانُ الملقب بالحِمار كتاباً إلى عمرَ بنِ يزيد أخي الوليد بن يزيد يَحُثُّه على القيامِ
بِطَلبِ دمُ أخيه الوليد، وكان مروانُ يومئذٍ أميراً على أذْرَبِيجَان وأزْمِنِيَة، ثم إنَّ يزيدَ بن الوليد عزل
منصورَ بنُّ جُمهور عن ولايةِ العراق ، وولى عليها عبد الله بن عمر بن عبد العزيز وقال له : إنَّ أهل العِراقِ
يُحِبُّونَ أبلك ، فقد ولَّيْتُكَها ، وذلك في شوال ، وكتب له إلى أُمراء الشام الذين بالعراق يوصيهم بِهِ خشيةً
أنْ يمتنِعَ متصورُ بن جُمهور من تسليم البلاد إليه فسلم إليه وأطاعَ وسلَّم ، وكتب الخليفةُ إلى نصرِ بن سَيَّر
باستمرارِهِ بولايةِ خُراسان، مستقِلاً بها فخرج عليه رجلٌ يُقالُ له الكَرْماني لأنَّهُ وُلِدَ بكَزمان وهو أبو علي
جديع بن علي بن شبيب المعني، واتبعه خلقٌ كثير ، بحيثُ إنه كان يشهَدُ الجُمعة في نحوِ ألف وخمسمئة،
وكان يُسلِّمُ على نَصْرٍ بن سَيَّار ولا يَجلِسُ عنده، فتحيَّرَ نصرُ بن سيار وأمراؤه فيما يصنع به ، فاتفق رأيُهم
بعدَ جَهْدٍ على سَجْنِهِ ، فسُجن قريباً من شهر ، ثم أطلقه ، فاجتمع إليه ناسٌ كثير ، وجَمٌّ غَفِير ، وركبوا
معه ، فبعث إليهم نصرٌ مَنْ قاتلهم فقتلَهم وقهرَهم وكسرَهم ، واستخفَّ جماعاتٌ من أهلٍ خَراسان

٢٢٨
خلافة يزيد بن الوليد
بأمرِ نَصْرِ بن سيَّار [وتلاشوا أمره وحرمته}(١) وألَخُوا عليه في أَعطياتِهم، وأسمعوهُ غَلِيظَ ما يَكْرَه ، وهو
على المِنبر بسفارةٍ سَلْم بن أحوز أدنَى ذلك إليه ، وخرجت الباعَةُ من المسجد الجامع وهو يخطب ،
وانفضَّ كثيرٌ من الناس عنه ، فقال لهم نصرٌ فيما قال: والله لقد نشَرْتُكم وطوَيْتُكم ، وطوَيْتُكم ونشَزْتُكم ،
فما عِنْدي عشرةٌ منكم على دِين ، فاتقوا الله ، فوالله لئن اختلفَ فيكم سيفان لَيتمَنَّيَنَّ الرجلُ منكم أنْ ينخلعَ
من أهلِهِ ومالهِ وولدِه ، ولم يكنْ رآها . ثم تمثَّلَ بقولِ النابغة (٢):
فإنْ يغِلِبْ شقاؤكمُ عليكمْ فإني في صلاحِكُمُ سَعَيْتُ
وقال الحارث بن عبد الله بن الحشرج بن الورد بن المغيرة الجعدي :
أبِيتُ أزْعَى النجومَ مُرْتَفِقاً
من فِتْتَةٍ أصبَحَتْ مُجَلّلَةً
مَنْ بِخُراسانَ والعراقِ ومَنْ
يَمشي السفيهُ الذي يُعنَّفُ بالْـ
فالناسُ منها في لَوْنِ مُظلِمَةٍ
والناسُ في كُرْبةٍ يكادُ لها
يغدونَ منها في كُلِّ مُبْهَمَةٍ
لا يُبْصِرُ الناسُ من عواقِها
کرَغْوَةِ البَكْرِ أو كَصَيْحَةٍ حُبْـ
فجاء فينا نُزْرِي بوجهَتِهِ
إذا استقلَّتْ نَحْوِي أوائِلُها
قد عَمَّ أهْلَ الصلاةِ شامِلُها
بالشامِ كلِّ شَجَاهُ شاغِلُها
ـجهلِ سواء فيها وعاقِلُها
دهماءَ مُلتَجَّةٍ غَيَاطِلُها
تَنْبِذُ أولادَها حوامِلُها
عمياءَ تَغْتَالُهُمْ غَوَائِلُها٣)
إلَّ التي لا يَبِينُ قائِلُها
ـلَى طَرَّقَتْ حَوْلَهَا قَوَائِلُها
فيها خُطوبٌ حُمْرٌ زَلازِلُهَا
وفي هذه السنة أخذ الخليفةُ البيعةَ من الأمراء وغيرِهم بولايةِ العَهْدِ من بعدِهِ لأخيه إبراهيمَ بنِ الوليد بن
عبد الملك ، ثم من بعدِ إبراهيم لعبدِ العزيز بن الحجّاج بن عبدِ الملكِ بن مروان وذلك بسبَبِ مرَضِهِ الذي
ماتَ فيه ، وكان ذلك في شهرِ ذي الحِجَّةِ منها وقد حرَّضَهُ على ذلك جماعةٌ من الأمراءِ والأكابرِ والوزراء .
وفيها عزَلَ يزيدُ عن إمرَةِ الحجاز يوسُفَ بنَ محمد الثقفيّ، وولَّى عليها عبدَ العزيز بنَ عمر بن
عبد العزيز ، فقَدِمهَا في أواخرِ ذي القَعْدَةِ منها .
وفيها أظهر مروانُ الحِمار الخلافَ لِيَزِيدَ بن الوليد وخرجَ من بلادٍ إزميِنِيَةَ يُظْهِرُ أنه يطلُبُ بدَمِ الوليدِ بن
يزيد ، فلما وصل إلى حَرَّان أظهر الموافقةَ ، وبايع لأميرِ المؤمنين يزيد بن الوليد .
(١) ما بين معقوفين زيادة في ( ق) ليست في ( ب، ح ).
(٢) في تاريخ الطبري (٢٦٥/٤): ((النابغة الذبياني))، ولم أجده في ديوانه .
(٣) في (ق): ((تمنى لهم غوائلها))، والمثبت من (ب، ح) وتاريخ الطبري (٢٦٦/٤).

٢٢٩
خلافة يزيد بن الوليد
وفيها أرسلَ إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس أبا هاشم بكرَ بنَ ماهان إلى أرض
خُراسان ، فاجتمع بجماعةٍ من أهلِ خُراسانَ بِمَرْو . فقرأ عليهم كتابَ إبراهيمَ بنِ محمد الإمام إليه
وإليهم، ووصيَّتَه ، فتلَقَّوْا ذلك بالقَبُول، وأرسَلُوا معَهُ ما كان عندَهم من النفقَات .
وفي سَلْخِ ذي القَعْدَة - وقيل في سَلْخِ ذي الحِجَّة ، وقيل لعشرٍ مضَيْنَ منه، وقيل بعدَ الأضحى منها
كانت وفاةُ أمير المؤمنين :
يزيدَ بنِ الوليد بنِ عبدِ الملك بن مروان (١)
هو يزيدُ بنُ الوليدِ بنِ عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن
عبد مَّنَاف بنِ قُصَيّ أبو خالد الأُمَوِي ، أميرُ المؤمنين ، بُوِيعَ بالخِلافة أولَ ما بويع بِها في قريةِ المِزَّةِ من
قُرَى دمشق، ثم دخل دمشقَ فغَلَبَ عليها، ثم أرسلَ الجيوشَ إلى ابنِ عَمِّه الوليدِ بن يزيد، فَقَتَلَهُ
واستحوَذَ على الخلافةِ في أواخرٍ جُمَادَى الآخرة من هذه السنة، وكان يُلَقَّبُ بالنَّاقِصِ لِنَقْصِهِ الناسِ
العشراتِ التي زادَهُمْ إياها الوليدُ بن يزيد . وقيل: إنَّما سَمَّاهُ بذلك مروانُ الحِمَار ، وكان يقول : الناقص
ابن الوليد ، وأمه شاهفرند(٢) بنت فيروز بن يَزْدَجِرْد بن كِسْرَی کِسْرَوَيْه .
وقال ابنُ جرير (٣): وأمه شاه آفريد بنت فَيَّرُوز بن يَزْدَجِرْد بن ( شيرويه بن)(٤) شَهْرَيار بن كِسْرَى ،
وهو القائل :
أنا ابنُ كِسْرَى وأبي مروان وقيصَرٌ جَدِّي وجَدِّي خاقان
وإنما قال ذلك لأنَّ جدَّهُ فيروز لأمّ أُمِّهِ بنت قيصر ، وأمُ شيرويه وهي بنت خاقان ملك الترك . وكانتْ
قد سباها قُتيبةُ بنُ مسلم هي وأختُ لَها فبعثهما إلى الحجّاج ، فأرسلَ بِهذهِ إلى الوليد واستبقى عندَهُ
الأخرى ، فولدت هذه للوليد يزيد الناقص هذا ؛ وهذه أخذها الحجاج فكانت عنده بالعراق . وكان مَوْلِدُهُ
في سنةٍ تسعين ، وقيل : في سنةِ ستٍّ وتسعين . وقد رَوَى عنه الأوزاعيُّ مسألةَ السَّلَم . وقد ذكرنا كيفية
ولا بِتِه فيما سلَفَ في هذه السنة ، وأنه كان عادِلاَ دَيِّنَاَ مُحِبّاً للخير، مُبْغِضاً للشر ، قاصداً للحق .
وقد خرج يومَ عيدِ الفِطْر من هذه السنة إلى صلاةِ العِيد بين صَفَّينٍ من الخيَّالة ، والسيوفُ مُسَلَّلَة عن
يَمِينِهِ وشِمالِه، ورجع من الْمُصَلَّى إلى الخضراء كذلك. كان رجلاً صالحاً يقالُ في المثَل: الأشَجُّ
(١) انظر مصادر ترجمته في حاشية ص (٢٢٤).
(٢) كذا في (ب، ق) وفي (ح): ((شاهفريد)).
(٣) هو الطبري في تاريخه (٤/ ٢٧٢).
(٤) هذه الزيادة من (ب، ح) وليست في ( ق) ولا تاريخ الطبري .

٢٣٠
خلافة يزيد بن الوليد
والناقِصُ أعدَلا١) بني مروان. والْمُراد عمر بن عبد العزيز ، وهذا .
وقد قال أبو بكر بنُ أبي الدنيا : حدثني إبراهيمُ بن محمد المَرْوَزِيّ عن أبي عثمان اللَّيثي قال ، قال
يزيدُ بن الوليد الناقص : يا بني أمية ، إياكم والغناء ، فإنَّهُ يُنقِصُ الحياء ، وَيزِيدُ في الشَّهْوَةِ ، ويَهْدِمُ
المروءة، وإنَّهُ لينوبُ عن الخَمْر، ويفعَلُ ما يفعَلُ الْمُسْكِر، فإنْ كنتُمْ لا بدَّ فاعلين، فجَنَُّوهُ النِّسَاء، فإنَّهُ
داعِيَةُ الزِّنا٢) .
وقال ابن عبد الحكيم عن الشافعي : لَما ولِيَ يزيدُ بن الوليد بن عبد الملك بن مروان الذي يقال له
الناقص دعا الناسَ إلى القَدَر، وحملَهُمْ عليه، وقَرَّبَ غَيْلان. قاله ابنُ عساكر . قال : ولعلَّه قرَّبَ
أصحابَ غَيْلان ، لأنَّ غيلان قتَلَهُ هشامُ بنُ عبد الملك .
وقال محمد بن المبارك : آخِرُ ما تكلّم به يزيدُ بن الوليد الناقص: واحسرتاه! واأسفاه(٣) !. وكان
نقشُ خاتمه : العظمة لله .
وكانت وفاته بالخَضْراء من طاعونٍ أصابَه ، وذلك يوم السبت لسبع مضَيْنَ من ذي الحِجَّة . وقيل :
يوم الأضحى منه ، وقيل : بعده بأيام ، وقيل: لعشرٍ بَقِينَ منه، وقيل : في سَلْخِه ، وقيل : في سَلْخِ ذي
القَعْدَة من هذه السنة . وأكثرُ ما قيل في عُمره : ستٍّ وأربعون سنة ، وقيل : ثلاثون سنة ، وقيلَ غيرُ
ذلك ، فالله أعلم . وكانت مُدة ولايتِه ستةَ أشْهُر على الأشهر ، وقيل: خمسة أشهر وأيام . وصلَّى عليه
أخوهُ إبراهيم بن الوليد ، وهو وليُّ العَهْدِ من بعدِه . رَحِمَهُ الله .
وذكر سعيدُ بن كثير بن عُفَير أنه دُفن بين باب الجابية وبابِ الصَّغِير . وقيل : إنه دُفن ببابِ الفَرَادِيس ،
وكان أسمرَ نَحِيفاً ، حسنَ الجِسم ، حسنَ الوَجْه .
وقال علي بن محمد المديني : كان يَزِيدُ أسمرَ طويلاً صغيرَ الرأس ، بوجههِ خال ، وكان جميلاً ،
وفي فَمِهِ بعضُ السَّعَةِ وليس بالمُفْرِط .
وحَجَّ بالناسِ فيها عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بن عبد العزيز ، وهو نائبُ الحِجاز ، وأخوه عبد الله نائب
العِراق ، ونصرُ بن سَيَّار على نيابةِ خُراسان(٤) . والله سبحانه أعلم .
(١) انظر ما تقدَّم ص (٢٢٤) حاشية (٢) من هذا الجزء.
(٢) ذكره أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين (٢٨٦/٢)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس ص (٢٨٩)، وابن قيم
الجوزية في إغاثة اللهفان (٢٤٥/١، ٢٤٦) .
(٣) في (ق): ((واحزناه! واشقاآه)) والمثبت من ( ب، ح ) .
(٤) جاء في نهاية الصفحة (٤٥٢) وهي آخر صفحة من هذا الجزء من نسخة (ح) ما نصه: ((آخر المجلد ، ويتلوه
الذي بعده إن شاء الله تعالى من توفي في هذه السنة من الأعيان والحمد لله وحده ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي =

٢٣١
وفيات سنة ١٢٦ هـ
(١) ومِمن تُوفِّي في هذه السنة من الأعيان :
خالد بن عبد الله بن يزيد(٢) بن أسد بن كُرْز بن عامر بن عَبْقَرِي ، أبو الهيثم البَجَليُّ القَسْرِيُّ الدمشقِيّ ،
أميرُ مكَّةَ والحِجَاز للوليد ، ثم لِسُليمان ، وأميرُ العراقَيْنِ لهشام خمسَ عشرةَ سنة .
قال ابنُ عساكر : كانتْ دارُهُ بدمشق، في مُربعة القز(٣) وتعرف اليوم بدار الشريف اليَزِيدي ، وإليه
يُنسب الحمَّامُ الذي داخلَ بابِ تُوما .
روى عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِوَلَ قال له: ((يا أسَد، أُتُحِبُّ الجنَّة)) ؟ قال: نعم . قال :
((فَأَحِبَّ للمُسلمينَ ما تُحِبُّ لِنفسِك)). رواه أبو يَعْلَى (٤) عن عثمانَ بنِ أبي شيبة ، عن هُشَيْم ، عن سَيَّر
أبي الحكمُ(٥) ، أنه سمعه على المنبر يقولُ ذلك(٦)
وممن روى عنه إسماعيل بن أوسط ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وحبيب بن أبي حبيب ، وحُمَيد
الطويل، ورُوي أنه رَوَى عن جَدِّهِ عن النبيَِّ في تكفيرِ المرضِ الذنوبَ(٧). وكانتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً .
وذكره أبو بكر بن عيَّاش في الأشراف فيمن أُمُّهُ نَصْرانيّة .
وقال المدائني : أولُ ما عُرف من رياستِهِ أنه وَطَأْ صَبِي٨ً) بدمشق بفرسِه، فحمَلَهُ ، فأشهدَ طائفةً من
الناس أنه هو صاحبُه ، فإن ماتَ فعلیهِ دِیَتُه .
الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، حسبنا الله ونعم
=
الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير)) .
(١) جاء في بداية الصفحة الثانية من هذا الجزء من نسخة (ح) ما نصه: ((بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعِنْ
يا كريم ، واختم بخير في عافية )) .
(٢) ترجمته في التاريخ الكبير (١٥٨/٣)، الجرح والتعديل (٣٤٠/٣)، الأغاني (٥/٢٢، ٢٩)، تاريخ ابن الأثير
(١٢٤/٥ و٢٧٦) وما بعدها، بغية الطلب في تاريخ حلب (٣٠٦٨/٧) وما بعدها، وفيات الأعيان
(٢٢٦/٢)، تهذيب الكمال (١٠٧/٨)، شذرات الذهب (١٦٩/١).
(٣) ويقال: إن هذه المربعة بقرب القدم، انظر الدارس (٤٣١/١).
في ( ق): ((عن سيار من أبي الحكم)) تحريف، وسيار هو أبو الحكم، والمثبت من ( ب، ح ) ومصادر تخريج
(٤)
الحديث .
(٥)
في مسنده رقم (٩١١ ).
(٦) أخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على مسند أبيه (٤/ ٧٠)، وأبو الحسين بن قانع في معجم الصحابة
(٤٢/١)، والحاكم في المستدرك (١٨٦/٤) (٧٣١٣) وهو حديث حسن .
(٧) رواه عبد الله بن أحمد في زيادته على مسند أبيه ٤/ ٧٠، والطبراني في المعجم الكبير رقم (١٠٠٢) وهو حديث
حسن .
(٨) في (ح): ((أوطى ذمِّيّاً)).

٢٣٢
وفيات سنة ١٢٦ هـ
وقد استنابَهُ الوليدُ على الحجاز من سنةٍ تسعٍ وثمانين إلى أنْ تُوفِّيَ الوليد ، ثم سليمان من بعده . وفي
سنة ستِّ ومئة استنابَهُ هشامٌ على العراق إلى سنةِ عِشرينَ ومئة، وسلَّمه إلى يوسف بن عمر الذي وَلَّه
مكانَهُ، فعاقبَهُ وأخذَ منه أموالاً، ثم أطلقَهُ، وأقام بدمشق إلى المحرَّم من هذه السنة ، فسلَّمَهُ الوليدُ بن
يزيدَ إلى يوسفَ بنِ عمرَ يستخلِصُ منه خمسين ألف ألف ، فماتَ تحتَ العُقوبِةِ البليغة ، كسَرَ قَدَمَيْه ثم
ساقَيْهِ ثم فَخِذَيه ، ثم صدرَه، فمات ولم يتكلَّمْ كلمةً واحدة ، ولا تَأَوَّهَ حتى خرَجَتْ رُوحُه . رَحِمهُ الله .
قال العُتْبِيِ (١) عن أبيه خطَبَ خالدٌ القَسْريُّ يوماً فأُرْتِجَ عليه فقال: أيُّها الناس ، إنَّ هذا الكلامَ يَجِىءُ
أحياناً ، ويعزُبُ أحياناً، فيتَسَبَّبُ عندَ مجِيئِهِ سَبَبُهُ، ويتعذَّرُ عندَ عُزوِهِ مَطْلَبُه، وقدُ يرَدُّ إلى السَّلِيطِ بَيَّانُه ،
ويُنِيبُ (٢) إلى الحَصِرِ كلامُه، وسيعودُ إلينا ما تُحِبُّون، ونعودُ لكم كما تُريدون .
وقال الأصمعي وغيرُه : خطَبَ خالدٌ القَسْرِيُّ يوماً بواسطَ فقال : يا أيها الناس ، تنافسوا في
المَكَارِم ، وسارعوا إلى المغانم، واشتروا الحمدَ بالجُود، ولا تَكْتَسِبوا بالمَطْلِ ذَمّاً ، ولا تعتدُّوا
بمعروفٍ لم تُعَجِّلوه ، ومهما تكنْ لأحدٍ منكم نعمةٌ عندَ أحدٍ لم يبلُغْ شكرَها ، فالله أحسَنُ له جزاءً ،
وأجزَلُ عطاءً . واعلموا أنَّ حوائجَ الناسِ إليكم نِعَمٌ فلا تَمَلُّوها ، فتُحَوَّلُ نِقَماً ، فإن أفضلَ المالِ ما كَسبَ
أجراً، وأورَثَ ذِكْراً. ولو رأيتم المعروفَ لرأيتموه رجلاً حسناً جميلاً ، يسؤُّ الناظرين ، ويفوق
العالمين، ولو رأيتُم البُخْلَ لرأيتموهُ رجلاً مشَوَّهاً قَبِيحاً ، تَنْفِرُ منهُ القلوب، وتُغَضُّ دونه الأبصار ، إنَّهُ
مَنْ جادَ ساد ، ومَنْ بَخِلَ ذَلّ . وأكرمُ الناسِ مَنْ أعطَى مَنْ لا يَرْجُوه ، ومَنْ عَفَا عن قُدْرَة ، وأفضلُ الناسِ
مِنْ وَصَلَ عن قَطِيعَة. ومَنْ لم يَطِبْ حَرْتُه ، لم يَزْكُ نَبْتُه، والفُروعُ عندَ مغارِسِها تَنْمو ، وبأُصولِها تسمو .
وروى الأصمعي عن عمر بن الهيثم ، أنَّ أعرابيّاً قَدِمَ على خالد فأنشدَهُ قصيدةٌ امتدَحَهُ بِها يقول فيها :
لتَجْبُرَ مني ما وَهَى وَتَبَدَّدا
إليك ابنَ كُرْزِ الخَيْرِ أقبلتُ راغباً
وأكرَم خَلْقِ اللهِ فَرْعاً ومَحْتِدَا
إلى الماجدِ الْبُهْلولِ ذي الحلمِ والنَّدَى
نَهَضْتَ فلم تَلْقَى هنالِكَ مَقْعَدَا
إذا ما أُنَاسٌ قَصَّروا بفِعَالِهِم
إذا يُسألُ المعروفَ جاشَ وأزْبَدَا
فيالَكَ بَحْراً يَغْمُرُ الناسَ مَوْجُهُ
فألفَّيْتُ خيرَ الناسِ نفساً وأمْجَدَا
بَلَوْتُ ابنَ عبدِ الله في كُلِّ مَوْطٍِ
يَجُودُ بمعروفٍ لكنتَ مُخَلَّدَا
فلو كان في الدنيا من الناسِ خالدٌ
فيصبحَ وجهي كالِحَ اللَّوْنِ أَرْبَدَا
فلا تَحْرِمَنِّي منكَ ماقَدْ رَجَوْتُهُ
قال : فحَفِظَها خالد ، فلما اجتمع الناسُ عندَ خالد قام الأعرابيُّ يُنشِدها ، فابتدَرَهُ إليها خالدٌ فانشدَها
في بعض النسخ: (( الليثي)) وهو تحريف. والخبر رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٦/ ١٤١.
(١
في بعض النسخ: ((ويثيب ))، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ دمشق.

٢٣٣
وفيات سنة ١٢٦ هـ
قبلَه وقال : أيُّها الشيخ، إنَّ هذا شعرٌ قد سبَقْنَاكَ إليه، فَنَهَضَ الشيخ، فولَّى ذاهباً، فأتْبَعَهُ خالدٌ مَنْ يَسْمَعُ
ما يقول ، فإذا هو يُنشِد هذه الأبيات :
لدَيْهِ وما لاقَيْتُ مِنْ نَكَدِ الجَهْدِ
ألا في سبيل الله ما كنتُ أرْتَجِي
ويُعْطِي كثيرَ المالِ في طلَبِ الحَمْدِ
دخلتُ على بَحْرٍ يَجُودُ بِمالِه
وقارَبَنِي نَحْسِيٍ وفارَقَنِي سَعْدِي
فخالَفَني الجَدُّ المَشُومُ لِشِقْوَتِي
ولكنَّهُ أمْرٌ منَ الواحِدِ الفَرْدِ
فلو كان لي رِزْقٌ لَدَيْهِ لَئِلْتُهُ
فرَدَّهُ إلى خالد، وأعلمَهُ بما كان يقول، فأمر لَهُ بعشرةِ آلافٍ درهمُ(١)
وقال الأصمعي : سأل أعرابيٌّ خالداً القَسْرِيَّ أنْ يَمْلأ له جِرَابَهُ دقيقاً ، فأمرَ بِمَلْئِهِ دراهم ، فقيل
للأعرابي حين خرج : ما فعلَ معك ؟ فقال ؛ سألتُهُ بما أشتهي فأمَرَ لي بما يَشْتَهِي هو .
وقال بعضُهم : بينما خالدٌ يَسِير في مَوْكِبه إذْ تلَقَّهُ أعرابيٌّ فسألَهُ أنْ يَضْرِبَ عُنقَه ، فقال: وَيْحَك!
ولِمَ ؟ أقطَعْتَ السَّبِيل ؟ أأخرجتَ يداً من طاعَة ؟ فكلُّ ذلك يقول : لا . قال : فلِمَ ؟ قال : من الفقرِ
والفاقة . فقال: سَلْ حاجتَك . قال : ثلاثين ألفاً ، فقال خالد: ما رَبِحَ أحَدٌ مثلَ ما ربحتُ اليوم . إني
وضعتُ في نفسي أنْ يسألَني مئةَ ألف ، فسأل ثلاثين فربحتُ سبعين ، ارجِعُوا بنا اليوم . وأمَرَ لَهُ بثلاثين
ألفاً .
وكان إذا جلس تُوضَعُ الأموالُ بين يديه ويقول: إنَّ هذِهِ الأموالَ ودائعُ لا بُدَّ من تَفْرِقَتِها .
وسقَطَ خاتمٌ لجارِيتهِ رائقةً(٢) يُساوي ثلاثين ألفاً في بالوعَةِ الدار ، فسألتْ أنْ تؤتَى بِمَنْ يَستخرجُه ،
فقال : إنَّ يدَكِ أكرَمُ عليَّ من أنْ تلبَسَهُ بعدَما صارَ إلى هذا المَوْضِعِ القَذِر . وأمرَ لها بخمسةِ ألافِ دينارٍ
بدَلَه، وقد كان لرائقةَ هذِهِ من الحُلِيِّ شيٌ عظيم، من جملةِ ذلكَ ياقوتةٌ وجوهرة ، كلُّ واحدةٍ بثلاثةٍ
وسبعين ألف دينار .
وقد روى البخاري في كتاب ((أفعال العباد )(٣) وابنُ أبي حاتم في كتاب السُّنَّة وغيرُ واحدٍ مِمَّنْ صنَّفَ
في كُتُبِ السُّنَّة أنَّ خالد بن عبد الله القَسْري خطبَ الناسَ في عيدِ أضحى، فقال: أيُّها الناس، ضَخُوا يَقْبَلُ
اللهُ ضحاياكم ، فإِنِّي مُضَحِّ بالجَعْدِ بن دِرْهَم ، إنهُ زعَمَ أنَّ اللهَ لم يَتَّخِذْ إبراهيمَ خليلاً ، ولم يُكلِّمْ موسى
(١) الخبر والشعر في بغية الطلب في تاريخ حلب (٣٠٧٩/٧).
في (ح، ق): ((رابعة))، والمثبت من (ب)) وتاريخ دمشق ١٦/ ١٥٠ وبغية الطلب (٣٠٨٢/٧).
(٢)
هو كتاب (( خلق أفعال العباد)) في صفحة (٢٩)، وقد سبق للمؤلف أن ذكره في الجزء التاسع ص (٣٥٠) من
(٣)
نسخة ( ق ) .

٢٣٤
وفيات سنة ١٢٦ هـ
تَكْلِيماً ، تعالى اللهُ عمَّا يقولُ الجعدُ بن دِرْهَم عُلُوّاً كبيراً. ثم نزَلَ فذبحَهُ في أصلِ المِنْبُر(١).
قال غيرُ واحدٍ من الأئمة : كان الجعدُ بنُ دِرْهَم من أهلِ الشام ، وهو مؤدِّبُ مروانَ الحِمار ، ولهذا
يُقالُ له مروان الجَعْدِي، فنُسب إليه ، وهو شيخُ الجَهْمِ بنِ صفوانَ الذي تُنسَب إليه الطائفةُ الجهميةُ الذين
يقولون : إنَّ الله في كلِّ مكان بذاتِهِ ، تعالى الله عمَّا يقولوَنَ عُلُوّاً كبيراً .
وكان الجعدُ بن درهم قد تلَقَّى هذا المذهبَ الخبيثَ عن رجلٍ يُقالُ له أبَان بن سمعان ، وأخذه أبَانُ
عن طالوت ابن أُختِ لَبيد بن أعْصَم، عن خالِهِ لبيدٍ بن أعصَم اليهودي، الذي سَحَرَ النبيِّ فِي مُشْط
ومُشَاطَة، وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ له (٢)، وتحتَ راعُوفَةٍ ببئرِ ذي أزْوَالُ(٣) الذي كان ماؤها نُقَاعَةِ الحِنَّاء(٤) ، وقد
ثَبَتَ الحديثُ بذلك في الصحيحين وغيرهما) وجاء في بعض الأحاديث أن الله تعالى أنزل بسبب ذلك
سورتَي المعوِّذَتَیْن .
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدثنا محمد بن يزيد الرفاعي ، سمعتُ أبا بكر بن عياش قال : رأيتُ
(١) سبقت الإشارة إلى رواية البيهقي وابن عساكر لخبر قتله في الصفحة المشار إليها في الحاشية السابقة من البداية
والنهاية نسخة ( ق )، ويضاف إلى مصادر التخريج أبو القاسم اللالكائي في كتابه اعتقاد أهل السنة
(٣١٩/٢) (٥١٢)، والبخاري في التاريخ الكبير (١٥٨/٣) في ترجمة خالد القسري ، والخطيب البغدادي في
تاريخ بغداد ( ٤٢٥/١٢)، والمزي في تهذيب الكمال (١١٨/٨) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤٣٢/٥).
في ( ق): ((وماشطة))، والمثبت من ( ب، ح) ومصادر تخريج الحديث، ومُشَاطة: بضم الميم ، وهي الشعرُ
(٢)
الذي يسقطُ من الرأس أو اللحية عند تسريحِه ، وأما الْمُشط ففيه لغات: مُشْط ومُشُط ومِشْط ، وأما قوله
((وجف))، وفي رواية: ((جب)) بالجيم وبالباء الموحدة ، وهما بمعنى، وهو وِعَاءُ طَلْع النخل، وهو الغشاء
الذي يكون عليه، ويُطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيَّدَهُ في الحديث بقوله: ((طلعة ذكر))، وهو بإضافة طَلْعَةٍ
إلى ذكر، والله أعلم، ووقع في البخاري من رواية ابن عُيينة ((ومشاقة)) بالقاف بدل (( مشاطة)) وهي الْمُشاطة
أيضاً ، وقيل : مُشَاقَةُ الكَتَان. شرح النووي (١٤ / ١٧٧ ).
(٣) راعوفة البئر : صخرة تترك في أسفل البئر إذا احتُفرت، تكونُ ثابتةً هناك، فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنْقِي
عليها ، ويقال : بل هو حجرٌ ناتىء في بعض البئر يكون صُلباً ، لا يمكنهم حفره فيُترك على حاله ، ويقال : هو حجرٌ
يكون على رأس البئر يقوم عليه المستقي . وقد روى بعض المحدِّثين هذا الحديث أنه جعل سِحرَهُ في جُب طلعة ،
ولا أعرف الجُبَّ إلا البئر التي ليست بمطوية، ولا أرى المحفوظ في الحديث إلا الجف ـ بالفاء. قال أبو عبيد :
يقال : أرعُوفة البئر وراعُوفه . غريب الحديث لابن سلام (٢٦٨/٢) . وبئر ذي أروان : ووقع في بعض روايات
البخاري ((ذروان)) وكلاهما صحيح ، والأول أجود وأصحّ ، وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق . شرح النووي
( ١٤ / ١٧٧ ) .
النَّقاعة، بضم النون : الماء الذي يُنقع فيه الحناء ، شرح النووي (١٤ / ١٧٧).
(٤)
(٥) صحيح البخاري (٢١٧٤/٥ و٢١٧٦) (٥٤٣٠ و٥٤٣٣) ومسلم (١٧٢٠/٤) (٢١٨٩)، وابن حبان في
صحيحه ( ١٤/ ٥٤٥ -٥٤٦)( ٦٥٨٣ و٦٥٨٤) .

٢٣٥
وفيات سنة ١٢٦ هـ
خالداً القَسْريَّ حين أَتِيَ بالمغيرة وأصحابِهِ ، وقد وُضع له سريرٌ في المسجد ، فجلس عليه ثم أمر برجلٍ
من أصحابه فضُربَتْ عُنقه ، ثم قال للمغيرة بن سعيد : أحْبِه - وكان المغيرةُ يزعمُ أنَّهُ يُحْيِي الموتى - فقال
له : والله - أصلحك الله - ما أحيي الموتى. قال: لتُحيينَّهُ أو لأضربن عنقك. قال: والله ما أقدِرُ على
ذلك . ثم أمَرَ بِطنِّ قَصَبٍ فأضرموا فيه ناراً، ثم قال للمغيرة : اعتَنِقْهُ . فأبَى ، فعدا رجلٌ من أصحابِهِ
فاعتنَقَه، قال أبو بكر : فرأيتُ النارَ تأكلُهُ وهو يُشِيرُ بالسََّّابةِ . قال خالد: هذا واللهِ أحَقُّ بالرِّياسةِ منك.
وقتلَ أصحابَه .
وقال المدائني : أُتِي خالدُ بنُ عبدِ الله برجلٍ تَنَبَّأ بالكوفة ، فقيل له : ما علامةُ نُبُوَّتِك؟ قال : قد أُنْزِلَ
عليَّ قرآن. قيل : ما هو ؟ قال: إنَّا أعطيناكَ الجماهر، فصلِّ لرَبِّكَ ولا تُجَاهِزْ ، ولا تُطِعْ كلَّ كافٍ
وفاجر . فأمَرَ به فصُلب ، فقالَ وهو يُصْلَب: إنا أعطيناكَ العَمُود ، فصلِّ لِرَبِّكَ على عُود ، فأنا ضامِنٌ لكَ
ألَّ تَعُود .
وقال المبرِّد: أُتِيَ خالدٌ بشابٍّ قد وُجد في دارٍ قَوْم ، وادُّعِيَ عليه السرقة ، فسألَهُ، فاعترَف ، فأمرَ
بقطعِ يدِه ، فتقدَّمَتْ حَسْناءُ فقالت :
أخالدُ قد أُوطِئِتَ وَاللهِ عَشْوَةً(١)
وما العاشقُ المسكينُ فينا بسَارِقٍ
أقرَّ بِما لم يَجْنِهِ غيرَ أنَّهُ رأى القَطْعَ أولَى من فَضِيحِة عاشِقٍ(٢)
فأمر خالدٌ بإحضارٍ أبيها ، فزَوَّجَها من ذلك الغلام ، وأمهَرها عنه عشرةَ آلافِ درهم .
وقال الأصمعي : دخل أعرابيٌّ على خالدٍ فقال: إني قد مدَحْتُكَ ببيتَيْن، ولستُ أُنشِدُهما إلَّ بعشرةٍ
آلاف وخادِم . فقال : نعَمْ . فأنشأ يقول :
لَزِمْتَ نَعَمْ حتى كأنَّكَ لم تَكُنْ سمعتَ من الأشياءِ شيئاً سوى نَعَمْ
وأنكرتَ لا حتى كأنَّكَ لم تكنْ سمعتَ بها في سالفِ الدَّهْرِ والأُمَمْ
قال : فأمرَ له بعشرةِ آلاف درهم وخادمٍ يَحمِلُها .
قال : ودخل عليه أعرابيٌّ فقالَ له : سَلْ حاجَتَك. فقال: مئةَ ألف. فقال: أكثَرْتَ، حُطَّ منها.
(١) في (ق): ((عثرة)) وفي (ح): ((عزة))، وكلاهما تصحيف، والمثبت من (ب)، ومعناه مِنْ أَوطأَه العَشْوةَ
وعَشْوةً: أي أَرْكَبَه على غير هُدىّ. يقال: مَنْ أَوطأكَ عَشْوةً؟ وأَوطَأْتُه الشيء فَوَطِئَه . والوَطْأَةُ : موضع القَدَم .
وقالوا في المثل (( أوْطاتَه العَشْوة)): إذا سامه أمراً ملتبساً يَغْتُ به، لأن مَنْ وِىءَ الظلمةَ يطأُ مالا يُبْصره ، فربما
تردَّى في هُوَّةٍ أو وضع قدمه على هامَّة . الفائق للزمخشري (٨٦/١)، واللسان (وطأ ).
(٢) الخبر والبيتان في تاريخ دمشق (١٦/ ١٥٠) المستطرف لابن حجة الحموي (٤٥٣/١).

٢٣٦
وفيات سنة ١٢٦ هـ
قال : أضَعُ تسعين ألفاً فتعَجَّبَ منه خالد! فقال : أيها الأمير ، سألتُك على قَدْرِك. ووَضَعْت على
قدري ، فقال له : لن تغلِبَني أبداً ، وأمرَ له بمئة ألف .
قال : ودخلَ عليه أعرابيٌّ فقال: إنِّي قد قلتُ فيك شعراً وأنا أستصغِرُهُ فيك، فقال : قُلْ . فأنشأ
يقول :
وأعطيتني حتى ظَنَنْتُكَ تَلْعَبُ
تعرَّضتَ لي بالجُودِ حتى نعَشْتَنِي
حليفُ الندى ما للنَّدَى عنكَ مَذْهَبُ
فأنتَ الندَى وابنُ الندَى وأخو الندَى
فقال : سَلْ حاجتَك. قال: عليَّ خمسونَ ألفَ دينار. فقال: قد أمرتُ لك بها وأضْعَفْتُهَا لك (١)
فأعطاهُ مئةَ ألف .
قال أبو الطيب محمدُ بن إسحاق بن يحيى الوَشَاءُ(٢) : دخل أعرابي على خالدِ القَسْرِيِّ فأنشده :
إليكَ الناسَ مُسْفِرَةَ النِّقَابِ
كتبتَ نَعَمْ ببابِكَ فهي تَدْعُو
فإنَّكِ لنْ تُرَيْ أبداً بِبَابِي
وقلتَ لِلاعليكِ بِبابِ غَيْرِي
قال : فأعطاهُ على كلِّ بيتٍ خمسين ألفاً .
وقد قال فيه ابنُ مَعِين : كان رَجُلَ سَوْء ، يَقَعُ في عليٍّ بنِ أبي طالبٍ رَضِي الله عنه .
وذكر الأصمعيُّ عن أبيه ، أنَّ خالداً حَفَرَ بئراً بمكة اذَّعَى فَضْلَها على زَمْزَم . وله في رواية عنه تفضيلُ
الخليفةِ على الرسول ، وهذا كفر ، إلا أنْ يُريدَ بكلامِهِ غيرَ ما يَبْدو منه ، والله أعلم . والذي يَظْهَر أنَّ هذا
لا يَصِحُ عنه، فإنَّهُ كان قائماً في إطفاءِ الصَّلال والبِدَع كما قدَّمنا من قَتْلِهِ للجَعْدِ بنِ دِرْهَم وغيرِهِ من أهلِ
الإلحاد .
وقد نَسَبَ إليه صاحبُ العِقْد أشياءَ لا تَصحّ ، لأنَّ صاحبَ العِقْد كان فيه تشَئِّعٌ شَنِيع ، ومُغَالاةٌ في أهلٍ
البيت ، وربما لا يَفْهَمُ أحدٌ من كلامِهِ ما فيه من التشيّع. وقد اغترَّ بِهِ شيخنا الذهبي فمَدَحَهُ بالحِفْظِ
وغيرِه .
وقد ذكر ابنُ جرير وابنُ عساكر وغيرُهما٣) أن الوليدَ بن يزيد كان قد عزَمَ على الحَجِّ في إمارتِهِ ، فمن
نِيَّتِهِ أن يشربَ الخمرَ على ظهرِ الكعبة ، فلما بلغ ذلك جماعةً من الأمراء اجتمعوا على قتلِهِ ، وتوليةٍ غيرِهِ
(١) في (ب، ح): ((وشفعتها لك)).
(٢) في (ق): ((الوساى))، تصحيف، وهو محمد بن إسحاق أبو الطيب النحوي ، يعرف بابن الوشاء ، كان من أهل
الأدب ، حسن التصانيف ، مليح الأخبار ، وحدث عن عبد الله بن أبي سعد الوراق وأبي العباس ثعلب ، والمبرد
وطبقته ، روت عنه منية جارية خلافة أم ولد المعتمد على الله. تاريخ بغداد (١/ ٢٥٣، ٢٥٤).
(٣) انظر مختصر تاريخ ابن عساكر (٣٨٤/٧)، وما تقدم ص (٢١٩) من هذا الجزء.

٢٣٧
وفيات سنة ١٢٦ هـ
من الجماعة ، فحَذَّرَ خالدٌ أميرَ المؤمنين منهم ، فسأله أن يُسمِّيَهم فأبى عليه ، فعاقبه عقاباً شديداً ، ثم
بعث بهِ إلى يوسفَ بن عمر ، فعاقبه حتى ماتَ شرَّ قِثْلَةٍ وأسوَأِها ، وذلك في مُحَرَّم من هذه السنة . أعني
سنةَ ستّ وعشرين ومئة .
وذكره القاضي ابنُ خَلِّكَان في الوفيات وقال(١): كان مُتَّهماً في دينِهِ ، وقد بَنَى لأُمِّهِ كَنِيسةً في دارهِ ،
فنال منه بعضُ الشعراء بسببِ ذلك(٢)
وقال صاحبُ الأعيانُ(٣) : كان في نسبِهِ يهود ، فانتمَوْا إلى العرب ، وكان يقرب إلى شِقِّ وسَطِيح ،
قال القاضي ابن خَلِّكانُ(٤): وقد كانا ابنَي خالة ، وعاش كلٌّ منهما ستَّ مئة ، ووُلِدَا في يومٍ واحِد ،
وذلك يوم ماتتْ طريفة بنت الخير بعدَما تفلَتْ في فم كلٍّ منهما وقالت: إنَّهُ سيقومُ مقامي في الكَهَانة . ثم
ماتَتْ من يومِها .
وممن توفي في هذه السنة :
جَبَلَةُ بن سُحَيمُ(٥)
ودَرَّاج أبو السَّمْحُ(٦)
وسعيد بن مسروق (٧) في قول .
وسليمان بن حَبِيب المحاربي قاضي دمشق (٨).
(١) وفيات الأعيان (٢٢٨/٢).
(٢) وهو الفرزدق في قوله :
ألا قبح الرحمن ظهر مطية
وكيف يؤمُ الناسَ مَنْ كانتِ اهُّهُ
أتتنا تهادى من دمشقَ بخالدٍ
تَدِينُ بأنَّ الله ليس بواحدٍ
وَيَهْدِمُ من بغضٍ منارَ المساجدِ
بَنَى بِيعَةً فيها الصليبُ لأُمِّهِ
انظر وفيات الأعيان (٢٢٨/٢، ٢٢٩). وانظر ديوان الفرزدق ص (٢٦) فروايته «وهدَّم من بغض الصلاةِ
المساجدا)).
(٤)
هو ابن خلِّكان السابق ذكره في الوفيات ( ٢/ ٢٣٠) .
(٣)
في وفيات الأعيان (٢٣٠/٢).
ترجمته في التاريخ الكبير (٢١٩/٢)، الجرح والتعديل (١٣٦/١)، سير أعلام النبلاء (٣١٥/٥).
(٦) هو ابن سمعان، ترجمته في التاريخ الكبير (٢٥٦/٣)، الجرح والتعديل (٤٤١/٣)، مشاهير علماء الأمصار
(٥)
ص (١٨٩)، تهذيب الكمال (٨/ ٤٧٧)، تقريب التهذيب ص (٢٠١).
ترجمته في التاريخ الكبير (٥١٣/٣)، الجرح والتعديل (٦٦/٤)، مشاهير علماء الأمصار ص (١٦٧).
(٧)
ترجمته في التاريخ الكبير (٦/٤)، الجرح والتعديل (١٠٥/٤)، مشاهير علماء الأمصار ص (١١٦)، سير
(٨)
أعلام النبلاء (٣٠٩/٥).

٢٣٨
أحداث سنة ١٢٧ هـ
وعبد الرحمن بن قاسم شيخ مالك .
وعبيد الله بن أبي يزيد(١)
وعمرو بن دينار(٢). وقد ذكرنا تراجِمَهم في كتاب((التكميل)).
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومئة
استُهلَّت هذه السنةُ والخليفةُ إبراهيم بن الوليدِ بن عبدِ الملك بوَصِيَّةِ أخيه يزيدَ الناقصِ إليه ، ومبایَعَةِ
الأمراءِ له بذلك ، وجميع أهل الشام ، إلَّ أهلَ حِمص فلم يُبايعوه ، وقد تقدَّمَ أنَّ مروانَ بن محمد الملقَّبَ
بالحِمار كان نائباً بأذْرَبِيجَانَ وإرْمِينَة ، وتلك كانتْ لأبيه من قبلِه ، وكان نَقَمَ على يزيدَ بن الوليد في قَتْلِهِ
الوليدَ بن يزيد ، وأقبل في طلبِ دَم الوليد ، فلما انتهَى إلى حَرَّان أنابَ وبايَعَ يزيدَ بنَ الوليد ، فلم يلبثْ
إلَّا قليلاً حتى بلغَهُ موتَهُ ، فأقبل في أَهلِ الجزيرة ، حتى وصل قِنَّسْرِين ، فحاصرَ أهلَها فنَزَلوا على طاعته ،
ثم أقبلَ إلى حمص وعليها عبدُ العزيز بن الحجّاجِ من جهةِ أميرِ المؤمنين إبراهيمَ بنِ الوليد ، فحاصرهم
حتى يبايعوا لإبراهيم بنِ الوليد ، وقد أصرُّوا على عدَم مُبايعته ، فلما بلغ عبد العزيز قربُ مروانَ بنِ محمد
ترخَّلَ عنها ، وقدم مروانُ إليها ، فبايعوه وساروا معَهُ قاصِدينَ دمشق ، ومعهم جندُ الجزيرة وجُندُ
قِنَّسْرِين ، فتوجَّهَ مروانُ إلى دمشقَ في ثمانينَ ألفاً وقد بعث إبراهيمُ بن الوليد سليمانٌ(٣) بنَ هشام بن
عبد الملك في مئةٍ وعشرينَ ألفاً، فالتقى الجيشان عندَ عَيْنِ الجَر٤ِّ) من البِقَاعِ ، فدعاهُمْ مروانُ إلى الكفِّ
عن القتال ، وأن يتخلَّوْا عنِ ابنَىٍ الوليد بن يزيد ، وهما الحكم وعثمان اللذان قد أخذَ العهدَ لهما ، وكان
يزيدُ قد سجنَهما بدمشق، فأبَوْا عليه ذلك. فاقتتلوا قتالاً شديداً ، من حين ارتفاع النهار إلى العصر ،
وبعثَ مروانُ سريةً تأتي جيشَ سليمان بن هشام من ورائهم ، فتمَّ لهم ما أرادوه ، وأقبلوا من ورائهم
يُكَبِّرون، وحَمَلَ الآخرون من تلقائهم عليهم ، فكانتِ الهزيمةُ في أصحابِ سليمان ، فقتَلَ منهم أهلُ
حمصَ خلقاً كثيراً ، واستُبيح عسكرُهم ، وكان مقدارُ ما قُتل من أهلِ دمشقَ في ذلك اليوم قريباً من سبعة
عشر ألفاً أو ثمانيةَ عَشرَ ألفاً ، وأُسر منهم مثلُهم ، فأخذ عليهم مروانُ البيعة للغلامَيْنِ ابْنَيِ الوليد الحكمِ
ترجمته في التاريخ الكبير (٤٠٣/٥)، سير أعلام النبلاء (٢٤٢/٥).
(١)
(٢)
ترجمته في التاريخ الكبير (٣٢٨/٦)، الجرح والتعديل (٢٣١/٦)، سير أعلام النبلاء (٣٠٠/٥).
سقطت كلمة ((سليمان)) من نسخة ( ق )، وهو تحريف شنيع، وأثبتُّها من (ب، ح )، وروي الخبر مفصلاً في
(٣)
تاريخ الطبري ( ٢٧٤/٤ ) .
الجَرّ ، بالفتح والتشديد : وهو في الأصل الجبل ، وعين الجر : جبلٌ بالشام ، من ناحية بَعْلَبَكّ . معجم البلدان
(٤)
( ٢ / ١٢٤ ) .

٢٣٩
ذكر دخول مروان الحمار دمشق
وعثمان، وأطلقَهم كلَّهم سوى رجلَيْن ، وهما يزيدُ بن العقار ، والوليد بن مصَاد الكلبيَّان ، فضربَهما بين
يديه بالسياط وحبسهما ، فماتا في السجن ، لأنهما كانا مِمَّنْ باشرَ قتلَ الوليد بن يزيد حين قُتل. وأمَّا
سليمان بن هشام وبقيةُ أصحابه فإنهم استمرُّوا منهزِمين ، فما أصبحَ لهم الصبحُ إلا بدمشق فأخبروا أميرَ
المؤمنين إبراهيم بن الوليد بما وقع ، فاجتمع معهم رؤوس الأمراء في ذلك الوقت وهم عبد العزيز بن
الحجّاج ، ويزيد بن خالد بن عبد الله القَسْري وأبو علاقة السَّكْسَكي ، والأصبغ بن ذؤالة الكلبي ،
ونظراؤهم ، على أن يَعمِدوا إلى قتل ابني الوليد الحكم وعثمان خشيةَ أن يَلِيَا الخلافةَ فَيُهْلِكا مَنْ عاداهما
وقَتَل أباهما ، فبعثوا إليهما يزيدَ بن خالد بن عبد الله القسري فعمد إلى السجن وفيه الحكم وعثمان ابنا
الوليد وقد بَلَغا، ويقال : ولد لأحدِهما ولد، فشدَخَهما بالعُمُد ، وقتَلَ يوسفَ بن عُمر وكان مسجوناً
معَهما ، وكان في سجنِهما أيضاً أبو محمد السفياني ، فهرب فدخل في بيتٍ داخلَ السجن ، وجعل وراء
البابِ رَدْماً فحاصروه ، فامتنع، فأتَوْا بنارٍ ليحرقوا الباب ، ثم اشتغلوا عن ذلك بقُدومٍ مروانَ بنِ محمد
وأصحابِه إلى دمشق في طلب المنهزمين .
ذكرُ دخولٍ مروانَ الحمار دمشقَ وولايَتِهِ الخلافةَ وعزلِهِ إبراهيمَ بنِ الوليدِ عنها
لما أقبل مروانُ بِمَنْ معَه من الجُنود من عينِ الجَرّ ، واقتربَ من دمشق وقد انهزمَ أهلُها بين يديه
بالأمس ، هرَبَ إبراهيمُ بن الوليد ، وعمَدَ سليمانُ بن هشام إلى بيت المال ففتحه وأنفَقَ ما فيه على
أصحابِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ من الجيوش ، وثار موالي الوليد بن يزيد إلى دارٍ عبد العزيز بن الحجَّاج فقتلوه فيها
وانتهبوها ، ونبَشوا قبرَ يزيدَ بنِ الوليد وصلبوه على بابِ الجابية ، ودخل مروانُ بن محمد دمشق فنَزَل في
أعاليها ، وأُتِي بالغلامَيْن الحكم وعثمان وهما مقتولان ، وكذلك يوسف بن عمر ، فأمرَ بهم فدُفنوا ،
وأُتِيَ بأبي محمد السُّفياني وهو في كُبوله، فسلَّمَ على مروانَ بالخلافة ، فقال مروان: مَهْ . فقال: إنَّ
هذَيْنِ الغلامَيْنِ جعَلاها لك من بعدِهما . ثم أنشد قصيدةً قالها الحكَمُ في السِّجْن ، وهي طويلة منها
قوله :
وعَمِّي الغَمْرَ طالَ بِذَا حَنِينَا
ألا مَنْ مُبِلغٌ مروانَ عَنِّي
على قَتْلِ الوليد متابعينا
بأنِّي قد ظُلمتُ وصارَ قومي
فمَروانٌ أميرُ المؤمنينا
فإنْ أهْلِكْ أنا وولِيُّ عَهْدِي
ثم قال أبو محمد السُّفياني لمروان : ابْسُطْ يدَك. فكان أولَ مَنْ بايَعَهُ بالخِلافة معاوية(١) بن يزيد بن
(١) في (ق): ((فمعاوية))، فعلى هذا يكون السفياني أول من بايعه، ولكنْ ليست الفاء في ( ب، ح ) ولا في تاريخ
الطبري (٢٨٠/٤)، ولفظه: (( فكان أول من نهض معاوية ... )) والخبر والقصيدة فيه بتمامها.

٢٤٠
ذكر دخول مروان الحمار دمشق
حصين بن نمير ، ثم بايعه رؤوس أهلِ الشام من أهلِ دمشقَ وحمصَ وغيرِهم ، ثم قال لهم مروان :
اختاروا أُمرَاء نُوَلِيهمْ عليكم . فاختار أهلُ كلِّ بَدِ أميراً فوَلَّاهُ عليهم . فعلى دمشق زامِلُ بن عمرو
الحُبْراني ، وعلى حمص عبد الله بن شجرة الكِنْدي ، وعلى الأُزْدُنِّ الوليد بن معاوية بن مروان ، وعلى
فِلَسْطين ثابت بن نعيم الجذامي ، ولما استوَتِ الشامُ لمروانَ بن محمد رجَعَ إلى حَرَّان ، وعند ذلك طلَبَ
منه إبراهيمُ بن الوليد الذي كان خليفةً وابنُ عمِّه سليمان بن هشام الأمانَ فأمَّنَهُما ، وقَدِمَ عليه سليمانُ بن
هشام في أهلِ تدمرَ فبايَعُوه ، ثم لما استقرَّ مروانُ في حَرَّان أقامَ فيها ثلاثة أشهر ، فانتقضَ عليه ما كان انبرم
له من مُبايعة أهل الشام ، فنقَضَ أهلُ حمصَ وغيرُهم ، فأرسلَ إلى أهلِ حمصَ جيشاً فوافَوْهُمْ ليلةَ عيدٍ
الفِطْر من هذه السنة ، وقَدِمَ مروانُ إليها بعد الفِطْرِ بيومَيْن ، فنازَلها مروانُ في جنودٍ كثيرة ، ومعه يومئذٍ
إبراهيمُ بن الوليد المخلوع ، وسليمانُ بن هشام وهُما عندَهُ مُكَرَّمانِ خَصِيصَان ، لا يَجلِسُ إلَّ بِهما وقتَ
الغَدَاءِ والعَشَاء ، فلما حاصَرَ حمصَ نادَوْه : إنَّا على طاعَتِك . فقال : افتحوا بابَ البلد . ففتحوه ، ثم
كان منهم بعضُ القتال ، فقُتل منهم نحو الخمسمئة ، أو الست مئة ، فأمَرَ بِهِم فصُلِبوا حولَ البَلَد ، وأمَرَ
بِهَدْمِ بعضِ سُورِها .
وأمَّا أهلُ دمشق، فأمَّا أهلُ الغُوطة فحاصروا أميرَهم زامل بن عمرو ، وأمَّروا عليهم يزيدَ بن خالد
القَسْري . وثبت في المدينةِ نائبُها ، فبعث إليه أمير المؤمنين مروان من حمص عسكراً نحوَ عشرة آلاف ،
فلما اقتربوا من دمشق خرج النائبُ ومَنْ معَه ، والتقَوْا والعسكرَ بأهلِ الغُوطَةِ فهزموهم، وحرقوا المِزَّة
وقُرَى أخرى معها ، واستجار يزيدُ بن خالد القَسْرِيُّ وأبو علاقة الكلبي برجلٍ من أهلِ المِزَّة من لَخْم ،
فدلَّ عليهم زاملُ بنُ عمرو فقتلَهما وبعثَ برأسَيْهما إلى أميرِ المؤمنين مروانَ وهو بحمص .
وخرج ثابتُ بنُ نُعيم في أهلٍ فَلَسْطِين على الخليفة ، وأتَوْا طَبَرِيَّةَ فحاصروها ، فبعث الخليفةُ إليهم
جيشاً فأجلَوْهُمْ عنها، واستباحوا عسكرَهم، وفرَّ ثابتُ بنُ نُعَيم هارباً إلى فِلَسطين، فَاتَّبَعَهُ الأمير
أبو الوَزْد ، فهزمه ثانيةً، وتفرَّقَ عنه أصحابُه . وأسر أبو الورد ثلاثةً من أولادِه ، فبعثَ بِهم إلى الخليفة
وهم جرحَى ، فأمرَ بِمُدَاواتِهم ، ثم كتبَ أمير المؤمنينَ إلى نائبٍ فِلَسْطِين، وهو الرُّمَاحِسُ بن عبدالعزيز
الكِنَانِي يأمرُهُ بِطَلَبِ ثابتِ بن نُعيم حيث كان، فما زالَ يتلطّفُ بهِ حتى أخذَهُ أسيراً . وذلك بعد شهرَيْن ،
فبعثه إلى الخليفة ، وأمرَ بقطع يديه ورِجْلَيْهِ ، وكذلك جماعة كانوا معَه ، وبعثَ بهم إلى دمشق ، فأُقِيموا
على بابِ مسجدِها ، لأنَّ أهل دمشقَ كانوا قد أرْجَفوا بأن ثابتَ بن نُعيم ذهب إلى ديارِ مصر ، فتغلَّبَ
عليها ، وقتلَ نائبَ مروانَ فيها ، فأُرسل إليهم مقطَّعَ اليدَيْن والرجلَيْن لِيعرفوا بُطلانَ ما كانوا به أرجفوا ،
وأقام الخليفةُ مروانُ بدَيْر أيُّوب عليهِ السلامِ مُدَّةٌ ، حتى بايع لابنِهِ عبدِ الله ، ثم عُبيدالله ، وزوَّجَهما ابنتَيْ
هشام، وهما أمُّ هشام ، وعائشة ، وكانَ مَجْمَعاً حافِلاً، وعَقْداً هائلاً ، ومُبايعةً عامَّةً ، ولكن لم تكنْ في
نفسِ الأمرِ تامَّةً .