Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ وفيات سنة ١١٧ هـ فيه . ) الصلاة فعاتَبَهُ فقال : إني ذكرتُ ضيعةً لي . فقال: أكبرُ الضَّيعة أضعتَه. = وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدّثنا جعفر بن محمد الرَّسْعَني ( في (ق): (( الدسعني)) وفي الحلية : ((الرسغني))، وكلاهما تصحيف، والمثبت من تقريب التهذيب ص (١٤١) في ترجمته. )، حدّثنا أبو جعفر النُّفيلي ، حدّثنا عثمان بن عبد الرحمن ، عن طلحة بن زيد، قال : قال ميمون : لا تعرفِ الأمير ، ولا تعرفْ مَنْ يعرِفُه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٥). ) . وروَى عبد الله بن أحمد ، عنه أيضاً ، قال : لأنْ أُؤْتَمَنَ على بيتِ مالٍ أحبُّ إليَّ منْ أنْ أؤتمنَ على امرأة ( المصدر السابق . ) . وقال أبو يعلى المَوْصلي : حدّثنا هاشم بن الحارث، حدّثنا أبو المليح الرَّقِّيّ ، عن حبيب بن أبي مَرْزوق ، قال : قال ميمون : وَدِدْتُ أنَّ إحدى عينيَّ ذهبَتْ وبقيتِ الأخرى أتَمَتَّعُ بها، وأنِّي لم ألِ عملاً قطّ. قلتُ : ولا لِعُمَرَ بنِ عبدِ العزيز؟ قال : ولا لعمرَ بنِ عبد العزيز ؛ لا خيرَ في العملِ لا لِعُمر، ولا لِغَيْرِه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨٦/٤ ). ) . وقال أحمد : حدّثنا زيدُ بن الحُبَاب ، حدّثنا سفيان، حدّثنا جعفر بن بُرْقان، عن ميمون بن مِهْران ، قال: ما عرضتُ قولي على عمَلي إلَّ وجدتُ من نفسِي اعتراضاً ( المصدر السابق. ). وقال الطبراني : حدّثنا المِقْدام بن داود ، حدّثنا عليُّ بنُ مَعْبد، حدّثنا خالد بن حيَّان ، حدّثنا جعفر، عن ميمون ، قال : قال لي مَيمون : قُلْ لي في وجهي ما أكره ، فإنَّ الرجلَ لا يَنْصحُ أخاهُ حتى يقولَ لهُ في وجهِهِ ما يَكْرَه ( المصدر السابق . ) . وروى عبدُ الله بن أحمد، عنه، في قوله تعالى: ﴿ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [ الواقعة: ٣]، قال: تَخْفِضُ أقواماً وترفَعُ آخرين ( المصدر السابق . ) . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدّثني عيسى بن سالم، حدّثنا أبو المَلِيحِ، حدّثنا بعضُ أصحابي قال : كنتُ أمشي مع مَيمون ، فنظَرَ ، فرأى عليَّ ثوْبَ كَتَّان، فقال: أمَا بلغَكَ أنَّه لا يَلْبسُ الكَتَّنَ إلَّا غَنِيٌّ أو غارِ (المصدر السابق . )؟. وبهذا الإسناد ، سمعتُ مَيْمون بنَ مِهْران يقول: أولُ منْ مَشَتِ الرِّجالُ معهُ وهو راكِبٌ الأشعثُ بن قيس الكِنْدِيّ، ولقد أدركتُ السَّلَفَ وهم إذا نظروا إلى رجلٍ راكبٍ ورجلٍ [ ماشٍ ] يحضُرُ معهُ قالوا: قاتله [ الله ]، جَبَّار ( المصدر السابق ، وما بين معقوفين منه. ) . وقال عبد الله بن أحمد : بَلغني عن عبد الله بن كريم بن حيان وقد رأيته ، حدّثنا أبو المَليح ، قال : قال ميمون : ما أُحبُّ أنَّ لي ما بين بابِ الرُّهَا إلى حَوْران بخمسة دراهم . وقال ميمون : يقولُ أحدُهم : اجلِسْ في بيتك ، وأغلقْ عليك بابَك ، وانظُرْ هل يأتيكَ رِزْقُك؟ نعَمْ والله، لو كان له مثلُ بِقِينِ مَرْيمَ وإبراهيم عليه السلام ، وأغلق عليه بابَه ، وأرخَى عليه سِتْرَه لجاءَهُ رزقُه . وقال: لو أنَّ كلَّ إنسانٍ منَّا يتعاهدُ كَسْبَه، فلم يَكْسِبْ إلَّ طيِّاً فأخرَجَ ما عليه، ما احتيجَ إلى الأغنياء، ولا احتاجَ الفقراء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٧).). وقال أبو المليح عن ميمون ، قال: ما بَلَغني عن أخ لي مكروهٌ قطُ إلَّ كانَ إسقاطُ المكروهِ عنه أحَبَّ إليَّ من تَخْفِيفِهِ عليه؛ فإنْ قال: لم أقُلْ، كان قولُهُ : لم أقُلْ أحَبَّ إليَّ من ثمانيةٍ يشهدونَ عليه ؛ فإنْ قال : قلتُ ولم يعتذِرْ أبغَضْتُهُ من حيثُ أحبَبْتُه . ١٦٢ وفيات سنة ١١٧ هـ وقال : سمعتُ ابن عباس يقول : ما بَلغني عن أخ لي مكروهٌ قطُ إلَّا أَنزَلْتُه إحدى ثلاث منازِل : إنْ كان فَوْقِي عرَفْتُ له قَدْرَه ؛ وإنْ كان نَظيري تفضّلْتُ عليه ؛ وإنْ كانَ دُوني لم أحْفِلْ به . هذه سيرتي في نفسي ، فمن رغبَ عنها فإنَّ أرضَ الله واسعة ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٨٥).). وقال أبان بن أبي راشد القُشَيري : كنتُ إذا أردتُ الصائفةَ أتيتُ ميمونَ بن مِهْران أوَدِّعُه ، فما يزيدُني على كلمتَيْن : اتَّقِ الله، ولا يغرَّنَّك طمعٌ ولا غَضَب ( المصدر السابق، وفيه: ((ولا يغيرك طمع .. )).) . وقال أبو المليح عن ميمون قال: العلماءُ هُمْ ضالَّتي في كلِّ بلدة، وهم أحِبَّتي في كلِّ مِصْر، ووجدتُ صلاحَ قلبي في مجالسةِ العلماء ( المصدر السابق . ) . وقال في قوله تعالى: ﴿ إِنََّا يُؤَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، قال: غُرَفاً ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٨٧). ) . وقال : لأنْ أتصدَّقَ بدِرهم في حياتي أحبُّ إليَّ من أنْ أتصدَّق بمئةٍ درهم بعد موتي ( المصدر السابق.) . وقال : كان يُقال: الذِّكْرٌّ ذِكْران : ذِكْرُ اللهِ بالِّسان، وأفضلُ من ذلكَ أنْ تذكرَهُ عند ما أحلَّ وحَرَّم ، وعند المعصية، فتكفُّ عنها وقد أشرفتَ [ عليها ] ( المصدر السابق ، ومابين معقوفين منه. ) . وقال : ثلاثٌ الكافرُ والمؤمنُ فيهنَّ سواء : الأمانةُ تؤدِّيها إلى مَنِ ائتمَنَكَ عليها منْ مسلمٍ وكافر ، وبرُّ الوالدَيْن وإنْ كانا كافرَيْنِ ؛ والعَهْدُ تَفي بهِ للمؤمن والكافر ( المصدر السابق . ) . وقال أبو المليح ( في (ق): (( وقال صفوان عن خلف بن حوشب عن ميمون)). والمثبت من مصادر التخريج . ) ، عن ميمون ، قال: أدركتُ منْ لم يكنْ يملأُ عينيْهِ من السماء فَرَقاً من ربَّه عزَّ وجلَّ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨٨/٤)، وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (١٩٤/٤)، والذهبي في السير ( ٧٧/٥).). وقال أحمد بن بَزيع: حدّثنا يعلى بن عُبيد، حدّثنا هارون أبو محمد البربري، أنَّ عمرَ بن عبدِ العزيز استعملَ مَيْمونَ بنَ مِهْران على الجزيرةِ وعلى قضائها وخراجِها ؛ فمكثَ حِيناً ، ثم كتب إلى عمر يستعفيهِ عن ذلك وقال : كلَّفْتَني ما لا أُطيق ، أقْضي بين الناس وأنا شيخٌ كبيرٌ ضعيفٌ رَقِيق . فكتب إليه عمر اجْبٍ من الخراج الطَّيِّب ، واقضِ بما استبانَ لك ، فإذا استبانَ لك، فإذا التبسَ عليكَ أمرٌ فارْفَعْهُ إليّ، فإنَّ الناسَ لو كان إذا كَبرَ عليهم أمرٌ تركوه ما قام لهم دِينٌ ولا دُنيا ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٨٨). ). قال قُتيبة بنُ سعيد : حدّثنا كثير بن هشام ، حدّثنا جعفر بن بُرْقان ، قال : سمعتُ ميمونَ بن مِهْران يقول : إنَّ العبدَ إذا أذنبَ ذنباً نُكتَ في قلبه نُكتة سوداء ، فإذا تابَ مُحِيَتْ من قلبه ، فَتَرَى قلبَ المؤمن مَجْلِيّاً مثلَ المرآة ، ما يأتيه الشيطانُ من ناحيةٍ إلا أبصرَه ؛ وأمّا الذي يتتابَعُ في الذنوب فإنه كلَّما أذنبَ نُكِتَتْ في قلبِهِ تُكْتَةٌ سوداء ، حتى يسوَدَّ قلبُه، فلا يُبصِرُ الشيطانَ من أينَ يأتيه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨٩/٤).). وقال الإمام أحمد : حدّثنا عليُّ بن ثابت، حدّثنا جعفر، عن ميمون، قال: ما أقلَّ أكياسَ الناس ! لا يُبصرُ الرجلُ أمرَه حتى ينظرَ إلى الناسِ وإلى ما أَمِروا بِه ( في (ق): ((ما أدوا به))، والمثبت من الحلية (٨٩/٤). )، وإلى ما قد أكثُوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر، لا همَّ لها إلَّ ما تجعلُ في أجوافِها ، حتى إذا أبصرَ غفلتهم ، نظرَ إلى نفسِهِ فقال: والله إني لأُراني من شرِّهم بعيراً واحداً . وبهذا الإسناد عنه : ما مِنْ صدَقَةٍ أفضلَ من كلمةٍ حَقِّ عندَ إمام جائر ( المصدر السابق . ) . وقال : لا تُعذِّبِ المملوكَ ولا تضرِبْهُ على كُلِّ ذنب ، ولكنِ احفَظْ ذلك له، فإذا عَصَى اللهَ عزَّ وجلَّ فعاقِبْهُ على = ١٦٣ وفيات سنة ١١٧ هـ = معصية الله، وذَكِّرْهُ الذنوبَ التي أذنبَ بينك وبينه ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨٨/٤، ٨٩). ). وقال قُتيبة : حدّثنا جعفر بن بُرْقان: سمعتُ مَيمون بن مِهْران يقول : لا يكونُ الرجلُ منَ المتَّقين حتى يُحاسبَ نفسَهُ أشدَّ من محاسبةِ الشَّريك شَرِيكَه ، حتى يعلمَ من أين مَطْعَمُه؟ ومن أين مَشْربُه؟ [ ومن أين مَلْبَسُه؟ ] أمِنْ حلالٍ ذلك أمْ من حرام ( المصدر السابق ص (٨٩).)؟. وقال أبو زُزعة الرازي ( في (ق): ((أبو زرعة الدارمي))، والمثبت من الحلية. ): حدّثنا سعيدُ بن حَفْص النُفَيلي ، حدّثنا أبو المليح عن ميمون ، قال : الفاسقُ بِمَنْزِلةِ السَّبُع، فإذا كلمتَ فيه فخلَّيْتَ سبيلَهُ ، فقد خَلَّيْتَ سَبُعاً على المسلمين ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩١). ). وقال جعفر بن بُرْقان : قلت لميمون بن مهران: إنَّ فلاناً يستبطىءُ نفسَهُ في زيارتِك، قال : إذا ثبتَتِ المودةُ في القلوب فلا بأسَ وإنْ طالَ المُكْثُ ( المصدر السابق . ) . وقال أحمد : حدّثنا مَيمون الرَّقِّي، حدّثنا الحسن أبو المَليح، عن مَيمون ، قال: لا تَجِدُ غريماً أهونَ عليك من بطنِكَ أو ظهْرك ( المصدر السابق . ) . وقال الإمام أحمد أيضاً : حدّثنا عبد الله بن مَيمون ، حدّثنا الحسن ، عن حَبيب بن أبي مَرْزوق ، قال : رأيت على مَيمون جُبَّةَ صوفٍ تحتَ ثيابِهِ ، فقلتُ له : ما هذا؟ قال: نعَمْ ، فلا تُخبِرْ بِهِ أحداً ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩١، ٩٢). ). وقال عبد الله بن أحمد : حدّثني يحيى بن عثمان، حدّثنا أبو المليح عن ميمون، قال: منْ أساءَ سِرّاً فَلْيَتُبْ سِرّاً، ومنْ أساءَ علانيةً فَلْيَتُبْ علانيةً، فإنَّ الله يغفِرُ ولا يعيِّر، وإنَّ الناسَ يُعَيِّرونَ ولا يغفِرون ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٤/ ٩٢ ). ) . وقال جعفر : قال ميمون : في المال ثلاثُ آفات: إنْ نَجَا صاحبُه من واحدة لم ينْجُ من اثنَيْن، وإنْ نَجَا من اثنَيَّن كان قَمِيناً أنْ لا يَنْجوَ من الثالثة، ينبغي أنْ يكونَ حَلالاً طيِّباً؛ فأيُّكُمُ الذي يَسْلِمُ كَسْبُه فلم يُدخِلْهُ إلا طيّباً، فإنْ سَلِم من هذه فينبغي أنْ يؤدِّيَ الحقوقَ التي تَلْزَمُهُ في مالِه ؛ فإنْ سلم من هذه فينبغي أنْ يكونَ في نفَقَتِهِ ليس بِمُسْرفٍ ولا مُقَتِر . وقال : سمعتُ ميموناً يقول: أهونُ الصَّوم تَرْكُ الطعام والشراب ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨٩/٤، ٩٠).). وقال عبد الله بن أحمد: حَدّثنا يحيى بن عثمان الحَرْبي، حدّثنا أبو المليح عن مَيمون بن مهران، قال : ما نالَ رجلٌ من جَسيم الخير - نبيٍّ أو غيرُه - إلَّا بالصبر ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٠).). وبهذا الإسناد قال: الدنيا حُلوة خَضِرَة، قد حُفَّتْ بالشهوات ، والشيطانُ عدوٌّ حاضر ، فيظنُّ ( في الحلية : ((فطن)). ) أنَّ أمْرَ الآخرة آجل، وأمرَ الدنيا عاجل (المصدر السابق.). وقال يونس بن عُبيدة : كان طاعونٌ قِبَلَ بلادٍ مَيمون بن مهران ، فكتبتُ إليه أسألُهُ عن أهله ، فكتب إلي : بلَغَني كتابُكَ تسألُني عن أهلي، وإنَّ ماتَ من أهْلي وخاصَّتي سبعةَ عشرَ إنساناً ، وإني أكرهُ البلاءَ إذا أقبلَ ، فإذا أدبر لم يَسُرَّني أنه لم يَسُرَّني أنه لم يكنْ ؛ وأمَّا أنت، فعليك بكتابِ الله ، فإن النَّاسَ قد بَهَوْا به - يعني أنِسُوا - واختاروا الأحاديثَ أحاديثَ الرجال ؛ وإياك والمِرَاءَ في الدين . قال أبو عُبيد في الغريب ( هو القاسم بن سلام في كتابه غريب الحديث (٤٧٣/٤ ) . وقد صُحفت العبارة في الحلية و ( ق ) ، وأثبتُّ ما جاء في غريب الحديث . ) : بَهَؤوا بِهِ - مَهْموزاً - ومعناه أنِسُوا به . وقال عمرو بن ميمون : كنتُ مع أبي ونحنُ نطوفُ بالكعبة فلَفيَ أبي شيخٌ فعانقه ، ومع الشيخ فَتَىّ نَحْوٌ مِنِّي . فقال ١٦٤ وفيات سنة ١١٧ هـ نافع مولى ابن عمر(١) أبو عبد الله المدني : من بلاد المغرب ، وقيل من نيسابور ، وقيل من كابُل ، وقيل غيرُ ذلك . له أبي : منْ هذا؟ قال: ابني . قال : كيف رِضاكَ عنه؟ فقال: ما بقيتْ خَصْلةٌ يا أبا أيُّوب من خصال الخير إلَّا = وقد رأيتُها فيه إلَّ واحدة. قال : وما هي؟ قال : أنْ يموتَ فأُؤْجَرَ فيه - أو قال: فأحتسبه - ثم فارَقَهُ أبي ؛ فقلتُ منْ هذا الشيخ ؟ فقال: مَكْحول ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٠، ٩١). ). وقال : شرُّ الناسِ العِيَّابون، ولا يَلْبسُ الكَتَّانَ إِلَّ غَنِيٍّ أو غَوِيّ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩٢/٤).). وروى الإمام أحمد عنه قال : يا بنَ آدم ، خَفِّفْ عن ظَهرِكَ ، فإنَّ ظهرَك لا يُطيقُ كلَّ هذا الذي يَحْمِلُ مِنْ ظُلْم هذا، وأكْلِ مالِ هذا، وغَشْم هذا، وكلُّ هذا على ظهرِك تَحْمِلُه، فخَفِّفْ عن ظهرِك . وقال : إن أعمالَكُمْ قليلة فأخلِصُوا هذا القليل . وقال: "مَا أتَى قومٌ في نادِيهمُ المُنْكَّرَ إلَّ حَقَّ مَلاكُهُمْ ( المصدر السابق . ). وروى عبدُ الله بن أحمد عنه، أنَّه قرأ: ﴿ وَأَمْتَدُواْ الْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [ يس: ٥٩ ] ثم فارَقَ حتى بَكَى ، ثم قال: ما سَمِعَ الخلائقُ بَنَعْتٍ أشدَّ منه ( المصدر السابق، وفيه ((بعتبٍ قط ... )).). وقال أبو عوانة : ح إبراهيم ( في ( ق ): ((حدثنا إبراهيم)) وهو تحريف ، هنا في إسناد أبي نعيم في الحلية علامة تحويل للسند ، وما يأتي بين معقوفين منه يبين ذلك . ) بن عبد الله ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا قُتيبة بن سعيد، حدثنا خالد، [ قالا] : عن حُصين بن عبد الرحمن ، عن مَيمون، قال: أربعٌ لا تكلمَ فيهم : عليٍّ، وعثمان ، والقدر، والنجوم ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٢). ). وقال : احذروا كلَّ هوىّ يسَمَّى بغيرِ الإسلام ( المصدر السابق. ). وروَى شَبَابٌ عن فُرات بن السائبَ ، قال: سألتُ ميمونَ: أَعَلِيٍّ أَفْضَلُ عندَك أمْ أبو بكرٍ وعمر ؟ فارتعد حتى سقطَتْ عصاهُ من يدهِ ، ثم قال : ما كنتُ أظُنُّ أنْ أبقَى إلى زمان يُعْدَلُ بهما غيرُهما ، إنهما كانا رِدْأَىِ الإسلام ، ورأسَ الإسلام ، ورأسَ الجماعة . فقلتُ : فأبو بكرٍ كانَ أولَ إسلاماً أمْ علي ؟ فقال : واللهِ لقد آمنَ أبو بكرٍ بالنبيِّ وَ زَمَنَ بَحِيرا الرَّاهب حين مَرَّ به، وكان أبو بكر هو الذي يختلفُ بينه وبينَ خَدِيجة، حتى أنْكَحَها إِيَّاه، وذلك كُلُّه قَبْلَ أنْ يُولَدَ علي، وكان صاحبَهُ وصديقَهُ قبلَ ذلك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٢، ٩٣). ). وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر، قال: قال رسول الله وَّ: «قَلَّما يوجَدُ في آخر الزمان درهمٌ من حلال ، أو أخٌ يُوثَقُ به)) ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٤)، وإسناده ضعيف. ). وروَى عن ابن عُمرَ أيضاً، عن النبيِّ وََّ، قال: ((شَرُّ المالِ في آخرِ الزمانِ المماليكُ)) ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٩٤/٤) وهو حديث موضوع ساقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢٣٥/٢). ). وروى ابنُ أبي الدنيا عنه قال : مَنْ طلبَ مرضاةَ الإخوانِ بلا شيءٍ فَلْيصادِقْ أهلَ القبور . وقال : من ظَلَمَ أحداً ففاته أنْ يَخرُج من مَظْلِمَتِهِ، فاستغفر له دُبُرَ كل صلاةٍ ، خَرَج من مَظْلِمَتِهِ ، وهذا إنْ شاء الله يدخل فيه الأعراضُ والأموالُ وسائرُ المظالم . وقال ميمون : القاتلُ والآَمِرُ والمأمورُ والظالِمُ والراضي بالظُّلم ، كلُّهم في الوِزْرِ سَوَاء . وقال : أفضلُ الصبرِ الصبرُ على ما تكرَهُ نفسُكَ من طاعةِ اللهِ عزَّ وجلّ . روى مَيمون عن جماعةٍ من الصحابة، وكان يسكنُ الرَّقَّة . رحمه الله تعالى ] . (١) ترجمته في التاريخ الكبير (٨٤/٨)، معرفة الثقات للعجلي (٢/ ٣١٠)، الثقات لابن حبان (٤٦٧/٥)، الجرح والتعديل (٤٥١/٨)، تهذيب الأسماء واللغات (١٢٣/٢)، وفيات الأعيان (٣٦٧/٥)، سير أعلام = ١٦٥ وفيات سنة ١١٧ هـ روى عن مولاه عبد الله بن عمر ، وجماعةٍ من الصحابة ، مثل رافع بن خَدِيج ، وأبي سعيد ، وأبي هريرة ، وأمّ سَلَمة ، وغيرِهم . ورَوَى عنه خَلْقٌ من التابعينَ وغيرِهم ، وكان من الثقاتِ النُّبلاء ، والأئمةِ الأجِلاَّء. قال البخاري : أصَُ الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر(١) وقال غيرُه : كان عمرُ بن عبد العزيز قد بعثَهُ إلى مصر يعلِّمُ الناسَ السُّنن ، وقد أثنى عليه غيرُ واحدٍ من الأئمة ووثَّقوه . ومات في هذه السنة على المشهور : ذو الرُّمَّة الشاعر(٢): واسمه غَيلان بن عُقْبَة بن بُهَيش(٣)، من بني عبدِ مَنَاة بن أُدِّ بن طابخةَ بنِ إلياس بن مُضَر، أبو الحارث ، أحدُ فُحولِ الشعراء ، وله ديوانٌ مشهور ، وكان يتغزَّل في ميّ بنت مقاتل بن طِلْبة بن قيس بن عاصم المِنْقَري ، وكانتْ جميلة ، وكان هو دَمِيمَ الخَلق ، أسودَ اللَّون ، ولم يكنْ بينهما فُحْشٌ ولا خَنَا ، ولم يكنْ رآها قطُ ولا رأَتْهُ ، وإنما كانتْ تسمَعُ به ويَسمعُ بها . ويقال : إنَّها كانت تنذُرُ إنْ هي رأَتْهُ أنْ تذبح جَزُوراً، فلمّا رأْتُه قالتْ : واسوأتاه! ولم تُبدِ له وَجْهَها قَطُ إلّا مرَّةً واحدة ، فأنشأ يقول : على وجهِ مَيِّ لَمْحَةٌ من حلاوةٍ وتحتَ الثيابِ العارُ لو كان بادِيَا قال : فانسلخَتْ من ثيابها ، فقال : ألم ترَ أنَّ الماءَ يَخْبُثُ طَعمُهُ وإِنْ كان لونُ الماءِ أبيضَ صافِيًا فقالت : تريدُ أنْ تذوقَ طعمَه؟ فقال : إي والله . فقالت : تذوقُ الموتَ قبلَ أنْ تذوقَه . فأنشأ يقول : فَوَاضَيعةَ الشعرِ الذي راحَ وانقضى بِمَيٍّ ولم أملِكْ ضلالَ فؤادِيَا(٤) قال ابن خَلِّكان(٥) : ومن شعرهِ السائر بين الناس ما أنشده : النبلاء (٩٥/٥)، تذكرة الحفاظ (٩٩/١)، العبر (١٤٧/١)، مرآة الجنان (٢٥١/١)، تهذيب التهذيب = (٤١٤/١٢)، طبقات الحفاظ ص (٤٧)، شذرات الذهب (١٥٤/١). (١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٨٣/١٠) (٢١١٦٩)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥/ ٩٧). (٢) ترجمته في طبقات فحول الشعراء (٥٣٤/٢)، الأغاني (٥/١٨)، المنتظم (٧٢/٧)، وفيات الأعيان (٤/ ١١)، سير أعلام النبلاء ( ٢٦٧/٥) نزهة الألباب (٢٩١)، الإكمال (٣٧٦/١)، النجوم الزاهرة (٢٤٨/١). (٣) صُحِّف اسمه في الأصول كلها ، والمثبت من مصادر ترجمته . (٤) أخرجه أبو الفرج الأصبهاني بنحوه في الأغاني (١٨/ ٣٢). (٥) في كتابه وفيات الأعيان (٤/ ١٣). ١٦٦ أحداث سنة ١١٨ هـ ووفياتها بهِ أهلُ مَيٍّ هاجَ شَوْقِي هُبوبُها إذا هبت الأرياحُ من نحوِ جانبٍ هَوَى كلِّ نفسٍ أينَ حَلَّ حَبِيبُها(١) هَوَى تَذْرِفُ العَيْنانِ منه وإنما ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومئة فيها غزا معاويةُ وسليمانُ ابنا أميرِ المؤمنين هشام بن عبد الملك بلادَ الرُّوم . وفيها قصَدَ شخصٌ يُقالُ له عمار بن يزيد ، ثم تَسَمَّى بِخِدَاش إلى بلادِ خُراسان ، ودعا الناسَ إلى خلافةِ محمدِ بنِ علي بن عبد الله بن عباس ، فاستجابَ لَهُ خَلْقٌ كثير، فلما التّقُوا عليه دعاهم إلى مَذْهَبِ الخُرَّمِيَّةِ الزنادقةُ(٢) وأباح لهم نساءَ بعضِهم بعضاً ، وزعم لهم أنَّ محمد بن علي يقولُ ذلك، وقد كذَبَ عليه ، فأظهر الله عليه الدولةَ فأُخذ فجيءَ به إلى خالد بن عبد الله القَسْري أميرِ العراق وخُراسان، فأمر به فقُطْعَتْ يدُه ، وسُلّ(٣) لسانُه، ثم صُلب بعدَ ذلك(٤). وفيها حجَّ بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي ، أمير المدينة ومكة والطائف . وقيل إنَّ امْرَةَ المدينة كانتْ مع خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم ، والصحيح أنه كان قد عُزل ووُلِّي مكانَهُ محمد بن هشام بن إسماعيل ، وكانتْ إِمْرَةُ العراق إلى خالد بن عبد الله القَسْري ، ونائبه على خراسان وأعمالها أخوهُ أسد بن عبد الله القسري . وفيها كانت وَفَاةُ : عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ بِنِ عباس(٥) بن عبد المطلب : القرشيُّ الهاشميُّ أبو الحسن ، ويُقال أبو محمد، وأمُّه (١) وهذه زيادة مقحمة أيضاً وهي : [ وأنشدَ عند الموت: يا قابض الرُّوح في جسمي إذا احتُضِرَتْ وغافرَ الذنبِ زَحْزِخْني عن النَّارِ ] (٢) الخُرَّمِيَّة: وخُرَّم: لفظ أعجمي يُنبي عن الشيء المستلَذّ المستطاب، الذي يرتاح الإنسان له ، ومقصود هذا الاسم تسليطَ اللسانِ على اتباع اللذّات وطلب الشهوات كيف كانتْ ، وطيُّ بساطِ التكليف ، وحطّ أعباء الشرع عن العِبَاد . وقد كان هذا الاسم لقباً للمَزْدَكية ، وهم أهلُ الإباحةِ من المجوس الذين اتبعوا في أيام قُبَاذ ، وأباحوا النساء المحرّمات ، وأحلّوا كلّ محظور ، فسُمُّوا هؤلاء بهذا الاسم لمشابهتهم إياهم في نهاية هذا المذهب وإن خالفوهم في مقدماته . تلبيس إبليس ص ( ١٢٨). في (ح): ((وانتثل))، وفي (ب): و((وأرسل))، والمثبت من ( ق ). (٣) انظر تاريخ الطبري (١٦٤/٤) في حوادث هذه السنة . (٤) (٥) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣١٢/٥)، طبقات خليفة (٢٣٩ و٢٥٥)، تاريخ خليفة (١٩٩ و٣٤٩)، التاريخ الكبير (٢٨٢/٦)، المعرفة والتاريخ (٣٨١/٢)، تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٧١٣/٢)، الكامل للمبرد = ١٦٧ وفيات سنة ١١٨ هـ زْعَة بنتُ مِشْرَح بن مَعْدِ يْكَرِب الكِنْدي أحد مُلوك الأربعةِ الأقيال ، المذكور في الحديث الذي رواه أحمد، وهم مِشْرَح وجَمْد ومِخْوَس وأبْضَعَهُ(١) وأختهم العَمَرَّدة، وكان مَوْلِد عليٍّ هذا يومَ قُتل عليٍّ بنُ أبي طالب ، فسماه أبوهُ باسمِه ، وكنَّاهُ بكنيتِه ، وقيل : إنه وُلد في حياةٍ عليّ، وهو الذي سمّاه وكنَّاه والقَّبَهُ بأبي الأملاك ، فلمَّا وَفَدَ على عبدِ الملك بن مروان أجلَسَه معه على السَّرير، وسألهُ عن اسِمه وكنيتِه ، فأخبره ، فقال له : ألَكَ ولد؟ قال: نعم ، وُلد لي ولد سَمَّيتُه محمداً . فقال له : أنت أبو محمد، وأجْزَلَ عطيتَه، وأحسَنَ إليه، وقد كان هذا في غايةِ العبادةِ والزهادةِ والعِلم والعمَل ، وحُسنِ الشَّكْلِ والعدالةِ والثَّقَة ، وكانَ يُصَلِّي في كلِّ يومٍ وليلةٍ ألف رَكْعَةٍ . قال عمرو بن علي الفَلَّس: كان من خيرِ الناس، وكانت وفاته بالحُمَيْمَة من أرض الشَّرَاه ٢) ، في هذه السنة وقد قارب الثمانين . وقد ذكر ابن خَلِّكَانُ(٣) أنه تزوَّجَ لُبابة بنتَ عبدِ الله بن جعفر التي كانتْ تحتَ عبدِ الملك بن مروان فطلَّقها ، وكان سببُ طلاقِهِ إياها أنَّه عَضَّ تفاحةً ثم رَمَى بها إليها ، فأخذَتِ السِّكِّينَ فحزَّتْ من التفاحةِ مامَسَّ فمَهُ منها فقال: ولِمَ تفعلين هذا؟ قالت: أزِيلُ الأَذَى عنها . وذلك لأنَّ عبدالملك كان أبْخَر ، فطلَّقها عبدُ الملك ، فلما تزوَّجها عليُّ بن عبد الله بن عباس هذا نَقَم عليه الوليدُ بن عبدِ الملك لأجلِ ذلك ، فضرَبَهُ بالسِّيَاط وقال : إنما أرَدْتَ أن تُذِلَّ بنيها من الخلفاء ، وضربه مرَّةً ثانيةً لأنه اشتهر عنه أنه قال : الخلافةُ صائرةٌ إلى بيتِهِ . فوقع الأمرُ كذلك . وذكر المُبَرِّ(٤) أنَّه دخلَ على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه السَّفَّاح والمنصور ، وهما صغيران ، فأكرَمَهُ (١٢٤، ٣٢٧، ٧٥٦)، الجرح والتعديل (١٩٢/٦)، الثقات لابن حبان (١٦٠/٥)، حلية الأولياء = (٢٠٧/٣)، تاريخ مدينة دمشق (٢٢٦/١٢) ب، صفة الصفوة (١٠٧/٢)، المختار من مناقب الأخيار لابن الأثير (٦٣/٤)، تهذيب الأسماء واللغات (٣٥٠/١)، وفيات الأعيان (٢٧٤/٣) ، مختصر تاريخ دمشق (١١٧/١٨)، تهذيب الكمال (٣٥/٢١)، سير أعلام النبلاء (٢٥٢/٥ و٢٨٤)، تهذيب التهذيب (٣٥٧/٧)، شذرات الذهب (١٤٨/١). (١) هذه الأسماء صُحّفت في الأصول، فأثبتنا ما في الإكمال لابن ماكولا (٢/ ٥٤١ و١٧٥/٧ و١٩٤) وغيره من كتب الضبط . (٢) في (ق): ((بالجهمة من أرض البلقاء))، وهو تصحيف ما عدا ((البلقاء))، لأن البلقاء هي مدينة الشراة كما في معجم البلدان (٤٨٩/١)، والحُمَيْمَة - كما جاء تعريفها في معجم البلدان أيضاً (٣٠٧/٢) -: بلفظ تصغير الحُمَة ، بلد من أرض الشراء من أعمال عمان في أطراف الشام كانتْ مَنزل بني العباس . (٣) في كتابه وفيات الأعيان ( ٢٧٥/٣) . (٤) في كتابه الكامل (٧٥٨/٢)، والنص هنا منقول بألفاظ مقاربة . ١٦٨ أحداث سنة ١١٩ هـ هشامٌ وَأَدْنَى مجلسَه، وأطْلَقَ له مئةً وثلاثين ألْف١ً) ، وجعل عليٍّ بنُ عبد الله يُوصِهِ بابنَيْه خَيْراً ، ويقول : إنَّهما سيليانِ الأمر ، فجعل هشامٌ يتعجَّبُ من سلامةِ باطنِهِ ، وينسُبُه في ذلك إلى الحُمْق ! فَوَقَع الأمرُ كما قال . قالوا : وقد كان عليٍّ في غايةِ الجمال ، وتمام القامة ، كان بين الناس كأنَّ راكبٌ ، وكان إلى مَنْكِبٍ أبيه عبدِ الله، وكان عبدُ الله إلى مَنْكِبِ أبيه العباس ، وكان العباسُ إلى مَنْكِبٍ أبيه عبد المطلب ، وقد بايع كثيرٌ من الناس لابنهِ محمدٍ بالخلافة قبلَ أن يموتَ عليٍّ هذا قبلَ هذه السنة بسنوات ، ولكنْ لم يظهرْ أمرُهُ حتى مات، فقام بالأمرِ مِنْ بعدِهِ ولَدُه عبدُ الله أبو العباس السفّاح ، وكان ظهورُه في سنة اثنتين وثلاثين كما سيأتي إن شاء الله تعالى . وممن تُوفِّي في هذه السنة : عمرو بن شعيب . وعُبَادَة بن نُسَيّ . وأبو صخرة جامعُ بن شدَّاد . وأبو عياش المعافري . ثم دخلت سنة تسع عشرة ومئة ففيها غزا الوليد بن القعقاع العَبْسي أرضَ الروم ، وفيها قتل أسَدُ بن عبد الله القَسْريُّ مَلِكَ التُّرْكِ الأعظم خاقان ، وكان سببَ ذلك أنَّ أسَدَ بن عبد الله أميرَ خُراسان عَمِلَ نيابةً عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق ، ثم سار بجيوشهِ إلى مدينةِ خُثَّل(٢) فافتتحها وتفرَّقتْ في أرضها جنودُه يقتلون ويأْسِرون ويغنمون ، فجاءتِ العيونُ إلى ملك الترك خاقان ، أنَّ جيشَ أسد قد تفرَّقَ في بلاد خُثَّل ، فاغتنم خاقانُ هذه الفرصة ، فركب من فَوْرِهِ في جنودِهِ قاصداً إلى أسد ، وتزوَّدَ خاقانُ وأصحابُه سلاحاً كثيراً وَقَدِيداً ومِلْحاً، وساروا في خَلْقٍ عظيم . وجاءتِ العين الصافيةُ إلى أسد ، فأعلمَتْهُ بقَصْدِ خاقانَ له في جيشٍ عظيمٍ كثيف، فتجهّزَ لذلك، وأخذَ أُهْبَتَه ، وأرسلَ من فَوْرِهِ إلى أطرافِ جيشهِ ، فَلَمَّها وأشاع بعضُ الناس أنَّ خَافَانَ قد هَجَمَ على أسَدِ بن عبد الله فقتَلَهُ وأصحابَه ، ليحصلَ بذلك خِذْلانٌ لأصحابِهِ فلا يجتمعونَ (١) الذي في الكامل: ((ثلاثون ألف درهم)). خُثَّل - بضم أوله وتشديد ثانيه وفتحه ــ كورة واسعة كثيرة المدن ، على تخوم السند يقال لقصبتها هلبك. قال الإصطخري : أول كورةٍ على جيحون من وراء النهر الختل والوخش ، وهما كورتان ، غير أنهما مجموعتان في عمل واحد ، انظر معجم البلدان (٣٤٦/٢). (٢) ١٦٩ أحداث سنة ١١٩ هـ إليه ، فرَدَّ الله كيدَهُمْ في نحورِهم ، وجعل تدميرَهم في تدبيرِهم ، وذلك أنَّ المسلمينَ لَمّا سمعوا بذلك أخذَتْهُمْ حَمِيَّةُ الإسلام وازدادوا حَنَقاً على عدوّهم ، وعَزَموا على الأخْذِ بالثأر ، فقصدوا الموضعَ الذي فيه أسَد ، فإذا هو حَيّ ، قد اجتمعتْ عليه العساكرُ من كلِّ جانب ، وسار أسَدٌ نحوَ خاقان ، حتى أتى جبل المِلْحِ ، وأراد أنْ يخوضَ نَهرَ بَلْخ ، وكان معهم أغنامٌ كثيرة ، فَكَرِهِ أَسَدٌ أنْ يتركَها وراءَ ظهرِه ، فأمر كلَّ فارِسٍ أَنْ يحمِلَ بين يديه شاةً وعلى عُنُقِهِ شاة ، وتوعَّدَ منْ لم يفعلْ ذلك بقَطْع اليد ، وحَمَل هو معه شاةً ، وخاضوا النهر ، فما خلَصُوا منه جيداً حتى دَهِمَهُم خاقانُ من ورائهم في خيلٍ دُهْم ، فقتلوا مَنْ وجدوه لم يقطَعِ النهرَ وبعضَ الضَّعَفَة ، فلما وقفوا على حافةِ النهر أحجموا وظَنَّ المسلمون أنَّهم لا يقطعون إليهم النهر ، فتشاور الأتراكُ فيما بينهم ثم اتفقوا على أنْ يحمِلوا حملةً واحدة ، وكانوا خمسين ألفاً ، فيقتحمون النهر فضربوا بكُوساتِهِمُ(١) ضرباً شديداً حتى ظنَّ المسلمون أنَّهم معهم في عسكرِهم ، ثم رَمَوا بأنفسِهم في النهر رَمْيَةَ رجلٍ واحد، فجعلَتْ خيولهُم تَنْخُرُ أشدَّ النَّخِيرِ ، وخرجوا منه إلى ناحيةِ المسلمين ، فثبتَ المسلمونَ في معسكرِهم ، وكانوا قد خَنْدَقوا حولَهم خندقاً لا يَخلُصون إليهم منه ، فباتَ الجيشانِ تتراءى ناراهما ، فلما أصبحا مالَ خاقان على بعض الجيوش ، فَقَتلَ منهم خلقاً، وأسَرَ أُمَماً، وأخَذَ أموالاً كثيرةً وإبلاً مُوقَرَة، ثم إنَّ الجيشَيْنِ تواجهوا في يومِ عيدِ الفِطْر ، حتى خاف جيشُ أسَدٍ أنْ لا يُصَلُّوا صلاةَ العِيد، فما صلَّوها إلَّ على وَجَل، ثم سار أسَدَّ بِمَنْ معه حتى نزلَ مَرْجَ بلخ، حتى انقَضَى الشتاء ، فلما كان يومُ عيدِ الأضحى خَطَبَ أسَدُ الناس واستشارَهم في الذهاب إلى مَزْو أو في لقاء خاقان ، أو في التحَصُّنِ بَبَلْخِ ، فمنهم مَنْ قال نتحصَّنُ ببلغ ، ونبعثُ إلى خالدٍ والخليفة ، ومن قائل يشير بالذهابِ إلى مَرْو، وأشار آخرون بِمُلتقاه والتوكُلِ على الله ، فوافق ذلك رأيَ أسَدِ الأسَدّ ، فقَصَد بجيشِهِ نحوَ خاقان ، وصلَّى بالناسِ ركعَتَيْنِ أطالَ فيهما ، ثم دعا بدعاءٍ طويل، ثم انصرف وهو يقول: نُصرتُمْ إن شاء الله - ثلاثاً. ثم سار بِمَنْ معه من المسلمين ، فالتقَتْ مقدِّمَتُهُ بمقدِّمةٍ خاقان ، فقَتَل المسلمون منهم بشراً كثيراً، وأسروا أميرَهم ، وسبعةً معه، ثم ساق أسدٌ فانتهى إلى أغنامِهم ، فاستاقها فإذا هي مئةُ ألف وخمسون ألف شاة ، ثم التقى معَهم ، وكان خاقانُ في هذا اليوم إنما معه أربعةُ آلاف أو نحوُها ومعه رجلٌ من العرَب قد خَامَرَ إليه يقالُ له الحارث بن شُرَيح ، فهو يدُلُّه على عَوْراتِ المسلمين ، فلما أقبَلَ الناسُ هَرَبتِ الأتراك في كلِّ جانب ، وانهزم خاقانُ ومعه الحارث بنُ شريح يحمِّيه ويُثبّتُه ، فتبعَهم أسد فلمَّا كان عندَ الظهيرة انخذلَ خاقانُ في أربعمئةٍ من أصحابهِ ، عليهمُ الخَزّ ، ومعَهم الكُوسات(٢) فلما أدركَهُ المسلمون أمرَ بالكوساتِ فضُربَتْ ضرباً شديداً ضَرْبَ الانصرافِ ثلاثَ مرَّات ، فلم يستطيعوا الانصراف ، فتقدَّم المسلمون فاحتاطوا على مُعسكرِهم فاحتازوه بما فيه من الأمتعةِ العَظيمة ، والأواني من الذهب (١) الكوسات : مفردها كُوس، بالضم، الطَّبْل. ويقال: هو معرَّب. لسان العرب ( كوس). (٢) تقدم شرح معناها في الحاشية السابقة . ١٧٠ أحداث سنة ١١٩ هـ والفِضَّة ، والنساء والصِّبْيانِ من الأتراك ومَنْ معَهم من الأسارى ، من المسلماتِ وغيرِهم مما لا يُحَدُّ ولا يُوصَف لِكَثْرَتِهِ، وعِظَم قِيمَتِهِ وحُسْنِهِ ، غيرَ أنَّ خاقان لَمَّا أحَسَّ بالهلاك ضرَب امرأتَهُ بخِنجَرٍ فقتَلَها ، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخرِ رَمَق ، تتحرَّك . ووجدوا قدورَهُم تغلي بأطعِماتِهم ، وهرب خاقانُ بمَنْ معه ، حتى دخل بعضَ المدن فتحصَّنَ بِها ، فاتَّفَق أنه لعب بالنَّرد مع بعضِ الأمراءِ فَغَلبه الأمير ، فتوَعَّدَه خاقانُ بقطع اليد ، فَحَنِقَ عليه ذلك الأمير ، ثم عَمِلَ على قتله فَقَتله ، وتفرَّقَتِ الأتراكُ فِرَقاً يَعْدو بعضُهم على بعض ، وينهَبُ بعضُهم بعضاً ، وبعثَ أسَدٌ إلى أخيه خالد يُعلِمه بما وقع من النصر والظّفَرِ بخاقان ، وبعث إليه بطبول خاقان ، وكانتْ كِباراً لها أصواتٌ كالرَّعْد وبشيءٍ كثيرٍ من حَوَاصله وأمتعتِه فَوَفَدَ بها خالدٌ إلى أمير المؤمنين هشام ، ففَرِح بذلك فرحاً شديداً، وأطلقَ للرُسُلِ أموالاً جَزِيلة كثيرة من بيتِ المال . وقد قال بعضُ الشعراء في أسَدٍ يَمْدَحُه على ذلك : تبينُ منها طولَها والعَرْضَا لو سرتَ في الأرضِ تَقِيسُ الأرضا من الأميرِ أسدٍ وأمْضَى لم تلقَ خيراً إمْرَةً ونقضا وجمَعَ الشَّمْلَ وكان ازْفَضَّا أفضى إلينا الخيرَ حتى أفضَى قد فَضَّ من جموعِهِ ما فَضَّا مافاتَهُ خاقانُ إلا رَكْضَا حمْضاً به تَشِفِي صُدَاعَ المَرْضَى يا بنَ شُرِيحٍ قَد لَقِيتَ حَمْضًا وفيها قتل خالدُ بن عبدِ الله القسري المغيرةَ بن سعيد وجماعةً من أصحَابِهِ الذين تابعوهُ على باطِله ، وكان هذا الرجلُ ساحراً فاجراً شِيعِيّاً خَبِيثاً . قال ابنُ جرير(١) : حدّثنا ابنُ حُميد، حدّثنا جرير عن الأعمش قال : سمعتُ المغيرةَ بنَ سعيد يقول: لو أرادَ عليّ(٢) أنْ يُحيي عاداً وثمودَ وقُروناً لأحياهم . قال الأعمش : وكان المغيرةُ هذا يَخرجُ إلى المَقْبُرَةِ فيتكلّم فيرَى مثلَ الجَرَاد على القبور أو نحو هذا من الكلام . وذكر ابنُ جَرِيرٍ له غيرَ ذلك من الأحوال(٣) التي تدلُّ على سِحْرِهِ وفُجورِه ، ولما بلغ خالداً أمرُه أمرَ بإحضاره ، فجيء به في ستةِ نفر أو سبعةِ نفر ، فأمر خالد فأبرزَ سريره إلى المسجد ، وأمرَ بإحضار أطنانِ(٤) القَصَب والنَّفط فصُبَّ فوقها، وأمَر المغيرةَ أنْ يحتضنَ طناً منها فامتنع، فضُرب حتى احتَضَن منها واحداً وصُبَّ فوقَ رأسِه النِّقط ، ثم أُضرم بالنار ، وكذلك فعل ببقيّة أصحابه . وفي هذه السنة خرج رجلٌ يُقال له بهلول بن بشر ، ويُلَقَّب بكثارة ، واتبعه جماعاتٌ من الخوارج دون (١) يعني الطبري في تاريخه (١٧٤/٤). (٢) سقطت كلمة ((علي)) من تاريخ الطبري، و (ق)، وهي مثبتة في ( ب، ح ). (٣) في ( ق ) الأشياء ، والمثبت من ( ب، ح ) . (٤) في (ق): ((أطناب)) والمثبت من ( ب) وتاريخ الطبري (٤/ ١٧٥). ١٧١ أحداث سنة ١٢٠ هـ المئة ، وأمرهم أن يقتلوا خالداً القَسْري ، فبعث إليهم البُعوث ، فكسروا الجيوش واستفحل أمرُهم جدّاً لشجاعتهم وجلَدِهم ، وقلةِ نُصح من يقاتلُهم من الجيوش ، فردُوا العساكرَ من الألوفِ المؤلّفة ذواتٍ الأسلحةِ والخيل المسؤَّمة ، هذا وهم لم يبلغوا المئة ، ثم إنَّهم راموا قدومَ الشام لقَتْلِ الخليفة هشام فصَمَدو(١) نحوَها، فاعترضهم جيشٌ بأرضِ الجزيرة ، فاقتَتَلوا معهم قتالاً عظيماً ، وقُتل عامَهُ أصحابِ بُهلول الخارجي ، ثم إنَّ رجلاً من جَدِيلةَ يُكْنَى أبا الموت، ضرَبَ بُهلولا ضربةً فصَرَعه ، وتفرَّقَتْ عنه بقيةُ أصحابه ، وكان جميعُهم سبعين رجلاً ، وقد رثاهُمْ بعض أصحابِهم فقال : قوماً عليَّ مع الأحزابِ أعوانا بدلت بعد أبي بشر وصحبته ولم يكونوا لنا بالأمْسِ خِلاَّنا بانوا كأن لم يكونوا من صحابَتِنا وابكي لنا صُحبةً بانُوا وجيرانا يا عينُ أذْرِي دموعاً منكِ تهتاناً وأصبحوا في جِنانِ الخُلْدِ جِيراِا(٢) خَلُّوا لنا ظاهرَ الدنيا وباطنَها ثم تجمّع طائفةٌ منهم أخرى على بعضٍ أُمرائهم فقاتلوا وقُتلوا ، وجهَّزَ إليهم خالدٌ الجيوش ، ولم يَزِلْ حتى أباد خضراءَهم ، ولم يبق لهم باقية . وفيها غزا أسَدُ القَسْريُّ بلادَ التُّرك ، فعرض عليه مَلِكُهم بدر طُرْخان ألف ألف فلم يقبَلْ منه شيئاً ، وأخَذَهُ قَهْراً فقتلَهُ صبراً بين يديه، وأخذَ مدينتَه وقلعتَه، وحَوَاصلَهُ ونساءَه وأموالهُ وأملاكَه . وفيها خرج الصَّحاريُّ بن شَبِيب الخارجي ، واتبعه طائفةٌ قليلة نحوٌ من ثلاثينَ رجلاً ، فبعث إليهم خالدٌ القَسْري جُنداً ، فقتلوهُ وجميعَ أصحابه ، فلم يتركوا منهم رجلاً واحداً . وحجَّ بالناسِ في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك ، وحجّ معه ابنُ شهابِ الزُّهْرِيّ ليُعَلِّمُهُ مناسكَ الحَجِّ وشؤونه، وكان أميرُ مكةَ والمدينةِ والطائفِ محمد بن هشام بن إسماعيل ، وأميرُ العراق والمشرق بكمالِه خالد بن عبد الله القسري ، ونائبه على خُراسان بكمالِها أخوهُ أسد بن عبد الله القسري ، وقد قيل ؛ إنَّه تُوفِّي في هذه السنة ، وقيل في سنةِ عشرين . فالله أعلم . ونائبُ أزْمِينِيةَ وأذْرَبيجان مروان بن محمد بن مروان الملقب بالحمار . والله أعلم . سنة عشرين ومئة من الهجرة فيها غزا سُليمان بن هشام بن عبد الملك بلادَ الروم وافتتح هنالكَ خُصوناً . وفيها غزا إسحاق بن مسلم العُقيلي تومان شاه وافتتحها وخرّب أراضيها . (١) في (ق): ((فقصدوا)) والمثبت من (ب، ح) وهما بمعنى. (٢) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري (٤/ ١٧٧) . ١٧٢ أحداث سنة ١٢٠ هـ وفيها غزا مروانُ بن محمد الحمار بلادَ الترك . وفيها كانتْ وفاةُ أسد بن عبد الله القَسْري أمير خُراسان وأعمالها ، نيابةً عن أخيه خالد بن عبد الله ، وكانتْ وفاته بسببِ أنَّه كانتْ لهُ دُبيلة في جَوْفِهِ ، فلما كان مِهْر جانُ هذه السنة قَدِمَتِ الدَّهاقينُ - وهم أُمراء المدن الكبار - من سائر البلدان بالهدايا والتُّحَف على أسَد ، وكان فيمن قَدِم نائبُ هَرَاةَ ودِهْقانُها واسم دهقانها خُراسان شاه، فقَدِمَ بِهدايا عظيمة، وتُحَفِ عَزيزه (١) ، وكان من جُملةِ ذلك قصرٌ من ذهب ، وقصر من فِضَّة ، وأباريق من ذهب، وصِحَافٌ من ذهبٍ وفِضَّة، وتفاصيلَ من حَريرِ تلك البلاد ، ألوان ملونة(٢) ، فوَضع ذلك كُلَّه بين يدَيْ أسد ، حتى امتلأ المجلس ، ثم قام الدِّهْقَانُ خَطِيباً ، فامتدح أسَداً بخصالٍ حسَنة، على عَقْلِه ورِياسَتِهِ وعَدْلِهِ، ومَنْعِه أهلَهُ وخاصَّتَهُ أن يظلِمُوا أحداً من الرَّعَايا بشيءٍ قَلَّ أو كَثُر ، وأنه قهر الخاقان الأعظم ، وكان في مئة ألف فكسرَهُ وقتَلَه ، وأنَّهُ يَفرَحُ بما يَفِدُ إليه من الأموال ، وهو بما خرج من عِندِه أفرَحُ وأشدُّ سُروراً، فأثنى عليه أسَد ، وأجلَسَهُ ، ثم فرَّقَ أسَدٌ جميعَ تلك الهدايا والأموال ، وما هناك أجمَع على الأمراء والأكابرِ بين يديه ، حتى لم يبقَ منه شيء ، ثم قام من مجلسِه وهو عليلٌ من تلك الدُّبَيْلة ، ثم أفاقَ إفاقةً وجيء بهديَّةِ كُمَّثْرَى ، فجعل يفرَّقُها على الحاضرينَ واحدةً واحدة ، فألفَى إلى دِهْقانِ خُراسانَ واحدة ، فانفجرَت دُبَيْلَتُه، وكان فيها حَتْفُه ، واستخلف على عملهِ جعفرَ بن حَنْظَلَةَ البَهْراني ، فمكثَ أميراً أربعةَ أشهر ، حتى جاء عَهْدُ نصرٍ بن سَيَّر في رجبٍ منها ، فعلى هذا تكونُ وفاةُ أسدٍ في صفَر من هذه السنة ، وقد قال ابنُ عرس العَبْدي يرثيه : فرِيعَ القلب للمَلِكِ المُطَاعِ نَعَى أسدَ بنَ عبد الله ناعِ وما لقضاء رَبِّكَ مِن دِفَاعِ يِبِلْخٍ وافَقَ المقدار(٣) يسري ألم يَحْزُنْكِ تَفْرِيقُ الجِمَاعِ فجودي عينُ بالعَبَراتِ سَحّاً وكم بالصِّيغِ من بطلٍ شُجاعٍ أتاهُ حِمَامُهُ فِي جَوْفِ صِيْغُ(٤ على جُردٍ مُسَوَّمَةٍ سِرَاع كتائبُ قد يُجيبونَ المنادي مَرِيعاً عند مُزْتادِ النِّجَاعِ سُقِيتَ الغَيْثَ إِنَّكَ كُنْتَ غَيْئاً وفيها عزل هشامٌ خالدَ بنَ عبدِ الله القَسْري عن نيابةِ العراق ، وذلك أنَّه انحصرَ منه ، لما كان يَبْلُغه من إطلاقٍ عبارةٍ فيه ، وأنه كان يقول عنه: ابن الحمقاء ، وكتب إليه كتاباً فيه غِلْظة، فردَّ عليه هشامٌ ردّاً (١) في (ح): ((غزيرة))، والمثبت من ( ب، ق ). (٢) ((ألوان ملونة)) ليست في ( ب، ح ). (٣) في (ب، ح): ((المرار)). صيغ - بالكسر ثم السكون وآخره غين معجمة بلفظ لم يسم فاعله من ماضي صاغ يصوغ - : ناحية من نواحي (٤) خُراسان . قال ياقوت : كان بها مَهْلِكُ أسد بن عبد الله القسري. معجم البلدان ( ٤٣٩/٣). ١٧٣ أحداث سنة ١٢٠ هـ عَنِيفاً. ويقال : إنَّه حسَدَه على سَعَةِ ما حَصَل له من الأموال والحواصل والغَلَّت، حتى قيل إنه كان دَخْلُه في كلِّ سنةٍ ثلاثةَ عشرَ ألف ألف دينار ، وقيل : دِرْهَم . ولِولدِه يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف . وقيل إنه وفَد إليه رجلٌ من ألزامٍ أمير المؤمنين من قريش يقالُ له ابنَ عمرو ، فلم يُرحِّبْ به ولم يَعْبأ به ، فكتب إليه هشامٌ يُعنِّفُه ويُبَكِّتُه علىَ ذلك، وأنَّه حالَ وصولِ هذا الكتاب إليه يقومُ مِن فَوْرِهِ بِمَنْ حَوْلَه من أهلِ مجلسِه ، فينطلق على قدمَيْهِ حتى يأتيَ بابَ ابن عمرو صاغراً ذليلاً مستأذناً عليه ، متنصِّلاً إليه مما وقع ، فإن أذِنَ لك، وإلَّ فَقِفْ على بابِهِ حَوْلًا غيرَ مُتَحَلِّلٍ من مكانِكَ ولا زائل، ثم أمْرُكَ إليه إنْ شاء عزلك، وإن شاء أبقاك، وإن شاء انتصر ، وإنْ شاء عَفَا، وكتب إلى ابن عمرٍو يُعلِمُه بما كتب إلى خالد، وأمَرَهُ إنْ وقف بين يديه أنْ يَضْربَهُ عشرين سَوْطاً على رأسه إنْ رأى ذلك مصلحة . ثم إنَّ هشاماً عزَلَ خالداً وأخفَى ذلك، وبعث البريدَ إلى نائبهِ على اليمن ، وهو يوسف بن عمر ، فولَاهُ إمْرَةَ العراق، وأمَرَهُ بالمَسيرِ إليها والقدوم عليها في ثلاثينَ راكباً ، فقدموا الكوفة وقت السَّحَر ، فدخلوها ، فلما أذَّنَ المؤذِّنُ أمَرَهُ يوسفُ بالإقامةَ، فقال: إلى أنْ يأتيَ الإمامُ - يعني خالداً - فانتهرَهُ، وأمرَهُ بالإقامة، وتقدَّمَ يوسفُ فصلَّى وقرأ: ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، و﴿ سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ ثم انصرف ، فبعثَ إلى خالدٍ وطارقٍ وأصحابِهما فأُحضِروا، فأخذ منهم أموالاً كثيرة، صادَرَ خالداً بمئة ألف ألف دِرْهَم . وكانتْ وِلايةُ خالدٍ على العراق في شوالَ سنةً خمسين ومئة ، وعزل عنها في جمادى الأولى من هذه السنة ، أعني سنة عشرين ومئة ، وفي هذا الشهر قَدِمَ يوسفُ بنُ عمر على ولاية العراق مكانَ خالد بن عبد الله القسري ، واستنابَ على خُراسان جُدَيْع بن علي الكَرْماني ، وعَزَل جعفرَ بن حَنْظلةَ الذي كان استنابَهُ أسَد ، ثم إنَّ يوسف بن عمر عزل جُدَيعاً في هذه السنة عن خُراسان وولَّى عليها نَصْرَ بن سَيَّار ، وذهب جميعُ ما كان اقتناهُ وحَصَّلَهُ خالدٌ من العَقَار والأملاك وَهْلَةً واحدة ، وقد كان أشار عليه بعضُ أصحابِه لما بلغهم عَتْبُ هشامٍ عليه ، أنْ يبعثَ إليه يعرِضُ عليه بعضَ أملاكِه ، فما أحَبَّ منها أخَذَه ، وما شاء تَرَك ، وقالوا له : لأنْ يذَهبَ البعضُ ويبقَى البعضُ خيرٌ من أنْ يذهبَ الجميعُ مع العَزْل والإخراق ، فامتنع من ذلك واغترَّ بالدنيا ، وعزَّتْ نفسُهُ عليه أنْ يَذِلّ، ففجأَهُ العَزْل ، وذهب ما كان حَصَّلَهُ وجمعَه ومنعَه ، واستقرَّتْ ولايةُ يوسفَ بنِ عمر على العِراقِ وخُراسان، واستقرَّتْ ولايَتُهُ لِنَصْرِ بن سَيَّر على خُراسان ، فتمهَّدَتِ البلاد ، وأَمِنَ العباد ولله الحمد والمنة . وقد قال سوار بن الأشعر(١) في ذلك : أضْحَتْ خُراسانُ بعدَ الخَوْفِ آمنةً من ظُلم كلِّ غَشُومِ الحُكْمِ جَبَّارِ (١) في ق: ((الأشعري))، وفي (ب، ح) ((الأشقر))، وما أثبتناه موافق لما في تاريخ الطبري وكامل ابن الأثير. وذكره ابن ماكولا في الإكمال ٨٩/١ فقال: (( سوار بن الأشعر التميمي كان يلي شرطة سجستان فغلب عليها أيام الفتنة)) ( بشار ) . ١٧٤ أحداث سنة ١٢١ هـ لَمَّا أَتَى يوسفاً أخبارُ ما لَقِيَتْ إِختارَ نَصْراً لها نصرَ بنَ سَيَّارِ وفي هذه السنة استبطأتْ شيعةُ آلِ العباس كتابَ محمدٍ بن علي إليهم ، وقد كان عَتَب عليهم في اتباعِهم ذلك الزَّنْدِيقِ الملقَّب بَخِدَاش، وكان خُرَّمِيّاً، وهو الذي أحلَّ لهمُ المُنكراتِ، وولى (١) المحارم والمصاهرات ، فقتله خالدٌ القَسْري كما تقدَّم ، فَعَتب عليهم محمد بن علي في تصديقهم له ، واتباعِهم إيَّاه على الباطل ، فلما استبطؤوا كتابَهُ إليهم بعثوا إليهِ رسولا يخبر لهم أمرَه ، فلما جاء الرسول أعلمه محمدٌ بماذا عَتَب عليهم في قضية خِدَاش الخُرَّمي ، وأرسل مع الرسول كتاباً مختوماً ، فلما فتحوه لم يجدوا فيه سوى : بسم الله الرحمن الرحيم ، تعلّموا أنَّه إنما تعتَّبَ عليكم بسبب الخُرَّمي ، ثم أرسلَ رسولاً إليهم ، فلم يصدِّفْه كثيرٌ منهم وهَقُّوا به ، ثم جاءتْ من جهتِهِ عَصا مَلْوِيٌّ عليها حديدٌ ونُحاس ، فعلموا أنَ هذا إشارةٌ لهم إلى أنَّهم عصاة ، وأنَّهم مختلفون كاختلافِ ألوانِ النُّحاسِ والحديد . قال ابنُ جَرِير(٢) : وحجَّ بالناسِ في هذه السنة محمد بن هشام بن إسماعيل المَخْزومي فيما قالهُ أبو معشر . قال : وقد قيل : إنَّ الذي حجّ بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك ، وقيل : ابنُه يزيد بن هشام . فالله سبحانه وتعالى أعلم . ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومئة ففيها غزا مسلمةُ بنُ هشام بلاد الرُّوم ، فافتتحَ مَطَامِير - وهو حِصْن - وافتتح مروان بن محمد بلادَ صاحبِ الذهب . وأخذ قِلاعَهُ وخرَّب أرضَه ، فأذعن له بالجِزْيةِ في كُلِّ سنة بألف رأسٍ يؤدِّيها إليه وأعطاه رَهْناً على ذلك . وفيها في صَفَرَ قُتل زيدُ بن علي بن الحسين بن عليٍّ بن أبي طالب الذي تنتسبُ إليه الطائفةُ الزَّيدية في قولِ الواقدي ، وقال هشام الكلبي : إنما قُتل في صفر من سنةٍ ثنتينٍ وعشرين . فالله أعلم . وقد ساقَ محمدُ بنُ جرير(٣) سببَ مَقتَله في هذه السنة تبعاً للواقدي ، وهو أنَّ زيداً هذا وفَدَ على يوسف بن عمر ، فسأله : هل أودَعَ خالدٌ القَسْريُّ عندَك مالاً ؟! فقال له زيد بن علي : كيف يودعني الرجل مالاً وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة ؟ فأحلَفهُ أنَّه ما أودعَ عنده شيئاً ، فأمر يوسف بن عمر بإحضار خالدٍ من السجن ، فجيء به في عباءة ، فقال : أنتَ أودعتَ هذا شيئاً نستخلصُه منه؟ قال : لا ، وكيف وأنا أشتُمُ أباهُ كلَّ جمعة ؟! فتركه عمر ، وأعلمَ أميرَ المؤمنين بذلك ، فعفا عن ذلك . يقال : بلٍ (١) كذا في (ب، ح)، وفي (ق): ((ودَّس)). (٢) في كتابه تاريخ الطبري (٤/ ١٩٢). (٣) في تاريخه (٤/ ١٩٣) . ١٧٥ وفيات سنة ١٢١ هـ استحضرَهم فحلفوا بما حلفوا ، ثم إنَّ طائفةً من الشِّيعة التفَّتْ على زيد بن علي ، وكانوا نحواً من أربعين ألفاً ، فنهاهُ بعضُ النُّصحَاءِ عن الخروج ، وهو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، وقال له : إنَّ جدَّكَ خيرٌ منكَ، وقد التفَّتْ على بيعَتِه من أهل العراق ثمانون ألفاً ، ثم إنّهم خانوهُ أحوجَ ما كان إليهم ، وإني أحَذِّرُكَ من أهلِ العراق . فلم يقَبِلْ، بلِ استمرَّ يبايع الناس في الباطن في الكوفة على كتابِ الله وسنةٍ رسولِه ، حتى استفحلَ أمرُهُ بها في الساكن ، وهو يتحوَّلُ من مَنْزل إلى مَنْزل ، وما زال كذلك حتى دخلت سنةُ ثنتين وعشرين ومئة ، فكان فيها مَقتَلُه كما سنذكر قريباً . وفيها غزا نَصْرُ بنُ سَيَّر أميرُ خراسانَ غَزَوَاتٍ متعدِّدةٍ في التُّرْكِ، وأَسَرَ مَلِكَهم كورصول في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفهُ ، فلما تيقَّنَهُ وتحقَّقه سأل منه كورصول أن يُطلقَه على أنْ يُرسلَ له ألفَ بعيرٍ من إِبلِ التُّرك - وهي البَخَاتِيّ - وألف بِرْذَوْن، وهو مع ذلك شيخٌ كبيرٌ جدّاً، فشاورَ نصرٌ مَنْ بحضرتِهِ من الأمراء في ذلك ، فمنهم مَنْ أشارَ بإطلاقِهِ ، ومنهم من أشارَ بقتلِه، ثم سأله نَصْرُ بن سيَّار : كم غزَوْتَ من غزوة ؟ فقال : ثنتين وسبعين غزوة . فقال له نصر: ما مِثْلُكَ يُطلق ، وقد شهدتَ هذا كلَّه! ثم أمَرَ به فضُربَتْ عُنقه ، وصَلَبَه . فلما بلغَ ذلك جيشَهُ من قَتْلِه باتوا تلك الليلة يجعُرون ويبكون عليه وجَدُّوا لِحاهم وشعورَهم وقطَعوا آذانَهم، وحرقوا خياماً كثيرةً وقتلوا أنعاماً كثيرة . فلما أصبح أمرَ نصرٌ بإحراقِهِ لئلا يأخذوا جُثَّته ، فكان حريقُه أشدَّ عليهم من قتلِه . وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين ، ثم كرَّ نصرٌ على بلادِهم فقتل منهم خلقاً وأسَرَ أُمَماً لا يُحصَوْنَ كثرةً، وكان فيمَنْ حضر بين يديه عجوزٌ كبيرةٌ جدّاً من الأعاجم أو الأتراك . وهي من بيت مملكة ، فقالت لنصرِ بن سَيَّر : كلُّ ملكِ لا يكونُ عندَهُ ستةُ أشياء فهو ليس بملك : وزيرٌ صادقٌ يَفصِلُ خصوماتِ الناس ، ويشاوِرُه ويناصحُه، وطبَّاخٌ يصنَعُ له ما يشتهيه ، وزوجةٌ حسناءُ إذا دخل عليها مغتَمّاً فنظر إليها سَرَّتْهُ وذهبَ غَقُّه ، وحِصْنٌ مَنِيعٌ إذا فَزِعَ رعاياهُ لجَؤوا إليه فيه ، وسيفٌ إذا قارعَ به الأقرانَ لم يخشَ خيانتَه ، وذخيرةٌ إذا حملها فأينَ ما وقع من الأرض عاش بِها . وحجَّ بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائبُ مكةَ والمدينةِ والطائف ، ونائبُ العراق يوسف بن عمر ، ونائبُ خُراسان نصرُ بن سَيَّار ، وعلى أزْمِينيَةَ مروان بن محمد بن مروان الحمار . ذكرُ مَنْ تُوِّيَ فيها من الأعيان : زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(١) : والمشهور أنه قُتل في التي بعدَها كما سيأتي بيانُه إنْ شاء الله . (١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٣٢٥/٥)، طبقات خليفة (٢٥٨)، التاريخ الكبير (٤٠٣/٣) ، الجرح والتعديل (٥٦٨/٣)، مشاهير علماء الأمصار ص (٦٣)، مقاتل الطالبيين (١٢٧)، بغية الطلب في تاريخ حلب (٤٠٢٧/٩)، البدء والتاريخ (٤٩/٦)، وفيات الأعيان (١٢٢/٥)، تهذيب الكمال (٩٥/١٠)، الرياض النضرة (٣٨٤/١)، تهذيب التهذيب (٣٦٢/٣)، تقريب التهذيب ص (٢٢٤). ١٧٦ وفيات سنة ١٢١ هـ مْلَمة بن عبد الملك(١) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القُرَشيُّ الأمَويّ ، أبو سعيد وأبو الأصْبَغ الدمشقي . قال ابن عساكر(٢) : وداره بدمشق في مَحَلَّةِ القِباب عند بابِ الجامع القبلي ، ووَلِيَ المَوْسِمَ أيَّام أخيه الوليد، وغزا الرُّوم غزواتٍ، وحاصرَ القُسْطَنْطِينيّةَ وولَّاهُ أخوهُ يزيدُ إمرةَ الَعِراقينِ ثم عزله ، ووُلِّي أرمِينية . وروى الحديث عن عمرَ بن عبد العزيز . وعنه عبدُ الملك بن أبي عثمان ، وعُبيد الله بن قُزَعَة ، وعُيينة والدُسفيانَ بنِ عينية بن أبي عمران(٣)، ومعاوية بن حُدَيجُ(٤) ، ويحيى بن يحيى الغساني . قال الزُّبير بن بكَّار : كان مسلمةُ من رجالٍ بني أمية ، وكان يلقب بالجرَادةِ الصفراء ، وله آثارٌ كثيرة وحروبٌ ونِگایةٌ في الرُّوم . قلت : وقد فَتَح حصوناً كثيرةً من بلادِهم ، ولما وَلِي أرمينيَة غزا التُّرك فبلغ بابَ الأبواب فهدَم المدينة التي عندَه ، ثم أعادَ بناءَها بعد تسع سنين . وفي سنة ثمانٍ وتسعين غزا القُسْطنطينِيَّة فحاصرَها وافتتحَ مدينةً الصَّقَالِبَة، وكسر مَلِكَ الْبُرْجَارُ(٥) ، ثم عاد إلى محاصرة القُسْطنطِنِيَّة . قال الأوزاعي : فأخذَهُ وهو يُغازيهم صُدَاعٌ عظيمٌ في رأسِهِ ، فبعث ملكُ الرُّوم إليه بقَلَنْسُوَة ، وقال : ضعَها على رأسِكَ يذْهَبْ صُداعُك. فخَشي أنْ تكونَ مَكِيدةً ، فوضعها على رأسِ بهيمةٍ فلم يرَ إلَّ خيراً ، ثم وضعها على رأسٍ بعض أصحابِه فلم يرَ إلَّ خيراً، فوضعَها على رأسِه فذَهَبَ صُدَاعُه ، ففتقَها فإذا فيها ﴿ إِنَّاللَّهَ يُمْسِلُكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَيِنِ زَالَتَآَ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنْ بَعْدِهِ: إِنَّهُ سبعون سطراً هذه الآية : كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١]، مكررة، لا غير. رواهُ ابنُ عساكر(٦). وقد لَقِيَ مسْلمةُ في حصاره القُسْطنطينيّة شدَّةٌ عظيمة ، وجاع المسلمونَ عندَها جُوعاً شديداً ، فلما وُلِّيَ عمرُ بن عبد العزيز أرسل إليهمُ البريدَ يأمرُهم بالقُفول، فحَلَفَ مَسْلمةُ أنْ لا يُقلِعَ عنهم حتى يبنوا له (١) ترجمته في تاريخ خليفة (٣٠١)، التاريخ الكبير (٣٨٧/٣)، الجرح والتعديل (٢٦٦/٨)، تهذيب الكمال (٥٦٢/٢٧)، سير أعلام النبلاء (٢٤١/٥)، تاريخ الإسلام (٣٠٢/٤)، تهذيب التهذيب (١٠ / ١٤٤). (٢) انظر مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (٢٤/ ٢٦٣). في (ق): ((وابن أبي عمران)) تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح)، ومصادر ترجمة سفيان. (٣) (٤) صحفت في (ق) إلى ((خديج)). (٥) بُرْجَان : جنس من الروم يُسمَّون كذلك . قال الأعشى : وهرقل يوم ذي ساتيدما لسان العرب ( برج ) . (٦) انظر مختصره لابن منظور (٢٤/ ٢٦٦). من بني برجان في البأس رجح ١٧٧ وفيات سنة ١٢١ هـ جامعاً كبيراً بالقُسْطنطِنِيَّةُ(١) . فَبَنوا بها جامعاً ومنارةً، فهو بها إلى الآن يُصلِّي فيه المسلمون الجُمعة والجماعة . قلتُ : وهي آخر ما يفتَحُه المسلمونَ قبلَ خروجِ الدجَّال في آخرِ الزمان ، كما سنوِرِدُه في الملاحم والفِتَن من الحديث الصحيح عند مسلم رحمه الله(٢). وبالجملة كانت لمسلمةَ مواقفُ مشهورةٌ مشهودة ، وغزوات متتالية منثورة محمودة ، وقد افتتح حصوناً وقلاعاً ، وأحيا بعزمِهِ قصوراً وبقاعاً ، وكان في زمانه في الغزوات نظيرَ خالدِ بن الوليد في أيامه في كثرةٍ مَغَازيه ، وكثرةٍ فُتوحه ، وقوَّةِ عزمه ، وشدةٍ بأسِه ، وجَوْدَةِ تصرُّفِه في نقضِهِ وإبرامِهِ، وهذا مع الكرم والفصاحة ، والرياسةِ والسَّماحة ، والأصالةِ والرجاحة. ومن كلام الحسن قوله : مروءتان ظاهرتان : الرياش والفصاحة . وقال يوماً لِنُصَيبِ الشاعر : سلني . قال : لا . قال : ولم ؟ قال: لأنَّ كفَّكَ بالجزيلِ أكثرُ من مسألتي باللسان. فأعطاهُ ألفَ دينار. وقال أيضاً : الأنبياءُ لا يتثاءَبونَ كما يتثاءبُ الناس ، ما تثاءَبَ نبِيٌّ قَطّ . وقد أوصىَ بثُلثِ مالِه لأهلِ الأدب وقال: إنها صِناعةٌ مَجْفُوٌّ أهلُها . وقال الوليد بن مسلم وغيره : توفي يوم الأربعاء لسبعٍ مَضَيْنَ من المحرَّم ، سنة إحدى وعشرين ومئة . وقيل : في سنة عشرين ومئة . وكانت وفاته بموضعٍ يُقالُ له الحانوت . وقد رثاه بعضُهم وهو ابنُ أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال : أقول وما البعدُ إلَّ الرَّدَى أمَسْلَمُ لا تَبْعِدَنْ مَسْلَمَهْ مضِيئاً فقد أصبحتْ مُظِلِمَهْ فقد كنتَ نوراً لنا في البلادِ فَأَبْدَى اليقينُ عنِ الجُمْجُمَه ونَكْتُمُ مَوْتَكَ نخشَى اليقينَ ثُمَيْر بن أُوَيس(٣) الأشعري ، قاضي دمشق ، تابعيٌّ جَلِيل ، روى عن حُذيفة مرسلاً ، وأبي موسى مرسلاً ، وأبي الدرداء ، وعن معاوية مرسلاً ، وعن غيرٍ واحدٍ من التابعين . وحدَّث عنه جماعةٌ كثيرون ، منهم الأوزاعي ، وسعيد بن عبد العزيز ، ويحيى بن الحارث الذِّمَارِي . (١) جاء في معجم البلدان لياقوت (٢٦١/١) في رسم ((أندس)) بضم الدال المهملة والسين مهملة أيضاً مدينة على غربي خليج القسطنطينية بين جبلين بينها وبين القسطنطينية ميل ، في مستو من الأرض ، وبأندس مسجدٌ بناهُ مسلمةُ بن عَبد الملك في بعضٍ غزواته . في (ق): ((من كتابنا هذا إن شاء الله. ونذكر الأحاديث الواردة في ذلك هناك)) بدل (( الحديث الصحيح عند مسلم (٢) رحمه الله)) والمثبت من ( ب، ح). على أن السلطان محمداً الفاتح قد افتتحها سنة ١٤٥٣ م. (٣) في (ق): ((نمير بن قيس)) تصحيف، والمثبت من ( ب، ح)، ومصادر ترجمته وهي : طبقات ابن سعد (٤٥٦/٧)، التاريخ الكبير (١١٧/٨)، الجرح والتعديل (٤٩٨/٨)، الاستيعاب (١٥١١/٤)، تهذيب الكمال (٢١/٣٠)، الكاشف (٣٢٦/٢)، تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل ص (٣٢٩)، تهذيب التهذيب (١٠ /٤٢٤)، الإصابة (٥١١/٦). ١٧٨ أحداث سنة ١٢٢ هـ ولَّهُ هشام بنُ عبد الملك القضاءَ بعدَ عبد الرحمن بن الخشخاش العُذْري ، ثم استعفى هشاماً فأعفاهُ ، وولّى مكانه يزيدَ بن عبد الرحمن بن أبي مالك ، وكان نُمَيرٌ هذا لا يحكمُ باليمينِ مع الشاهد ، وكان يقول : الأدَبُ من الآباء ، والصلاحُ من الله . وقال غيرُ واحد : تُوفِّي سنة إحدى وعشرين ومئة . وقيل : سنة ثنتين وعشرين ومئة . وقيل : سنة خمس عشرة ومئة - وهذا غريب جدّاً - والله سبحانه أعلم . ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومئة ففيها كان مَقْتَلُ زيدٍ بن عليٍّ بنِ الحُسين بن عليٍّ بن أبي طالب(١)، وكان سببُ ذلك أنَّه لَمَّا أَخذَ البَيْعَةَ مِمَّنْ بايَعَهُ من أهلِ الكوفة أمرَهم في أوَّلِ هذه السنةِ بالخُروجِ والتأهُّبِ له . فشرّعوا في أخْذِ الأُهْبَةِ لذلك ، فانطلق رجلٌ يقالُ له سليمان بن سُرَاقة إلى يوسف بنِ عمر نائبِ العراق ، فأخبره - وهو بالحِيرَةِ يومئذٍ - خبرَ زيدِ بن علي على هذا، وعندَ مَنْ يكونُ من أهلِ الكوفة ، فبعثَ يوسفُ بن عمر يتطلَّبُه ويُلِخُ في تطَلُّبِهِ ، فلما علمتِ الشيعةُ ذلك اجتمعوا عند زَيد بن عليٍّ فقالوا له : ما قولُك - يرحمك الله - في أبي بكرٍ وعمر ؟ فقال : غفر الله لهما ، ما سمعتُ أحداً من أهلِ بيتي تبرَّأ منهما ، ولا يقولُ فيهما إلا خيراً . قالوا : فلم تطلُبْ إذاً بِدَم أهل البيت ؟ فقال: إنَّا كُنَّا أحَقَّ الناسِ بهذا الأمر، ولكنَّ القومَ استأثروا علينا به ، ودفعونا عنه ، ولم يَبلُغْ ذلك عندنا بِهِم كُفراً، وقد وَلُوا فعَدَلوا، وعمِلوا بالكتاب والسنَّةَ . قالوا : فِلِمَ تُقاتِلُ هؤلاءِ إذاً؟ قال : إنَّ هؤلاء ليسوا كأولئك، إنَّ هؤلاءِ ظلموا الناسَ وظلموا أنفسَهم ، وإني أدعو إلى كتابِ الله وسنة نبيهََِّ، وإحياء السُّنَن، وإماتةِ البِدَع، فإن تسمعوا يَكُنْ خيراً لكم ولي ، وإن تأبَوْا فلستُ عليكم بوَكِيل . فرفضوهُ وانصرفوا عنه، ونقَضُوا بيعتَه وتركوه . فلهذا سُمُّوا الرَّافِضَةَ يومئذٍ ، ومَنْ تابعه من الناس على قولِهِ سُمُّوا الزَّيْدِيَّة ، وغالب أهلِ الكوفةِ منهم رافضة ، وغالبُ أهلِ مكةَ إلى اليوم على مذهبِ الزَّيدية ، وفي مذهبهم حق ، وهو تَعْدِيلُ الشيخَيْن ، وباطلٌ وهو اعتقادُ تقديمٍ عليٍّ عليهما ، وليس عليٍّ مقدَّماً عليهما ، بل ولا عثمان على أصَحِّ قَوْلَيْ أهلِ السنَّةِ الثابتة والآثار الصحيحة الثابتةِ عن الصحابة رضي الله عنهم . وقد ذكرنا ذلك في سيرةٍ أبي بكرٍ وعمر فيما تقدَّم . ثم إنَّ زيداً عزَمَ على الخروج بِمَنْ بَقِيَ معه من أصحابهِ ، فواعَدَهم ليلةَ الأربعاء مُستَهَلَّ صَفَر من هذه السنة ، فبلغ ذلك يوسفَ بنَ عمر فكتب إلى نائبِهِ على الكوفة - وهو الحكم بن الصَّلتْ - يأمرُهُ بِجَمْعِ الناسِ كلِّهم في المسجدِ الجامع ، فجمعَ الناسَ لذلك في يوم الثلاثاء سَلْخَ المحرَّم ، قبلَ خروجٍ زيدٍ بيوم ، وخرج زيدٌ بِمَنْ معَهُ ليلةَ الأربعاء في بردٍ شديد ، ورفع أصحابُهُ النِّيرانَ وجعلوا ينادُون ، ياَ منصور ، يا منصور ، فلمَّا طلَعَ (١) تقدمت مصادر ترجمته في حاشية ص (١٧٥). ١٧٩ أحداث سنة ١٢٢ هـ الفجرُ إذا قدِ اجتمع معه مئتان وثمانيةَ عشرَ رجلاً فجعل زيدٌ يقول : سبحان الله ! أينَ الناس ؟ فقيل : هم في المسجد مَحْصورون . وكتب الحكمُ إلى يوسف بن عمر يعلِمهُ بخروجِ زيدِ بن عليّ ، فبعث إليه سَرِيَّةً إلى الكوفة ، وركبتِ الجيوشُ مع نائبِ الكوفة ، وجاء يوسف بن عمر أيضاً في طائفةٍ كبيرةٍ من الناس ، فالتقى بِمَنْ معه جُرْثومةً منهم فيهم خمسُ مئةٍ فارس فهزمهم ، ثم أتَى الْكُنَاسةَ ، فحلَّ على جَمعٍ من أهلِ الشام فهزمهم ، ثم اجتازَ بيوسفَ بنِ عمر وهو واقفٌ فوقَ تلّ ، وزيدٌ في مئتي فارس ، ولو قصد يوسفُ بن عمر لقَتَلَه، ولكنْ أخذ ذاتَ اليمين ، وكلَّما التقى طائفةٌ من أهلِ الكوفةِ هزمهم ، وجعل أصحابُهُ ينادون : يا أهلَ الكوفة ، اخرجوا إلى الدِّينِ والعِزِّ والدنيا ، لستم في دينٍ ولا ◌ِزِّ ولا دنيا ، ثم لما أمسَوْا انضاف إليه جماعةٌ من أهلِ الكوفة وقد قُتل بعضُ أصحابِهِ في أولِ يوم ، فلما كان في اليوم الثاني اقتتل هو وطائفةٌ من أهلِ الشام ، فقتلَ منهم سبعين رجلاً ، وانصرفوا عنه بشرِّ حال ، وأمسَوْا ، فعبَّأ يوسفُ بن عمر جيشَه جيداً ، ثم أصبحوا فالتقَوْا مع زيد بن عليٍّ في أصحابه ، فكشفَهم حتى أخرجهم إلى السَّبَخَة ، ثم شدَّ عليهم حتى أخرجهم إلى بني سُليم ، ثم تَبِعهم في خيلِه ورَجِله ، حتى أخذوا على المُسَنَّة١ُ) ثم اقتتلوا هناك قتالاً شديداً جداً حتى كان جُنحُ الليل ، فرُمِيَ زيدٌ بسهم فأصاب جانبَ جَبهِهِ اليُسرى ، فوصل إلى دِمَاغِه ، فرجع ورجع أصحابُه. ولا يَظنُّ أهلُ الشام أنَّهم رجعوا إلّ للمساء والليل، وأُدخل زيدٌ في دار سكةِ البَرِيد ، وجيء بطبيب فانتَزَعَ ذلك السهمَ من جبهتِه ، فما عَدَا أن انتزعه حتى ماتَ في ساعتِهِ رحمه الله . فاختلف أصحابُهُ أين يدفِنُونَه ؟ فقال بعضهم : ألبِسُوهُ دِرْعَهُ وألْقُوهُ في الماء . وقال بعضُهم : احتزُّوا رأسَهُ واتركوه في القتلَى. فقال ابنُه: لا والله لا تأكلُ أبي الكلاب . وقال بعضُهم : ادفِنوه في الكناسةُ(٢) وقال بعضهم : ادفِنُوهُ في الحفرةِ التي يؤخذُ منها الطِّين . ففعلوا ذلك، وأجرَوْا على قبرِهِ الماءَ لثلا يُعرَف، وتفلَّلَ أصحابُه(٣) ، حيثُ لم يبقَ لهم رأسٌ يقاتلون به ، فما أصبح الفجرُ ولهم قائمةٌ ينهضون بها وتتبّعَ يوسف بن عمر الجَرْحَى هل يجدُ زيداً بينهم ؛ وجاء مولَى لِزَيْدِ سِنْدِيّ، قد شَهِدَ دفنَه ، فدلَّ على قبره ، فأُخِذَ من قبرِه ، فأمر يوسفُ بن عمر بصَلْبِه على خشبةٍ بالكُناسة ، ومعه نصرُ بن خُزيمة ، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، وزياد النَّهْدي ؛ ويُقال : إنَّ زيداً مكَثَ مصلوباً أربعَ سنين ، ثم أُنزل بعدَ ذلك وأُحرق ، والله أعلمُ . (١) في (ق): ((الساه))، وفي (ب): ((اكناه))، وكلاهما تصحيف، والمثبت من (ح) وتاريخ الطبري، والمسنَّة: ضُفَيرة تُبنى للسَّيل لتردَّ الماء سميت مُسَنَّاة لأن فيها مفاتيح للماء بقدر ما تحتاج إليه مما لا يَغْلِب ، مأخوذٌ من قولك سنَّيتُ الشيءَ والأمر إذا فتحتَ وجهه. لسان العرب ( سنن). وجاء فيه مادة ( نجف): النجفةُ المسنَّة، والنجف : التل . قال الأزهري : والنجفة التي بظهر الكوفة وهي كالمسناة تمنع ماء السيل أن يعلو منازل الكوفة ومقابرها . في (ب، ق): (( العباسة)) وهو تحريف . والكناسة محلة معروفة بالكوفة. (٢) في (ق): (( وانقتل أصحابه))، والمثبت من ( ب، ح)، والفَلُّ: المنهزمون. وفَلَّ القومَ يفُلّهم فَلاَ: هزمهم (٣) فانفَلُّوا وتَفَلَّلوا . وهم قوم فَلِّ: منهزمون ، والجمع فُلول وفُلاَّل . لسان العرب ( فلل ) . ١٨٠ أحداث سنة ١٢٢ هـ وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الطبري(١) ، أنَّ يوسفَ بن عمر لم يعلمْ بشيءٍ من شأنِ زيدٍ بن علي حتى كتب إليه هشامُ بن عبد الملك يقول له : إنَّك لغافل ، وإنَّ زيد بن علي غارزٌ ذَنَبَهُ بالكوفة يُبايعُ له ، فألِعَ في طلبه وأعطِهِ الأمان ، وإنْ لم يقبلْ فقاتِلْهُ . فتطلّبه يوسف بن عمر حتى كان من أمْرِهِ ما تقدَّم ، فلما ظهر على قبرِهِ حزَّ رأسَهُ وبعث به إلى هشام بن عبد الملك ، فنصبه على باب دمشق ؛ ثم أمر به فسارَ إلى المدينة حتى نصبوه على أحدٍ أبوابها . وأمّا جئته فلم تزلْ مصلوبةٌ تُحرسُ ليلاً ونهاراً ، حتى انقضَتْ دولةُ هشام ، وقام من بعدِه الوليدُ بن يزيد ، فأمر به فأُنزل وحُرِّق في أيامِه ، قَتَح الله الوليدَ هذا . فأمَّا ابنُه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان ؛ فبعث إليه يوسفُ بن عمر يتهدَّدُهُ حتى يحضرَه ، فقال له عبدُ الملك بنُ بشر : ما كنتُ لآوي مثل هذا الرجل ، وهو عدؤُنا وابنُ عدوّنا . فصدَّقَهُ يوسفُ بن عمر في ذلك . ولما هدأ الطلَبُ عنه سيّرهُ إلى خُراسان ، فخرج يحيى بنُ زيد في جماعةٍ من الزيديَّة إلى خراسان ، فأقاموا بها هذه المدة (٢). قال أبو مِخْنَف : ولما قُتل زيد خطَبَ يوسفُ بن عمر أهلَ الكوفةِ فتهذَّدَهم وتوعَّدهم وشتمهم وأنَّبَهم ، وقال لهم فيما قال : والله لقد استأذنتُ أميرَ المؤمنين في قَتْلِ خَلْقٍ منكم، ولو أذِنَ لي لقتلتُ مقاتلتكم وسبيتُ ذرارِيَّكم ، وما صعِدْتُ لهذا المنبر إلا لأسمعَكم ما تكرهون . قال ابنُ جرير(٣) : وفي هذه السنة قُتل عبدُ الله البطال في جماعةٍ من المسلمين بأرضِ الروم . ولم يَزِدِ ابنُ جريرٍ على هذا، وقد ذكر هذا الرجلَ الحافظُ ابنُ عساكر في تاريخه الكبير فقال : عبد الله أبو يحيى المعروف بالبَطَّال(٤) كَان يَنْزِل أنطاكية ، حكى عنه أبو مروان الأنْطَاكي ، ثم روى بإسناده أنَّ عبد الملك بن مروان حينَ عقَدَ لابنهِ مَسْلَمة على غزو بلادِ الروم ولَّى على رؤساءِ أهلِ الجزيرةِ والشام البَطَّال ، وقال لابنه مسلمة : سَيِّرُهُ على طلائعِك، وأمُرْهُ فليعُسَّ بالليل العسكر ، فإنَّهُ أمينٌ ثقةٌ مِقْدامٌ شجاع . وخرج معهم عبدُالملك يُشْيِّعُهم إلى بابِ دِمَشق . قال : فقدَّم مسلمةُ البطَّالَ على عشرةِ آلافٍ يكونونَ بين يديه تُرْساً من الرُّومِ أنْ يصلوا إلى جيشِ المسلمين . قال محمد بن عائذ الدمشقي : حدّثنا الوليد بن مسلمة، حدّثني أبو مروان شيخٌ من أهلِ أنطَاكِيَةَ قال : (١) في تاريخه (٤ / ٢٠٨) . في ( ب، ح): ((كانوا بها مقيمين)). (٣) هو الطبري في تاريخه (٢١٠/٤). (٢) (٤) ترجمته في مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور (١٣٧/١٤)، الكامل (٤٥٦/٤)، سير أعلام النبلاء (٢٦٨/٥)، العبر (١٤٠/١)، النجوم الزاهرة (٢٧٢/١)، شذرات الذهب (١٥٩/١).