Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
وفيات سنة ١٠٧ هـ
ترميهم حتى جدرَتْ جلودَهم ، وما رُئي الجُدَريُّ قبلَ يومئذٍ ، وما رُئي الطيرُ قبل يومئذٍ ولا بَعْدُ ( أخرجه أبو نعيم
=
في الحلية ( ٣٣٣/٣)، وفيه تتمة . ) .
وفي قوله تعالى: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٢٩) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ﴾ [فصلت: ٦ -٧] قال: لا يقولون لا إله إلا الله.
وفي قوله : ﴿قَدْ أَفَحَ مَنْ تَزََّى﴾ [الأعلى: ١٤] قال: من يقول لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَرَّكَ﴾
[ النازعات: ١٨] إلى أنْ تقول لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَمُواْ﴾ [ فصلت: ٣٠]
على شهادةٍ أنْ لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [ هود: ٧٨] أليس منكم من يقول: لا إله إلا
الله. وفي قوله: ﴿ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨] قال: لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ﴾ [ آل عمران:
١٩٤] لمن قال: لا إله إلا الله ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٣/٣، ٣٣٤). ).
وفي قوله: ﴿فَلَ عُدْوَنَ إِلَّا عَلَى الظَّالِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣ ] على من لا يقول: لا إله إلا الله ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية ( ٣/ ٣٣٤). ) .
وفي قوله : ﴿ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ [ الكهف: ٢٤] قال: إذا غضبت ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣٣٤/٣).) .
[وفي قوله: ] ﴿ سِيمَاهُمْ فِى وُجُودِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩ ] قال: السَّهَر (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٤/٣).).
وقال : إنَّ الشيطانَ لَيُزَيِّنُ للعبد الذنب ، فإذا عمِلَه تبرَّأ منه ، فلا يزالُ يتضرَّعُ إلى ربِّه ويتمَسْكن له ويبكي حتى
يغفرَ الله له ذلكَ وما قبلَه .
وقال : قال جبريلُ عليه السلام : إنَّ ربِّي ليبعَثُني إلى الشيء لأمضِيَه فأجدُ الكونَ قد سبقَني إليه . وسُئل عن
الماعون ، قال : العاريَّة : قلتُ : فإنْ منَعَ الرجلُ غربالا أو قِدْراً أو قَصْعةً أو شيئاً من متاع البيت فله الوَيْل ؟ قال :
لا، ولكن إذا سَهَا ( في (ق): ((إذا نهى))، والمثبت من الحلية ، ولكن فيه كتبت الألف على شكل الياء هكذا
(( سهى)).) عن الصلاةِ ومنَعَ الماعونَ فَلَهُ الوَيْل (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٥/٣).).
وقال : البضاعةُ المُزْجاة : التي فيها تَجوُّز. وقال: السائحون: همْ طلبة العلم. وقال: ﴿ كَمَايَيِسَ الْكُفَّارُ مِنْ
أَصْحَبِ الْقُبُورِ ﴾ [الممتحنة: ١٣] قال: إذا دخل الكفار القبور، وعاينُوا ما أعدَّ الله لهم من الخِزْي، يئسوا من نعمةٍ
الله .
وقال غيره: ﴿ يَبِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْخَبِ الْقُبُورِ ﴾ أي من حياتهم وبعثهم بعدَ موتهم .
وقال : كان إبراهيمُ عليه السلام يُدْعَى ( في الحلية: (( يكنى)). ) أبا الضِّيفان ؛ وكان لقصرِه أربعةُ أبواب لكيلا
يفوتَهُ أحد. وقال : أنكالاً، أيْ قيوداً ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣٣٦/٣).).
وقال في كاهِن سَبَأْ : إنه قال قومه لما دنا منهم العذاب : منْ أراد سفراً بعيداً وحملاً شديداً ، فعليه بعُمَان ، ومن
أراد الخمر والخمير ، وكذا وكذا والعصير ، فعليه ببُصْرى - يعني الشام - ومن أراد الراسخاتِ في الوَحْل،
والمقيماتِ في المَحْل ، فعليه بيثرب ذاتِ النَّخْلِ . فخرج قومٌ إلى عُمان، وقومٌ إِلى الشام ، وهم غسَّان ، وخرج
الأوْس والخَزْرَج - وهم بنو كعبِ بن عمروٍ - وخُزَاعة حتى نزلوا يثرب ، ذاتِ النَّخْل ، فلما كانوا ببطْنِ مَرّ قالتْ
خُزَاعة: هذا موضعُ صالح لا نريدُ به بَدَلاً، فنزلوا، فمن ثمَّ سُمِّيتْ خُزَاعة ، لأنهم تخزَّعوا من أصحابهم .
وتقدَّمتِ الأوسُ والخزرجُ حتى نزلوا بيثرب ( أخرجه مطولاً أبو نعيم في الحلية (٣٣٦/٣، ٣٣٧).) .
وقال الله عزَّ وجلَّ ليوسفَ عليه السلام يا يوسف ! بعفوك عن إخوتك رفعتُ لك ذِكرَك مع الذاكرين ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية ( ٣٣٧/٣). ).
وقال : قال لقمان لابنه : قد ذقتُ المرار فلم أذُقْ شيئاً أمرَّ من الفقر ، وحملتُ كلَّ حملٍ ثقيل فلم أحملْ أثقل من=

٨٢
وفيات سنة ١٠٧ هـ
=
جارَ السَّوْء . ولو أنَّ الكلام من فضَّة لكان السكوتُ من ذهب . رواهُ وكيع بن الجرّاح عن سفيان عن أبيه عن
عكرمة .
﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَفَىَّ﴾ [الأنفال: ١٧ ] قال: ما وقع شيءٌ منها إلَّ فِي عَيْنِ رجل منهم.
وقال : في قوله تعالى: ﴿ زَنِيٍ﴾ [القلم: ١٣] هو اللئيم الذي يُعرف للؤمه كما تُعرف الشاةُ بزَنَمتِها (أخرجه
أبو نعيم في الحلية ( ٣٣٧/٣، ٣٣٨). ).
وقال في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧ ] قال: هم أصحاب التصاوير ( أخرجه
أبو نعيم في الحلية (٣٣٨/٣). ).
﴿ وَبَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] قال: لو أن القلوب تحرَّكتْ أو زالَتْ لخرجت نفسه، وإنما هو
الخَوْفُ والفَزَع .
﴿ فَتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: ١٤] أي بالشهوات. ﴿ وَتَرَضْتٌ﴾ بالثّوبة. ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِىُّ﴾ أي التَّسْويف
﴿ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الموت ﴿ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُوُرُ﴾ الشيطان (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٨/٣).).
وقال : من قرأ يس والقرآن الحكيم لم يزَلْ ذلك اليوم في سرور حتى يُمسي .
قال سلمة بن شبيب ( في (ق): ((سلمة بن شعيب)) تصحيف ، والمثبت من الحلية وكتب الرجال منها الجرح
والتعديل (٩٤/٢) في ترجمة إبراهيم بن الحكم، وتهذيب الكمال (٢٨٤/١١) في ترجمته.): حدّثنا
إبراهيمُ بن الحكم عن أبيه عن أبان ، قال : كنتُ جالساً مع عكرمة عند البحر ( في الحلية: (( مع عكرمة عند منزل
ابن داود ، وكان عكرمة نازلاً مع ابن داود نحو الساحل)». ) فذكروا الذين يغرقون في البحر ، فقال عكرمة : الذين
يغرقون في البحار تقتَسِمُ لحومَهم الحِيتانُ فلا يَبْقَى منهم شيءٌ إلَّ العظام، حتى تصيرَ حائلاً نَخْرةً ، فتمرُّ بها الإبلُ
فتأكلَها ، ثم تسيرُ الإبلُ فَتَبْعَرها ، ثم يَجيء بعدَهم قوم فينزلون ذلك المنزل ، فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه ، ثم
يصيرُ رَماداً فَتَجِيءُ الريحُ فتأخذه فَتُذْريه في كلِّ مكان من الأرض، حيث يشاءُ الله من بَرِّهِ وبحرِه ، فإذا جاءتِ النفخة
- نفخة المبعث - فيخرج أولئك وأهلُ القبور المجموعين سَوَاء ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٣٩/٣، ٣٤٠)
مطولًاً . ).
وبهذا الإسناد عنه قال : إنَّ الله أخرَجَ رجُلَيْنِ، رجلاً من الجنة ورجلاً من النار ، فقال لصاحب الجنة : عَبدي !
كيف وجدتَ مَقِيلك ؟ قال : خيرَ مَقيل . ثم قال لصاحب النار : عبدي كيف وجدتَ مَقيلك؟ فقال : شرَّ مَقيل قالَهُ
القائلون . ثم ذكر من عقاربها وحيّاتها وزنابيرها ، ومن أنواع ما فيها من العذاب وألوانه ، فيقول الله تعالى لصاحب
النار : عبدي ! ماذا تُعطيني إنْ أنا أعفَيْتُكَ من النار ، فيقول العبدُ : إلّهي ، وماذا عندي ما أعطيك ؟ فقال له الربُّ
تعالى : لو كان لك جبلٌ من ذَهب ، أكنتَ تُعطيني فأعفِيَكَ من النار ؟ فقال : نعم . فقال له الرب : كذبتَ ، لقد
سألتُكَ في الدنيا ما هو أيسَرُ من ذلك ! تدعوني فأستجيب لك ، وتستغفرني فأغفر لك ، وتسألني فأعطيك ، فكنتَ
تتولّى ذاهباً ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣/ ٣٤٠).).
وبهذا الإسناد قال : ما من عبدٍ يُقرِّبهُ الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامة للحساب إلَّا قام من عند الله بعفوه.
وبه عنه : لكلِّ شيءٍ أساس ، وأساسُ الإسلام الخُلَقَ الحسَن .
وبه عنه قال : شكا نبيٌّ من الأنبياء إلى ربِّهِ عزَّ وجلَّ الجوعَ والعُري، فأوحى الله إليه : أما تَرْضَى أني سدَدْتُ عنك
باب الشِّرْك ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٤١/٣)، وفي (ق): ((الشر الناشىء عنها)) بدل (( الشرك)) وهو
تحريف وزيادة من الناسخ . والمثبت من الحلية . ).
وبه عنه قال : إنَّ في السماء ملكاً يقالُ له إسماعيل ، لو أذنَ الله له بفتح أُذُنٍ من آذانه يُسبِّح الرحمنَ عزَّ وجلَّ =

٨٣
وفيات سنة ١٠٧ هـ
لمات من في السموات والأرض ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٣/ ٣٤١).).
=
وبه عنه قال : سَعةُ الشمس سعةُ الأرض وزيادة ثلاث مرَّات ؛ وسعة القمر سعة الأرض مرَّة ؛ وإنَّ الشمسَ إذا
غرَبَتْ دخلَتْ بحراً تحت العرش ، تُسَبِّحُ الله، حتى إذا أصبحَتْ استعفَتْ ربَّها تعالى من الطلوع ، فيقول لها : ولم
ذاك ـ وهو أعلم - فتقول: لئلا أعْبَدَ من دونِك. فيقول لها : اطلعي فليس عليك شيء من ذلك؛ حَسْبُهم جهنم
أبعثها إليهم مع عشرةِ آلافِ مَلَكِ يقودونها حتى يُدخلوهم فيها ( في ( ق): (( مع ثلاث عشرة ألف ملك تقودها ))،
وهو تحريف وتصحيف ، والمثبت من الحلية. ) وهذا خلافُ ما ثبتَ في الحديث الصحيح ((إنَّ جهنم يُؤْتى بها تُقاد
بسبعين ألفِ زِمام ، مع كلِّ زِمام سبعون ألف ملك)) ( أخرجه مسلم في صحيحه ( ٢٨٤٢) في الجنة وصفة
نعيمها : باب في شدة حر جهنم ، والترمذي ( ٢٥٧٣) في صفة جهنم : باب ما جاء في صفة النار ؛ عن عبد الله بن
مسعود . ) .
وقال مَنْدَل عن أسد بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((لا يَقفَنَّ أحَدُكم على
رَجُلٍ يُضربُ ظلماً، فإنَّ اللعنةَ تنزِلُ من السماء على منْ يَحْضُره إذا لم تدفعوا عنه . ولا يقفَنَّ أحَدُكم على رجلٍ
يُضربُ ظلماً، فإنَّ اللعنةَ تنزلُ منَ السماء على منْ يَحْضُرُه إذا لم تدفعوا عنه . ولا يقفَنَّ أحَدُكم على رجلٍ يُقتل
ظلماً ، فإنَّ اللعنة تنزِلُ من السماء على منْ يحضُرُه إذا لم تدفعوا عنه)). لم يرفعه إلَّا مَنْدَلُ هذا ( أخرجه أبو نعيم في
الحلية (٣٤٥/٣) وقال: (( غريب من حديث أسد وعكرمة ، لم يروه عنه فيما أعلم إلا مندل بن علي العنبري))
وقال فيه ابن حجر في التقريب ص (٥٤٥) : ضعيف . ) .
وروى شُعبة عن عمارة بن أبي حَفْصَة، عن عكرمة، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله وَّهِ، كان إذا عطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ
بثَوْبه ، ووضَعَ يدَيْه على حاجِبَيْه ( إسناده ضعيف، وهو غريب من هذا الوجه كما قال أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٤٦.
لكن ورد الحديث بإسناد حسن من طريق أبي صالح عن أبي هريرة ؛ أخرجه أحمد في مسنده ٤٣٩/٢ وأبو داود
(٥٠٣٩)، والترمذي (٢٧٤٥) وغيرهم، ولفظه عند الترمذي: ((أن النبي وَ لّكان إذا عطس غطى وجهه بيده أو
بثوبه وغص بها صوته)) وليس عندهم ذكر الحاجبين، وقال الترمذي: ((حسن صحيح))، وإنما صححه لأن
محمد بن عجلان ثقة عنده . وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على جامع الترمذي ٤/ ٤٦١ من طبعتنا ( بشار). ).
هذا حديثٌ عالٍ من حديثٍ شُعبة .
وروى بقية عن إسحاق بن مالك الحَضْرَميّ، عن عكرمة، عن أبي هريرة عن النبيِّ وَ ◌ّهِ قال: «منْ حَلَفَ على
أحدٍ يميناً، وهو يَرَى أنه سيبرُه فلم يفعلْ، فإنما إثمُهُ على الذي لم يبَرَّه)) ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٣٤٦/٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٤١/١٠)، وساقه الذهبي في الميزان (٣٤٩/١) وابن حجر في لسانه
(١/ ٣٧٠) وقالا: إسحاق بن مالك الحضرمي شامي هو من شيوخ بقية. قال الأزدي : ضعيف . وذكر
الحديث ، وبقية بن الوليد ضعيف أيضاً ، كما في تحرير التقريب . ) . تفرد به بقيّةُ بن الوليد مرفوعاً .
وقال عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ( الذي في مسند أحمد ( ٦/ ١٤٧) : حدّثني أبي حدّثنا محمد بن جعفر
حدّثنا شعبة عن عمارة فذكره . وأما بهذا الإسناد فقد أخرجه ابن أبي عاصم في الزهد ص (١٦). وأخرجه أيضاً
بإسنادهم إلى عمارة ، به كل من الحاكم في المستدرك (٢٨/٢)، والترمذي (٥١٨/٣) (١٢١٣) باب ما جاء
في الرخصة في الشراء إلى أجل، وإسحاق بن راهويه في مسنده ( ٦٢٤/٣) (١٢٠٠)، وهو حديث
صحيح. ) : حدّثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدّثنا يزيد بن زُرَيْع ( في (ق): (( يزيد بن ربيع)) تصحيف ،
والمثبت من مصادر التخريج السالفة الذكر . ) حدّثنا عمارة بن أبي حفصة، حدّثنا عكرمة، حدّثتنا عائشة، أنَّ
النبيَّ وَّهِ كان عليه بُرْدَان قطَرِيَّان، خَشِنَانِ غَلِيظان، فقالتْ عائشة: يا رسول الله، إنَّ ثوبيك هذين غَليظانِ

٨٤
وفيات سنة ١٠٧ هـ
القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيقُ(١) : كان أحدَ الفقهاء المشهورين .
وكُثَيِّرِ عَزَّةَ ، الشاعر المشهور(٢): وهو كُثَيِّرُ بنُ عبد الرحمن بن الأسود بن عامر ، أبو صخر الخُزَاعِيُّ
الحجازيّ ، المعروف بابن أبي جُمعة ، وعَزَّةُ هذه المشهورُ بها المنسوب هو إليها ، لِتَغَزُّله فيها ، هي
أم عمرو عزَّة - بالعين المهملة - بنتُ جَميل بن حَفْص ، من بني حاجب بن غِفَار، وإنما صُغِّر اسمُه ،
فقيل كُثَيِّر ، لأنه كان دَميمَ الخَلْقِ قصيراً ، طولُه ثلاثةُ أشبار .
قال ابنُ خِلِّكَانُ(٣) : كان يقالُ له زُبّ الذباب .
وكان إذا مَشَى يُظْنُّ أنه صغيرٌ من قِصَره ، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان يقول له : طأطىء
٩
رأسَك لا يؤذيك السقف ؛ وكان يضحكَ إليه ، وكان يَفِد على عبد الملك، ووفد على عبد الملك بن
مروان مرَّاتٍ ، ووفد على عمر بن عبد العزيز ، وكان يقال : إنه أشعر الإسلاميين ، على أنه كان فيه
خَشِنان ، تَرْشحُ ( ترشح : تعرق . ) فيهما فيثقلان عليك. فأرسِلْ إلى فلان فقد أتاه بُرُدٌ من الشام فاشترِ منه ثوبَيْنِ
=
إلى مَيْسرة. فأرسَلَ إليه، فأتاه الرسول فقال: إنَّ رسول الله وَهَ بعث إليك لتبيعَهُ ثوبَيْنِ إلى مَيْسَرة؟ فقال: قد
علمتَ والله، ما يريدُ نبيُّ الله إلا أنْ يذهبَ بثوبيَّ ويُمْطِلُني بثمنهما، فرجَعَ الرسولُ إلى رَسولِ اللهِ وَيرِ، فأخبره ،
فقال ◌َ لهّ: ((كذبَ! قد علموا أني أتْقَاهُمْ الله، وآداهُمْ للأمانة)).
وفي هذا اليوم قال النبيُّ نَّهَ: ((لأن يَلْبَسَ أحدُكم من رِقاع شَتَّى خيرٌ له من أن يستدينَ ما ليسَ عندَه» (لعل هذا
القول (( في مثل هذا اليوم)) لأبي نعيم في الحلية (٣٤٧/٣)، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند
(٢٤٣/٣)، وابن أبي عاصم في الزهد ص (٢٦)، والديلمي في مسند الفردوس (١٦٩/٥) (٧٨٤٨)؛ قال
ابن أبي حاتم في العلل (٣٧٧/١) بعد سياق الحديث : حديث منكر وسليمان بن سليم وسفيان الزيات
مجهولان . ) .
والله سبحانه أعلم ] ( هنا تنتهي الزيادة التي ابتدأت في الصفحة ( ٧٧ ) في موضع الحاشية ( ٣).).
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (١٨٧/٥)، التاريخ الكبير (١٥٧/٧)، رجال صحيح البخاري للكلاباذي
(٦١٦/٢)، تهذيب الكمال (٤٢٧/٢٣)، رجال مسلم لأبي بكر بن منجويه (٢/ ١٤٠)، تذكرة الحفاظ
(٩٦/١)، سير أعلام النبلاء (٥٣/٥). وما سيأتي هنا زيادة من (ق) أقحمت على المتن وضفناه هنا وهو: [ له
رواياتٌ كثيرة ، عنِ الصحابة وغيرهم ، وكان من أفضلِ أهلِ المدينة ، وأعلم أهلِ زمانه ، قُتل أبوه بمصر وهو
صغير، فأخذَتْهُ خالَتُه، فنشأ عندَها، وساد ، وله مناقبٌ كثيرة . وأبو رجاء العطاردي ] ( ترجمته في طبقات ابن
سعد (١٣٨/٧)، رجال صحيح البخاري (٢/ ٥٧٢)، التاريخ الكبير (٤١٠/٦)، الجرح والتعديل
(٣٠٣/٦)، الاستيعاب (١٦٥٧/٤) رجال مسلم (٩٣/٢)، سير أعلام النبلاء (٢٥٣/٤)، الثقات لابن
حبان ( ٢١٧/٥)، طبقات الحفاظ ص (٣٢).).
(٢)
ترجمته في طبقات ابن سلام ص (٤٥٧)، الشعر والشعراء ص (٤١٠)، الأغاني (٥/٩)، معجم الشعراء
ص (٢٥٠)، شرح ديوان الحماسة (٣/ ١٤٠)، وفيات الأعيان (١٠٦/٤)، سير أعلام النبلاء (١٥٢/٥)،
خزانة الأدب (٢/ ٣٨١).
(٣) في وفيات الأعيان (١١٣/٤)، وصحف في (ق): ((رب الدبان))، وفي (ب، ح ) على الصواب.

٨٥
وفيات سنة ١٠٧ هـ
تشيّع، وربما نسبه بعضُهم إلى مذهب التناسخيَّة ، وأنه كان يحتجُّ على ذلك - من جهلِهِ وقِلَّةِ عقلهِ إنْ صحّ
النقلُ عنه - بقوله تعالى: ﴿فِىَ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ﴾ [ الانفطار: ٨] وقد استأذن يوماً على عبد الملك،
فلما دخل عليه قال عبد الملك : تَسمَعُ بالمعيدي خيرٌ من أنْ تراه ، فقال: مَهْا(١) يا أمير المؤمنين إنما
المرءُ بأصغَرِيْه قلبِهِ ولسانِهِ ، إنْ نطَقَ نطَقَ ببيان ، وإنْ قاتل قاتل بجَنَان ، وأنا الذي أقول(٢) :
وقدْ أبدَتْ عَريكتيَ الأمورُ
وجربتُ الأمورَ وجرَّبتْني
بهمْ لأخو مُثَاقَفَةٍ خَبِيرُ
وفي أثوابهِ أسَدِّ يَزِير(٣)
فيخلفُ ظنكَ الرجلُ الطريرُ
ولكنْ زَيْنُها كرَمِّ وخير(٦)
ولم تطُلِ البُزَاهُ ولا الصُّورُ
فلم يستغن بالعِظَمِ البَعيرُ
ولا عُرْفٌ لديهِ ولا نَكِيرُ
وليسَ يطولُ والعَضْباءُ حُورُ
وما تَخْفَى الرجالُ عليَّ أني
ترى الرجلَ النحيفَ فتزدريهِ
ويعجبكَ الطريرُ فتجتبيهٍ(٤)
وما عِلْمُ(٥) الرجالِ لها بزَيْنٍ
بُغاثُ الطير أطولها جسوماً
وقدْ عَظُمَ البعير بغير لبٍّ
فيُركَبُ ثم يُضربُ بالهرَاوَى
وعودُ النَّبْحِ ينْبُتُ مستمرَّاً
وقد تكلم أبو الفرج بن طَرَار(٧) على غريب هذه الحكاية وشعرها بكلام طويل ، قالوا : ودخل كُثَيِّ
عزَّةَ يوماً على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها :
على ابن أبي العاصي دُروعٌ حصينةٌ أجاد المُسَدِّي سَرْدَها وَأَذَالَها٨)
في (ق): ((حيهلا))، تصحيف، والمثبت من ( ب، ح )، والمنتظم.
(١)
(٢) كذا في الأصول، والمنتظم (٧/ ١٠٤)، والقصيدة تنسب للعباس بن مرداس ما عدا الأبيات الأول والثاني
والأخير ، وهي في ديوانه ص (١٧٢)، ونسب بيتان منها لعمرو بن قميئة في ديوانه ص (١٣٠).
في (ق): ((زئير))، والمثبت من ( ب، ح). والبيت في اللسان منسوب للعباس أيضاً ومعنى ((يزمر)): يزْئِرُ
(٣)
مضارع زأرَ ، وهو أن يردد صوته في جوفه .
في (ق، ب): ((فتختبره))، وفي ديوان العباس: ((فتبتليه))، والمثبت من (ح ) .
(٤)
في بعض النسخ : وما عِظم ، وفي بعضها : وما هام .
(٥)
في (ق): ((دين وخير))، والمثبت من ( ب، ح ) ، وديوان العباس.
في (ق): ((طرار)) تصحيف ، والمثبت من ( ب، ح ) ومصادر ترجمته ، وهو أبو الفرج المعافى بن زكريا
(٧)
ولعله ذكر ذلك في كتابه الجليس الصالح الكافي .
(٦)
الجريري المعروف بابن طرارة أو طرارا - كما ذكره محمد بن عبد الغني البغدادي في تكملة الإكمال (٤/ ١٧).
(٨) البيت في ديوان كثير ص (١٤٥)، وفيه: ((دِلاصٌ حصينة)). ومعنى أذالها: أطال ذيلها، واستشهد بهذا البيت
على هذا المعنى صاحب لسان العرب في مادة ( ذيل ) .

٨٦
وفيات سنة ١٠٧ هـ
قال له عبد الملك : أفلا قُلْت كما قال الأعشى لقيس بن مَعْدِيكَرِب :
وإذا تجيءُ كتيبةٌ مَلْمُومةٌ شَهْبَاءُ يَخْشَى الذائدونَ صِيَالَها(١)
كنتَ المقدَّم غيرَ لابسِ جُنَّةٍ بالسيفِ تَضْرِبُ مُعْلماً أبطالَها(٢)
فقال : يا أمير المؤمنين وصفَهُ بالخَرَق ووصفتُك بالحَزْم .
ودخل يوماً على عبدِ الملك وهو يتجهَّزُ للخروج إلى مُصعب بن الزُّبير فقال : وَيْحك يا كُثَيِّر ،
ذكرتك الآنَ بشعرِك، فإنْ أصبتَهُ أعطيْتُكَ حكمك. فقال: يا أمير المؤمنين، كأنَّك لما ودَّعتَ
عاتكة بنت يزيد بكَتْ لفراقِك فيكَى لبكائها حشَمُها فذكرتَ قولي :
إذا ما أرادَ الغَزْوَ لم تَثْنِ عَزْمهُ حَصَانٌ عليها نَظْمُ دُرِّ يَزينُها
نهَتْهُ فلمّا لم ترَ النَّهيَ عاقَهُ بِكَتْ فبكى ممَّا عَرَاها قَطينُها٣)
قال : أصبتَ فاحتكِمْ ، قال : مئة ناقة من نُوقك المختارَة . قال: هي لك . فلما سار عبدُ الملك
إلى العراق نظرَ يوماً إلى كُثَيِّر عزَّةً وهو مفكِّرٌ في أمره فقال: عليَّ به . فلما جيء به قال له : أرأيتَ إنْ
أخبرتُك بما كنتَ تفكّر به تُعطيني حُكْمي ؟ قال : نعم . قال : والله! قال : والله . قال له عبد الملك :
إنك تقولُ في نفسك : هذا رجلٌ ليس هو على مذهبي ، وهو ذاهبٌ إلى قتالِ رجلٍ ليس هو على مذهبي ،
فإنْ أصابَنِي سَهْمٌ غَرْبٌ من بينهما خَسِرْتُ الدنيا والآخرة . فقال : إي والله يا أمير المؤمنين فاحتكمْ ،
قال : أحتكمُ حُكْمي أنْ أَرُدَّك إلى أهلك وأُحسنُ جائزتَك . فأعطاهُ مالًا وأذِن له بالانصراف .
وقال حمَّادُ الراوية عن كُثَيِّر عزَّة: وَفَدْتُ أنا والأخْوَص ونُصَيب إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيز حينَ ولي
الخلافة ، ونحن نمُتُّ إليه بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له ، [ لما كان بالمدينة ] ، فكلٌّ منَّا يظنُّ أنه سيشرَكهُ في
الخلافة . فنحنُ نسيرُ ونختالُ في رحالِنا ، فلما انتهينا إلى خُنَاصِرَة ولاحَتْ لنا أعلامُها ، تلَقَّانا مَسْلمةُ بنُ
عمد الملك فقال : ما أقدَمَكم ؟ أو ما علمتم أنَّ صاحبكم لا يحبُّ الشعرَ ولا الشعراء ؟ قال: فوجَمْنا
لذلك، فأنزلَنا مسلمةُ عندَه، وأجْرَى علينا النفقات، وعلَفَ دوابَّنا، وأقمْنا عندَه أربعة أشهر ، لا يمكنُه
أنْ يستأذِنَ لنا على عمر ، فلما كان في بعض الجُمَع دنوت من الخليفة لأسمعَ خطبته فأسلّم عليه بعد
الصلاة ، فسمعتُه يقول في خطبته : لكلِّ سفرٍ زادٌ لا محالة، فتزوَّدوا لسفرِكم من الدنيا إلى الآخرة
بالتقوى ، وكونوا كمنْ عايَنَ ما أعدَّ الله له من عذابه وثوابِهِ فتَرْغَبوا وتَرْهَبوا ، ولا يطولَنَّ عليكم الأمدُ
(١) في (ب، ح): ((شمالها)) بدل ((صيالها))، والمثبت من (ق). ورواية الديوان (( خرساءُ تُغشي من يزودُ
نهالها » .
في (ق): ((جبة ... يضرب))، تصحيف، والمثبت من (ب، ح) وديوان الأعشى ص (١٥٠).
(٢)
(٣)
البيتان من قصيدة يمدحه فيها في ديوان كثير ص ( ٢٣٠).

٨٧
وفيات سنة ١٠٧ هـ
فتقسُو قلوبكم ، وتنقادوا لعدوّكم ، فإنه والله ما بُسِطَ أمَلُ منْ لا يَدْري لعله لا يُمسي بعد إصباحِه ولا
يُصبح بعدَ إمسائه ؛ وربما كانتْ له من ذلك خَطَرَاتُ الموتِ والمنايا ، وإنما يطمئنُّ من وَثِقَ بالنجاة من
عذابِ اللهِ وأهوالِ يوم القيامة ؛ فأمَّا منْ لا يُدَاوي من الدنيا كَلْماً إلَّ أصابه جارحٌ من ناحيةٍ أخرى ، فكيف
يطمئنّ ؟ أعوذُ بالله أنْ آمرَكم بما أنهى عنه نفسي فتخسَر صَفْقتي ، وتَبْدو مسكنتي في يومٍ لا ينفَعُ فيه إلا
الحقُّ والصِّدْقُ. ثم بكى حتى ظنًّا أنه قاضٍ نَحْبَه ؛ وارتجَّ المسجدُ وما حوله بالبُكَاءِ والعَوِيلُ(١).
قال : فانصرفتُ إلى صاحبيَّ فقلت: خُذَا سرح٢ً) من الشعر غير ما كُنَّا نقول لعمر وآبائه ، فإنَّه رجلٌ
أُخرَى ليس برجلٍ دُنيا . قال : ثم استأذن لنا مسلمةُ عليه يومَ الجمعة ، فلما دخلنا عليه سلَّمتُ عليه ثم
قلت : يا أمير المؤمنين ، طال الثواءُ وقلَّت الفائدة ، وتحدَّثَ بجفائك إيانا وفودُ العرب . فقال :
﴿ إِنَّمَا الصَدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وقرأ الآية، فإن كنتم من هؤلاء أُعطيتم وإلَّ فلا حقَّ
لكم فيها . فقلتُ : يا أمير المؤمنين ، إني مسكينٌ وعابرُ سبيل ومنقَطعٌ به . فقال: ألستم عندَ
أبي سعيد؟ - يعني مَسْلَمة بن عبد الملك - فقلنا: بلى. فقال: إنه لا ثواءً على من هو عندَ أبي سعيد.
فقلت : ائذنْ لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد ، قال : نعم ولا تقولنَّ إلَّ حقّاً . فأنشدتُهُ قصيدةً فيه :
وليتَ فلم تَشْتِمْ عليّاً ولم تُخِفْ
وصدَّقْتَ بالفعلِ المقالَ مع الذي
ألا إنما يكفي الفَتَى بعدَ زَيْغِهِ
وقد لبسَتْ تسعَى إليك ثيابَها
وتُومضُ أحياناً بعينٍ مريضةٍ
فأعرضتَ عنها مشمئزاً كأنما
وقد كنتَ من أجْبَالها في مُمَنَّعٍ
وما زلتَ تَوَّاقاً إلى كُلِّ غايةٍ
فلمّا أتاكَ الملكُ عَفْواً ولم يَكُنْ
تركتَ الذي يَفْنى وإنْ كان مونقاً
وأضررتَ بالفاني وشَمَّرْتَ للذي
ومالكَ إذ كنتَ الخليفةَ مانعٌ
بريئاً ولم تقبَلْ إشارةً مُجْرِمٍ
أتيت فأمسى راضياً كلُّ مسلم
من الأوَدِ البَادي ثِقِافُ المقوِّمِ
تراءى لكَ الدنيا بكفِّ ومِعْصَمْ(٣)
وتَبْسمُ عن مثل الجُمان المنظّمِ
سقَتْكَ مَذوقاً من سمامٍ وعَلْقَمٍ
ومنْ بحرِها في مُزْبِدِ المَوْجِ مُفْعَمٍ
بلغتَ بها أعلى البناءِ المقدَّمِ
لطالبِ دُنْيا بعدَهُ في تكلُّمٍ
وآثرتَ ما يَبقَى برأي مُصَمِّمٍ
أمامكَ في يومٍ من الشرِّ مظلمٍ
سوى اللهِ من مالٍ رَعَيْتَ ولا دَمٍ
(١) أخرج أبو نعيم في الحلية (٢٩١/٥) خطبة عمر هذه بنحو من هذه الرواية .
(٢)
جاء في لسان العرب: ((التسريح: التسهيل، وشيء سريح: سهل)) ( مادة سرح )، فيكون معناه : خذا السهل
من الشعر. وذكر الزمخشري في ( سرح) من أساس البلاغة: سرح الشاعر الشَّعْرَ))، ومعناه سَهَّله. (بشار).
(٣) رواية الأغاني وديوان كثير: (( وقد لبست لبس الهَلُوكِ ثيابها )).

٨٨
وفيات سنة ١٠٧ هـ
بلغتَ بهِ أعلى المعالي بسُلَّمٍ
سما لكَ همٍّ في الفؤاد مؤرِّقٌ
فما بينَ شَرْقِ الأرض والغرب كلِّها
يقولُ أميرَ المؤمنينَ ظلمتني
منادٍ ينادي منْ فصيحِ وأعجمٍ
بأخذِكَ ديناري ولا أخْذِ دِرْهمي
ولا السَّفْكِ منهُ ظالماً مِلْءَ مِحْجَمٍ
ولا بَسْطِ كفتِّ لامرىءٍ غير مجرمٍ
لكَ الشَّطْرَ من أعمارهمْ غيرَ نُدَّمَ
ولو يستطيعُ المسلمونَ لقسَّمُوا
مُغذّ(١) مُطيفٌ بالمَقَامِ وَزَهْزَمٍ
فَعِشْتَ بها ما حَجَّ اللّهِ راكبٌ
وأعظِمْ بها أعْظِمْ بها ثمَ أَعِظِمْ(٣)
فأزبِخْ بها من صَفْقة لمبايعٍ
قال : فأقبل عليَّ عمر بن عبد العزيز وقال : إنك تُسأل عن هذا يومَ القيامة .
ثم استأذنه الأحوصُ فأنشده قصيدةً أخرى فقال له : إنك تُسألُ عن هذا يومَ القيامةُ(٣) .
ثم استأذنه نُصَيب فلم يأذنْ له ، وأمر لكلِّ واحدٍ منهم بمئة وخمسين درهماً ، وأغْزَى نُصَيباً إلى مَرْج
دابق(٤) .
وقد وَفَدَ كثيرُ عزَّةَ بعدَ ذلك على يزيدَ بنِ عبد الملك ، فامتدحه بقصائد ، فأعطاه سبعَ مئة دينار .
وقال الزُّبير بن بكار : كان كُثِيِّر عزَّةَ شيعيّاً خَشَبِي٥ُّ) ، يرى الرَّجْعة، وكان يَرَى التناسُخ ، ويحتجُّ
بقوله تعالى: ﴿فِيَ أَِّّ صُورَةٍ مَّاشَآءَ رََّّبَكَ﴾ [ الانفطار: ٨]٦).
وقال موسى بن عُقْبَة : هُوَّلَ كُثِيِّرُ عزَّة ليلةً في منامه ، فأصبح يمتدحُ آل الزُبير ، ويَرْثي عبدَ الله بن
الزُبير ، وكان سيِّىء الرأي فيه :
أقامَ بها ما لم تَرُمْها الأخاشبُ
بمفتضحِ البطحاءِ ثاوٍ لوَ أنَّه
بوائِقَ ما يخشى تَتُبُّهُ النوائبُ
سَرحْنا سُروباً آمنينَ ومنْ يخفْ
في بعض النسخ : مُلَبِّ .
(١)
القصيدة في ديوان كثير ص (٢١٤)، والأغاني (٢٩٦/٩، ٢٩٧)؛ وكثير من ألفاظها مصحَّف في ( ق ) ، وما
(٢)
أثبتناه من الصواب فيها من ( ب ، ح ) والديوان .
ذكر أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (٩/ ٢٩٧ ) قدراً صالحاً من أبياتها .
(٣)
الخبر بطوله أخرجه أبو الفرج في الأغاني (٢٩٥/٩ - ٢٩٨) وفي آخره: (( ثم تقدم إليه نصيب فاستأذن في الإنشاد
(٤)
فأبى أن يأذن له ، وغضب غضباً شديداً ، وأمره باللحاق بدابق ، وأمر لي وللأحوص لكل واحد بمئة وخمسين
درهماً )).
(٥) في (ق): ((خبيثاً)) تصحيف ، والمثبت من (ب، ح ) ؛ والخشبية هم أصحاب المختار بن أبي عبيد. ويقال
لضرب من الشيعة الخشبية ، قيل : لأنهم حفظوا خشبة زيد بن علي حين صُلب ، والوجه الأول . النهاية في غريب
الحديث ( خشب ) .
(٦) ذكره المزي في تهذيب الكمال (٢٦/ ١٥٠).

٨٩
وفيات سنة ١٠٧ هـ
إلى اللّهِ من عَيْبِ ابنِ أسماءَ تائبُ
تبرَّأَتُ من عَيْب ابن أسماءَ إنني
وآباؤهُ فينا الكرامُ الأطايبُ(١)
هوَ المرءُ لا تُزْري بهِ أمهاتُه
وقال مُصعب بن عبد الله الزبيري : قالتْ عائشةُ بنتُ طَلْحة لكُثَيِّر عَزَّة : ما الذي يدعوك إلى ما تقولُ
من الشعر في عزَّة وليستْ على ما تَصِفُ من الحُسن والجمال ؟ فلو قلت ذلك فيّ وفي أمثالي فأنا أشرفُ
وأفضلُ وأحسَنُ منها٢) وإنما أرادتْ أنْ تختبرَه وتبلوَه ، فقال :
وأضحى يريدُ الصُّرْمَ أو يتبدَّلُ
صَحَا قلبُهُ يا عزّ أو كادَ يذهلُ
لعزَّةً لا قالٍ ولا متبذِّلُ
وكيف يُريدُ الصُّرْمَ منْ هوَ وامِقٌ
أبْنا وقلنا الحاجِبِيَّةُ أوَّلُ
إذا واصلَتْنا خُلَّةٌ كي تُزِيلَنا
ونحنُ لِتِيكَ الحاجبيَّةِ أوْصلُ
سنوليكِ عُزْفاً إنْ أردتِ وصالَنا
فحمّلها غَيْظاً عليَّ المحمِّلُ (٣)
وحدَّثَها الواشونَ أني هجرتُها
فقالتْ له عائشة : قد جعلْتَني خُلَّةً ولستُ لك بِخُلَّة ؛ وهلاَّ قلتَ كما قال جميل ، فهو والله أشعرُ منك
حیثُ يقول :
بالجِدِّ تخلِطُهُ بقولِ الهَازِلِ
يا ربَّ عارضةٍ علينا وصلَها
فأجبتُها بالقولِ بعدَ تسَتُّرٍ
لو كانَ في قلبي بِقَدْرِ قُلامةٍ
حُبِّي بثينةَ عن وصالِكِ شاغِلي
فَضْلٌ وصَلْتُكِ أو أتَتْكِ رسائلي (٤)
فقال : والله ما أُذكر فضلَ جَميل ، وما أنا إلا حسنة من حسناتِهِ ، واستحيا .
ومما أنشدَهُ ابنُ الأنباري لكُثَيّر عزَّة :
طَبِنَ العدوُّ لها فغيّرَ حالَها
بأبي وأُمِّي أنتِ من معشوقةٍ
جعلَ الإِلَّهُ خدودهن نِعَالَها
ومشى إليَّ بعيبِ عزةَ نسوةٌ
لاختَرْتُ قبلَ تأمُّلٍ تمثالَها
اللهُ يعلمُ لو جمعْنَ ومُثِّلَتْ
في الحُسْنِ عندَ موفَّقٍ لقَضى لها٥)
ولو أَنَّ عزةَ خاصمتْ شمسَ الضُّحى
(١) لم أجد الأبيات في ديوان كثير .
(٢) وهذه زيادة في ( ق) ليس في ( ب، ح) وهي: [ وكانت عائشةُ بنتُ طلحةَ قد فاقَتِ النساءَ حُسْناً وجمالًا
وأصالةً ] .
(٣) الأبيات من قصيدة في ديوان كثير ص (١٥٩) ما عدا البيت الثاني.
(٤)
الأبيات من قصيدة في ديوان جميل بثينة ص (٥٤ ).
(٥) الأبيات في ديوان كثير عزة ص (١٥٣) ما عدا البيت الثالث.

٩٠
وفيات سنة ١٠٧ هـ
وأنشد غيره لكثيِّر عزَّةً ) :
فما أحدثَ النأيُّ الذي كانَ بيننا سُلُوّاً ولا طولُ اجتماعِ تقالِيا
ولا كثرةُ الناهينَ إلَّ تَماديا
وما زادني الواشونَ إلا صَبَابةٌ
وقال كُثَيِّر أيضاً :
فقلتُ لها يا عزّ كلُّ مصيبةٍ
هَنيئاً مَرِيئاً غيرَ داءٍ مخامرٍ
وقال كُثير عزَّة أيضاً ، وفيه حِكْمةٌ أيضاً :
إذا وُطِّنَتْ يوماً لها النفسُ ذَلَّتِ
لِعَزَّةَ من أعراضِنا ما استحلَّتٍ(٢)
وعن بعضِ ما فيه يمُتْ وهو عَاتبُ
يَجِدْها ولا يَبْقَى له الذَّهْرَ صاحبُ(٣)
ومنْ لا يُغمِّضْ عَيْنهُ عن صديقهِ
ومن يتبَّعْ جاهداً كلَّ عَثْرةٍ
وذكروا أنَّ عزَّةً بنت جميلٌ بن حفص أحدٍ بني حاجب بن عبد الله بنِ غفَار ، أمّ عمرو الضَّمرِيَّة ؛
وفدَتْ على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظُلامة ، فقال : لا أقضيها لكِ حتى تنشديني شيئاً من شعره ،
فقالت : لا أحفظ لكثير شعراً ، لكني سمعتُهم يَحْكونَ عنه أنه قال فيَّ هذه الأبيات:
قَضَى كلُّ ذي دَيْنٍ علمتُ غَرِيمَهُ وَعِزَّةُ مَمْطُولٌ معنَّى غَرِيمُها٤)
فقال : ليس عن هذا أسألكِ ولكنْ أنشديني قوله :
وقد زعمتْ أني تغيَّرْتُ بعدَها ومَنْ ذا الذي يا عَزُّ لا يتغيَّرُ
تغيَّر جِسْمي والخليقةُ كالذي عَهِدْتِ ولمْ يُخْبَرْ بِسِرِّكِ مِخْبَر(٥)
قال فاستحيَتْ وقالتْ : أما هذا فلا أحفَظُه ، ولكنْ سمعتُهم يحكونهُ عنهُ، ولكنْ أحفظُ له قولَه :
كأنِّي أُنادي صخرةً حينَ أعرَضَتْ مِنَ الصُّمِّ لو تمشي بها العُضْمُ زلَّتِ
ومنْ ملَّ منها ذلكَ الوَصْلَ مَلَّت٦ْ)
صَفُوٌ فما تلقِاكَ إلا بَخيلةً
كذا في الأصول ، والشعر لجميل بثينة ، والبيتان من قصيدة له فيها في ديوانه ص (٤٧). وكذلك رواهما صاحب
(١)
الأغاني (١٣٤/٨) وعزاهما لجميل أيضاً، وكذا في ديوان الحماسة (١٢٩/٢).
(٢)
البيتان من قصيدة في ديوان كثير ص (٥٤) والأغاني (٣٨/٩).
البيتان من قصيدة في ديوان كثيرٍ ص (٣١)؛ وذكرهما صاحب جمهرة الأمثال (٢/ ٥٦).
(٣)
(٤)
البيت من قصيدة في ديوان كثير ص (٢٠٥).
البيتان من قصيدة في ديوان كثير ص (١٠٠)، وقد صحفت في ( ق ) بعض ألفاظهما فأثبتنا ما جاء في ( ب، ح )
(٥)
وديوان كثير ، والأغاني (٣٦/٩).
البيتان من قصيدة في ديوان كثير ص ٥٤ على خلاف في ألفاظ الشطر الأخير من البيت الثاني ، وفي الأغاني (٣٦/٩
(٦)
و٣٨) موافق لما هنا .

٩١
وفيات سنة ١٠٧ هـ
قال فقَضَى لها حاجتَها وردّها وردَّ عليها ظُلامتها وقال: أدْخِلُوها على الحُرَم ليتعلّموا من أدبها١)
ورُوي عن بعض نساءِ العرب قالت : اجتازتْ بنا عزَّة ، فاجتمع نساءُ الحاضر إليها لينظُرْنَ حُسْنها ،
فإذا هي حُميراء ، حلوةٌ لطيفة ؛ فلم تقعْ من النساءِ بذاك الموقع ، حتى تكلّمَتْ ، فإذا هي أبرَعُ النساءِ
وأحلاهنَّ حديثاً ، فما بقيَ في أعيينا امرأةٌ تفوقُها حسناً وجمالاً وحلاوةٌ .
وذكر الأصمعيُّ عن سفيانَ بن عُيَينة ، قال : دخلتْ عزَّةُ على سُكينةَ بنتِ الحسين فقالتْ لها : إني
أسألُكِ عن شيءٍ فاصدُقيني ، ما الذي أراد كُثَيٌِّ في قوله لك :
قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَريمهُ وعَزَّةُ مَمْطولٌ مُعَنَّى غَرِيمُها
فقالتْ : كنتُ وعدتُه قُبْلةً فمطلْتُه بها ، فقالت : أنجزيها له وإثمها عليّ(٢)
وقد [ كانتْ سُكينةُ بنتُ الحسين من أحسنِ النساء، حتى كان يُضربُ بحُسْنها المَثَل !(٣).
ورُوي أنَّ أُمَّ البنين أخت عمر بن عبد العزيز قالت لها مثل هذا سواء . والله أعلم . وروي أنَّ
عبدَ الملك بن مروان أراد أن يزوِّج كثيراً من عَزَّة ، فأبتْ عليه وقالتْ : يا أميرَ المؤمنين أبعدَ ما فَضَحني
بين الناس وشهرني في العرب ؟ وامتنعتْ من ذلك كلَّ الامتناع ! رواه ابن عساكر(٤) .
وروى (٥) أنها اجتازَتْ مرَّةً بِكُثَيِّر وهو لا يعرفُها فتنكَّرتْ عليه وأرادَتْ أن تختبر ما عندَه . فتعرّض
لها ، فقالتْ: فأين حُبُّك عَزَّة؟ فقال : أنا لك الفِدَاء، لو أنَّ عزَّةَ أمةٌ لي لوهبتُها لك . فقالتْ : وَيُحكَ،
لا تفعلْ ، ألستَ القائل :
إذا وصلتْنا خُلَّةٌ كي تُزيلنا أَبَيْنَا وَقُلْنا الحاجِبِيَّةُ أوَّلُ ؟
فقال : بأبي أنتِ وأُمي ، أقصِرِي عن ذكرِها واسمعي ما أقول :
هل وصلُ عزَّةَ إلَّ وصلُ غانيةٍ في وصلِ غانيةٍ مِنْ وَصْلِها بدَلُ(٦)
قالت : فهل لك في المجالسة ؟ قال : ومنْ لي بذلك ؟ قالت : فكيف بما قلتَ في عزَّة ؟ قال :
أقلِبُه فيتخَولُ لكِ . قال فسفَرتْ عن وجْهِها وقالت : أغدْراً وتنكاثاً يا فاسق ، وإنَّك لها هنا يا عدوَّ الله ،
أخرج الخبر أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني (٣٥/٩ - ٣٨) بألفاظ مقاربة .
(١)
أخرجه ابن عساكر ( المختصر لابن منظور (١٨٩/٢٠)) وأبو الفرج في الأغاني (٣٦/٩) بنحوه .
(٢)
(٣)
ما بين معقوفين زيادة من النسخة ( ق ) .
في ترجمة عزة، انظر مختصره لابن منظور (١٨٨/٢٠) وهو بتحقيقي .
(٤)
(٥)
يعني ابن عساكر في تاريخه انظر المصدر السابق ص (١٨٩).
البيت في ديوان كثير ص (٥١٦) وتروى قافيته (( خلف))، انظر الديوان ص (٥٠٥).
(٦)

٩٢
أحداث سنة ١٠٨ هـ
فبُهتَ وأَبْلَس ولم ينطِقْ ، وتحيّر وخَجِل ، ثم قالت : قاتل الله جميلاً حيثُ يقول :
لحَا اللهُ منْ لا ينفعُ الوُدُّ عندَهُ ومِنْ حَبْلُهُ إِنْ صُدَّ غَيْرُ مَتينٍ
ومنْ هو ذو وجهَيْنِ ليسَ بدائمٍ على العَهْدِ حَلَّفٌ بكلِّ يمينٍ (١)
ثم شرَعَ كثير يعتذِرُ ويتنضَّل مما وقع منه ويقول في ذلك الأشعارَ ذاكراً وآثرا(٢) .
وقد ماتَتْ عَزَّةُ بمصرَ في أيام عبد العزيزِ بنِ مروان ، وزار كُثَيِّرٌ قبرَها ، ورثاها ، وتغيَّرَ شعرُه بعدَها ،
فقال له قائل : ما بالُ شعرِك تغيَّر وقد قصَّرْتَ فيه ؟ فقال : ماتتْ عزَّةُ ولا أطرب ، وذهب الشبابُ فلا
أعجَب ، وماتَ عبدُ العزيز بن مروان فلا أرغَب، وإنما ينشَأُ الشعرُ عن هذه الخِلال.
وكانت وفاته ووفاة عِكرمة في يومٍ واحد ، ولكنْ في سنةِ خمسٍ ومئة على المشهور . وإنما ذكره
شيخنا أبو عبد الله الذهبي في هذه السَّنة - أعني سنة سبعٍ ومئة - والله سبحانه أعلم .
ثم دخلت سنة ثمان ومئة
ففيها افتتح مَسْلَمةُ بن عبد الملك قَيْساريَّة من بلاد الروم ، وفتح إبراهيمُ بن هشام بن عبد الملك
حصناً من حصون الرُّوم أيضاً ، وفيها غزا أسدُ بن عبد الله القَسْريُّ أميرُ خراسان ، فكسَرَ الأتراك كسرةً
فاضحة .
[ وفيها زحَفَ خاقانُ إلى أذْربيجان، وحاصر مدينةً وَرْثانَ(٣)، ورماها بالمَنَاجيق، فسار إليه أميرُ
تلك الناحية الحارث بن عمرو نائبُ مسلمةَ بنِ عبد الملك ، فالتقى مع خاقان ملكِ الترك فهزمَهُ ، وقُتل من
جيشه خَلْقٌ كثير ، وهرب الخاقانُ بعد أنْ كان قُتل في جملة من قتل جيشه ، وقُتل الحارثُ بن عمرو
شهيداً ، وذلك بعد أنْ قتلوا من الأتراك خَلْقاً كثيراً .
وفيها غزا معاويةُ بنُ هشام بن عبد الملك أرضَ الروم ، وبعث البَطَّال على جيشٍ كثيف ، فافتَتَح
جَنْجَرة(٤)، وغَنِم منها شيئاً كثيراً }(٥).
(١) البيتان في ديوان جميل ص (٢١٠) بخلاف يسير.
(٢)
والخبر بنحوه في الأغاني (٤١/٩، ٤٢).
(٣) ورثان: آخر حدود أذربيجان انظر معجم البلدان (٣٧٠/٥).
(٤) جنجرة : مدينة قرب حضرموت. انظر معجم البلدان (١٦٨/٢).
(٥) ما بين معقوفين زيادة من ( ق ) .

٩٣
وفيات سنة ١٠٨ هـ
وفيها تُوفي من الأعيان :
بَكْرُ بن عبد الله المُزني البصري(١)
(٢)
وراشد بن سعد المقرائي الحمصي
ومحمد بن كعب القُرظي (٣) : توفي فيها في قولٍ.
(١) ترجمته في طبقات ابن سعد (٢٠٩/٧)، مشاهير علماء الأمصار ص (٩٠)، معرفة الثقات للعجلي
(٢٥١/١)، الثقات لابن حبان (٧٤/٤)، التاريخ الكبير (٩٠/٢)، الجرح والتعديل (٣٨٨/٢)، الحلية
(٢٢٤/٢)، صفة الصفوة (٢٤٨/٢)، المختار من مناقب الأخيار (٤٧٦/١)، تهذيب الكمال (٢١٦/٤)
سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٣٢)، الوافي (١٠ /٢٠٧) تقريب التهذيب ص (١٢٧)، تهذيب التهذيب (٤٨٤/١).
وما سيأتي من زيادات (ق) التي أقحمت في المتن وهي : [ كان عالماً عابداً زاهداً متواضعاً قليلَ الكلام ، وله
رواياتٌ كثيرة عن خَلْقٍ من الصحابة والتابعين .
قال بكرُ بن عبد الله: إذا رأيتَ منْ هو أكبرُ منك مِن المسلمين فقل : سبَقْتُه إلى المعاصي فهو خيرٌ مِنِّي ، وإذا
رأيتَ إخوانَك يُكرمونك ويُعظّمونك فقل : هذا من فَضْل ربِّي، وإذا رأيتَ منهم تقصيراً فقل : هذا بذنْبٍ أحدثته
( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٢٦/٢). ).
وقال : منْ مثلُكَ يا ابن آدم ؟ خُلِّي بينك وبين الماء والمحراب ، متى شئتَ تطهّرْتَ ودخلتَ على ربك
عزَّ وجلَّ ، ليس بينك وبينه تَرْجُمانٌ ولا حاجِب .
وقال : لا يكونُ العبدُ تقيّاً حتى يكون بطيء الطَّمَع، بطيء الغَضَب ( في (ق): (( تقي الطمع ، تقي
الغضب))، والمثبت من الحلية (٢٢٥/٢). ).
وقال : إذا رأيتُمُ الرجلَ موكلاً بعيوبِ الناسِ ناسياً لعيبه فاعلموا أنه قد مُكِر به .
وقال : كان الرجل من بني إسرائيل إذا بلَغَ المبلغَ الصالح من العمل فمشى في الناس تُظَلِّلُه غمامة ؛ قال: فمرّ
رجلٌ قد أظلَّْه غمامة على رجل ، فأعظمه لما رآه مما آتاه الله ، فاحتقره صاحبُ الغَمَامة ، فأمرَها الله أنْ تتحوَّل عن
رأسه إلى رأسِ الذي احتقره، وهو الذي عظّم أمرَ الله عزَّ وجلَّ ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢٢٦/٢). ).
وقال : ما سبقهم أبو بكرٍ بكثيرِ صلاةٍ ولا صيام ، ولكنْ بشيءٍ قرَّ في صَدْرِه
.
وله كلامٌ حسنٌ كثير ، يطولُ ذِكرُه ] .
(٢) ترجمته في طبقات ابن سعد (٤٥٦/٧)، التاريخ الكبير (٢٩٢/٢)، الجرح والتعديل (٤٨٣/٣)، حلية
الأولياء (١١٧/٦)، تهذيب الكمال (٨/٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٩٠). وهذه الزيادة من (ق) وهي:
[ عُمِّرَ دهراً، وروى عن جماعةٍ من الصحابة ، وقد كان عابداً صالحاً زاهداً. رحمه الله تعالى ، وله ترجمة
طويلة ] .
(٣) ترجمته في طبقات ابن سعد ( القسم المتمم ص (١٣٤))، تاريخ خليفة (٣٤٨)، طبقات خليفة ص (٢٦٤)،
التاريخ الكبير (٢١٦/١)، المعارف ص (٤٥٨)، الجرح والتعديل (٦٧/٨)، حلية الأولياء (٢١٢/٣)،
المختار من مناقب الأخيار (٤٣٢/٤). مختصر تاريخ دمشق ( ١٧٩/٢٣)، تهذيب الكمال (٣٤٠/٢٦)، سير
أعلام النبلاء ( ٦٥/٥)، تهذيب التهذيب (٤٢٠/٩)، الكواكب الدرية (٤٢٩/١). وما سيأتي هنا من زيادات
( ق ) التي أشرت إليها وهي : [ وهو أبو حمزة ، له رواياتٌ كثيرةٌ عن جماعةٍ من الصحابة ، وكان عالماً بتفسير
القرآن ، صالحاً عابداً .
=

٩٤
وفيات سنة ١٠٨ هـ
قال الأصمعي : حدّثنا أبو المقدام - هشام بن زياد - عن محمد بن كعب القرظي أنه سئل : ما علامة الخِذْلان ؟
قال : أن يقبحَ الرجلُ ما كان يستحسن ، ويستحسن ما كان قبيحاً .
وقال عبدُ الله بن المبارك ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (٩٧) وأبو نعيم في الحلية ( ٢١٤/٣). ): حدّثنا
عبد الله بن عبدِ الله بن موهب قال : سمعتُ ابنَ كعِبٍ يقول : لأنْ أقرأ في ليلةٍ حتى أَصبح إذا زُلزلت والقارعة لا أزيدُ
عليهما ، وأردِّدَ فيهما الفكر ، أحبُّ إليَّ من أن أهذَّ القرآن هَذَّاً - أوْ قال: أنثرُه نثراً -.
وقال: لو رُخِّصَ لأحدٍ في تَرْك الذِّكْر لَرُخّص لزكريا عليه السلام؛ قال تعالى: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّاّتُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ
أَيَّامٍ إِلَّ رَهْزًا وَأَذْكُرُ زَبَّكَ كَثِيرًا وَسَيْحُ بِالْعَشِ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١] فلو رُخِّص لأحدٍ في ترك الذكر لَرُخِّصَ
له، ولرُخِّصَ للذين يقاتلون في سبيل الله؛ قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةٌ فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ
كَثِيرً ا لَعَلَّكُمْ نُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] (أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢١٥/٣). ).
وقال في قوله تعالى: ﴿أَصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ قال : اصبروا على دينكم وصابروا لوعدِكم الذي وعدتم ،
ورابطوا عدوّكم الظاهرَ والباطن، ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ فيما بيني وبينكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [ آل عمران: ٢٠٠] إذا
لقيتموني .
وقال في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَّءَاِبُرْهَانَ رَبِّهٍ،﴾ [يوسف: ٢٤]: علْمَ ما أحلَّ القرآنُ مما حرَّم ( أخرجه أبو نعيم
في الحلية (٢١٥/٣)؛ وفيه: (( ما أُحلَّ في القرآن ... )).).
﴿ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] قال: القائم ما كان من بنائهم قائماً، والحَصيد ما حُصِد فهُدِم ( كذا في
(ق )، والذي في الحلية (٢١٥/٣): ((من نباتهم قائماً، والحصيد ما قد حصد)).).
﴿ إِنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] قال : غرموا ما نعموا به من النعم في الدنيا، وفي رواية سألهم ثمن
نعمةٍ فلم يقدروا عليها ولم يؤدُّوها، فأغرَمَهم ثمنَها. فأدخلهم النار ( أخرجه أبو نعيم في الحلية (٢١٦/٣).).
وقال قتيبة بن سعيد : حدّثنا عبدُ الرحمن بن أبي الموالي قال: سمعتُ محمد بن كعب في هذه الآية ﴿ وَمَآءَاتَّيْتُم
مِّن رِّبًا لِيَرَبُوَأْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْيُواْ عِندَ الَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]، قال: هو الرجل يُعطي الآخَرَ من ماله ليكافئه به أو
يزداد ، فهذا الذي لا يربو عند الله ، والمضعِفون هم الذين يُعطون لوجهِ الله، لا يَبْتَغي مكافأةً أحدٍ .
وفي قوله تعالى: ﴿أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [ الإسراء: ٨٠]، قال : اجعلْ سريرتي وعلانيتي
حسنة .
وقيل : أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صدقٍ ، في العمل الصالح ، أي الإخلاص ، وأخرجْني مخرجَ صدقٍ ، أي سالماً .
﴿أَوْأَلْفَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، أي يسمعُ القرآن وقلبه معه، لا يكون في مكانٍ آخر .
﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكِرِ اللَّهِ﴾ [ الجمعة: ٩]، قال: السَّعْيُ العملُ ليس بالشَّدِّ.
وقال : الكبائر ثلاثة ، أنْ تأمنَ مكر الله، وأن تقنَطَ من رحمةِ الله ، وأن تيأس من روح الله .
وقال عبدُ الله بن المبارك ( أخرجه ابن المبارك في الزهد ص (٩٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢١٣/٣). ) :
حدّثنا موسى بن عُبيدة عن محمد بن كعب ، قال : إذا أرادَ الله بعبدٍ خيراً جعل فيه ثلاثَ خصال ، فقهاً في الدِّين ،
وزَهادةً في الدنيا ، وبصَراً بعيوبٍ نفسه .
وقال : الدنيا دارُ قَلَق، رَغبَ عنها السعداء ، وانتُزعتْ من أيدي الأشقياء ، فأشقى الناس بها أرْغَبُ الناسِ فيها ،
وأزْهدُ الناسِ فيها أسعَدُ الناسِ بها ، هي الغاوِيَةُ لمنْ أضاعَها ، المُهْلِكةُ لمن اتَبعها ، الخائنةُ لمنِ انقادَ لها ؛َ عِلْمُها
جَهْل، وغناؤها فقر، وزيادتها نُقْصَان، وأيامُها دُوَل ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٢١٣/٣).).
وروى ابنُ المبارك ( في كتابه الزهد ص ( ١٥٠). ) عن داودَ بنِ قيس ، قال : سمعتُ محمد بن كعب يقول :

٩٥
وفيات سنة ١٠٨ هـ
إنَّ الأرض لتبكي من رجلٍ ، وتبكي على رجل ؛ تبكي على منْ كان يعمَلُ على ظهرِها بطاعةِ الله ؛ وتبكي ممنْ كان
يعملُ على ظهرِها بمعصية الله، قد أثقلها ؛ ثم قرأ: ﴿ فَمَابَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاُلْأَرْضُ ﴾ [ الدخان: ٢٩].
وقال في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (ْ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّيَرَهُ﴾[ الزلزلة: ٧ -
٨ ١ : منْ يعملْ مثقالَ ذرَّةٍ خيراً من كافرٍ يرى ثوابَها في نفسِهِ وأهلِه ومالِه حتى يخرجَ من الدنيا وليس له خير ؛ ومنْ
يعمل مثقالَ ذرةٍ شراً يرَه ، من مؤمن يرى عقوبتها في نفسه وأهله وماله حتى يخرجَ من الدنيا وليس له شرّ ( أخرجه
الطبري في تفسيره (٢٦٨/٣٠)، وأبو نعيم في الحلية (٢١٣/٣). ).
وقال : ما يؤمنني أنْ يكونَ الله قدِ اطلع عليَّ في بعض ما يكره فمقتني ، وقال : اذهبْ لا أغفرُ لك؛ معَ أنَّ
عجائبَ القرآن تَرِدُني على أمور ، حتى إنه لينقضي الليلُ ولم أفرُغْ من حاجتي ( أخرجه أبو نعيم في الحلية
(٢١٤/٣)، وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٦٥/٥، ٦٦). ).
وكتب عُمر بن عبد العزيز إلى محمد بن كعب يسألُه أنْ يبيعَه غلامه سالماً - وكان عابداً خيراً زاهداً - فكتب إليه :
إني قد دَبَّرْتُه ( دَبَّرَ العَبْدَ: أعتقه بعد الموت. )، قال: فأزُرْنيهِ ( في ( ق): (( فازدد فيه )) ، والمثبت من الحلية
(٣٢٩/٥)، وأزرنيه: من الزيارة. )، فأتاه سالم فقال له عمر: إني قد ابتُليتُ بما تَرَى، وأنا والله أتخوَّفُ أنْ
لا أنجو . فقال له سالم : إنْ كنتَ كما تقول فهي نجاتك ، وإلا فهو الأمرُ الذي تخاف . قال : يا سالم ، عِظني ،
قال : آدمُ عليه السلام أخطأ خطيئة واحدةً خرج بها من الجنة ، وأنتم مع عَملِ الخطايا ترجونَ دخولَ الجنة . ثم
سكت ( أخرجه أبو نعيم في الحلية ( ٢١٤/٣ و٣٢٩/٥). ).
قلتُ : والأمر كما قيل في بعض كتب الله: تزرعون السيئات وترجونَ الحسنات ، لا يُجتنى من الشَّوك العنب .
دَرَجَ الجنانِ وطِيبَ عيشِ العابدِ
تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وتَرْتَجِي
منها إلى الدنيا بذنْبَ واحِدٍ
ونَسيتَ أنَّ اللهَ أخرجَ آدماً
( ذكره المؤلف في تفسيره ( ١ / ٨٢ ) وقبل البيتين :
ومشاهداً للأمر غير مشاهدٍ )
يا ناظراً يرنو بعيني راقدٍ
وقال : منْ قرأ القرآنَ مُتِّعَ بعقْلِهِ وإنْ بلَغَ من العمر مئتي سنة ( ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة
(١٣٣/٢).) .
وقال له رجل : ما تقولُ في التوبة ؟ قال : لا أُحسنها ، قال : أفرأيت إن أعطيتَ الله عهداً أنْ لا تعصيَه أبداً ؟
قال : فمنْ أعظمُ جُرْماً منك؟ تتألَّى على الله أن لا يُنْفِذَ فيك أمرَه !
وقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني : حدّثنا ابنُ عبدِ العزيز، حدّثنا أبو عبيد القاسمُ بن سلام ،
حدّثنا عبَّاد بن عباد، عن هشام بن زياد أبي المِقْدام، قالوا كلُّهم : حدّثنا محمد بن كعب القُرَظي قال : حدّثنا ابن
عباس، أنَّ رسولَ اللهَوَ ◌ّه قال: ((منْ أحبَّ أنْ يكونَ أغنى الناس فليْكُنْ بما في يدِ الله أوثقَ ممَّا في يده؛ ألا أُنْبِئُكم
بشرارِكم))؟ قالوا: نَعَمْ يا رسولَ الله. قال: (( منْ نِزَلَ وحدَه، ومِنَعَ رِفْدَّه، وجَلَدَ عبدَه؛ أفأنبتُكُم بِشَرِّ من
هذا))؟ قالوا: نَعَمْ يا رسولَ الله. قال: ((منْ لا يُقيلُ عَثْرَةً ولا يقبَلُ معذَرَةً، ولا يغفرُ ذنباً)). ثم قال: ((ألا
أَنِتُكم بشرٌّ منْ هذا))؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ((مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُه ، ولا يُؤْمنُ شُّه ؛ إنَّ عيسى بن مريم
قام في بني إسرائيلَ خطيباً فقال : يا بني إسرائيل ، لا تكلّموا بالحِكمةِ عند الجُهَّال فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها
فتظلموها - وقال مرَّةً فتظلموهُمْ - ولا تظلموا ظالماً، ولا تكافئوا ( في (ق): ((ولا تطاولوا))، تصحيف ،
والمثبت من الحلية ومصادر التخريج. ) ظالماً فيبطُلَ فَضْلُكم عند ربِّكُمْ، يا بني إسرائيل، الأمورُ ثلاثة، أمْرٌ تَبَيِّنَ
رُشْدُه فاتَّبعوه، وأمرٌ تبيَّن غِيُّه فاجتنبوه، وأمْرٌ اختُلِف فيه فردُوه إلى الله)). وهذه الألفاظُ لا تحفظ عن النبيِّ وَل

٩٦
أحداث سنة ١٠٩ هـ - أحداث سنة ١١٠ هـ
وأبو نَضْرَةَ المنذرُ بن مالك بن قطعة العبدي (١): وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل(٢).
وحجَّ بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي أمير الحرمين والطائف ، والعمال فيها هم
العمال في التي قبلها بأعيانهم(٣) .
ثم دخلت سنة تسع ومئة
ففيها عَزل هشامُ بن عبدِ الملك أسَدَ بنَ عبد الله القَسْريَّ عن إمرة خُراسان، وأمَرَهُ أن يقدم إلى الحجّ ،
فَأقبَلَ منها في رمضان ، واستخلف على خراسان الحكم بن عَوَانة الكَلْبِي ، واستنابَ هشامُ على
خراسان ، أشرَسَ بن عبد الله السلمي ، وأمره أن يكاتب خالد بن عبد الله القَسْري ، وكان أشرسُ فاضلاً
خيِّراً ، وكان يُسمَّى الكامل لذلك، وكان أولَ من اتخذ المرابطة بخراسان ، واستعمل عليها
عبد الملك بن دثار الباهلي ، وتولَّى هو الأمورَ بنفسِه كبيرَها وصغيرَها ، ففَرِح بهِ أهلُها٤).
وفيها حجَّ بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين والطائف .
سنة عشر ومئة من الهجرة النبويّة
فيها قاتل مَسْلَمةُ بن عبدِ الملك ملكَ التُّرْكِ الأعظم خاقان ، فزحف إلى مسلمةَ في جموع عظيمة
فتواقفوا نحواً من شهر ، ثم هزَمَ الله خاقان زمنَ الشتاء ، ورجع مسلمةُ سالماً غانماً ، فسلك على مسلك
ذي القَرْنين في رجوعه إلى الشام ، وتُسَمَّى هذه الغَزَاءُ غزاةَ الطِّين ، وذلك أنهم سلكوا على مغارق
بهذا السياق إلَّ من حديث محمد بن كعب عن ابن عباس (هذا لفظ أبي نعيم في الحلية ( ٢١٩/٣)، والقول بعد
=
الحديث له . ) .
وقد رُوي أولُ الحديث إلى ذكر عيسى من غير طريقه ، وسيأتي أنَّ هذا الحديث تفرَّد به الطبراني بطوله والله
سبحانه وتعالى أعلم ] ( والحديث أخرجه من غير طريق الطبراني عبد بن حميد في مسنده (٢٢٥/١) (٦٧٥)،
والحاكم في المستدرك (٣٠١/٤) (٧٧٠٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ٣٤٠) في ترجمة هشام بن زياد بن
سعدويه المروزي أبي المقدام . وأورده الزيلعي في نصب الراية (٦٢/٣)، وإسناده ضعيف ).
(١) ترجمته في الجرح والتعديل (٢٤١/٨)، ومعرفة الثقات للعجلي (٢٩٨/٢)، ومشاهير علماء الأمصار
ص (٩٦)، ميزان الاعتدال (٥١٥/٦)، تقريب التهذيب ص (٥٤٦).
(٢)
انظر ص (٦٥ - ٧٦ ).
هذه الفقرة سقطت من ( ق ) وأثبتها من ( ب، ح ) .
(٣)
(٤) انظر تاريخ الطبري (٤/ ١٢٧).

٩٧
وفيات سنة ١١٠ هـ
ومواضع غَرِق فيها دواب كثيرة ، وتوخَّل فيها خَلْقٌ كثير ، فما نجَوْا حتى قاسَوْا شدائدَ وأهوالًا صِعاباً ،
وشدائد عظاماً(١)
وفيها دعا أشرسُ بن عبدِ الله السلمي نائبُ خراسان أهلَ الذِّمَّة بسَمَرْ قَنْد ومنْ وراءَ النهر إلى الدخولِ في
الإسلام ، على أن يضعَ عنهم الجِزية، فأجابوهُ إلى ذلك، وأسلم غالبهم(٢) ، ثم طالبهم بالجِزْية فنَصبوا
له الحَرْب وقاتلوه ؛ ثم كانت بينه وبين الترك حروبٌ كثيرة ، أطال ابنُ جريرٍ بسطَها وشرحها فوق
الحاجة(٣)
وفيها [ أرسل أميرُ المؤمنين هشامٌ عُبيدة٤ٌ) إلى إفريقيةَ متولِياً عليها؛ فلما وصل جَهَّزَ ابنه وأخاه في
جيش ، فالتقَوْا مع المشركين ، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً وأسروا بطريقهم وانهزم باقيهم ، وغنم المسلمون
منهم شيئاً كثيراً .
وفيها افتتح معاويةُ بن هشام حِصْنَيْنِ من بلاد الرُّوم ، وغنم غنائمَ جَمَّة .
وفيها }٥) حجَّ بالناس إبراهيم بن هشام بن إسماعيل ، أمير الحرمين والطائف ، وعلى العراق خالد
القَسْري، وعلى خُراسان أشْرَسُ السُّلَمي .
ذكر من تُوفي فيها من الأعيان :
جَرير الشاعر(٦): وهو جَرِير بنُ الخَطَفَى ويقال: جرير بن عَطِيَّة بن الخَطَفَى، واسمُ الخَطَفى
حُذيفة بن بدر بن سلمة بن عَوْف بن كُليب بن يَرْبوع بن حَنْظَلة بن مالك بن زيد مَنَاة بن تميم بن مُرِّ بن
أُدٌّ بن طابخة بن إلياس بن مُضَر بن نزار، أبو حَزْرَةً(٧) الشاعر البَصْري ، قدِم دمشق مراراً عدَّة ، وامتدح
يزيد بن معاوية ، وعبد الملك بن مروان وبنيه الوليد وسليمان ويزيد ، ووفد على عمر بن عبد العزيز ؛
وكان في عصرِهِ من الشعراء الذين يقارنونه الفرَزْدَقُ والأخْطَل ، وكان جريرٌ أشعرَهم وأخْيَرَهم . قال غيرُ
واحدٍ : هو أشعرُ الثلاثة .
(١) انظر تاريخ خليفة ص (٣٣٩).
في (ب، ح): ((وأسلموا))، والمثبت من ( ق ).
(٢)
(٣)
انظر تاريخ الطبري (١٢٩/٤) وما بعدها .
في (ق): ((هشام بن عبيدة))، والمثبت من تاريخ اليعقوبي (٣١٨/٢) ومعجم البلدان (٢٢٩/١)، والحلة
(٤)
السيراء (٦٤/١) والنجوم الزاهرة (٢٤٥/١) . وهو عبيدة بن عبد الرحمن ابن أخي الأعور السلمي ، صاحب
خيل معاوية بصفين ؛ انظر ترجمته في الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (١/ ١٦٠).
ما بين معقوفين زيادة من ( ق ) .
(٥)
ترجمته في طبقات فحول الشعراء (٢٩٧/٢)، وفيات الأعيان (٣٢١/١)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩٠).
(٦)
في (ق): ((أبو حرزة)) وهو تصحيف، والمثبت من (ب، ح) والإكمال لابن ماكولا (٤٦٠/٢، ٤٦١).
(٧)

٩٨
وفيات سنة ١١٠ هـ
قال أبو بكر بنُ دريد: حدّثنا الأشْنَانْدَاني، حدّثنا التوَّزيُ(١) عن أبي عبيدة عن عثمان البَِّّي ، قال :
رأيتُ جريراً وما تضم شفتاه من التسبيح ، فقلت : وما ينفعك هذا وأنت تقذفُ المحصنة ؟ فقال :
(( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنَّ الحسناتِ يُذهبنَ السيئات))، وَعْدٌ من الله حَقٌ(٢)
وقال هشام بن محمد الكلبي عن أبيه قال : دخل رجلٌ من بني عُذْرة على عبد الملك بن مروان يمتدحُه
بقصيدة وعنده الشعراء الثلاثة ، جرير والفرزدق والأخطل ، فلم يعرِفْهُم الأعرابي ، فقال عبد الملك
للأعرابي : هل تعرفُ أهجى بيتٍ قالتْه العرب في الإسلام ؟ قال : نعم ! قولُ جرير :
فَغُضَّ الطرفَ إنكَ من نُمَّيْرٍ فلا كَعْباً بلغتَ ولا كِلابا
فقال : أحسنت ؛ فهل تعرفُ أمدحَ بيتٍ قيل في الإسلام ؟ قال نعم ! قولُ جرير :
ألستمْ خيرَ من ركبَ المطايا وأندَى العالمين بطونَ راحٍ
فقال : أصبتَ وأحسنت ، فهل تعرفُ أرقَّ بيتٍ قيل في الإسلام ؟ قال : نعم ! قولُ جرير :
إنَّ العيونَ التي في طَرْفِها مَرضٌ قَتَلْنَنَا ثُمَّ لم يُحيينَ قَتلانا
يصرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حَرَاكَ به وهنَّ أضْعفُ خلْقِ الله أزكانا
فقال : أحسنت ؛ فهل تعرفُ جريراً ؟ قال : لا والله ، وإني إلى رؤيته لمشتاق . قال : فهذا جرير
وهذا الفرزدق ، وهذا الأخطل ، فأنشأ الأعرابي يقول :
فحَيَّا الإلَّهُ أبا حَزْرَةٍ(٣) وأرغمَ أنفكَ يا أخطلُ
ودَقَّ خياشيمَهُ الجَنْدلُ
وجدُّ الفرزدقِ أتعِسْ بهِ
فأنشأ الفرزدق يقول :
يا أرغَم اللهُ أنفاً أنتَ حاملُهُ
يا ذا الخَنا ومَقَالِ الزُّورِ والخطَلِ
ولا الأصيلِ ولا ذي الزَّأْيِ والجدّلِ
ما أنتَ بالحكمِ الْتُرْضَى حكومَتُهُ
ثم أنشأ الأخطل يقول :
يا شرَّ منْ حملَتْ ساقٌ على قدم ما مثلُ قولِكَ في الأقوامِ يُحتَملُ
(١) في بعض النسخ: ((الثوري))، وهو تصحيف لا ريب فيه، فقد استدرك ابن الأثير نسبة ((الأشنانداني)) في اللباب
على أبي سعد السمعاني في الأنساب ، ونسب إليها أبا عثمان سعيد بن هارون الأشنانداني صاحب كتاب المعاني ،
فذكر أنه أخذ العلم عن أبي محمد التوزي وأن أبا بكر بن دريد روى عنه ( بشار ) .
ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٩١)، وتحرف فيه ((البتي)) إلى ((التميمي)).
(٢)
(٣) في ( ق، ب): (( حرزة)) تصحيف ، انظر الحاشية ( ٧) من الصفحة السابقة .

٩٩
وفيات سنة ١١٠ هـ
إنَّ الحكومةَ ليستْ في أبيكَ ولا في معشرٍ أنتَ منهمْ إنهمْ سفَلُ
فقام جرير مغضباً وقال :
عند الخليفةِ والأقوالُ تنتضلُ
شتمتما قائلاً بالحقِّ مبتدئاً
ففيكما - وإلّهي - الزُّورُ والخطَلُ
أتشتمانِ سَفاهاً خَيْرَكمْ حسباً
لا زِلْتما في سفَالٍ أَيُّهَا السَّفَلُ (١)
شتمتماهُ على رَفْعي ووضْعِكما
ثم وَثَبَ جريرٌ فقبَّلَ رأسَ الأعرابي وقال : يا أمير المؤمنين جائزتي له ؛ وكانت خمسة عشر ألفاً .
فقال عبد الملك : وله مثلُها من مالي، فقبض الأعرابيُّ ذلك كلَّه وخَرَجُ(٢) .
وحكى يعقوبُ بن السِّكِّيت ، أنَّ جريراً دخل على عبد الملك مع وفدِ أهلِ العراق من جهة الحجاج
فأنشده مدیحَهُ الذي يقول فيه :
(٣)
وأندى العالمين بطون راح
ألستمْ خيرَ من رَكبَ المطايا
فأطلَق له مئة ناقة وثمانيةً من الرِّعاء ، أربعة من النوبة ، وأربعة من السبي الذين قدم بهم من الصُّغْد .
قال جرير : وبين يدي أمير المؤمنين عبد الملك جاماتٌ (٤) من فضَّة قد أُهديَتْ له ، وهو لا يعبأ بها شيئاً ،
فهو يقرَعُها بقضيبٍ في يده ، فقلت : يا أمير المؤمنين المحلب ، فألقى إليَّ واحداً من تلك الجامات ،
ولما رجع إلى الحجّاج أعجبَهُ إكرامُ أميرِ المؤمنين له ، فأطلق الحجَّاج له خمسين ناقةً تحملُ طعاماً
لأهله .
وحكى نِفْطوَيْه أنَّ جريراً دخل يوماً على بشر بن مروان وعنده الأخطل ، فقال بشر لجرير : أتعرفُ
هذا ؟ قال : لا ، ومنْ هذا أيها الأمير؟ فقال: هذا الأخطل . فقال الأخطل : أنا الذي شتمتُ عِرْضَك
وأسهرت ليلك ، وآذيت قومك . فقال جرير : أما قولك شتمت عرضك ؛ فما ضرَّ البحرَ أنْ يشتمَهُ منْ
غَرِق فيه ، وأما قولك وأسهرتُ ليلك ، فلو تركتني أنامُ لكانَ خيراً لك ، وأما قولك وآذيتُ قومك ،
فكيف تؤذي قوماً أنت تؤدِّي الجِزْية إليهم ؟ وكان الأخطل من نصارَى العرب المتنصِّرة، قَتَّحهُ الله وأبعدَ
مثواه ، [ وهو الذي أنشدَ بشر بن مروان قصيدته التي يقولُ فيها :
(١) الأبيات في ديوان جرير ص (٣٩١).
الخبر أورده ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة (٢٦٩/١، ٢٧٠). وأخرجه أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني
(٢)
(٨/ ٤٤ - ٤٦) مطولاً بغير هذا السياق، ولم يكن في المجلس الفرزدق والأخطل.
(٣)
البيت من قصيدة مشهورة في ديوان جریر ص (٧٦ ).
في (ق): ((جامانٍ)) بالنون، تصحيف ، والمثبت من ( ح).
(٤)

١٠٠
وفيات سنة ١١٠ هـ
قدِ استوى بِشْرٌ على العراقِ من غيرِ سيفٍ ودمٍ مُهْرَاقٍ(١)
وهذا البيت تستدلُّ به الجهميَّةُ على أنَّ الاستواءَ على العرش بمعنى الاستيلاء ؛ وهذا من تحريف
الكَلِم عن مواضعِه ، وليس في بيت هذا النصرانيِّ حُجَّةٌ ولا دليلٌ على ذلك، ولا أراد الله عزَّ وجلَّ باستوائه
على عرشه استيلاءه عليه ، تعالى الله عن قولِ الجهميّة علوّاً كبيراً، فإنَّه إنما يقال استوى على الشيء إذا
كان ذلك الشيء عاصياً عليه قبل استيلائه عليه ، كاستيلاء بِشْرٍ على العراق، واستيلاء المَلِك على المدينة
بعد عصيانِها عليه ، وعَرْشُ الربِّ لم يكنْ ممتنعاً عليه نفساً واحداً ، حتى يقال استوى عليه ، أو معنى
الاستواء الاستيلاء ، ولا تجد أضعف من حُجج الجَهْمية، حتى أدَّاهم الإفلاس من الحُجَج إلى بيتِ هذا
النصرانيِّ المقبُوح ، وليس فيه حجة والله أعلم ]٢) .
وقال الهيثم بن عَدي عن عوانة بن الحكم قال : لما استُخلف عمر بن عبد العزيز وفَدَ إليه الشعراء ،
فمكثوا بيابه أياماً لا يؤذَنُ لهم ولا يُلتفتُ إليهم ، فساءهم ذلك، وهمُّوا بالرجوع إلى بلادهم ، فمرَّ بهم
رجاءُ بن حَيْوَة ، فقال له جرير :
يا أيُّها الرجلُ المُرْخي ◌ِمَامتَهُ هذا زمانُكَ فاستأذِنْ لنا عُمرا
فدخل ولم يذكُرْ لعمرَ مِنْ أمرهم شيئاً ، فمرَّ بهم عدُّ بن أرطَاة فقال له جرير منشداً :
هذا زمانكَ إني قدْ مَضَى زمني
يا أيها الراكبُ المرخِي مَطِيَّتِه(٣)
أني لدى البابِ كالمَصْفُودِ فِي قَرَنِ
أبلغْ خليفَتنا إنْ كنتَ لاقيَه
قد طالَ مُكْثي عن أهلي وعن وطني(٤)
لا تنسَ حاجتنا لاقَيْتَ مغفرةً
فدخل عديٌّ على عمر بن عبد العزيز فقال : يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك ، وسهامُهم مسمومة ،
وأقوالُهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي، مالي وللشعراء؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنَّ رسولَ الله وَ ل قد
كان يسمَعُ الشعر ويُجْزي عليه ، وقد أنشده العباسُ بن مِرْداس مِدْحةٌ فأعطاه حُلَّة ، فقال له عمر : أتَزْوي
منها شيئاً ؟ قال : نعم فأنشده :
نشَرْتَ كتاباً جاءً بالحقِّ معلَما
رأيتُكَ يا خيرَ البريَّةِ كلِّها
عنِ الحقِّ لما أصبحَ الحقُّ مظلما
شرعتَ لنا دينَ الهُدَى بعدَ جَوْرنا
ذكره أبو بكر بن أبي الدنيا في قرى الضيف (٢٧٦/٥).
(١)
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من ( ق ).
كذا في ( ب، ح)، وفي الديوان (عمامته)).
(٣)
(٤) الأبيات في ديوان جرير ص ( ٤٨٦).